← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

منها في باب حروبه ومكايده، فإنه إن ظهر منه على خيانة في السر، عرّض نفسه للهلكة. ومنها الشّكر فإنه وإن كان واجبا على الإنسان مع أكفائه ونظرائه فإنه مع السلطان الذي يستظلّ بظله، ويستدرّ أخلاف فضله أوجب. إذ المرء قد يقدر على مكافأة عارفة «١» صديقه بما يضاهيها ويزيد عليها، ولا يقدر على مكافأة سلطانه إلا بشكر نعمته، والمحافظة على حقوق خدمته. ثم الشكر بالقول يرتفع بين الرئيس والمرؤوس، والخادم والمخدوم، إلا اليسير الذي يقضي به حقّ الخدمة: لأن الإكثار منه داخل في حكم الملق والتثقيل؛ وإنما يظهر شكر الخادم من أفعاله. ومنها الوفاء، وهو من أهمّ الخصال اللازمة وآكدها؛ إذ هو الطريق إلى صلاح العباد وعمارة البلاد؛ بل هو رأس مال الكاتب وربحه ودوام عمله، والسبب الذي لأجله ترغب السّلاطين في صحبته: لأنهم ما برحوا يقرّبون صاحب هذه الخصلة ويرونه أهلا للاختصاص، موضعا للثّقة؛ ولا أسوأ حالا ممن نزل هذه المنزلة وهو بخلافها. ثم الوفاء يكون بإظهار النصيحة، وبذل الاجتهاد، وقصد المخالصة، ومقابلة كل نعمة تفاض عليه بالنهضة فيما استند «٢» إليه: ليدعو ذلك سلطانه إلى ربّ «٣» النعمة لديه، وإقرار ما عليه. ومن شروط الوفاء أن يلتزمه صاحبه لسلطانه، في حال سعادته، وإقبال دولته، وفي حال تولّيها عنه وعطلته. أما في حال إقبال الدولة عليه فأن يصحبه بقلبه دون بدنه ولا يتطلب صاحبا غيره ينتقل إلى صحبته، ويستبدل بخدمته

стр. 107

من خدمته، ولا يحدّث نفسه بأنه متى وجد أنفع منه عدل إليه، ولا أن يرتّب له جهة أخرى يجعلها مقدّمة لأمر يترقّبه: لما في ذلك كله من الخروج عن حدّ الإخلاص المقدّم وجوبه. وأمّا في حال انصراف الدولة عن صاحبه، فإنه لا يباينه مباينة المساعد للزمان عليه، الموافق للمقادير فيه، ولا يخونه عند حاجته إليه، ولا يضيع حقوقه عنده وصنائعه لديه، ولا ينحاز بكلّيّته إلى من أقبلت أمور السلطان عليه؛ فإن ذلك مما يدل على خبث السجيّة ومقابلتها على الإحسان بالإساءة، واستعمال العقوق، واطّراح الحقوق. ومنها: مجانبة الإدلال إذ الدالّة على السلطان والرئيس من أعظم مصارع التّلف، وأقرب الأشياء إلى زوال النعم، ولأجلها هلك من هلك من بطانة السلطان وخاصته ووزرائه؛ وفي قصصهم عبرة لمن أنعم النظر في تأمّلها. وعليه أن يعوّل في الاعتداد بخدمه ونصائحه له على اشتهارها وظهورها، ولا يفيض في تعديدها وذكرها، ولا يواصل التثقيل بأغراضه والإلحاف بأسئلته، ولا يظهر التشحّب عند التقصر به، ولا الغضب اتّكالا على سالف خدمة، وقليل حرمة؛ وأن يتناسى ما أسلفه من الخدمة والصحبة، ويكون في كل حال عارفا بعوارفه، معتدّا بفواضله، موجبا الفروض له لا عليه، فإن السلطان مجبول على أنفة النفس وعزّتها، ولا يحتمل التنازل لأحد: لتنزيله الكلّ منازل الخدم والأرقّاء، واعتقاده أنه سبب النعمة السابغة على الكافّة، وثقته بوجود العوض عمّن يفقده من الأعوان والأصحاب، ومثابرة الناس على خدمته والانتساب إلى متابعته لما يصلون إليه من الحظوة، وينالونه من الجاه والثورة. وإن كان في باطن حاله على خلاف ما يؤثر، أظهر الشكر والاعتداد وتلطّف في بلوغ الغرض بأحسن تعريض، ولم يطلق قلمه كاتبا، ولا لسانه مخاطبا؛ فإن ذلك إزراء على همة المصحوب، ودلالة على إخلاله بتفقد الصاحب، لكن يذكر النعمة وسبوغها، والمنّة وشيوعها، ويسأل الزيادة فيها ومضاعفتها. فإن ذلك يقضي ببلوغ آماله، وسداد أموره، وسهولة مطالبه؛ وإذا زاده السلطان رفعة وتشريفا ازداد له تعظيما وتوقيرا. وإذا بسط يديه أن

стр. 108

ينقبض عن كل ما يشينه، وإذا خصّه بأثرة وتقريب أن يزيد الخاصّة والعامّة بشرا وإيناسا، وإن اتهمه بهفوة لم ينته في إقامة العذر والاحتجاج على براءة الساحة إلى الغاية القصوى، بل يتوسط في ذلك ويسأل من حسن الصّفح والإقالة وجميل التغمّد «١» والعفو ما يجعل للإحسان وجها، ولتعقّبه للسخط سببا. فإنه إذا صدع بالحجة في براءة الساحة، فلا وجه لمعذرته وفيه تكذيب لرئيسه، وربما أدّى إلى فساد ومفاقمة. ومنها: التمسك بآداب الخدمة بالمواظبة عليها، وصرف الاهتمام إليها؛ إذ هي أعظم الذرائع إلى نيل الرتب وبلوغ المآرب، والسبب الذي يقرّب البعداء، ويرفعهم على أهل الوسائل والحرم، وذوي المواتّ «٢» والخدم؛ ويعمي عن كل شين، ويصمّ عن كل طعن. وما نال أحد عند السلطان مرتبة إلا والمواظبة على خدمته سببها والمواصلة موجبها. وأولى الناس بلزوم السلطان كتّابه الذين لا غنى به عن حضورهم، في ليله ونهاره، وأحيان شغله وفراغه: لأنه ربما بدهه ما يحتاج إلى استكفائه إيّاه وإسناده إليه، وإن تأخر عنه في تلك الحال استدعى من موجدته واستجرّ من لائمته مالا يزيله العذر إلا في المدّة الطويلة. وربّما اضطرّ لغيبته إلى إحضار من يستكفيه ما عرض له وأدّى ذلك إلى اصطناعه وتصييره في مقامه وإن كان لا يساويه في فضل ولا علم ولا غناء، بخلاف ما إذا وجده مسارعا إلى أمثلته؛ فإن ذلك يزيد في حظوته، ويدعو إلى استخلاص مودّته. فيجب عليه أن يخصّ سلطانه من زمانه بالقسم الأوفر، والنصيب الأغزر، ولا يؤثر نيل لذة عليه، ولا بلوغ وطر إذا أدّى إلى تنكّره؛ فإن استطاع أن يوافقه على وقت يفرضه له يتمكن فيه من بلوغ أوطاره، والوصول إلى مقاصده، كان أحمد لعاقبته، وأبلغ لقصده، وأحسم لأسباب اللائمة في

стр. 109

غيبته. ولا ينهمك في الملاذّ انهماك الآمن بل يقف عند الحدّ الذي يبقي فيه فضلة لعوارض السلطان ومهمّاته الحادثة في آناء الليل، وساعات النهار. فإن تعبه في صلاح زمانه وراحة سلطانه مستبق لنعمته، مستدع لزيادته. ولا يشتغل بكبير الأمور عن صغيرها، ولا يبتهج بما أصلحه منها حتّى ينظر في عواقبه، ويسوس ما ردّ إليه بالسياسة الفاضلة: فيلين في غير ضعف، ويشتدّ في غير عنف، ويعفو عن غير خور، ويسطو من غير جور، ويقرّب بغير تدلّه، ويبعد بغير نكر، ويخصّ في غير مجازاة، ويعمّ في غير تضييع، فلا يشقى به الحقّ وإن كان عدوّا، ولا يسعد به وإن كان وليّا. ومنها: إذا حضر بين يدي سلطانه أو رئيسه في المجلس الخاصّ أو العامّ أن يعتمد مقابلته بالإجلال والإعظام، والتوقير والإكرام؛ ولا يحمله تأكد الخدمة وتطاول الصحبة على إهمال ذلك بل يحفظ رسمه، ولا يغيّر عادته. ومنها: أن يتخير لخطابه في الأغراض والأوطار أوقاتا يعلم خلوّ سرّه فيها، وفراغ باله، وانشراح صدره، وارتفاع الأفكار عن خاطره: إلا إن كان ما يخاطبه فيه أمرا عائدا بانتظام سلطانه، واستقامة زمانه، داخلا في مهمات أعماله التي متى أخّرها نسب إلى التقصير؛ فيقدّم الكلام فيها خفّ أو ثقل. وإذا خاطبه رئيسه من سلطان أو غيره في أمر من الأمور، فعليه أن يرعيه عينه، وينصت إليه سمعه، ويشغل به فكره، ولا يستعمله فيما يعوقه عنه حتّى يستوعب ما يلقيه إليه، ويجيبه عنه أحسن الجواب، ولا يلتفت في حال إقباله عليه إلى غيره، ولا يصغى إلى كلام متكلم، ولا حديث متحدّث، حتّى لو امتحنه باستعادة ما فاوضه فيه وجده قد أحرز جميعه؛ فإن التقصير في ذلك مما ينكره الملوك والرؤساء، ويستدلّون به على ضعف المخاطب. وإن كان فيما خاطبه فيه أمر يحتمل التأخير بادر بالاعتذار عنه: لئلا ينسب إلى التقصير بتأخيره عند الكشف عنه؛ وإن كان فيه ما يخالف الصواب أمضاه، وإن تعذر السبيل إلى فعله لم يظهر التقاعس عنه لتخطئته، بل يقابله بالاستصواب، ثم يتلطف في تعريفه مكان الخطإ فيما رآه.

стр. 110

ومنها: أن يجري في الحال في مجالسه على ما يعود بوفائه وإرادته: فإن مال إلى الانبساط أطلق عنانه فيه إطلاق المتجنّب للهجر «١» والفحش، ورفث «٢» القول تابعا لإيثاره، قاضيا لأوطاره. وإن أظهر الانقباض ذهب مذهبه في ذلك، ولا ينبغي أن يخالفه في حال من أحواله؛ فإنّ من شروط هذه الخدمة أن يتصرف صاحبها في كل ما يصرّف فيه، ويسرع الانقياد إلى كل ما يدعى إليه، ولا يكثر من الدعاء لرئيسه والثناء عليه والشكر على ما يوليه من العوارف فإن مثل ذلك يستثقل. ومنها: أن لا يحضر سلطانه في ملابسه التي جرت العادة أن ينفرد بها كالوشي ونحوه؛ إلا أن يكون هو الذي يشرّفه بها، وأن يقتصد في لباسه: فينحطّ عما يلبسه سلطانه ويرتفع عما يلبسه السّوقة، ويصرف عنايته إلى التنظّف والتعطّر، وقطع الرائحة الكريهة من العرق وغيره، حتّى لا تقع عين رئيسه على دنس في أثوابه، ولا يجد منه كريه رائحة في حال دنّوه منه؛ ويواصل استعمال الطيب والبخور الفائق والتضمّخ بالمسك؛ فإن الملوك ترى أن من أغفل تعهّد نفسه كان لغيرها أشدّ إغفالا. ومنها: أن يتجنب التفاصح والتعمّق في مخاطبة رئيسه، والافتخار عليه بالبلاغة والبيان: لما في ذلك من الترفع عليه في الكلام، بل يجعل ما يلقيه إليه ضمن ألفاظ تدلّ على معانيها بسهولة مع غضّ من صوته، وخفض من طرفه، وسكون من أعضائه: لأنه إنما يتسامح بالإتيان بالفصاحة والذّهاب بمذهب الجزالة للخطباء الذين يثنون على الملوك في المواقف العامّة ضرورة احتياجهم إلى استعمال ألفاظ تقع في الأسماع أحسن المواقع. ومنها: أنه إذا تميز عند رئيسه وارتفعت رتبته لديه أن يجمل القول في خاصّته وعامّته، ويحسن الوساطة لحاشيته ورعيته، ويتجنب القدح عنده في

стр. 111

أكفائه ونظرائه من بطانته، والمقرّبين من حضرته، ليكون ذلك داعيا إلى محبته والثناء عليه مكافأة له وإمساك الألسن عن الطعن فيه. ومنها: أن يبادر إلى المشورة عليه بالصواب فيما يستشيره فيه، ويورده إيراد مستفيد لا مفيد، ومتعلم لا معلّم، ويتلطّف في أن يوقعه من نفسه موقعا يدعوه إلى العمل به. فإنّ من عادة الملوك والرؤساء الأنفة من الانقياد إلى ما ينتحله غيرهم من الآراء ولو كانت صائبة؛ وإن تمكّن من صياغة حديث يودعه فيه فعل مخادعة بذلك لنفسه الأبيّة وعزّته المتقاعسة. الضرب الثاني آداب عشرة الأكفاء والنّظراء قال عليّ بن خلف: ولا شك أنّ طريقة الاعتدال في ذلك الموافاة في الإخاء، والمساواة في الصّفاء، ومقابلة كل حالة بما يضاهيها. أما المسامحة بالحقوق والإغضاء عمن قصّر، والمحافظة على ودّ من فرّط، فلا خلاف في فضله والتمدّح بمثله، لا سيما لمثل أهل هذه الصناعة التي يرتفع حقّ الاعتزاء إليها عن حقوق القرابات الدانية، والأنساب الراسخة. ولذلك وقع في كلام بعضهم «الكتابة نسب» . قال عليّ بن خلف: والمعنى فيه أن التناسب الحاصل بين أهلها تناسب نفسانيّ لا جسمانيّ، يحصل عن تناسب الصور القائمة في نفوسهم بالقوّة، وعن تناسبها بعد خروجها وظهورها من القوّة إلى الفعل، بدليل ما نراه من اتفاق خواطرهم على كثير من المعاني التي يستنبطونها، وتواردهم فيها. ولولا تناسب الغرائز وتشابهها، لم يكن أن يتواطؤا في أكثر الأحوال على معان متكافئة متوافية. قال: «وإذا كنا نحفظ من متّ إلينا بالأنساب الجسمية التي لا تعارف بينها فأولى أن نحفظ من متّ إلينا بالأنساب النفسانية التي يصح منها التعارف. ولذلك

стр. 112

قال الحسن بن وهب «١» : «والكتابة نفس واحدة تجزّأت في أبدان متفرّقة» . وقال: لا عبرة بما يقع بين بعضهم من التنافر والتباين، لأن المناسبة إنما تقع عند المساواة. أما من وقع دون رتبة الآخر من الفضيلة فليس بمناسب له فيصير القاصر حاسدا لمن فوقه، للتقصير الذي فيه» . وبكل حال فإنه يجب عليه أن يعرف لأكفائه حقهم، ويحفظ مناسبتهم، ويتوخّى مساهمتهم، ويتلقّاهم بالإكرام والتمييز، ويجعلهم في أعلى المراتب عنده، ويزيدهم على الإنصاف ولا يقصّر بهم عما يستوجبونه ويستحقونه، ويتخوّل «٢» بمثل ذلك نظراءه في الرياسة من غير الكتّاب، وإن تعذر عليه الوصول إلى ملتمسهم أطاب قلوبهم بالوعد الجميل في المستقبل، واجتهد في الوفاء به. الضرب الثالث آداب عشرة الأتباع قال عليّ بن خلف: وهي لا حقة بعشرة الأكفاء: لأن الذين يستعين بهم الكاتب يدعون كتّابا ولا يدعون أعوانا؛ وإنما الأعوان خدّام الشّرطة ومن يجري مجراهم قال: «وهم وإن كانوا أصحاب الكاتب ومرؤوسيه وأتباعه، فاسم الكتابة يجمع بينه وبينهم، ومعاشرتهم داخلة في باب التكرم، والتفضيل، والاستئثار بمحاسن الأفعال ومكارم الشيم» . ثم قال بعد ذلك: «وينبغي أن يخصّهم بالنصيب الأوفر، من إكرامه، والقسم الأغزر، من ملاحظته واهتمامه، ويفرض لهم من التقديم والاختصاص وتفقد الأحوال والشؤون، والذي ينتهي إليه أمل المرؤوس من الرئيس: ليجعل

стр. 113

خدمتهم له بذلك خدمة مقة «١» ومودّة، لا خدمة خوف ورهبة؛ وأن يحبّب خدمته إليهم بترك مناقشتهم، والتضييق عليهم، وإنالتهم من الترفيه في بعض الأوقات ما يجدون به السبيل إلى الأخذ بنصيب من لذاتهم وأوطارهم التي تميل النفوس إليها، وتتهافت عليها؛ فإنهم متى لحقهم التعب والنصب، اعترضهم الضّجر والملال، فقصّروا في الأعمال، وتهاونوا بالأشغال؛ فلا بدّ لهم من راحة تصفو بها أذهانهم ويزول عنها الكلال، ولا يفسح لهم في مواصلة الراحة والإخلال بما يلزمهم؛ فإن ذلك يحمل على سوء العادة وقبح المذهب. وعليه أن يحفظ لهم حقوق الصّحبة والخدمة ويوجدهم من الإعانة ما فيه صلاح حالهم؛ فإنه يستعبدهم بذلك ويستخلص مودّتهم، إذ القلوب مجبولة على حب من أحسن إليها» . الضرب الرابع آداب عشرة الرعية قال ابن خلف: «وهو أمر عظيم النفع، جسيم العائدة، قاض بالسلامة. إذ لا يطيب لأحد عيش مع بغض الرعية له، ونفورهم عنه، وإن علت عند السلطان رتبته، وارتفعت طبقته. وظنّ بنفسه الاستغناء عنهم» . قال: «فينبغي أن يوفّر العناية على استصلاحهم له، واستمالة أهوائهم إليه، ولين الجانب، ووطاءة الكنف «٢» ، وخفض الجناح، والبسط والإيناس وتألّفهم: كما يوفرها على استصلاح السلطان وسياسته، لتصحّ له رتبة التوسّط بين الطبقتين، ويسلم من طعن الطاعن، ولوم اللائم، ويبرأ من البغض

стр. 114

والشّحناء، وينقلهم عما تسرع إليه الطّباع الرديئة: من الحسد والإيذاء إلى التألّف والمودّة. وقد أدّب الله تعالى نبيه ﷺ بقوله تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ » «١» . الضرب الخامس آداب عشرة من يمتّ إليه بحرمة، كالجار، والقاصد، والآمل ، والمدلّ بحقّ المفاوضة، والمطاعمة، والمحاضرة، والسلام والمعرفة في الصّبا، والصداقة بين الآباء وغير ذلك من الحرم التي لا يطّرحها أهل المروءات قال ابن خلف: «وينبغي أن يوفيهم حقوقهم، وينهض بما يسنح من أوطارهم ومهمّاتهم، ويعينهم على ما يحدث من نوائب زمانهم، ويسعد في بلوغ مطالبهم من سلطانهم، ولا يضنّ عليهم بجاه ولا مال، ولا يخيّب أمل آملهم ولا قصده، ويفرض لهم من إذعانه واعتنائه ما يعزّ جانبهم، ويسهّل مآربهم، ويكفّ الضيم والظلم عنهم، ويبسط العدل والإنصاف عليهم، فإنه إذا التزم ذلك لهم التزموا له الإعظام والإجلال، وأطلقوا ألسنتهم بالثناء عليه، والاعتداد بأياديه، وأشاعوا ذلك بين أمثالهم فاجتلبوا له مودّتهم وتعصّبهم له» . قلت: ومن تمام آداب الكاتب وكمالها أن يعرف حقوق مشايخ الصناعة وأئمتها الذين فتحوا أبوابها، وذلّلوا سبلها، وسهّلوا طرقها، ويعاملهم بالإنصاف فيما أعملوا فيه خواطرهم، وأتعبوا فيه رويّاتهم فينزلهم منازلهم ولا يبخسهم حقوقهم. فمن آفات هذه الصنعة على ذوي الفضل من أهلها أن القاصر منهم لا يمتنع من ادّعاء منزلة المبرّز بل لا يعفيه من ادّعاء التقدم في الفضل عليه، والمبرّز في الفضل لا يقدر على إثبات نقص المتخلّف وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ «٢» .

стр. 115

ثم أصل هذه الآداب الذي ترجع إليه، وينبوعها الذي تفجّرت منه، رسالة عبد الحميد بن يحيى الكاتب، التي كتبها إلى الكتّاب يوصيهم فيها، وهي: أما بعد، حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفّقكم وأرشدكم! فإن الله جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم أجمعين. ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء، وصرّفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات ألى أسباب معايشهم، وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتّاب في أشرف الجهات أهل الأدب، والمروءة، والعلم، والرواية، بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها، وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمر بلادهم. لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم، فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون، فأمتعكم الله بما خصّكم من فضل صناعتكم ولا نزع عنكم ما أضفاه من النّعمة عليكم! وليس أحد أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة، منكم أيّها الكتاب، إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم فإن الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمّات أموره أن يكون حليما في موضع الحلم، فهيما في موضع الحكم، ومقداما في موضع الإقدام، ومحجما في موضع الإحجام، مؤثرا للعفاف، والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيّا عند الشدائد، عالما بما يأتي من النوازل، ويضع الأمور مواضعها، والطوارق أماكنها. قد نظر في كل فنّ من فنون العلوم فأحكمه، فإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار يكتفي به، يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته، ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره؛ فيعدّ لكل أمر عدّته وعتاده، ويهيىء لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتّاب، في صنوف الآداب، وتفقّهوا في الدّين، وابدأوا

стр. 116

بعلم كتاب الله والفرائض، ثم العربيّة فإنها ثقاف ألسنتكم. ثم أجيدوا الخطّ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار، واعرفوا غريبها ومعانيها. وأيام العرب والعجم، وأحاديثها وسيرها، فإن ذلك معين لكم على ما تسموا إليه هممكم. ولا تضيّعوا النظر في الحساب فإنه قوام كتّاب الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيّها ودنيّها، وسفساف الأمور ومحاقرها، فإنها مذلّة للرقاب، مفسدة للكتّاب، ونزّهوا صناعتكم عن الدّناآت، واربأوا بأنفسكم عن السّعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات، وإياكم والكبر والصلف والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة «١» ، وتحابّوا في الله في صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنّبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه حتّى يرجع إليه حاله، ويثوب إليه أمره؛ وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه، فزوروه وعظموه وشاوروه، واستظهروا بفضل تجربته، وقدم معرفته. وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحفظ منه على ولده وأخيه. فإن عرضت في الشغل محمدة فلا يضيفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمّة فليحملها هو من دونه. وليحذر السّقطة والزلة والملل عند تغيّر الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتّاب أسرع منه إلى الفراء؛ وهو لكم أفسد منه لها. فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه الرجل، يبذل له من نفسه ما يجب له عليه من حقه، فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه، وشكره، واحتماله، وصبره، ونصيحته، وكتمان سره، وتدبير أمره، ما هو جزاء لحقّه، ويصدّق ذلك بفعاله عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى ما لديه.

стр. 117

فاستشعروا ذلكم وفقكم الله من أنفسكم في حالة الرخاء، والشدّة، والحرمان، والمواساة، والإحسان، والسراء، والضراء، فنعمت الشيمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة! فإذا ولّي الرجل منكم أو صيّر إليه من أمر خلق الله وعياله أمر، فليراقب الله ، وليؤثر طاعته، وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله وأحبهم إليه أرفقهم بعياله. ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفّرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألّفا، وعن إيذائهم متخلّفا؛ وليكن في مجلسه متواضعا حليما، وفي سجلّات خراجه، واستقضاء حقوقه رفيقا، وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من الحسن واحتال لصرفه عما يهواه من القبيح ألطف حيلة، وأجمل وسيلة. وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا «١» لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا «٢» اتّقاها من قبل يديها، وإن خاف منها شرودا توقّاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طريقها، فإن استمرت عطفها يسيرا فيسلس له قيادها. وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وخدمهم وداخلهم. والكاتب بفضل أدبه، وشريف صنعته، ولطيف حيلته، ومعاملته لمن يحاوره من الناس ويناظره، ويفهم عنه أو يخاف سطوته، أولى بالرفق بصاحبه ومداراته، وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف صوابا، ولا تفهم خطابا، إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها. ألا فأمعنوا رحمكم الله في النظر، وأعملوا فيه ما أمكنكم من الرويّة والفكر، تأمنوا بإذن الله ممن صحبتموه النّبوة والاستثقال والجفوة؛ ويصير «٣» منكم إلى

стр. 118

الموافقة، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة إن شاء الله تعالى. ولا يجاوزنّ الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون أمره، قدر حقه، فإنكم مع ما فضّلكم الله به من شرف صنعتكم خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير. واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم، وقصصته عليكم، واحذروا متالف السرف، وسوء عاقبة التّرف، فإنهما يعقبان الفقر ويذلّان الرّقاب، ويفضحان أهلهما ولا سيّما الكتّاب، وأرباب الآداب، وللأمور أشباه وبعضها دليل على بعض، فاستدلّوا على مؤتنف «١» أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجّة، وأصدقها حجّة، وأحمدها عاقبة. واعلموا أنّ للتدبير آفة متلفة، وهي الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه، وليوجز في ابتدائه وجوابه، وليأخذ بمجامع حججه، فإن ذلك مصلحة لفعله، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وليضرع إلى الله في صلة توفيقه، وإمداده بتسديده، مخافة وقوعه في الغلط المضرّ ببدنه وعقله وأدبه، فإنه إن ظن منكم ظانّ، أو قال قائل، إن الذي برز من جميل صنعته وقوّة حركته، إنما هو بفضل حيلته، وحسن تدبيره، فقد تعرّض بظنه أو مقالته إلى أن يكله الله إلى نفسه، فيصير منها إلى غير كاف. وذلك على من تأمله غير خاف. ولا يقل أحد منكم إنه أبصر بالأمور وأحمل لعبء التدبير من مرافقه في صناعته، ومصاحبه في خدمته، فإن أعقل الرجلين عند ذوي الألباب من رمى بالعجب وراء ظهره، ورأى أن صاحبه أعقل منه وأحمد في طريقته، وعلى كل واحد من الفريقين أن يعرف فضل نعم الله جلّ ثناؤه من غير اغترار برأيه، ولا

стр. 119

تزكية لنفسه، ولا تكاثر على أخيه أو نظيره، وصاحبه وعشيره، وحمد الله واجب على الجميع: وذلك بالتواضع لعظمته، والتذلل لعزته، والتحدّث بنعمته. وأنا أقول في كتابي هذا ما سبق به المثل (من يلزم الصحة يلزمه العمل) وهو جوهر هذا الكتاب وغرّة كلامه، بعد الذي فيه من ذكر الله ؛ فلذلك جعلته آخرا وتممته به. تولانا الله وإياكم يا معشر الطلبة والكتبة بما يتولّى به من سبق علمه بإسعاده وإرشاده! فإن ذلك إليه وبيده. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته» «١» .

стр. 120

الباب الرابع من المقدمة في التعريف بحقيقة ديوان الانشاء، وأصل وضعه في الإسلام، وتفرّقه بعد ذلك في الممالك وفيه فصلان . الفصل الأول في التعريف بحقيقته لا خفاء في أنه اسم مركّب من مضاف وهو ديوان ومضاف إليه وهو الإنشاء، أما الديوان فاسم للموضع الذي يجلس فيه الكتّاب وهو بكسر الدال. قال النحّاس في صناعة الكتاب «وفتحها خطأ» قال: «وأصله دوّان فأبدلت إحدى الواوين ياء فقيل ديوان» ويجمع على دواوين. واختلف في أصله، فذهب قوم إلى أنه عربيّ. قال النحاس: «والمعروف في لغة العرب أن الديوان الأصل الذي يرجع إليه ويعمل بما فيه» ومنه قول ابن عباس «١» : «إذا سألتموني عن شيء من غريب القرآن فالتمسوه في الشّعر فإن الشّعر ديوان العرب» . ويقال دوّنته أي أثبته وإليه يميل كلام سيبويه. وذهب آخرون إلى أنه عجميّ وهو قول الأصمعيّ «٢» وعليه اقتصر الجوهري «٣» في صحاحه،

стр. 121

فقال الديوان «فارسيّ معرّب» . وقد حكى الماورديّ «١» في «الأحكام السلطانية» في سبب تسميته بذلك وجهين: أحدهما- أن كسرى ذات يوم اطّلع على كتّاب ديوانه في مكان لهم وهم يحسبون مع أنفسهم فقال «ديوانه» أي مجانين فسمّي موضعهم بهذا الاسم ولزمه من حينئذ ثم حذفت الهاء من آخره لكثرة الاستعمال تخفيفا فقيل «ديوان» وعليه اقتصر أبو جعفر النحاس في صناعة الكتاب. والثاني- أن الديوان بالفارسية اسم للشياطين، وسمّي الكتاب بذلك لحذقهم بالأمور ووقوفهم على الجليّ منها والخفيّ. وأما الإنشاء فقد تقدّم أنه مصدر أنشأ الشيء ينشئه إذا ابتدأه واخترعه، وحينئذ فإضافة الديوان للإنشاء تحتمل أمرين: أحدهما- أن الأمور السلطانية من المكاتبات والولايات تنشأ عنه وتبدأ منه. والثاني- أن الكاتب ينشيء لكل واقعة مقالا. وقد كان هذا الديوان في الزمن المتقدّم يعبر عنه بديوان الرسائل تسمية له بأشهر الأنواع التي تصدر عنه لأن الرسائل أكثر أنواع كتابة الإنشاء وأعمّها، وربما قيل ديوان المكاتبات. ثم غلب عليه هذا الاسم وشهر به واستمر عليه إلى الآن.

стр. 122

الفصل الثاني في أصل وضعه في الإسلام وتفرقه عنه بعد ذلك في الممالك اعلم أن هذا الديوان أوّل ديوان وضع في الإسلام؛ وذلك أن النبيّ ﷺ كان يكاتب أمراءه، وأصحاب سراياه من الصحابة، رضوان الله عليهم ويكاتبونه، وكتب إلى من قرب من ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وبعث إليهم رسله بكتبه: فبعث عمرو بن أميّة الضّمري إلى النّجاشيّ ملك الحبشة، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى أبرويز ملك الفرس، ودحية الكلبيّ إلى هرقل ملك الروم، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب مصر، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن عليّ ملك اليمامة، والعلاء بن الحضرميّ إلى المنذر بن ساوى ملك البحرين إلى غير ذلك من المكاتبات. وكتب لعمرو بن حزم عهدا حين وجّهه إلى اليمن. وكتب لتميم الداريّ وإخوته بإقطاع بالشام. وكتب كتاب القضيّة بعقد الهدنة بينه وبين قريش عام الحديبية. وكتب الأمانات أحيانا. إلى غير ذلك مما يأتي ذكره في الاستشهاد به في مواضعه إن شاء الله تعالى. وهذه المكتوبات كلها متعلّقها ديوان الإنشاء بخلاف ديوان الجيش، فإن أول من وضعه ورتّبه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في خلافته. على أنّ القضاعيّ «١» قد ذكر في تاريخه «عيون المعارف، وفنون أخبار الخلائف» أن الزبير بن العوّام، وجهيم بن الصّلت كانا يكتبان للنبيّ ﷺ أموال الصّدقات، وأن حذيفة بن اليمان كان يكتب له خرص «٢» النخل، وأن المغيرة بن شعبة والحصين بن نمير كانا يكتبان المداينات والمعاملات. فإن

стр. 123

صح ذلك فتكون هذه الدواوين أيضا قد وضعت في زمنه ﷺ ، إلا أنها ليست في الشهرة وتواتر الكتابة في زمانه ﷺ ، كما تقدّم من متعلّقات كتابة الإنشاء. وقد رأيت في سيرة لبعض المتأخرين أنه كان للنبيّ ﷺ نيّف وثلاثون كاتبا: أبو بكر الصّديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعليّ بن أبي طالب، وعامر بن فهيرة، وخالد بن سعيد بن العاص بن أمية، وأبان أخوه، وسعيد أخوهما، وعبد الله بن الأرقم الزّهريّ، وحنظلة بن الربيع الأسديّ، وأبيّ بن كعب، وثابت بن قيس بن شمّاس، وزيد بن ثابت، وشر حبيل بن حسنة، ومعاوية بن أبي سفيان، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن زيد، وجهيم بن الصّلت والزّبير بن العوّام، وخالد بن الوليد، والعلاء بن الحضرميّ، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن رواحة، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عبد الله بن أبيّ، ومعيقب بن أبي فاطمة، وطلحة بن زيد بن أبي سفيان، والأرقم ابن الأرقم الزّهري، والعلاء بن عتبة، وأبو أيوب الأنصاريّ، وبريدة بن الخصيب، والحصين بن نمير، وأبو سلمة المخزومي، وحويطب بن عبد العزّى، وأبو سفيان بن حرب، وحاطب بن عمرو، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان ألزمهم له في الكتابة معاوية بن أبي سفيان، وزيد بن ثابت. وكتب لأبي بكر عثمان بن عفّان، وزيد بن ثابت، وعثمان هو الذي كتب عهد عمر بن الخطاب ﵁ بالخلافة عن أبي بكر رضوان الله عليه كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. وكتب لعمر ﵁ زيد بن ثابت، وعبد الله بن خلف. وكتب لعثمان ﵁ مروان بن الحكم. وكتب لعليّ عبد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، وسعيد بن نجران الهمدانيّ. وكتب للحسن بن عليّ ﵄ عبد الله بن أبي رافع كاتب أبيه.

стр. 124

ثم كانت دولة بني أمية فتوالت خلفاؤهم من معاوية بن أبي سفيان فمن بعده، وأمر ديوان الإنشاء في زمن كل أحد مفوّض إلى كاتب يقيمه إلى حين انقراض دولتهم. وكان الخليفة هو الذي يوقّع على القصص ويحدثها بنفسه. والكاتب يكتب ما يبرز إليه من توقيعه ويصرّفه بقلمه على حكمه. وكان ممن اشتهر من كتّابهم بالبلاغة وقوّة الملكة في الكتابة حتى سار ذكره في الآفاق، وصار يضرب به المثل على ممرّ الأزمان عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان بن محمد آخر خلفائهم. فلما بزغت شمس الخلافة العباسية بالعراق وولي الخلافة أبو العبّاس السّفّاح أوّل خلفاء بني العباس، استوزر أبا سلمة الخلّال، وهو أوّل من لقّب بالوزارة في الإسلام على ما سيأتي، وتوالت الوزراء بعده لخلفاء بني العباس من يومئذ. وكان ديوان الإنشاء تارة يضاف إلى الوزارة، فيكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بقلمه، ويتولّى أحواله بنفسه، وتارة يفرد عنه بكاتب ينظر في أمره، ويكون الوزير هو الذي ينفذ أموره بكلامه، ويصرّفها بتوقيعه على القصص ونحوها، وصاحب ديوان الإنشاء يعتمد ما يرد عليه من ديوان الوزارة، ويمشي على ما يلقى إليه من توقيعه، وربما وقّع الخليفة بنفسه حتى بعد غلبة ملوك الأعاجم من الديلم وبني سلجوق وغيرهم على الأمر والأمر على ذلك تارة وتارة إلى انقراض الخلافة من بغداد. وكان ممن اشتهر من وزرائهم بالبلاغة حتى صار يضرب به المثل يحيى بن خالد وزير الرشيد، والحسن بن سهل، وعمرو بن مسعدة كاتب المأمون، وابن المقفّع مترجم كتاب «كليلة ودمنة» ، وسهل بن هارون الذي ترجمها. والأستاذ أبو الفضل بن العميد، والصاحب كافي الكفاة إسماعيل بن عبّاد وأبو إسحاق الصابي في جماعة آخرين منهم. ثم لما انقرضت الخلافة من بغداد في وقعة هولاكو ملك التتار في سنة (ست وخمسين وستمائة) واستولت المغل والأعاجم على بغداد، بطل رسم

стр. 125

الكتابة المعتبرة، وصار أكثر ما يكتب عن ملوك التتار بالمغلية «١» أو الفارسية؛ والأمر على ذلك إلى زماننا على ما سيأتي بيانه في الكلام على دواوين الأمصار في المكاتبات والولايات وغيرهما إن شاء الله تعالى. وكانت بلاد الغرب والأندلس بأيدي نوّاب الخلفاء من حين الفتح الإسلاميّ في خلافة عثمان بن عفان ﵁، ولا عناية لهم بديوان الإنشاء للتقرّب من البداوة، وغايته المكاتبة إلى ديوان الخلافة ونحو ذلك، فلما غلب بنو العباس على الخلافة هرب طائفة من بني أمية إلى بلاد المغرب، وجازت البحر إلى الأندلس فانتزعوه من النّواب الذين كانوا به وملكوه، وصاروا ينصبون فيه خليفة بعد خليفة، جارين على سنن ما كانوا عليه بالشأم من ألقاب الخلافة، مضاهين لخلافة بني العباس ببغداد: من إقامة شعار الخلافة. واتخاذ ديوان الإنشاء، واستخدام بلغاء الكتّاب. وتعدّت دولتهم إلى برّ العدوة من بلاد المغرب فحكموه، ثم تقاصر أمرهم بعد ذلك شيئا فشيئا باستيلاء المستولين المستبدّين عليهم بالأمر إلى أن انقرضت دولتهم من الأندلس وبلاد المغرب، واستولت عليهما طوائف من الملوك وتنقلت بهم الأحوال في استيلاء الملوك على كل ناحية منهما، وتتابعت الدول في كل حين كلما خبت دولة نجمت أخرى على ما سيأتي ذكره في مكاتبات ملوكهما إن شاء الله تعالى. وكان حال ديوان الإنشاء فيهم بحسب ما يكونون عليه من الحضارة والبداوة، فأوائل الدول القريبون عهدا بالبادية لا عناية لهم بكتابة الإنشاء، وإذا استحضرت الدولة صرفت اهتمامها إلى ديوان الإنشاء وترتيبه إلى أن استقرّ ما بقي من الأندلس بعد ما ارتجعته الفرنج منه بأيدي بني الأحمر، والغرب الأقصى بيد بني مرين. والغرب الأوسط بيد بني عبد الواد، وإفريقيّة

стр. 126

بيد بقايا الموحدين من أتباع المهديّ بن تومرت، وداخلتهم الحضارة، فأخذوا في ترتيب دواوين الإنشاء بهذه الممالك، ومعاناة البلاغة في المكاتبات ونحوها؛ واستمرّ الحال على ذلك إلى زماننا. وممن اشتهر بالبلاغة من كتّاب المغاربة والوزراء به: أبو الوليد بن زيدون، والوزير أبو حفص بن برد الأصفر الأندلسيّ، وذو الوزارتين أبو المغيرة بن حزم، والوزير أبو القاسم محمد بن الحد في جماعة أخرى من متقدّمي كتابهم. ومن متأخريهم: عبد المهيمن كاتب السلطان أبي الحسن المرّيني، وأربى على كثير من المتقدّمين ابن الخطيب وزير ابن الأخمر صاحب غرناطة من الأندلس ممن أدركه من عاصرناه. أما الديار المصرية فلديوان الإنشاء بها خمس حالات: الحالة الأولى- ما كان الأمر عليه من حين الفتح وإلى بداية الدولة الطّولونيّة، ونوّاب الخلفاء تتوالى عليها واحدا بعد واحد فلم يكن لهم عناية بديوان الإنشاء، ولا صرف همة إليه: للاقتصار على المكاتبات لأبواب الخلافة، والنزر اليسير من الولايات ونحو ذلك. ولذلك لم يصدر عنهم ما يدوّن في الكتب ولا يتناقل بالألسنة. الحالة الثانية- ما كان الأمر عليه في الدولة الطولونيّة من ابتداء ولاية أحمد بن طولون، واستفحال ملك الديار المصرية في الإسلام، وترتيب أمرها، وإلى حين انقراض الدولة الاخشيديه، وفي خلال ذلك ترتّب ديوان الإنشاء بها، وانتظم أمر المكاتبات والولايات، وكان ممن اشتهر من كتّابهم بالبلاغة وحسن الكتابة: أبو جعفر محمد بن أحمد بن مودود بن عبد: كان كاتب أحمد بن طولون. وكان مبدأ الكتّاب المشهورين بها. وكتب بعده لخمارويه بن أحمد بن طولون إسحاق بن نصر العباديّ النصرانيّ، وتوالت الكتّاب بالديوان بعد ذلك. الحالة الثالثة- ما كان الأمر عليه من ابتداء الدولة الفاطمية وإلى

стр. 127

انقراضها. ولما ولي الفاطميون الديار المصرية، صرفوا مزيد عنايتهم لديوان الإنشاء وكتّابه، فارتفع بهم قدره، وشاع في الآفاق ذكره، وولي ديوان الإنشاء عنهم جماعة من أفاضل الكتّاب وبلغائهم: ما بين مسلم وذميّ، فكتب للعزيز بالله ابن المعز أبو المنصور بن سوردين النصرانيّ، ثم كتب بعده لابنه الحاكم ومات في أيامه، فكتب للحاكم القاضي أبو الطاهر البهزكيّ، ثم كتب بعده لابنه الظاهر، وكتب للمستنصر القاضي وليّ الدين بن خيران، ثم وليّ الدولة موسى بن الحسن قبل انتقاله إلى الوزارة، وأبو سعيد العميديّ. وكتب للآمر والحافظ الشيخ الأجلّ أبو الحسن عليّ بن أبي أسامة الحلبيّ إلى أن توفّي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فكتب بعده ولده الأجلّ أبو المكارم إلى أن توفّي في أيام الحافظ؛ وكان يكتب بين يديهما الشيخ الأمين تاج الرّآسة أبو القاسم عليّ بن سليمان بن منجد المبصري المعروف بابن الصيرفيّ، والقاضي كافي الكفاة محمود ابن القاضي الموفّق أسعد بن قادوس، وابن أبي الدم اليهوديّ، ثم كتب بعد الشيخ أبي المكارم بن أبي أسامة المتقدّم، ذكره القاضي الموفّق ابن الخلّال أيام الحافظ، وإلى آخر أيام العاضد؛ وبه تخرج القاضي الفاضل البيساني، ثم شرّك العاضد مع الموفّق ابن الخلّال في ديوان الإنشاء القاضي جلال الملك محمود بن الأنصاري وكان في أيامه القاضي المؤتمن كاسيبويه. ثم كتب القاضي الفاضل بين يدي الموفّق ابن الخلّال قرب وفاته في سنة ست وستين وخمسمائة في وزارة الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، وكتب من إنشائه عدّة سجلّات ومكاتبات عن العاضد آخر خلفائهم. الحالة الرابعة- ما كان الأمر عليه من ابتداء دولة بني أيوب إلى آخر انقراضها. قد تقدّم أن القاضي الفاضل ﵀ كان قد كتب بين يدي الموفّق ابن الخلّال في وزارة السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ﵀ عن العاضد آخر خلفاء الفاطميين، فلما استقلّ السلطان صلاح الدين المذكور بالملك وخطب لبني العبّاس على ما تقدّم في الكلام على ملوك مصر، فوّض

стр. 128

إلى الفاضل الوزارة وديوان الإنشاء فكان يتكلم فيهما جميعا، وأقام على ذلك إلى أن مات السلطان صلاح الدين، فكتب بعده لابنه العزيز وأخيه العادل أبي بكر، ثم مات، وكتب للكامل بن العادل القاضي أمين الدّين سليمان المعروف بكاتب الدّرج إلى أن توفّي، فكتب بعده للكامل الشيخ أمين الدين عبد المحسن الحلبي مدّة قليلة؛ وتوالت كتاب الإنشاء في الولاية إلى أن ولي الملك الصالح نجم الدين أيوب فولّى ديوان الإنشاء الصاحب بهاء الدين زهيرا. ثم صرفه وولّى بعده الصاحب فخر الدين إبراهيم بن لقمان الإسعرديّ، فبقي إلى انقراض الدولة الأيوبية. الحالة الخامسة- ما كان الأمر عليه في الدولة التركية مما هو مستقرّ إلى الآن. قد تقدّم أن الصاحب فخر الدين بن لقمان بقي في ديوان الإنشاء إلى آخر الدولة الأيوبية. ولما صارت المملكة إلى الدولة التركية، بقي في صحابة ديوان الإنشاء أيام أيبك التركماني، ثم أيام المظفّر قطز، ثم أيام الظاهر بيبرس، ثم أيام المنصور قلاوون. فباشر ديوان الإنشاء في أيامه مدّة، ثم نقله إلى الوزارة، وولّى مكانه بديوان الإنشاء القاضي فتح الدين بن القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر في حياة والده، فبقي حتّى توفي المنصور قلاوون، واستقر بعده ابنه الأشرف خليل، واستمرّ عنده في كتابة السرّ برهة من الزمان وسافر معه إلى الشام، فمات بالشام، فولّى الأشرف مكانه القاضي تاج الدين أحمد بن الأثير، وقفل السلطان راجعا إلى مصر، فمات القاضي تاج الدين في أثناء الطريق بمضيّ شهر من ولايته، فولّى مكانه القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله، فأقام بقية أيام الأشرف بن قلاوون، وأيام أخيه الناصر محمد بن قلاوون في سلطته الأولى، وأيام العادل كتبغا، وأيام المنصور لاچين، وأيام الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثانية، وأيام المظفر بيبرس الجاشنكير، وبرهة من أيام الناصر محمد بن قلاوون في سلطنته الثالثة.

стр. 129

ثم نقله إلى كتابة السرّ بدمشق المحروسة عوضا عن أخيه القاضي محيي الدين بن فضل الله، وولّى مكانه بمصر علاء الدين بن الأثير لسابق وعد له منه حين كان معه في الكرك، وبقي حتّى مرض بالفالج وبطلت حركته، فاستدعى الملك الناصر القاضي محيي الدين بن فضل الله من الشأم، فولّاه ديوان الإنشاء بالديار المصرية في المحرم سنة تسع وعشرين وسبعمائة. وكان ولده القاضي شهاب الدين هو الذي يقرأ البريد على السلطان وينفذ المهمّات إلى سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة فأعادهما الملك الناصر إلى دمشق، وولّى مكانهما القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود في شعبان من السنة المذكورة، فبقي حتّى حجّ السلطان وعاد إلى مصر. فأعاد القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين إلى ديوان الإنشاء بالديار المصرية، فبقيا إلى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وفي أواخر ذلك تغير السلطان على القاضي شهاب الدين المذكور وصرفه عن المباشرة، وأقام أخاه القاضي علاء الدين مكانه يباشر مع والده، وبقي الأمر على ذلك مدة لطيفة. ثم سأل القاضي محيي الدين السلطان في العود إلى دمشق، وقد كبرت سنّه وضعفت حركته، فأعاده وصحبته ولده القاضي شهاب الدين وكتب له تقليد «١» في قطع الثّلثين: بأن يستمر على صحابة دواوين الإنشاء بالممالك الإسلامية، وأن يكون جميع المباشرين لهذه الوظيفة بالباب الشريف فمن دونه نوّابه، وأنه حيث حلّ يقرأ القصص والمظالم، ويقرّر الولايات والعزل والرواتب وغير ذلك، ويوقّع فيها بما يراه، وتجهّز إلى مصر ليعلّم عليها العلامة «٢» الشريفة، وفوّض أمر ديوان الإنشاء بالديار المصرية لولده القاضي

стр. 130

علاء الدين استقلالا، وتجهّز القاضي محيي الدين للسفر، فمرض ومات بعد أيام قلائل في شهر رمضان سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة بالقاهرة. ثم نقل إلى دمشق سنة تسع، وبقي ولده القاضي علاء الدين فبقي في الوظيفة بقية أيام الملك الناصر، ثم أيام ولده المنصور أبي بكر، ثم أخيه الأشرف كجك، ثم أخيه الملك الناصر أحمد. فلما خلع الناصر أحمد نفسه في سنة ثلاث وأربعين وتوجه إلى الكرك، توجه القاضي علاء الدين معه، فأقام عنده؛ واستقرّ الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون في السلطنة بعد أخيه أحمد، فقرّر في ديوان الإنشاء القاضي بدر الدين محمد بن محيي الدين بن فضل الله، فبقي في الوظيفة إلى أن عاد أخوه القاضي علاء الدين من الكرك، فأعيد إلى منصبه، وبقي بقية أيام الملك الصالح إسماعيل، ثم أيام أخيه الكامل شعبان، ثم أيام أخيه المظفّر حاجّي، ثم أيام أخيه الناصر حسن في سلطنته الأولى، ثم أيام أخيه الصالح صالح، ثم أيام الناصر حسن ثانيا، ثم أيام المنصور محمد بن حاجّي بن محمد بن قلاوون، ثم أيام الأشرف شعبان بن حسين بن محمد بن قلاوون فتوفّي؛ وولي الوظيفة بعده ولده القاضي بدر الدين محمد، فبقي بقية أيام الأشرف شعبان، ثم أيام ولده المنصور عليّ، ثم أيام أخيه الصالح حاجي بن شعبان إلى أن خلع؛ وجاءت الدولة الظاهرية برقوق فقرّر في ديوان الإنشاء القاضي أوحد الدين عبد الواحد بن التركماني، فبقي حتّى توفّي فأعيد القاضي بدر الدين المذكور وبقي حتّى خلع الظاهر برقوق وعاد المنصور حاجّي بن الأشرف شعبان إلى السلطنة وهو مستمرّ المباشرة. فلما عاد الظاهر برقوق من الكرك حضر معه القاضي علاء الدين عليّ الكركي، فولّاه كتابة السرّ وبقي حتّى توجه صحبة السلطان إلى الشام في طلب منطاش «١» ، فمات القاضي علاء الدين، وكان القاضي بدر الدين

стр. 131

صحبته فأعيد إلى الوظيفة في سنة ثلاث وتسعين وسبعمائة، وعاد مولّى صحبة الركاب الشريف السلطاني. ثم توجه صحبته إلى الشام عند وصول تمر «١» لبغداد، فمرض ومات هناك، فولّى الظاهر مكانه القاضي بدر الدين محمود السراي الكلستانيّ في شوّال سنة ست وتسعين وسبعمائة، وحضر صحبة الركاب الشريف «٢» إلى الديار المصرية، فبقي حتّى توفّي في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة، فولّى الظاهر مكانه المقرّ العالي الفتحي فتح الله، ففتح الله به من أبواب ديوان الإنشاء ما كان مغلقا، وأصفى به من ورده ما كان مكدّرا. وانتقلت السلطنة بعد وفاة الظاهر برقوق إلى ولده الناصر فرج، فأجراه من المباشرة والإجلال والتعظيم عل عادة أبيه. ثم صرفه عن الوظيفة في شهور سنة ثمان وثمانمائة وأقام مكانه في الوظيفة المقرّ السعديّ إبراهيم بن غراب، وهو يومئذ مشير الدولة بعد تنقله في وظائف الديار المصرية والمشار إليه، وأقام بها مدّة لطيفة، وعادت إلى المقرّ الفتحيّ فتح الله المشار إليه، وقيل: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا «٣» فجرى فيها على الأسلوب الأوّل والمهيع «٤» السابق: من العدل والإنصاف والإحسان إلى الخلق، وإيصال البرّ إلى مستحقيه، والمساعدة في الله لمن عرف ومن لم يعرف؛ والله هو المكافىء لعباده على جميل الصنع! من يفعل الخير لم يعدم جوازيه ... لن يذهب العرف بين الله والناس

стр. 132

الباب الخامس من المقدّمة في قوانين ديوان الإنشاء، وترتيب أحواله، وآداب أهله؛ وفيه أربعة فصول الفصل الأوّل في بيان رتبة صاحب هذا الديوان ورفعة قدره وشرف محله ولقبه الجاري عليه في القديم والحديث أما رفعة محله وشرف قدره، فأرفع محل وأشرف قدر، يكاد أن لا يكون عند الملك أخصّ منه ولا ألزم لمجالسته، ولم يزل صاحب هذا الديوان معظّما عند الملوك في كل زمن، مقدّما لديهم على من عداه: يلقون إليه أسرارهم، ويخصّونه بخفايا أمورهم، ويطلعونه على ما لم يطّلع عليه أخص الاخصاء من الوزراء والأهل والولد؛ وناهيك برتبة هذا محلها! قال صاحب موادّ البيان «ليس في منزلة خدم السلطان والمتصرّفين في مهماته أخصّ من كاتب الرسائل. فإنه أوّل داخل على الملك وآخر خارج عنه، ولا غنى له عن مفاوضته في آرائه، والإفضاء إليه بمهماته، وتقريبه من نفسه في آناء ليله وساعات نهاره وأوقات ظهوره للعامة وخلواته، وإطلاعه على حوادث دولته ومهمّات مملكته، فهو لذلك لا يثق بأحد من خاصّته ثقته به، ولا يركن إلى قريب ولا نسيب ركونه إليه، ومحلّه منه في عائدة خدمته وأثرة دولته محلّ قلبه الذي يؤامره في مشكل رأيه حتّى يتنقح، ويراجعه في مهمّ تدبيره حتّى يتضح، ولسانه الذي يقرر بترغيبه أولياءه على الطاعة والموافقة،

стр. 133

ويستقر «١» بترهيبه عن المعصية والمشاققة «٢» ، ويقرّ بأوامره ونواهيه أمور سلطانه، وينزلها منازلها في متمهد مجالسها، ويتمكن من سياسة أجناده، وعمارة بلاده، ومصلحة رعيته، واجتلاب مودّتهم، واستخلاص نياتهم، وعينه التي تلاحظ أحوال سلطانه، ويرعيها مهمات شانه، وأذنه التي يثق بما وعته، ولا يرتاب بما سمعته؛ ويده التي يبسطها بالإنعام، ويبطش بها في النقض والإبرام» . قال: ومن كانت هذه رتبته فالسبب الذي رتّبه فيها أفضل الأسباب وأجدرها بالتقديم على الاستحقاق والاستيجاب. قال ابن الطوير «٣» في ترتيب الدولة الفاطمية «وكان هذا المنصب لا يتولّاه في الدولة الفاطمية إلا أجلّ كتاب البلاغة، ويخاطب بالأجلّ، وإليه تسلّم المكاتبة واردة مختومة فيعرضها على الخليفة من يده، وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها وربما بات عند الخليفة ليالي، وهذا أمر لا يصل إليه غيره» . قال: «وهو أوّل أرباب الإقطاعات في الكسوة والرسوم والملاطفات ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه أحد ولا يجتمع بأحد من كتابه إلا الخواص، وله حاجب من الأمراء الشيوخ، وله في مجلسه المرتبة العظيمة والمخادّ والمسند والدواة العظيمة الشأن؛ ويحمل دواته أستاذ من خواصّ الخليفة عند حضوره إلى مجلس الخلافة» . قلت: ومرتبته في زماننا أرفع مرتبة، ومحله أعظم محل؛ إليه تلقى أسرار المملكة وخفاياها، وبرأيه يستضاء في مشكلاتها، وعلى تدبيره يعوّل في مهماتها، وإليه ترد المكاتبات، وعنه تصدر، ومن ديوانه تكتب الولايات السلطانية

стр. 134

كافّة، ويقوم توقيعه على القصص في نفوذ الأوامر مقام توقيع السلطان، وجميع ما يعلّم عليه السلطان من جليل وحقير في مزرّته «١» حتّى ما يكتب من ديوان الجيش من المناشير، وما يكتب من ديوان الوزارة وديوان الخاص وغيرهما من المربّعات ونحوها. وليس لأحد من المتولين لهذه المناصب التعرّض لأخذ علامة سلطانيّة البتة، وناهيك بذلك رفعة وشرفا باذخا. وأمّا لقبه الجاري عليه في كل زمن فقد تقدّم أنهم كانوا في زمن بني أميّة وما قبله يعبّرون عنه بالكاتب، لا يعرفون غير ذلك كما أشار إليه القضاعيّ في «عيون المعارف» . فلما جاءت الدولة العباسيّة، واستقر السّفّاح أول خلفائهم في الخلافة، لقّب كاتبه أبا سلمة الخلّال بالوزارة وترك اسم الكاتب؛ واستقر لقب الوزارة على من يليها من أرباب السيوف والأقلام إلى انقراض الخلافة من بغداد. وتقدّم أيضا أن هذا الديوان كان تارة يضاف إلى الوزارة فيكون الوزير هو الذي يباشره بنفسه أو يفوّضه إلى من يتحدّث فيه عنه، وتارة ينفرد عنها، فحيث انفرد عن الوزارة لقّب متوليه بما يتضمن إضافته إلى صحابة الديوان وولايته بحسب ما يشتهر به الديوان في ذلك الزمن. فحيث كان الديوان مشهورا بديوان الرسائل، كما كان في الزمن الأول، لقّب متوليه بصاحب ديوان الرسائل أو متوليّ ديوان الرسائل، وربما قيل صاحب ديوان المكاتبات، أو متولي ديوان المكاتبات؛ وحيث كان الديوان مشهورا بديوان الإنشاء كما في زماننا بالديار المصرية لقّب متوليه بصاحب ديوان الإنشاء. وربما جمعوا لفظ الديوان تعظيما لمتوليه، فقالوا صاحب دواوين الإنشاء بالممالك الإسلامية. وعلى هذا مصطلح كتّاب الديوان في زماننا في تعريفه فيما يكتب له من تقليد أو غيره؛ على أنه لو قيل ناظر دواوين

стр. 135

الإنشاء لكان أعلى في الرتبة لما اشتهر في العرف من أن لفظ ناظر الديوان أعلى من صاحب الديوان. قال ابن الطوير: «وكانوا يلقبونه في الدولة الفاطمية بالديار المصرية كاتب الدّست» . قلت: وانتهى الأمر إلى أوائل الدولة التركية والحال في ذلك مختلف، فتارة يلي الديوان كاتب واحد يعبر عنه بكاتب الدّست، وربما عبّر عنه بكاتب الدّرج، وتارة يليه جماعة يعبر عنهم بكتّاب الدّست. ويقال إنهم كانوا في أيام الظاهر بيبرس ثلاثة نفر، أرفعهم درجة القاضي محي الدين بن عبد الظاهر. وبقي الأمر على ذلك إلى أن ولي الديوان القاضي فتح الدين بن عبد الظاهر في أيام المنصور قلاوون على ما تقدّم ذكره، فلقّب بكاتب السر، ونقل لقب كاتب الدّست إلى طبقة دونه من كتّاب الديوان. واستمر ذلك لقبا على كل من ولي الديوان إلى زماننا على ما سيأتي ذكره. ويضاهيه في ذلك من العرف العامّ متولي ديوان الإنشاء بدمشق، وبحلب، وبطرابلس، وبحماة، وبصفد، إلا أنه لا يقال في واحد منهم في مصطلح الديوان صاحب دواوين الإنشاء كما يقال في متولي ديوان الإنشاء بالديار المصرية، بل يقال في متولي ديوان دمشق صاحب ديوان الإنشاء بالشام، وفي متولي ديوان حلب صاحب ديوان المكاتبات بحلب، وكذا في الباقيات. أما غزّة، والكرك، والإسكندرية وغيرها من النيابات الصّغار فإنما يقال في متولي شيء من دواوينها كاتب درج ولا يطلق عليه كاتب سرّ بوجه. واعلم أن العامة يبدلون الباء من كاتب السّرّ بميم فيقولون كاتم السر، وهو صحيح المعنى إما لأنه يكتم سرّ الملك، أو من باب إبدال الباء بالميم على لغة ربيعة وإن كانوا لا يعرفون الثاني.

стр. 136

الفصل الثاني في صفة صاحب هذا الديوان وآدابه قال أبو الفضل الصوري «١» في مقدّمة تذكرته: «يجب أن يكون صبيح الوجه، فصيح الألفاظ، طلق اللسان، أصيلا في قومه، رفيعا في حيّه، وقورا، حليما مؤثرا للجدّ على الهزل، كثير الأناة والرفق، قليل العجلة والخرق «٢» ، نزر الضحك، مهيب المجلس، ساكن الظّل، وقور النادي، شديد الذّكاء، متوقّد الفهم، حسن الكلام إذا حدّث، حسن الإصغاء إذا حدّث، سريع الرضا، بطيء الغضب، رؤوفا بأهل الدين، ساعيا في مصالحهم، محبّا لأهل العلم والأدب، راغبا في نفعهم؛ وأن يكون محبا للشّغل أكثر من محبته للفراغ، مقسّما للزمان على أشغاله: يجعل لكل منها جزءا منه حتّى يستوعبه في جميع أقسامها، ملازما لمجلس الملك إذا كان جالسا، وملازما للديوان إذا لم يكن الملك جالسا: ليتأسّى به سائر كتاب الديوان، ولا يجدوا رخصة في الغيبة عن ديوانهم؛ وأن يغلّب هوى الملك على هواه ورضاه على رضاه، ما لم ير في ذلك خللا على المملكة، فإنه يجب أن يهدي النصيحة فيها للملك من غير أن يوجده فيما تقدّم من رأيه فسادا أو نقصا، لكن يتحيل لنقص ذلك وتهجينه في نفسه وإيضاح الواجب فيه بأحسن تأنّ وأفضل تلطف؛ وأن ينحل الملك صائب الآراء ولا ينتحلها عليه، ومهما حدث من الملك: من رأي صائب أو فعل جميل أو تدبير حميد، أشاعه وأذاعه، وعظمه وفخّمه، وكرر ذكره، وأوجب على الناس حمده عليه وشكره. وإذا قال الملك قولا في مجلسه أو بحضرة جماعة ممن يخدمه فلم يره موافقا للصواب، فلا يجبهه بالردّ عليه واستهجان ما أتى به، فإن ذلك خطأ كبير، بل يصبر إلى حين الخلوة، ويدخل في أثناء كلامه ما يوضّح به نهج

стр. 137

الصواب من غير تلقّ بردّ، ولا يتبجّح بما عنده، ويكون متابعا للملك على أخلاقه الفاضلة، وطباعه الشريفة: من بسط المعدلة «١» ، ومدّ رواق الأمنة، ونشر جناح الإنصاف، وإغاثة الملهوف، ونصرة المظلوم، وجبر الكسير، والإنعام على المعتّر «٢» المستحق، والتوفّر على الصدقات، وعمارة بيوت الله تعالى، وصرف الهمم إلى مصالحها، والنظر في أحوال الفقهاء وحملة كتاب الله العزيز بما يصلح، والالتفات إلى عمارة البلاد، وجهاد الأعداء، ونشر الهيبة، وإقامة الحدود في مواضعها، وتعظيم الشريعة، والعمل بأحكامها، فيكون لجميع ذلك مؤكّدا، ولأفعاله فيه موطّدا ممهّدا. وإن أحسّ منه بخلّة تنافي هذه الخلال، أو فعلة تخالف هذه الأفعال، نقله عنها بألطف سعي وأحسن تدريج، ولا يدع ممكنا في تبيين قبحها، وإصلاح رداءة عاقبتها، وفضيلة مخالفتها إلا بيّنه وأوضحه إلى أن يعيده إلى الفضائل التي هي بالملوك النبلاء أليق؛ وأن يكون مع ذلك بأعلى مكانة من اليقظة والاستدلال بقليل القول على كثيره، وببعض الشيء على جميعه، ويستغني عن التصريح بالإشارة والإيماء، بل الرمز والايحاء: لينبه الملك على الأمور من أوائلها، ويعرّفه خواتم الأشياء من مفتتحاتها، ويحذّره حين تبدو له لوائح الأمر من قبل أن يتساوى فيه العالم والجاهل- كما حكي عن خالد بن برمك «٣» : «أنه كان مع قحطبة «٤» في معسكر، جالسين في خيمة إذ نظر خالد إلى سرب من الظباء قد أتى حتّى كاد يخالط العسكر، فأشار على قحطبة بالركوب فسأله عن

стр. 138

السبب، فقال الأمر أعجل أن أبّين سببه. فركب وأركب العسكر، فلم يستتمّوا الركوب إلا والعدوّ قد دهمهم، وقد استعدّوا له فكانت النّصرة لهم على العدوّ. فلما انقضى الحرب سأل قحطبة خالدا من أين أدرك ذلك؟ فقال: رأيت الظّباء وقد أقبلت حتّى خالطت العسكر، فعرفت أنها لم تفعل ذلك مع نفورها من الإنس إلا لأمر عظيم قد دهمها من ورائها» . وأن لا يكتب عن الملك إلا ما يقيم منار دولته ويعظّمها، ولا يخرج عن حكم الشريعة وحدودها، ولا يكتب ما يكون فيه عيب على المملكة ولا ذمّ لها على غابر الأيام، ومستأنف الأحقاب؛ وإن أمر بشيء يخرج عن ذلك، تلطّف في المراجعة بسببه، وبيّن وجه الصواب فيه إلى أن يرجع به إلى الواجب. وأن يكون من كتمان السرّ بالمنزلة التي لا يدانيه فيها أحد، ولا يقاربه فيها بشر، حتى يقرّر في نفسه إماتة كل حديث يعلمه ويتناسى كلّ خبر يسمعه. وأن لا يطلع والدا ولا ولدا، ولا أخا شقيقا، ولا صديقا صدوقا، على ما دقّ أو جلّ، ولا يعلمه بما كثر منه ولا قلّ، ويتوهم بل يتحقق أن في إذاعته ما يعلم به وضع منزلته وحطّ رتبته، ويجتهد في أن يصير له ذلك طبعا مركّبا وأمرا ضروريا. قلت: وهذه الصفة هي الشرط اللازم، والواجب المحتّم: بها شهر، وبالإضافة إليها عرف. وقد قال المأمون وهو من أعلى الخلفاء مكانا، وأوسعهم علما: «الملوك تحتمل كلّ شيء إلا ثلاثة أشياء: القدح في الملك، وإفشاء السّر، والتعرّض للحرم» . ومن كلام بعض الحكماء: «سرّك من دمك» قال صاحب العقد: يعنون أنه ربّما كان في إفشاء سرك سفك دمك. وإلى ذلك يشير أبو محجن الثقفيّ بقوله: قد أطعن الطّعنة النّجلاء عن عرض ... وأكتم السّرّ فيه ضربة العنق وقال الوليد بن عتبة لأبيه: «إن أمير المؤمنين أسرّ إليّ حديثا أفلا أخبرك به؟ قال يا بنيّ: إنّ من كتم سرّه كان الخيار له ومن أفشاه كان الخيار عليه؛

стр. 139

فلا تكن مملوكا بعد أن كنت مالكا» . وقد كانت ملوك الفرس تقول: «أعظم الناس حقّا على جميع الطّبقات من ولي أسرار الملوك» . واعلم أنه إذا كان إفشاء السر ربما أفضى إلى الهلكة، خصوصا أسرار الملوك، فعلى صاحب هذه الوظيفة القيام من ذلك بواجبه وكتمان السرّ حتى عن نفسه، فقد حكى صاحب «الريحان والرّيعان» : أن عبد الله بن طاهر «١» تذاكر الناس في مجلسه حفظ السر، فقال عبد الله: ومستودعي سرّا تضمّنت ستره ... فأودعته في مستقر الحشا قبرا فقال ابنه عبيد الله، وهو صبيّ: وما السّرّ من قلبي كثاو بحفرة ... لأنّي أرى المدفون ينتظر الحشرا ولكنني أخفيه حتى كأنّني ... من الدّهر يوما ما أحطت به خبرا وعلى صاحب هذه الرتبة الاحتياط حالة تلقّي السرّ عن الملك بأن لا يتلّقاه عنه بحضرة أحد. فقد حكي أنّ بعض ملوك العجم استشار وزيريه، فقال أحدهما: «لا ينبغي للملك أن يستشير منّا أحدا إلا خاليا فإنه أموت «٢» للسّر وأحرم للرأي وأجدر بالسلامة وأعفى لبعضنا من غائلة بعض، فإن إفشاء السر إلى رجل واحد أوثق من إفشائه إلى اثنين وإفشاؤه إلى ثلاثة كإفشائه إلى جماعة، لأن الواحد رهن بما أفشي إليه. والثاني مطلق عليه ذلك الرهن. والثالث علاوة، وإذا كان السر عند واحد كان أحرى أن لا يظهره رغبة أو رهبة، وإن كان عند اثنين كان على شبهة واتسعت عن «٣» الرجلين

стр. 140

المعاريض «١» ، فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتهم بريئا بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له، وعن الآخر ولا حجة معه» . قلت: وكما يجب عليه الاحتياط حالة تلقي السر عن الملك فكذلك يجب عليه الاحتياط حالة إلقائه إلى كاتب يكتبه، فلا يلقيه إلى كاتبين جميعا، ولا يخاطب فيه أحدهما بحضرة الآخر لتكون العهدة في دركه على واحد بعينه. على أنه ربما أفشي السر مع احتراز صاحبه عن إفشائه، فقد قيل: إن الجنّ تنقل الأخبار، وتفشي ما تطّلع عليه من الأسرار. وقد حكي عن عليّ بن الجهم «٢» أنه قال: دخلت على أمير المؤمنين المتوكّل فرأيت الفتح بن خاقان وزيره واقفا على غير مرتبته التي يقوم عليها، متّكأ على سيفه، مطرقا إلى الأرض فأنكرت حاله، وكنت إذا نظرت إليه نظر الخليفة إليّ، وإذا صرفت وجهي إلى نحو الخليفة أطرق؛ فقال لي الخليفة: يا عليّ أنكرت شيئا؟ - قلت: نعم يا أمير المؤمنين! - قال: ما هو؟ - قلت: وقوف الفتح بن خاقان في غير منزلته،- قال: سوء اختياره أقامه ذلك المقام،- قلت: ما السبب يا أمير المؤمنين؟ - قال: خرجت من عند جارية لي فأسررت إليه سرّا فما عداني السرّ أن عاد إليّ.- قلت: لعلك أسررت إلى غيره،- قال: ما كان هذا!! - قلت: فلعل مستمعا استمع إليكما،- قال: لا ولا هذا أيضا. قال فأطرقت مليّا ثم رفعت رأسي، فقلت: يا أمير المؤمنين قد وجدت له مما هو فيه مخرجا.- قال وما هو؟ - قلت: خبر أبي الجوزاء «٣» ، حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين «٤» قال

стр. 141

حدثنا المعتمر بن سليمان «١» عن أبي الجوزاء قال: طلقت امرأتي في نفسي وأنا بالمسجد ثم انصرفت إلى منزلي، فقالت لي امرأتي: طلقتني يا أبا الجوزاء! قلت من أين لك هذا؟ قالت حدثتني به جارتي الأنصارية قلت: ومن أين لها هذا؟ قالت ذكرت أنّ زوجها خبّرها بذلك قال: فغدوت على ابن عباس ﵄ فقصصت عليه القصّة فقال: أما علمت أن وسواس الرجل يحدّث وسواس الرجل؟ فمن هنا يفشو السر، فضحك المتوكل، وقال إليّ يا فتح! فصبّ عليه خلعة، وحمله على فرس، وأمر له بمال، وأمر لي بدونه فانصرفت إلى منزلي، وقد شاطرني الفتح فيما أخذ فصار إليّ الأكثر. قال أبو نعيم وكان في نفسي من حديث أبي الجوزاء شيء حتى حدثني حمزة بن حبيب الزيات «٢» . قال: خرجت سنة أريد مكة فبينا أنا في الطريق إذ ضلّت راحلتي فخرجت أطلبها فإذا أنا باثنين قد قبضا عليّ أحسّ حسّهما ولا أرى شخصهما بل أسمع كلامهما، فأخذاني إلى شيخ قاعد وهو حسن الشيبة فسلمت عليه فردّ عليّ السلام فأفرخ «٣» روعي. ثم قال من أين وإلى أين؟ قلت من الكوفة إلى مكة. قال: ولم تخلّفت عن أصحابك؟ قلت ضلّت راحلتي فجئت أطلبها، فرفع رأسه إلى قوم عنده، وقال: أنيخوا راحلته، فأنيخت بين يديّ. ثم قال: تقرأ القرآن؟ قلت نعم. قال فاقرأ، فقرأت حم

стр. 142

الأحقاق حتّى أتيت وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِ «١» فقال مكانك، أتدري كم كانوا، قلت لا. قال كنّا أربعة: وكنت أنا المخاطب عن النبي ﵌ لهم، فقلت: يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ «٢» ثم قال أتقول الشعر؟ قلت لا. قال فترويه؟ قلت نعم. قال هاته، فأنشدته قصيدة زهير بن أبي سلمى «أمن أمّ أوفى» فقال لمن هذه؟ قلت لزهير بن أبي سلمى قال: الجنيّ؟ قلت: لا بل الإنسي. ثم رفع رأسه إلى قوم عنده، فقال ائتوني بزهير فأتي بشيخ كأنه قطعة لحم فألقي بين يديه- قال يا زهير- قال لبيك! قال «أمن أم أوفى» لمن هي؟ قال لي- قال هذا حمزة الزيات يذكر أنها لزهير بن أبي سلمى؛ قال: صدق وصدقت، قال: وكيف هذا؟ قال هو إلفي من الإنس وأنا تابعه من الجنّ، أقول الشيء فألقيه إليه في فهمه ويقول الشيء فآخذ عنه، فأنا قائلها في الجن وهو قائلها في الإنس. قال أبو نعيم: فصدق عندي حديث أبي الجوزاء أن وسواس الرجل يحدّث وسواس الرجل. الفصل الثالث فيما يتصرف فيه صاحب هذا الديوان بتدبيره، ويصرّفه بقلمه، ومتعلق ذلك أثنا عشر أمرا الأمر الأوّل التوقيع والتعيين أما التوقيع فهو الكتابة على الرّقاع والقصص بما يعتمده الكاتب من أمر الولايات والمكاتبات في الأمور المتعلقة بالمملكة، والتحدّث في المظالم، وهو أمر جليل، ومنصب حفيل، إذ هو سبيل الإطلاق والمنع، والوصل والقطع، والولاية والعزل إلى غير ذلك من الأمور المهمات والمتعلقات السّنيّة. واعلم أن التوقيع كان يتولاه في ابتداء الأمر الخلفاء، فكان الخليفة

стр. 143

هو الذي يوقّع في الأمور السلطانية، وفصل المظالم، وغيرهما. الأمر الثاني نظره في الكتب الواردة عليه قال أبو الفضل الصوري: «كان الواجب أن لا يقرأ الكتب الواردة على الملك إلا هو بنفسه؛ ولما كان ذلك متعذرا عليه لوفورها، واتساع الدولة، وكثرة المكاتبين من أصناف أرباب الخدم، ووصول الكتب إليه من الأقطار النائية، والممالك المتباعدة، وضيق الزمان عن تفرّغه لذلك، وجب تفويضه إلى متولّي ديوان رسائله» . قال: «ولما كان حال متولي صاحب الديوان كذلك لا شتغاله بالحضور عند الملك في بعض الأوقات لقراءة الكتب الواردة، وتقرير ما يجاب به عن كل منها، مع شغله بتصفّح ما يكتب في الديوان والمقابلة به، احتاج أن يردّ أمرها إلى كاتب يقوم مقامه» على ما سيذكر في صفات كتّاب الديوان فيما بعد إن شاء الله تعالى. الأمر الثالث نظره فيما يتعلق بردّه الأجوبة عن الكتب الواردة على لسانه قال أبو الفضل الصوري: «ومن أهم ما يلزم صاحب هذا الديوان إشعار الملك ما يراه من الآراء الصائبة ويعلمه أنّ من أعظمها خطرا أن يصدر جواب كل كتاب يصل إليه في يومه ولا يؤخره إلى غده ويؤرخ في آخره بتاريخ ذلك اليوم، فيقال: وكتب في يوم وصول كتابك، وهو يوم كذا؛ فإن ذلك يقيم للملك هيبة كبيرة، ويدل على تطلّعه للأمور، وانتصابه للتدبير، وقلة إهماله لأمور دولته، وكثرة احتفاله باستقامة شؤونها، ويؤثّر في نفس المكاتبين تأثيرا كبيرا، ويستشعرون منه حذرا وخيفة» . قال: «وينبغي أن يأخذ جميع أرباب الخدم في البلاد بتاريخ كتبهم ويحذّرهم من ترك ذلك؛ فإن في إهماله ضررا كبيرا من حيث إنه ورد غير مؤرخ لم يعلم بعد العهد بما ذكر فيه من قربه، ولا هل فات وقت النظر فيما تضمّنه أم لا؛ وإذا كان مؤرّخا عرف ذلك وزالت

стр. 144

الشبهة فيه، وإذا وصل إليه كتاب اقتضى تاريخه زيادة زمن على مسافة الطريق، أنكر ذلك على حامله فإن خرج عن العهدة بإقامة الحجة على أنه لم يتأخر به قدرا زائدا على مسافة طريقه، وأن العذر من تقدّم التاريخ قبل إرساله، أنكر ذلك على مرسله إنكارا يردعه عن ذلك ويزجره عنه» . الأمر الرابع نظره فيما تتفاوت به المراتب في المكاتبات والولايات: من الافتتاح والدعاء، والألقاب، وقطع الورق ونحو ذلك وقد كان هذا الباب في الزمن المتقدّم في غاية الضّبط والتحرير، خصوصا في زمن الخلفاء من بني العباس والفاطميين؛ لا يزاد أحد في الألقاب على ما لقّبه به الخليفة كبيرا كان أو صغيرا، ولا يسمح له بزيادة الدعوة الواحدة فضلا عما فوقها. أما الآن فقد صار ذلك موكولا إلى نظر صاحب ديوان الإنشاء ينزل كل أحد من المكاتبين وأرباب الولايات منزلته على ما يقتضيه مصطلح الزمان من علوّ وهبوط؛ وحينئذ فعليه أن يحتاط في ذلك ويؤاخذ كتّاب الإنشاء بالمشاحّة «١» فيه، والوقوف عند ما حدّ لهم من غير إفراط ولا تفريط. فقد قال صاحب موادّ البيان: «إن الملوك تسمح ببدرات «٢» المال، ولا تسمح بالدعوة الواحدة» وناهيك بذلك تشديدا واحتياطا. الأمر الخامس نظره فيما يكتب من ديوانه وتصفّحه قبل إخراجه من الديوان قال أبو الفضل الصوريّ: «على متولّي الديوان أن يتصفح ما يكتب من ديوانه من الولايات والمناشير والمكاتبات؛ إذ الكاتب غير معصوم من الخطأ

стр. 145

واللحن وسبق القلم؛ وعيب الإنسان يظهر منه لغيره ما لا يظهر له، فما أبصره من لحن أو خطا أصلحه ونبه كاتبه عليه فيحذر من مثله فيما يستأنفه، فإن تكرر منه زجره عن ذلك، وردعه عن العود إلى مثله، إذ الغرض الأعظم أن يكون كلّ ما يكتب عن الملك كامل الفضيلة خطّا ولفظا ومعنى وإعرابا حتّى لا يجد طاعن فيه مطعنا؛ فربما زلّ الكاتب في شيء فيزل بسببه متولّي الديوان، بل السلطان. بل الدولة بأسرها. قال: فإذا فرغ من عرض الكتاب والوقوف عليه، كتب عليه بخطه ما يدلّ على وقوفه عليه ليكون ملتزما بدركه» . وكأنه يشير إلى ما تقدّم من كلامه: من أنه إن كان رسالة كتب عنوانها بخطه، وإن كان منشورا ونحوه، كتب تاريخه بخطه. ثم قال: «فإن كان متولّي الديوان مشتغلا بحضور مجلس السلطان ومخاطباته والتلقّي عنه، ولا يمكنه مع ضيق الزمان توفية كلّ ما يكتب بالديوان حقّ النظر فيه وتصفّح ألفاظه ومعانيه، نصب له في ذلك نائبا كامل الصنعة حسن الفطنة موثوقا به فيما يأتي ويذر، يقوم مقامه في ذلك» . قال: «وليس ذلك لأنه يغني عن نظر متولي الديوان، ولكن ليتحمل عنه أكثر الكل ويصير اليه وقد قارب الصحة أو بلغها فيحصل على الراحة من تعبها، ويصرف نظره إلى ما لعله خفي على المتصفح من دقائق المعاني وعويص «١» المدارك، فيقلّ زمن النظر عليه، ويظفر بالغرض المطلوب في أقرب وقت» . الأمر السادس نظره في أمر البريد ومتعلّقاته، وهو من أعظم مهمات السلطان، وآكد روابط الملك قال زياد لحاجبه: «ولّيتك حجابي وعزلتك عن أربع: هذا المنادي إلى الله في الصلاة والفلاح فلا تعوجنّه عني، ولا سلطان لك عليه؛ وصاحب
следующие страницы →