Полный текст (5 149 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
﵊ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ ﵀ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ وَمَاؤُهَا كَانَ جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ،
بَعْضِهِ بِبَعْضٍ.
(قَوْلُهُ: وَاَلَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ جَوَابٌ عَنْ حَدِيثِ مَالِكٍ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بِئْرِ بُضَاعَةَ) وَهِيَ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّهَا: بِئْرٌ قَدِيمَةٌ بِالْمَدِينَةِ تُلْقَى فِيهَا الْجِيَفُ وَمَحَايِضُ النِّسَاءِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ تَوَضَّأَ مِنْهَا فَقَالَ «الْمَاءُ طَهُورٌ» الْحَدِيثَ، وَقَدْ كَانَ مَاؤُهَا جَارِيًا فِي الْبَسَاتِينِ يُسْقَى مِنْهُ خَمْسُ بَسَاتِينَ، وَالْمَاءُ الْجَارِي لَا يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ عِنْدَنَا. فَإِنْ قِيلَ الْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ خُصُوصِ السَّبَبِ فَكَيْفَ اخْتَصَّ بِئْرُ بُضَاعَةَ مَعَ وُجُودِ دَلِيلِ الْعُمُومِ فِيهِ وَهُوَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الْحَمْلِ لِلتَّوْفِيقِ، فَإِنَّ الْحَدِيثَيْنِ إذَا تَعَارَضَا وَجُهِلَ تَارِيخُهُمَا جُعِلَا كَأَنَّهُمَا وَرَدَا مَعًا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ إنْ أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِهِمَا يُحْمَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مَحْمَلٍ إنْ أَمْكَنَ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يُطْلَبُ التَّرْجِيحُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ يَتَهَاتَرَانِ، وَهَاهُنَا أَمْكَنَ الْعَمَلُ بِأَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى بِئْرِ بُضَاعَةَ وَحَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ، وَقَوْلُهُ: ﵊ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِهَا فَعَمِلْنَا كَذَلِكَ دَفْعًا لِلتَّنَاقُضِ. فَإِنْ قِيلَ اسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ أَوَّلَ الْبَابِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى طَهُورِيَّةِ الْمِيَاهِ الْمَذْكُورَةِ هُنَاكَ وَحَمَلَهُ هَاهُنَا عَلَى بِئْرِ بُضَاعَةَ، فَإِنْ كَانَتْ اللَّامُ فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ لِلْجِنْسِ صَحَّ الِاسْتِدْلَال وَبَطَلَ الْحَمْلُ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْعَهْدِ صَحَّ الْحَمْلُ وَبَطَلَ الِاسْتِدْلَال. أَجَابَ الْعَلَّامَةُ عَلَاءُ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بِمَا مَعْنَاهُ أَنَّهُ لِلْجِنْسِ وَالِاسْتِدْلَالُ صَحِيحٌ، وَالْحَمْلُ لَيْسَ بِبَاطِلٍ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ مُشْتَمِلٌ عَلَى قَضِيَّتَيْنِ: إحْدَاهُمَا الْمَاءُ طَهُورٌ، وَالثَّانِيَةُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، وَالِاسْتِدْلَالُ بِالْأُولَى؛ لِأَنَّهَا تُفِيدُ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى الثَّانِيَةِ وَالْحَمْلُ لِلثَّانِيَةِ. وَرُدَّ بِأَنَّ الضَّمِيرَ فِي لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ رَاجِعٌ إلَى مَا دَخَلَ عَلَيْهِ اللَّامُ فَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسَ، فَكَيْفَ يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى مُعَيَّنٍ.
وَأَجَابَ بِأَنَّ اللَّفْظَ إذَا احْتَمَلَ مَعْنَيَيْنِ وَأُرِيدَ بِهِ أَحَدُهُمَا ثُمَّ أُرِيدَ بِضَمِيرِهِ الْآخَرُ جَازَ، وَيُسَمَّى ذَلِكَ اسْتِخْدَامًا كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ:
إذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأَرْضِ قَوْمٍ … رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابًا
وَهُوَ كَلَامٌ حَسَنٌ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ ﵊ «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ وَالْحِلُّ مَيْتَتُهُ» فِي كَوْنِهِ جَوَابًا زَائِدًا عَلَى مِقْدَارِ الْحَاجَةِ، فَإِنَّ الْحَاجَةَ كَانَتْ فِي دَفْعِ النَّجَاسَةِ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ، وَكَانَ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِقَوْلِهِ «لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ» إلَّا أَنَّهُ زَادَ قَوْلَهُ «الْمَاءُ طَهُورٌ» وَقَدْ يَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ هَذِهِ الْحَقِيقَةُ مِنْ شَأْنِهَا التَّطْهِيرُ، وَمَاءُ بِئْرِ بُضَاعَةَ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ إلَى آخِرِهِ لِكَوْنِهِ جَارِيًا، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْبَالِغُ قُلَّتَيْنِ طَاهِرًا إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ لِوُجُودِ الدَّلِيلِ.
стр. 72
وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد، وَهُوَ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ.
عَلَى نَجَاسَتِهِ وَهُوَ حَدِيثُ الْمُسْتَيْقِظِ، وَقَوْلُهُ: «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ» الْحَدِيثَ. وَقَوْلُهُ: (وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ) يُرِيدُ بِهِ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد مَعْنَاهُ لَا يَصِحُّ التَّعَلُّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفًا ضَعَّفَهُ أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ قَالَ حَدِيثُ الْقُلَّتَيْنِ مِمَّا لَا يَثْبُتُ، وَهَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ أُسْتَاذُ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَعِيلَ الْبُخَارِيِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ بَلَغَنِي بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرُنِي مَنْ ذَكَرَهُ وَمِثْلُ هَذَا دُونَ الْمُرْسَلِ وَفِي مَتْنِهِ اضْطِرَابٌ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَعْضِ
стр. 73
(وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْهُ
الرِّوَايَاتِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَفِي بَعْضِهَا أَرْبَعِينَ قُلَّةً هَكَذَا رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَخَذَ بِهِ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَالْقُلَّةُ فِي نَفْسِهَا مَجْهُولَةٌ؛ لِأَنَّهَا تُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا قَامَةُ الرَّجُلِ، وَتُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا رَأْسُ الْجَبَلِ، وَتُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهَا الْجَرَّةُ، وَالتَّعْيِينُ بِقِلَالِ هَجْرٍ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِ جُرَيْجٍ؛ لِأَنَّ جُرَيْجًا مِمَّنْ لَا يُقَلَّدُ فَيَبْقَى مُحْتَمَلًا، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: لَا يَحْتَمِلُ خُبْثًا يُحْتَمَلُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ: أَيْ لَا يَقْبَلُ النَّجَاسَةَ وَيَدْفَعُهَا، وَيَحْتَمِلُ إذَا قَلَّ الْمَاءُ حَتَّى انْتَهَى إلَى الْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يَضْعُفُ عَنْ احْتِمَالِ الْخُبْثِ فَيَنْجَسُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ التَّمَسُّكُ بِهِ صَحِيحًا.
(قَوْلُهُ: وَالْمَاءُ الْجَارِي إذَا وَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ) اخْتَلَفَ
стр. 74
إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ لِأَنَّهَا لَا تَسْتَقِرُّ مَعَ جَرَيَانِ الْمَاءِ) وَالْأَثَرُ هُوَ الرَّائِحَةُ أَوْ الطَّعْمُ أَوْ اللَّوْنُ،
النَّاسُ فِي تَعْرِيفِ الْمَاءِ الْجَارِي، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إذَا غَسَلَ يَدَهُ وَسَالَ الْمَاءُ مِنْهَا إلَى النَّهْرِ فَإِذَا أَخَذَهُ ثَانِيًا لَا يَكُونُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَاءِ الْأَوَّلِ. وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتَبِنَةٍ. وَقِيلَ هُوَ مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ لَوْ وَضَعَ رَجُلٌ يَدَهُ فِي الْمَاءِ عَرَضًا لَمْ يَنْقَطِعْ جَرَيَانُهُ. قِيلَ وَالْأَصَحُّ مَا يَعُدُّهُ النَّاسُ جَارِيًا، وَحُكْمُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (إذَا لَمْ يُرَ لَهَا أَثَرٌ) أَيْ لَمْ يُبْصَرْ لَهَا أَثَرٌ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا كَانَتْ مَرْئِيَّةً لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ جَانِبِ الْوُقُوعِ.
قَالَ فِي الْمُحِيطِ: إذَا وَقَعَتْ النَّجَاسَةُ فِي الْمَاءِ الْجَارِي، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ كَالْبَوْلِ لَا يَنْجُسُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَرْئِيَّةً كَالْجِيفَةِ وَالْعَذِرَةِ، فَإِنْ كَانَ النَّهْرُ كَبِيرًا لَا يُتَوَضَّأُ مِنْ أَسْفَلِ الْجَانِبِ الَّذِي فِيهِ الْجِيفَةُ وَيُتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَإِنْ لَاقَاهَا أَكْثَرُ الْمَاءِ فَهُوَ نَجِسٌ،
стр. 75
وَالْجَارِي مَا لَا يَتَكَرَّرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَقِيلَ مَا يَذْهَبُ بِتِبْنِهِ.
قَالَ (وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ الَّذِي لَا يَتَحَرَّكُ أَحَدُ طَرَفَيْهِ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ إذَا وَقَعَتْ نَجَاسَةٌ فِي أَحَدِ جَانِبَيْهِ جَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ)
وَإِنْ كَانَ أَقَلَّهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ النِّصْفَ جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ فِي الْحُكْمِ، وَالْأَحْوَطُ أَلَّا يُتَوَضَّأَ.
(قَوْلُهُ: وَالْغَدِيرُ الْعَظِيمُ) الْغَدِيرُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ غَدَرَ: أَيْ تَرَكَ، وَهُوَ الَّذِي تَرَكَهُ مَاءُ السَّيْلِ، وَقِيلَ بِمَعْنَى مُفَاعِلٍ أَيْ مُغَادِرٍ
стр. 76
إذْ أَثَرُ التَّحْرِيكِ فِي السِّرَايَةِ فَوْقَ أَثَرِ النَّجَاسَةِ. ثُمَّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ التَّحْرِيكَ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْهُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ بِالتَّوَضِّي. وَوَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْهَا إلَى التَّوَضِّي، وَبَعْضُهُمْ قَدَّرُوا بِالْمِسَاحَةِ عَشْرًا فِي عَشْرٍ بِذِرَاعِ الْكِرْبَاسِ تَوْسِعَةً لِلْأَمْرِ عَلَى النَّاسِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
وَقِيلَ بِمَعْنَى فَاعِلٍ؛ لِأَنَّهُ يَغْدِرُ بِأَهْلِهِ لِانْقِطَاعِهِ عِنْدَ شِدَّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ أَصْحَابَنَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا خَلَصَ بَعْضُهُ: أَيْ وَصَلَ إلَى بَعْضٍ كَانَ قَلِيلًا، وَإِذَا لَمْ يَخْلُصُ كَانَ كَثِيرًا لَا يَنْجَسُ بِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، إلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ كَالْمَاءِ الْجَارِي. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِيمَا يُعْرَفُ بِهِ الْخُلُوصُ، فَذَهَبَ الْمُتَقَدِّمُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالتَّحْرِيكِ: فَإِذَا حُرِّكَ طَرَفٌ مِنْهُ وَلَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَانِبُ الْآخَرُ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، وَالْمُرَادُ بِالتَّحَرُّكِ هُوَ التَّحَرُّكُ بِالِارْتِفَاعِ وَالِانْخِفَاضِ سَاعَةَ تَحْرِيكِهِ لَا بَعْدَ الْمُكْثِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْحَبَابِ، فَإِنَّ الْمَاءَ وَإِنْ كَثُرَ يَعْلُوهُ وَيَتَحَرَّكُ. ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي سَبَبِ التَّحْرِيكِ، فَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالِاغْتِسَالِ، وَهُوَ أَنْ يَغْتَسِلَ إنْسَانٌ فِي جَانِبٍ مِنْهُ اغْتِسَالًا وَسَطًا وَلَمْ يَتَحَرَّكْ الْجَانِبُ الْآخَرُ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو يُوسُفَ. وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالْيَدِ لَا غَيْرُ. وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ التَّحْرِيكُ بِالتَّوَضُّؤِ.
وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ أَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الِاغْتِسَالِ فِي الْحِيَاضِ أَشَدُّ مِنْ الْحَاجَةِ إلَى التَّوَضُّؤِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ يَكُونُ فِي الْبُيُوتِ عَادَةً.
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ التَّحْرِيكَ يَكُونُ بِالِاغْتِسَالِ وَبِالتَّوَضُّؤِ وَبِغَسْلِ الْيَدِ، إلَّا أَنَّ التَّحْرِيكَ بِغَسْلِ الْيَدِ يَكُونُ أَخَفَّ فَكَانَ الِاعْتِبَارُ بِهِ أَوْلَى تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ. وَوَجْهُ الثَّالِثِ أَنَّ مَبْنَى الْمَاءِ فِي حُكْمِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْخِفَّةِ، فَإِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ يَنْجَسَ وَإِنْ كَثُرَ الْمَاءُ، إلَّا أَنَّهُ أَسْقَطَ حُكْمَ النَّجَاسَةِ عَنْ بَعْضِ الْمِيَاهِ تَخْفِيفًا فَاعْتُبِرَ التَّحْرِيكُ الْوَسَطُ وَهُوَ التَّحْرِيكُ بِالْوُضُوءِ.
وَذَهَبَ الْمُتَأَخِّرُونَ إلَى أَنَّهُ يُعْرَفُ بِشَيْءٍ آخَرَ غَيْرِ التَّحْرِيكِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ بِالْكُدْرَةِ فَقَالَ إذَا اُغْتُسِلَ فِيهِ وَتَكَدَّرَ الْمَاءُ فَإِنْ وَصَلَتْ الْكُدَارَةُ إلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ فَهُوَ مِمَّا يَخْلُصُ وَإِلَّا فَلَا. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَفْصٍ الْكَبِيرِ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ بِالصَّبْغِ فَقَالَ: يُلْقَى زَعْفَرَانٌ فِي جَانِبٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَثَّرَ الزَّعْفَرَانُ
стр. 77
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ هُوَ الصَّحِيحُ.
فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ كَانَ مِمَّا يَخْلُصُ وَإِلَّا فَلَا.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ أَنَّهُ اُعْتُبِرَ بِالْمِسَاحَةِ إنْ كَانَ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَهُوَ مِمَّا لَا يَخْلُصُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِي النَّوَادِرِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، فَقَالَ: إنْ كَانَ مِثْلَ مَسْجِدِي هَذَا فَهُوَ مَا لَا يَخْلُصُ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ، فَلَمَّا قَامَ مُسِحَ مَسْجِدُهُ فَكَانَ ثَمَانِيًا فِي ثَمَانٍ، وَفِي رِوَايَةٍ وَعَشْرًا فِي عَشْرٍ فِي رِوَايَةٍ، وَبِقَوْلِ أَبِي سُلَيْمَانَ الْجُوزَجَانِيِّ أَخَذَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، ثُمَّ أَلْفَاظُ الْكُتُبِ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي تَعْيِينِ الذِّرَاعِ فَجُعِلَ الصَّحِيحُ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ ذِرَاعُ الْمِسَاحَةِ وَهِيَ سَبْعُ مُشِتَّاتٍ فَوْقَ كُلِّ مُشِتَّةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ، وَالْمُصَنِّفُ اخْتَارَ لِلْفَتْوَى ذِرَاعَ الْكِرْبَاسِ وَهِيَ سَبْعُ مُشِتَّاتٍ لَيْسَ فَوْقَ كُلِّ مُشِتَّةٍ إصْبَعٌ قَائِمَةٌ تَوْسِعَةً لِلْأُمُورِ عَلَى النَّاسِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْعُمْقِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْحَسِرُ بِالِاغْتِرَافِ. وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ إنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ أَنْ يَكُونَ
стр. 78
وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ وَجَازَ الْوُضُوءُ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ، إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِظُهُورِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ فِيهِ كَالْمَاءِ الْجَارِي.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ فِي الْمَاءِ لَا يُنَجِّسُهُ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ، بِخِلَافِ دُودِ الْخَلِّ وَسُوسِ الثِّمَارِ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ فِيهِ «هَذَا هُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ وَشُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلِأَنَّ الْمُنَجَّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ،
ذِرَاعًا، وَقَالَ آخَرُونَ أَنْ يَكُونَ قَدْرَ شِبْرٍ. وَقَوْلُهُ: (فِي الْكِتَابِ) يَعْنِي مُخْتَصَرَ الْقُدُورِيِّ.
وَقَوْلُهُ: (إشَارَةً إلَى أَنَّهُ يَنْجَسُ مَوْضِعُ الْوُقُوعِ) لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ كَوْنِهَا مَرْئِيَّةً وَغَيْرَ مَرْئِيَّةٍ وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ مَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَمَشَايِخِ بُخَارَى وَبَلْخِي، فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا فَقَالُوا فِي غَيْرِ الْمَرْئِيَّةِ يُتَوَضَّأُ مِنْ الْجَانِبِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ بِخِلَافِ الْمَرْئِيَّةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَنْجَسُ إلَّا إذَا ظَهَرَ أَثَرُهَا فِيهِ: أَيْ فِي مَوْضِعِ الْوُقُوعِ كَالْمَاءِ الْجَارِي، وَعَلَى هَذَا إذَا غَسَلَ وَجْهَهُ فِي حَوْضٍ كَبِيرٍ فَسَقَطَ غُسَالَةُ وَجْهِهِ فِي الْمَاءِ فَرَفَعَ الْمَاءَ مِنْ مَوْضِعِ الْوُقُوعِ قَبْلَ التَّحْرِيكِ لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ، وَجَوَّزَهُ مَشَايِخُ بُخَارَى وَبَلْخِي تَوْسِعَةً عَلَى النَّاسِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى فِيهِ.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ) إذَا مَاتَ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ كَالْبَقِّ وَالذُّبَابِ وَالزَّنَابِيرِ وَالْعَقْرَبِ وَنَحْوِهَا (فِي الْمَاءِ) لَا يُنَجِّسُهُ وَإِنَّمَا جَمَعَ الزَّنَابِيرَ دُونَ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا أَنْوَاعٌ شَتَّى، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَامٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وَالتَّحْرِيمُ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ) احْتِرَازٌ عَنْ الْآدَمِيِّ. فَإِنْ قِيلَ دُودُ الْخَلِّ وَسُوسُ الثِّمَارِ إذَا مَاتَتْ فِيهَا مَعَ أَنَّهَا
стр. 79
حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ وَلَا دَمَ فِيهَا، وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ كَالطِّينِ.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ وَالضُّفْدَعِ وَالسَّرَطَانِ)
مَيْتَةُ لَا يُنَجِّسُ الْخَلَّ وَالثِّمَارَ. أَجَابَ بِقَوْلِهِ:؛ لِأَنَّ فِيهِ ضَرُورَةً.
وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ بِإِسْنَادِهِ إلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ «عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِيهِ: أَيْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ فَإِنَّهُ ﵊ سُئِلَ عَنْ إنَاءٍ فِيهِ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ يَمُوتُ فِيهِ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ فَقَالَ: هُوَ الْحَلَالُ أَكْلُهُ وَشَرَابُهُ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ» وَلِأَنَّ الْمُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ حَتَّى حَلَّ الْمُذَكَّى لِانْعِدَامِ الدَّمِ فِيهِ، وَلَا دَمَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إذْ الْفَرْضُ كَذَلِكَ فَلَا يَنْجَسُ هَاهُنَا. فَإِنْ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمُنَجِّسَ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ، فَإِنَّ ذَبِيحَةَ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ وَتَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَيْسَ فِيهَا دَمٌ مَسْفُوحٌ وَهِيَ نَجِسَةٌ، وَذَبِيحَةُ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَسِلْ مِنْهَا دَمٌ يُعَارَضُ بِأَنْ أَكَلَتْ وَرَقَ الْعُنَّابِ حَلَالٌ مَعَ أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَسِلْ. فَالْجَوَابُ أَنَّ الْقِيَاسَ فِي ذَبِيحَةِ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ الطَّهَارَةُ كَذَبِيحَةِ الْمُسْلِمِ، إلَّا أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ أَخْرَجَهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الذَّبْحِ بِقَوْلِهِ ﷺ «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ غَيْرَ نَاكِحِي نِسَائِهِمْ وَلَا آكِلِي ذَبَائِحِهِمْ» فَجَعَلَ الشَّرْعُ ذَبْحَهُ كَلَا ذَبْحٍ، وَكَمَا جَعَلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ جَعَلَ ذَبِيحَةَ الْمُسْلِمِ إذَا لَمْ يَسِلْ مِنْهَا الدَّمُ كَذَبِيحَتِهِ إذَا سَالَ إقَامَةً لِأَهْلِيَّةِ الذَّابِحِ وَاسْتِعْمَالِ آلَةِ الذَّبْحِ مَقَامَ الْإِسَالَةِ لِإِتْيَانِهِ بِمَا هُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ الدَّاخِلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالْعَوَارِضِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْقَوَاعِدِ الْأَصْلِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَيًّا لَا يَنْجَسُ، وَلِهَذَا قُلْنَا: الْمُصَلِّي إذَا اسْتَصْحَبَ فَأْرَةً أَوْ عُصْفُورَةً حَيَّةً لَمْ تَفْسُدْ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَفَسَدَتْ، وَلَوْ مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا وَاسْتَصْحَبَهَا فَسَدَتْ، وَهَذَا؛ لِأَنَّ الدَّمَ الَّذِي فِي الْحَيِّ فِي مَعْدِنِهِ وَبِالْمَوْتِ يَنْصَبُّ عَنْ مَجَارِيهِ فَيَتَنَجَّسُ اللَّحْمُ بِتَشَرُّبِهِ إيَّاهُ، وَلِهَذَا لَوْ قُطِعَتْ الْعُرُوقُ بَعْدَهُ لَمْ يَسِلْ مِنْهَا دَمٌ (قَوْلُهُ: وَالْحُرْمَةُ لَيْسَتْ مِنْ ضَرُورَتِهَا النَّجَاسَةُ) جَوَابٌ عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الطِّينَ حَرَامٌ لَا لِكَرَامَتِهِ وَلَيْسَ بِنَجِسٍ.
قَالَ (وَمَوْتُ مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ فِيهِ لَا يُفْسِدُهُ) مَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ: يَعْنِي مَا يَكُونُ مَوْلِدُهُ وَمَثْوَاهُ فِيهِ إذَا مَاتَ فِي الْمَاءِ لَا يُفْسِدُهُ كَالسَّمَكِ
стр. 80
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: يُفْسِدُهُ إلَّا السَّمَكُ لِمَا مَرَّ. وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مُحُّهَا دَمًا، وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا، إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجِّسُ، وَفِي غَيْرِ الْمَاءِ قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ. وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ لِعَدَمِ الدَّمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَالضُّفْدَعُ وَالسَّرَطَانُ. قِيلَ إنَّمَا قَالَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى لَا يُنَجِّسُهُ وَفِي هَذِهِ لَا يُفْسِدُهُ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي غَيْرِ مَعْدِنِهِ فَيُتَوَهَّمُ التَّنْجِيسُ فَيُنَاسَبُ نَفْيَهُ، وَفِي الثَّانِيَةِ فِي مَعْدِنِهِ فَلَا يُتَوَهَّمُ تَنْجِيسُهُ بِوَاسِطَةِ الضَّرُورَةِ، لَكِنْ اُحْتُمِلَ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْمَاءِ فَنَفَاهُ بِقَوْلِهِ لَا يُفْسِدُهُ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْسِدُهُ إلَّا السَّمَكَ لِمَا مَرَّ) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا بِطَرِيقِ الْكَرَامَةِ آيَةُ النَّجَاسَةِ.
قِيلَ فِي هَذَا التَّعْلِيلِ إشْكَالٌ، وَهُوَ أَنَّ الضُّفْدَعَ وَالسَّرَطَانَ يَجُوزُ أَكْلُهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ عَلَى مَا سَيَأْتِي.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ أَطْلَقَ ذَلِكَ كُلَّهُ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ رِوَايَةً أُخْرَى عَنْهُ فَيَكُونُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهَا (وَلَنَا أَنَّهُ مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ) وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَا مَاتَ فِي مَعْدِنِهِ كَانَ نَجِسًا فِي مَعْدِنِهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ نَجِسًا فِي مَعْدِنِهِ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَبَيْضَةٍ حَالَ مَجِّهَا دَمًا: أَيْ تَغَيَّرَتْ صُفْرَتُهَا دَمًا، حَتَّى لَوْ صَلَّى وَفِي كُمِّهِ تِلْكَ الْبَيْضَةُ تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِي مَعْدِنِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا صَلَّى وَفِي كُمِّهِ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ لَيْسَتْ فِي مَعْدِنِهَا. قِيلَ هَذَا التَّعْلِيلُ يَقْتَضِي أَلَّا يُعْطَى لِلْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبَرِّ؛ لِأَنَّهُ مَعْدِنُهَا، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ بِالْمَعْدِنِ مَا يَكُونُ مُحِيطًا فَإِنَّهُمْ يُمَثِّلُونَ بِالدَّمِ فِي الْعُرُوقِ وَالْمُخَّ فِي الْبَيْضَةِ وَأَشْبَاهَهُمَا وَلَيْسَ الْبَرُّ كَذَلِكَ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ لَا دَمَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ إذْ الدَّمَوِيُّ لَا يَسْكُنُ الْمَاءَ وَالدَّمُ هُوَ الْمُنَجِّسُ كَمَا تَقَدَّمَ (وَ) إذَا مَاتَ (فِي غَيْرِ الْمَاءِ) كَالْخَلِّ وَالْعَصِيرِ وَالْحَلِيبِ وَنَحْوِهَا (قِيلَ غَيْرُ السَّمَكِ يُفْسِدُهُ لِانْعِدَامِ الْمَعْدِنِ) وَهُوَ قَوْلُ نُصَيْرِ بْنِ يَحْيَى وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَقِيلَ لَا يُفْسِدُهُ) وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ (لِعَدَمِ الدَّمِ وَهُوَ الْأَصَحُّ) لِاطِّرَادِهِ، قِيلَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ التَّعْلِيلَيْنِ نَظَرٌ، أَمَّا فِي الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالْعَدَمِ عَلَى وُجُودِ الشَّيْءِ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا فِي الثَّانِي فَلِأَنَّ انْتِفَاءَ الْعِلَّةِ لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَعْلُولِ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ بِعِلَّةٍ أُخْرَى، وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَيْسَ بِتَعْلِيلٍ بَلْ هُوَ بَيَانُ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ، فَإِنَّا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا تُعْطَى
стр. 81
وَالضُّفْدَعُ الْبَحْرِيُّ وَالْبَرِّيُّ فِيهِ سَوَاءٌ. وَقِيلَ الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الدَّمِ وَعَدَمِ الْمَعْدِنِ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مَا يَكُونُ تَوَلُّدُهُ وَمَثْوَاهُ فِي الْمَاءِ، وَمَائِيُّ الْمَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ الْمَوْلِدِ مُفْسِدٌ.
قَالَ
(وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
حُكْمَ النَّجَاسَةِ فِي مَعْدِنِهَا فَكَانَ الْمَعْدِنُ مَانِعًا عَنْ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَيْهَا.
وَعَنْ الثَّانِي أَنَّ الْعِلَّةَ الشَّخْصِيَّةَ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهَا انْتِفَاءَ الْحُكْمِ، وَهَاهُنَا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ دَمًا مَسْفُوحًا هُوَ الْمُنَجِّسُ لَا غَيْرُ (وَالضُّفْدَعُ الْبَرِّيُّ وَالْبَحْرِيُّ فِيهِ سَوَاءٌ) وَإِنَّمَا يُعْرَفُ الْبَرِّيُّ مِنْ الْبَحْرِيِّ بِأَنَّ الْبَحْرِيَّ مَا يَكُونُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ سُتْرَةٌ، وَقِيلَ الْبَرِّيُّ مُفْسِدٌ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ وَهُوَ الدَّمُ وَانْتِفَاءُ الْمَانِعِ وَهُوَ الْمَعْدِنُ.
وَقَوْلُهُ: (وَمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ) بَيَانٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَا يَعِيشُ فِي الْمَاءِ مَا كَانَ تَوَالُدُهُ وَمَثْوَاهُ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَحْثِ (وَمَائِيُّ الْمَعَاشِ دُونَ مَائِيِّ الْمَوْلِدِ) كَالْبَطِّ وَالْإِوَزِّ وَنَحْوِهِمَا (مُفْسِدٌ).
قَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ) قَدَّمَ الْكَلَامَ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ فِي طَهَارَةِ الْأَحْدَاثِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي طَهَارَةِ الْأَنْجَاسِ فِيمَا رَوَى مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَذْهَبِهِ، فَإِنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ الْعَيْنِيَّةِ بِسَائِرِ الْمَائِعَاتِ تَجُوزُ عِنْدَهُ (قَوْلُهُ: خِلَافًا لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ) لِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَاءِ
стр. 82
هُمَا يَقُولَانِ إنَّ الطَّهُورَ مَا يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْقَطُوعِ. وَقَالَ زُفَرُ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ ﵀:
الْمُسْتَعْمَلِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَظْهَرُهَا كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَفِي قَوْلٍ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَفِي آخَرَ إنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ طَاهِرٌ وَطَهُورٌ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ (هُمَا) أَيْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ (يَقُولَانِ: إنَّ الطَّهُورَ مَاءٌ يُطَهِّرُ غَيْرَهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالْقَطُوعِ) وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلَّا إذَا لَمْ يَتَنَجَّسْ بِالِاسْتِعْمَالِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ الْمَحْكِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ، وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا إنْ كَانَ لِزِيَادَةِ بَيَانٍ لِنِهَايَتِهِ فِي الطَّهَارَةِ كَانَ سَدِيدًا، وَيُعَضِّدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وَإِلَّا فَلَيْسَ فَعُولٌ مِنْ التَّفْعِيلِ فِي شَيْءٍ، وَإِذَا كَانَ بَيَانًا لِنِهَايَتِهِ فِيهَا لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَطْهِيرِ الْغَيْرِ فَضْلًا عَنْ التَّكْرَارِ فِيهِ.
وَقَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ الْأَعْضَاءَ طَاهِرَةٌ حَقِيقَةً مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ طَاهِرَةٌ حَقِيقَةً نَجِسَةٌ حُكْمًا، فَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ فِيهَا بِالنَّظَرِ إلَى الْأَوَّلِ طَاهِرٌ، وَبِالنَّظَرِ إلَى الثَّانِي نَجِسٌ، وَالْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَحَدِهِمَا إبْطَالٌ لِلْآخَرِ، وَإِعْمَالُهُمَا وَلَوْ بِوَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إهْمَالِ أَحَدِهِمَا، فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ. وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ وَهُوَ أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ لِلْفَتْوَى لِعُمُومِ
стр. 83
إنْ كَانَ الْمُسْتَعْمِلُ مُتَوَضِّئًا فَهُوَ طَهُورٌ، وَإِنْ كَانَ مُحْدِثًا فَهُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ لِأَنَّ الْعُضْوَ طَاهِرٌ حَقِيقَةً، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الْمَاءُ طَاهِرًا لَكِنَّهُ نَجِسٌ حُكْمًا، وَبِاعْتِبَارِهِ يَكُونُ الْمَاءُ نَجِسًا فَقُلْنَا بِانْتِفَاءِ الطَّهُورِيَّةِ وَبَقَاءِ الطَّهَارَةِ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ هُوَ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ، وَلِأَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ لِلطَّاهِرِ لَا تُوجِبُ التَّنَجُّسَ، إلَّا أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ فَتَغَيَّرَتْ بِهِ صِفَتُهُ كَمَالِ الصَّدَقَةِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ
الْبَلْوَى.
وَقَوْلُهُ (لِأَنَّ مُلَاقَاةَ الطَّاهِرِ) وَهُوَ الْمَاءُ (لِلطَّاهِرِ) وَهُوَ الْعُضْوُ الْمَغْسُولُ؛ لِأَنَّهُ طَاهِرٌ حَقِيقَةً لَا يُوجِبُ التَّنَجُّسَ كَمَا لَوْ غُسِلَ بِهِ ثَوْبٌ طَاهِرٌ (إلَّا أَنَّهُ أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ) وَلِإِقَامَتِهَا تَأْثِيرٌ فِي تَغْيِيرِ مَا أُقِيمَتْ بِهِ (فَتَغَيَّرَتْ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِعْمَالِ (صِفَةُ الْمَاءِ كَمَالُ الصَّدَقَةِ) الَّذِي أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ صِفَتُهُ فَلَمْ يَبْقَ طَيِّبًا، وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَادَرُوا إلَى وُضُوئِهِ فَمَسَحُوا بِهِ وُجُوهَهُمْ»، فَلَوْ كَانَ نَجِسًا لِمَنْعِهِمْ كَمَا مَنَعَ
стр. 84
:
هُوَ نَجِسٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» الْحَدِيثَ، وَلِأَنَّهُ مَاءٌ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَيُعْتَبَرُ بِمَاءٍ أُزِيلَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، ثُمَّ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً
أَبَا طَيْبَةَ الْحَجَّامَ عَنْ شُرْبِ دَمِهِ.
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ بِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» الْحَدِيثَ أَنَّهُ ﷺ كَمَا نَهَى عَنْ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَهُوَ الْبَوْلُ فَكَذَلِكَ نَهَى عَنْ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَهُوَ الِاغْتِسَالُ فِيهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيهِ كَالْبَوْلِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ مَاءٌ) أَيْ وَلِأَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ مَا أُزِيلَ بِهِ أَحَدُ الْمَانِعَيْنِ مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَهُوَ النَّجَسُ الْحُكْمِيُّ فَيَتَنَجَّسُ قِيَاسًا عَلَى مَا أُزِيلَ بِهِ الْمَانِعُ الْآخَرُ مِنْهُ وَهُوَ النَّجَسُ الْحَقِيقِيُّ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْمُتَوَضِّئُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَوْصُوفٌ بِكَوْنِهِ مُحْدِثًا، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَتَحَوَّلَ هَذِهِ الصِّفَةُ مِنْهُ إلَى الْمَاءِ أَوْ لَا، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَاضَ لَا تَقْبَلُ الِانْتِقَالَ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلَاءِ فَتَعَيَّنَ الثَّانِي، وَحِينَئِذٍ لَا وَجْهَ لِلْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ كَلَامَنَا لَيْسَ فِي الْمُتَوَضِّئِ وَصِفَتِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ مُتَّصِفَةٌ بِالنَّجَاسَةِ حُكْمًا وَقَدْ زَالَتْ شَرْعًا بِالْوُضُوءِ الَّذِي أُقِيمَتْ بِهِ قُرْبَةٌ، وَقَدْ أَقَمْنَا الدَّلِيلَ آنِفًا عَلَى أَنَّ لِإِقَامَتِهَا تَأْثِيرًا فِي تَغَيُّرِ مَا أُقِيمَتْ بِهِ فَصَارَ الْمَاءُ بِهِ خَبِيثًا شَرْعًا كَمَالِ الصَّدَقَةِ وَلَا نَعْنِي بِصَيْرُورَةِ الْمَاءِ نَجَسًا إلَّا اتِّصَافُهُ بِالْخُبْثِ شَرْعًا، وَالِانْتِقَالُ عَلَى الْأَعْرَاضِ الْحَقِيقِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا الْأُمُورُ الِاعْتِبَارِيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فَيَجُوزُ أَنْ تُعْتَبَرَ قَائِمَةً بِمَحَلٍّ بَعْدَ قَطْعِ الِاعْتِبَارِ عَنْ قِيَامِهَا بِمَحَلٍّ آخَرَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْمِلْكَ لِلْبَائِعِ أَمْرٌ اعْتِبَارِيٌّ حُكْمِيٌّ، وَبَعْدَ أَنْ قَالَ بِعْت وَقَبِلَ الْمُشْتَرِي انْتَقَلَ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ إلَيْهِ، وَبَعْدَمَا ثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ اخْتَلَفَتْ
стр. 85
اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقَةِ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يُوسُفَ عَنْهُ ﵀ وَهُوَ قَوْلُهُ إنَّهُ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيَّةً لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ.
قَالَ (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا أُزِيلَ بِهِ حَدَثٌ أَوْ اُسْتُعْمِلَ فِي الْبَدَنِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) قَالَ ﵁: وَهَذَا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَقِيلَ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا إلَّا بِإِقَامَةِ الْقُرْبَةِ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ وَإِنَّهَا تُزَالُ بِالْقُرَبِ، وَأَبُو يُوسُفَ ﵀ يَقُولُ: إسْقَاطُ الْفَرْضِ مُؤَثِّرٌ أَيْضًا فَيَثْبُتُ الْفَسَادُ بِالْأَمْرَيْنِ، وَمَتَى يَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا
الرِّوَايَاتُ فِي غِلَظِهَا وَخِفَّتِهَا، فَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجَسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً اعْتِبَارًا بِالْمُسْتَعْمَلِ فِي النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَتُقَدَّرُ بِالدِّرْهَمِ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ: (إنَّهُ نَجَسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً لِمَكَانِ الِاخْتِلَافِ) فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ يُورِثُ التَّخْفِيفَ كَمَا سَيَجِيءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ: (وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ) بَيَانُ الْحَقِيقَةِ وَكَانَ حَقُّهُ التَّقْدِيمَ، وَلَكِنْ قَدَّمَ الْحُكْمَ لِمَا ذُكِرَ آنِفًا؛ وَلِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ بَيَانَ السَّبَبِ فَصَارَ مِنْ الْوَسَائِلِ فَلَمْ يَجِبْ تَقْدِيمُهُ، ثُمَّ سَبَبُ كَوْنِ الْمَاءِ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ هُوَ إزَالَةُ الْحَدَثِ أَوْ قَصْدُ الْقُرْبَةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ قَصْدُ الْقُرْبَةِ فَقَطْ، وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ إزَالَةُ الْحَدَثِ لَا غَيْرُ، فَلَوْ تَوَضَّأَ مُحْدِثٌ بِنِيَّةِ الْقُرْبَةِ صَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا بِالْإِجْمَاعِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ زُفَرَ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ لِعَدَمِ قَصْدِ الْقُرْبَةِ، وَكَذَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ لِعَدَمِ إزَالَةِ الْحَدَثِ عِنْدَهُ بِلَا نِيَّةٍ، وَلَوْ تَوَضَّأَ الْمُتَوَضِّئُ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ صَارَ مُسْتَعْمَلًا عِنْدَ الثَّلَاثَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ، وَالشَّافِعِيُّ اسْتَدَلَّ لِمُحَمَّدٍ بِقَوْلِهِ (؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْمَالَ بِانْتِقَالِ نَجَاسَةِ الْآثَامِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، وَانْتِقَالُهَا بِإِزَالَتِهَا عَنْ مَحَلِّهَا وَإِزَالَتُهَا بِالْقُرَبِ كَمَا فِي مَالِ الصَّدَقَةِ، وَأَبُو يُوسُفَ يَقُولُ إسْقَاطُ الْفَرْضِ مُؤَثِّرٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ عِنْدَهُمَا إنَّمَا يَكُونُ بِزَوَالِ نَجَاسَةٍ حُكْمِيَّةٍ عَنْ الْمَحَلِّ وَانْتِقَالُهَا إلَى الْمَاءِ، وَقَدْ انْتَقَلَتْ إلَى الْمَاءِ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اعْتِبَارِهَا بِالنَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ فَيَثْبُتُ فَسَادُ الْمَاءِ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَقَوْلُهُ: (وَمَتَى يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا) بَيَانٌ لِوَقْتِ أَخْذِهِ حُكْمَ الِاسْتِعْمَالِ. وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا ﵏ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ مَا دَامَ مُتَرَدِّدًا فِي الْعُضْوِ لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ، فَإِذَا زَايَلَ الْعُضْوَ وَلَمْ يَسْتَقِرَّ
стр. 86
الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا، لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ لِلضَّرُورَةِ وَلَا ضَرُورَةَ بَعْدَهُ،
فِي مَكَان أَوْ إنَاءٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَبَعْضُ مَشَايِخِ بَلْخِي وَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّحَاوِيِّ إنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا. وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا إلَى أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ صَارَ مُسْتَعْمَلًا حَتَّى لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ تَنَجَّسَ وَقَالُوا: إنَّ مَنْ نَسِيَ مَسْحَ رَأْسِهِ فَأَخَذَ مِنْ لِحْيَتِهِ مَاءً وَمَسَحَ بِهِ رَأْسَهُ لَا يَجُوزُ وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَقَالَ (الصَّحِيحُ أَنَّهُ كَمَا زَايَلَ الْعُضْوَ) وَالْكَافُ هَذِهِ تُسَمَّى كَافُ الْمُفَاجَأَةِ كَمَا تَقُولُ كُلَّمَا خَرَجْت مِنْ الْبَيْتِ رَأَيْت زَيْدًا: أَيْ فَاجَأَتْ رُؤْيَةَ زَيْدٍ، وَمَعْنَاهُ يَصِيرُ الْمَاءُ مُفَاجِئًا وَقْتَ زَوَالِهِ عَنْ الْعُضْوِ وَقْتَ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ إلَى وَقْتِ الِاسْتِقْرَارِ فِي مَكَان وَهُوَ إسْنَادُ الْفِعْلِ إلَى الزَّمَانِ فَيَكُونُ مَجَازًا عَقْلِيًّا.
وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ سُقُوطَ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ) ظَاهِرٌ. وَأَوْرَدَ بِأَنَّ فِيهِ حَرَجًا فَكَانَ ضَرُورَةً، وَقِيلَ فِي جَوَابِهِ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ سَقَطَ فِي الْمِنْدِيلِ وَالثِّيَابِ لِلْحَرَجِ وَهُوَ مُنَاقِضٌ لِأَصْلِ الْمَذْهَبِ وَلَعَلَّ الْمُخَلِّصَ أَنْ يُقَالَ بِثُبُوتِ حُكْمِ الِاسْتِعْمَالِ عِنْدَ الْمُزَايَلَةِ عَنْ الْعُضْوِ فِي الْجَمِيعِ، وَلَا حَرَجَ فِيهِ إذْ الْمُخْتَارُ مِنْ
стр. 87
وَالْجُنُبُ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِطَلَبِ الدَّلْوِ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ الرَّجُلُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الصَّبِّ وَهُوَ شَرْطٌ عِنْدَهُ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ وَالْمَاءُ بِحَالِهِ لِعَدَمِ الْأَمْرَيْنِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀ كِلَاهُمَا طَاهِرَانِ: الرَّجُلُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ، وَالْمَاءُ لِعَدَمِ نِيَّةِ الْقُرْبَةِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: كِلَاهُمَا نَجِسَانِ: الْمَاءُ لِإِسْقَاطِ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ وَالرَّجُلُ لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ.
الْأَقْوَالِ لِلْفَتْوَى أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ.
قَالَ (وَالْجُنُبُ إذَا انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ) جُنُبٌ لَيْسَ عَلَى بَدَنِهِ نَجَاسَةٌ انْغَمَسَ لِطَلَبِ الدَّلْوِ لَمْ يَطْهُرْ وَلَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَطَهُرَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَنْجَسْ الْمَاءُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يَطْهُرْ وَنَجِسَ الْمَاءُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ (لِطَلَبِ الدَّلْوِ)؛ لِأَنَّهُ لَوْ انْغَمَسَ فِي الْبِئْرِ لِلِاغْتِسَالِ لِلصَّلَاةِ فَسَدَ الْمَاءُ عِنْدَ الْكُلِّ. لِأَبِي يُوسُفَ فِي بَقَاءِ الرَّجُلِ نَجِسًا أَنَّ الصَّبَّ عِنْدَهُ شَرْطٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ يَقْتَضِي التَّطْهِيرَ بِالْغُسْلِ لِتَنَجُّسِ الْمَاءِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، وَإِنَّمَا حَصَلَ ضَرُورَةَ خُرُوجِ الْمُكَلَّفِ عَنْ الْأَمْرِ بِالتَّطْهِيرِ، وَالْمَاءُ الْجَارِي أَقْرَبُ إلَى ذَلِكَ لِعَدَمِ اسْتِقْرَارِهِ وَالصَّبُّ بِمَنْزِلَتِهِ فَيُشْتَرَطُ تَحْصِيلًا لِلْمَأْمُورِ بِهِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا الشَّرْطُ لَمْ يُوجَدْ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ، وَانْتِفَاؤُهُ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْمَشْرُوطِ، وَفِي بَقَاءِ الْمَاءِ طَاهِرًا أَنَّ سَبَبَ اسْتِعْمَالِهِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ إسْقَاطُ الْفَرْضِ، وَنِيَّةُ الْقُرْبَةِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا سَبَبَ لَهُ غَيْرُهُمَا، وَقَدْ انْتَفَيَا جَمِيعًا فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ. فَإِنْ قِيلَ انْتِفَاءُ إسْقَاطِ الْفَرْضِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ عِنْدَهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ فَقَدْ سَقَطَ فَيَصِيرُ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا لِكَوْنِهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ تَرَكَ أَصْلَهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضَرُورَةَ الْحَاجَةِ إلَى طَلَبِ الدَّلْوِ، فَلَوْ سَقَطَ الْفَرْضُ تَنَجَّسَ الْمَاءُ وَفَسَدَ الْبِئْرُ وَفِيهِ ضَرَرٌ لَا يَخْفَى.
وَلِمُحَمَّدٍ فِي طَهَارَةِ الرَّجُلِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ الصَّبِّ، فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَا يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاؤُهُ انْتِفَاءَ الْحُكْمِ، وَفِي طَهَارَةِ الْمَاءِ عَدَمُ نِيَّةِ التَّقَرُّبِ، فَإِنَّ السَّبَبَ عِنْدَهُ لَيْسَ إلَّا إقَامَةَ الْقُرْبَةِ بِالنِّيَّةِ وَلَمْ تُوجَدْ، وَكَانَ هَذَا السَّبَبُ مُتَعَيِّنًا كَالسَّبَبِ فِي وَلَدِ الْغَصْبِ فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ بِانْتِفَائِهِ.
стр. 88
وَقِيلَ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ. وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ، وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ.
قَالَ (وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ وَجَازَتْ الصَّلَاةُ فِيهِ وَالْوُضُوءُ مِنْهُ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ) لِقَوْلِهِ ﵊ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» وَهُوَ بِعُمُومِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ ﵀ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ، وَلَا يُعَارَضُ بِالنَّهْيِ الْوَارِدِ عَنْ الِانْتِفَاعِ مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِغَيْرِ الْمَدْبُوغِ
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ فِي نَجَاسَةِ الْمَاءِ إسْقَاطُ الْفَرْضِ عَنْ الْبَعْضِ بِأَوَّلِ الْمُلَاقَاةِ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَصِيرُ بِهِ مُسْتَعْمَلًا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ النِّيَّةُ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ وَفِي بَقَاءِ الرَّجُلِ نَجِسًا لِبَقَاءِ الْحَدَثِ فِي بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ (وَقِيلَ عِنْدَهُ نَجَاسَةُ الرَّجُلِ بِنَجَاسَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ)؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ لَمَّا لَمْ تُشْتَرَطْ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ عِنْدَهُ سَقَطَ الْفَرْضُ بِالِانْغِمَاسِ وَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا وَالرَّجُلُ مُتَلَبِّسٌ بِهِ فَيَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَتِهِ (وَعَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُعْطَى لَهُ حُكْمُ الِاسْتِعْمَالِ قَبْلَ الِانْفِصَالِ وَهُوَ أَوْفَقُ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ) لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ مُنَاسَبَةً لِأَصْلِهِ، فَعَلَى أَوَّلِ أَقْوَالِهِ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ وَلَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَعَلَى الثَّانِي تَجُوزُ لَهُ الْقِرَاءَةُ دُونَ الصَّلَاةِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَلَى الثَّالِثِ يَجُوزُ كِلَاهُمَا، وَإِنَّمَا قُدِّمَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَلَمْ يُوَسِّطْهُ كَمَا هُوَ حَقُّهُ لِزِيَادَةِ احْتِيَاجِهِ إلَى الْبَيَانِ بِسَبَبِ تَرْكِهِ أَصْلَهُ كَمَا بَيَّنَّا.
قَالَ (وَكُلُّ إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ) يَتَعَلَّقُ بِدِبَاغِ الْإِهَابِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: طَهَارَتُهُ، وَهِيَ تَتَعَلَّقُ بِكِتَابِ الصَّيْدِ وَالصَّلَاةِ فِيهِ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِكِتَابِ الصَّلَاةِ: وَالْوُضُوءُ مِنْهُ بِأَنْ يُجْعَلَ قُرْبَةً وَبِهِ يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا قَالَ وَالصَّلَاةُ فِيهِ بِأَنْ يُجْعَلَ ثَوْبًا وَلَمْ يَقُلْ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَ مُصَلَّى وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ. فِيهِمَا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْبَيَانَ فِي الثَّوْبِ بَيَانٌ فِي الْمُصَلَّى لِزِيَادَةِ الِاشْتِمَالِ؛ وَلِأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ وَطَهَارَةُ الْمَكَانِ مُلْحَقَةٌ بِهِ بِالدَّلَالَةِ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْحُكْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَإِنْ كَانَ يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ احْتِرَازًا عَنْ قَوْلِ مَالِكٍ فَإِنَّهُ يَقُولُ: يَطْهُرُ ظَاهِرُهُ دُونَ بَاطِنِهِ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا فِيهِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ الْخِنْزِيرَ عَلَى الْآدَمِيِّ؛ لِأَنَّ الْمَوْضِعَ مَوْضِعُ إهَانَةٍ لِكَوْنِهِ فِي بَيَانِ النَّجَاسَةِ وَتَأْخِيرِ الْآدَمِيِّ فِي ذَلِكَ أَوْلَى، وَاسْتَدَلَّ عَلَى الطَّهَارَةِ دُونَ الْآخَرَيْنِ؛ لِأَنَّ ثُبُوتَهَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَهُمَا بِقَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» (وَهُوَ بِعُمُومِهِ) لِكَوْنِهِ نَكِرَةً اتَّصَفَتْ بِصِفَةٍ عَامَّةٍ (حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي جِلْدِ الْمَيْتَةِ) فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا يَطْهُرُ لَكِنَّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ فِي الْجَامِدِ مِنْ الْأَشْيَاءِ دُونَ الْمَانِعِ فَيُعْمَلُ جِرَابًا
стр. 89
وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي جِلْدِ الْكَلْبِ وَلَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، أَلَا يَرَى أَنَّهُ يُنْتَفَعُ
لِلْحُبُوبِ دُونَ السَّمْنِ وَالْخَلِّ وَغَيْرِهِمَا. فَإِنْ قِيلَ: جِلْدُ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ خَارِجٌ عَنْ عُمُومِهِ فَيَجُوزُ أَنْ يُخَصَّ مِنْهُ جِلْدُ الْمَيْتَةِ بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ أَوْ بِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ» أُجِيبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِيهِ إبْطَالُ النَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﵊ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ» الْحَدِيثَ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْجِلْدَ الطَّاهِرَ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ وَالْخِنْزِيرِ خَارِجَانِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ، وَلَوْ خَرَجَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ أَيْضًا لَزِمَ إبْطَالُ النَّصِّ بِالْقِيَاسِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ وَالنَّهْيُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِالْإِهَابِ وَهُوَ اسْمٌ لِجِلْدٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ كَذَا قَالَ الْخَلِيلُ وَالْأَصْمَعِيُّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ دَاخِلًا فِي عُمُومِ قَوْلِهِ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ» لِيَجُوزَ تَخْصِيصُهُ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ الْمَحَلِّ.
قَوْلُهُ: (وَحُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ، فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغِ، وَتَخْصِيصُ الْكَلْبِ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ، وَذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ أَنَّ كُلَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ قِيَاسًا عَلَى جِلْدِ الْخِنْزِيرِ وَالْآدَمِيِّ، وَعَلَى هَذَا لَا فَائِدَةَ فِي تَخْصِيصِهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلَيْسَ الْكَلْبُ بِنَجِسِ الْعَيْنِ) جَوَابٌ عَنْ قِيَاسِ الشَّافِعِيِّ الْكَلْبَ عَلَى الْخِنْزِيرِ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي كَوْنِ الْكَلْبِ نَجِسَ الْعَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ. قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فِي مَبْسُوطِهِ: وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ عِنْدَنَا أَنَّ عَيْنَ الْكَلْبِ نَجِسٌ، إلَيْهِ يُشِيرُ مُحَمَّدٌ فِي الْكِتَابِ فِي قَوْلِهِ: وَلَيْسَ الْمَيِّتُ بِأَنْجَسَ مِنْ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. قِيلَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا وَلَيْسَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَذَلِكَ، وَلَا يُشْكِلُ بِالسِّرْقِينِ فَإِنَّهُ نَجِسٌ لَا مَحَالَةَ وَيُنْتَفَعُ بِهِ إيفَادًا وَغَيْرَهُ؛ لِأَنَّهُ انْتِفَاعٌ بِالْإِهْلَاكِ، وَهُوَ جَائِزٌ كَالدُّنُوِّ مِنْ الْخَمْرِ لِلْإِرَاقَةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ.
стр. 90
بِهِ حِرَاسَةً وَاصْطِيَادًا، بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ وَحُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا
وَقَوْلُهُ: (بِخِلَافِ الْخِنْزِيرِ) مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ إلَّا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ (؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، إذْ الْهَاءُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ عَائِدٌ إلَيْهِ لِقُرْبِهِ) فَإِنْ قِيلَ الْمَقْصُودُ بِالذِّكْرِ فِي الْكَلَامِ هُوَ الْمُضَافُ فَيَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ. أُجِيبَ بِأَنَّ الْمُضَافَ إلَيْهِ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ مَثَلًا رَأَيْت ابْنَ زَيْدٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَحَرَّضْته عَلَى الِاشْتِغَالِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ رَاجِعًا إلَى الْمُضَافِ؛ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فَأَخْبَرْته بِأَنَّ ابْنَك هَذَا فَاضِلٌ فَيَكُونُ رَاجِعًا إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ فَإِنَّ الضَّمِيرَ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى كُلٍّ مِنْ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ وَرُجُوعُهُ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَشْمَلَ لِلْإِجْزَاءِ وَأَحْوَطَ فِي الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الضَّمِيرَ إنْ رَجَعَ إلَى اللَّحْمِ لَمْ يَحْرُمْ غَيْرُهُ، وَإِنْ رَجَعَ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ حَرُمَ، فَغَيْرُ اللَّحْمِ دَائِرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْرُمَ وَأَلَّا يَحْرُمَ فَيَحْرُمُ احْتِيَاطًا وَذَلِكَ بِرُجُوعِ الضَّمِيرِ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: (وَحُرْمَةُ الِانْتِفَاعِ بِأَجْزَاءِ الْآدَمِيِّ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَالْآدَمِيُّ، وَمَعْنَى كَلَامِهِ بِخِلَافِ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِالدَّبْغِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ وَجِلْدُ الْآدَمِيِّ (لِكَرَامَتِهِ) لِئَلَّا يَتَجَاسَرَ النَّاسُ عَلَى مَنْ كَرَّمَهُ اللَّهُ بِابْتِذَالِ أَجْزَائِهِ. (فَخَرَجَا عَمَّا رَوَيْنَا) يَعْنِي مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ» الْحَدِيثَ، فَإِنْ قُلْت: مَا وَجْهُ خُرُوجِهِمَا عَنْ الْمَرْوِيِّ، هَلْ هُوَ تَخْصِيصٌ فَيَحْتَاجُ إلَى مُخَصِّصٍ مُقَارِنٍ عَلَى مَا هُوَ الْمَذْهَبُ، أَمْ نَسْخٌ فَيَحْتَاجُ إلَى نَاسِخٍ مُتَأَخِّرٍ؟ قُلْت: عَدَمُ طَهَارَتِهِمَا ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ، فَإِنْ كَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ الْحَدِيثِ فَهُوَ نَاسِخٌ لَا مَحَالَةَ، وَإِنْ كَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِ مَنَعَ التَّنَاوُلَ لِتَقَرُّرِهِ فِي الشَّرْعِ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ لَا يُعَارِضُهُ فَضْلًا أَنْ يَنْسَخَهُ، وَإِنْ كَانَ مُقَارِنًا
стр. 91
ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ فَهُوَ دِبَاغٌ وَإِنْ كَانَ تَشْمِيسًا أَوْ تَتْرِيبًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ
، ثُمَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدَّبَّاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَ الدَّبَّاغِ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَةِ النَّجِسَةِ، وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ هُوَ الصَّحِيحُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَأْكُولًا.
صَارَ مُتَخَصِّصًا، وَالْخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ الْحَدِيثِ ثَابِتٌ فِي الْجَمِيعِ فَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ فَخَرَجَا. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ مَا يَمْنَعُ النَّتْنَ وَالْفَسَادَ) بَيَانٌ لِمَا يُدْبَغُ بِهِ ذَكَرَهُ اسْتِطْرَادًا بَعْدَ ذِكْرِ الدِّبَاغَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَمْنَعُ الْجِلْدَ مِنْ الْفَسَادِ (فَهُوَ دِبَاغٌ) فَيَتَنَاوَلُ التَّشْمِيسَ وَالتَّتْرِيبَ (لِأَنَّ الْمَقْصُودَ) وَهُوَ مَنْعُ الْفَسَادِ بِإِزَالَةِ الرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ (يَحْصُلُ بِذَلِكَ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ غَيْرِهِ) مِنْ قَرَظٍ أَوْ عَفْصٍ أَوْ شَثٍّ أَوْ نَحْوِهَا كَمَا شَرَطَهُ الشَّافِعِيُّ.
(ثُمَّ مَا يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ يَطْهُرُ بِالذَّكَاةِ) يَعْنِي الذَّكَاةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ الْأَهْلِ بِالتَّسْمِيَةِ، فَإِنَّ ذَكَاةَ الْمَجُوسِيِّ لَيْسَتْ مُطَهِّرَةً، وَذَكَرَ الضَّمِيرَ فِي (لِأَنَّهُ) لِأَنَّ الذَّكَاةَ بِمَعْنَى الذَّبْحِ، وَإِنَّمَا (تَعْمَلُ عَمَلَ الدِّبَاغِ فِي إزَالَةِ الرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ)؛ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ اتِّصَالِهَا بِهِ، وَالدِّبَاغُ مُزِيلٌ بَعْدَ الِاتِّصَالِ، وَلَمَّا كَانَ الدِّبَاغُ بَعْدَ الِاتِّصَالِ مُزِيلًا وَمُطَهِّرًا كَانَتْ الذَّكَاةُ الْمَانِعَةُ مِنْ الِاتِّصَالِ أَوْلَى أَنْ تَكُونَ مُطَهِّرَةً.
وَقَوْلُهُ: (وَكَذَلِكَ يَطْهُرُ لَحْمُهُ) أَيْ لَحْمُ مَا ذُبِحَ حَتَّى إذَا صَلَّى وَمَعَهُ مِنْ لَحْمِ الثَّعْلَبِ الْمَذْبُوحِ أَوْ نَحْوِهِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ جَازَتْ صَلَاتُهُ.
وَقَوْلُهُ: (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَمَّا قَالَ فِي الْأَسْرَارِ وَغَيْرِهِ إنَّهُ نَجَسٌ؛ لِأَنَّ الْحُرْمَةَ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ لَا لِكَرَامَتِهِ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ وَلَزِمَهُمْ طَهَارَةُ الْجِلْدِ مَعَ اتِّصَالِ اللَّحْمِ بِهِ. وَأَجَابُوا بِأَنَّ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْجِلْدِ جِلْدَةٌ رَقِيقَةٌ تَمْنَعُ مُمَاسَّةَ اللَّحْمِ الْجَلْدَ الْغَلِيظَ فَلَا يَنْجُسُ، وَاَلَّذِي اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَصَحَّحَهُ هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ التُّحْفَةِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجِلْدَ يَطْهُرُ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَاللَّحْمُ مُتَّصِلٌ بِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ نَجِسًا، وَمُلَاقَاةُ النَّجِسِ الطَّاهِرَ مُنَجِّسَةٌ فَكَيْفَ بِالِاتِّصَالِ الَّذِي لَا يَزُولُ
стр. 92
قَالَ (وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: نَجِسٌ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، وَلَنَا أَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِمَا وَلِهَذَا لَا يَتَأَلَّمُ بِقَطْعِهِمَا فَلَا يَحُلُّهُمَا الْمَوْتُ، إذْ الْمَوْتُ زَوَالُ الْحَيَاةِ.
إلَّا بِالسِّكِّينِ، وَمَا قِيلَ مِنْ الْجِلْدَةِ الرَّقِيقَةِ مُتَوَهَّمٌ، وَعَلَى تَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً أَوْ نَجِسَةً، وَلَا يُحَسُّ عِنْدَ السَّلْخِ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ أَمْرٌ ثَالِثٌ لَا مَحَالَةَ، فَهِيَ إمَّا مُتَّصِلَةٌ بِاللَّحْمِ أَوْ الْجِلْدِ، فَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِاللَّحْمِ فَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ طَاهِرَةً، وَاللَّحْمُ نَجِسٌ فَتَكُونُ نَجِسَةً، وَالْجِلْدُ الْغَلِيظُ مُتَّصِلٌ بِهِ أَيْضًا فَلَا يَكُونُ طَاهِرًا لَكِنَّ الْفَرْضَ أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْجِلْدِ فَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ نَجِسَةً وَالْجِلْدُ طَاهِرٌ فَتَكُونُ طَاهِرَةً، وَاللَّحْمُ مُتَّصِلٌ بِهِ أَيْضًا فَكَيْفَ تَكُونُ نَجِسًا، وَذَلِكَ وَاضِحٌ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي حَمَلَ الْمُصَنِّفَ عَلَى تَصْحِيحِ رِوَايَةِ طَهَارَةِ اللَّحْمِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّ الْحُرْمَةَ فِيمَا يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ لَا لِلْكَرَامَةِ دَلِيلُ النَّجَاسَةِ أَنَّهُ مُسَلَّمٌ، وَلَكِنَّ عِلَّةَ النَّجَاسَةِ هُوَ اخْتِلَاطُ الدَّمِ الْمَسْفُوحِ بِأَجْزَائِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهِيَ عِلَّةٌ مُتَعَيِّنَةٌ قَدْ انْتَفَتْ هَاهُنَا بِالذَّبْحِ فَتَنْتَفِي النَّجَاسَةُ كَمَا قُلْنَا فِي وَلَدِ الْمَغْصُوبِ.
وَقَوْلُهُ: (وَشَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا) وَعَصَبُهَا (طَاهِرٌ) ذَكَرَهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ إذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ هَلْ يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ أَوْ لَا؟ عِنْدَنَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ لِكَوْنِهَا طَاهِرَةً.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَجِسٌ (؛ لِأَنَّهُ) أَيْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ) وَالْمَيِّتُ نَجِسٌ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ كُلَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيِّتِ نَجِسٌ، بَلْ النَّجِسُ مِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ زَالَتْ بِالْمَوْتِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَا حَيَاةَ فِيهَا حَتَّى لَا يَتَأَلَّمَ بِقَطْعِهَا الْحَيَوَانُ، فَإِنَّ قَطْعَ قَرْنِ الْبَقَرَةِ لَا يُؤْلِمُهَا وَجَزُّ صُوفِ الْغَنَمِ كَذَلِكَ فَلَا يُحِلُّهَا الْمَوْتُ إذْ الْمَوْتُ زَوَالُ الْحَيَاةِ، وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ تَقَابُلُ الْعَدَمِ وَالْمَلَكَةِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: هُمَا صِفَتَانِ وُجُودِيَّتَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾
стр. 93
(وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: نَجِسٌ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَلَنَا أَنَّ عَدَمَ الِانْتِفَاعِ وَالْبَيْعِ لِكَرَامَتِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْمَخْلُوقُ لَا يَكُونُ عَدَمًا.
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْخَلْقِ التَّقْدِيرُ وَالْعَدَمُ مُقَدَّرٌ. لَا يُقَالُ: مَا ذُكِرَ تَمَّ مِنْ الدَّلِيلِ اسْتِدْلَالٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ وَلَا خَفَاءَ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ فِي الْعَظْمِ حَيَاةً؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَنْ يُحْيِي صَاحِبَ الْعِظَامِ.
(وَشَعْرُ الْإِنْسَانِ وَعَظْمُهُ طَاهِرٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) مَعَ إمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ فَكَانَ نَجِسًا (وَلَنَا أَنَّ حُرْمَةَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَالْبَيْعِ لِكَرَامَتِهِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَتِهِ) وَقَدْ صَحَّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَلَقَ شَعْرَهُ وَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ» وَذَلِكَ دَلِيلُ طَهَارَتِهِ. .
стр. 94
(فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ)
(وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا) بِإِجْمَاعِ السَّلَفِ، وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ
فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ)
لَمَّا ذَكَرَ حُكْمَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ بِأَنَّهُ يَتَنَجَّسُ كُلُّهُ عِنْدَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِيهِ حَتَّى يُرَاقَ كُلُّهُ وَرَدَ عَلَيْهِ مَاءُ الْبِئْرِ نَقْضًا فِي أَنَّهُ لَا يُنْزَحُ كُلُّهُ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ فَذَكَرَ مَاءَ الْبِئْرِ فِي فَصْلٍ عَلَى حِدَةٍ بَيَانًا لِوَجْهِ الْمُخَالَفَةِ. قَوْلُهُ: (وَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ نَجَاسَةٌ نُزِحَتْ) قِيلَ نُزِحَتْ الْبِئْرُ: أَيْ مَاؤُهَا بِحَذْفِ الْمُضَافِ لِعَدَمِ الْإِلْبَاسِ لِمَا أَنَّ نَزْحَ عَيْنِ الْبِئْرِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَبِنَزْحِ النَّجَاسَةِ لَا يَتِمُّ جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَاهُ، وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْإِسْنَادِ الظَّاهِرِيِّ؛ وَلِأَنَّ قَوْلَهُ (وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا) دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَا، فَكَانَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ كَقَوْلِهِمْ جَرَى النَّهْرُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِإِخْرَاجِ النَّجَاسَةِ ذِكْرٌ وَلَا تَطْهُرُ الْبِئْرُ إلَّا بِإِخْرَاجِهَا، وَعَنْ هَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الشَّارِحِينَ إلَى أَنَّ ضَمِيرَ نُزِحَتْ لِلنَّجَاسَةِ، وَجَوَابُ " إذَا " هُوَ الْمَجْمُوعُ مِنْ قَوْلِهِ نُزِحَتْ إلَى قَوْلِهِ طَهَارَةً لَهَا، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ نُزِحَتْ النَّجَاسَةُ، وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا. وَأَقُولُ: التَّرْكِيبُ الْجَزْلُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يُقَالَ نُزِحَتْ النَّجَاسَةُ وَالْمَاءُ وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا إلَخْ، وَلَوْ جَعَلْنَا نُزِحَتْ فِي الْحَقِيقَةِ مُسْنَدٌ إلَى مَا حَتَّى يَعُودَ الْمَعْنَى نُزِحَتْ مَا فِي الْبِئْرِ لِيَتَنَاوَلَ النَّجَاسَةَ وَالْمَاءَ جَمِيعًا، وَكَانَ مِنْ بَابِ جَرَى النَّهْرُ انْدَفَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ.
وَقَوْلُهُ: وَكَانَ نَزْحُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ طَهَارَةً لَهَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ يَطْهُرُ بِمُجَرَّدِ النَّزْحِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى غَسْلِ الْأَحْجَارِ وَنَقْلِ الْأَوْحَالِ، وَالْمُرَادُ بِالسَّلَفِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (وَمَسَائِلُ الْآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى اتِّبَاعِ الْآثَارِ دُونَ الْقِيَاسِ)؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ
стр. 95
(فَإِنْ وَقَعَتْ فِيهَا بَعْرَةٌ أَوْ بَعْرَتَانِ مِنْ بَعْرِ الْإِبِلِ أَوْ الْغَنَمِ لَمْ تُفْسِدْ الْمَاءَ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُفْسِدَهُ لِوُقُوعِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ آبَارَ الْفَلَوَاتِ لَيْسَتْ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْمَوَاشِي تَبْعَرُ حَوْلَهَا فَتُلْقِيهَا الرِّيحُ فِيهَا فَجَعَلَ الْقَلِيلَ عَفْوًا لِلضَّرُورَةِ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ، وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ إلَيْهِ فِي الْمُرَوِّي عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ وَالرَّوْثِ وَالْخِثَى وَالْبَعْرِ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ
تُطَمَّ الْبِئْرُ كُلُّهَا طَمًّا لِتَنَجُّسِ الْأَوْحَالِ وَالْجُدْرَانِ، وَإِمَّا أَلَّا تَنْجُسَ أَبَدًا إذْ الْمَاءُ يَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهِ فَكَانَ كَالْمَاءِ الْجَارِي. قَالَ مُحَمَّدٌ ﵀: اتَّفَقَ رَأْيِي وَرَأْيِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ فِي حُكْمِ الْمَاءِ الْجَارِي، إلَّا أَنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ وَاتَّبَعْنَا الْآثَارَ.
قَوْلُهُ: (فَإِنْ وَقَعَتْ) إشَارَةٌ إلَى مَا يَجِبُ نَزْحُهُ مِنْ الْمَاءِ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ) هُوَ أَحَدُ وَجْهَيْ الِاسْتِحْسَانِ وَهُوَ الضَّرُورَةُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ، وَلَا فَرْقَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ بَيْنَ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ وَالصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ وَرَوْثِ الْفَرَسِ وَالْحِمَارِ وَالْفَلَوَاتِ، فَإِنَّ آبَارَ الْأَمْصَارِ وَخَثَى الْبَقَرِ وَالْجَامُوسِ وَبَعْرَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ لِشُمُولِهَا الضَّرُورَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي الْكِتَابِ، لَكِنْ يُفَرَّقُ بَيْنَ آبَارِ الْأَمْصَارِ وَالْفَلَوَاتِ فَإِنَّ آبَارَ الْأَمْصَارِ لَهَا رُءُوسٌ حَاجِزَةٌ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنَّ الْبَعْرَةَ شَيْءٌ صُلْبٌ وَعَلَى ظَاهِرِهَا رُطُوبَةُ الْأَمْعَاءِ لَا يَتَدَاخَلُ الْمَاءُ فِي أَجْزَائِهَا، وَعَلَى هَذَا لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ آبَارِ الْأَمْصَارِ وَالْفَلَوَاتِ وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالْمُنْكَسِرِ، فَإِنَّ الْمُنْكَسِرَ تَتَدَاخَلُهُ أَجْزَاءُ النَّجَاسَةِ فَتُفْسِدُهُ، وَكَذَا الْبَعْرُ وَالرَّوْثُ وَالْخَثَى؛ لِأَنَّ الرَّوْثَ وَالْخَثَى لَا صَلَابَةَ لَهُمَا فَيَتَدَاخَلُ الْمَاءُ فِي أَجْزَائِهِمَا فَيَنْجَسُ الْمَاءُ.
وَإِذَا عَرَفَتْ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّ اخْتِلَافَ أَقْوَالِ الْمَشَايِخِ فِي جَعْلِ الْكُلِّ غَيْرَ مُفْسِدٍ وَجَعْلِ بَعْضِهِ مُفْسِدًا دُونَ بَعْضٍ مَرْجِعُهُ إلَى وَجْهَيْ الِاسْتِحْسَانِ. وَقَوْلُهُ: (وَلَا ضَرُورَةَ فِي الْكَثِيرِ) هُوَ أَيْضًا عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَأَمَّا عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَيَقْتَضِي عَدَمَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ؛ لِأَنَّ الصَّلَابَةَ وَالْإِمْسَاكَ فِي الْجَمِيعِ مَوْجُودٌ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ) إشَارَةٌ إلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَهُ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْكَثِيرُ هُوَ أَنْ يُغَطَّى وَجْهُ رُبْعِ الْمَاءِ، وَقِيلَ وَجْهُ أَكْثَرِهِ، وَقِيلَ أَلَّا يَخْلُوَ دَلْوٌ مِنْ بَعْرَةٍ. وَقَالَ الْإِمَامُ التُّمُرْتَاشِيُّ: ذَكَرَ الْبَعْرَتَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الثَّلَاثَ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّمَا قَالَ (وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ)؛ لِأَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ ﵀ لَا يُقَدِّرُ شَيْئًا بِالرَّأْيِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي
стр. 96
تَشْمَلُ الْكُلَّ
وَفِي الشَّاةِ تَبْعَرُ فِي الْمِحْلَبِ بَعْرَةً أَوْ بَعْرَتَيْنِ قَالُوا تُرْمَى الْبَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ، وَلَا يُعْفَى الْقَلِيلُ فِي الْإِنَاءِ عَلَى مَا قِيلَ لِعَدَمِ الضَّرُورَةِ. وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُ كَالْبِئْرِ فِي حَقِّ الْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ
(فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ لَا يُفْسِدُهُ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀. لَهُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ. وَلَنَا إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا وَاسْتِحَالَتِهِ لَا إلَى نَتْنِ
تَحْتَاجُ إلَى التَّقْدِيرِ فَكَانَ هَذَا مُوَافِقًا لِمَذْهَبِهِ فَلِهَذَا قَالَ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ.
وَقَوْلُهُ: (تُرْمَى الْبَعْرَةُ وَيُشْرَبُ اللَّبَنُ) مَعْنَاهُ لَا يَنْجَسُ إذَا رُمِيَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي مَبْسُوطِهِ: لَا تَنْجُسُ إذَا رُمِيَتْ مِنْ سَاعَتِهَا وَلَمْ يَبْقَ لَهَا لَوْنٌ لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ عَادَتِهَا أَنَّهَا تَبْعَرُ عِنْدَ الْحَلْبِ، وَلِلضَّرُورَةِ أَثَرٌ فِي إسْقَاطِ حُكْمِ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ) أَيْ الْإِنَاءَ بِمَنْزِلَةِ الْبِئْرِ فِي عَدَمِ تَنَجُّسِ الْإِنَاءِ بِالْبَعْرَةِ وَالْبَعْرَتَيْنِ. .
قَالَ (فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ) خَرْءُ الْحَمَامِ أَوْ الْعُصْفُورِ طَاهِرٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الْقِيَاسُ؛ لِأَنَّهُ غِذَاءٌ اسْتَحَالَ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ، فَإِنَّ مَا يُحِيلُهُ الطَّبْعُ مِنْ الْغِذَاءِ عَلَى نَوْعَيْنِ: نَوْعٌ يُحِيلُهُ إلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ كَالْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَهُوَ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَنَوْعٌ يُحِيلُهُ إلَى صَلَاحٍ كَالْبَيْضِ وَاللَّبَنِ وَالْعَسَلِ. وَهَذَا مِنْ نَوْعِ الْأَوَّلِ فَأَشْبَهَ خَرْءَ الدَّجَاجِ وَهُوَ نَجِسٌ بِالِاتِّفَاقِ. وَاسْتَحْسَنَ عُلَمَاؤُنَا طَهَارَتَهُ بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ، فَإِنَّ الصَّدْرَ الْأَوَّلَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اقْتِنَاءِ الْحَمَامَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ حَتَّى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَعَ وُرُودِ الْأَمْرِ بِتَطْهِيرِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ الْآيَةَ، وَقَوْلُهُ: ﷺ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ صِبْيَانَكُمْ» وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى عَدَمِ نَجَاسَتِهِ، وَأَصْلُهُ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ شَكَرَ الْحَمَامَةَ وَقَالَ إنَّهَا أَوْكَرَتْ عَلَى بَابِ الْغَارِ حَتَّى سَلِمْت فَجَازَاهَا اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهَا» وَقَوْلُهُ: (وَاسْتِحَالَتُهُ لَا إلَى نَتْنٍ) جَوَابُ الشَّافِعِيِّ.
وَوَجْهُهُ أَنَّ مُوجِبَ التَّنَجُّسِ النَّتْنُ وَالْفَسَادُ وَالنَّتْنُ هُنَا غَيْرُ مَوْجُودٍ وَانْتِفَاءُ الْجُزْءِ يَسْتَلْزِمُ انْتِفَاءَ الْكُلِّ. فَإِنْ قَالَ الْفَسَادُ وَحْدَهُ مِمَّا يُوجِبُهُ. قُلْنَا
стр. 97
رَائِحَةٍ فَأَشْبَهَ الْحَمْأَةَ
(فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا شَاةٌ نُزِحَ الْمَاءُ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ ﵀ لَا يُنْزَحُ إلَّا إذَا غَلَبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ مِنْ أَنْ يَكُونَ طَهُورًا) وَأَصْلُهُ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَهُ نَجِسٌ عِنْدَهُمَا. لَهُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتَنٍ وَفَسَادٍ فَصَارَ كَبَوْلِ
مَنْقُوضٌ بِالْمَنِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ فَسَدَ وَهُوَ طَاهِرٌ، وَسَائِرُ الْأَطْعِمَةِ تَفْسُدُ بِطُولِ الْمُكْثِ وَلَا تَنْجُسُ، عَلَى أَنَّهُ إنْ تَنَجَّسَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ سَقَطَ لِلضَّرُورَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَأَشْبَهَ الْحَمْأَةَ) يَعْنِي فِي النَّتْنِ دُونَ الْفَسَادِ.
وَقَوْلُهُ: (فَإِنْ بَالَتْ فِيهَا) أَيْ فِي الْبِئْرِ (شَاةٌ) أَصْلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ الْقَلِيلِ لَا يُنَجِّسُهُ وَيَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الْمَاءِ فَيَخْرُجُ عَنْ طَهُورِيَّتِهِ نَجِسَ. عِنْدَهُمَا إنْ وَقَعَ مِنْهُ قَطْرَةٌ فِي الْمَاءِ أَفْسَدَتْهُ، وَالْكَثِيرُ الْفَاحِشُ مِنْهُ يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ. لِمُحَمَّدٍ حَدِيثُ الْعُرَنِيِّينَ، وَقِصَّتُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ قَوْمًا مِنْ عُرَيْنَةَ تَصْغِيرِ عُرَنَةَ وَادٍ بِحِذَاءِ عَرَفَاتٍ سُمِّيَتْ بِهَا قَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْعُرَنِيُّونَ بِحَذْفِ يَاءِ فَعِيلَةٍ كَقَوْلِهِمْ الْجُهَنِيُّونَ أَتَوْا الْمَدِينَةَ فَاجْتَوَوْهَا: أَيْ لَمْ تُوَافِقْهُمْ فَاصْفَرَّتْ أَلْوَانُهُمْ وَانْتَفَخَتْ بُطُونُهُمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَنْ يَخْرُجُوا إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ وَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَخَرَجُوا وَشَرِبُوا فَصَحُّوا ثُمَّ ارْتَدُّوا وَقَتَلُوا الرُّعَاةَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي أَثَرِهِمْ قَوْمًا فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ حَتَّى مَاتُوا».
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﵊ أَمَرَهُمْ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ حَرَامًا، وَقَدْ قَالَ ﵊ «إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» وَلَهُمَا قَوْلُهُ: ﷺ «اسْتَنْزِهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَ بِاسْتِنْزَاهِ الْبَوْلِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيَّعَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَكَانَ يَمْشِي عَلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ مِنْ زِحَامِ الْمَلَائِكَةِ الَّتِي حَضَرَتْ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا وُضِعَ فِي الْقَبْر ضَغَطَتْهُ الْأَرْضُ ضَغْطَةً كَادَتْ تَخْتَلِفُ أَضْلَاعُهُ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ سَبَبِهِ فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ الْبَوْلِ» وَلَمْ يُرِدْ بِهِ بَوْلَ نَفْسِهِ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَسْتَنْزِهْهُ لَا تَجُوزُ صَلَاتُهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بَوْلَ الْإِبِلِ عِنْدَ مُعَالَجَتِهَا.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ إلَى نَتْنٍ) دَلِيلٌ مَعْقُولٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ، وَمَا رَوَاهُ مُحَمَّدٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَقَدْ ذَكَرَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُمْ فِي شُرْبِ أَلْبَانِ الْإِبِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَبْوَالَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي حَدِيثِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فَقَدْ دَارَ
стр. 98
مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا، ثُمَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَلَا لِغَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ بِالشِّفَاءِ فِيهِ فَلَا يَعْرِضُ عَنْ الْحُرْمَةِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لِلْقِصَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ لِطَهَارَتِهِ عِنْدَهُ.
قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ أَوْ صَعْوَةٌ أَوْ سُودَانِيَّةٌ أَوْ سَامٌّ أَبْرَصُ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) يَعْنِي بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا نُزِحَ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا»
بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً وَأَلَّا يَكُونَ فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَال بِهِ. وَقِيلَ إنَّهُ مَنْسُوخٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْحَدِيثَيْنِ فِي التَّقْرِيرِ وَشَرْحِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ فَلْيُطْلَبْ ثَمَّةَ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَتَأْوِيلُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ عَرَفَ شِفَاءَهُمْ فِيهِ وَحْيًا) وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي زَمَانِنَا فَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَيَقَّنُ الشِّفَاءُ فِيهِ (فَلَا يَعْرِضُ عَنْ الْحُرْمَةِ) وَأَبُو يُوسُفَ نَظَرَ إلَى الْقِصَّةِ فَقَالَ: يَحِلُّ لِلتَّدَاوِي لَا لِغَيْرِهِ. وَمُحَمَّدٌ لَمَّا طَهَّرَهُ لَمْ يَبْقَ فَرْقٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّبَنِ فَيَحِلُّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ.
قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ) حَاصِلُ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْحَيَوَانَ الْوَاقِعَ فِي الْبِئْرِ لَا يَخْلُو مِنْ أَوْجُهٍ سَبْعَةٍ: إمَّا أَنْ يَكُونَ فَأْرَةً أَوْ نَحْوَهَا، أَوْ دَجَاجَةً أَوْ نَحْوَهَا أَوْ شَاةً وَنَحْوَهَا، وَكُلٌّ مِنْهَا إمَّا أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا، وَالْمَيِّتُ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُنْتَفِخًا أَوْ لَا، فَمَا أُخْرِجَ حَيًّا لَا يُنَجِّسُ فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا إلَّا الْخِنْزِيرُ لِكَوْنِهِ نَجِسَ الْعَيْنِ وَالْكَلْبُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَمَا أُخْرِجَ مَيِّتًا فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَيِّتُ فِيهَا فَأْرَةً أَوْ عُصْفُورَةً أَوْ صَعْوَةً.
قَالَ الْمُطَرِّزِيُّ: الصَّعْوُ: صِغَارُ الْعَصَافِيرِ الْوَاحِدَةُ صَعْوَةٌ، وَالسَّوَادِيَّةُ: طُوَيْرَةٌ طَوِيلَةُ الذَّنَبِ تَأْكُلُ الْعِنَبَ وَالْجَرَادَ. وَسَامٌ أَبْرَصُ: الْكَبِيرُ مِنْ الْوَزَغِ وَلَمْ يَنْتَفِخْ (نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ عِشْرِينَ دَلْوًا إلَى ثَلَاثِينَ بِحَسَبِ كِبَرِ الدَّلْوِ وَصِغَرِهَا) قِيلَ الصَّاعُ كَبِيرٌ وَمَا دُونَهُ صَغِيرٌ: يَعْنِي يَنْقُصُ عَنْ الْعِشْرِينَ فِي الْكَبِيرِ وَيُزَادُ عَلَيْهِ فِي الصَّغِيرِ.
وَقَوْلُهُ: (يَعْنِي بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ) يَعْنِي أَنَّ النَّزْحَ إنَّمَا يَكُونُ مُعْتَبَرًا إذَا كَانَ بَعْدَ إخْرَاجِ الْفَأْرَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ نَجَاسَةِ الْبِئْرِ حُصُولُ الْفَأْرَةِ الْمَيِّتَةِ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ الْحُكْمُ بِالطَّهَارَةِ مَعَ بَقَاءِ السَّبَبِ
стр. 99
وَالْعُصْفُورَةُ وَنَحْوُهَا تُعَادِلُ الْفَأْرَةَ فِي الْجُثَّةِ فَأَخَذَتْ حُكْمَهَا، وَالْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ.
قَالَ (فَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا حَمَامَةٌ أَوْ نَحْوُهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ نُزِحَ مِنْهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ دَلْوًا إلَى سِتِّينَ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَرْبَعُونَ أَوْ خَمْسُونَ) وَهُوَ الْأَظْهَرُ لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ «أَنَّهُ قَالَ فِي الدَّجَاجَةِ: إذَا مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ نُزِحَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ دَلْوًا» وَهَذَا لِبَيَانِ الْإِيجَابِ، وَالْخَمْسُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بِئْرٍ دَلْوُهَا الَّذِي يُسْتَقَى بِهِ مِنْهَا،
الْمُوجِبِ لِلنَّجَاسَةِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ مَاتَتْ فِي الْبِئْرِ وَأُخْرِجَتْ مِنْ سَاعَتِهَا " يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا " وَالْعُصْفُورَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْفَأْرَةِ، وَكَذَا حُكْمُ الْفَأْرَتَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدَةِ إلَى الْأَرْبَعِ، وَفِي الْخَمْسِ أَرْبَعُونَ إلَى الْعُصْفُورِ، وَفِي الْعَشْرِ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ.
وَقَوْلُهُ: (وَالْعِشْرُونَ بِطَرِيقِ الْإِيجَابِ وَالثَّلَاثُونَ بِطَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ) إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الرِّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَوَرَدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ يُنْزَحُ مِنْهَا دِلَاءٌ، وَفِي رِوَايَةٍ عِشْرُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ ثَلَاثُونَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَرْبَعُونَ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَوْجَبَ عِشْرِينَ وَبَعْضَهُمْ أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ وَبَعْضَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ، فَأَخَذَ عُلَمَاؤُنَا بِالْعِشْرِينِ؛ لِأَنَّهُ الْوَسَطُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَكَانَ وَاجِبًا لِتَعَيُّنِهِ، وَمَا زَادَ اسْتِحْبَابًا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي ثَلَاثِينَ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ عِشْرُونَ لِلْوُجُوبِ، وَالْأَوْلَى مَا قِيلَ إنَّ السُّنَّةَ جَاءَتْ فِي رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ فِي الْفَأْرَةِ إذَا وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ فَمَاتَتْ فِيهَا أَنَّهُ يُنْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ دَلْوًا أَوْ ثَلَاثُونَ» هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَافِظُ السَّمَرْقَنْدِيُّ بِإِسْنَادِهِ وَأَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَكَانَ الْأَقَلُّ ثَابِتًا بِيَقِينٍ وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ وَالْأَكْثَرُ يُؤْتَى بِهِ لِئَلَّا يُتْرَكَ اللَّفْظُ الْمَرْوِيُّ وَإِنْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي الْعَمَلِ وَهُوَ مَعْنَى الِاسْتِحْبَابِ، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمَيِّتُ فِيهَا حَمَامَةً أَوْ نَحْوَهَا كَالدَّجَاجَةِ وَالسِّنَّوْرِ يُنْزَحُ مِنْهَا مَا بَيْنَ أَرْبَعِينَ إلَى سِتِّينَ وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَظْهَرُ) قِيلَ؛ لِأَنَّ الْجَامِعَ الصَّغِيرَ آخِرُ الْمُصَنَّفَاتِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ الْمَذْكُورُ فِيهِ هُوَ الْمَرْجُوعَ إلَيْهِ. وَفِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ وَهُوَ مَا يَكُونُ الْمَيِّتُ فِيهَا شَاةً أَوْ آدَمِيًّا أَوْ كَلْبًا يُنْزَحُ جَمِيعُ مَا فِيهَا وَكَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ) تَفْسِيرٌ لِلدَّلْوِ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا مُبْهَمَةً فَاحْتَاجَ إلَى تَفْسِيرِهَا
стр. 100
وَقِيلَ دَلْوٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعًا، وَلَوْ نُزِحَ مِنْهَا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارُ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ.
قَالَ (وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا شَاةٌ أَوْ كَلْبٌ أَوْ آدَمِيٌّ نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ وَابْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ أَفْتَيَا بِنَزْحِ
وَقِيلَ دَلْوٌ يَسَعُ فِيهَا صَاعٌ) وَهُوَ رِوَايَةُ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ. قَوْلُهُ: (وَلَوْ نُزِحَ مِنْهَا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ مَرَّةً مِقْدَارَ عِشْرِينَ دَلْوًا جَازَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ) وَهُوَ نَزْحُ الْمِقْدَارِ الَّذِي قَدَّرَهُ الشَّرْعُ.
قَالَ فِي الْأَصْلِ إذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَأْرَةٌ فَجَاءُوا بِدَلْوٍ عَظِيمٍ يَسَعُ عِشْرِينَ دَلْوًا فَاسْتَقَوْا بِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُمْ، وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْقَطْرَ الَّذِي يَعُودُ مِنْهُ إلَى الْبِئْرِ أَقَلُّ. وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ بِتَوَاتُرِ الدِّلَاءِ يَصِيرُ الْمَاءُ فِي مَعْنَى الْجَارِي. وَقُلْنَا لَمَّا قَدَّرَ الشَّرْعُ الدِّلَاءَ بِقَدْرٍ خَاصٍّ عَرَفْنَا أَنَّ الْمُعْتَبَرَ الْقَدْرُ الْمَنْزُوحُ وَأَنَّ مَعْنَى الْجَرَيَانِ سَاقِطٌ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالدَّلْوِ الْعَظِيمِ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يَنْتَفِخْ الْحَيَوَانُ وَلَمْ يَنْفَسِخْ،.
فَإِنْ انْتَفَخَ أَوْ تَفَسَّخَ فِيهَا نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغُرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الِانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ يَنْفَصِلُ مِنْهُ بِلَّةٌ نَجِسَةٌ فَكَانَ كَالْقَطْرَةِ مِنْ الدَّمِ أَوْ الْخَمْرِ يَنْتَشِرُ فِي الْمَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ فِي ذَنَبِ الْفَأْرَةِ وَقَعَتْ فِي الْبِئْرِ: يُنْزَحُ جَمِيعُ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَوْضِعَ الْقَطْعِ لَا يَنْفَكُّ عَنْ نَجَاسَةٍ مَائِعَةٍ بِخِلَافِ
стр. 101
الْمَاءِ كُلِّهِ حِينَ مَاتَ زِنْجِيٌّ فِي بِئْرِ زَمْزَمَ
(فَإِنْ انْتَفَخَ الْحَيَوَانُ فِيهَا أَوْ تَفَسَّخَ نُزِحَ جَمِيعُ مَا فِيهَا صَغَرَ الْحَيَوَانُ أَوْ كَبُرَ) لِانْتِشَارِ الْبِلَّةِ فِي أَجْزَاءِ الْمَاءِ. قَالَ (وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا أَخْرَجُوا مِقْدَارَ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) وَطَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ أَنْ تُحْفَرَ حُفْرَةٌ مِثْلُ مَوْضِعِ الْمَاءِ مِنْ الْبِئْرِ وَيُصَبُّ فِيهَا مَا يُنْزَحُ مِنْهَا إلَى أَنْ تَمْتَلِئَ أَوْ تُرْسَلَ فِيهَا قَصَبَةٌ وَيُجْعَلَ لِمَبْلَغِ الْمَاءِ عَلَامَةٌ ثُمَّ يُنْزَحُ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ مَثَلًا، ثُمَّ تُعَادُ الْقَصَبَةُ فَيُنْظَرُ كَمْ اُنْتُقِصَ فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ، وَهَذَانِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ نَزْحُ مِائَتَا دَلْوٍ إلَى ثَلَثِمِائَةٍ فَكَأَنَّهُ بَنَى قَوْلَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي مِثْلِهِ يُنْزَحُ حَتَّى يَغْلِبَهُمْ الْمَاءُ وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ
الْفَأْرَةِ الصَّحِيحَةِ الْجَسَدِ. وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ كَانَتْ الْبِئْرُ مَعِينًا) يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ زَائِدَةً مِنْ عَنَتْ: أَيْ بَلَغَتْ الْعُيُونَ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَصْلِيَّةً مِنْ مَعَنَتْ الْأَرْضُ: أَيْ رُوِيَتْ، وَمَاءٌ مَعِينٌ: أَيْ جَارٍ وَأَنْ يَكُونَ فَعِيلًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ مَعِينَةٌ؛ لِأَنَّ الْبِئْرَ مُؤَنَّثَةٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا حَمْلًا عَلَى اللَّفْظِ أَوْ تَوَهُّمِ أَنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَقَوْلُهُ: (لَا يُمْكِنُ نَزْحُهَا) صِفَةٌ. وَقَوْلُهُ: (أَخْرَجُوا) جَوَابُ الْمَسْأَلَةِ.
وَقَوْلُهُ: (مِقْدَارُ مَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمَاءِ) إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْمَاءِ الَّذِي كَانَ زَمَنَ وُقُوعِ النَّجَاسَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَيُنْزَحُ لِكُلِّ قَدْرٍ مِنْهَا عَشْرُ دِلَاءٍ) حَتَّى إذَا كَانَ طُولُ الْمَاءِ عَشْرَ قَبَضَاتٍ فَانْتَقَصَ لِعَشْرِ دِلَاءٍ قَبْضَةً وَاحِدَةً يُعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْمَاءِ مِائَةُ دَلْوٍ فَيُنْزَحُ تِسْعُونَ دَلْوًا أُخْرَى.
وَقَوْلُهُ: (بَنَى جَوَابَهُ عَلَى مَا شَاهَدَ فِي بَلَدِهِ)؛ لِأَنَّ بَلَدَهُ بَغْدَادُ وَغَالِبُ مِيَاهِ آبَارِ بَغْدَادَ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَثِمِائَةِ دَلْوٍ. وَقَوْلُهُ: (وَلَمْ يُقَدِّرْ الْغَلَبَةَ بِشَيْءٍ)؛ لِأَنَّهَا
стр. 102
كَمَا هُوَ دَأْبُهُ. وَقِيلَ يُؤْخَذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ لَهُمَا بَصَارَةٌ فِي أَمْرِ الْمَاءِ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ.
قَالَ (وَإِنْ وَجَدُوا فِي الْبِئْرِ فَأْرَةً أَوْ غَيْرَهَا وَلَا يُدْرَى مَتَى وَقَعَتْ وَلَمْ تَنْتَفِخْ وَلَمْ تَنْفَسِخْ أَعَادُوا صَلَاةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إذَا كَانُوا تَوَضَّئُوا مِنْهَا وَغَسَلُوا كُلَّ شَيْءٍ أَصَابَهُ مَاؤُهَا، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ انْتَفَخَتْ أَوْ تَفَسَّخَتْ أَعَادُوا صَلَاةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهَا، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀. وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِمْ إعَادَةُ شَيْءٍ حَتَّى يَتَحَقَّقُوا مَتَى وَقَعَتْ) لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ، وَصَارَ كَمَنْ
مُتَفَاوِتَةٌ وَالنَّزْحُ إلَى أَنْ يَظْهَرَ الْعَجْزُ أَمْرٌ صَحِيحٌ فِي الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الطَّاعَةَ بِحَسَبِ الطَّاقَةِ. وَقَوْلُهُ: (كَمَا هُوَ دَأْبُهُ) أَيْ عَادَتُهُ، فَإِنَّ عَادَتَهُ أَنْ يُفَوِّضَ مِثْلَ هَذَا إلَى رَأْيِ الْمُبْتَلَى بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ مَا يَسْتَكْثِرُهُ النَّاظِرُ وَكَمَا فِي حَبْسِ الْغَرِيمِ وَحَدِّ التَّقَادُمِ.
وَقَوْلُهُ: (وَهَذَا أَشْبَهُ بِالْفِقْهِ) أَيْ بِالْمَعْنَى الْمُسْتَنْبَطِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِقَوْلِ الْغَيْرِ هُوَ الْمَرْجِعُ فِيمَا لَمْ يَشْتَهِرْ مِنْ الشَّرْعِ فِيهِ تَقْدِيرٌ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ كَمَا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ حَيْثُ قَالَ ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَالشَّهَادَةُ حَيْثُ قَالَ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وَشَرْطُ الْبِصَارَةِ لَهُمَا فِي أَمْرِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تُسْتَفَادُ مِمَّنْ لَهُ عِلْمٌ بِهَا لِيَدْخُلَا تَحْتَ أَهْلِ الذِّكْرِ، وَهَذَا الْقَوْلُ: أَيْ الْأَخْذُ بِقَوْلِ رَجُلَيْنِ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي نَصْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَّامٍ.
قَالَ: (وَإِنْ وَجَدُوا فِي الْبِئْرِ فَأْرَةً أَوْ غَيْرَهَا) كَلَامُهُ ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ) بَيَانُهُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ طَاهِرًا بِيَقِينٍ وَوَقَعَ الشَّكُّ فِي نَجَاسَتِهِ فِيمَا مَضَى، وَالْيَقِينُ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ فَلَا يُحْكَمُ بِالنَّجَاسَةِ إلَّا زَمَانَ التَّيَقُّنِ بِوُقُوعِ النَّجِسِ؛ لِأَنَّ الْيَقِينَ يَزُولُ بِيَقِينٍ مِثْلِهِ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، كَمَنْ رَأَى
стр. 103
رَأَى فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً وَلَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ لِلْمَوْتِ سَبَبًا ظَاهِرًا وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ فَيُحَالُ عَلَيْهِ، إلَّا أَنَّ الِانْتِفَاخَ وَالتَّفَسُّخَ دَلِيلُ التَّقَادُمِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَعَدَمُ الِانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِأَنَّ مَا دُونَ ذَلِكَ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا، وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى: هِيَ عَلَى الْخِلَافِ، فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ فِي الْبَالِي وَبِيَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فِي الطَّرِيِّ وَلَوْ سُلِّمَ فَالثَّوْبُ بِمَرْأَى عَيْنِهِ وَالْبِئْرُ غَائِبَةٌ عَنْ بَصَرٍ فَيَفْتَرِقَانِ.
فِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةً لَا يَدْرِي مَتَى أَصَابَتْهُ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ. وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لِمَوْتِ الْحَيَوَانِ فِي الْبِئْرِ سَبَبًا ظَاهِرًا وَهُوَ الْوُقُوعُ فِي الْمَاءِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَكُلُّ مَا لَهُ سَبَبٌ ظَاهِرٌ يُحَالُ عَلَيْهِ كَمَنْ جَرَحَ إنْسَانًا فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبَ فِرَاشٍ حَتَّى مَاتَ يُحَالُ بِمَوْتِهِ عَلَى الْجِرَاحَةِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ السَّبَبُ الظَّاهِرُ، وَكَمَيِّتٍ الْتَوَتْ فِي عُنُقِهِ حَيَّةٌ فَإِنَّهُ يُحَالُ بِمَوْتِهِ عَلَى نَهْشِهَا، وَإِنْ اُحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ بِغَيْرِ الْجَرْحِ وَالنَّهْشِ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُومَ فِي مُقَابَلَةِ الْمُحَقَّقِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، إلَّا أَنَّ الِانْتِفَاخَ دَلِيلُ تَقَادُمِ الْعَهْدِ، وَأَدْنَى حَدِّ التَّقَادُمِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، أَلَا يُرَى أَنَّ مَنْ دُفِنَ بِلَا صَلَاةٍ يُصَلَّى عَلَى قَبْرِهِ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَنْفَسِخُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ فَيُقَدَّرُ بِالثَّلَاثِ، وَعَدَمُ الِانْتِفَاخِ وَالتَّفَسُّخِ دَلِيلُ قُرْبِ الْعَهْدِ فَقَدَّرْنَاهُ بِيَوْمٍ؛ لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَقَادِيرِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، فَإِنَّ مَا دُونَهُ سَاعَاتٌ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهَا (وَأَمَّا مَسْأَلَةُ النَّجَاسَةِ فَقَدْ قَالَ الْمُعَلَّى إلَخْ) ظَاهِرٌ
فَصْلٌ فِي الْأَسْآرِ وَغَيْرِهَا:
لَمَا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ فَسَادِ الْمَاءِ وَعَدَمِهِ بِاعْتِبَارِ وُقُوعِ نَفْسِ الْحَيَوَانَاتِ فِيهِ ذِكْرُهُمَا بِاعْتِبَارِ مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا وَهُوَ السُّؤْرُ وَهُوَ بَقِيَّةُ الْمَاءِ الَّتِي يُبْقِيهَا الشَّارِبُ فِي الْإِنَاءِ ثُمَّ عَمَّ اسْتِعْمَالُهُ فِيهِ وَفِي الطَّعَامِ. وَالْجَمْعُ الْأَسْآرُ، وَهِيَ أَرْبَعَةٌ عِنْدَنَا: طَاهِرٌ كَسُؤْرِ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَمَكْرُوهٌ كَسُؤْرِ الْهِرَّةِ، وَنَجِسٌ كَسُؤْرِ الْخِنْزِيرِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ
стр. 104
(فَصْلٌ فِي الْأَسْآرِ وَغَيْرِهَا)
(وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ) لِأَنَّهُمَا يَتَوَلَّدَانِ مِنْ لَحْمِهِ فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا حُكْمَ صَاحِبِهِ. قَالَ (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ) لِأَنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْكَافِرُ.
وَمَشْكُوكٌ فِيهِ كَسُؤْرِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ. قَالَ (وَعَرَقُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِسُؤْرِهِ) قِيلَ كَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ وَسُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِعَرَقِهِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي السُّؤْرِ لَا فِي الْعَرَقِ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ فِي ضِمْنِ الْأَسْآرِ الْعَرَقَ، فَلَوْ قَالَ وَسُؤْرُ كُلِّ شَيْءٍ مُعْتَبَرٌ بِعَرَقِهِ لَوَجَبَ أَنْ يَقُولَ بَعْدَهُ عَرَقُ الْآدَمِيِّ كَذَا وَعَرَقُ الْكَلْبِ كَذَا وَعَرَقُ الْخِنْزِيرِ كَذَا، وَكَانَ الْفَصْلُ إذْ ذَاكَ لِلْعَرَقِ لَا لِلسُّؤْرِ، وَلَا يُنْتَقَضُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ فَإِنَّهُ مَشْكُوكٌ، وَعَرَقُهُ طَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لَا فِي طَهَارَتِهِ.
وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّهُمَا) أَيْ اللُّعَابَ وَالْعَرَقَ أُضْمِرَ عَلَى اللُّعَابِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ؛ لِأَنَّ السُّؤْرَ هُوَ مَا خَالَطَهُ اللُّعَابُ فَكَانَ ذِكْرُ السُّؤْرِ ذِكْرًا لَهُ. وَقَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) كَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَنَحْوِهَا (طَاهِرٌ) قِيلَ يَعْنِي بِغَيْرِ كَرَاهَةٍ لِئَلَّا يَدْخُلَ فِيهِ سُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ فَإِنَّهُ مَأْكُولُ اللَّحْمِ وَسُؤْرُهُ مَكْرُوهٌ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ مَأْكُولَ اللَّحْمِ طَاهِرُ السُّؤْرِ فَلَا مَانِعَ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: (؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ) وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ: (وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ) لِكَوْنِهِ آدَمِيًّا وَالْجَنَابَةُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي ذَلِكَ لَمَا رُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ حُذَيْفَةَ فَمَدّ يَدَهُ لِيُصَافِحَهُ فَقَبَضَ يَدَهُ وَقَالَ إنِّي جُنُبٌ، فَقَالَ ﵊ الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ» وَبِهَذَا يَسْقُطُ مَا قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ سُؤْرُ الْجُنُبِ نَجِسًا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِوُجُودِ سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ فَمِهِ بِشُرْبِهِ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ عَلَى أَنَّهُ فِي مَكَانِ الضَّرُورَةِ فَيَسْقُطُ حُكْمُ النَّجَاسَةِ كَسُقُوطِهِ عِنْدَ إدْخَالِ الْيَدِ الْإِنَاءَ وَالْحَائِضِ؛ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ شَرِبَتْ مِنْ إنَاءٍ فِي حَالِ حَيْضِهَا فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَهُ عَلَى مَوْضِعِ فَمِهَا وَشَرِبَ»، وَالْكَافِرِ لِمَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَكَانُوا مُشْرِكِينَ»، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ، وَلَا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
стр. 105
(وَسُؤْرُ الْكَلْبِ نَجِسٌ) وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثًا لِقَوْلِهِ ﵊ «يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ ثَلَاثًا» وَلِسَانُهُ يُلَاقِي الْمَاءَ دُونَ الْإِنَاءِ، فَلَمَّا تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى، وَهَذَا يُفِيدُ النَّجَاسَةَ وَالْعَدَدَ فِي الْغَسْلِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ، وَلِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ، فَمَا يُصِيبُهُ سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ أَوْلَى.
؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّجَسُ فِي الِاعْتِقَادِ.
وَقَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْكَلْبِ نَجِسٌ) ظَاهِرٌ. وَقَوْلُهُ: (فَإِذَا تَنَجَّسَ الْإِنَاءُ فَالْمَاءُ أَوْلَى) يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِالدَّلَالَةِ، فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَمَّا انْعَقَدَ عَلَى وُجُوبِ غَسْلِ الْإِنَاءِ بِوُلُوغِهِ وَلِسَانُهُ لَمْ يُلَاقِهِ وَإِنَّمَا لَاقَى الْمَاءَ كَانَ دَلِيلًا عَلَى تَنَجُّسِ مَا يُلَاقِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِوُلُوغِ الْكَلْبِ فِي الْإِنَاءِ لَحْسَهُ فَيَكُونُ لِسَانُهُ مُلَاقِيًا لِلْإِنَاءِ فَلَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَال بِالْأَوْلَوِيَّةِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْوُلُوغَ حَقِيقَةٌ فِي شُرْبِ الْكَلْبِ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ الْمَائِعَاتِ بِطَرَفِ لِسَانِهِ، وَالْكَلَامُ لِلْحَقِيقَةِ إذَا لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهَا قَرِينَةٌ (قَوْلُهُ: وَهَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثُ (يُفِيدُ النَّجَاسَةَ) نَفْيٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ، وَالْعَدَدُ نَفْيٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي اشْتِرَاطِ السَّبْعِ.
وَقَوْلُهُ: (وَلِأَنَّ مَا يُصِيبُهُ بَوْلُهُ يَطْهُرُ بِالثَّلَاثِ) أَيْ بِالِاتِّفَاقِ. وَقَوْلُهُ: (فَمَا يُصِيبُهُ سُؤْرُهُ وَهُوَ دُونَهُ)؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِطَهَارَةِ بَوْلِهِ فَإِذَا طَهُرَ بَوْلُهُ بِالثَّلَاثِ فَلَأَنْ يَطْهُرَ سُؤْرُهُ (أَوْلَى) قِيلَ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بَوْلَهُ وَدَمَهُ وَسَائِرَ مَا هُوَ مِنْهُ نَجِسٌ لَا يَطْهُرُ إلَّا بِالْغَسْلِ سَبْعًا ذَكَرَهُ فِي التَّهْذِيبِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عَنْهُ رِوَايَةٌ اطَّلَعَ عَلَيْهَا أَصْحَابُنَا فَيَكُونُ الْإِلْزَامُ عَلَيْهَا.
стр. 106
وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بِالسَّبْعِ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ.
(وَسُؤْرُ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ عَلَى مَا مَرَّ (وَسُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ) خِلَافًا لَلشَّافِعِيِّ ﵀ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِأَنَّ لَحْمَهَا نَجِسٌ وَمِنْهُ يَتَوَلَّدُ اللُّعَابُ وَهُوَ
وَقَوْلُهُ: (وَالْأَمْرُ الْوَارِدُ بِالسَّبْعِ) جَوَابٌ عَمَّا يَسْتَدِلُّ بِهِ الشَّافِعِيُّ مِمَّا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَائِكُمْ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ مَنْعًا لَهُمْ مِنْ الِاقْتِنَاءِ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَا لِمَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ» وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَالَ «وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ» وَالتَّعْفِيرُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالِاتِّفَاقِ. فَإِنْ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ التَّعَبُّدَ لَا إزَالَةَ النَّجَاسَةِ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ غَسْلُ غَيْرِ مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ، وَالْوَاجِبُ هَاهُنَا غَسْلُ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَانَ الْغَسْلُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ لَا لِلتَّعَبُّدِ.
(وَسُؤْرُ الْخِنْزِيرِ نَجِسٌ؛ لِأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ) فَكَانَ لَحْمُهُ نَجِسًا وَاللُّعَابُ يَتَوَلَّدُ مِنْهُ (وَسُؤْرُ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ نَجِسٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا سِوَى الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ) لِمَا مَرَّ فِي سُؤْرِ الْخِنْزِيرِ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ فَقِيلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفَضَلَتْ الْحُمُرُ؟ فَقَالَ نَعَمْ، وَبِمَا أَفَضَلَتْ السِّبَاعُ كُلُّهَا» وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُرْسَلٌ لَا يَصِحُّ لَهُ الِاحْتِجَاجُ بِهِ؛ لِأَنَّ رِوَايَةَ دَاوُد بْنِ حُصَيْنٍ عَنْ جَابِرٍ وَدَاوُد بْنُ حُصَيْنٍ لَمْ يَلْقَ جَابِرًا كَذَا قَالَهُ الْجَصَّاصُ، وَلَئِنْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْحُمُرُ الْوَحْشِيَّةُ وَسِبَاعُ الطَّيْرِ أَوْ الْمُرَادُ بِهِ الْمَاءُ الْكَثِيرُ أَوْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قِيلَ تَحْرِيمُهَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ أَنَّهُ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ أَوْ خَفِيفَةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ نَجَاسَةٌ غَلِيظَةٌ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ كَبَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ؛ لِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي سُؤْرِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَأَوْجَبَ اخْتِلَافُهُمْ
стр. 107
الْمُعْتَبَرُ فِي الْبَابِ.
(وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ) وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ غَيْرُ مَكْرُوهٍ لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ كَانَ يُصْغِي لَهَا الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ». وَلَهُمَا قَوْلُهُ ﵊ «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ، إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ. وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ،
تَخْفِيفًا هَاهُنَا كَمَا أَوْجَبَ هُنَاكَ.
(وَسُؤْرُ الْهِرَّةِ طَاهِرٌ مَكْرُوهٌ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، وَرُوِيَ أَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصْغِي لِلْهِرَّةِ الْإِنَاءَ فَتَشْرَبُ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ بِهِ» وَقَالَ: كَيْفَ أَكْرَهُ مَعَ هَذَا الْحَدِيثِ (وَلَهُمَا قَوْلُهُ: ﷺ «الْهِرَّةُ سَبُعٌ» وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ الْفِقْهِ دُونَ الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ)؛ لِأَنَّهُ ﷺ بُعِثَ لِبَيَانِ الشَّرَائِعِ. فَإِنْ قِيلَ فَكَانَ الْوَاجِبُ الْقَوْلَ بِنَجَاسَتِهِ. أَجَابَ (بِقَوْلِهِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ) وَقَوْلُهُ: لِعِلَّةِ الطَّوْفِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إشَارَةً إلَى الضَّرُورَةِ، فَإِنَّ حُكْمَ النَّجَاسَةِ يَسْقُطُ بِهَا كَمَا مَرَّ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى مَا رُوِيَ عَنْ «عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّي وَفِي بَيْتِهَا قَصْعَةٌ مِنْ هَرِيسَةٍ فَجَاءَتْ هِرَّةٌ وَأَكَلَتْ مِنْهَا، فَلَمَّا فَرَغَتْ مِنْ صَلَاتِهَا دَعَتْ جَارَاتٍ لَهَا فَكُنَّ يَتَحَامَيْنَ مِنْ مَوْضِعِ فَمِهَا فَمَدَّتْ يَدَهَا وَأَخَذَتْ مَوْضِعَ فَمِهَا وَأَكَلَتْ وَقَالَتْ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ الْهِرَّةُ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّمَا هِيَ مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ عَلَيْكُمْ فَمَالُكُنَّ لَا تَأْكُلْنَ» فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى النَّجَاسَةِ فَهُوَ مُحَرَّمٌ فَهَلَّا تُرَجِّحَ؟
стр. 108
ثُمَّ قِيلَ كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ، وَقُبِلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةِ وَهَذَا يُشِيرُ إلَى التَّنَزُّهِ وَالْأَوَّلُ إلَى الْقُرْبِ مِنْ التَّحْرِيمِ. وَلَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ شَرِبَتْ عَلَى فَوْرِهِ الْمَاءَ تَنَجَّسَ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لَغُسْلِهَا فَمَهَا بِلُعَابِهَا وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَيَسْقُطُ اعْتِبَارُ الصَّبِّ لِلضَّرُورَةِ.
(وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ) مَكْرُوهٌ لِأَنَّهَا تُخَالِطُ النَّجَاسَةَ وَلَوْ كَانَتْ مَحْبُوسَةً بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا لَا يُكْرَهُ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ الْمُخَالَطَةِ (وَ) كَذَا سُؤْرُ (سِبَاعِ الطَّيْرِ) لِأَنَّهَا تَأْكُلُ الْمَيْتَاتِ فَأَشْبَهَ الْمُخَلَّاةَ.
فَالْجَوَابُ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مُؤَوَّلٌ دُونَ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَيَقْوَى حَدِيثُ عَائِشَةَ بِقُوَّةِ حَالِهَا وَقُوَّةُ دَلَالَتِهِ تُعَارِضُ الْمُحَرَّمَ، وَحُمِلَ مَا رَوَاهُ أَبُو يُوسُفَ مِنْ إصْغَاءِ الْإِنَاءِ لَهَا عَلَى مَا قَبْلَ التَّحْرِيمِ.
وَقَوْلُهُ: (ثُمَّ قِيلَ كَرَاهَتُهُ لِحُرْمَةِ اللَّحْمِ) هُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إلَى التَّحْرِيمِ أَقْرَبُ (وَقِيلَ لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ)؛ لِأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْجِيَفَ وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَرَاهَتَهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ قِيلَ وَهُوَ الْأَصَحُّ وَالْأَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْأَثَرِ.
وَقَوْلُهُ (وَلَوْ أَكَلَتْ) يَعْنِي الْهِرَّةَ ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ: (وَالِاسْتِثْنَاءُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ) يَعْنِي قَوْلَهُ إلَّا إذَا مَكَثَتْ سَاعَةً لِغَسْلِ فَمِهَا بِلُعَابِهَا؛ لِأَنَّهُمَا يُجَوِّزَانِ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِالْمَائِعَاتِ الطَّاهِرَةِ، وَلَكِنَّ الصَّبَّ شَرْطٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلتَّطْهِيرِ فِي الْعُضْوِ وَسَقَطَ هَاهُنَا لِلضَّرُورَةِ.
قَالَ (وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ مَكْرُوهٌ) الْمُخَلَّاةُ هِيَ الْجَائِلَةُ فِي عَذِرَاتِ النَّاسِ وَالْمَحْبُوسَةُ عَلَى خِلَافِهَا، وَالْمَحْبُوسَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً فِي بَيْتِ نَفْسِهَا، وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ مَحْبُوسَةً لِلتَّسْمِينِ وَيَكُونُ رَأْسُهَا وَأَكْلُهَا وَشُرْبُهَا خَارِجَ الْبَيْتِ، وَالْأُولَى تَجُولُ فِي عَذِرَاتِ نَفْسِهَا دُونَ الثَّانِيَةِ وَإِنَّمَا قَيَّدَ بِقَوْلِهِ (بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنْقَارُهَا إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهَا) إشَارَةٌ إلَى الْوَجْهِ الثَّانِي، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَقَعَ الْأَمْنُ عَنْ مُخَالَطَةِ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ) مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَسُؤْرُ الدَّجَاجَةِ الْمُخَلَّاةِ لِيَكُونَ دَاخِلًا فِي حُكْمِ الْكَرَاهَةِ، وَفِي الْقِيَاسِ نَجِسٌ اعْتِبَارًا بِسِبَاعِ الْوَحْشِ.
وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهَا تَشْرَبُ بِمِنْقَارِهَا وَهُوَ
стр. 109
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ (وَ) سُؤْرُ (مَا يَسْكُنُ الْبُيُوتَ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ) (مَكْرُوهٌ) لِأَنَّ حُرْمَةَ اللَّحْمِ أَوْجَبَتْ نَجَاسَةَ السُّؤْرِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَتْ النَّجَاسَةُ لِعِلَّةِ الطَّوْفِ فَبَقِيَتْ الْكَرَاهَةُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْهِرَّةِ.
قَالَ (وَسُؤْرُ الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ) قِيلَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَى الْمَاءِ،
عَظْمٌ جَافٌّ، بِخِلَافِ سِبَاعِ الْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا تَشْرَبُ بِلِسَانِهَا وَهُوَ رَطْبٌ بِلُعَابِهَا، وَاسْتَدَلَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى كَرَاهَتِهِ بِمَا تُشْبِهُ بِهِ الْمُخَلَّاةَ وَهُوَ أَكْلُ الْمَيْتَاتِ إلْحَاقًا لَهَا بِهَا (وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهَا) أَيْ سِبَاعَ الطَّيْرِ (إذَا كَانَتْ مَحْبُوسَةً وَيَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ لَا قَذَرَ عَلَى مِنْقَارِهَا لَا يُكْرَهُ، وَاسْتَحْسَنَ الْمَشَايِخُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ) قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ: رَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: إنْ كَانَ هَذَا الطَّيْرُ لَا يَتَنَاوَلُ الْمَيْتَةَ كَالْبَازِي الْأَهْلِيِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْهُ (قَوْلُهُ: وَسُؤْرُ مَا يَسْكُنُ الْبُيُوتَ) طَاهِرٌ.
وَقَوْلُهُ: (وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ فِي الْهِرَّةِ) قِيلَ مَعْنَاهُ: وَبَقِيَ التَّنْبِيهُ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي كَانَتْ فِي الْهِرَّةِ، وَقِيلَ هُوَ جَوَابُ سُؤَالٍ مُقَدَّرٍ تَقْدِيرُهُ مَاذَا الَّذِي دَلَّكُمْ عَلَى كَوْنِ الطَّوْفِ عِلَّةً لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّلَ لِسُقُوطِ النَّجَاسَةِ عَنْ سُؤْرِ الْهِرَّةِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ بِقَوْلِهِ ﵊ «إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» دَفْعًا لِلْحَرَجِ، وَقَدْ وُجِدَ الطَّوْفُ فِي سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ أَزْيَدَ مِنْهُ فِي الْهِرَّةِ، فَإِنَّ ثُلْمَةَ الْبَيْتِ إذَا سُدَّتْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ الْهِرَّةُ فِيهِ، وَأَمَّا سَوَاكِنُ الْبُيُوتِ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَنْعُهَا عَنْ الطَّوْفِ، فَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى سُقُوطِ النَّجَاسَةِ فِيهَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَكَانَ الْعَلَّامَةُ الْكَرْدَرِيُّ يَقُولُ: اللَّهُ تَعَالَى عَلَّلَ لِسُقُوطِ وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ بِعِلَّةِ الطَّوْفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ وَاسْتَدَلَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ بِتَعْلِيلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ عَلَى سُقُوطِ النَّجَاسَةِ، ثُمَّ اسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ بِتَعْلِيلِهِ ﷺ فِي سُؤْرِ الْهِرَّةِ عَلَى سُقُوطِ نَجَاسَةِ سُؤْرِ سَوَاكِنِ الْبُيُوتِ لِعِلَّةِ الطَّوَافِ.
قَوْلُهُ: (وَسُؤْرُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ مَشْكُوكٌ فِيهِ) هَذِهِ عِبَارَةُ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ، وَأَبُو طَاهِرٍ الدَّبَّاسُ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ مَشْكُوكًا فِيهِ. وَقَالَ: سُؤْرُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ لَوْ غُمِسَ فِيهِ ثَوْبٌ جَازَتْ الصَّلَاةُ مَعَهُ، إلَّا أَنَّهُ يُحْتَاطُ فِيهِ فَأَمَرَ بِالْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّيَمُّمِ، وَالْمَشَايِخُ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالشَّكِّ التَّوَقُّفُ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ، وَالشَّافِعِيُّ ﵀ يَجْعَلُهُ طَاهِرًا وَطَهُورًا؛ لِأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ يُنْتَفَعُ بِجِلْدِهِ فَسُؤْرُهُ طَهُورٌ عِنْدَهُ.
وَاخْتُلِفَ فِي أَنَّ الشَّكَّ فِي طَهَارَتِهِ أَوْ فِي طَهُورِيَّتِهِ، فَقِيلَ فِي طَهَارَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ طَاهِرًا لَكَانَ طَهُورًا مَا لَمْ يَغْلِبْ اللُّعَابُ عَلَى الْمَاءِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَاطَ الطَّاهِرِ
стр. 110
وَقِيلَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وُجِدَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ، وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشْ، فَكَذَا سُؤْرُهُ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَيُرْوَى نَصَّ مُحَمَّدٌ ﵀ عَلَى طَهَارَتِهِ،
بِالْمَاءِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الطَّهُورِيَّةِ مَا لَمْ يَغْلِبْ كَمَا إذَا اخْتَلَطَ مَاءُ الْوَرْدِ بِالْمَاءِ (وَقِيلَ الشَّكُّ فِي طَهُورِيَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَدَ الْمَاءَ الْمُطْلَقَ) لَا يَجِبُ عَلَيْهِ غَسْلُ رَأْسِهِ: يَعْنِي بَعْدَ مَا مَسَحَ رَأْسَهُ بِسُؤْرِ الْحِمَارِ، وَلَوْ كَانَ الشَّكُّ فِي طَهَارَتِهِ لَوَجَبَ، وَإِنَّمَا عَيَّنَ الرَّأْسَ؛ لِأَنَّ غَيْرَهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ يَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: (وَكَذَا لَبَنُهُ طَاهِرٌ) وَلَا يُؤْكَلُ قِيلَ هَذَا لَيْسَ بِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِيهِ نَجِسٌ، وَالْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ إنَّمَا هُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدٍ. وَقَوْلُهُ: (وَعَرَقُهُ لَا يَمْنَعُ جَوَازَ الصَّلَاةِ وَإِنْ فَحُشَ) هُوَ إحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: هُوَ نَجِسٌ نَجَاسَةً خَفِيفَةً، وَفِي رِوَايَةٍ: نَجِسٌ نَجَاسَةً غَلِيظَةً، وَالْمَشْهُورُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْكِتَابِ.
قَالَ الْقُدُورِيُّ ﵀: عَرَقُ الْحِمَارِ طَاهِرٌ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ. وَقَوْلُهُ: (فَكَذَا سُؤْرُهُ) يَعْنِي أَنَّ اللَّبَنَ وَالْعَرَقَ وَالسُّؤْرَ تَتَوَلَّدُ كُلُّهَا مِنْهُ، فَإِذَا كَانَا طَاهِرَيْنِ كَانَ السُّؤْرُ كَذَلِكَ. وَقَوْلُهُ: (وَهُوَ الْأَصَحُّ) أَيْ الْقَوْلُ بِأَنَّ الشَّكَّ فِي طَهُورِيَّتِهِ أَصَحُّ. وَقَوْلُهُ: (نَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى طَهَارَتِهِ) هُوَ مَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ قَالَ: أَرْبَعٌ لَوْ غُمِسَ فِيهَا الثَّوْبُ لَمْ يَنْجَسْ، وَهِيَ سُؤْرُ الْحِمَارِ، وَالْمَاءُ الْمُسْتَعْمَلُ، وَلَبَنُ
следующие страницы →