← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

الشريفة، وكتب الجواب الشريف عن ذلك بما ستحيط به العلوم الكريمة، وعاد بذلك إلى خدمة مولانا ملك الأمراء أعزّ الله أنصاره. والمملوك مملوك مولانا ملك الأمراء عزّ نصره، ومحبّه القديم، والمعترف بإحسانه وصدقاته، ويسأل تشريفه بالمهمّات والخدم، أنهى ذلك، إن شاء الله تعالى. وفي جواب بقيّة النّوّاب بالممالك الشامية، كنوّاب السلطنة بحماة وطرابلس وصفد والكرك، ومقدّم العسكر بغزّة، يكتب: وينهي بعد رفع دعائه، وإخلاصه في محبّته وولائه، واعترافه بإحسان مولانا وآلائه، أنّ المثال العالي- أعلاه الله تعالى- ورد على المملوك على يد فلان، فقبّله المملوك، وأحسن في تلقّيه السّلوك وفرح بما دلّ عليه من عافية مولانا وسلامته، وصحّة مزاجه المحروس، وحمد الله تعالى على ذلك، وانتهى إلى ما أشار إليه، من تجهيز المطالعة الكريمة إلى الأبواب الشريفة، شرّفها الله تعالى وعظّمها، وفهم المملوك ذلك، وامتثل ما أشار إليه بالسّمع والطاعة، ووقف في خدمتها عند العرض على المسامع الشريفة، وأحاطت العلوم الشريفة بمضمونها، وكتب الجواب الشريف عن ذلك بما سيحيط به علم مولانا، وقد عاد فلان بالجواب الشريف وبهذه الخدمة، وحمّله المملوك من السّلام والشوق والدعاء والولاء وتقبيل الأرض ما يبديه لمسامع مولانا. والمملوك يسأل إحسانه الإصغاء إلى ذلك، والتشريف بمراسيمه وخدمه، ليبادر إلى قبولها. والله تعالى يؤيّده ويحرسه بمنّه وكرمه. وعلى قياس ذلك في غير هذه من المكاتبات بحسب ما تقتضيه رتبة كلّ واحد من أصحابها. الضرب الثاني (من الأجوبة ما يفتتح بورود المكاتبة مصدّرا بلفظ: وردت أو وصلت أو وقفت على المكاتبة، وما أشبه ذلك) مثل أن يكتب: ورد المثال الكريم الفلانيّ، وذكر سلامته أحلى من ذكر الأوائل، وقد تطرّز منه طرازا أشرف من طراز الغلائل، وما سكن القلب إلى شيء

стр. 3957

كسكونه إليه، ولا رأى واردا أكرم منه عليه، فقابل نعمة قدومه بدوام شكرها، وطوى صحائف الآمال إلّا من نشرها. وإذا كان وجه الأيّام مقطّبا استغنى ببشر وجهه الميمون عن بشرها، فإن حسن في رأيه الإجراء على عوائد إحسانه [من التشريف بمراسيمه وخدمه] «١» والمواصلة بها، [نالت] «٢» النفس من ورودها نهاية أربها. قلت: أما الأجوبة المطلقة، وهي الدائرة بين الأصدقاء والأصحاب من أفاضل الكتّاب، وعيون أهل الأدب، ممن له ملكة في الإنشاء، وقوّة في النظم والنثر، فإنها لا تتوقّف على ابتداء مخصوص، ابتداء ولا جوابا، بل قد تكون مبتدأة بما تقدّم من الابتداءات، وقد تكون بغير ذلك من الافتتاحات التي يختارها صاحب الرسالة، بل أكثرها مفتتح بالشعر المناسب للحال المكتوب فيها، بل ربّما اقتصر فيها على الشعر خاصّة دون النثر. المهيع الثاني (في بيان رتب المكتوب عنهم والمكتوب إليهم، من أعيان الدّولة بمملكة الديار المصرية، وما يستحقّه كلّ منهم من رتب المكاتبات السابقة على ما الحال مستقرّ عليه في زماننا) اعلم أنّ المكتوب عنهم من أعيان الدولة على طبقات، لكلّ منهم مكاتبات بصدر يختصّ به، إلى من فوق رتبته أو مساو له في الرتبة أو دونه فيها، مرتّبة على ترتيب المكاتبات الصادرة عن الأبواب السلطانية إلى أهل الدولة: الطبقة الأولى- من المكتوب عنهم من يكتب إليه عن السلطان «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم» ككافل السلطنة، وهو نائب السّلطان بالحضرة، وأتابك العساكر، ونائب السلطنة بالشام. والمكتوب إليهم عن هذه الطبقة على مراتب:

стр. 3958

المرتبة الأولى- من يكتب له عن هذه الطبقة «الفلانيّ بمطالعة» ، وممن يكتب إليه بذلك عن نائب الشام فيما رأيته- أتابك العساكر بالأبواب الشريفة، وكان ما كتب له «المخدوميّ الأتابكيّ فلان الفلانيّ» باللّقب المضاف إلى لقب السلطان، «أتابك العساكر المنصورة» . المرتبة الثانية- من يكتب إليه «الأبواب بمطالعة» وممن يكتب إليه بذلك عن النائب «١» الكافل بالحضرة، والأتابك- نائب السلطنة بالشام، فقد قال في «التثقيف» «٢» : إنّ بهذه المكاتبة يكتب عن أكابر أمراء الديار المصرية إلى نائب الشام وحلب فيما أظنّ، وممن يكتب إليه بذلك عن نائب الشام- الدّوادار «٣» وأميراخور «٤» ومقدّمو الألوف بالديار المصرية، وأكابر الأمراء مقدّمي الألوف بالشام، وكافل المملكة الشريفة الحلبية. المرتبة الثالثة- من يكتب له عن هذه الطبقة «الأبواب بغير مطالعة» وبذلك يكتب عن كافل السلطنة بالحضرة إلى نائب السلطنة بحلب. وقد ذكر في «التثقيف» أنه كان يكتب بذلك عن الأمير يلبغا العمري (يعني الخاصكيّ) وهو أتابك الديار المصرية، إلى نائب الشام أيضا. ثم قال: وكذلك كتب بعده إلى نائبي الشام

стр. 3959

وحلب، الأمير منكلي بغا، والأمير الجاي، ونوّاب السلطنة بالديار المصريّة، وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى كلّ من قضاة القضاة الأربعة بالديار المصرية، وكذلك الوزير وكاتب السّر بها. المرتبة الرابعة- من يكتب له عن هذه الطبقة «الباب الكريم والباب العالي» أما الباب الكريم، فإنه يكتب بذلك عن النائب الكافل والأتابك «١» وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى الأمراء «٢» الطبلخاناه بالديار المصرية، وإستادار «٣» الأملاك الشريفة، وناظر «٤» الجيوش المنصورة بالأبواب السلطانية، وناظر الخواصّ، وناظر الدّولة، وحاجب الحجّاب بالشام، وقاضي القضاة الشافعيّ بالشام، وكاتب السّرّ به، ونائب السلطنة بطرابلس، ونائب السلطنة بحماة، ونائب السلطنة بصفد، ونائب السلطنة بالكرك. أمّا من يكتب له عن نائب الشام الباب العالي بدون الكريم، فمقدّم العسكر المنصور بغزّة، والقضاة الثلاثة بالشام، ما خلا الشافعيّ المقدّم ذكره، والوزير بالشام. المرتبة الخامسة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة «يقبّل الأرض بالمقرّ الشريف» وبذلك يكتب عن النائب الكافل والأتابك، إلى نائب طرابلس، ونائب

стр. 3960

حماة، ونائب صفد، ونائب الإسكندريّة، وأمراء الألوف بالديار المصريّة، وبه يكتب عن نائب الشام. المرتبة السادسة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة «الباسط الشريف» وبذلك يكتب عن النائب الكافل والأتابك، إلى مقدّم العسكر بغزّة، ومقدّم العسكر بسيس «١» ، ونائب السلطنة بالكرك، وحاجب الحجّاب بالشام، وحاجب الحجّاب بحلب. المرتبة السابعة- من يكتب له عن هذه الطبقة «الباسطة الشّريفة» وممن يكتب له بذلك عن نائب الشام قاضي القضاة الشافعيّ بحلب. المرتبة الثامنة- من يكتب له عن هذه الطبقة «اليد الشريفة» أو «اليد الكريمة» أو «اليد العالية» . وبذلك يكتب عن النائب الكافل والأتابك، إلى نائبي الوجه القبليّ والوجه البحريّ بالديار المصرية، ونائب القدس، ونائب حمص، ونائب الرّحبة، ونائب البيرة «٢» ، ونائب قلعة المسلمين، ونائب ملطية «٣» ونائب دبركي، ونائب الأبلستين «٤» ، ونائب طرسوس، ونائب أذنة، ونائب بهسنا «٥» وأمراء الألوف بالشام وحلب. وبذلك يكتب [أيضا] عن نائب الشام إلى أمراء العشرات بالديار المصريّة،

стр. 3961

وقضاة العسكر بها، وحاجب الحجّاب بحلب، والقضاة الثلاثة: الحنفيّ، والمالكيّ، والحنبليّ، بها. المرتبة التاسعة- من يكتب له عن هذه الطبقة «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم» . وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى كاشف الصّفقة القبليّة، وإلى الأمراء مقدّمي الألوف بالشام، وناظر الجيش به، وأمير آل فضل، ونائب حمص، وكاتب السرّ بحلب، ونائب المملكة بها، ونائب دوركي، ونائب درندة. المرتبة العاشرة- من يكتب له عن هذه الطبقة «أعزّ الله تعالى نصرة المقرّ الكريم» . وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى نائب قلعة دمشق، والحاجب الثاني بها، ووكيل بيت المال بها، ومقدّمي الألوف بحلب، ونائب الجيش بها، ونائب الرّحبة، ونائب الأبلستين، ونائب ملطية، ونائب قلعة المسلمين، ونائب بهسنا، ونائب البيرة، ونائب جعبر «١» ، ونائب الرّها «٢» ، ونائب حسبان. المرتبة الحادية عشرة- من يكتب له عن هذه الطبقة «أعزّ الله تعالى نصرة الجناب الكريم» . وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى أمراء الطّبلخاناه بالشام، ونائب القدس، ونائب بعلبكّ، ومتولّي صيدا، وأمراء الطّبلخاناه بحلب، ووكيل بيت المال بها، والمحتسب بها، وناظر خاصّ البريد بها، وأمير حاجب بصفد. المرتبة الثانية عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» . وبذلك يكتب عن نائب الشام، إلى والي قطيا «٣» ، وربّما زيد فيه الكريم.

стр. 3962

المرتبة الثالثة عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي» . وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى أمراء العشرات بمصر، وأمراء العشرينات بالشام، والمحتسب بها، والحاجب الكبير بغزّة، ومقدّم عرب بني عقبة، وأكابر عرب آل فضل، وأمير عرب آل عليّ، وأمير آل موسى، ونائب مصياف «١» ، ومتولّي بيروت. المرتبة الرابعة عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «المجلس العالي مع الدّعاء» . وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى العشرات بدمشق، ووالي المدينة، ووالي البرّ بها، والحاجب الثاني بغزّة، وأمير آل مرا، ومقدّم عرب جرم، ومقدّم بني مهديّ، وأمراء العشرينات بحلب. المرتبة الخامسة عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «صدرت والعالي» . وبذلك يكتب عن النائب الكافل والأتابك، إلى كاشف الوجه البحريّ من الديار المصريّة، وكاشف الفيّوم والبهنساويّة «٢» ، ووالي أسوان، وكشّاف الجسور من أمراء الطّبلخاناه بالوجهين، القبليّ والبحريّ بالديار المصرية، ونائب قلعة حلب، ونائب آياس «٣» ، ونائب جعبر، ونائب درندة، وحاجب الحجّاب بطرابلس، وحاجب الحجّاب بحماة، وحاجب الحجّاب بصفد. وبذلك يكتب [أيضا] عن نائب الشام إلى أجناد الحلقة بمصر، والحاجب

стр. 3963

الكبير بحمص، وأمراء العشرات بحلب. المرتبة السادسة عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «صدرت والسامي» . وبذلك يكتب عن النائب الكافل والأتابك، إلى والي قوص «١» ، ووالي منفلوط، ووالي الأشمونين «٢» ، ووالي البهنسا، ووالي منوف «٣» ، ووالي الغربيّة، ووالي الشرقيّة، ووالي قطيا، ونائب مصياف، ونائب بعلبك، ونائب قلعة صفد، ونائب عينتاب، والحاجب الكبير بغزّة. وبذلك يكتب [أيضا] عن نائب الشام إلى مقدّم الحلقة بالشام، وأعيان الجند بها، ومقدّم بني مهديّ، ومتولّي الصّلت وعجلون، ومتولي صرخد «٤» ، والحاجب الصغير بحمص، ووالي تدمر، ومقدّم إقليم الخرّوب بصيدا، ومقدّم إقليم النّعاج، ووالي البقاعين، ووالي بلنياس «٥» المرتبة السابعة عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «هذه المكاتبة» ، وبذلك يكتب عن النائب الكافل والأتابك، إلى والي الجيزيّة، ووالي إطفيح، ووالي قليوب، ووالي أشموم الرّمّان بالديار المصرية. وبذلك يكتب أيضا إلى نائب الكختا، ونائب كركر، ونائب حجر شغلان، ونائب سرفندكار، ونائب القصير، ونائب بغراس، ونائب الرّاوندان، ونائب الشّغر وبكاس، ونائب الرّها، ونائب الدّربساك، ونائب شيزر بالمملكة الحلبية. وإلى نائب اللّاذقيّة، ونائب صهيون ونائب حصن الأكراد، ونائب حمص، ونائب المرقب، ونائب بلاطنس، ونائب الكهف، ونائب القدموس، ونائب الخوابي، ونائب العلّيقة، ونائب

стр. 3964

المينقة من أعمال طرابلس. ونائب شقيف تيرون من معاملة صفد. وبذلك يكتب [أيضا] عن نائب الشام إلى صغار الأجناد بمصر، وإلى كاشف الرّملة، ومتولّي حسبان، وحامي الخربة. المرتبة الثامنة عشرة- من يكتب إليه عن هذه الطبقة: «يعلم» وبذلك يكتب عن نائب الشام إلى صغار الأجناد بالشّام. واعلم أنّ وراء ما تقدّم من المكاتبات عن نائب الشام مكاتبات أخرى إلى من هو خارج عن المملكة، وهم على مراتب: المرتبة الأولى- من يكتب له عنه: «يقبّل الأرض» : صاحب بغداد، كما كان يكتب للقان أحمد «١» بن أويس، كان يكتب إليه في ورق قطع نصف الحمويّ بقلم الثلث الصغير: يقبّل الأرض لدى الحضرة الشريفة، العالية، المولويّة، السلطانيّة، العالميّة، العادليّة، المؤيّدية، المالكيّة، القانيّة، ولا زالت عزماتها مؤيّدة، وآراؤها مسدّدة، وينهى إلى العلم الكريم. صاحب السّراي: ودشت القبجاق مثله بأبسط ألقاب. المرتبة الثانية- من يكتب إليه: «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الشريف» ابن السلطان أحمد بن أويس المذكور. وورقه نظير ورق والده، وقلمه نظير قلمه. صاحب هراة: مثله. المرتبة الثالثة- من يكتب إليه: «أعزّ الله أنصار المقرّ الكريم» ، صاحب ماردين «٢» : أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم العالي، المولويّ، الكبيريّ،

стр. 3965

العادليّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، ورفع مقداره، وأجزل مبارّه. المملوك يجدّد الخدمة العالية، ويصف أشواقه المتوالية، وينهي لعلمه الكريم. صاحب برصا: من بلاد الروم، وهو ابن عثمان. والرسم فيه على ما كان يكتب لأبي يزيد بن مراد بك بن عثمان: أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم، العالي، المولويّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، العونيّ، الغياثيّ، الممهّديّ، المشيّديّ، الزّعيميّ، الغازي، المجاهديّ، المثاغريّ، المرابطيّ، العابديّ، الناسكيّ، الزاهديّ، المقدميّ، الأتابكيّ، المحسنيّ، الظهيريّ، الملكيّ، الفلانيّ، معزّ الإسلام والمسلمين، سيد الأمراء في العالمين، ناصر الغزاة والمجاهدين، زعيم جيوش الموحّدين، مبيد المشركين، قامع أعداء الدين، مقتلع الحصون من الكافرين، عون الأمّة، عماد الملّة، ذخر الدولة، ظهير الملوك والسلاطين، حاكم البلاد الرّوميّة، صاحب برصا وقيسرية «١» ، سيف أمير المؤمنين، قهر [الله] أعداء الدين الحنيفيّ بعزائمه وسطواته، وجعله مؤيّدا في حركاته وسكناته، وأيّده في جهاده واجتهاده بالنصر الذي لا يفارق ألوية أعلامه وراياته، ولا زالت رعاياه محبورة، وعساكره منصورة، هؤلاء بجوده [وهباته] ، وهؤلاء بوجوده وحياته. المملوك يقبّل اليد التي لا زال القصد بها يزيد، وبحر البرّ من أناملها مديد، ونوالها يناله الوافدون حيث أمّوه من قريب وبعيد، ويصف صفاء محبّة يتضاعف نماؤها كلّ يوم جديد، وتترادف تحيّات أشواقها بالموالاة والتحميد، ويتؤامر بهادي رسائلها بصدق المودّة الدائمة على التأبيد، ويبدي إلى العلم الكريم. قلت: كذا رأيته في دستور بخطّ القاضي ناصر الدين بن أبي الطيّب، كاتب سرّ الشأم كان. وفيه اضطراب وتخليط من نعته في ألقابه [بقوله] الملكيّ الفلانيّ، وقوله سيد الأمراء في العالمين، حيث وصفه أوّلا بأوصاف الملوك، ثم وصفه

стр. 3966

بأوصاف الأمراء، إلى غير ذلك من الخبط الذي لا يخفى على متأمل. المرتبة الرابعة- «أعز الله أنصار المقرّ العالي» ، وزير صاحب بغداد، وورقه في قطع الحمويّ بقلم الثلث الخفيف. قاضي بغداد: مثله سواء. صاحب لارندا، من بلاد الروم بمملكة بني قرمان. ويقال في ألقابه: الأصيليّ نوين التّوامين، مجهز المقانب، ذخر القانات. صاحب سيواس، من البلاد الرومية أيضا. صاحب آياس لوق، من البلاد الرّومية. صاحب جولمرك، من بلاد الأكراد. المرتبة الخامسة- «الجناب الكريم» - صاحب حصن كيفا، من بلاد الجزيرة، ويقال فيه: الملكيّ الفلانيّ- مقدّم التّركمان البياضية. المرتبة السادسة- «الجناب العالي» - صاحب أرزنجان «١» . صاحب جزيرة «٢» ابن عمر من بلاد الجزيرة. صاحب أنطاليا «٣» من بلاد الروم. ابن الشيخ عبد القادر الكيلاني شيخ الجبال. المرتبة السابعة- «المجلس العالي» ، صاحب ميّافارقين «٤» من بلاد الجزيرة صاحب أكلّ «٥» ، من الجزيرة أيضا صاحب أرقنين «٦» صاحب قلعة الجوز صاحب

стр. 3967

جرموك صاحب أماسيا، من بلاد الروم نائب ماردين «١» خادم صاحب ماردين صاحب بطنان «٢» صاحب سنجار، من بلاد الجزيرة صاحب حاسك (؟) صاحب أزبك صاحب الموصل صاحب سنوب صاحب بوشاظ صاحب الدّربند «٣» صاحب عين دارا صاحب الحمّة صاحب خلاط «٤» صاحب طلان صاحب تاخ صاحب جمشكزاك نائب كربزاك صاحب القنطرة نائب خرت برت «٥» صاحب البارعيّة صاحب حرّان صاحب العمادية صاحب حاني «٦» نائب مازكرد نائب صالحية ماردين أمير التركمان الشهرية صاحب أشنه «٧» الطبقة الثانية- ممن يكتب عنهم من أعيان الدولة بالديار المصرية ، من يكتب إليه عن السلطان: «أعزّ الله تعالى نصرة الجناب الكريم» وهو نائب السلطنة بحلب. والكتابة عنه على مراتب:

стр. 3968

المرتبة الأولى- «الفلانيّ بمطالعة» وهو النّائب الكافل «١» بالحضرة السلطانية، وأتابك العساكر المنصورة. المرتبة الثانية- «الأبواب بمطالعة» وهو نائب السّلطنة بالشام ، والأمير الدّوادار «٢» بالأبواب السلطانية، وأستاد «٣» الدّار بها، وأكابر الأمراء المقدّمين الخاصكيّة «٤» المرتبة الثالثة- «الأبواب بغير مطالعة» . وبذلك يكتب إلى نائب الشام. المرتبة الرابعة- «الباب الكريم» . وبذلك يكتب إلى نائب السلطنة بطرابلس، ونائب السلطنة بحماة، ونائب السّلطنة بصفد، وكذلك يكتب به إلى الطبقة الثانية من الأمراء المقدّمين بالحضرة ممن دون الخاصكية، وفي معنى ذلك الوزير، وكاتب السّرّ، وناظر الخاصّ «٥» ، وناظر الجيش «٦» ، ومن في معناهم. المرتبة الخامسة- «يقبّل الأرض بالمقرّ الشريف» . وبذلك يكتب إلى حاجب الحجّاب بالشأم. المرتبة السادسة- «يقبّل الباسطة» وبذلك يكتب إلى الحاجب الثاني بالشأم، وحاجب الحجّاب بحلب، وحاجب الحجّاب بحماة، وحاجب الحجّاب بطرابلس، وقاضي القضاة الشافعيّ بحلب، وكاتب السّرّ بها. المرتبة السابعة- «يقبل اليد الشريفة» . وبذلك يكتب إلى نائب البيرة،

стр. 3969

ونائب ملطية «١» ، ونائب قلعة المسلمين، ونائب جعبر «٢» ، ونائب الرّها «٣» ، ونائب الأبلستين «٤» ونائب حمص، وأمراء الطّبلخاناه «٥» بدمشق. المرتبة الثامنة- «أعز الله تعالى أنصار المقرّ الكريم» . وبذلك يكتب إلى نائب طرسوس، ونائب الرّحبة، والحاجب الثاني بطرابلس، ومقدّمي الألوف بها، والقضاة الثلاثة: المالكيّ، والحنفيّ، والحنبليّ بحلب. إلّا أنه يقال: «أعز الله تعالى أحكام المقرّ» . المرتبة التاسعة- «أعز الله تعالى أنصار المقر الكريم العالي» وبذلك يكتب إلى نائب بهسنى، ونائب الرّحبة، وأكابر الطبلخاناه بالشام، ومن تولّى الإمرة من عرب آل فضل ثم عزل، وقضاة العساكر المنصورة بحلب، وناظر المملكة بها، وأمير آل عليّ. المرتبة العاشرة- «أعز الله تعالى نصرة الجناب الكريم» . وبذلك يكتب إلى أعيان أمراء الطبلخاناه بحلب، والحاجب الثالث والرابع بها، وأكابر أولاد أمراء عرب آل فضل. المرتبة الحادية عشرة- «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» وما في معناه مما يكتب به إلى أرباب الأقلام وغيرهم. وبذلك يكتب إلى نائب «٦» شيزر،

стр. 3970

وأمراء الطبلخاناه بحلب، غير الأعيان، وناظر الأملاك الشريفة بحلب، وناظر خاصّ البريد وموقّعي الدّست «١» بها. المرتبة الثانية عشرة- «صدرت والعالي» . وبذلك يكتب إلى نائب عينتاب «٢» ونائب الرّاوندان «٣» ، ونائب الكختا، ونائب كركر، ونائب بغراس «٤» ، ونائب الدربساك «٥» ، ونائب الشّغر «٦» وبكاس، ونائب القصير «٧» ، وأمراء العشرينات بحلب، وأعيان العشرات بها. المرتبة الثالثة عشرة- «صدرت والسامي» . وبذلك يكتب إلى مقدّمي الحلقة بحلب، ومقدّمي البريديّة بها، وأعيانهم. المرتبة الرابعة عشرة- «السامي» بغير ياء . وبذلك يكتب إلى والي سرمين «٨» ، ووالي الباب، ووالي غزاز، ووالي أنطاكية، ووالي حارم، ووالي كفر

стр. 3971

طاب، ووالي الجبّول، ووالي منبج، ووالي تلّ باشر، وأجناد الحلقة بحلب، وصغار البريدية بها، وعداد التركمان وعداد الأكراد. واعلم أن وراء ما تقدّم من المكاتبات الصادرة عن نائب حلب [مكاتبات أخرى] إلى من هو خارج عن المملكة، كما تقدم في المكاتبات الصادرة عن نائب الشام، وهي على مراتب: المرتبة الأولى- المكاتبة ب «يقبّل الأرض» - القان صاحب بغداد كما كان يكتب إلى القان أويس «١» وابنه أحمد «٢» : يقبّل الأرض بالمقام الشريف العالي، المولويّ، السّلطانيّ، الأعظميّ، الأوحديّ، الملاذيّ، العطوفيّ، المحسنيّ، القانيّ، الملكيّ الفلانيّ، الجلاليّ، أعلى الله تعالى شانه، وأعز سلطانه، وأمكن من رقاب الأعداء مكانه، ولا زال لواؤه يتأزّر بالنصر ويرتدي، وفناؤه يروح إليه العزّ ويغتدي، وعزمه يثقّف صرف الزّمان فلا يعتاد أن يعتدي، ولا برح محمودا في موقف النصر موقفه، ماضيا في هامات أعدائه مرهفه. وينهي بعد أدعية رفعها إلى مواطن الإجابة فتقبلها ربها بقبول حسن «٣» وموالاة شفعها بالإخلاص، فعجز عن وصفها ذوو البلاغة واللّسن، وأثنية جمعها فلذّت بها الأسماع لذاذة الأعين الساهرة بالوسن، أن الأمر كيت وكيت. المرتبة الثانية- من يكتب له «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الشريف» - صاحب ماردين. والرسم أن يكتب إليه: أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الشريف، العالي، المولويّ، الكبيريّ، العالميّ، العادليّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ. ويدعى له، نحو: لا زالت أيامه مسعودة، وأبوابه مقصودة، وألوية النّصر بنواصي خيله معقودة، المملوك يقبل اليد الشريفة، ويقوم من الخدمة بأكمل وظيفة،

стр. 3972

وينهي لعلمه الكريم بعد السّلام الزكيّ، والثناء المسكيّ، كيت وكيت، فيحيط بذلك علمه الكريم، ويتحف بالمشرّفات على عادة فضله العميم. المرتبة الثالثة- «أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ الكريم» . وبذلك يكتب إلى ابن قرمان نائب السلطنة بالبلاد القرمانيّة، حاكم جولمرك، صاحب برصا وهو ابن عثمان، صاحب آياس لوق. المرتبة الرابعة- «المقرّ العالي» وبذلك يكتب إلى صاحب حصن «١» كيفا، والوزير بالممالك القانية وقاضيها. المرتبة الخامسة- «أعز الله تعالى نصرة الجناب الكريم» . وبذلك يكتب إلى صاحب أنطاليا من بلاد الروم. المرتبة السادسة- «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» . وبذلك يكتب إلى نائب كربزاك، وحاكم جمشكزاك، وحاكم سيواس، وحاكم أماسيا، وحاكم سنوب، والحاكم بخرت برت «٢» المرتبة السابعة- «أدام الله تعالى نعمة الجناب العالي» . وبذلك يكتب إلى نائب صاحب ماردين، ونائب الصّالحيّة، وبعض خدّام صاحب ماردين. المرتبة الثامنة- «صدرت والعالي» . وبذلك يكتب إلى حاكم حرّان، ونائب مازكرد، وحاكم قلعة الجوز. الطبقة الثالثة- ممن يكتب عنه من أعيان الدولة بمملكة الديار المصرية . من يكتب إليه عن السلطان: «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» . كوزير

стр. 3973

المملكة بالديار المصرية، وناظر الخاصّ، على ما استقرّ عليه الحال آخرا، وأرباب الوظائف من الأمراء المقدّمين بها، كأمير سلاح، وأمير مجلس، وأميراخور، والدّوادار، وإستادار، وحاجب الحجّاب، ونائب الإسكندرية، وكذلك نوّاب السلطنة بطرابلس، وحماة، وصفد، من الممالك الشامية. والمكتوب إليهم عن هذه الطبقة على [تسع] مراتب: المرتبة الأولى- «الفلانيّ بمطالعة» وهم: النّائب الكافل، وأتابك العساكر، ونائب الشأم. المرتبة الثانية- «الأبواب بمطالعة» . وبذلك يكتب إلى نائب حلب. المرتبة الثالثة- «الأبواب بغير مطالعة» وبذلك يكتب إلى نائب طرابلس، ونائب حماة، ونائب صفد، ونائب الكرك، وأمير سلاح وغيره من سائر من في هذه الطبقة. المرتبة الرابعة- «الباب الكريم» . وبذلك يكتب إلى نائبي الوجهين القبليّ والبحريّ بالديار المصرية، ومقدّمي العسكر بغزّة وسيس، والأمراء المقدّمين المتوجهين من الأبواب السلطانية لكشف الجسور والمساحة وقبض الغلال. المرتبة الخامسة- «يقبّل الأرض بالمقرّ الشريف» إن قصد تعظيمه ، أو الباسط الشريف إن لم يقصد، وبذلك يكتب إلى «١» المرتبة السادسة- «يقبّل اليد العالية» . وبذلك يكتب إلى أمراء الطبلخاناه «٢» المتوجّهين من الأبواب السلطانية لكشف الجسور والمساحة والقبض. وربما انحطّت رتبة أحد هؤلاء فكتب إليه: أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ

стр. 3974

الكريم، أو نصرة الجناب الكريم، أو ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي. المرتبة السابعة- «ضاعف الله تعالى نعمة الجناب العالي» . وبذلك يكتب إلى كاشف الوجه البحري وكاشف الفيّوم والبهنساويّة. المرتبة الثامنة- «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» . وبذلك يكتب إلى الولاة الطبلخاناه بالوجهين القبليّ والبحريّ بالديار المصرية، كقوص والمحلّة، وغيرهما. وربما كتب «صدرت والعالي» لأحدهم. المرتبة التاسعة- «صدرت والسامي» . وبذلك يكتب إلى ولاة العشرات بالوجهين القبليّ والبحريّ بالديار المصرية. الطبقة الرابعة- ممن يكتب عنه من أعيان الدّولة بمملكة الديار المصرية ، من يكتب إليه عن السلطان «أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي» ، ككاتب السرّ وناظر الجيش «١» ، وكذلك الحجّاب الطبلخاناه بالديار المصرية. وعلى ذلك كان ناظر الخاصّ «٢» في الزمن المتقدّم، فلما جمع للصاحب شمس الدّين المقسي بين الوزارة ونظر الخاصّ، كان يكتب عنه بما يكتب به عن الوزراء كما تقدّم. فلما انفصل الخاصّ عن الوزارة روعي في الخاصّ ذلك القدر، فكتب عن ناظر الخاص كما كتب عن الوزير، والأمر على ذلك إلى الآن. والمكاتبات الصادرة عن هذه الطبقة على مراتب: المرتبة الأولى- «الفلانيّ بمطالعة» . وبذلك يكتب إلى النّائب الكافل، والأتابك، ونائب الشّام، وألحقوا بهذه الرتبة نائب حلب، فكتبوا إليه الفلانيّ. المرتبة الثانية- «الأبواب بمطالعة» . وبذلك يكتب عن هذه الطبقة إلى نوّاب السلطنة بطرابلس، وحماة، وصفد، وثغر الإسكندريّة.

стр. 3975

المرتبة الثالثة- «الأبواب بغير مطالعة» وبذلك يكتب إلى نائبي الوجهين القبليّ والبحريّ بالديار المصرية، ومقدّمي العسكر بغزّة وسيس، وربما كتب إلى أحدهم «الباب الكريم» . المرتبة الرابعة- «الباسط الشريف» . وبذلك يكتب إلى نائب الكرك. المرتبة الخامسة- «يقبّل الباسطة» . وبذلك يكتب إلى نائب القدس الشريف، ونائب الرّحبة، وكاشف الوجه البحري، وكاشف الفيّوم بالديار المصرية. المرتبة السادسة- «يقبل اليد العالية» . وبذلك يكتب إلى الولاة الطبلخاناه، بالوجهين القبليّ والبحريّ، بالديار المصرية. المرتبة السابعة- «يخدم الجناب العالي» . وبذلك يكتب إلى الولاة العشرات بالوجهين القبليّ والبحريّ أيضا. قلت: وعلى هذه الطبقات الأربع يقاس من دونهم ممن يكتب إليه عن السلطان، صدرت والعالي، كنائبي القدس والرّحبة، ومن يكتب له: صدرت والسامي، كالكاشف بالوجه البحريّ، وكاشف الفيّوم، ومن يكتب له: هذه المكاتبة، كالولاة الطبلخاناه بالوجهين القبليّ والبحريّ، ومن يكتب له: «يعلم» كالولاة العشرات بالوجهين أيضا. على أن الغالب في مثل هؤلاء أن تكون الكتابة عنهم لأعيان الدولة «الفلانيّ بمطالعة» وفيمن هو مثلهم أو دونهم يقاس على ما تقدّم. واعلم أن هذه المراتب المضمّنة للطبقات ليست على سبيل اللّزوم في الوقوف عند حدّها، بحيث لا يجوز تجاوزها بزيادة ولا التأخّر عنها بنقص، بل هي على سبيل التقريب، والأمر في زيادة رتبة المكتوب إليه زيادة لا تخرجه عن حدّه في المقدار موكول إلى اختيار الكاتب، يزيد في ذلك وينقص، بحسب ما يقتضيه الحال من رفعة قدر المكتوب إليه، لمزيد رفعته عن نوعه، أو محاباته لا ستمالته إلى القصد المطلوب منه، أو الغضّ منه بحطيطة رتبته أو نحو ذلك.

стр. 3976

الفصل السابع من الباب الثاني من المقالة الرابعة (في مقاصد المكاتبات، وهي الأمور التي تكتب المكاتبات بسببها) وهي الجزء الأعظم من صناعة التّرسّل، وعليها مدار صنعة الكتابة، إذ الولايات من مقاصد المكاتبات، وهي أهمّ ما تضلّع به الكاتب، وألزم ما مهر فيه، وهي قسمان: القسم الأوّل (مقاصد المكاتبات السلطانيات، وهي على نوعين) النوع الأوّل (ما يكتب عن الخلفاء والملوك، وهو على ثلاثة أضرب) الضرب الأوّل (ما يكتب عن الخلفاء والملوك ومن ضاهاهم) ممّا هو مستعمل الآن ممّا كان عليه الحال في الزمن القديم مما يقلّ ويكثر، ويتكرّر تداوله في الكتابة وسائر المكاتبات في الحوادث المألوفة التي يكثر تداولها، وتتكرر الكتابة فيها بتكرر وقائعها، وما رسم الكتابة به باق إلى زماننا، وإن تغير مصطلح الابتداء والخطاب وغيرهما من رسوم المكاتبات. وهو على أصناف:

стр. 3977

الصنف الأوّل (الكتب بانتقال الخلافة إلى الخليفة) قال في «موادّ «١» البيان» : جرت العادة أن تنفّذ الكتب إلى ولاة الأعمال في مثل هذه الحالة، متضمّنة ما جرى عليه الأمر بالحضرة، من انقياد الأولياء والرعايا إلى الطاعة، ودخولهم في البيعة بصدور منشرحة، وحضّ من بالأعمال من رجال السلطان ورعيته على الدخول فيما دخل فيه أمثالهم، وإعطاء الرّعايا على ذلك صفقة أيمانهم. وقد كان الرسم فيها أن تصدّر بحمد الله تعالى على عوارفه التي لم تزل تكشف الخطب، وترأب الشّعب، وتدفع المهمّ، وترفع الملمّ، وتجبر الوهن، وتسبغ الأمن، والصلاة على سيدنا محمد ﷺ ، وذكر خصائصه ومناقبه، وتشريف الله تعالى له بإقرار الإمامة في أقاربه، وتخصيصها ببني عمّه الذين هم أحقّ الناس به، وما أمر به الله تعالى رسوله ﷺ من طلب مودّتهم من الأمة بقوله جلّ من قائل: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى «٢» وما أشار إليه ﷺ من بقاء الخلافة فيهم بقوله لعمّه العباس: «ألا أبشّرك يا عمّ، بي ختمت النّبوّة وبولدك تختم الخلافة» وما يجري مجرى ذلك. ثم يتلو ذلك بالإفصاح عن شرف الخلافة وفضلها، والإبانة عن رفيع مكانها ومحلّها، وأنها ظلّ الله الممدود، وحبله المشدود، ومساك الدّين ونظامه، وملاك الحق وقوامه، وامتنان الله تعالى على العباد بأن جعل فيهم أئمة يقسطون «٣» العدل عليهم، ويقيمون الحدود فيهم، ويقوّمون أديانهم، ويهذّبون إيمانهم، ويرهفون بصائرهم، ويهدون حائرهم، ويكفّون ظلومهم، وينصفون مظلومهم، ويجمعون كلمتهم، ويحمون

стр. 3978

ذمارهم «١» ، ويحوطون ديارهم، وما يجري مجرى ذلك. ثم يذكر ما أوجبه الله تعالى على أهل الإسلام للإمام من الطاعة وحسن التّباعة أيام حياته، والانقياد لأمره في طاعة من ينصّ عليه في القيام مقامه بعد وفاته، ليتّصل حبل الإمامة بينهم، ويمتدّ ظلّ الخلافة عليهم، فإن كان قد تلقّى الخلافة بعهد عن خليفة قد مات، من أب أو غيره، أتى بمقدّمة في ذكر الموت، وأن الله تعالى سوّى فيه بين بريّته وجعل في تطرّقه إلى رسوله أسوة لخليقته، وتفرّد بالبقاء، وامتنع عن الفناء، ثم يقال: وإن الله تعالى لما اختار لعبده ووليه فلان النّقلة إلى دار كرامته، والحلول بفناء طاعته، وأعانه على سياسة بريته، وأنهضه بما حمّله، وأيده فيما كفّله، من الذبّ عن المسلمين، والمراماة عن الدّين، والعمل بكتابه وسنّته في القول والفعل، واستشعار خيفته ومراقبته في السرّ والجهر، وما يليق بهذا- استخلص عبده ووليّه فلانا الإمام الفلانيّ لخلافته، وأهمى سماء الرحمة بإمامته، وأحلّ عزيز النصر بولايته، وألقى في نفيس رأيه النصّ عليه، والتفويض إليه، لما علم سبحانه في ذلك من شمول المصلحة للعباد، وعموم الأمنة للبلاد، فأمضى- قدس الله روحه- ما ألهمه، وكمّله قبل خروجه من دار الدنيا وتممه، عالما بفضل اختياره، وأنه لم يمل به الهوى في إيثاره، فقام أمير المؤمنين الإمام الفلانيّ مقامه، وحفظ نظامه، وسدّ ثلمته، وعفّى رزيّته، وأقر الله تعالى الإمامة به في نصابها ومقرّها، وزاد باستخلافه في صيت الخلافة وقدرها. وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى أن يخص وليّه السعيد بقربه بأفضل صلواته، وأشرف تحياته، ويحسن جزاءه في سعيه في صلاح العباد، وسداد البلاد، وأن يلهم أمير المؤمنين الصبر على تجرّع الرّزيّة فيه [ويجزيه] أفضل ما جزى به صابرا محتسبا، وأن يجبر كسره في فقده، ويوفّقه لجميل العزاء من بعده، ويسدّده في مصادره وموارده، ويهديه لما يرضيه في جميع مقاصده، ويعينه على تأليف الأهواء، وجمع الآراء، ونظم الشّمل، وكفّ القتل، وإرخاء الظل.

стр. 3979

وكتاب أمير المؤمنين هذا إليك وقد اجتمع من بحضرته، من ذوي جهته وأمراء دولته، وكافّة جنده وجماعة حوزته على بيعته، وإعطائه صفقة أيمانهم على طاعته ومشايعته، عن صدور مخلصة نقيّة، وسرائر صافية سليمة، وعقائد مشتملة على الوفاء بما عقدوا عليه، وانقادوا مختارين إليه، وشملتهم بذلك الرحمة، وضفت عليهم النعمة، فما برحوا الرّزيّة، حتّى فرحوا بالعطية، ولا وجموا للمصيبة، حتّى بسموا للرغيبة، ولا أظلموا لفقد الماضي، حتّى أضاء الوجود بالآتي. فلله الحمد على هذه النعمة التي جبرت الوهن، وحققت في فضله المنّ، حمدا يستدرّ أخلاف فضله، ويستدعي سابغ طوله، وصلّى الله على محمد وآله، وأمير المؤمنين يراك من أهل مخالصته، والمتحققين بطاعته، وهو يأمرك أن تأخذ البيعة له على نفسك، وعلى جميع أوليائه المقيمين قبلك، وكافّة رعاياه الذين هم في عملك، وتشعرهم بما عنده للمسارعين لطاعته، المبادرين إلى اتّباعه، من تيسير الإنصاف والعدل، وإفاضة الإحسان والفضل، وما لمن نكب عن الطريقة المثلى، وحاد عن الأولى، من الكفّ الرّادع، والأدب الوازع، ويتوسّع في هذا المعنى توسّعا يشرح صدور أهل السلامة، المستمرّين على نهج الاستقامة، ويردع أهل الفساد، ويغضّ من نواظر ذوي العناد. ويحلّي الكتاب بآيات من القرآن الكريم تحسن استعارتها في باب العزاء، ويليق ذكرها في باب الإشادة بالخلافة والخلفاء. فإن كان الكتاب مما يقرأ بالحضرة، قال في موضع «وكتاب أمير المؤمنين إليك» : وأنتم معاشر أقارب أمير المؤمنين، من إخوته وبني عمه وخواصّ الدولة وأمرائها وأجنادها وكتّابها وقضاتها وكافّة رعيتها، ومن اشتمل عليه ظل مملكتها، أحقّ من حافظ على عوارف أمير المؤمنين واعتدّ بلطائفه، وقام بشكر نعمته، وسارع إلى اتباعه واعتصم بحبل دعوته، فأجمعوا على متابعته، وإعطائه صفقة أيمانكم على مبايعته، ليجمع الله على التأليف كلمتكم، ويحمي بالتّازر بيضتكم. ويتبع ذلك من وعد أهل الطاعة بما يضاعف جدودهم، ومن وعيد أهل المعصية بما يصفّر خدودهم، على نسق ما سبق في الترتيب.

стр. 3980

وهذه نسخة كتاب في المعنى، كتب به عن الآمر «١» بأحكام الله تعالى عند استقراره في الخلافة بعد أبيه المستعلي «٢» بالله، والدّولة مشتملة على وزير، من إنشاء ابن «٣» الصّيرفيّ، وهي: الحمد لله المتوحّد بالبقاء، القاضي على عباده بالفناء، الذي تمجّد بالأزليّة والقدم، وتفرّد بالوجود وتنزّه عن العدم، وجعل الموت حتما مقضيّا على جميع الأمم. يحمده أمير المؤمنين على ما خصّه به من الإمامة التي قمّصه سربالها، وورّثه فخرها وجمالها، حمد شاكر على جزيل العطيّة، صابر على جليل الرّزيّة، مسلّم إليه في الحكم والقضية، ويسأله أن يصلي على جده محمد الذي ثبتت حجته، ووضحت محجّته، وعلت كلمته، وأنافت على درج الأنبياء درجته، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب الذي جعل

стр. 3981

[الله] الإمامة كلمة في عقبه باقية، وحبّه جنّة «١» يوم الفزع الأكبر واقية، وعلى الأئمة من ذرّيتهما الطاهرين، صلاة دائمة إلى يوم الدّين. وإن الإمام المستعلي بالله أمير المؤمنين قدّس الله روحه وصلّى عليه، كان من أوليائه الذين اصطفاهم لخلافته في الأرض، وجعل إليهم أزمّة البسط والقبض، وقام بما حمّله من أوق «٢» الإمامة، ولم يزل عاملا بمرضاة الله إلى أن نقله إلى دار المقامة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، رضا بقضائه، وصبرا على بلائه، وإلى الله يرغب أمير المؤمنين في إلهامه حسن الصبر على هذا المصاب، وإجزال حظّه عليه من الأجر والثواب، وإمداده في خلافته بموادّ الإرشاد والصواب، بكرمه. وكتاب أمير المؤمنين يوم كذا من الشهر الفلانيّ من سنة كذا، بعد أن جلس للحاضرين بحضرته من الأمراء؛ عمومته، وأوليائه وخدم دولته، وسائر أجناده وعبيد مملكته، وعامة شيعته، وأصناف رعيّته، وأنوار الخلافة عليه مشرقة، وأغصان الإمامة مثمرة مورقة، والسيد الأجلّ الأفضل الذي أمدّه الله في نصرة الدولة العلوية بالتأييد والإظهار، وأبان به برهان الإمامة الآمرية فوضحت أنوارها للبصائر والأبصار، وشهر له من المناقب ما سار مسير الشمس في جميع الأقطار، يتولّى الأمر بحضرته تولّي الكافل الزّعيم، ويباشر النظر في بيعته مباشرة القسيم الحميم، والناس داخلون في البيعة بانشراح صدور، وإظهار ابتهاج وسرور، يعطون صفقة أيمانهم، ويعلمون ما لهم من الحظّ في طاعة إمام زمانهم، قد تحققوا شمول السّعد وعموم الرشاد، وتيقنوا الخيرة لهم في العاجلة والمعاد، وأمير المؤمنين يعزّيك ومن قبلك من أولياء دولته، وسائر رعيته، عن المصيبة في الإمام

стр. 3982

المستعلي بالله- صلّى الله عليه- التي قطعت من النفوس أملها، وأسكنت الألباب جزعا وولها، ويهنّيك وإياهم بمتجدّد دولته التي تهلّل لها وجه الزمان، واستهلت بها سحائب الفضل والإحسان. وأمير المؤمنين يحمد الله الذي أقرّ الحقّ في منصبه، وأفرده بما كان والده الإمام المستعلي بالله أفرد به. فاعلم ما أعلمك أمير المؤمنين من هذا الخطب الجسيم، والنّبأ العظيم، واشكر الله على ما جدّده لك ولكافّة المسلمين، من النعمة بإمامة أمير المؤمنين، التي أوفت بإساءة الزمان وجنايته وشفت من داء كلمه ونكايته، وتقدّم إلى الدعاء قبلك بأخذ البيعة على نفسك وعلى كافّة من في ولايتك، واستحمد إلى أمير المؤمنين أنت وهم بالإخلاص في طاعته، والاجتهاد في مناصحته، والتّمسّك بعصم مشايعته، لتنالوا في العاجلة حظّا جسيما، وتحرزوا في الآجلة أجرا كريما: ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما «١» وطالع بالكائن منك بعد قراءة كتاب أمير المؤمنين على الحاضرين قبلك، وإذاعته في الواردين عليك والمستوطنين عملك، ليحمدوا الله على ما أنالهم بخلافة أمير المؤمنين من جميل الصّنع العائد على العباد، وصلاح البلاد- وكتب في اليوم المذكور. وهذه نسخة كتاب عن الآمر بأحكام الله المقدّم ذكره، كتب به إلى ولاة الأطراف بعد قراءة عهده، مهنئا بخلافته، وتجديد ولايته، من إنشاء ابن الصّيرفيّ، أيضا، وهي: أما بعد، فالحمد لله مولي المنائح من نعمه، ومجزل العطايا من مواهبه وقسمه، ومعوّد الصنع الجميل من لطفه وكرمه، الذي له الحكم الظاهر عدله، ولديه الطّول الفائض فضله، وعنده مفاتح الغيب وإليه يرجع الأمر كلّه.

стр. 3983

يحمده أمير المؤمنين على ما أفرده به من سنيّ المواهب، ونظمه له من عقود المناقب، ونقله إليه من تراث آبائه الكرام الذين جلا ضياؤهم ظلام الغياهب، وتزينت بهم الأرض تزيّن السماء الدنيا بزينة الكواكب، ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الذي نشر الله به الرحمة، وكشف الغمّة، وأنقذ الأمّة، صلّى الله عليه وعلى أخيه وابن عمّه عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين، والمذكور في زبر الأوّلين، وعلى الصّفوة من ذرّيتهما الهداة الراشدين، صلاة باقية إلى يوم الدين. وإنّ النّعم تتفاضل أقدارها بحسب مواقعها، وتتفاوت أخطارها بقدر مواضعها، ومن ألطفها مكانا، وأشرفها محلّا وشأنا، وأولاها بأن تستنطق به الأقلام، وأحقّها بأن يتناقل ذكرها الخاصّ والعام، ما خصّ الله به أمير المؤمنين من المنن الظاهرة، وتولّاه من المنح المتظاهرة، وأصاره إليه من الخلافة في أرضه، واستخلفه عليه من القيام بسنن دينه وفرضه، واسترعاه إيّاه من حياطة بلاده، وأوجبه من طاعته على كافّة خلقه وعباده، وذخره لدولته من كفيله وخليله، ومقيم أدلّة حقه وموضّح سبيله، السيد الأجلّ الأفضل الذي ارتضاه الله للذّبّ عن الإسلام، وانتضاه لنصرة إمام بعد إمام، وشهر مناقبه في كلّ موقف ومقام، وخصّه بفضائل لم تر مجتمعة لملك من ملوك الإسلام، لا جرم «١» أنّ أمير المؤمنين قد أحلّه منه محلّ الرّوح من الجسد، والوالد من الولد، وفوّض الأمور إليه تفويض معوّل على يمن نقيبته معتمد، مبالغ في حسن الاختيار للأمة مجتهد، والله تعالى يمتّع أمير المؤمنين ببقائه الكافل ببلوغ الأمل، ويجازيه عن تشييد مملكته أحسن ما جزى به مخلصا جمع في الإيمان بين القول والعمل، بكرمه. ولما وقف أمير المؤمنين بما طالعه به السيد الأجلّ الأفضل عند مثوله بحضرته، وإنهائه أمور دولته وأحوال مملكته، على أمرك الذي استحمده في الخدمة، واستحققت به إفاضة الإحسان وإسباغ النعمة، وأن لك في الدولتين

стр. 3984

المستنصريّة والمستعليّة من الخدم المشكورة، والمساعي المبرورة، ما يدلّ على مناصحتك وإخلاصك، ويبعث على اصطناعك واستخلاصك، أمر بكتب هذا السّجلّ لك مؤكّدا لأواخيك «١» ، ومعربا عن رأيه الجميل فيك، ومجدّدا من ولايتك، ومجريا لك فيها على مستمرّ رسمك ومستقرّ عادتك. فقابل نعمة أمير المؤمنين من الإخلاص في طاعته بما يرتبطها، ووفّها من حقّ الاجتهاد ما يقرّها عندك ويثبّطها، واجعل تقوى الله تعالى عمادك، واطو عليها طويّتك واعتقادك، ومكّن في نفوس الأولياء جميل رأي أمير المؤمنين فيهم، وإحماده لمواقفهم في الخدمة ومساعيهم، وحقّق عند كافّة المستقرّين لديك، والواردين عليك، ما يكنفون به من الأمر الشامل، ويغمرون به من حسن النظر المتواصل، واجر على العادة المألوفة في إفاضة العدل والإنصاف، وتنكّب سبيل الجور والإجحاف، ومهّد السّبل قبلك، واحم من أسباب الفساد ولايتك وعملك، واخصص متولّي الحكم والدعوة الهادية- ثبتها الله تعالى- بالإعزاز والرعاية، ووفّر حظّهم من الملاحظة والعناية، وخذ المستخدم في الخطبة العلويّة بإقامتها في أوقاتها، على أفضل قوانينها وواجباتها، معلنا فيها بذكر أمير المؤمنين الذي يتوّج فروق المنابر، ويشنّف أسماع البوادي والحواضر، وتوفّر على ما ثمّر الأموال وأنماها، وغزّرها ورخّاها، وقضى بوفورها وحصولها، ودعا إلى درورها ومواصلة حمولها، وانظر في أمر الرجال المستخدمين معك نظرا يؤدّي إلى مصلحتهم، فاعلم هذا من أمير المؤمنين، واغتبط بما أصاره الله إليه اغتباط أمثالك من المخلصين، واعتقد طاعته اعتقاد من يجاريك من أهل اليقين، واعمل بوصاياه ومراشده تحظ في الدنيا والدين، وطالع بالكائن منك بعد قراءة هذا السّجلّ على كافة الناس أجمعين، وكتب في كذا وكذا.

стр. 3985

واعلم أن العادة جارية بينهم أنه إذا كتب كتاب عن الخليفة بانتقال الخلافة إليه، يكتب ملطف عن الوزير، يلفّ كتاب الخليفة ضمنه، ويوجّه به إلى حيث المقصد. وهذه نسخة ملطّف في هذا المعنى، كتب به عن وزير في الدولة الفاطمية، ليلفّ كتاب الخليفة طيّه، وهو: ينطوي هذا الأمر الوارد على الأمير على كتاب مولانا وسيدنا الإمام الفلانيّ لدين الله، أمير المؤمنين، صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين، وأبنائه الأكرمين، أو: أبنائه المنتظرين، إن كان لا ولد له، بما أصاره إليه من شرف الإمامة، وبوّأه إيّاه من مقام العظمة والكرامة، إثر انتقال الإمام فلان أمير المؤمنين- قدّس الله روحه- إلى جوار ربّه. فاعتمد العمل بمضمونه في أخذ البيعة على نفسك ومن يليك وتلاوته على رؤوس الأشهاد، وإذاعة مكنونه في الحاضر والباد، على الرسم المعتاد، فاعلم هذا واعمل به إن شاء الله تعالى. قلت: وهذا المعنى في الكتابة بانتقال الخلافة إلى الخليفة جار في زماننا بانتقال السّلطنة إلى السلطان، ويعبّر عن ذلك بجلوسه على تخت الملك، والأمر على ما تقدّم في الخلافة من التعزية بالماضي، والتهنئة بالمستقرّ، ونحو ذلك مما يجري مجراه. وهذه نسخة مكاتبة بالبشارة بجلوس الملك الصالح صالح «١» ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون على التخت، في شهر رجب الفرد سنة اثنتين وخمسين

стр. 3986

وسبعمائة، بعد خلع أخيه الملك الناصر [حسن] . وصورتها بعد الصّدر والألقاب: وأورد عليه من البشائر أسنى البشر، وأسمعه من التّهاني ما انتشى حديثه بين البرايا وانتشر، وحفظ عليه وعلى الأمة ما أراد لهم من الخير وولّى عليهم خيارهم وجعل مليكهم صالح البشر. صدرت هذه المكاتبة إلى فلان وبصربها «١» مقدما بالظّفر، وذكرها قد ملأ الأقطار فجمع عليه كلّ قلب كان قد نفر، تهدي إليه سلاما عن وجه الشّكر سفر، وثناء يحصل منه على النّصيب الأوفر، وتوضّح لعلمه أن الجنابات العالية الأمراء الأكابر، أمراء الدولة الشريفة، ضاعف الله نعمتهم، كانوا قد عظّموا أخانا الناصر، وحكّموه، ومشوا إلى خدمته على أحسن سنن، وما أبقوا في خدمته ممكنا من التعظيم، والإجلال والتحكيم، وامتثال الأمر في كل جليل وحقير، فلم يرع لهم ذلك، ولا التفت إلى ما لهم عليه من حقوق الخدمة، واتفق مع الصبيان، وأراد القبض على الأمراء، وإمساك الجنابات العالية الأمراء الأكابر والإيقاع بهم. فلما تحققوا منه ذلك اجتمعت الأمراء، واتفقت الكلمة على خلعه من الملك الشريف وإقامتنا، فخلع المشار إليه، وكان جلوسنا على تخت الملك الشريف وكرسيّ السّلطنة المعظمة في يوم الاثنين المبارك، بحضور الإمام المعتضد بالله أمير المؤمنين أبي الفتح أبي بكر، ابن الإمام المرحوم أمير المؤمنين أبي الرّبيع سليمان المستكفي بالله، ومبايعته لنا، وحضور المجالس العالية قضاة القضاة بالأبواب

стр. 3987

الشريفة، أعز الله تعالى أحكامهم، وحلف لنا أمراء الدولة الشريفة على جاري العادة في ذلك، وضربت عند ذلك البشائر، وشهد هذا الهناء كلّ باد وحاضر، وتشنّفت الأسماع وقرّت العيون واستقرّت الخواطر، وابتهجت بذلك الأمم، وتباشرت بهذا السّعد الذي كتب لنا من القدم، وأصبح كلّ من أنصار دولتنا الشريفة مبتهلا بالدعاء مبتهجا. فليأخذ المقرّ حظّه من هذه التهنية، وليذع خبرها لتكون المسارّ معيدة ومبدية، ويتحقق ماله عندنا من المكانة، والمحلّ الذي زان بالإقبال الشريف زمانه ويتقدّم أمره الكريم بتهنئة المجالس العالية والسامية ومجالس الأمراء بالمملكة الفلانية، ويتقدّم أيضا بضرب البشائر وبالزينة على العادة. وقد تجهّز إلى الجناب العالي نسخة يمين شريفة يحلف عليها، ويكتب خطّه، ويجهزها إلينا صحبة المجلس السامي، الأمير، الأجلّ، الكبير، العضد، الذّخريّ، النّصيريّ، الأوحديّ، عضد الملوك والسلاطين، يلبغا الحمويّ الصالحيّ، أدام الله علوّه، المتوجّه بهذا المثال الشريف، وقد جهزنا نسخة يمين شريفة ليحلف عليها لنا الأمراء بطرابلس ويكتبوا خطوطهم ويجهزها إلينا على العادة صحبة المشار إليه. وقد جهزنا للجناب العالي صحبة المشار إليه تشريفا شريفا كاملا، فيتقدّم الجناب العالي بتسلمه منه ولبسه، ويتحقق ماله عندنا من المكانة والمنزلة، ويعيد الأمير سيف الدّين يلبغا المشار إليه إلى الباب الشريف، فيحيط علمه بذلك. الصنف الثاني (من الكتب السلطانية الكتب في الدعاء إلى الدّين، وهو من أهمّ المهمّات) قال في «موادّ «١» البيان» : أشرف ما ينشئه الكاتب الدعاء إلى دين الإسلام

стр. 3988

الذي أظهره الله تعالى على كلّ دين، وأعزّه على كره المشركين، واستجرار مخالفيه إليه، واجتذاب الخارجين عن دائرته إلى الدخول فيه، عملا بما كان عليه رسول الله ﷺ والخلفاء من بعده؛ لأنه قوام الملك ونظام السلطان اللّذان لا يصحّان إلّا به. قال: والكاتب يحتاج في إنشاء هذه الكتب إلى علم التوحيد وبراهينه، وشرع الرسول ﷺ خاصّه وعامّه، ومعجزاته، وآيات نبوّته، ليتوسّع في الإبانة من ظهور حجته، ووضوح محجّته. ثم قال: والرسم فيها أن تفتتح بحمد الله الذي اختار دين الإسلام فأعلاه وأظهره، وقدّسه وطهّره، وجعله سبيلا إلى رضاه وكرامته، وطريقا إلى الزّلفى في جنّته، وشفيعا لا يقبل عمل عامل إلّا به، وبابا لا يصل واصل إلّا منه، فلا تغفر السيئات إلّا لمن اعتصم بحبله، ولا تتقبّل الحسنات إلّا من أهله، وشكره تعالى على الهداية إليه، والتوفيق عليه، وذيادته عن مجاهل الضلالة بما أوضحه من برهانه، ونوّره من تبيانه، وتمجيده من تعظيم آياته، وباهر معجزاته، وحكيم صنعته وبديع فطرته، وتنزيهه عما لا يليق بسلطانه، ولا تجوز إضافته إلى عظيم شانه، وتسبيحه عما يصفه به الملحدون، ويختلقه الجاحدون، والصّلاة على رسوله محمد ﷺ والإفصاح عن دلائل نبوّته، وبراهين رسالته، وما خصّه الله تعالى به من إعلاء ذكره وإمداده بالمعجزات الباهرة، والآيات الظاهرة. ثم يتبع ذلك بالدعاء إلى الدّين والحضّ عليه، وإيضاح ما في التّمسّك به من الرّشاد في داري المبدإ والمعاد، والتّبشير بما وعد الله به المستجيبين له، والداخلين فيه، من تمحيص السّيّئات، ومضاعفة الحسنات، وعزّ الدنيا وفوز الآخرة، والإنذار بما أوعد الله به النّاكبين عن سبيله، العادلين عن دليله، من الإذلال في هذه الدار، والتّخليد بعد العرض عليه في النار، وتصريف المخالفين بين الرّغبة والرّهبة، في العاجل والمغبّة. قال: وينبغي أن يتأنّى الكاتب فيما يورده من هذه الأغراض، ليقع في

стр. 3989

المواقع اللائقة به، ويجلو الحجج في أحسن المعاريض، ويفصح عنها بأقرب الألفاظ من النفوس؛ فإنه إذا وفّق لذلك، ناب كتابه مناب الجيوش والأجناد، وأقرّ السيوف في الأغماد، ثم قال: ومن صدقت في هذا الفنّ رغبته، أيد الله تعالى غريزته، وعضّد بديهته ورويّته. قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانية قد بطل في زماننا، فلم يعهد أنّ ملكا من الملوك كتب إلى بلاد الكفر بالدّعاية إلى الدين، إذ مثل ذلك إنما يصدر مع الغلبة والقوّة والقهر. كما كان الخلفاء في الزمن المتقدّم والكفر مقهور معهم، مذلول لديهم. أما الآن فلولا ما أخبر به ﷺ بقوله: «ونصرت بالرّعب مسيرة شهر» وفي رواية «ونصرت أمّتي» لاجتاح أهل الكفر الإسلام، ولكن الله وعد دينه أن لا يخذل. الصنف الثالث (من الكتب السلطانية الكتب بالحثّ على الجهاد) قال في «موادّ البيان» : كما أن الدّين ينتظم بالدعاء إليه والترغيب فيه، كذلك ينتظم بصيانة حوزته، وما دخل في مملكته، وكفّ أعدائه عن تنقّص أطرافه، والتّغلّب على بلاده. ولهذا فرض الله تعالى الجهاد وأوجبه، وأكّد الأمر فيه وشدّده، والسلطان يحتاج عند الحوادث التي تحدث من تطرّق المخالفين إلى بعض الثّغور، أو شنّ الغارة على أهل الإسلام، أن يدعو إلى الجهاد ومقارعة الأعداء، وصون حريم الملة، وحفظ نظام الدولة. ثم ذكر أن الرسم فيها أن تفتتح بحمد الله تعالى على جميل صنعه، على إعزاز الكلمة، وإسباغ النّعمة باظهار هذه الملة، وما وعد الله به من نصر أوليائه، وخذلان أعدائه، وإدالة الموحدين، وإذالة الملحدين، والصلاة على رسوله ﷺ وعلى آله، وذكر طرف من مواقفه في الجهاد، ومقارعته لشيع الإلحاد، وتأييد الله تعالى أنصاره على أهل العناد، ثم يذكر الحادثة بنصّها، ويشرح القصة على فصّها، ويندب من جاوره وداناه من أهل الملّة أجمعين،

стр. 3990

ويخاطبهم بما يرهف عزائمهم في نصرة الدين وكافّة المسلمين، واتّباع سبيل السّلف الصالحين، الذين خصّهم الله تعالى بصدق الضّمائر، ونفاذ البصائر، وصحّة الدين، ووثاقة اليقين، فلم يكونوا ليروموا مراما إلّا سهّل لهم ما توعّر، ويسّر عليهم ما تعسّر، وسما بهم إلى ما هو أقصى منه مرمى وأبعد مدى، رغبة فيما رغّبهم فيه من نصرته، وتعرّضا لما عرّضهم له من جزيل مثوبته، وأن يحضّهم على التمسك بعزائم الدين، والعمل على بصائر المخلصين، وافتراض ما فرض الله عليهم من جهاد أعدائه، وتنجيز ما وعدهم به من الإظفار بهم والإظهار عليهم، وأن يجاهدوا مستنصرين، ويؤدّوا الحقّ محتسبين، ويقدموا رسلا لا ناكصين ولا شاكّين ولا مرتابين، متّبعين الحقّ حيث يمم وقصد، ومضاربين دونه من صدّ عنه وعند، ويبالغ في تنخية أهل البسالة والنّجدة، والبأس والشّدّة، ويبعثهم على نصر حقّهم وطاعة خالقهم، والفوز بدرك الثواب والرّضوان، وتنوّر البصائر في الإيمان، وفضيله الأنف من الضّيم، والبعد من الذّيم «١» ، إلى غير هذا مما يعدل الأرواح والمهج، والإقدام على مصارع التّلف. فإن الملوك الماضين- لعلمهم بأن الناس إنما يجودون بذلك للفوائد التي توجبه- كانوا يبذلون لمن يدعونه إلى المكافحة، ويعرّضونه للمذابحة، الرغائب التي تهوّن عليهم إلقاء نفوسهم في المهالك تارة، ويذكّرونهم الأحقاد والضغائن ويخوّفونهم من الوقوع في المذلّة أخرى. ثم قال: وينبغي للكاتب أن يقدّم في هذه الكتب مقدّمات، يرتبها على ترتيب يهزّ الأريحيّات، ويشحذ العزائم، ليجمع بين خدمة سلطانه والفوز بنصيب من الأجر. قلت: وهذا الصّنف من المكاتبات السلطانيات مستمرّ الحكم إلى زماننا. فما زالت الملوك يكتبون إلى ما يليهم بالحثّ على الجهاد، والقيام بأوامره، والحضّ على ملاقاة العدوّ، والأخذ بنصرة الدين. وقد تقدّم في الكلام على

стр. 3991

مقدّمات المكاتبات في أوّل هذه المقالة، أن الشّيخ شهاب الدين محمودا الحلبي ذكر في «حسن التوسل» أنه إذا كتب عن الملك في أوقات حركات العدوّ إلى أهل الثغور، يعلمهم بالحركة للقاء عدوّهم، أنّه يبسط القول في وصف العزائم، وقوّة الهمم، وشدّة الحميّة للدّين، وكثرة العساكر والجيوش، وسرعة الحركة، وطيّ المراحل، ومعاجلة العدوّ، وتخيّل أسباب النّصر، والوثوق بعوائد الله في الظّفر، وتقوية القلوب منهم، وبسط آمالهم، وحثّهم على التّيقّظ، وحضّهم على حفظ ما بأيديهم من ذلك وما أشبهه. وأنه يبرز ذلك في أبين كلام وأجلّه، وأمكنه وأقربه من القوّة والبسالة، وأبعده من اللّين والرّقّة، ويبالغ في وصف الإنابة إلى الله تعالى واستنزال نصره وتأييده والرجوع إليه في تثبيت الأقدام، والاعتصام به في الصّبر، والاستعانة به على العدوّ، والرّغبة إليه في خذلانهم، وزلزلة أقدامهم، وجعل الدائرة عليهم، دون التصريح بسؤال بطلان حركتهم، ورجاء تأخيرهم، وانتظار العرضيّات في تخلّفهم، لما في ذلك من إيهام الضّعف عن لقائهم، واستشعار الوهن والخوف منهم، وأن زيادة البسط ونقصها في ذلك بحسب المكتوب إليه. وهذه نسخة مكاتبة من ذلك عن السلطان إلى بعض نوّاب الثّغور، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود «١» الحلبيّ، أوردها في «حسن التوسل» وهي: أصدرناها ومنادي النّصر «٢» قد أعلن بياخيل الله اركبي، ويا ملائكة الرحمن اصحبي، ويا وفود الظّفر والتأييد اقربي، والعزائم قد ركضت على سوابق الرّكض إلى العدا، والهمم قد نهضت إلى عدوّ الإسلام فلو كان في مطلع الشمس لا ستقربت ما بينها وبينه من المدى، والسّيوف قد أنفت من الغمود فكادت تنفر من قربها، والأسنّة قد ظمئت إلى موارد القلوب فتشوّفت إلى الارتواء من قلبها، والكماة قد زأرت كاللّيوث إذا دنت فرائسها، والجياد قد مرحت لما عوّدتها من

стр. 3992

الانتعال بجماجم الأبطال فوارسها، والجيوش قد كاثرت النجوم أعدادها، وسار بها للهجوم على أعداء الله من الملائكة الكرام أمدادها، والنفوس قد أضرمت الحميّة للدّين نار غضبها، وعداها حرّ الإشفاق على ثغور المسلمين عن برد الثغور وطيب شنبها، والنّصر قد أشرقت في الوجود دلائله، والتأييد قد ظهرت على الوجوه مخايله، وحسن اليقين بالله في إعزاز دينه قد أنبأت بحسن المآل أوائله، والألسن باستنزال نصر الله لهجة، والأرجاء بأرواح القبول أرجة، والقلوب بعوائد لطف الله بهذه الأمة مبتهجة، والحماة وما منهم إلّا من استظهر بإمكان قوّته وقوّة إمكانه، والأبطال وليس فيهم من يسأل عن عدد عدوّه بل عن مكانه، والنّيّات على طلب عدوّ الله حيث كان مجتمعة، والخواطر مطمئنة بكونها مع الله بصدقها و «من كان مع الله كان الله معه» ، وما بقي إلّا طيّ المراحل، والنزول على أطراف الثّغور نزول الغيث على البلد الماحل، والإحاطة بعدوّ الله من كل جانب، وإنزال نفوسهم على [حكم] «١» الأمرين [الآخرين] «٢» ، من عذاب واصب وهمّ ناصب، وإحالة وجودهم إلى العدم، وإجالة السّيوف التي إن أنكرتها أعناقهم فما بالعهد من قدم، واصطلامهم على ما بأيدي العصابة المؤيّدة بنصر الله في حربها، وابتلاؤهم من حملاتها بريح عاد التي تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها، فليكن مترقّبا طلوع طلائعها عليه، متيقّنا من كرم الله استئصال عدوّه الذي إن فرّ أدركته من ورائه وإن ثبت أخذته من بين يديه، وليجتهد في حفظ ما قبله من الأطراف وضمّها، وجمع سوائم الرعايا من الأماكن المخوفة ولمّها، وإصلاح ما يحتاج إلى إصلاحه من مسالك الأرباض المتطرّفة ورمّها، فإن الاحتياط على كل حال من آكد المصالح الإسلامية وأهمها، فكأنّه بالعدوّ وقد زال طمعه، وزاد ظلعه، وذمّ عقبى مسيره، وتحقّق سوء منقلبه ومصيره، وتبرأ منه الشيطان الذي دلّاه بغروره، وأصبح لحمه موزّعا بين ذئاب الفلا وضباعها، وبين عقبان الجوّ ونسوره، ثقة من وعد الله وتمسّكا منه باليقين، وتحققا أن الله ينصر من ينصره والعاقبة للمتقين.

стр. 3993

وهذه نسخة مرسوم كريم في المعنى، بل هو أصرح في ذلك ممّا قبله، كتب به عند ظهور الفرنج اللوساريّة والشوال بالبحر، من إنشاء الشيخ بدر الدين بن حبيب «١» الحلبيّ «٢» ، وهو وإن لم يكن عن السلطان فإنه في معناه؛ لقيام النائب بالمملكة قيام السلطان الذي استنابه، وهو: المرسوم بالأمر العالي أعلاه الله تعالى، لا زالت مراسمه النافذة تبلّغ أهل العصابة المحمّدية غاية الآمال، وأوامره المطاعة تقضي بكسر اللّوساريّة وشين الشوال، أن تتقدّم العساكر المنصورة بالمملكة الطّرابلسيّة أيد الله تعالى عزائمهم القاهرة، وأذلّ بسيوفهم الطائفة الكافرة، بارتداء ملابس الجهاد، والتّحلّي بمرارة الصّبر على اجتلاء الجلاد، وأن يجيبوا داعي الدّين، ويكفّوا أيدي المعتدين، ويفوّقوا سهامهم، ويجعلوا التّقوى أمامهم، ويشرعوا رماحهم، ويحملوا سلاحهم، ويومضوا بروق السيوف، ويرسلوا نبال الحتوف، ويهدموا بنيان الكفّار، ويطلعوا أهلّة القسيّ بمدّ الأوتار، ويهضموا جانب أهل العناد، ويقابلوا البحر بملء بحر من الجياد، ويناظروا أمواجه بأمواج النّصال، ويقاتلوا الفرقة الفرنجيّة أشدّ القتال، ولا يهملوهم بالنهار ولا بالليل، ويعدّوا لهم ما استطاعوا من قوّة ومن رباط الخيل، وينوّروا بمصابيح الرّباط في سبيل الله ظلام الدّجنّة، وأن يصابروا ويصبروا، فإذا استنفروا فلينفروا، ويبالغوا في الغدوّ والرّواح ليبلّغوا الرّعيّة من الأمن أمانيها. فقد قال ﷺ : «لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها» . ويعتمدوا على القريب المجيب، ويجتهدوا في كسر أصلاب أهل الصّليب، وينافسوا في أمر الآخرة ويدعوا الدنيا، ويقاتلوا لتكون كلمة الله هي

стр. 3994

العليا، ويشهدوا المواقف، ويبذلوا التّالد والطّارف، وليبرز الفارس والراجل، ويظهر الرّامح والنّابل، فإن الجهاد، سطوة الله تعالى على ذوي الفساد، ونقمته القائمة على أهل الشّرك والعناد، وهو من الفروض الواجبة، التي لم تزل سهام أصحابه صائبة، فواظبوا على فعله، ولا تذهبوا عن مذاهبه وسبله، واطلبوا أعداء الله برّا وبحرا، وقسّموا بينهم الفتكات قتلا وأسرا، وفاجئوهم بمكروه الحرب، وناجوهم برسائل الطّعن والضّرب، وخذوا من الكفّار باليمين، وجدّوا في تحصيل الرّبح الثّمين، ولازموا النزول بساحل البحر لمنازلة الطّغاة والمشركين يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين «١» وسابقوا الأعنّة، وهزّوا أعطاف الأسنّة، وشمّروا عن ساق العزائم، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، واتّخذوا الخيام مساكن، واجعلوا ظهور الخيل لكم مواطن، وانصبوا الألوية والأعلام، وأطفئوا جمرة الشّرذمة الغائظة للإسلام، ولا تخشوا من جمعهم الآئل إلى التّفريق، وحشدهم الذي هو عمّا قليل إن شاء الله تعالى غريق، ولا تعبأوا بسفنهم البحرية فإن سفنكم الخيل المخلوقة من الرّياح، ولا تنظروا إلى مجاديفهم الخشبيّة، فإن مجاديفكم السيوف والرماح، فاقلعوا قلوعهم، وشتّتوا جموعهم، وأذهبوا الجنف «٢» والحيف، وخاطبوهم بألسنة السّيف، وأوقدوا في قلوبهم بالتّحصين والاحتراز نارا، وادعوا الله أن لا يذر على الأرض من الكافرين ديّارا، ونكّسوا صليبهم المنصوب، وبادروا إلى حرب حزبهم المغلوب، وارفعوا باليقين شكّ هذه المحنة، وقاتلوهم حتّى لا تكون فتنة، واهجروا في ذات الله طيب المنام، وانقلوا الأقدام إلى الأقدام، واكشفوا عنكم أستار الملال والملام، واهتموا بما يعلي كلمة الإسلام والسّلام، فليرفعنّكم الله إلى منازل العزّ والتمييز ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز «٣» .

стр. 3995

الصّنف الرابع (من الكتب السلطانية الكتب في الحثّ على لزوم الطاعة وذمّ الخلاف) قال في «موادّ البيان» : طاعة السلطان والانقياد إليه، والرجوع إلى رأيه والاعتماد عليه، أبدى الأسباب، في استمرار الاتّساق والاستتباب، وهي فرض أوجبه الله تعالى. فقال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم «١» ولا تصح مملكة ولا تدوم دولة إلّا بأمرين؛ أحدهما عدل السلطان، والآخر طاعة الرّعيّة له، فمتى ارتفع أحدهما، فسد السّائس والمسوس، ولم تزل ملوك الأزمنة يقدّمون إلى الرعايا لزوم الطاعة، والاعتصام بحبل الشريعة والنّهي عن مفارقة الجماعة. قال: والرسم فيها أن تفتتح بالحمد لله على النّعم، في تأليف قلوب أهل الدّين، وجمع كلمة الموحّدين، ورعاية أهوائهم إلى الاتّفاق، وصيانة عصاهم عن الانشقاق، والصلاة على رسوله ﷺ ، والتنبيه على فضائل الطاعة، فإنها العروة الوثقى، والمعقل الذي لا يرقى، والحصن الحصين، والكنف الأمين، والحمى الأمنع، والمرقب الأرفع، وأنّ من حافظ عليها فاز وسلّم، وربح وغنم، ومن فارقها خسر وخاب، ونكب عن سبيل الصّواب، وإيضاح ما في سبيل الطاعة من اتّفاق الكلمة، وانتظام شمل الأمة، وشمول الخيرات، وعموم البركات، وعمارة البلاد، وصلاح العباد، وما في المشاققة من الفساد العام، العائد بانتثار النّظام، وانبتات الحبل، وتفرّق الشّمل، واجتثاث الأصل، وطموس الديار، وصيال الأشرار، وانقماع الأخيار، وتوالي الفتن التي لا تصيب الظالم خاصّة دون العادل، ولا المشاقق دون الموافق، وحلول النّوائب المزيلة للنعم، وإتباع ذلك بما يجب من إعذار وإنذار، وترهيب وترغيب، وتذكير وتبصير، ووعظ وتخويف، وبعث العلماء الحصفاء، على ردع الجهلاء السّخفاء، وتنبيه أهل
следующие страницы →