← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

«حدثنا الخزاعيّ بمكة، عن أبي ميسرة، قال حدثنا محمد بن أبي فليح عن عيسى بن دوأب بن المتّاح، قال: سمعت مولاي أبا عبيدة يقول: لما استقامت الخلافة لأبي بكر ﵁ بين المهاجرين والأنصار، بعد فتنة كاد الشيطان بها. فدفع الله شرّها ويسرّ خيرها، بلغ أبا بكر عن عليّ تلكّؤ وشماس، وتهمّم ونفاس. فكره أن يتمادى الحال فتبدو العورة، وتشتعل الجمرة، وتتفرّق ذات البين؛ فدعاني بحضرته في خلوة، وكان عنده عمر بن الخطاب ﵁ وحده فقال: يا أبا عبيدة ما أيمن ناصيتك، وأبين الخير بين عينيك؛ وطالما أعزّ الله بك الإسلام وأصلح شأنه على يديك، ولقد كنت من رسول الله ﷺ بالمكان المحوط، والمحل المغبوط؛ ولقد قال فيك في يوم مشهود «لكلّ أمّة أمين وأمين هذه الأمّة أبو عبيدة» ولم تزل للدّين ملتجا، وللمؤمنين مرتجا؛ ولأهلك ركنا، ولإخوانك ردءا «١» . قد أردتك لأمر خطر مخوف، وإصلاحه من أعظم المعروف، ولئن لم يندمل جرحه بيسارك ورفقك، ولم تجب حيّته برقيتك، وقع اليأس، وأعضل البأس، واحتيج بعد ذلك إلى ما هو أمرّ منه وأعلق، وأعسر منه وأغلق؛ والله أسأل تمامه بك، ونظامه على يديك. فتأتّ «٢» له أبا عبيدة وتلطّف فيه، وانصح لله ولرسوله ﷺ ، ولهذه العصابة غير آل جهدا، ولا قال حمدا، والله كالؤك وناصرك، وهاديك ومبصّرك، إن شاء الله. امض إلى عليّ واخفض له جناحك، واغضض عنده صوتك، واعلم أنه سلالة أبي طالب، ومكانه ممن فقدناه بالأمس ﷺ مكانه، وقل له البحر مغرقة، والبر مفرقة، والجوّ أكلف «٣» ، والليل أغدف «٤» ، والسماء جلواء، والأرض صلعاء، والصّعود

стр. 282

متعذّر، والهبوط متعسّر، والحق عطوف رءوف، والباطل عنوف عسوف، والعجب قدّاحة الشر، والضّغن رائد البوار، والتعريض شجار الفتنة، والقحة ثقوب العداوة، وهذا الشيطان متّكىء على شماله، متحيّل بيمينه، نافخ خصييه «١» لأهله، ينتظر الشّتات والفرقة، ويدبّ بين الأمّة بالشحناء والعداوة، عنادا لله أوّلا، ولآدم ثانيا، ولنبيّه ﵌ ودينه ثالثا، يوسوس بالفجور، ويدلي بالغرور، ويمنّي أهل الشّرور. يوحي إلى أوليائه زخرف القول غرورا بالباطل، دأبا له منذ كان على عهد أبينا آدم ﵌، وعادة له منذ أهانه الله تعالى في سالف الدهر لا منجى منه إلا بعضّ الناجذ على الحق، وغضّ الطرف عن الباطل، ووطء هامة عدوّ الله بالأشدّ فالأشدّ، والآكد فالآكد، وإسلام النفس لله في ابتغاء رضاه. ولا بدّ الآن من قول ينفع إذا ضرّ السّكوت وخيف غبّه؛ ولقد أرشدك من أفاء ضالّتك، وصافاك من أحيا مودّته بعتابك، وأراد لك الخير من آثر البقاء معك؛ ما هذا الذي تسوّل لك نفسك، ويدوي به قلبك، ويلتوي عليه رأيك، ويتخاوص «٢» دونه طرفك، ويسري فيه ظعنك، ويترادّ معه نفسك، وتكثر عنده صعداؤك، ولا يفيض به لسانك. أعجمة بعد إفصاح؟ أتلبيس بعد إيضاح؟ أدين غير دين الله؟ أخلق غير خلق القرآن؟ أهدي غير هدي النبي ﵌، أمثلي «تمشي له الضّراء وتدبّ له الخمر» «٣» ، أم مثلك ينقبض عليه الفضاء، ويكسف في عينه القمر؛ ما هذه القعقعة بالشّنان؟ وما هذه الوعوعة باللسان؟ إنك والله جدّ عارف باستجابتنا لله ولرسوله ﵌، وبخروجنا عن أوطاننا وأموالنا وأولادنا وأحبتنا، هجرة إلى الله ، ونصرة لدينه في زمان أنت فيه في كنّ الصبا، وخدر الغرارة، وعنفوان

стр. 283

الشّبيبة، غافل عما يشيب ويريب، لا تعي ما يراد ويشاد، ولا تحصّل ما يساق ويقاد، سوى ما أنت جار عليه إلى غايتك التي إليها عدل بك، وعندها حطّ رحلك، غير مجهول القدر ولا مجحود الفضل؛ ونحن في أثناء ذلك نعاني أحوالا تزيل الرّواسي، ونقاسي أهوالا تشيب النواصي، خائضين غمارها، راكبين تيّارها، نتجرّع صابها، ونشرج عيابها «١» ، ونحكم آساسها، ونبرم أمراسها، والعيون تحدّج بالحسد، والأنوف تعطّس بالكبر، والصّدور تستعر بالغيظ، والأعناق تتطاول بالفخر، والشّفار تشحذ بالمكر، والأرض تميد بالخوف، لا ننتظر عند المساء صباحا، ولا عند الصّباح مساء، ولا ندفع في نحر امرىء إلا بعد أن نحسو الموت دونه، ولا نبلغ مرادا إلا بعد الإياس من الحياة عنده، فادين في جميع ذلك رسول الله ﵌ بالأب والأم، والخال والعم، والمال والنّشب «٢» ، والسّبد واللّبد «٣» ، والهلّة والبلّة «٤» ، بطيب أنفس، وقرّة أعين، ورحب أعطان «٥» ، وثبات عزائم، وصحة عقول، وطلاقة أوجه، وذلاقة ألسن؛ هذا مع خفيّات أسرار، ومكنونات أخبار، كنت عنها غافلا، ولولا سنّك لم تكن عن شيء منها ناكلا، كيف وفؤادك مشهوم «٦» ؟ وعودك معجوم. والآن قد بلغ الله بك وأنهض الخير لك، وجعل مرادك بين يديك، وعن علم أقول ما تسمع؛ فارتقب زمانك، وقلّص أردانك، ودع التقعّس والتجسّس لمن لا يظلع لك إذا خطا «٧» ، ولا يتزحزح عنك إذا عطا؛ فالأمر غض، والنفوس

стр. 284

فيها مضّ، وإنك أديم هذه الأمّة فلا تحلم لجاجا، وسيفها العضب، فلا تنب اعوجاجا، وماؤها العذب، فلا تحل أجاجا. والله لقد سألت رسول الله ﵌ عن هذا الأمر، فقال لي يا أبا بكر هو لمن يرغب عنه لا لمن يجاحش عليه، ولمن يتضاءل عنه لا لمن يتنفّج إليه؛ هو لمن يقال هو لك لا لمن يقول هو لي. ولقد شاورني رسول الله ﵌ في الصّهر، فذكر فتيانا من قريش فقلت أين أنت من عليّ، فقال ﵌: إني أكره لفاطمة ميعة شبابه وحداثة سنّه. فقلت له: متى كنفته يدك ورعته عينك، حفّت بهما البركة، وأسبغت عليهما النّعمة؛ مع كلام كثير خاطبته به رغبة فيك، وما كنت عرفت منك في ذلك لا حوجاء ولا لوجاء «١» ، فقلت ما قلت وأنا أرى مكان غيرك، وأجد رائحة سواك، وكنت إذ ذاك خيرا لك منك الآن لي؛ ولئن كان عرّض بك رسول الله ﵌ في هذا الأمر، فلم يكن معرضا عن غيرك، وإن كان قال فيك فما سكت عن سواك وإن تلجلج في نفسك شيء، فهلمّ فالحكم مرضيّ، والصواب مسموع، والحقّ مطاع. ولقد نقل رسول الله ﵌ إلى الله ، وهو عن هذه العصابة راض وعليها حذر: يسرّه ما سرّها، ويسوءه ما ساءها، ويكيده ما كادها، ويرضيه ما أرضاها، ويسخطه ما أسخطها. أما تعلم أنه لم يدع أحدا من أصحابه، وأقاربه، وسجرائه «٢» ، إلا أبانه بفضيلة، وخصّه بمزية، وأفرده بحالة. أتظنّ أنه ﵌ ترك الأمّة سدى بددا، عباهل «٣» ، مباهل، طلاحى «٤» مفتونة بالباطل، مغبونة عن الحق، لا رائد ولا ذائد، ولا ضابط ولا حائط، ولا ساقي ولا واقي، ولا هادي ولا حادي كلا! والله ما اشتاق إلى ربه تعالى، ولا سأله المصير إلى رضوانه وقربه، إلا بعد أن ضرب المدى، وأوضح الهدى،

стр. 285

وأبان الصّوى «١» ، وأمّن المسالك والمطارح، وسهّل المبارك والمهايع، وإلا بعد أن شدخ يافوخ الشرك بإذن الله، وشرم وجه النفاق لوجه الله سبحانه، وجدع أنف الفتنة في ذات الله، وتفل في عين الشيطان بعون الله، وصدع بملء فيه ويده بأمر الله . وبعد، فهذه المهاجرون والأنصار عندك ومعك في بقعة واحدة، ودار جامعة، وإن استقالوني لك، وأشاروا عندي بك، فأنا واضع يدي في يدك، وصائر إلى رأيهم فيك. وإن تكن الأخرى فادخل فيما دخل فيه المسلمون، وكن العون على مصالحهم، والفاتح لمغالقهم، والمرشد لضالّتهم، والرادع لغوايتهم. فقد أمر الله تعالى بالتعاون على البر والتقوى، والتناصر على الحق. ودعنا نقضي هذه الحياة الدنيا بصدور بريئة من الغلّ، ونلقى الله تعالى بقلوب سليمة من الضّغن. وبعد فالناس ثمامة فارفق بهم، واحن عليهم ولن لهم، ولا تشق نفسك بنا خاصّة فيهم، واترك ناجم الحقد حصيدا، وطائر الشرّ واقعا، وباب الفتنة مغلقا، فلا قال ولا قيل ولا لوم ولا تبيع والله على ما نقول شهيد، وبما نحن عليه بصير. قال أبو عبيدة: فلما تأهّبت للنهوض، قال عمر ﵁: كن لدى الباب هنيهة فلي معك دور من القول، فوقفت وما أدري ما كان بعدي، إلا أنه لحقني بوجه يندى تهللا، وقال لي: قل لعليّ الرّقاد محلمة، والهوى مقحمة، وما منا إلّا له مقام معلوم، وحقّ مشاع أو مقسوم، ونبأ ظاهر أو مكتوم، وإن أكيس الكيس من منح الشارد تألّفا، وقارب البعيد تلطّفا، ووزن كلّ شيء بميزانه، ولم يخلط خبره بعيانه، ولم يجعل فتره مكان شبره، دينا كان أو دنيا، ضلالا كان أو هدى. ولا خير في علم مستعمل في جهل، ولا خير في معرفة

стр. 286

مشوبة بنكر. ولسنا كجلدة رفغ «١» البعير بين العجان «٢» والذنب، وكل صال فبناره، وكل سيل إلى قراره. وما كان سكوت هذه العصابة إلى هذه الغاية لعيّ وشيّ، ولا كلامها اليوم لفرق أو رفق. وقد جدع الله بمحمد ﷺ أنف كلّ ذي كبر، وقصم ظهر كل جبّار، وقطع لسان كل كذوب، فماذا بعد الحقّ إلّا الضّلال. ما هذه الخنزوانة «٣» التي في فراش رأسك؟ ما هذا الشّجا المعترض في مداج أنفاسك؟ ما هذه القذاة التي تغشّت ناظرك؟ وما هذه الوحرة «٤» التي أكلت شراسيفك «٥» ؟ وما هذا الذي لبست بسببه جلد النّمر، واشتملت عليه بالشحناء والنّكر، ولسنا في كسرويّة كسرى، ولا في قيصريّة قيصر! تأمل لإخوان فارس وأبناء الأصفر! قد جعلهم الله جزرا لسيوفنا، ودريئة لرماحنا، ومرمى لطعاننا، وتبعا لسلطاننا؛ بل نحن في نور نبوّة، وضياء رسالة، وثمرة حكمة، وأثرة رحمة، وعنوان نعمة، وظل عصمة، بين أمّة مهديّة بالحق والصدق، مأمونة على الرّتق والفتق، لها من الله قلب أبيّ، وساعد قويّ، ويد ناصرة، وعين باصرة. أتظن ظنّا يا عليّ أن أبا بكر وثب على هذا الأمر مفتاتا على الأمة خادعا لها، أو متسلطا عليها؟ أتراه حلّ عقودها وأحال عقولها؟ أتراه جعل نهارها ليلا، ووزنها كيلا، ويقظتها رقادا، وصلاحها فسادا؛ لا والله سلا عنها فولهت له، وتطامن لها فلصقت به، ومال عنها فمالت إليه، واشمأزّ دونها فاشتملت عليه، حبوة حباه الله بها، وعاقبة بلّغه الله إليها، ونعمة سربله جمالها، ويد أوجب الله عليه شكرها، وأمّة نظر الله به إليها. والله أعلم بخلقه، وأرأف بعباده، يختار ما كان لهم الخيرة. وإنك بحيث لا يجهل موضعك من بيت النبوّة، ومعدن الرسالة، ولا يجحد

стр. 287

حقّك فيما آتاك الله، ولكن لك من يزاحمك بمنكب أضخم من منكبك، وقرب أمسّ من قرابتك، وسنّ أعلى من سنك، وشبيبة أروع من شبيبتك، وسيادة لها أصل في الجاهلية، وفرع في الإسلام، ومواقف ليس لك فيها جمل ولا ناقة، ولا تذكر منها في مقدّمة ولا ساقة، ولا تضرب فيها بذراع ولا إصبع، ولا تخرج منها ببازل ولا هبع «١» . ولم يزل أبو بكر حبّة قلب رسول الله ﵌، وعلاقة نفسه، وعيبة سره، ومفزع رأيه ومشورته، وراحة كفه، ومرمق طرفه. وذلك كله بمحضر الصادر والوارد من المهاجرين والأنصار، شهرته مغنية عن الدليل عليه. ولعمري إنك أقرب إلى رسول الله ﵌ قرابة، ولكنه أقرب منك قربة، والقرابة لحم ودم، والقربة نفس وروح. وهذا فرق عرفه المؤمنون ولذلك صاروا إليه أجمعون، ومهما شككت في ذلك، فلا تشكّ أن يد الله مع الجماعة، ورضوانه لأهل الطاعة، فادخل فيما هو خير لك اليوم، وأنفع لك غدا، والفظ من فيك ما يعلق بلهاتك، وانفث سخيمة صدرك عن تقاتك، فإن يك في الأمد طول، وفي الأجل فسحة، فستأكله مريئا أو غير مريء، وستشربه هنيئا أو غير هنيء، حين لا رادّ لقولك إلا من كان آيسا منك، ولا تابع لك إلا من كان طامعا فيك يمضّ إهابك، ويعرك أديمك، ويزري على هديك. هنالك تقرع السنّ من ندم، وتجرع الماء ممزوجا بدم، وحينئذ تأسى على ما مضى من عمرك، ودارج قوّتك، فتودّ أن لو سقيت بالكأس التي أبيتها، ورددت إلى حالتك التي استغويتها، ولله تعالى فينا وفيك أمر هو بالغه، وغيب هو شاهده، وعاقبة هو المرجوّ لسرّائها وضرّائها، وهو الوليّ الحميد، الغفور الودود. قال أبو عبيدة، فتمشيت متزملا أنوء كأنما أخطو على رأسي، فرقا من الفرقة، وشفقا على الأمّة، حتّى وصلت إلى عليّ ﵁ في خلاء،

стр. 288

فابتثثته بثّي كله، وبرئت إليه منه، ورفقت به. فلما سمعها ووعاها، وسرت في مفاصله حميّاها، قال: «حلّت معلوّطه «١» ، وولّت مخروّطه» » ، وأنشأ يقول: إحدى لياليك فهيسي هيسي «٣» ... لا تنعمي اللّيلة بالتّعريس نعم يا أبا عبيدة أكلّ هذا في نفس القوم، ويحسّون به، ويضطبعون «٤» عليه؟ قال أبو عبيدة: فقلت لا جواب لك عندي إنما أنا قاض حقّ الدّين، وراتق فتق المسلمين، وسادّ ثلمة الأمّة. يعلم الله ذلك من جلّجلان قلبي، وقرارة نفسي. فقال عليّ ﵁: والله ما كان قعودي في كنّ هذا البيت قصدا للخلاف، ولا إنكارا للمعروف، ولا زراية على مسلم؛ بل لما قد وقذني «٥» به رسول الله ﵌ من فراقه، وأودعني من الحزن لفقده. وذلك أنني لم أشهد بعده مشهدا إلا جدّد عليّ حزنا، وذكّرني شجنا. وإن الشوق إلى اللّحاق به كاف عن الطمع في غيره. وقد عكفت على عهد الله أنظر فيه، وأجمع ما تفرّق، رجاء ثواب معدّ لمن أخلص لله عمله، وسلّم لعلمه ومشيئته، وأمره ونهيه. على أني ما علمت أن التظاهر عليّ واقع، ولا عن الحق الذي سبق إليّ دافع؛ وإذ قد أفعم الوادي بي، وحشد النادي من أجلي، فلا مرحبا بما أساء أحدا من المسلمين وسرّني. وفي النفس كلام لولا سابق عقد، وسالف

стр. 289

عهد، لشفيت غيظي بخنصري وبنصري، وخضت لجّته بأخمصي ومفرقي، ولكنني ملجم إلى أن ألقى الله ربي، وعنده أحتسب ما نزل بي. وإني غاد إلى جماعتكم، مبايع صاحبكم، صابر على ما ساءني وسرّكم لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا* «١» . قال أبو عبيدة: فعدت إلى أبي بكر ﵁ فقصصت عليه القول على غرّه «٢» ، ولم أختزل شيئا من حلوه ومرّه، وبكّرت غدوة إلى المسجد، فلما كان صباح يومئذ وإذا عليّ مخترق الجماعة إلى أبي بكر ﵄، فبايعه، وقال خيرا، ووصف جميلا، وجلس زميتا «٣» ، واستأذن للقيام فمضى وتبعه عمر مكرما له، مستأثرا لما عنده. فقال عليّ ﵁: ما قعدت عن صاحبكم كارها، ولا أتيته فرقا، ولا أقول ما أقول تعلة. ولئنّي لأعرف منتهى طرفي ومحطّ قدمي ومنزع قوسي، وموقع سهمي؛ ولكن قد أزمت «٤» على فأسي ثقة بربي في الدنيا والآخرة. فقال له عمر ﵁: كفكف غربك «٥» ، واستوقف سربك، ودع العصيّ بلحائها، والدّلاء على رشائها. فإنا من خلفها وورائها، إن قدحنا أورينا، وإن متحنا أروينا، وإن قرحنا أدمينا، ولقد سمعت أماثيلك التي لغزت بها عن صدر أكل بالجوى، ولو شئت لقلت على مقالتك ما إن سمعته ندمت على ما قلت. وزعمت أنك قعدت في كنّ بيتك لما وقذك به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم

стр. 290

من فقده، فهو وقذك ولم يقذ غيرك؟ بل مصابه أعظم وأعمّ من ذلك، وإنّ من حق مصابه أن لا تصدع شمل الجماعة بفرقة لا عصام لها، ولا يؤمن كيد الشيطان في بقائها. هذه العرب حولنا، والله لو تداعت علينا في صبح نهار لم نلتق في مسائه. وزعمت أن الشوق إلى اللّحاق به كاف عن الطمع في غيره! فمن علامة الشوق إليه نصرة دينه. وموازرة أوليائه، ومعاونتهم. وزعمت أنك عكفت على عهد الله تجمع ما تفرق منه؛ فمن العكوف على عهد الله النصيحة لعباد الله، والرأفة على خلق الله، وبذل ما يصلحون به، ويرشدون عليه. وزعمت أنك لم تعلم أن التظاهر واقع عليك وأيّ حق لطّ «١» دونك. قد سمعت وعلمت ما قال الأنصار بالأمس سرّا وجهرا، وتقلبت عليه بطنا وظهرا، فهل ذكرت أو أشارت بك أو وجدت رضاهم عنك؟ هل قال أحد منهم بلسانه إنك تصلح لهذا الأمر؟ أو أومأ بعينه أو همّ في نفسه؟ أتظن أن الناس ضلّوا من اجلك، وعادوا كفّارا زهدا فيك، وباعوا الله تحاملا عليك؟. لا والله! لقد جاءني عقيل بن زياد الخزرجيّ في نفر من أصحابه ومعهم شرحبيل بن يعقوب الخزرجيّ وقالوا: إن عليّا ينتظر الإمامة، ويزعم أنه أولى بها من غيره، وينكر على من يعقد الخلافة، فأنكرت عليهم، ورددت القول في نحرهم حيث قالوا: إنه ينتظر الوحي ويتوكّف مناجاة الملك. فقلت ذاك أمر طواه الله بعد نبيه محمد ﵌، أكان الأمر معقودا بأنشوطه، أو مشدودا بأطراف ليطه «٢» ؟ كلا! والله لا عجماء بحمد الله إلا أفصحت، ولا شوكاء إلا وقد تفتّحت. ومن أعجب شأنك قولك: ولولا سالف عهد وسابق عقد، لشفيت غيظي؛ وهل ترك الدين لأهله أن يشفوا غيظهم بيد أو بلسان؟ تلك جاهليّة وقد استأصل الله شأفتها واقتلع جرثومتها، وهوّر ليلها، وغوّر سيلها، وأبدل منها الرّوح والرّيحان، والهدى والبرهان. وزعمت أنك ملجم؛ ولعمري إن من اتقى الله،

стр. 291

وآثر رضاه، وطلب ما عنده، أمسك لسانه وأطبق فاه، وجعل سعيه لما وراه. فقال علي ﵁: مهلا يا أبا حفص والله ما بذلت ما بذلت وأنا أريد نكثه، ولا أقررت ما أقررت وأنا أبتغي حولا عنه. وإن أخسر الناس صفقة عند الله من آثر النفاق، واحتضن الشّقاق وفي الله سلوة عن كل حادث، وعليه التوكّل في جمع الحوادث. ارجع يا أبا حفص إلى مجلسك ناقع القلب، مبرود الغليل، فسيح اللّبان «١» ، فصيح اللّسان، فليس وراء ما سمعت وقلت إلا ما يشدّ الأزر، ويحط الوزر، ويضع الإصر، ويجمع الألفة بمشيئة الله وحسن توفيقه. قال أبو عبيدة ﵁: فانصرف عليّ وعمر ﵄. وهذا أصعب ما مرّ عليّ بعد رسول الله ﵌. ومن ذلك كلام عائشة ﵂ في الانتصار لأبيها. يروى أنه بلغ عائشة ﵂ أن أقواما يتناولون أبا بكر ﵁ فأرسلت إلى أزفلة «٢» من الناس فلما حضروا، أسدلت أستارها، وعلت وسادها. ثم قالت: أبي، وما أبيّه! أبي والله لا تعطوه «٣» الأيدي، ذاك طود منيف، وفرع مديد، هيهات كذبت الظّنون، أنجح إذ أكديتم «٤» ، وسبق إذ ونيتم سبق الجواد إذا استولى على الأمد؛ فتى قريش ناشئا، وكهفها كهلا، يفك عانيها ويريش مملقها، ويرأب شعبها، ويلم شعثها حتّى حليته قلوبها، ثم استشرى في دين الله فما برحت شكيمته في ذات الله حتّى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون؛ وكان ﵀ غزير الدّمعة، وقيذ الجوانح، شجيّ النّشيج، فانقضّت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه

стр. 292

ويستهزئون به اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ «١» فأكبرت ذلك رجالات من قريش فحنت قسيّها وفوّقت سهامها وانتثلوه غرضا «٢» ، فما فلّوا له صفاه «٣» ، ولا قصفوا له قناة، ومرّ على سيسائه «٤» حتّى إذا ضرب الدّين بجرانه «٥» ، ورست أوتاده، ودخل الناس فيه أفواجا، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا، اختار الله لنبيّه ما عنده؛ فلما قبض الله نبيّه ﵌ ضرب الشّيطان رواقه، ومدّ طنبه، ونصب حبائله، وأجلب بخيله ورجله، واضطرب حبل الإسلام، ومرج عهده وماج أهله، وبغي الغوائل، وظنّت رجال أن قد أكثبت أطماعهم نهزها «٦» ولات حين الذين يرجون، وأنّى والصدّيق بين أظهرهم. فقام حاسرا مشمّرا، فجمع حاشيتيه ورفع قطريه، فردّ رسن الإسلام على غربه، ولمّ شعثه بطبّه، وانتاش الدين فنعشه، فلما أراح الحقّ على أهله، وقرّر الرؤوس على كواهلها، وحقن الدماء في أهبها، أتته منيته، فسدّ ثلمته بنظيره في الرحمة، وشقيقه في السّيرة والمعدلة. ذاك ابن الخطاب لله درّ أمّ حملت به ودرّت عليه! لقد أوجدت به، ففنّخ الكفرة ودبّخها «٧» ، وشرّد الشّرك شذر مذر، وبعج الأرض وبخعها فقاءت أكلها، ولفظت خبأها «٨» ، ترأمه ويصدف عنها، وتصدّى له ويأباها. ثم وزّع فيها فيأها وودّعها كما صحبها.

стр. 293

فأروني ماذا ترتؤون وأيّ يومي أبي تنقمون: أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظعنه إذ نظر لكم؟ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. ثم أقبلت على الناس بوجهها فقالت أنشدكم الله هل أنكرتم مما قلت شيئا؟ قالوا اللهم لا. ومن ذلك كلام أمّ الخير بنت الحريش البارقّية يوم صفّين في الانتصار لعليّ ﵁. يروى أن معاوية كتب إلى واليه بالكوفة أن يحمل إليه أمّ الخير بنت الحريش البارقية برحلها، وأعلمه أنه مجازيه بقولها فيه بالخير خيرا وبالشرّ شرّا؛ فلما ورد عليه كتابه، وركب إليها فأقرأها الكتاب، فقالت: أما أنا فغير زائغة عن طاعة ولا معتلة بكذب! ولقد كنت أحبّ لقاء أمير المؤمنين لأمور تختلج في صدري. فلما شيعها وأراد مفارقتها قال لها: يا أمّ الخير، إن أمير المؤمنين كتب إليّ أنه يجازيني بقولك فيّ بالخير خيرا وبالشر شرّا؛ فما عندك؟ قالت: يا هذا لا يطمعنّك برّك بي أن أسرّك بباطل، ولا تؤيسك معرفتي بك أن أقول فيك غير الحق. فسارت خير مسير حتّى قدمت على معاوية فأنزلها مع حريمه، ثم أدخلها عليه في اليوم الرابع، وعنده جلساؤه فقالت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته. قال لها وعليك السلام يا أمّ الخير، وبالرغم منك دعوتيني بهذا الاسم. قالت مه يا أمير المؤمنين! فإن بديهة السلطان مدحضة لما يجب علمه لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ «١» . قال صدقت. فكيف حالك يا خالة؟ وكيف كنت في مسيرك؟. قالت لم أزل في عافية وسلامة حتّى صرت إليك فأنا في مجلس أنيق، عند ملك رفيق- قال معاوية: بحسن نيتي ظفرت بكم- قالت يا أمير المؤمنين أعيذك بالله من دحض المقال وما تردي عاقبته! قال ليس هذا أردنا. أخبريني كيف كان كلامك يوم قتل عمّار بن ياسر؟ قالت لم أكن والله زوّرته قبل ولا روّيته بعد. وإنما كانت كلمات نفثهن لساني حين الصّدمة فإن شئت أن أحدث لك مقالا

стр. 294

غير ذلك فعلت- قال لا أشاء ذلك. ثم التفت إلى أصحابه فقال أيكم يحفظ كلام أمّ الخير؟ فقال رجل من القوم أنا أحفظه يا أمير المؤمنين كحفظي سورة الحمد- قال هاته- قال: نعم كأني بها يا أمير المؤمنين في ذلك اليوم عليها برد زبيديّ كثيف الحاشية، وهي على جمل أرمك «١» وقد أحيط حولها، وبيدها سوط منتشر الظفر «٢» وهي كالفحل يهدر في شقشقته تقول: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ «٣» . إن الله قد أوضح الحقّ، وأبان الدليل، ونوّر السبيل، ورفع العلم، فلم يدعكم في عمياء مبهمة، ولا سوداء مدلهمّة فإلى أين تريدون رحمكم الله. أفرارا عن أمير المؤمنين، أم فرارا من الزّحف، أم رغبة عن الإسلام، أم ارتدادا عن الحق. أما سمعتم الله يقول: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «٤» . ثم رفعت رأسها إلى السماء وهي تقول: قد عيل الصبر، وضعف اليقين، وانتشرت الرّغبة، وبيدك يا رب أزمّة القلوب فاجمع الكلمة على التقوى، وألّف القلوب على الهدى، هلمّوا رحمكم الله إلى الإمام العادل، والوصيّ الوفيّ، والصدّيق الأكبر! إنها إحن بدريّة، وأحقاد جاهلية، وضغائن أحدية، وثب بها معاوية حين الغفلة ليدرك بها ثارات بني عبد شمس. ثم قالت فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ «٥» . صبرا معشر المهاجرين والأنصار، قاتلوا على بصيرة من ربكم، وثبات من

стр. 295

دينكم، وكأني بكم غدا قد لقيتم أهل الشأم كحمر مستنفرة، فرّت من قسورة «١» . لا تدري أين يسلك بها من فجاج الأرض، باعوا الآخرة بالدنيا، واشتروا الضلالة بالهدى، وباعوا البصيرة بالعمى وعمّا قليل ليصبحنّ نادمين، حين تحلّ بهم الندامة فيطلبون الإقالة! إنه والله من ضلّ عن الحق وقع في الباطل، ومن لم يسكن الجنة نزل في النار. أيها الناس إن الأكياس استقصروا عمر الدنيا فرفضوها واستبطأوا مدّة الآخرة فسعوا لها. والله أيها الناس لولا أن تبطّل الحقوق، وتعطّل الحدود، ويظهر الظالمون، وتقوى كلمة الشيطان، لما اخترنا ورود المنايا على خفض العيش وطيبه؛ فإلى أين تريدون رحمكم الله عن ابن عمّ رسول الله ﵌ وزوج ابنته وأبي ابنيه؟ خلق من طينته، وتفرّع عن نبعته، وخصّه بسرّه، وجعله باب مدينته، وأعلم بحبه المسلمين، وأبان ببغضه المنافقين. فلم يزل كذلك يؤيده الله بمعونته ويمضي على سنن استقامته؛ لا يعرّج لراحة اللذّات؛ وهو مفلّق الهام، ومكسّر الأصنام إذ صلّى والناس مشركون، وأطاع والناس مرتابون. فلم يزل كذلك حتّى قتل مبارزي بدر، وأفنى أهل أحد، وفرّق جمع هوازن؛ فيالها وقائع! زرعت في قلوب قوم نفاقا، وردّة وشقاقا، وقد اجتهدت في القول، وبالغت في النصحية وبالله التوفيق والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فقال معاوية: والله يا أم الخير ما أردت بهذا إلا قتلي! والله لو قتلتك ما حرجت في ذلك. قالت: والله ما يسوءني يا بن هند أن يجري الله ذلك على يدي من يسعدني الله بشقائه- قال هيهات يا كثيرة الفضول، ما تقولين في عثمان بن عفان؟ - قالت وما عسيت أن أقول فيه: استخلفه الناس وهم كارهون، وقتلوه وهم راضون- فقال إيها يا أم الخير هذا والله أصلك الذي تبنين عليه- قالت

стр. 296

لكن الله يشهد وكفى بالله شهيدا ما أردت بعثمان نقصا، ولقد كان سبّاقا إلى الخيرات، وإنه لرفيع الدرجة- قال فما تقولين في طلحة بن عبيد الله؟ - قالت وما عسى أن أقول في طلحة! أغتيل من مأمنه، وأتي من حيث لم يحذر، وقد وعده رسول الله ﵌ الجنة- قال فما تقولين في الزبير؟ قالت يا هذا لا تدعني كرجيع الضّبع يعرك في المركن- قال حقّا لتقولنّ ذلك وقد عزمت عليك- قالت وما عسيت أن أقول في الزبير ابن عمة رسول الله ﵌ وحواريّه، وقد شهد له رسول الله ﵌ بالجنة، ولقد كان سبّاقا إلى كل مكرمة في الإسلام. وإني أسألك بحق الله يا معاوية فإن قريشا تحدّث أنك من أحلمها أن تسعني بفضل حلمك، وأن تعفيني من هذه المسائل، وامض لما شئت من غيرها- قال نعم وكرامة قد أعفيتك؛ وردّها مكرمة إلى بلدها. ونحو ذلك كلام الزرقاء بنت عديّ بن قيس الهمدانيّة يوم صفّين أيضا. يروى أنها ذكرت عند معاوية يوما، فقال لجلسائه أيكم يحفظ كلامها؟ - قال بعضهم نحن نحفظه يا أمير المؤمنين- قال فأشيروا عليّ في أمرها فأشار بعضهم بقتلها- فقال بئس الرأي! أيحسن بمثلي أن يقتل أمرأة؟. ثم كتب إلى عامله بالكوفة أن يوفدها إليه مع ثقة من ذوي محرمها وعدّة من فرسان قومها، وأن يمهّد لها وطاء ليّنا، ويسترها بستر خصيف، ويوسع لها في النفقة. فلما دخلت على معاوية قال مرحبا بك وأهلا! قدمت خير مقدم قدمه وافد، كيف حالك؟ - قالت بخير يا أمير المؤمنين أدام الله لك النعمة! - قال كيف كنت في مسيرك؟ قالت ربيبة بيت أو طفلا ممهّدا- قال بذلك أمرناهم. أتدرين فيم بعثت إليك؟ - قالت وأنّى لي بعلم ما لم أعلم؟ وما يعلم الغيب إلا الله قال ألست الراكبة الجمل الأحمر، والواقفة بين الصفّين بصفّين تحضّين الناس على القتال، وتوقدين الحرب؟ فما حملك على ذلك؟ - قالت يا أمير المؤمنين مات الرأس، وبتر الذّنب، ولن يعود ما ذهب، والدهر ذو غير، ومن تفكر أبصر، والأمر يحدث بعده الأمر- قال لها معاوية أتحفظين كلامك يومئذ؟ - قالت: لا والله ولقد أنسيته- قال لكني أحفظه لله أبوك حين تقولين:

стр. 297

أيها الناس ارعووا وارجعوا! إنكم أصبحتم في فتنة غشّتكم جلابيب الظّلم، وجارت بكم عن قصد المحجّة. فيا لها فتنة عمياء، صماء، بكماء لا تسمع لناعقها، ولا تسلس لقائدها. إن المصباح لا يضيء في الشمس، والكواكب لا تنير مع القمر، ولا يقطع الحديد إلا الحديد. ألا من استرشد أرشدناه، ومن سألنا أخبرناه. أيها الناس إن الحق كان يطلب ضالته فأصابها، فصبرا يا معاشر المهاجرين والأنصار على الغصص؛ فكأن قد اندمل شعب الشّتات، والتأمت كلمة التقوى، ودمغ الحقّ باطله! فلا يجهلنّ أحد فيقول كيف العدل وأنّى: ليقضي الله أمرا كان مفعولا. ألا وإن خضاب النساء الحنّاء، وخضاب الرجال الدّماء! ولهذا اليوم ما بعده، والصبر خير في عواقب الأمور. إيها لحرب قدما غير ناكصين، ولا متشاكسين. ثم قال لها يا زرقاء لقد شركت عليّا في كل دم سفكه- قالت أحسن الله بشارتك، وأدام سلامتك؛ فمثلك من بشّر بخير وسر جليسه- قال ويسرك ذلك؟ - قالت: نعم سررت بالخبر فأنّى لي بتصديق الفعل؟ فضحك معاوية وقال: لوفاؤكم له بعد موته أعجب عندي من حبّكم له في حياته! اذكري حاجتك. قالت يا أمير المؤمنين آليت على نفسي أن لا أسأل أميرا أعنت عليه أبدا، ومثلك من أعطى من غير مسألة، وجاد من غير طلبة- قال صدقت، وأمر لها وللذين جاءوا معها بجوائز وكسا. وقريب من ذلك كلام عكرشة بنت الأطرش يوم صفّين أيضا. يروى أنها دخلت على معاوية متوكّئة على عكّاز لها فسلمت عليه بالخلافة، ثم جلست- فقال لها معاوية: الآن صرت عندك أمير المؤمنين؟ قالت: نعم إذ لا عليّ حيّ! - قال ألست المتقلدة حمائل السيف بصفّين؟ وأنت واقفة بين الصّفّين تقولين: أيها الناس! عليكم أنفسكم لا يضرّكم من ضلّ إذا اهتديتم. إن الجنة لا يحزن من قطنها، ولا يهرم من سكنها، ولا

стр. 298

يموت من دخلها؛ فابتاعوها بدار لا يدوم نعيمها، ولا تنصرم همومها، وكونوا قوما مستبصرين في دينهم مستظهرين على حقهم؛ إن معاوية دلف إليكم بعجم العرب، لا يفقهون الإيمان، ولا يدرون ما الحكمة. دعاهم إلى الباطل فأجابوه، واستدعاهم إلى الدنيا فلبّوه فالله الله عباد الله في دين الله! وإياكم والتواكل فإن ذلك ينقض عرى الإسلام، ويطفىء نور الحق. هذه بدر الصغرى، والعقبة الأخرى؛ يا معشر المهاجرين والأنصار امضوا على بصيرتكم، واصبروا على عزيمتكم. فكأنّي بكم غدا وقد لقيتم أهل الشام كالحمر الناهقة تقصع قصع البعير «١» . ثم قال: فكأني أراك على عصاك هذه قد انكفأ عليك العسكران يقولون هذه عكرشة بنت الأطرش فإن كدت لتفلّين أهل الشام لولا قدر الله وكان أمر الله قدرا مقدورا؛ فما حملك على ذلك؟ - قالت يا أمير المؤمنين يقول الله جل ذكره يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ «٢» الآية، وإن اللبيب إذا كره أمرا لا يحب إعادته- قال صدقت فاذكري حاجتك- قالت كانت صدقاتنا تؤخذ من أغنيائنا فتردّ على فقرائنا وقد فقدنا ذلك، فما يجبر لنا كسير، ولا ينعش لنا فقير. فإن كان عن رأيك فمثلك من انتبه من الغفلة وراجع التوبة، وإن كان عن غير رأيك فما مثلك من استعان بالخونة ولا استعمل الظّلمة- قال معاوية: يا هذه؛ إنه ينوبنا من أمور رعيتنا ثغور تتفتّق، وبحور تتدفق.- قالت سبحان الله! والله ما فرض الله لنا حقّا فجعل فيه ضرارا لغيرنا وهو علّام الغيوب- قال معاوية هيهات يا أهل العراق نبّهكم عليّ فلن تطاقوا. ثم أمر بردّ صدقاتهم فيهم وإنصافهم. والشاهد في هذه الحكايات كلام هؤلاء النسوة مع ما فيها: من المراجعات، والمخاطبات، والمقاولات، والمحاورات، الصالحة للاستشهاد

стр. 299

للفصل المتقدّم قبل ذلك. وهذا باب متسع لا يسع استيفاؤه، ولا يمكن استيعابه وفيما ذكرنا مقنع. ومن ذلك ما روي أنّ عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه أرسل إلى معاوية بالشام كتابا صحبة صعصعة بن صوحان» ، فسار به حتى أتى دمشق، فأتى باب معاوية فقال لآذنه: استأذن لرسول أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؛ وبالباب جماعة من بني أميّة، فأخذته النّعال والأيدي لقوله: «أمير المؤمنين» . وكثرت عليه الجلبة، فاتّصل ذلك بمعاوية فأذن له، فدخل عليه، فقال السلام عليك يا بن أبي سفيان! هذا كتاب أمير المؤمنين- فقال معاوية أما إنه لو كانت الرسل تقتل في جاهلية أو إسلام، لقتلتك. ثم اعترضه معاوية في الكلام، وأراد أن يستخبره ليعرف طبعا أم تكلفا- فقال له ممن الرجل؟ - قال من نزار- قال وما كان نزار؟ قال كان إذا غزا انكمش، وإذا لقى افترش، وإذا انصرف احترش «٢» . قال فمن أيّ أولاده أنت؟ - قال من ربيعة- قال وما كان ربيعة؟ - قال: كان يطيل النّجاد، ويعول العباد، ويضرب ببقاع الأرض العماد- قال: فمن أيّ أولاده أنت؟ - قال من جديلة- قال وما كان جديلة؟ - قال كان في الحرب سيفا قاطعا، وفي المكرمات غيثا نافعا، وفي اللقاء لهبا ساطعا- قال فمن أيّ أولاده أنت؟ - قال: من عبد القيس- قال وما كان عبد القيس؟ - قال كان حسنا أبيض وهّابا، يقدّم لضيفه ما وجد، ولا يسأل عما فقد، كثير المرق، طيب العرق، يقوم للناس مقام الغيث من السماء- قال ويحك يا ابن صوحان! فما تركت لهذا الحي من قريش مجدا ولا فخرا،- قال بلى والله يابن أبي سفيان! تركت لهم ما لا يصلح إلا لهم،

стр. 300

تركت لهم الأحمر والأبيض والأصفر، والسرير والمنبر، والملك إلى المحشر؛ ففرح معاوية وظن أن كلامه يشتمل على قريش كلها، قال صدقت يا ابن صوحان إنّ ذلك لكذلك فعرف صعصعة ما أراد؛ فقال ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد. بعدتم عن أنف المرعى، وعلوتم عن عذب الماء- قال ولم ذلك ويلك يا ابن صوحان! فقال الويل لأهل النار، ذلك لبني هاشم- قال قم! فأخرجوه- فقال صعصعة: الوعد بيني وبينك لا الوعيد من أراد المناجزة «١» يقبل المحاجزة- فقال معاوية: لشيء ما سوّده قومه ووددت أني من صلبه؛ ثم التفت إلى بني أمية فقال: هكذا فلتكن الرجال. ومن ذلك ما روي أن سعيد بن عثمان بن عفان ﵁ دخل على معاوية وابنه يزيد إلى جانبه فقال له: ائتمنك أبي، واصطنعك حتّى بلّغك باصطناعه إياك المدى الذي لا يجارى، والغاية التي لا تسامى، فما جازيت أبي بآلائه حتّى قدّمت هذا عليّ، وجعلت له الأمر دوني. «وأومأ إلى يزيد» والله لأبي خير من أبيه وأمي خير من أمّه ولأنا خير منه! - فقال له معاوية: أمّا ما ذكرت يا ابن أخي من تواتر آلائكم عليّ، وتظاهر نعمائكم لديّ، فقد كان ذلك ووجب عليّ المكافأة والمجازاة، وكان من شكري إياه أن طلبت بدمه حتّى كابدت أهوال البلاء، وغشيت عساكر المنايا إلى أن شفيت حزازات الصدور وتجلّت تلك الأمور. ولست لنفسي باللائم في التشمير، ولا الزاري عليها في التقصير. وذكرت أن أباك خير من أبي هذا- وأشار بيده إلى يزيد- فصدقت لعمر الله لعثمان خير من معاوية! أكرم كريما، وأفضل قديما، وأقرب إلى محمد ﵌ رحما. وذكرت أن أمّك خير من أمه فلعمري إن امرأة من قريش خير من امرأة

стр. 301

من بني كلب. وذكرت أنك خير من يزيد فو الله يابن أخي ما يسرّني أن الغوطة عليها رجال مثل يزيد. فقال له يزيد «مه يا أمير المؤمنين! ابن أخيك استعمل الدالّة عليك، واستعتبك لنفسه، واستزاد منك فزده وأجمل له في ردّك، واحمل على نفسك، وولّه خراسان بشفاعتي وأعنه بمال يظهر به موروثه» فولّاه معاوية خراسان، وأجازه بمائة ألف درهم؛ فكان ذلك أعجب ما ظهر من حلم يزيد. ومن ذلك ما يروى أن زيد بن منبه قدم على معاوية فشكا إليه دينا لزمه فأعطاه ستين ألف درهم، وكان عتبة بن أبي سفيان قد تزوّج ابنة يعلى أخي زيد بن منبّه، وهو يومئذ عامل بمصر- فقال له معاوية: الحق بصهرك «يعني عتبة» فقدم عليه مصر فقال: «إني سرت إليك شهرين أخوض فيهما المتالف: ألبس أردية الليل مرّة وأخوض في لجج السراب أخرى، موقرا من حسن الظن بك، وهاربا من دهر قطم «١» ، ودين أزم، بعد غنى جدعنا به أنوف الحاسدين، فلم أجد إلا إليك مهربا وعليك معوّلا- فقال عتبة: مرحبا بك وأهلا! إن الدهر أعاركم غنى وخلطكم بنا، ثم استردّ وأخذ ما أمكنه أخذه، وقد أبقى لكم منا ما لا ضيقة معه وأنا رافع إليك يدي بيد الله» فأعطاه ستين ألفا كما أعطاه معاوية. ومن ذلك ما يحكى أن عبد العزّى بن زرارة وفد على معاوية وهو سيد أهل الوبر، فلما أذن له وقف بين يديه وقال يا أمير المؤمنين! لم أزل أهزّ ذوائب الرجاء إليك، ولم أجد معوّلا إلا عليك، أمتطي الليل بعد النهار، وأسم المجاهل بالآثار، يقودني إليك أمل، ويسوقني إليك بلوى، والمجتهد يعذر، وإذ بلغتك فقط. فقال معاوية فاحطط عن راحلتك رحلها. وخرج عبد العزّى هذا مع يزيد بن معاوية إلى الصائفة، وأبوه زرارة عند

стр. 302

معاوية فهلك هناك. فكتب يزيد إلى أبيه معاوية بذلك- فقال معاوية لزرارة: أتاني اليوم نعي سيد شباب العرب- قال زرارة يا أمير المؤمنين هو ابني أو ابنك؟ - قال بل ابنك فقال «للموت ما تلد الوالدة» . أخذ بعضهم هذا المعنى فقال: وللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدّهر تبنى المساكن ومن ذلك ما يروى، أن مروان بن الحكم، وهو وال على المدينة في خلافة معاوية حبس غلاما من بني ليث في جناية جناها بالمدينة، فأتته جدّة الغلام، وهي سنان بنت جشمية بن خرشة المذحجية، فكلمته في الغلام، فأغلظ لها مروان، فخرجت إلى معاوية فدخلت عليه فانتسبت له فعرفها، فقال: مرحبا بابنة جشمية ما أقدمك أرضنا؟ وقد عهدتك تشتمينا، وتحضّين علينا عدوّنا، قالت: يا أمير المؤمنين! إن لبني عبد مناف أخلاقا طاهرة، وأعلاما ظاهرة، لا يجهلون بعد علم؛ ولا يسفهون بعد حلم، ولا يشتمون بعد عفو، وإن أولى الناس باتباع ما سنّ آباؤه لأنت، قال: «صدقت نحن كذلك فكيف قولك: عزب الرّقاد فمقلتي لا ترقد ... واللّيل يصدر بالهموم ويورد يا آل مذحج لا مقام فشمّروا ... إنّ العدوّ لآل مذحج يقصد هذا عليّ كالهلال تحفّه ... وسط السماء من الكواكب أسعد خير الخلائق وابن عم محمد ... إن يهدكم بالنّور منه تهتدوا ما زال مذ شهد الحروب مظفّرا ... والنّصر فوق لوائه ما يفقد» قالت قد كان ذلك يا أمير المؤمنين وأرجو أن تكون لنا خلفا بعده، فقال رجل من جلسائه كيف يا أمير المؤمنين؟ وهي القائلة: إمّا هلكت أبا الحسين فلم تزل ... بالحقّ تعرف هاديا مهديّا فاذهب عليك صلاة ربّك ما دعت ... فوق الغصون حمامة قمريّا قد كنت بعد محمّد خلفا لنا ... أوصى إليك بنا وكنت وفيّا واليوم لا حلف يؤمّل بعده ... هيهات نأمل بعده إنسيّا

стр. 303

قالت يا أمير المؤمنين: لسان نطق، وقول صدق، ولئن تحقق فيك ما ظنناه، فحظّك الأوفر، والله ما أورثك الشّنآن «١» في قلوب المسلمين إلا هؤلاء، فأدحض مقالتهم، وأبعد منزلتهم؛ فإنك إن فعلت ذلك تزدد من الله قربا، ومن المسلمين حبّا. قال وإنك لتقولين ذلك؟ قالت: سبحان الله! والله ما مثلك من مدح بباطل، ولا اعتذر إليه بكذب، وإنك لتعلم ذلك من رأينا، وضمير قلبنا. كان عليّ والله أحبّ إلينا منك، وأنت أحبّ إلينا من غيرك. قال ممن؟. قالت من مروان وسعيد بن العاص- قال وبم استحققت ذلك عندك؟ - قالت بسعة حلمك، وكريم عفوك- قال وإنهما يطمعان في ذلك- قالت هما والله من الرأي على ما كنت عليه لعثمان بن عفّان- قال لقد قاربت فما حاجتك؟ - قالت: يا أمير المؤمنين! إن مروان تبنّك «٢» في المدينة تبنّك من لا يريد منها البراح، لا يحكم بعدل، ولا يقضي بسنّة؛ يتبع عورات المؤمنين؛ حبس ابن ابني فأتيته فقال كيت وكيت، فأسمعته أخشن من الحجر، وألقمته أمرّ من الصّبر، ثم رجعت إلى نفسي باللائمة، وقلت لم لا أصرف ذلك إلى من هو أولى بالعفو منه؛ فأتيتك يا أمير المؤمنين، لتكون في أمري ناظرا، وعليه معديا- قال صدقت لا أسألك عن ذنبه، والقيام بحجته، اكتبوا لها بإطلاقه- قالت يا أمير المؤمنين وأنّى بالرجعة وقد نفد زادي، وكلّت راحلتي، فأمر لها براحلة موطّاة وخمسة آلاف درهم. ومن ذلك ما روي أن معاوية حج فسأل عن امرأة من بني كنانة كانت تنزل الحجون «٣» يقال لها الدارميّة، وكانت سوداء كثيرة اللحم، فأخبر بسلامتها فجىء بها، فقال ما حالك يا ابنة حام؟ - قالت لست لحام أدعى،

стр. 304

إن عبتنى أنا امرأة من بني كنانة- قال: صدقت أتدرين لم أرسلت إليك؟ قالت لا يعلم الغيب إلا الله- قال: بعثت إليك لأسألك علام أحببت عليا وأبغضتيني وواليتيه وعاديتيني؟ قالت أو تعفيني يا أمير المؤمنين- قال لا أعفيك- قالت أما إذ أبيت، فإني أحببت عليا على عدله في الرعية، وقسمه بالسوية؛ وأبغضتك على قتالك من هو أولى بالأمر منك، وطلبك ما ليس لك بحق؛ وواليت عليا على ما عقد له من الولاية، وعلى حبّه المساكين، وإعظامه لأهل الدين؛ وعاديتك على سفكك الدّماء، وجورك في القضاء، وحكمك بالهوى- قال: ولذلك أنتفخ بطنك، وعظم ثدياك، وربت عجيزتك- قالت يا هذا بهند كانت تضرب الأمثال، لابي- قال يا هذه أربعي فإنا لم نقل الا خيرا إنه إذا انتفخ بطن المرأة تم خلق ولدها، وإذا عظم ثدياها تروى رضيعها، وإذا عظمت عجيزتها رزن مجلسها فرجعت وسكنت- قال لها فهل رأيت عليا؟ قالت لقد كنت رأيته- قال كيف كنت رأيتيه؟ قالت رأيته لم يفتنه الملك الذي فتنك، ولم تشغله النّعمة التي شغلتك- قال لها: فهل سمعت كلامه؟ قالت: نعم، والله كان يجلو القلوب من العمى، كما يجلو الزيت الطّست من الصدإ- قال: صدقت فهل لك من حاجة؟ قالت: وتفعل إذا سألتك؟ قال نعم- قالت: تعطيني مائة ناقة حمراء فيها فحلها وراعيها- قال تصنعين بها ماذا؟ - قالت أغذّي بألبانها الصّغار، وأستحبي بها الكبار، وأصلح بها بين العشائر- قال فإن أعطيتك ذلك فهل أحلّ عندك محلّ عليّ؟ - قالت ماء ولا كصداء، «١» ومرعى ولا كالسّعدان «٢» ، وفتى ولا كمالك «٣» ، يا سبحان الله أودونه! فأنشأ معاوية يقول:

стр. 305

إذا لم أعد بالحلم منّي إليكم ... فمن ذا الّذي بعدي يؤمّل للحلم؟ خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... جزاك على حرب العداوة بالسّلم ثم قال: أما والله! لو كان عليا ما أعطاك منها شيئا- قالت والله ولا وبرة واحدة من مال المسلمين. ومن ذلك ما يروى أن أم البراء بنت صفوان استأذنت على معاوية فأذن لها فدخلت عليه، وعليها ثلاثة دروع برود تسحبها ذراعا، قد لاثت على رأسها كورا «١» كالمنسف فسلّمت وجلست، فقال لها معاوية كيف أنت يا ابنة صفوان؟ - قالت بخير يا أمير المؤمنين- قال كيف حالك؟ - قالت كسلت بعد نشاط- قال شتّان بينك اليوم وحين تقولين: يا زيد دونك صارما ذا رونق ... عضب المهزة ليس بالخوّار أسرج جوادك مسرعا ومشمّرا ... للحرب غير معوّد لفرار أجب الإمام وذبّ تحت لوائه ... والق العدوّ بصارم بتّار يا ليتني أصبحت لست قعيدة ... فأذبّ عنه عساكر الفجّار قالت قد كان ذلك، ومثلك من عفا عمّا سلف وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ «٢» . قال هيهات، أما والله لو عاد لعدت، ولكنه اخترم «٣» منك- قالت أجل والله إنيّ لعلى بينة من ربي وهدى من أمري- قال كيف كان قولك حين قتل؟ - قالت أنسيته. قال بعض جلسائه هو والله حين تقول: يا للرّجال لعظم هول مصيبة ... فدحت فليس مصابها بالحائل الشمس كاسفة لفقد إمامنا ... خير الخلائق والإمام العادل

стр. 306

حاشى النبيّ لقد هددت قواءنا «١» ... فالحقّ أصبح خاضعا للباطل فقال معاوية: قاتلك الله فما تركت مقالا لقائل اذكرى حاجتك! قالت أما الآن فلا، وقامت فعثرت، فقالت تعس شانيء عليّ! فقال زعمت أن لا؛ قالت هو كما علمت؛ فلما كان من الغد بعث إليها بجائزة، وقال إذا ضيّعت الحلم فمن يحفظه. ومن ذلك أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عديّ بن أرطاة: «٢» أن اجمع بين إياس بن معاوية «٣» والقاسم بن ربيعة «٤» فولّ القضاء أنفذهما، فجمع بينهما، وكانا غير راغبين في القضاء. فقال إياس: أيها الرجل سل عني وعن القاسم فقيهي المصر الحسن وابن سيرين «٥» ، وكان القاسم يأتي الحسن وأبن سيرين، وإياس لا يأتيهما، فعلم القاسم أنه إن سألهما عنه أشارا به، فقاله: لا تسأل عني ولا عنه، فو الله الذي لا إله إلا هو إن إياس بن معاوية أفقه مني وأعلم بالقضاء، فإن كنت كاذبا فما أشير عليك أن توليني وأنا كاذب، وإن كنت صادقا فينبغي لك أن تقبل قولي- قال له إياس: إنك جئت برجل فوقفت به على شفير جهنم فنجّى نفسه منها بيمين كاذبة يستغفر الله منها وينجو مما كان- قال له عديّ: أما إذ فهمتها فأنت لها فاستقضاه. ومن ذلك: ما حكاه صاحب العقد عن زياد عن مالك بن أنس قال

стр. 307

«خطب أبو جعفر المنصور، فحمد الله، وأثنى عليه؛ ثم قال: أيها الناس اتقوا الله! فقام إليه رجل من عرض الناس، فقال أذكّرك الذي ذكّرتنا به، فأجابه أبو جعفر بلا فكر ولا رويّة: سمعا لمن ذكّر بالله، وأعوذ بالله أن أذكّرك به وأنساه فتأخذني العزّة بالاثم! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين؛ وأما أنت فو الله ما الله أردت بهذا، ولكن ليقال قام فقال، فعوقب فصبر، وأهون بها لو كانت؛ وأنا أنذركم أيها الناس أختها، فإن الموعظة علينا نزلت، وفينا أنبثّت» . ثم رجع إلى مكانه من الخطبة. ومن ذلك: ما يحكى عن الربيع «١» قال: كنا وقوفا على رأس المنصور، وقد طرحت للمهدي بن المنصور وسادة إذ أقبل صالح بن المنصور، وكان قد رشّحه أن يولّيه بعض أمره، فقام بين السّماطين «٢» والناس على قدر أنسابهم ومواضعهم، فتكلم فأجاد، فمد المنصور يده إليه، ثم قال يا بنيّ! واعتنقه، ونظر في وجوه أصحابه هل فيهم أحد يذكر مقامه ويصف فضله، فكلهم كره ذلك وهاب المهديّ، فقام شبّة بن عقال التميميّ «٣» ، فقال: «لله درّ خطيب قام عندك يا أمير المؤمنين! ما أفصح لسانه! وأحسن بيانه! وأمضى جنانه! وأبلّ ريقه! وأسهل طريقه!. وكيف لا يكون كذلك وأمير المؤمنين أبوه، والمهديّ أخوه، وهو كما قال زهير بن أبي سلمى: يطلب شأو امر أين قدّما حسنا ... بذّا الملوك وبذّا هذه السّوقا هو الجواد فإن يلحق بشأوهما ... على تكاليفه فمثله لحقا أو يسبقاه على ما كان من مهل ... فمثل ما قدّما من صالح سبقا

стр. 308

قال الربيع: فأقبل عليّ بعض من حضر، وقال والله ما رأيت مثل هذا تخلّصا أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من المهديّ. فالتفت إليّ المنصور، وقال: يا ربيع لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم. ومن ذلك ما حكي أنّ رجلا دخل على المهدي وليّ عهد المنصور، فقال يا أمير المؤمنين إن أمير المؤمنين المنصور شتمني وقذف أمي، فإما أمرتني أن أحلّله، وإما عوّضتني فاستغفرت له- قال ولم شتمك؟ - قال شتمت عدوّه بحضرته، فغضب- فقال: ومن عدوّه الذي غضب لشتمه- قال ابراهيم بن عبد الله بن حسن «١» - قال إن إبراهيم أمسّ به رحما، وأوجب عليه حقا، فإن كان شتمك كما زعمت فعن رحمه ذبّ، وعن عرضه دفع، وما أساء من انتصر لابن عمه- قال فإنه كان عدوّه- قال فلم ينتصر للعداوة، إنما انتصر للرحم، فأسكت الرجل، فلما ذهب ليوليّ قال: لعلك أردت أمرا فلم تجد له ذريعة عندك أبلغ من هذه الدعوى؟ - قال نعم؛ فتبسم وأمر له بخمسة آلاف درهم. ومن ذلك ما حكي: أن المنصور قال لبعض قوّاده: صدق الذي قال «أجع كلبك يتبعك» فقال له أبو العباس الطوسي: أما تخشى يا أمير المؤمنين أن يلوّح له غيرك رغيفا فيتبعه ويدعك «٢» . ومن ذلك ما يحكى: أنه وفد أهل الحجاز من قريش على هشام بن عبد الملك بن مروان، وفيهم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدويّ، وكان أعظمهم قدرا، وأكبرهم سنا؛ فقال- أصلح الله أمير المؤمنين، إنّ خطباء قريش قد قالت فيك، وأقلّت وأكثرت وأطنبت، وما بلغ قائلهم قدرك، ولا

стр. 309

أحصى مطنبهم فضلك؛ وإن أذنت في القول قلت- قال قل وأوجز- قال تولّاك الله يا أمير المؤمنين بالحسنى، وزينك بالتقوى، وجمع لك خير الآخرة والأولى! إن لي حوائج أفأذكرها؟ قال هاتها- قال كبرت سنّي، ودقّ عظمي، ونال الدهر مني؛ فإن رأى أمير المؤمنين أن يجبر كسرى، وينفي فقري- قال: وما الذي ينفي فقرك ويجبر كسرك؟ - قال ألف دينار، وألف دينار، وألف دينار. فأطرق هشام طويلا، ثم قال: هيهات يا ابن أبي الجهم، بيت المال لا يحتمل ما سألت- فقال: أما إن الأمر لواحد، ولكن الله آثرك لمجلسك، فإن تعطنا فحقّنا أدّيت، وإن تمنعنا نسأل الذي بيده ما حويت؛ إنّ الله جعل العطاء محبّة، والمنع مبغضة، ولأن «١» أحبّك أحبّ إليّ من أن أبغضك- قال: فألف دينار لماذا؟ - قال أقضي بها دينا قد حمّ قضاؤه، وحناني حمله، وأضرّ بي أهله- قال: فلا بأس تنفّس كربة، وتؤدّي أمانة وألف دينار لماذا؟ - قال أزوّج بها من بلغ من ولدي- قال: نعم المسلك سلكت أغضضت بصرا، وأعففت ذكرا، وروّجت نسلا؛ وألف دينار لماذا؟ - قال أشتري بها أرضا يعيش بها ولدي، وأستعين بفضلها على نوائب دهري، وتكون ذخرا لمن بعدي؛ قال: فإنا قد أمرنا لك بما سألت- قال فالمحمود الله على ذلك، وخرج- فقال هشام: ما رأيت رجلا أوجز في مقال، ولا أبلغ في بيان منه، وإنا لنعرف الحقّ إذا نزل، ونكره الاسراف والبخل، وما نعطي تبذيرا، ولا نمنع تقتيرا، وما نحن إلا خزّان الله في بلاده، وأمناؤه على عباده، فإن أذن أعطينا، وإذا منع أبينا، ولو كان كل قائل يصدق، وكلّ سائل يستحقّ، ما جبهنا قائلا، ولا رددنا سائلا؛ فنسأل الذي بيده ما استحفظنا أن يجريه على أيدينا فإنه يبسط الرّزق لمن يشاء ويقدر، إنّه كان بعباده خبيرا بصيرا. فقالوا يا أمير المؤمنين لقد تكلّمت فأبلغت، وما بلغ في كلامه ما قصصت، فقال إنه مبتدى، وليس المبتدي كالمقتدي.

стр. 310

والحكايات والأخبار في ذلك كثيرة، والإطناب يخرج عن المقصود، ويؤدّي إلى الملال، وفيما ذكرنا من ذلك مقنع، والله أعلم. المقصد الثالث في كيفية تصرّف الكاتب في مثل هذه المكاتبات والرسائل غير خاف على من تعاطى صناعة النثر والنظم أنه لا يستقلّ أحد باستخراج جميع المعاني بنفسه، ولا يستغني عن النظر في كلام من تقدّمه: لاقتباس ما فيه من المعاني الرائقة، والألفاظ الفائقة، مع معرفة ترتيب أهل كل زمن واصطلاحهم، فينسج على منوالهم، أو يقترح طريقة تخالفهم؛ وتوارد الكتاب والشعراء على المعاني غير مجهول، فإن التوارد يقع في الشعر الذي هو مبنيّ على أصل واحد من وزن وقافية، فإنه إذا وقف على المعنى وترتيب الكلام، عرف كيف ينسج الكلام؛ مثل أن يكتب في تهنئة بمولود: قد جعلك الله من نبعة طابت مغارسها، ورسخت عروقها، فالزيادة فيها زيادة في جوهر الكرم، وذخيرة نفيسة لذوي الإقبال، فتولىّ الله نعمه عندك بالحراسة الوافية، والولاية الكافية. وقد بلغني الخبر بحدوث الولد المبارك، والفرع الطيب، الذي عمر أفنية السيادة، وأضحك مطلع السعادة، فتباشرت بذلك وابتهجت به، فجعله الله برّا تقيّا، سعيدا حميدا، يتقيّل سلفه، ويقتفي أثرهم، وأيمن به عددك، وكثرّ به ذرّيتك، وأوزعك الشكر عليه، وأجارك فيه من الثّكل برحمته. فيأخذ آخر المعنى، ويورده بألفاظ أخرى، فيقول: قد جعلك الله من شجرة زكت غصونها، وفرع شرفت منابته، فالنموّ فيها نعمة كاملة السعادة، وغبطة شاملة السرور، فتولىّ فضله عليك بالحفاظ الراعي، والدّفاع الكالي؛ وقد اتصل بي خبر السليل الرضيّ، والولد الصالح الذي حدّد فوائد السيادة، وثبّت أساس الرفعة، فاغتبطت به واستبشرت، جعله الله تعالى ولدا ميمونا، ونجلا سعيدا، يسلك مناهج سلفه، ويحذو في المحاسن حذوهم، وزاد به؟؟؟، وأراك فيه غاية أملك، وسرّك بوجوده، وأسعدك برؤيته.

стр. 311

فالمعنى والفصل واحد، والألفاظ مختلفة. وكذلك ما يجري هذا المجرى وما في معناه. قلت: ولا ينهض بمثل ذلك إلا من رسخت في صنعة الكتابة قدمه، وامتزج بأجزاء الفصاحة والبلاغة لحمه ودمه؛ وهذا المنهج هو أحد أنواع الإعجاز في القرآن الكريم، فإن القصّة الواحدة تتكرر فيه مرارا في سور متعدّدة، ترد في كل سورة بلفظ وتركيب غير الذي وردت به في الأخرى، مع استيفاء حدّ البلاغة ونهاية أمد الفصاحة؛ ولذلك قلّ من سلك هذا المنهج، أو ارتقى هذه الذّروة، وقد أتى علي بن حمزة بن طلحة «١» في كتابه «الاقتداء بالأفاضل» من ذلك بالعجب العجاب، فإنه قد استحسن كلام الخطيب ابن نباتة الفارقي «٢» ، والأمير قابوس الخراساني «٣» ، والوزير أبي القاسم المقري «٤» ، والصاحب بن عباد «٥» ، وأبي إسحاق الصابي «٦» ، الذين هم رؤساء الكتابة، وأئمة الخطابة، من الرسائل والعهود البديعة، والخطب الموجزة الرائقة، فجرّد معانيها من ألفاظها، واخترع لها ألفاظا غير ألفاظها، مع زيادة تنميق، ومراعاة ترصيف، على أتم نظام، وأحسن التئام.

стр. 312

وهاتان نسختا كتابين الأولى منهما كتب بها أبو إسحاق الصابي عن عز الدولة بن بويه «١» جوابا عن كتاب وصل إليه عن أخيه عضد الدولة يخبره بمولود ولد له. والثانية عارض بها عليّ بن حمزة المذكور أبا إسحاق الصابي في ذلك بألفاظ أخرى مع اتحاد المعنى. فأما التي كتب بها أبو إسحاق الصابي عن عز الدولة إلى عضد الدولة فهي: «وصل كتاب سيدي الأمير عضد الدولة أطال الله بقاءه بالخبر السارّ للأولياء، الكابت للأعداء، في الولد الحبيب الأثير، والسيد المقيّل الخطير، الذي زاد الله به في عددنا، وجدّد نعمه عندنا، وحقق فيه آمالنا والآمال لنا؛ فأخذ ذلك مني مأخذ الاغتباط ونزل عندي أعلى منازل الابتهاج، وسألت الله تعالى أن يختصه بالبقاء الطويل، والعمر المديد، وأن يجعل مواهبه لسيدي الأمير نامية بنموّه، ناشية بنشوّه: ليكون كلّ يوم من أيامه ممدّا له من فضله عادة، وواعدا له من غده بزيادة، ومحدثا لديه منحة تتضاعف إلى ما سبق من أمثالها، ومجدّدا له عازمة تتلو ما سلف من أشكالها؛ وأن يريه إياه غرّة في وجه دولته، ووارثا بعد سالفه البقاء لمنزلته، قائما للملك قيامه وسادّا منه مكانه؛ ويهب له بعد الأكابر النجباء السابقين، أترابا من الإخوة لاحقين، تابع منهم من مباراة المتبوع، وشافع من مجاراة المشفوع، في فائدة تقدم بمقدمه، وعائدة ترد بمورده، ويحرس هذه السعادة من خلل يعترض اتصالها، أو فترة يخترم زمانها، أو نائبة تشوبها، أو تنغصها، أورزيّة تثلمها، أو تنقصها. إلا أنها «٢» الأمد الأبعد والعمر الأطول؛ ثم تفضي به غضارة هذه الدار الدنيا، إلى قرارة الدار الأخرى، مبوّأ أوفى مراتبها، مبلّغا أقصى مبالغها، حالّا أرفع درجاتها، مختصا بأنعمها، مبتهجا بها، مستثمرا ما قدّمه لصالح سعيه،

стр. 313

ومستوفيا ما أفاءه عليه متجره الرابح، وآثاره البادية لإنفاقه في أيام نظري «١» التي استشعرت نورا من سنائه، وآنست جمالا من بهائه، وثابت مصالحها، ببركته، وتوافت خيراتها بيمنه؛ واعتقدت أن السعادات طالعة عليّ بمطلعه، وأسبابها ناجمة إليّ بمنجمه؛ فلو استطعت أن أكون مكان كتابي هذا مشافها بالتهنئة لسيدي الأمير عضد الدولة أطال الله بقاءه ومقبّلا لبساطه، لكنت أولى عبيده بالمسارعة إلى بابه، وأحقّهم بالمبادرة إلى فنائه: لأنني معوّق عن تلك الخدمة بخدمة أنافيها من قبله، ومقيم بهذه الحضرة، إقامة المتصرفين تحت أمره، وقد وفّيت نعمة الله تعالى، الواهب منه أيده الله تعالى ما يقرّ عين الوليّ، ويقذي عين العدوّ ويطرفها، حقّها من الشكر الممتري «٢» للمقام والمزيد، بدوام العز والتأييد، وأسأل الله تعالى أن يجعل ذلك مقبولا عنه، ونافعا له، وعائدا عليه وعلينا بطول العمر وبباهي النّشوّ والنماء، وأن يعرّف سيدي الأمير عضد الدولة أيده الله بركة مولده، ويمن مورده، ويبقيه حتّى يراه، والأمراء السابقين أيدهم الله تعالى آباء أمثالهم، وأشياخ ذرّيتهم، مبلّغا في كل منهم أفضل ما رشّحته له أمانيه، وأعلى ما انبسطت آماله فيه، بقدرته. وأنا أتوقع الكتاب بما يقرّر عليه اسم الأمير السيد وكنيته، أعلاها الله تعالى لأستأنف إقامة الرسم في مكاتبته، وتأدية الفرض في خدمته؛ وسيدي عضد الدولة، أطال الله بقاءه، أعلى عينا فيما يراه بمطالعتي بذلك وبكل ما يوليه الله من مستأنف نعمه، ويجدّده له في حادث مواهبه له، لآخذ بحظّي منهما، فأضرب بسهمي فيهما، وتصريفي بين أمره ونهيه، وتشريفي بعوارض خدمته، ان شاء الله تعالى.

стр. 314

وأما التي عارضها بها عليّ بن حمزة بن طلحة فهي: وصلني كتاب سيدي الأمير عضد الدولة، أطال الله بقاءه، بالبشرى المبتسمة عن ناجذ السعد الآنف، والنّعمى المنتسمة عن صبا المجد المتضاعف، التي أشرقت مطالع الإقبال عن محيّاها، وتضوّعت نفحات درك الآمال عن ريّاها، وصدّقت من الأولياء ظنونهم المرتقبة، وانتخبت من الأعداء عيونهم المرتعبة، بالولد النجيب الخطير، الأمير الحبيب الظّهير، المجيد المعمر، المقيّل المؤمّر، الذي كثّر الله به عددنا معشر أهليه، وعددنا بما نرتقبه منه ونراعيه، وهو تكرمة تحقّق ظنونا بماله نرتجيه، وما نؤمّله من السعادة المقبلة فيه؛ فاستفزتني غبطة استحوذت على جوامع لبّي، وتملكتني بهجة ثوت في مراجع قلبي، وطفقت مبتهلا، وتضرّعت متوسلا، إلى ذي العرش المجيد، الفعّال لما يريد، أن يجمع له بين العمر المديد، والجدّ السعيد كفاء ما قرن له بين المجد العتيد، والملك الوطيد، وأن يجعل تحيّات أياديه لدى سيدي الأمير متضاعفة الأعداد، مترادفة الأمداد، مبشرة بنجباء الأولاد، يربى آنفها على السالف بسعده، ويلهي عن تالدها الطارف بعلوّ مجده، وأن يريه إيّاه على مفرق دولته، وغرّة تشرق في جبهة ذرّيته، وناهضا بأعباء مملكته، وقائما بنصرة دعوته، حتّى يرى أولاد أولاده جدودا، مظفرا سعيدا، وأن يتبعه أترابا من الإخوة النجباء، الأماجد السعداء، متجارين في حلبات علوّ الهمم، متبارين في مزيّات إيلاء النعم؛ ليتزايد ازدحام وفود السعادة في عتبات بابه، ويترافد اقتحام جنود الإقبال رحيب جنابه؛ ويحرس لديه ما خوّله من مواهبه وأياديه، ويحفظ عليه ما به فضلّه من مناقبه ومعاليه، ويقيه من كيد عاند إذا عند، ويحميه من شر حاسد إذا حسد، وأن يؤتيه عائدتي العاجلة والعقبى، ويحظيه بسعادتي الآخرة والأولى، وأن يجعل سعيه في مصالح عباده مشكورا، ونظره في مناحج بلاده مبرورا، وأن يغادر متاجر بره وتقواه رابحه، كما جعل خواطر سره، ونجواه صالحه؛ فرياض الأيام بعدله نواضر، ونواظر الأنام إلى فضله نواظر، ومصالحهم بيمنه وبركته موافيه، وبراعتهم بهمته

стр. 315

وسعادته مواتيه؛ وإني لأعتقد أن مقيلي في أفياء السعادة، ونيلي كلّ مأمول وإرادة، وتوفيقي فيما أوفّق فيه، بما أعتمده وآتيه، جدول من تيّار فضله وسعادته، منوط العرى، بسموّهمته؛ وأودّ أن أكون عوضا عن كتابي هذا إليه، وخطابي الوارد آنفا عليه، لأسعد بلألاء غرّته، وأحظى بالأشرف من خدمته؛ أدام الله أيام دولته: لأني أجدر عبيده بالمهاجرة إلى بابه، وأولى خدمه بالمبادرة إلى جنابه؛ ولولا تحملي أعباء خدمته التي طوّقنيها، وكوني نائبه لدى هذه الحضرة فيها، ثاويا بأوامره ونواهيه في مغانيها، لما شقّ غباري من أمّ ذراه، ولا اتّبع آثاري مسرع رام لقياه. ولقد قمت بالواجب عليّ للنعمة- أيّده الله- المنزلة إليّ، والموهبة بمقدمه- كلأه الله- المكملة لديّ، التي أضحت بها نواجذ المخلص ضاحكة مستبشرة، وأمست بسببها وجوه الكاشحين عابسة مستبسرة: من وافر شكر يمتري المزيد، وعتق الإماء والعبيد، والصدقة الدارّة على التأبيد؛ وأنا أرغب إلى الله تعالى رغبة متوسل إليه، آمل بما لديه، أن يجعل بركة كل خير درّت به أخلافه، وكرّت لأجله أحلافه، عائدة عليه، وميامنه ثائبة إليه، مؤذنة بتعميره ملكا حلاحلا «١» ، لا يلقى مؤملوه ليمّ فضله ساحلا، وأن يمدّ لسيدي عضد الدولة في البقاء، ويمتعه به وبسابقيه من إخوته الأمراء، ويريه فيهم وفيه، قصوى ما تسمو إليه هممه وأمانيه. وإني لمتوكف لما يصلني من كتاب ينبيء عن اسمه الكريم وكنيته، لأعتمد ما أستوجبه في خدمته ومكاتبته؛ وسيدي عضد الدولة أدام الله علاه، وليّ ما يستصوبه ويراه: من الأمر بمكاتبتي بذلك وبمتجددات النعم، وأوانف المواهب الغالية القيم، لآخذ وافر سهمي من السرور، وجزيل قسمي من الجذل والحبور، وتصريفي بين أمره الممتثل المطاع، ونهيه المقابل بالاتباع، إن شاء الله تعالى.

стр. 316

النوع العاشر الاستكثار من حفظ الأشعار الرائقة ، خصوصا أشعار العرب وما توفرت دواعي العلماء بها على اختياره: كالحماسة، والمفضّليّات، والأصمعيات، وديوان هذيل، وما أشبه ذلك؛ وفهم معانيها واستكشاف غوامضها، والتوفر على مطالعة شروحها؛ ويلتحق بذلك شعر المولّدين من العرب، وهم الذين كانوا في أول الإسلام. كجرير والفرزدق، والأخطل وغيرهم؛ وكذلك حفظ جانب جيد من شعر المفلقين من المحدثين: كأبي تمام، ومسلم بن الوليد، والبحتريّ، وابن الرومي، والمتنبي ونحوهم. وفيه مقصدان المقصد الأول في بيان أحتياج الكاتب إلى ذلك أما شعر العرب والمولدين، فلما في ذلك من غزارة الموادّ، وصحة الاستشهاد، وكثرة النقل، وصقل مرآة العقل، وانتزاع الأمثال، والاحتذاء في اختراع المعاني على أصح مثال، والاطلاع على أصول اللغة وشواهدها، والاضطلاع من نوادر العربية وشواردها. وقد كان الصدر الأول يعتنون بذلك غاية الاعتناء: قال محمد بن سلام «١» عن بعض مشايخه «كان عمر بن الخطاب ﵁ لا يكاد يعرض له أمر إلا أنشد فيه بيت شعر» . وذكر صاحب «الريحان والريعان» عن سعيد بن المسيب «٢» أنه قال: كان أبو بكر وعمر وعليّ يجيدون الشعر، وعليّ أشعر الثلاثة. قال: وكان عمر بن الخطاب يقول افضل صناعات الرجل الأبيات من الشعر يقدّمها بين يدي حاجته يستعطف بها الكريم، ويستنزل

стр. 317

بها اللئيم. وقد ذكر عن الشافعيّ ﵁ أو غيره من بعض الأئمة الأربعة: أنه كان يحفظ ديوان هذيل؛ وأمّا قول الشافعيّ ﵁: ولولا الشّعر بالعلماء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد فانه يريد من صرف همته إلى الشعر، بحيث صار شأنه وديدنه، وهو المعنيّ بقوله ﵌ «لأن يملأ أحدكم جوفه قيحا خير من أن يملأه شعرا» أي أراد صرف همته إليه حتى يملأ جوفه منه. وقد قال ﵌ «إنّ من الشّعر لحكمة» . وكان عمر ﵁ يسمع البيت يعجبه فيكرره مرات كما ذكره الجاحظ وغيره. وقد ذكر أبو البركات بن الأنباري «١» في كتاب «طبقات الأدباء» في ترجمة أبي جعفر أحمد بن إسحاق البهلول بن حسان الأنباري: أنه كان فقيها، عالما، واسع الأدب وتقلد القضاء لعدة من الخلفاء. ثم حكى عن ولده أبي طالب أنه قال كنت مع والدي في جنازة بعض أهل بغداد من وجوه الناس وإلى جانبه أبو جعفر الطبري «٢» ، فأخذ أبي يعظ صاحب المصيبة ويسلّيه، وينشده أشعارا، ويروي له أخبارا، فداخله الطبريّ في ذلك، ثم اتسع الأمر بينهما في المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب والعلم استحسنها الحاضرون وأعجبوا بها، وتعالى النهار وافترقنا، فقال لي أبي يا بنيّ من هذا الشيخ الذي داخلنا في المذاكرة؟ فقلت: يا سيدي كأنك لم تعرفه، فقال لا، فقلت: هذا أبو جعفر الطبريّ، فقال إنا لله! ما أحسنت عشرتي معه؛ فقلت كيف يا سيدي؟ قال: ألا نبّهتني في الحال، فكنت أذاكره بغير تلك المذاكرة؟ هذا رجل مشهور بالحفظ والاتساع في صنوف العلوم، ما ذاكرته بحسبها؛ ومضت على ذلك مدة فحضرنا في حقّ «٣» آخر وجلسنا، وإذا

стр. 318

بالطبريّ قد دخل إلى الحقّ. فقلت له: أيها القاضي هذا أبو جعفر الطبريّ قد جاء مقبلا، فأومأ إليه بالجلوس عنده، فعدل إليه وجلس إلى جانبه، وأخذ يجاريه، فكلما جاء إلى قصيدة ذكر الطبريّ منها أبياتا، قال أبي: هاتها يا أبا جعفر! إلى آخرها، فيتلعثم الطبريّ فينشدها أبي إلى آخرها، وكلما ذكر شيئا من السّير، قال أبي هذا كان في قصة فلان، ويوم بني فلان، مرّ يا أبا جعفر فيه فربما مرّ فيه، وربما تلعثم، فيمرّ أبي في جميعه. ثم قمنا، فقال لي أبي: الآن شفيت صدري. وأما أشعار المحدثين، فللطف مأخذهم، ودوران الصناعة في كلامهم، ودقة توليد المعاني في أشعارهم، وقرب أسلوبهم من أسلوب الخطابة، والكتابة، وخصوصا المتنبي، الذي كأنه ينطق عن ألسنة الناس في محاوراتهم، وكثر الاستشهاد بشعره حتى قلّ من يجهله؛ فإذا أكثر المترشح للكتابة من حفظ الأشعار وتدبّر معانيها، ساقه الكلام إلى إبراز ذخيرة ما في حفظه منها، فاستعملها في محلها، ووضعها في أماكنها، على حسب ما يقتضيه الحال في إيرادها واقتباس معانيها. المقصد الثاني في كيفية استعمال الشعر في صناعة الكتابة إعلم أن للكاتب في استعمال الشعر في كتابته ثلاث حالات: الحالة الأولى الاستشهاد وهو أن يورد البيت من الشعر، أو البيتين، أو أكثر في خلال الكلام المنثور مطابقا لمعنى ما تقدم من النثر؛ ولا يشترط فيه أن ينبه عليه «بقال» ونحوه، كما يشترط في الاستشهاد بآيات القرآن والأحاديث النبوية، فإن الشعر يتميز بوزنه وصيغته عن غيره من أنواع الكلام، فلا يحتاج إلى التنبيه عليه. وأكثر ما

стр. 319

يكون ذلك في المكاتبات الإخوانيات: مثل ما كتب به القاضي الفاضل إلى بعض إخوانه يستوحش منه، ويتشوّق إليه: فيا ربّ إن البين أضحت صروفه ... عليّ، ومالي من معين فكن معي على قرب عذّالي وبعد أحبّتي ... وأمواه أجفاني ونيران أضلعي! هذه تحية القلب المعذّب، وسريرة الصبر المذبذب، وظلامة عزم السلوّ المكذّب، أصدرتها إلى المجلس وقد وقد في الحشا نارها، الزفير أوارها، والدّموع شرارها، والشوق أثارها، وفي الفؤاد ثارها: لو زارني منكم خيال هاجر ... لهدته في ظلمائه أنوارها أسفا على أيام الاجتماع التي كانت مواسم السرور والأسرار، ومباسم الثّغور والأوطار، وتذكّرا لأوقات عذب مذاقها، وامتدّ بالأنس رواقها، وزوّجت بكرها، ودوعب ذكرها: والله ما نسيت نفسي حلاوتها! ... فكيف أذكر أنّي اليوم أذكرها؟ ومذ فارقت الجناب، لازال جنا جنابه نضيرا، وسنا سنائه مستطيرا، وملكه في الخافقين خافق الأعلام، وعزّه على الجديدين «١» جديد الأيام، لم أقف منه على كتاب تخلف سطوره ما غسل الدمع من سواد ناظري، ويقدم ببياض منظومه ومنثوره ما وزّعه البين من سويداء خاطري: ولم يبق في الأحشاء إلّا صبابة ... من الصبّر تجري في الدّموع البوادر وأسأله المناب، بشريف الجناب، وأداء فرض، تقبيل الأرض، حيث تلتقي وفود الدنيا والآخرة، وتعمر البيوت العامرة المنن الغامرة، وفضل الظل غير منسوخ بهجيره، ويبشّر المجد بشخص لا تسمح الدنيا بنظيره:

стр. 320

تظاهر في الدّنيا بأشرف ظاهر ... فلم نر أنقى منه غير ضميره! كفاني فخرا أن أسمىّ بعبده ... وحسبي هديا أن أسير بنوره! فأيّ أمير ليس يشرف قدره ... إذا ما دعاه صادقا بأميره؟ وإنني في السؤال بكتبه أن يوصّلها ليوصل بها لديّ تهاني تملأ يدي، ويودع بها عندي مسرة تقدح في الشكر زندي: عهدتك ذا عهد هو الورد نضرة ... وما هو مثل الورد في قصر العهد وأنا أترقب كتابه ارتقاب الهلال: لتفطر عين عن الكرى صائمة، وترد نفس عن موارد الماء حائمة. بل ربما كان كلّ المكاتبة أو جلها شعرا، وقد يكون صدر المكاتبة شعرا وذيلها نثرا، وبالعكس. وقد يكون طرفاها نثرا وأوسطها شعرا، وعكس ذلك بحسب ما يقتضيه الترتيب، ويسوق إليه التركيب؛ وربما اكتفي بالبيت الواحد من الشعر في الدلالة على المقصد وبلوغ الغرض في المكاتبة: كما كتب بعض ملوك الغرب إلى من كرر كتبه ورسله إليه بقول المتنبي: ولا كتب إلا المشرفيّة عنده ... ولا رسل إلا الخميس «١» العرمرم إلى غير ذلك من المكاتبات المتضمنة للأشعار. أما مكاتبات الملوك الآن فقلّ أن تستعمل فيها الأشعار، أو يستشهد فيها بالمنظوم والمنثور، وقد تجيء التلقيحات بأبيات الشعر في غير المكاتبات من الرسائل الموضوعة لرياضة الذهن، وتنقيح الفكر كالرسائل الموضوعة في صيد ملك أو فتح بلد أو نحو ذلك؛ وقد أودعت المقامة التي أنشأتها في كتابة الإنشاء جملة من الأبيات الشعرية، أوردتها مورد الاستشهاد على ما يقتضيه المقام، ويسوق إليه سياق الكلام، على ما سلف ذكره عند الكلام على فضل الكتابة فيما تقدم. وعند
следующие страницы →