← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

ذو البرّ المأثور، والقدر المرفوع ولواؤه المنصوب وذيل فخاره المجرور. والمعروف بما لا ينكر لمثله من الحزم، والذاهب عمله الصالح بكل العوامل التي لم يبق منها لحسوده إلا الجزم. وهو ذو الأبنية التي لا يفصح عن مثلها الإعراب، ولا يعرف أفصح منها فيما أخذ عن الأعراب. والذي أصبحت أهدابه فوق عمائم الغمائم ثلاث، ولم يزل طول الدهر يشكر منه أمسه ويومه وغده وإنما الكلمات ثلاث. فليتصدّ للإفادة، وليعلّمهم مثل ما ذكر فيه من علم النحو نحو هذا وزيادة. وليكن للطلبة نجما به يهتدى، وليرفع بتعليمه قدر كل حبر يكون حبرا له وهو المبتدا. وليقدّم منهم كلّ من صلح للتبريز، واستحق أن ينصب إماما بالتمييز. وليورد من موارده أعذب النّطاف «١» ، وليجرّ إليه كلّ مضاف إليه ومضاف. وليوقفهم على حقائق الأسما، ويعرّفهم دقائق البحوث حتّى اشتقاق الاسم هل هو من السموّ أو من السّما. وليبيّن لهم الأسماء العجمية المنقولة والعربية الخالصة، ويدلّهم على أحسن الأفعال لا ما يتشبّه بصفات كان وأخواتها من الأفعال الناقصة، وليحفّظهم المثل وكلمات الشعراء، ولينصب نفسه لحدّ أذهان بعضهم ببعض نصب الإغراء. وليعامل جماعة المستفيدين منه بالعطف، ومع هذا كله فليترفّق بهم فما بلغ أحد علما بقوّة ولا غاية بعسف. وكما قال الشيخ جمال الدين بن نباته «٢» ﵀ من جملة توقيع مدرس: «ولأنه في البيان ذو الانتقاد والانتقاء. والعربيّ الذي كان لرقاب الفضلاء ابن مالك فإنّ قريبه أبو البقاء» .

стр. 212

وكما كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر «١» في رسالة اقترحت عليه في هذا الباب وهي: «حرس الله نعمة مولاي! ولا زال كلم السعد من اسمه، وفعله، وحرف قلمه يأتلف، ومنادى جوده لا يرخّم وأحمد عيشه لا ينصرف ولا عدم مستوصل الرّزق من براعته التي لا تقف الوصل «٢» ولا عدمت نحاة الجود من نواله كلّ موزون ومعدود، ومن فضله وظله كل مقصور وممدود. ولا خاطبت الأيام ملتمسه إلا بلام التوكيد، ولا عدوّه إلا بلام الجحود، هذه المفاوضة اليه أعزه الله! تفهمه أنا بلغنا أن فلانا أضمر سيدنا له فعلا غدا به منتصبا للمكايد ومعتلّا وليس موصولا كالذي بصلة وعائد. وما ذاك إلا لأن معرفتها داخلها التنكير. وقدّر لها من الاحتمالات أسوأ التقدير. ونعوت صحبته تكررت فجاز قطعها بسبب ذلك التكرير. وسيّدنا يعلم بالعلميّة المدكون «٣» من الإنافة، وما لإضافته إلى جلالته من الانتماء الذي يجب أن يكون لأجله عيشه به خفضا على الإضافة. وكان الظنّ أنّ الاشغال التي جمعت له لا تكون جمع تكسير بل جمع سلامة، وآية لا تكلف تعليما على وصول لأنه في الديوان كالحرف لا يخبر به ولا عنه والحرف ليست له علامة. وحاش لله! أن يصبح معرب إحسانه مبنيّا، وأن نزيل كرمه يكون للنكرات بأيّ محكيّا أو أن يأتي سيدنا بالماضي من الأفعال في معنى الاستقبال. أو أن يجعل بدل غلطه الإبدال للاشتمال، أو يدغم من مودته مظهرا، أو أنه لا يجعل لمبتدأ محبته مخبرا، أو أن لا يكون له من أبنية تدبير سيدنا مصدرا، ولا برح سيدنا نسيج وحده في أموره! ولا زال حلمه يتناسى الهفوات لا يشتغل مفعوله عن فعله بضميره» .

стр. 213

النوع الرابع المعرفة بالتصريف ويجب على الكاتب المعرفة به ليعرف أصل الكلمة، وزيادتها، وحذفها، وإبدالها فيتصرّف فيها بالجمع والتصغير والنسبة إليها وغير ذلك: لأنه إذا أراد جمع الكلمة أو تصغيرها أو النسبة إليها ولم يعرف الأصل في حروف الكلمة وزيادتها وحذفها وإبدالها، ضلّ حينئذ عن السبيل، ونشأ من ذلك مجال للعائب والطاعن. قال ضياء الدين بن الأثير في «المثل السائر» : وتظهر لك فائدة ذلك ظهورا واضحا فيما إذا قيل للنحويّ الجاهل بعلم التصريف كيف تصغّر لفظة اضطراب فإنه يقول ضطيريب «١» ، ولا يلام في ذلك لأنه الذي تقتضيه صناعة النحو، لأن النحاة يقولون إذا كانت الكلمة على خمسة أحرف وفيها حرف زائد أو لم يكن حذفته منها، نحو قولهم في منطلق مطيلق وفي جحمرش جحيمرش. ولفظة منطلق على خمسة أحرف وفيها حرفان زائدان هما الميم والنون، إلا أن الميم زيدت فيها لمعنى فلذلك لم تحذف وحذفت النون وأما لفظة جحمرش فخماسية لا زيادة فيها وحذف منها حرف أيضا. فإذا بنى النحويّ على هذا الأصل، فإما أن يحذف من لفظة اضطراب الألف أو الضاد أو الطاء أو الراء أو الباء. وهذه الحروف غير الألف ليست من حروف الزيادة فلا تحذف بل الأولى أن يحذف الحرف الزائد ويترك الحرف الأصلي فيصغر لفظة اضطراب حينئذ على ضطيريب «٢» ، ولم يعلم النحوي أن الطاء في اضطراب مبدلة من تاء وأنه إذا أريد تصغيرها تعاد إلى الأصل الذي كانت عليه. فيقال ضتيريب فإن هذا مما لا يعلمه إلا التصريفيّ والنحاة أطلقوا ما أطلقوه من ذلك اتكالا منهم على تحقيقه من علم التصريف، إذ كل من النحو والتصريف علم

стр. 214

منفرد برأسه، فتكليف النحويّ الجاهل بعلم التصريف إلى معرفة ذلك كتكليفه ما ليس من علمه. قال: فثبت بما ذكر أن علم التصريف مما يحتاج إليه لئلا يغلط في مثل ذلك. قال: ومن العجب أن يقال إنه لا يحتاج إلى معرفة التصريف وهذا نافع بن أبي نعيم وهو من أكبر القرّاء السبعة قدرا وأفخمهم شأنا قد قال في معايش معائش بالهمز، وهذه اللفظة مما لا يجوز همزه بإجماع من علماء العربية: لأن الياء فيها ليست مبدلة من همزة وإنما الياء التي تبدل «١» من الهمزة في هذا الموضع تكون بعد ألف الجمع المانع من الصرف ويكون بعدها حرف واحد ولا يكون عينا نحو سفائن، ولم يعلم نافع الأصل في ذلك فأخذ عليه وعيب عليه من أجله وذلك أنه اعتقد أن معيشة على وزن فعلية تجمع على فعائل ولم ينظر إلى أن الأصل في معيشة معيشة على وزن مفعلة لأن أصل هذه الكلمة من عاش لكن «٢» أصلها عيش على وزن فعل، ويلزم مضارع «فعل» المعتل العين «يفعل» لتصح الياء نحو «يعيش» ثم تنتقل حركة العين إلى الفاء فتصير «يعيش» ثم يبني من «يعيش» مفعول فيقال معيوش به كما يقال مسيور به، ثم يخفف ذلك بحذف الواو فيقال معيش به كما يقال مسير به، ثم تؤنّث هذه اللفظة فتصير «معيشة» . ومن جملة من عابه أبو عثمان المازني فقال في كتابه في التصريف: إن نافعا لم يدر ما العربيّة. وحكى أبو جعفر النحاس أن عبيد الله بن سليمان «٣» نظر في بعض كتب الكتّاب فإذا فيه حرف مصلح هو: وقد لهوت عن جباية الخراج، فاغتاظ وقال لا يحكّه غيري فحكّه فأصلحه: «وقد لهيت» بالياء، بدل الواو. قال وحكي عن

стр. 215

أحمد بن إسرائيل «١» مع تقدّمه في الكتابة أنه قال: وكانت رسومهم مساناة ثم صارت مشاهرة ثم صارت مياومة ثم صارت مساعاة، فأخطأ، وكان يجب أن يقول مساوعة. قال في «المثل السائر» : وكثيرا ما يقع أهل العلم في مثل هذه المواضع فكيف الجهّال الذين لا معرفة لهم بها ولا اطّلاع لهم عليها، وإذا علم حقيقة الأمر في ذلك لم يقع الغلط فيما يوجب قدحا ولا طعنا، قال: وقد وقع الغلط لأبي نواس فيما هو أظهر من ذلك، وهو قوله في صفة الخمر: كأنّ صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذّهب فإن «فعلى أفعل» لا يجوز حذف الألف واللام منها وإنما يجوز حذفهما من «فعلى» التي لا أفعل لها نحو حبلى إلا أن تكون «فعلى أفعل» مضافة وهاهنا قد عريت عن الإضافة وعن الألف واللام وكان الصواب أن يقال: كأن الصّغرى والكبرى أو كأن صغراها وكبراها. فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته، وغلط أبو تمام أيضا في قوله: بالقائم الثّامن المستخلف اطّأدت ... قواعد الملك ممتدّا لها الطّول فقال «اطّأدت» والصواب «اتّطدت» لأن التاء تبدل من الواو في موضعين أحدهما مقيس عليه كهذا الموضع: لأنك إذا بنيت افتعل من الوعد قلت اتّعد وكذلك «اتّطدت» في البيت فإنه وطد يطد كما يقال وعد يعد فإذا بني منه افتع قيل «اتّطدت» ولا يقال «اطّأد» ، وأما غير المقيس فقولهم في «وجاه» «تجاه» ، وقالوا «تكلان» وأصله الواو لأنه من «وكل» فأبدلت الواو تاء للاستحسان. ثم قال: إن المخطىء في التصريف أندر وقوعا من المخطىء في النحو لأنه قلّما تقع له كلمة يحتاج في استعمالها إلى الإبدال والنقل في حروفها. والمعصوم من عصمه الله، والكلام في نصرّف الكاتب في التصريف على ما تقدّم في النحو.

стр. 216

النوع الخامس المعرفة بعلوم المعاني، والبيان، والبديع؛ وفيه مقصدان المقصد الأول في وجه احتياج الكاتب إلى ذلك اعلم أنه لمّا كانت صناعة الكتابة مبنية على سلوك سبل الفصاحة واقتفاء سنن البلاغة، وكانت هذه العلوم هي قاعدة عمود الفصاحة ومسقط حجر البلاغة، اضطرّ الكاتب إلى معرفتها، والإحاطة بمقاصدها. ليتوصّل بذلك إلى فهم الخطاب، وإنشاء الجواب، جاريا في ذلك على قوانين اللغة في التركيب، مع قوّة الملكة على إنشاء الأقوال المركّبة المأخوذة عن الفصحاء والبلغاء، من الخطب والرسائل والأشعار من جهة بلاغتها وخلّوها عن اللّكن، وتأدية المطلوب بها، وتكميل الأقاويل الشّعرية نثرا كانت أو نظما، في بلوغها غايتها وتأدية ما هو مطلوب بها، وأنها كيف تتعيّن بحسب الأغراض لتفيد ما يحصل بها من التخيل الموجب لانتقال النفس من بسط وقبض، والشيء يذكر بضدّه، فيذكر المحاسن بالذات والعيوب بالعرض. قال أبو هلال العسكري: «فإن صاحب العربية إذا أخلّ بطلب هذه العلوم، وفرّط في التماسها، فاتته فضيلتها، وعلقت به رذيلة فوتها، وعفّى على جميع محاسنه، وعمّى سائر فضائله، لأنه إذا لم يفرق بين كلام جيّد وآخر رديء، ولفظ حسن، وآخر قبيح، وشعر نادر، وآخر بارد، بان جهله وظهر نقصه، وإذا أراد أن ينشىء رسالة أو يضع قصيدة وقد فاتته هذه العلوم، مزج الصّفو بالكدر، وخلط الغرر بالعرر «١» ؛ فجعل نفسه مهزأة للجاهل، وعبرة للعاقل. وكذلك إذا أراد تصنيف كلام منثور أو تأليف شعر منظوم وتخطّى هذه ساء اختياره، وقبحت آثاره، فأخذ الرديء المردود، وترك الجيّد

стр. 217

المقبول، فدلّ على قصور فهمه، وتأخر معرفته. مع ما في هذه العلوم الثلاثة من الوسيلة إلى فهم كتاب الله تعالى وكلام رسوله ﵌ اللذين منهما يستمدّ الكاتب شريف المعاني، ويستعير فصيح الألفاظ، بل منهما تستفاد سائر العلوم وتقتبس نفائس الفضائل» . قال: «وقبيح لعمري بالفقيه المؤتمّ به، والقاريء المقتدى بهديه، والمتكلّم المشار إليه في حسن مناظرته، وتمام آلته في مجادلته، وشدّة شكيمته في حجاجه، وبالعربيّ الصّليب، والقرشيّ الصريح، أن لا يعرف فهم إعجاز كتاب الله إلا من الجهة التي يعرفها منها الزّنجيّ والنبطيّ، وأن يستدلّ عليه بما يستدلّ به الجاهل الغبيّ» . على أن الشيخ بهاء الدين السبكي «١» ﵀ قد ذكر في «شرح تلخيص المفتاح» أنّ أهل مصر لا يحتاجون إلى هذه العلوم وأنهم يدرونها بالطبع، فقال في أثناء خطبته: «أما أهل بلادنا فهم مستغنون عن ذلك بما طبعهم الله تعالى عليه من الذّوق السليم، والفهم المستقيم، والأذهان التي هي أرقّ من النسيم، وألطف من ماء الحياة في المحيّا الوسيم، أكسبهم النيل تلك الحلاوة، وأشار إليهم بأصابعه فظهرت عليهم هذه الطّلاوة، فهم يدركون بطباعهم ما أفنت فيه العلماء فضلا عن الأغمار «٢» ، الأعمار، ويرون في مرآة قلوبهم الصقيلة ما احتجب من الأسرار خلف الأستار. والسّيف ما لم يلف فيه صيقل ... من طبعه لم ينتفع بصقال فيالها غنيمة لم يوجف عليها من خيل ولا ركاب، ولم يزحف إليها بعدو

стр. 218

عيديّة ولا بلحاق لاحق وانسكاب سكاب «١» ؛ فلذلك صرفوا هممهم إلى العلوم التي هي نتيجة أو مادّة لعلم البيان، كاللغة والنحو والفقه والحديث وتفسير القرآن» : ثم قال: «وأما أهل بلاد الشرق الذين لهم اليد الطّولى في العلوم، ولا سيّما العلوم العقليّة والمنطق، فاستوفوا هممهم الشامخة في تحصيله، واستولوا بجدّهم على جملته وتفصيله. ووردوا مناهل هذا العلم فصدروا عنها بملء سجلهم «٢» ، وكيف لا وقد أجلبوا عليه بخيلهم ورجلهم. فلذلك عمروا منه كل دارس، وعبروا من حصونه المشيدة ما رقد عنها الحارس. وبلغوا عنان السماء في طلبه، و «لو كان الدّين في الثريّا لناله رجال من فارس» . إلى أن خرج عنهم المفتاح، فكأن الباب أغلق دونهم، وظهر من مشكاة بلاد الغرب المصباح، فكأنما حيل بينه وبينهم. وأدارت المنون على قطبهم الدوائر، فتعطّلت بوفاته من علومه أفواه المحابر وبطون الدّفاتر. وانقطعت زهراتهم الطيّبة عن المقتطف، وتسلّط على العضد لسان من يعرف «كيف تؤكل الكتف» . فلم نظفر بعد هؤلاء الأئمة ﵏ من أهل تلك البلاد بمن مخض هذا العلم فألقى للطالب زبدته، ومحض النّصح فنشر على أعطاف العاري بردته، ولا حملت قبول القبول «٣» إلينا عنهم بطاقة، ولا حصلت للمتطلّعين لهذا العلم على تلك الأبواب طاقة، ولا رأينا بعد أن انطمست تلك الشموس المشرقة، واندرست طبقة تحرّي الفرقة، ولم يبق إلا رسوم هي من فضائلهم مسترقة. من أطلع غصن قلمه من روض الأذهان زهرة على ورقة، ولا من علّق شنّه بطبقتهم «٤» فيقال وافق شنّ طبقة، بل ركدت بينهم

стр. 219

في هذا الزمان ريحه، وخبت مصابيحه، وناداهم الأدب سواكم أعني: و «ربّ كلمة تقول دعني» . وما بعض الإقامة في ديار ... يهان بها الفتى إلا بلاء فعند ذلك أزمع هذا العلم الترحل، وآذن بالتحوّل. وإذا الكريم رأى الخمول نزيله ... في منزل فالرّأي أن يتحوّلا وفزع إلى مصر فألقى بها عصا التّسيار، وأنشد من نادى من تلك الديار. أقمت بأرض مصر فلا ورائي ... تخبّ بي الرّكاب ولا أمامي» ولقد أحسن ﵀ في بيان السبب، والتعويل في انجبال أهل مصر على هذا العلم على علاقة الصّهر والنسب حيث قال في أوائل خطبته في أثناء الصلاة على النبي ﵌: «صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما خفقت للبلاغة راية مجد في بني غالب بن فهر، وتعلّقت بأزمة الفصاحة أهل مصر: لما لهم من نسب وصهر» . قال الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي «١» ﵀ في كتابه «حسن التوسل إلى صناعة الترسل» : وهذه العلوم وان لم يضطرّ إليها ذو الذّهن الثاقب، والطبع السليم، والقريحة المطاوعة والفكرة المنقّحة، والبديهة المجيبة، والروية المتصرّفة، لكن العالم بها متمكّن من أزمّة المعاني، وصناعة الكلام، يقول عن علم، ويتصرف عن معرفة، وينتقد بحجة، ويتخير بدليل، ويستحسن ببرهان، ويصوغ الكلام بترتيب» . وحقيق ما قاله. فإن الأديب والكاتب العاريين عن هذه العلوم قاصران، عن أدنى رتب الكمال يحيدان، ولا يدريان كيف يجيبان؛ فلو سئل كل منهما

стр. 220

عن علة معنى استحسنه أو لفظ استحلاه أو تركيب استجاده، لم يقدر على الإتيان بدليل على ذلك. وقد حكى الإمام عبد القادر الجرجانيّ «١» قال: «ركب الكنديّ «٢» المتفلسف إلى أبي العبّاس وقال له: إني أجد في كلام العرب حشوا- فقال له أبو العباس في أي موضع؟ - قال: وجدت العرب تقول عبد الله قائم ثم يقولون إن عبد الله قائم ثم يقولون إن عبد الله لقائم فالألفاظ متكررة والمعنى واحد- فقال له أبو العباس: لا، بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه، وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب على إنكار منكر قيامه، فما أحار المتفلسف جوابا. فإذا ذهب مثل هذا على الكنديّ فما الظنّ بغيره؟ وإن كان من محاسن الكلام ما لا يحكم في امتزاجه بالقلوب غير الذوق الصحيح كما قال الشاعر: شيء به فتن الورى غير الذي ... يدعى الجمال ولست أدري ما هو لكن الغالب في الكلام أن يعلم سبب تحسينه، وتعليل موادّ تمكينه ويجاب عن العلة في انحطاطه وارتفاعه، ويذكر المعنى في ارتقائه من حضيض القول إلى يفاعه «٣» . قلت: وهذا العلم وإن شحن أئمة «٤» الكتّاب- كما قال أبو هلال العسكري في كتابه «الصناعتين» والوزير ضياء الدين بن الأثير في «المثل

стр. 221

السائر» والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي في «حسن التوسل» فإنه ليس مختصا بفنّ الكتابة بل هو آلة لكل كلام اقتضى البلاغة، كما أن المنطق آلة لكل العلوم العقلية، التي يحتاج منها إلى تصحيح الفكر. وقد أكثر الناس من المصنفّات فيه كالرّمّاني «١» والجرجانيّ وغيرهما؛ وأكثر اعتماد أهل الزمان فيه على «تلخيص المفتاح» للقاضي جلال الدين القزوينيّ «٢» فأغنى ما وضع فيه عن إيراده هنا. المقصد الثاني في كيفية انتفاع الكاتب بهذه العلوم غير خاف أنه إذا مهر فيها وعرف طرقها، أتى في كلامه بالسّحر الحلال، وصاغ من ألفاظه ومعانيه ما يقضي له بالفصاحة التامة، والبلاغة الكاملة، من وجوه تحقيق الكلام، وتحسينه وتدبيجه وتنميقه، وإذا فاتته هذه العلوم، أو كان ناقصا فيها، نقصت صناعته بقدر ما ينقص من ذلك. ثم كما يحتاج إلى هذه العلوم بطريق الذات، كذلك يحتاج إليها بطريق العرض من جهة المعرفة بالبلغاء الذين يضرب بهم المثل في البلاغة كقّس بن ساعدة «٣» ، وسحبان وائل «٤» ، وعمرو بن الأهتم «٥» ، ونحوهم من بلغاء العرب، وابن

стр. 222

المقفّع ونحوه من المحدثين. وكما قيل في عيّ باقل- وهو رجل انتهى به العيّ إلى أنه اشترى ظبيا بأحد عشر درهما، فسأله سائل في الطريق، وهو ممسك الظبي: بكم اشتريته؟ فلم يحسن التعبير عن أحد عشر، ففرق أصابعه العشرة وأخرج لسانه مشيرا إلى أحد عشر فتفلّت الظبي وفرّ هاربا-. وكمعرفة أئمة الصناعة: كالجرجاني والرّمّاني. وكذلك المعرفة بالأسماء التي اصطلح عليها أهلها، من الفصل، والوصل، والتشبيه كما تقدم، والمقابلة، والمطابقة، وغير ذلك من أنواعها. أما أحتياجه إلى المعرفة بأسماء البلغاء ولغة أهل الصناعة، فلأنه ربما احتاج إلى تفضيل بعض من يكتب له ممن ينسب مثله إلى البلاغة فيفضله بمساواته لبليغ من البلغاء، أو إمام من أئمة الصنعة: كما كتب الوزير ضياء الدين بن الأثير في ذمّ كاتب: هذا وهو يدّعي أنه في الفصاحة أمّة وحده، ومن قسّ إياد وسحبان وائل عنده، وكما قال بعضهم يهجو ضيفا له: أتانا وما داناه سحبان وائل ... بيانا وعلما بالذي هو قائل فما زال عند اللّقم «١» حتى كأنّه ... من العيّ لمّا أن تكلّم باقل ومما أتى على ذكر جماعة من أهل هذا الشأن قولي في كلام قليل جاء ذكره في آخر رسالة كتبت بها في تقريظ المقرّ الفتحيّ، صاحب دواوين الإنشاء الشريف، بالأبواب السلطانية بالديار المصرية- وهو: «على أنّي أستقيل من التقصير في إطرائه، والتعرّض في مدحه لما لا أنهض بأعبائه. فلو أن الجاحظ نصيري، وابن المقفّع ظهيري، وقسّ بن ساعدة يسعدني، وسحبان وائل ينجدني، وعمرو بن الأهتم يرشدني، لكان اعترافي بالتقصير أبلغ مما آتيه، وإقراري بالقصور أولى مما أخفيه من توالي طوله وأياديه» .

стр. 223

وأما احتياجه إلى معرفة ألفاظ أهل الصناعة، فلأنه ربما ورّى بها في تفاصيل كلامه ونحو ذلك- كما كتب الشيخ زين الدين أبو بكر بن العجمي «١» على البديعية التي نظمها عيسى العالية» الشاعر، مضاهيا بها بديعية الصفيّ الحليّ «٣» فقال: «وبعد فقد وقفت على هذه المعجزة التي أحيا بها عيسى ميت البديع، وجوّد ما شاء فيها من التصريع «٤» والتصريع، ورقم لأعطافها حلل التوشيح «٥» والتوشيع «٦» ، ونظم لأجياد أبياتها فرائد المعاني المستخرجة من بحر فكره على يد يراعه المريع، وقلدها من درر لفظه بما هو أزهى من زهر الزهر «٧» على نهر المجرة وهالات البدور، وشنف المسامع منها بما هو أبهى من النور في العيون وأوقع من الشفاء في الصدور، وأولج الليل في النهار بما طرس به الطروس، وأطلع في ذلك الليل من ناصع معانيه نجوما تزهي على الشموس، وأودع المهارق «٨» شذورا تزيف ذهب الأصائل، وتسفر عن وجوه حسان تفوق ابتسام ثغور الأزاهر بين الخمائل؛ وسلك في البديع طريقة

стр. 224

مثلى، أظهر فيها من شهد ألفاظه وجواهر معانيه ما حلا وحلى، ولم يدع للحلي في بهجتها محلا، وأحسن التذييل والترشيح «١» والتهكم عليه، من غير التفات لما أهمله ولم يتعرض إليه؛ وعادت المعاني تأوي من حسن تصرفه إلى ركن شديد، وتحوي بشبا «٢» أقلامه كل ما رامه من تأبيد التأييد؛ وتلقي مقاليدها منه إلى ملي بحسن التحيل والتحول في نظمه ونثره، وتحكم لمن حكم له بكمال وصفه ووصف كماله بأنه نسيج وحده وفريد عصره؛ وأجرى في حلبة البديع جياد أقلامه فحاز قصب الرهان، وأصفى لها موارد النفس فارتوت واستخرجت من ظلماته جواهر البيان، ونطقت بما هو المألوف من غرائب حكمه الحسان؛ وتأملتها فوجدتها قد أجاد فيها براعة المطلع، وبالغ في تحسين المنزع «٣» والمقطع، ودخل جنان الجناس فاجتنى من قطوفها الدانية ما راق، واطردت له أنهارها فاستطرد منها في أعلى الطباق؛ وقابل وجوه حورها أحسن المقابلة، آمنا فيها من الاشتراك والمماثلة، وأوضح الفروق بين التورية والإبهام، والتوجيه والاستخدام، وأبان في التتميم نقص أبي تمام، وأوجب في إبهامه عقد الخناصر على نظمه، وفوّض بنزاهته التسليم له وطلب سلمه، ولم يقنع بما فيه الاكتفاء من التذييل والتذنيب، بل أتى في الاستدارك على من تقدمه بالعجب العجيب، معتمدا في تكميل مقاصده الاقتصار والإيجاز، ولو ادعى الإعجاز على الحقيقة لا المجاز لجاز؛ وتحققت أن ليس له في هذا الفن مقاو ولا مقاوم، ولا مساو ولا مساوم، فكم جلب من بحر براعته درة أشرقت في ليالي الفترة المسودة، وكم حلب من ثدي يراعته درة «٤» لها ألف زبدة، وكم بلغ الناظر من وصف بيانه مجمع

стр. 225

البحرين، وسمع ورأى من فصله الحزل وفضله الجزيل ما هو عين المراد ومراد العين؛ وكم جلا من عرائس أفكاره وابتكاره صباح الوجوه الصباح، وخفق في الخافقين لمقاصده وبصائره جناح النجاح. قد أصبحت كلماته لخصور الفرائد مناطق، ولبدور الفوائد مشارق، ولطلائع أسرار المباني، آلات، ولمطالع أقمار المعاني، هالات، وقد وقعت حين وقفت على بديعيته هذه بين داءين كل منهما الأخطر، وبين أمرين أمرين كل منهما الأعسر؛ إن لم أكتب عليها شيئا فقد أخللت بالفرض الواجب، وإن كتبت فقد فضحت نفسي وعرضتها للمعايب ولكني رحت على ظلعي «١» متحاملا، وغدوت على حسب طاقتي في هذا الباب قائلا: عاش البديع وكان ميتا وانثنى ... بادي المحاسن زاهيا محروسا أحياه عيسى نجل حجاج وكم ... من ميت أحياه قدما عيسى النوع السادس حفظ كتاب الله العزيز وفيه مقصدان المقصد الأول في بيان احتياج الكاتب إلى ذلك في كتابته قال في «حسن التوسل» : ولا بد للكاتب من حفظ كتاب الله تعالى، وإدامة قراءته، وملازمة درسه، وتدبر معانيه، حتى لا يزال مصورا في فكره، دائرا على لسانه، ممثلا في قلبه ليكون ذاكرا له في كلامه وكل ما يرد عليه من الوقائع التي يحتاج إلى الاستشهاد به فيها، ويفتقر إلى قيام قواطع الأدلة عليها، (فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ) «٢» وكفى بذلك معينا له على قصده، ومغنيا له عن

стр. 226

غيره. قال تعالى (ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ) «١» وقال جل وعز تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ «٢» . قال في «المثل السائر» : كان بعضهم يقول: لو ضاع لي عقال لوجدته في القرآن الكريم. قال في «حسن التوسل» : وقد أخرج من الكتاب العزيز شواهد لكل ما يدور بين الناس في محاوراتهم، ومخاطباتهم، مع قصور كل لفظ ومعنى عنه، وعجز الإنس والجن عن الإتيان بسورة من مثله- كما حكي أن سائلا سأل بعض العلماء أين تجد في كتاب الله معنى قولهم «الجار قبل الدار» ؟ قال في قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ) «٣» فطلبت الجار قبل الدار، ونظائر ذلك كثيرة. وقد اختلف في جواز الاستشهاد بالقرآن الكريم في المكاتبات ونحوها: فذهب أكثر العلماء إلى جواز ذلك ما لم يحل عن لفظه ولم يتغير معناه. فقد ثبت في الصحيح: أن رسول الله ﷺ ، كتب في كتابه إلى هرقل (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ) «٤» إلى قوله مسلمون؛ وروي ذلك عن غير واحد من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فكتب أبو بكر الصديق ﵁ في عهده لعمر بن الخطاب (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ . وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) «٥» على ما سيأتي في ذكر عهود الخلفاء عن الخلفاء إن شاء الله تعالى. وكتب عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه في آخر كتاب إلى معاوية «وقد علمت مواقع سيوفنا في جدك وخالك وأخيك (وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ) «٦» . وقال للمغيرة بن شعبة لما أشار عليه بتولية معاوية (وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً) «٧» . وكتب

стр. 227

إلى عامل من عماله بعد البسملة (قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ) «١» . وقال الحسن بن عليّ لمعاوية حين نازعه في الخلافة (وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ) «٢» . ويروى عن ابن عباس مثله. وكتب الحسن إلى معاوية: أما بعد فإن الله بعث محمدا ﵌ رحمة للعالمين وكافة للناس أجمعين (لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ) «٣» وكتب محمد بن عبد الله بن الحسن بن عليّ إلى المنصور في صدر كتاب (طسم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ؛ نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) «٤» إلى قوله (وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ) «٥» . ولم يزل العلماء وفضلاء الكتاب يستشهدون بالقرآن الكريم في مكاتباتهم في القديم والحديث، من غير نكير؛ وذلك كله دليل الجواز. ونقل عن الحسن البصريّ ما يدل على كراهة ذلك حيث بلغه أن الحجاج أنكر على رجل استشهد بآية فقال: أنسي نفسه حين كتب إلى عبد الملك بن مروان: بلغني أن أمير المؤمنين عطس فشمته من حضر فرد عليهم (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) «٦» . قال في «حسن التوسل» : وإذا صحت هذه الرواية عن الحسن فيمكن أن يكون إنكاره على الحجاج لكونه أنكر على غيره ما فعله هو. وذهب بعضهم إلى أن كل ما أراد الله به نفسه لا يجوز الاستشهاد به إلا فيما يضاف إلى الله سبحانه مثل قوله (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) «٧» وقوله (بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) «٨» ونحو ذلك مما يقتضيه الأدب مع الله تعالى.

стр. 228

قال في «المثل السائر» : وإذا ضمنت الآيات في أماكنها اللائقة بها، ومواضعها المناسبة لها، فلا شبهة فيما يصير للكلام من الفخامة والجزالة والرونق. قال في «حسن التوسل» : ومن شرف الاستشهاد بالقرآن الكريم إقامة الحجة، وقطع النزاع، وإذعان الخصم. قال في «حسن التوسل» : وأين قول العرب- القتل أنفى للقتل- لمن أراد الاستشهاد في هذا المعنى من قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) «١» وقد روي أن الحجاج قال لبعض العلماء: أنت تزعم أن الحسين من ذرية رسول الله ﵌ فأتني على ذلك بشاهد من كتاب الله تعالى وإلا قتلتك فقرأ عليه (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى) «٢» فعيسى ابن بنته فأسكت الحجاج. وأيضا فإن الآية الواحدة تقوم في بلوغ الغرض، وتوفية المقاصد ما لا تقوم به الكتب المطولة والأدلة القاطعة. فمن أخصر ما وقع في ذلك وأبلغ أنه كان على الروم بهرقلة «٣» في أيام الرشيد امرأة منهم، وكانت تلاطف الرشيد ولها ابن صغير، فلما نشأ فوضت الأمر إليه فعاث وأفسد وخاشن الرشيد؛ فخافت على ملك الروم فقتلت ولدها، فغضب الروم لذلك، فخرج عليها رجل منهم يقال له يقفور فقتلها واستولى على الملك وكتب إلى الرشيد: أما بعد، فإن هذه المرأة وضعتك موضع الشاه، ووضعت نفسها موضع الرخ «٤» ، وينبغي أن تعلم أني أنا الشاه وأنت الرخ فأد إلي ما كانت المرأة تؤدي إليك! فلما قرأ الكتاب. قال للكتاب: أجيبوا عنه! فأتوا بما لم يرتضه، وكان الرشيد خطيبا شاعرا فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله هارون أمير المؤمنين إلى يقفور

стр. 229

كلب الروم. أما بعد، فقد فهمت كتابك، والجواب ما تراه لا ما تسمعه، والسلام على من اتبع الهدى. ثم خرج في جمع له لم يسمع بمثله فتوعل في بلاده وفتك وسبى؛ فأوقد يقفور في طريقه نارا شديدة فخاضها محمد بن يزيد الشيباني، وتبعه الناس حتى صاروا من ورائها؛ فلما رأى يقفور أنه لا قبل له به، صالحه على الجزية يؤديها عن رأسه وعن سائر أهل مملكته. وكتب ملك الروم إلى المعتصم يتوعده ويتهدده فأمر الكتاب أن يكتبوا جوابه فلم يعجبه مما كتبوا شيئا فقال لبعضهم اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فقد قرأت كتابك، وفهمت خطابك، والجواب ما ترى لا ما تسمع (وَسَيَعْلَمُ. الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) «١» . هذا مع ما ينسب إليه المعتصم من ضعف البصر بالعربية كما تقدم في الكلام على اللغة. ولا يستكثر مثل ذلك على الطبع السليم، والرجوع إلى سلامة العنصر وطيب المحتد. ومثل ذلك في الجواب وأخصر منه أن الأدفونش ملك الفرنج بالأندلس، كتب إلى يعقوب بن عبد المؤمن أمير المسلمين بالأندلس، بخط وزير له يقال له ابن الفخار: باسمك اللهم فاطر السموات والأرض والصلاة على السيد المسيح ابن مريم الفصيح، أما بعد: فلا يخفى على ذي ذهن ثاقب، وعقل لازب «٢» ، أني أمير الملة النصرانية، كما أنك أمير الملة الحنيفية، وقد علمتم ما هم عليه رؤساء جزيرة الأندلس من التخاذل والتواكل والإخلاد إلى الراحة وأنا أسومهم الخسف وأخلي منهم الديار، وأجوس البلاد، وأسبي الذراري، وأقتل الكهول والشبان لا يستطيعون دفاعا، ولا يطيقون امتناعا، فلا عذر لك في التخلف عن نصرهم، وقد أمكنتك يد القدرة، وأنتم تعتقدون أن الله فرض عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم وعلم

стр. 230

أن فيكم ضعفا، فلتقاتل عشرة منكم الواحد منا؛ ثم بلغني أنك أخذت في الاحتفال، وأشرفت على ربوة الإقبال، وتماطل نفسك عاما بعد عام؛ وأراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى؛ ولست أدري إن كان الجبن أبطأك أو التكذيب بما أنزل عليك ربك؛ ثم حكي لي أنك لا تجد إلى الجواز سبيلا لعلة لا يجوز لك التفخم «١» به معها؛ فأنا أقول ما فيه الراحة لك، وأعتذر لك وعنك، على أن تفي لي بالعهود والمواثيق والاستكثار من الرهن، وترسل إلي بجملة من عبيدك بالمراكب والشواني «٢» ، وأجوز بحملتي إليك، وأبارزك في أعز الأماكن عليك؛ فإن كانت لك فغنيمة وجهت إليك، وهدية عظيمة مثلت بين يديك، وإن كانت لي كانت يدي العليا عليك وأستوجب سيادة الملتين، والحكم على الدينين، والله تعالى يسهل ما فيه الإرادة، ويوفق للسعادة، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره. فكتب ﵀ جوابا على أعلى كتابه (ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ) «٣» . ونظير ذلك أن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب كتب إلى الديوان العزيز ببغداد كتابا يعدد فيه مواقفه في إقامة دعوة بني العباس بمصر. فكتب جوابه من ديوان الخلافة (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) «٤» .

стр. 231

المقصد الثاني في كيفية استعمال آيات القرآن الكريم واعلم أن تضمين الكلام بعض آي القرآن الكريم ينقسم عند أهل البلاغة إلى قسمين: أحدهما- الاستشهاد بالقرآن الكريم ، وهو أقلهما وقوعا في الكلام ودورانا في الاستعمال: وهو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن الكريم، وينبه عليه مثل قول الحريري في مقاماته: فقلت وأنت أصدق القائلين (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ) «١» . وقول أبي إسحاق في عهد لملك عن خليفة بعد الأمر بالتقوى والحث عليها: فإذا اطلع الله منه على نقاء جيبه، وطهارة ذيله، وصحة مروءته، واستقامة سيرته، أعانه على حفظ ما استحفظه، وأنهضه بثقل ما حمله، وجعل له مخلصا من الشبهة، ومخرجا من الحيرة. فقد قال الله تعالى (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ) «٢» وقد قال الله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) «٣» وقال عز اسمه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) «٤» إلى آي كثيرة حضنا بها على كرم الخلق، وأسلم الطرق؛ فالسعيد من نصبها رأي ناظره، والشقي من نبذها وراء ظهره، وأشقى منه من يحث عليها وهو صادف عنها، فأجاب إليها وهو بعيد منها. وله ولأمثاله يقول الله (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) «٥» وأكثر مشي الصابي «٦» في كتابه على هذا الأسلوب

стр. 232

من الاستشهاد، والتنبيه على آي القرآن في خلال كلامه، دون الإشارة إليه، والاقتصار على اقتباس معناه. ومن ذلك قول علاء الدين بن غانم «١» من خطبة «٢» قدمة كتب بها لمظفر الدين موسى بن أقوش وقد صرع لغلغة، وادعى بها للملك المؤيد صاحب حماه: نحمده على توفيقه الذي ساد به من ساد وسما، وأصاب بتفويقه بمعونة ربه طير السما، فحسن أن يتلى (وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى) «٣» . ومن ذلك قولي في المقامة التي أنشأتها في كتابة الإنشاء، في الكلام على فضل الكتابة: فقد نطق القرآن الكريم بفضلها، وجاءت السنة الغراء بتقديم أهلها، فقال جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه (اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ) «٤» فأخبر تعالى أنه علم بالقلم، حيث وصف نفسه بالكرم، إشارة إلى أن تعليمها من جزيل نعمه، وإيذانا بأن منحها من أوفر جوده وفائض ديمه؛ وقال جلت قدرته (ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) «٥» فأقسم بالقلم، وما سطرته الأقلام، وأتى بذلك في آكد قسم، فكان من أعظم الأقسام. وقال جلت عظمته (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ) «٦» فجعل الكتابة من وصف الكرام، كما قد جاء فعلها عن جماعة الأنبياء ﵈، وإنما منعها النبي ﵌ معجزة قد بين

стр. 233

الله تعالى سببها، حيث ذكر أخبارهم بقوله: وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها) «١» . وقولي من هذه المقامة في التعبير عن المقرّ البدري بن فضل الله «٢» : قلت حسبك قد دلني عليه عرفه، وأرشدنيّ إليه وصفه، وبان لي محتده الفاخر وحسبه الصميم، وعرفت أصله الزاكي وفرعه الكريم (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) * «٣» . وقولي في اختتام هذه المقامة معبرا عن المقرّ البدري المشار إليه: فلما تحققت أني قد أثبت في ديوانه، وكنت من جملة غلمانه، رجعت القهقرى عن طلب الكسب، وتساوى عندي المحل والخصب؛ فاستغنيت بنظري إليه عن الطعام والشراب، وتحققت أن نظرة منه ترقيني إلى السحاب، وتلوت بلسان الصدق على الملإ وهم يسمعون (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) «٤» . وقولي في بيعة خليفة أنشأتها بعد ذكر تحليف أهل البيعة: وأشهدوا عليهم بذلك من حضر مجلس العقد من الأئمة الأعلام، والشهود والحكام، وجعلوا الله على ما يقولون وكيلا، فاستحق عليهم الوفاء بقوله تعالى (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) «٥» . وهم يرغبون

стр. 234

إلى الله تعالى أن يضاعف لهم بحسن نيتهم الأجور، ويلجأؤن إليه أن يجعل أئمتهم ممن أشار تعالى إليه بقوله (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «١» . وقولي في بيعة أخرى: والله يجعل أنتقالهم من أدنى إلى أعلى، ومن يسرى إلى يمنى، ويحقق لهم بمن استخلفه عليهم وعده الصادق بقوله تعالى (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً) «٢» . الثاني- الاقتباس ، وهو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن، ولا ينبه عليه: كقوله في خطبة «التعريف» : نحمده على فواضل زادت محاسن العلوم، وعرفت تفاوت درجات الأولياء إذ قالوا (وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ) «٣» وقوله بعد ذلك: وسماء الشبيبة بضحى المشيب قد تجلت، والنفس قد (أَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ) «٤» . وقول ابن نباتة السعدي في بعض خطبه: فيا أيها الغفلة المطرقون! أما أنتم بهذا الحديث مصدقون؟ ما لكم لا تسمعون! (فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ) «٥» وقوله يوم يبعث الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنم وقودا. يوم تكونوا (شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً . يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) «٦» . وقول غيره: أتظنون أنكم دون غيركم مخلدون (كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ) «٧» .

стр. 235

وقول الحريري: فلم يكن إلا (كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) «١» . حتى أنشد فأعرب. وقوله: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) » . وأميز صحيح القول من عليله. وقول ضياء الدين بن الأثير في فصل من كتاب في مدح الجود وذم البخل: وقد علم أن المال الذي يختزن، كالماء الذي يحتقن، فكما أن هذا يأجن «٣» بتعطيل الأيدي عن امتياح «٤» مشاربه. فكذلك يأجن هذا بتعطيل الأيدي عن امتناع «٥» مواهبه. وأي فرق بين وجوده وعدمه لولا أن تملك به القلوب. وتفل به الخطوب. ويركب به ظهر العزم الذي ليس بركوب؛ ومن بسط يده فيه ثم قبضها بخله، فإنه يقف دون الرجال مغمورا، ويقعد عن نيل المعالي محسورا. وإذا أدركته منيته مضى وكأنه لم يكن شيئا مذكورا. وقوله في وصف كاتب: له بنت فكر ما تمخضت بمعنى إلا نتجته من غير ما تمهله. (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ) «٦» . ولم تعرض على ملإ من البلغاء إلا ألقوا أقلامهم أيهم يستعيره لا أيهم يكفله. وقول الشيخ شهاب الدين محمود الحلبي من عهد السلطان: وجمع بك شمل الأمة بعد أن (كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ) «٧» وعضدك لإقامة إمامته بأولياء دولتك الذين ﵃، وخصك بانصار دينه الذين نهضوا بما أمروا به من طاعتك وهم فارهون (وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ

стр. 236

وَهُمْ كارِهُونَ) «١» وقوله من عهد السلطان الملك المنصور لاچين «٢» : وجعل عدوه وإن أعرض بجيوش الرعب محصورا. وكفاه بالنصر على الأعداء التوغل في سفك الدماء (فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) «٣» . وقوله في خطبة صداق في وصف نكاح: وأحيا به الأمم وقد قضى دينهم. وجمع بين متفرقين (لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) «٤» . وقوله من توقيع بإمامة صلاة: وليعلم أنه في المحراب مناجيا لربه واقفا بين يدي من يحول بين المرء وقلبه «٥» . وقولي في خطبة هذا الكتاب في الإشارة إلى فتح الديار المصرية: فتوجهت إليها عزائم الصحابة زمن الفاروق فجاسوا خلال الديار، وعرها وسهلها واقتطعتها أيدي المسلمين من الكفار، وكانوا (أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها) «٦» وقولي في المقامة المتقدمة الذكر: قال إذن قد تعلقت من الصنعة بأسبابها. وأتيت البيوت من أبوابها. وقولي فيها: قلت قد بانت لي علومها. فما رسومها؟ - قال إن أعباءها لباهظة حملا. وإنها لكبيرة إلا. ولكن سأحدث لك ذكرا «٧» وأنبئك بما لم تحط به خبرا «٨» . وقولي في المفاخرة بين السيف والقلم في الصلاة على النبي ﷺ : صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين قامت بنصرتهم دولة الإسلام فسمت بهم على سائر الدول وكرعت في دماء

стр. 237

الكفر سيوفهم فعادت بخلوق «١» النصر لا بحمرة الخجل. صلاة ينقضي دون انقضائها تعاقب الأيام. وتكل ألسنة الأقلام عن وصفها (وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ) «٢» . وربما اقتصر على التلويح والإشارة خاصة: كقول القاضي الفاضل فيما كتب به عن السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى الديوان العزيز ببغداد في الاستصراخ وتهويل أمر الفرنج: (رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي) «٣» ، وها هي في سبيلك مبذولة، وأخي وقد هاجر إليك هجرة يرجوها مقبولة. وقول ضياء الدين بن الأثير في وصف غبار الحرب: وعقد العجاج سقفا فانعقد. وأرانا كيف رفع السماء بغير عمد «٤» . غير أنها سماء بنيت بسنابك الجياد. وزينت بنجوم الصعاد «٥» . ففيها ما يوعد من المنايا لا ما يوعد من الأرزاق. ومنها تقذف شياطين الحرب لا شياطين الاستراق «٦» . قال الوزير ضياء الدين بن الأثير ﵀: «والطريق في استنباط المعاني من القرآن الكريم واستعمال الآيات في خلال الكلام أن تعمد إلى سورة من القرآن، وتأخذ في تلاوتها وكلما مرّ بك معنى أثبته في ورقة مفردة

стр. 238

حتى تنتهي إلى آخرها؛ ثم تأخذ في استعمال تلك المعاني التي ظهرت وإدخالها في خلال الكلام وكلما عاودت التلاوة وكررتها ظهر لك من المعاني ما لم يظهر لك في المرة التي قبلها» . ولتعلم أن الآية الواحدة قد تقع في الاستعمال على عدة وجوه يورده الناثر في معنى ثم ينقله لمعنى آخر غيره كما فعل ضياء الدين بن الأثير في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇ (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ) «١» . فقال في دعاء كتاب: وصل كتاب من الحضرة السامية أحسن الله أثرها، وأعلى خطرها، وقضى من العلياء وطرها، وأظهر على يدها آيات المكارم وسورها، وأسجد لها كواكب السيادة وشمسها وقمرها. ثم أبرزه في معنى آخر فقال: أكرم النعم ما كان فيه ذكرى للعابدين. وتقدمه إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين. فهذه النعمة هي التي تأتي بتيسير العسير. وتجلو ظلمة الخطب بإيضاح المنير. فانظر إلى أثر رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير. ثم نقله إلى معنى آخر فقال من تقليد يكتب من ديوان الخلافة لبعض الوزراء: وقد علم أن أمير المؤمنين أدنى مجلسه من سمائه، وآنسه على وحدة الانفراد بحفل «٢» نعمائه. ورفعه حتى ودت الشمس لو كانت من أترابه والقمر لو كان من ندمائه. وذلك مقام لا تستطيع الجدود أن ترقى إلى رتبته. ولا الآمال أن تطوف حول كعبته، ولا الشفاه أن تتشرف بتقبيل تربته. فليزدد إعجابا بما نالته من مواطىء أقدامه، ولينظر إلى سجود الكواكب له في يقظته لا في منامه. قال في «حسن التوسل» : والناس في استخراج المعاني من القرآن

стр. 239

الكريم، واستعمالها في الكلام على قدر طبقاتهم وتفاوت درجاتهم. فمفرط في الحسن ومفرط وفوق كل ذي علم عليم. قلت: وكما يحتاج الكاتب إلى حفظ كتاب الله تعالى والعلم بتفسيره ليقتبس من معانيه كذلك يحتاج إلى معرفة العلوم المختصة به كالعلم بالقراءات السبع والشواذ، ومعرفة رجالها، ومن اشتهر منهم وعرف بجودة القراءة، ومعرفة أعيان المفسرين ورؤوسهم، ليماثل بأفاضلهم ويقايس بأعيانهم، في خلال ما يعرض له من الكلام مطابقا لذلك كما قال في «التعريف» في وصية مقرىء في القسم الثالث من الكتاب: وليدم على ما هو عليه من تلاوة القرآن، فإنه مصباح قلبه. وصلاح قربه، وصباح القبول المؤذن له برضا ربه؛ وليجعل سوره له أسوارا، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا. وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ، وليجمع طرقه وهي التي عليها الجمهور ويترك الشواذ. ولا يرتد دون غاية لإقصار، ولا يقف فبعد أن أتم لم يبق بحمد الله إحصار، وليتوسع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القراء السبعة أئمة الأمصار، وليبذل للطلبة الرغاب، وليشبع فإن ذوي النهمة سغاب: ولير الناس ما وهبه الله من الاقتدار، فإنه احتضن السبع ودخل الغاب «١» ، وليتم مباني ما أتم ابن عامر وأبو عمرو «٢» له التعمير، ولفه الكسائي «٣» في كساه ولم يقل جدي ابن كثير «٤» ، وحم به لحمزة «٥» أن يعود ذاهب الزمان، وعرف أنه لا عاصم من أمر

стр. 240

الله يلجأ معه إليه وهو الطوفان، وتدفق يتفجر علما وقد وقفت السيول الدوافع، وضر أكثر قراء الزمان لعدم تفهيمهم وهو نافع، وليقبل على ذوي الإقبال على الطلب، وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب. وهو يعلم ما من الله عليه بحفظ كتابه العزيز من النعماء، ووصل سببه منه بحبل الله الممتد من الأرض إلى السماء. فليقدر حق هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم، والإنصاف إذا سئل فعلم الله لا يتناهى وفوق كل ذي علم عليم. النوع السابع الاستكثار من حفظ الأحاديث النبوية على قائلها أفضل الصلاة والسلام وفيه مقصدان المقصد الأول في بيان وجه احتياج الكاتب إلى ذلك قال في «حسن التوسل» : لا بد للكاتب من حفظ الكثير من الأحاديث النبوية، والآثار المروية عن الصحابة رضوان الله عليهم؛ وخصوصا في السير، والمغازي، والأحكام؛ وتأمل فصاحتها، والنظر في معرفة معانيها وغريبها، وفقه ما لا بد من معرفته من أحكامها لينفق منها على سعة، ويستشهد بكل شيء في موضعه، ويحتج بمكان الحجة، ويستدل بموضع الدليل، ويتصرف عن علم بموضوع اللفظ ومعناه، ويبني كلامه على أصل لا يزلزل، ويسوق مقاصده إلى سبيل لا يضل عنه، فإن الدليل على المقصد إذا استند إلى النص قويت فيه الحجة، وسلم له الخصم، وأذعن له المعاند؛ والفصاحة والبلاغة

стр. 241

إذا طلبت غايتها فإنها بعد كتاب الله في كلام من أوتي جوامع الكلم وقال: «أنا أفصح من نطق بالضاد» . وقد كان الصدر الأول من الصحابة والتابعيين ﵃ يحتجون بالحديث، ويستدلون به في مواطن الخلاف والنزاع، فينقاد الجموح ويستسهل الصعب، وقد رجع الأنصار يوم السقيفة إلى حديث «الأئمة من قريش» حيث رواه لهم أبو بكر الصديق ﵁، وأذعنوا له، وبايعوه بعد ما اجتمعوا إلى سعد بن عبادة وقالوا: «منا أمير ومنكم أمير» . على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله. ورجع عمر ﵁ لحديث النهي عن دخول بلد الطاعون فعاد إلى المدينة بعد أن قارب الشام حين بلغه أن به الطاعون. وقال علي ﵁ في حق الأنصار: «لو زالوا «١» لزلت معهم» لقول رسول الله ﵌: «أزول معكم حيث ما زلتم» . ثم الذي أشار إليه ابن قتيبة في «أدب الكاتب» أن الأحاديث التي ينبغي للكاتب حفظها الأحاديث المتعلقة بالفقه وأحكامه: كقوله ﵌: «البينة على المدعي. واليمين على المدعى عليه. والخراج بالضمان. وجرح العجماء جبار «٢» . ولا يغلق «٣» الرهن. والمنحة مردودة. والعارية مؤداة. والزعيم غارم. ولا وصية لوارث. ولا قطع في ثمر ولا كثر «٤» . ولا قود إلا بحديدة. والمرأة تعاقل» الرجل إلى ثلث ديتها. ولا تعقل العاقلة عمدا ولا

стр. 242

عبدا ولا صلحا ولا اعترافا. ولا طلاق في إغلاق، والبيعان بالخيار ما لم يتفرقا. والجار أحق بصقبه «١» . والطلاق بالرجال والعدة بالنساء. وكنهيه في البيوع عن المخابرة «٢» والمحاقلة «٣» ، والمزابنة «٤» ، والمعاومة «٥» ، والثنيا «٦» ، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيعتين في بيعة، وعن شرطين في بيع، وعن بيع وسلف، وعن بيع الغرر «٧» وبيع المواصفة «٨» ، وعن الكاليء بالكاليء «٩» ، وعن تلقي الركبان «١٠» ، وما أشبه ذلك ليغتني بحفظها وتدبر معانيها عن إطالات الفقهاء» . قلت: والتحقيق أن حاجة الكاتب لا تختص بأحاديث الأحكام ودلائل الفقه، بل تتعلق بما هو أعم من ذلك خصوصا الحكم والأمثال والسير وما

стр. 243

أشبه ذلك مما يكثر الاستشهاد به في الكتابة والاقتباس من معانيه. قال في «المثل السائر» : وينبغي أن يكون أول ما يحفظه من الأخبار ما تضمنه كتاب «الشهاب في المواعظ والآداب» للقضاعي «١» ، فإنه كتاب مختصر وجميع ما فيه يستعمل لأنه يتضمن حكما وآدابا، فإذا حفظته وتدربت باستعماله، حصل عندك قوة على التصرف والمعرفة بما يدخل في الاستعمال وما لا يدخل، وعند ذلك تتصفح كتاب صحيح البخاري، ومسلم، والموطأ، والترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وغيرها من كتب الحديث؛ وتأخذ ما تحتاج إليه «وأهل مكة أخبر بشعابها» . قال: والذي تأخذه إن أمكنك درسه وحفظه فهو المراد لأن ما لا تحفظه فلست منه على ثقة؛ وإن كان لك محفوظات كثيرة: كالقرآن الكريم، ودواوين كثيرة من الشعر، وما ورد من الأمثال السائرة، وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه وما يأتي ذكره، فعليك بمداومة المطالعة للأخبار، والإكثار من استعمالها في كلامك، حتى ترتقم على خاطرك فتكون إذا احتجت منها إلى شيء وجدته، وسهل عليك أن تأتي به ارتجالا، فتأمل ذلك واعمل به. ثم قال: وكنت جردت من الأخبار النبوية كتابا يشتمل على ثلاثة آلاف خبر تدخل كلها في الاستعمال، وما زلت أواظب مطالعته مدة تزيد على عشر سنين، فكنت أنهي مطالعته في كل أسبوع مرة حتى دار على ناظري وخاطري ما يزيد على خمسمائة مرة وصار محفوظا لا يشذ منه عني شيء. المقصد الثاني في بيان كيفية استعمال الأحاديث والآثار في الكتابة قال الوزير ضياء الدين بن الأثير «واعلم أن أكثر الأحاديث، تدخل في الاستعمال، ولا يخرج عنه إلا القليل النادر، ولقد دار بيني وبين بعض علماء

стр. 244

الأدب في هذا الأسلوب كلام فاستوعره واستنكره، وقال: هذا لا يتهيأ إلا في الشيء اليسير من الأخبار النبوية- فقلت لا، بل يتهيأ في الأكثر منها- فقال قد ورد عن النبيّ ﵌: «أنه اختصم إليه في جنين فقضى على من أسقطه بغرة «١» عبد أو أمة» فأين تستعمل هذا؟ فأفكرت فيما ذكره ثم أنشأت هذا الفصل من الكلام، وأودعته فيه وهو: «قد كثر الجهل حتى لا يقال فلان عالم وفلان جاهل. وضرب المثل بباقل وكم في هذه الصورة الممثلة من باقل، ولو عرف كل إنسان قدره لما مشى بدن إلا تحت رأسه، ولا انتصب رأس إلا على بدنه، ولكان صاحب العمامة أحق بعمامته وصاحب الرسن أحق برسنه. وكنت سمعت بكاتب من الكتاب كلمه إلى غثاثة وقلمه بغاثة لا يستنسر وأي بطش لبغاثة «٢» . وإذا وجب الوضوء على غيره بالخارج من السبيلين، وجب عليه من سبل ثلاثة. هذا وهو يدعي أنه في الفصاحة أمة وحده، ومن قس إياد أو سحبان وائل عنده، وإذا كشف خاطره وجد بليدا لا يخرج عن العمه والكمه «٣» وإن رام أن يستنتجه في حين من الأحيان قضى عليه بغرة عبد أو أمة، وكثيرا ما يتقدم ونقيصته هذه على الأفاضل من العلماء، وقد صار الناس إلى زمان يعلو فيه حضيض الأرض على هام السماء» . فلما أوردته عليه، ظهرت أمارة الحسد على صفحات وجهه مع إعجابه به واستغرابه فيه إياه. ثم قال: وقد ورد عن رسول الله ﵌ هذا الحديث وهو «لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال» فهذا أين يستعمل من المكاتبات؟ فترويت

стр. 245

في قوله ترويا يسيرا ثم قلت: هذا يستعمل في كتاب إلى ديوان الخلافة، وأمليت عليه الكتاب، فجاء هذا الحديث في فصل منه، وهو: «إذا أفاض الخادم في وصف ولائه، نكصت همم الأولياء عن مقامه، وعلموا أنه أخذ الأمر بزمامه، فقد أصبح وليس بقلبه سوى الولاء والإيمان، فهذا يظهر أثره في طاعة السر وهذا في طاعة الإعلان؛ وما عداهما فإن دخوله إلى قلبه من الأشياء المحظورة، والملائكة لا تدخل بيتا فيه تمثال ولا صورة، فليعول الديوان العزيز منه على سيف من سيوف الله يفري، بلا ضارب، ويسري، بلا حامل، ولا يسل إلا بيد حق، ولا يغمد إلا في ظهر باطل. وليعلم أن كرشه «١» وعيبته في تضمن الأسرار، وأنه أحد سعديه «٢» إذا عدت مواقف الأنصار» . فلما رأى هذا الفصل بهت له وعجب منه. قال: ولم أقنع بايراد الحديث الذي ذكر حتى أضفت إليه حديثا آخر، وهو قول النبي ﵌: «الأنصار كرشي وعيبتي» . ثم تضمين الكلام شيئا من الأحاديث على ما تقدم في القرآن الكريم؛ فينقسم إلى الاستشهاد والاقتباس على ما تقدم.

стр. 246

فأما الاستشهاد فهو أن يضمن الكلام شيئا من الحديث، وينبه عليه: كقول أبي إسحاق الصابي في وصية عهد من خليفة السلطان: وأن يقوم بما يعقده الرجل من عرض المسلمين، فإن ذمته ذمة جميع المؤمنين، وقد قال رسول الله ﷺ : «المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم» . وكما كتب بعض الكتاب في صدر كتاب لديوان الخلافة: والحمد لله على أن صار إلى أمير المؤمنين ميراث الطاهرين من آبائه، وخصه بما حاز له من جزيل الفضل وحبائه، وحقق للدولة العباسية وعد النبي ﷺ إذ يقول لعمه العباس رضوان الله عليه «ألا أبشرك يا عم! بي ختمت النبوة وبولدك تختم الخلافة» وكقوله من عهد آخر: وأمره أن يضع الرصد على من يختار «١» في الحمالة من أباق العبيد، والاحتياط عليهم وعلى ما يكون معهم، إلى أن قال: وأن يعرفوا اللقط «٢» ويتبعوا أثرها، ويشيعوا خبرها، فإذا حضر صاحبها وعلم أنه مستوجبها، سلمت إليه، ولم يعترض فيها عليه. والله جل وعز يقول: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها «٣» . ورسول الله ﷺ يقول: «ضالة المؤمن حرق النار» «٤» إلى غير ذلك من الاستشهادات. وأما الاقتباسات فهو أن يضمن الكلام شيئا من الحديث ولا ينبه عليه. فمن ذلك ما ذكره الحريري في مقاماته من قوله: وكتمان الفقر زهاده وانتظار الفرج بالصبر عباده. وقوله: شاهت الوجوه، وقبح الهكع «٥» ومن يرجوه.

стр. 247

وقد أكثر الوزير ضياء الدين بن الأثير من هذا الباب. فمن ذلك قوله في دعاء كتاب: «أعاذ الله أيامه من الغير، وبين بخطر مجده نقص كل خطر. وجعل ذكره زادا لكل ركب، وأنسا لكل سمر. ومنحه من فضله ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» . أخذ ذلك من قوله ﷺ في وصف نعيم الجنة «فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» فنقله إلى الدعاء. ومن ذلك ما ذكره في النصر على العدو في مواطن القتال، وهو: «أخذنا بسنة رسول الله في النصر الذي نرجوه، ونبذنا في وجه العدو كفا من التراب وقلنا شاهت الوجوه، فثبت الله ما تزلزل من أقدامنا، وأقدم حيزوم فأغنى عن إقدامنا» . أخذ المعنى الأول من حديث غزوة حنين وأن النبي ﷺ أخذ قبضة من التراب وألقى بها في وجوه الكفار وقال: «شاهت الوجوه» وأخذ المعنى الثاني من حديث غزوة بدر: وذلك أن رجلا من المسلمين لاقى رجلا من المشركين وأراد أن يضربه فخر على الأرض ميتا قبل أن يصل إليه، وسمع الرجل المسلم صوتا من فوقه وهو يقول أقدم حيزوم فجاء النبي ﷺ فأخبره فقال: «ذلك من مدد السماء الثالثة» . ومن ذلك ما ذكره في ضيق مجال الحرب، وهو: «وضاق الضرب بين الفريقين حتى اتصلت مواقع البيض الذكور، وتصافحت الغرر بالغرر والصدور بالصدور. واستظل حينئذ بالسيوف لا شتباك مجالها وتبوئت مقاعد الجنة التي هي تحت ظلالها» . أخذ ذلك من قول النبي ﷺ «الجنة تحت ظلال السيوف» . ومن ذلك ما ذكره في وصف بعض البلاد الوخمة، وهو: «ومن صفاتها أنها مدرة «١» مستوبلة الطينة، مجموع لها بين حر مكة ولأواء «٢» المدينة. إلا

стр. 248

أنها لم يؤمن حرها من الخطفة «١» ، ولا نقلت حماها إلى الجحفة» «٢» . أخذ المعنى الأول من قوله ﷺ «من صبر على حر مكة ولأواء المدينة ضمنت له على الله الجنة» . والمعنى الثاني من قوله ﷺ في دعائه للمدينة: «اللهم حببها إلينا كما حببت إلينا مكة وانقل حماها إلى الجحفة» ورشح ذلك بمعنى قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ «٣» حيث قال إلا أنها لم يؤمن حرها من الخطفة. ومن ذلك ما ذكره في وصف كريم، وهو: «فأغنى بجوده إغناء المطر، وسما إلى المعالي سمو الشمس وسار في منازلها مسير القمر. ونتج من أبكار فضائله. ما إذا ادعاه غيره قيل للعاهر الحجر» . أخذ ذلك من قول النبي ﷺ «الولد للفراش وللعاهر الحجر» . إلى غير ذلك من مقتبساته المستكثرة، واستنباطاته التي هي غير قاصرة ولا مستنكرة. ومن ذلك ما ذكرته أنا في المفاخرة بين السيف والقلم، وهو: «وبدأ القلم فتكلم، ومضى في الكلام بصدق عزم فما توقف ولا تلعثم؛ فقال باسم الله تعالى أستفتح، وبحمده أتيمن وأستنجح؛ إذ من شأني الكتابة، ومن فني الخطابة، وكل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله تعالى، فهو أجذم، وكل كلام لا يفتتح بحمد الله فأساسه غير محكم» . أخذت ذلك من قوله ﷺ «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم الله أو بحمد الله فهو أجذم» على اختلاف الرواية في ذلك.

стр. 249

واعلم أنه كما يحتاج الكاتب إلى حفظ الأحاديث والآثار بطريق الذات للاستشهاد بها، والاقتباس من معانيها على ما تقدم بيانه، كذلك يحتاج إلى المعرفة بأنواع الحديث وأقسامها: كلصحيح والحسن، والمرسل، والمرفوع، والمسند، والمتصل، والمنقطع، ونحو ذلك. وكذلك المعرفة بأسماء الرجال، والمشاهير من المحدثين: كالبخاري، ومسلم، وأبي داود، والنسائي وغيرهم: ليورد ما يحتاج إليه من ذلك في غضون كلامه عند احتياجه إليه في كتابة ما يتعلق بذلك من توقيع محدّث ونحوه كما قال في «التعريف» في وصية لمحدث في قسم الوصايا من الكتاب «وقد أصبح بالسنة النبوية مضطلعا، وعلى ما جمعه طرق أهل الحديث مطلعا، وصح الصحيح أن حديثه الحسن، وأن المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كل ذي لسن. وأن مسنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقص منه طول الليالي. وأن مثله لا يوجد في نسبه المعرق. ولا يعرف مثله للحافظين: ابن عبد البر «١» بالمغرب وخطيب «٢» بغداد بالمشرق. وهو يعرف مقدار طلب الطالب فإنه طال ما شد له النطاق، وسعى له سعيه وتجشم المشاق. ورحل له يشتد به حرصه والمطايا مزمومه، وينبهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهمومه. ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها، وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به فروجها. فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرب، وليبسط للأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرب. وليسفر لهم صباح قصده عن النجاح وليفتق لهم من عقوده الصحاح، وليوضح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السير الحثيث، وليؤتهم مما وسع الله عليه فيه المجال، ويعلمهم ما يجب

стр. 250

تعليمه من المتون والرجال، ويبصرهم بمواقع الجرح والتعديل، والتوجيه والتعليل، والصحيح والمعتل الذي تتناثر أعضاؤه سقما كالعليل. وغير ذلك مما لرجال هذا الشأن به عناية وما ينقب فيه عن دراية أو يقنع فيه بمجرد رواية. ومثله ما يزاد حلما، ولا يعرف بمن رخص في حديث موضوع أو كتم علما» . وسيأتي ذكر هذه الوصية في موضعها إن شاء الله تعالى. وكما قال الشيخ جمال الدين بن نباتة «١» من جملة توقيع لبعض مدرسي الشام: «ولأنه الحافظ الذي أحيا ذكر ابن نقطة «٢» بعد ما دارت عليه الدوائر، وأغنى وحده دمشق عمن أتى في النسب بعساكر» . النوع الثامن الإكثار من حفظ خطب البلغاء، والتفنن في أساليب الخطباء، وفيه مقصدان المقصد الأول في وجه احتياج الكاتب إلى ذلك قال أبو جعفر النحاس: «وهي من آكد ما يحتاج إليه الكاتب، وذلك أن الخطب من مستودعات سر البلاغة، ومجامع الحكم، بها تفاخرت العرب في مشاهدهم وبها نطقت الخلفاء والأمراء على منابرهم، بها يتميز الكلام، وبها يخاطب الخاص والعام، وعلى منوال الخطابة نسجت الكتابة، وعلى طريق الخطباء. مشت الكتاب، وقد قال أبو هلال العسكري ﵀ في «الصناعتين» : والرسائل والخطب متشاكلتان في أنهما كلام لا يلحقه وزن ولا
следующие страницы →