← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.

стр. 4341

المملوك لا يعصم من زلل، ولا يسلم من خلل، اللهمّ إلّا أن يكون مولانا أراد من المملوك تقويمه وتأديبه، وإصلاحه وتهذيبه، ليحسن أثره في خدمته، ويسلك السبيل الواضح في تباعته، فلا أعدم الله المملوك تثقيفه، ولا سلبه تبصيره وتعريفه، وإن كان ذلك لشكّ عرض من المملوك «١» في وداده، وارتياب خامر في حسن اعتقاده، فأعيذه بالله من القطع بالشّبهات، والعمل بمنغل «٢» السّعايات، ومولانا خليق بأن يطلع من أنس المملوك ما غرب، وينبط من سروره ما نضب، ويعيده لرضاه، ويجريه على ما أحمده منه وأرضاه. رقعة: ليس المملوك يرفع مولانا في إعراضه، إلّا إلى فضله، ولا يحاكمه على انقباضه، إلّا إلى عدله، ولا يستعين عليه إلّا بما يستمليه من آدابه، ولا يناظره إلّا بما أخذه عنه من محافظته وإيجابه، إذ كان المملوك مذ وصلته السعادة بحباله، ناسجا على منواله، متقبّلا شرائف خلاله. وما عهدته عمر الله معاهده، وكبت حاسده، يغضب تقليدا قبل الاختبار، ويحوج البريء إلى موقف الاعتذار، ولا سيّما إذا كان المظنون به عالما بشروط الكرم؛ عارفا بمواقع النّعم، لا ينسخ الشكر بالكفر، ولا يتعوّض عن الحمد بالجحد، وقد عرف مولانا ثناء المملوك على تفضاله، ووقف على بلائه لأعماله، وهو وفيّ بربّ عوارفه وصنائعه، وتثمير ما رهن لديه من ودائعه، وتنزيه سمعه عن الإصغاء إلى ما يختلقه حاسد، ويصوغه كائد، وقد حكّم المملوك على نفسه نقده الذي لا يبهرج عليه ولا يدلّس، وكشفه الذي لا يغطّى عليه ولا يلبّس، فليحكّ أفعال المملوك على محكّ بصيرته، وليجل في تأمّل مقاصده طرف فكرته، فإنه ممن لا تحيله الأحوال ولا تحوّله، ولا تغيّره الغير ولا تبدّله، إن شاء الله تعالى.

стр. 4342

رقعة: أفعال شكر «١» المملوك في الحلم والغضب، والرّضا والسّخط، إذا لم يقتض الحزم إيقاعها موقع الفضل، واقعة موقع الإنصاف والعدل، ولا يغلّب هواه على رأيه، ولا بادرته على أناته، وقد جانب مع المملوك عادته، وباين فيه شيمته، وناله من إعراضه، وجفائه وانقباضه، وتغيّر رأيه، ما وسم المملوك فيه بالذّنب ولم يذنبه، وحمله على الجرم ولم يحتقبه، وأوقفه لديه موقف الاعتذار، وأحوجه إلى الاستقالة والاستغفار، وليس المملوك يحاكمه إلّا إليه، ولا يعوّل في الانتصاف إلّا عليه، وما أولاه بأن يعيد المملوك إلى محلّه من رضاه، فإنه لم يواقع في خدمته إلّا ما يرضاه، وحسبه شاهدا بذلك ما يعلم من المملوك من سلامة غيبه، وطهارة جيبه، وفضل ودّه، وصحّة معتقده، إن شاء الله تعالى. رقعة بمعاتبة على «٢» . كلّ مانع ما لديه من رغبه، دافع عمّا عنده من طلبه، فمستغنى عنه إلّا الله تعالى المبتديء بالنّعم، العوّاد بالكرم، ولو عرف مولانا بطعم شجرة «٣» المعروف، لأسرع إلى احتذائها، ولو علم ما لله تعالى عليه من الحقوق في ماله وجاهه، لم يقصّر عن أدائها، غير أنه ظنّ أنّ الفوز بالوجد «٤» ، غاية المجد، وأنه إذا أحمد النّسب غنيّ عن الحمد، وأنّ النعمة ترتبط بالرّبط عليها، وتنصرف بالتّصرّف فيها، وما ساء المملوك أن تنزّه عن تقلّد منّة لئيم، وحرم محمدة من كريم، وهذا الحرمان أحسن والله في عين المملوك من النّوال، وهذا الإكداء أبرّ لديه من بلوغ الآمال، وسينشر المملوك مذهبه في كلّ ناد، ويكفّ عنه أمانيّ القصّاد، ويكفيه مؤونة الاعتذار، ويصونه عن أن تبذل إليه وجوه الأحرار، ليعلم

стр. 4343

أنّ المملوك على منعه لم يقصّر في بلوغ أوطاره، والسّعي في إيثاره، إن شاء الله تعالى. رقعة في المعنى: ما ردّ المملوك برّ مولانا مستنزرا لقليله، ولا لائما لنفسه على تأميله، لكنّه انتجعه انتجاع من ظنّه عارفا بقدره، راغبا في شكره، فلو أغضى المملوك منه على الاطّراح لأمره، لاستدلّ منه على قصر الهمّة، وظنّ أنه قوّمه بدون القيمة، ولا سيّما وهو يفرض لمن لا يجاري المملوك في مضمار، ولا يساويه في مقدار، من غير قصد بتأميل ورجاء، وتقديم ذريعة من تقريظ وثناء، ما تضيق عنه الهمم الفساح، ولا يصل إليه الاقتراح. رقعة عتاب، على تقصير في خطاب: حوشي مولاي أن يجرّ الذّيل على آثار فضله، ويميت من غروس إحسانه ما هو جدير أن يتعهّده بوبله، ويعفّي منّي رسوم كرمه، ويصدع بمجانبة الإنصاف صفاة صفاته وصفائه، وينطق الألسن بعتابه، ويصلت سيف التأنيب من قرابه، بما استحسنه من مستقبح المصارمة في المخاطبة، واستوطاه من جامح التّرييث في المكاتبه، ولا سيّما وهو يعلم أنّ موقع الإكرام من الكرام، ألطف من موقع الإنعام، وأن محلّ القال، أفضل من محلّ النّوال، وأنّ تغيّر العادة في البرّ، مقوّض لمعاهد الشّكر، ونسيح (؟) السنة في الإنصاف، قاض بالانصراف بعد الانعطاف، وقد كان المملوك أزمع أن يتحمّل تقصيره به، وأن يفلّ من غربه، غير مطاوع للحميّة، ولا منقاد لنفس العصبية، ولا يقرع سمعه بعتاب، ولا يورد عليه ممضّ خطاب. ثم رأى المملوك أن يرشده إلى الأزين، ويبعثه على اعتماد الأحسن، ويحضّه على مراجعة الأفضل، ومعاودة الأجمل، ليتحفّظ مع سواه، ولا يجري مجراه، فليس كلّ أحد يتحمّله، ويرضى رضى المملوك بما يفعله، فمولانا حبّب الله إليه الرّشد «١» ، ووفّقه إلى المنهج الأسد،

стр. 4344

هل هو من شيء سوى بشر؟ فما هذا التّيه والبطر؟ ولم هذا الأزل «١» والأشر؟ وما فعل الرئيس إلى ما يصغر عنه قدر، ولا ييأس من نيله عمر، ولا مضت أقلامك في الأقاليم، ولا أشير إليك ببنان التعظيم، ولا فوّضت إليك الوزارة والرّدافة، ولا تأمّرت على الكافة، ولا طاولت الأكفاء فطلت، ولا ناضلت القرناء فنضلت، وإنما سرق إليك الحظّ من ثماده «٢» وشلا «٣» مصرّدا، وأدرّ لك الدّهر من أخلافه مجدّدا، فافتتحت المعاملة بظلم الإخوان، ونسخ شرائع الإحسان، كذبتك نفسك، وغرّك حدسك، كيف بك غدا إذا استردّ الزمن ما خوّلك، واسترجع ما نوّلك؟ وصحوت بالعزل من سكرة الولاية، وتقرقرت «٤» بعد طلب الغاية؟ وعدت إلى إخوانك فوجدت أوطان أنفسهم بك نابية، ونفوسهم للإقبال عليك آبية؟ ولو كان الزمن أمكنك من رقبتي، وطرّق لك الطريق إلى إيداع عرفك في جهتي، لقبح بك أن تطول بطولك، وتّدعي الفضل بفضلك، ولم يحسن أن تبدّل الإنعام، وتضنّ بالالتزام، فإن كنت تفخر بسلفك وأبوّتك، وتطاول بأوّليّتك وأسرتك، فلو كان أبوك كسرى «٥» ، لما جبر منك كسرا، ولو كان جدّك بخت نصّر «٦»

стр. 4345

لما انتفعت به في مظاهرة ولا نصّر، فدع أكثر ما فات، ولا تعوّل على العظام الرّفات، فما استند إليها إلّا عار من الفضل عاطل من الحلى. على أنّك لو فاخرتنا بها لفخرناك، وتقدّمنا وأخّرناك، وإن كنت تستند إلى ديانتك، وتعتمد على نسكك وأمانتك، فهذه خالص حال لا تخلص مرتبتها ولا تتمّ فضيلتها إلا باستشعار التّواضع، والأخذ بمكارم الأخلاق لدى التنازع، فارجع هديتك «١» إلى الأجلّ، واعمل بالأفضل، وقف بحيث رتبتك، ولا تتشوّف إلى غير درجتك، وإن أبيت ذاك فاقطع المراسلة، وأعفها من المواصلة، والسّلام. رقعة عتاب على تأخر المكاتبة: من حكم الوداد- أطال الله بقاء سيدي- الزيارة عند المقاربة، والمكاتبة عند المباعدة، وإن كانت المودّة الصريحة لا يغيّرها اجتناب، إلّا أنّ الكتب ألسن البعاد، والأعين الّتي تنظر حقائق الوداد، ولها في القلوب تأثير، وموقعها فيها أثير، وحوشي مولانا أن أهزّ أريحيتّه لما يؤكّد الثقة بإخائه، ويشهد ب بوفائه، ولا سيّما وهو يفرض ذلك لأحبّته، وقوله واجب في شرع مودّته. رقعة في معناه: إن ابتدأ المملوك مولانا لم يجب، وإن سأله الابتداء لم يوجب، فلا حقّ لإجابة تؤدّيه، ولا ناجز المسألة تقضيه، فإن كان إذا شخص غابت عن فكره أشخاص أحبّته، وإذا بعد عاملهم بتجافيه وجفوته، فقد كان ينبغي أن يتكلّف ويتجمّل، ويتصنّع ويتعمّل، فإنه لو علّل مشوبا بالانتظار، أو اعتذر ممرّضا بالاعتذار، لأقمت ذلك مقام المكاتبة، وصنته عن محض المعاتبة، لكنّه مال مع الملال، ورضي الاطّراح والإهمال، ودلّ على أنه مستقلّ بالإخوان، متنقّل مع الزمان، وأرجو أن تصدق المخيلة، ويرجع إلى العادة الجميلة. رقعة معاتبة رجل كريم الأصل لئيم الفعل:

стр. 4346

قد عرف مولانا وفّقه الله ووقفه على منهج الرّشاد، أنّ جناية الغضب الذّميم، تقدح في كرم الجنث «١» الكريم، وأنّ قبيح الصّلف، ينسخ تليد الشّرف، وخبيث الذّرّية، يعفّي على طيب المناحت الزّكيّة، وأنه ليس لمن تحلّى بالظّلم والجور، وتلبّس بالنّكث والغدر، وسامح نفسه باطّراح الحقوق، واستيطاء العقوق، إلّا إضاعة الحرم، وإخفار الذّمم. المعاتبة من كلام المتأخرين: الشيخ شهاب الدين محمود «٢» الحلبي: يقبّل الأرض وينهي أنه قد صار يرى قربه أزورارا، وطويل سلامه اختصارا، ويغالط في ذلك حتّى شاهده عيانا مرارا، هذا وبكر الولاء، صقيلة الجلباب، وعروس الثناء، جميلة البزّة حسنة الشّباب، وهو لا يفتأ من الموالاة في صعد وقدره في صبب، فكلّما مكّن وتد الاستعطاف يرجو عدم تخلخله فصل بأيسر سبب، بحيث أطفأ الإهمال نار المساعفة والمساعدة، وانتقل توهّم عدم العناية إلى تيقّن وجوده بالمشاهدة، وقد كان يرفع قدره فخفض، وعوّض في الحال عن الرّفع بالابتداء، أنه مفرد وينصب كالنكرة في النّداء، وأهمل حتّى صار كالحروف لا تسند ولا يسند إليها، وألغي حتّى شابه ظننت إذا وقعت متأخّرة عن مفعوليها، ومتى يقلق لأمر، أنشد نفسه (كامل) : ما في وقوفك ساعة من باس «٣» . وكان يغشى مجلسه الكريم خدمة وأداء للواجب، وطلبا لعادة أكّدها

стр. 4347

إحسانه حتّى صارت ضربة لازب، فلا يخلو مجلس من إظهار تغيّر عادة وطّد الجود أساسها، وانتقاض قاعدة أبرم الكرم أمراسها، فينقطع سلوكا للأدب وتخفيفا عن الخواطر، ويتلقّى ما يصدر بقلب شاك ولسان شاكر، فإن كان قد عزم مولاه على طرده، وعوّضه عن منحة القرب المحنة ببعده، فإنه يأبى ذلك جوده ولطفه، ومعرفة يشكر ويزيد، لا يمكن صرفه، ولو جاز الصّرف لمجرّد «١» بالعبودية لمنعه العدل من سيّده، والحلم الذي عرف من كريم محتده «٢» ، فكان المملوك يستحسن في حبره وسبره، ويعوّض عن مقابلته بجبره، فقد صار سمينه غثّا وشحمه ورما، وحديثه رثّا وسهله علما (طويل) . وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة ... كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا وما ثمّ بحمد الله ما يوجب ذلك ولا بعضه، ولا يحدث ذمّ المملوك وبغضه، ولو بدا منه زلل، أو لمح منه خطل، فمكارم مولانا أوسع من إبقاء ذلك في صدور الصّدور، و [أحرى ب]- محو آيات السيّئات فإنه لمن عزم الأمور. وله: يخدم بدعائه، وصادق ولائه، وينهي أنه انكسر خاطره، وأرق جفنه وناظره، وتضاعف بلباله، وتزايدت في النّقص أحواله، مذ تأخّرت الأمثلة الكرام وانقطعت عنه بانقطاعها المنن الجسام، وهو يسأل العفو عن ذنب وقع، وتشريفه بمثال يرفع من قدره ما وضع، واستعمال الصّفح عنه كسائر عاداته، وإجراءه على اللّطف الذي ألفه من تفضّلاته، فقد ضعف صبر المملوك وجنانه، وتفرّق للفراق جفنه وإنسانه، وصغر قدره، وأهمل جانبه وممّن أمر بإهانته فخره، ولهذا ضاقت عليه المسالك، وكان لسان حاله [ينشد] في ذلك (كامل) . وأهنتني فأهنت نفسي عامدا ... ما من يهون عليك ممّن يكرم

стр. 4348

والمملوك معترف بأنه ما زال يجهل ما يجب عليه من الخدم، ومقرّ بتقصيره عن القيام بحمل ما يواصل به من النّعم، لكنّه ألف من مولانا أن يقابل إساءته بالإحسان، وجهله بصفح لا يقوم بشكره اللّسان، بل جميع الجثمان، فإن كان ذنب من المملوك هو الذي أوجب اطّراحه، وأوجد أسفه وأذهب أفراحه، وكان أيسر مما تقدّمه من جهله وإساءته، فحلمك جدير أن يلحقه بإخوته، وإن كان قد تزايد مقداره، فالمولى قد تضاعف على العفو اقتداره، وإذا كبرت الخطيئة كثر أجر غفرانها، وعلت المجاوزة عنها على أقرانها، وعلى كلا الأمرين فقد استحقّ المملوك المغفرة بكلّ طريق، وأن يقابل رجاؤه بالتحقيق، وأمله بالتصديق. وله: وينهي أنه ما زال يتلو آيات محاسنه وحمده، ويرفع رايات إحسانه ومجده، ويتولّاه ولا يتولّى عن محبّته، ويكثر الثناء على ألمعيّ فطنته وجزيل مروءته، وقد صار يشاهد من المولى ملالا وصدودا، وإعراضا يغيظ به صديقا ويسرّ به حسودا، واطّراحا أوهمه أنه ألف وصل درجت، أو لفظة هجر لفظت، ولا يعرف له ذنبا يوجب إبعاده، ولا جرما يستوجب به أن ينقض حبل وصله ويرفض وداده، ولا يعلم سببا يوجب سبّه، ولا شيئا يحدث عتبه، مع أنّ المملوك أحقّ أن يبدأ بالإعراض، ويرفل من إغفال مودّته في الثّوب الفضفاض، فإنّ المولى آلمه بالقول مرارا، وجعل سحابة حيفه تهمي عليه مدرارا، وهو يحتمل الأذى ويغضي على القذى، ولا يظهر إلّا محبّة، ولا يبطن له إلّا مودّة، فإن شاهد المولى بعد إعراضه إعراضا فليلم نفسه، أو أحرقه لهب نار الجفاء فلا يشكو مسّه، يحيط بذلك علما، ورأيه العالي. شعر في العتاب (كامل) . مولاي قد طال التّباعد بيننا ... أو ما سئمت قطيعتي وملالي؟ إن لم ترقّ لحالتي يا هاجري ... مولاي قل لي من يرقّ لحالي

стр. 4349

غيره (طويل) . يباعدني عن قربه ولقائه ... فلمّا أذاب الجسم منّي تعطّفا غيره (منسرح) . إن كان هجراننا يطيب لكم ... فليس للوصل عندنا ثمن غيره (كامل) . شمّتّ بي الأعداء حين هجرتني ... والموت دون شماتة الأعداء غيره (سريع) . تنام عيناك وتشكو الهوى ... لو كنت صبّا لم تكن نائما ولبعضهم: سيدي بادأني بلطف من غير خبرة، وأعقبني جفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّله في إخائه، وآيسني آخره من وفائه، فسبحان من لو شاء لكشف بإيضاح المبهم عن عزيمة الرأي فيه، والمملوك يقول: (متقارب) عجبت لقلبك كيف انقلب ... وصفو ودادك أنّى ذهب وأعجب من ذا وذا أنّني ... أراك بعين الرّضا في الغضب أجوبة رقاع العتاب قال في «موادّ البيان» : حكم أجوبة هذه الرّقاع حكم رقاع أجوبة الاعتذار، إلّا أنها لا تخلو من الإجابة بالإعتاب أو الإصرار على العتاب. قال: ويجب أن يسلك فيها المجيب مذهب المجيب عن رقاع الاعتذار. زهر الآداب: في جواب العتب على تأخّر مكاتبة: وعلم المملوك ما أشار به من العتب بسبب تأخّر خدمه عن جنابه، وما توهّمه من اشتغال المملوك بأهله وأصحابه، وحاشاه أن يتوهّم في المملوك غير الولاء، والملازمة على الحمد والثّناء، فهو لا يعتمد ذلك إلّا تخفيفا عن خاطره،

стр. 4350

ووثوقا بما يتحقّقه المولى من خالص مودّته في باطنه وظاهره، حرسه الله ووفّقه، وفتح له باب السعادة ولا أغلقه، بمنّه وكرمه. زهر الربيع: جواب عتاب: زاد الله جنابه حنانا، وأسبغ عليه إنعاما وإحسانا، وخلّد له على كلّ عدوّ سلطانا. ولا زالت همّته سماء لمناكب الكواكب، وأياديه تفيض على الأولياء غرائب الرّغائب، ولا برحت سحائب إنعامه هامية، وقطوف إحسانه دائمة دانية، وشرائع مياه جوده تجفّف جفونا من الفاقة دامية. المملوك يجدّد خدمته، ويواتر للمولى أدعيته، ويعترف بمننه الّتي أقرّت بها ألسنة جوارحه فلا يستطيع أن ينكرها، ويغترف بيد تضرّعه من بحار جوده الّتي تثعب الوليّ من سحابها إلى كل وليّ وتقذف له جواهرها. وينهي ورود المكاتبة والعلم بمضمونها، والاحتواء على سائر معاني فنونها، وما أشار إليه من العتب الذي يرجو به بقاء الوداد، واستصحاب حال التّواصل من غير نفاد، والمملوك فلا ينكر ذنبه، ولا يتنصّل ولا يتوصّل بل يعترف بجرمه وقلّة خدمه، ويستمسك بالعروة الوثقى من إحسانه وحلمه، ويسأل مكارمه إجراءه على عادته بالصّفح عنه ورسمه، وهو يرجو أنّ أمّ هذه الهفوة لا تلد لها أختا، وأنه لا يعتمد إلّا ما يزيده إلى المولى مقة ويزيل مقتا، فإنّ معاتبة مولانا قد وعتها أذن واعية، ومراضيه لا تخفى على المملوك بعد ذلك منها خافية، إن شاء الله تعالى. آخر: أسعد الله المجلس وعطف للأولياء قلبه، ونصر كتائبه وأنفذ كتبه، وأرهف في نصرة الإسلام سنانه وعضبه، وألهم حبّة قلب الزمان حبّه، وأقدره على الحلم الزائد حتّى يغفر به لكلّ مذنب ذنبه. [وينهي] ورود الكتاب الذي أعدّته يد مولانا فصار كريما، وكسته عبارته

стр. 4351

ثوب براعته فأصبح منظره وسيما، واستنشق عرف نسيمه المبارك فطاب شميما، وعلم المملوك منه شدّة عتبه، ومرّ التجنّي الذي ظهر من حلو لفظه وعذبه، ولم يعرف لعتبه موجبا، ولا لتغيّر مودّته سببا، فإنه ما حاد عن طريق ولائه ولا حال، ولا زلّت قدمه عنه ولا زال، ولا ماد عن منهج المودّة ولا مال، وما فتيء لمحاسنه ناشرا، ولإحسانه شاكرا، فإن كان قد نقل عنه إلى مولانا شيء أزعجه، وأخرجه عن عادة حلمه وأحرجه، فإن الوشاة قد اختلقوا قولهم ونقلهم، وقصدوا تشتيت المصاحبة شتّت الله شملهم (طويل) . وقد نقلوا عنّي الّذي لم أفه به ... وما آفة الأخبار إلّا رواتها آخر: وردت المشرّفة العالية أعلى الله نجم مرسلها، وأسبغ أياديه وشكر جسيم تفضّلها، فابتهجت الأنفس بحلولها وحلل جمالها، وعوملت بما يجب من إكرامها وإجلالها، وفضّ ختامها ففاح منها أرج العبير والعنبر، وتليت ألفاظها الّتي هي أبهى من الرّياض وأحلى من السّكّر، فأغنت كؤوس فصاحتها عن المدام، وأزال ماؤها الزّلال البارد حرّ الأوام «١» ، وأعرب منشيها عمّا في ضميره من العتب، والضيق الذي حصل في ذلك الصّدر الرّحب، وهو يقسم بنعمته، وبصادق محبّته، أنه لم يبد منه ما يوجب عليه عتبا، ولا انثنى عن الثّناء على [محاسنه «٢» ] الّتي شغفته حبّا، فإن كان المولى قد توهّم شيئا أحرجه وأقلقه، وإلى أليم العتب شوّقه، فليزل ذلك الوهم من خاطره، وليثق بما تحقّق من موالاته في باطنه وظاهره، ورأيه العالي. آخر: أعزّ الله عزماته، وشكر جسيم تفضّلاته. ولا زالت نعمته باقية، وقدمه إلى درج المعالي راقية، وهمّته إلى السّموّ على الكواكب سامية، وسماء جوده على العفاة هامية، وعزمته لثغور الإسلام حامية،

стр. 4352

عبد نعمه، وغرس كرمه، يعلمه بصدق ودّه، والمداومة على شكره وحمده، وأنه وقف على مشرّفه وفهمه، وشاهد منه عتبه وعلمه، وهو لا يشكو من المولى جفاء ولا يعيب، و [عن] طريق المصافاة والمخالصة فلا يغيب، بل يقول (كامل) أنت البريء من الإساءة كلّها ... ولك الرّضا وأنا المسيء المذنب والمرجوّ من لطافة أخلاقه، وطهارة أعراقه، أن يصفح عن زلّته، ويعفو عن ذنبه وإساءته (طويل) فأنت الّذي ترجى لتخفيف زلّتي ... وتحقيق آمالي ونيل مآربي وقربك مقصودي وبابك كعبتي ... ورؤياك يا سؤلي أعزّ مطالبي قلت: وكتبت إلى المولى شهاب الدين «١» الدّنيسريّ، وقد بلغني عنه مساعدة بعض الجهّال عليّ في بعض الأمور (طويل) . عهدت شهاب الفضل يرمي بسهمه ... شياطين جهل أن تداني جنابه فما بال مولانا على فرط فضله ... يعرّف شيطان الجهالة بابه؟ النوع الرابع عشر (العيادة والسّؤال عن حال المريض) رقعة عيادة: وينهي أنه اتّصل بالمملوك من ألم مولانا- أطال الله بقاءه- وحرس حوباءه «٢» - ما أهمى مدامعه، وأحمى أضالعه، ومزّق جلده، وحرّق خلده «٣» ،

стр. 4353

وأطار الوسن «١» عن عينه، ونفّر الهدوء عن مضجعه، حتّى تدارك الله تعالى بكتابه الناطق بإقلاع الملمّ، المعرب عن دفاع المهمّ، فرقأ «٢» من دموعي ما ارفضّ، وجبر من ضلوع المملوك ما ارتضّ، والتأم من جلده ما تفطّر، وبرد من خلده ما توقّد «٣» ، وجثم ما طار من وسنه وآنس من الهدوء ما نفر عنه، والتأمت الآمال بعد انثلامها، وبرزت ثمار الأمانيّ من أكمامها، وطلع من الرجاء آفله، وروي من السّرور ماحله، وتجدّد من السّؤدد طامسه، وضحك من الزمان عابسه، والله تعالى يغضّ طرف الحدثان، عن مهجته، ويصرف صروف الزمان، عن ساحته، ويهنّيه بما أعاده إليه من الإبلال، ويملّيه بما أفاضه عليه من الاستقلال، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. رقعة: وينهي أن ما خامره من قلق وجزع، وفرق وهلع، بسبب ما بلغه من شكوى مولانا لا تحصره الأوهام، ولا تسطّره الأقلام، ولولا ثقة المملوك بالله تعالى لوهت عقد صبره، ولا نخلع فؤاده من صدره، وقد علم الله تعالى أنّ هذا الألم لو نقل إلى المملوك لما ثقل عليه، وكيف يستثقل ما يخفّف عن مولانا وصبه «٤» ويحسمه، ويعكّف له سلك الشّفاء وينظمه، والله تعالى يجعله في أمان من كفايته، وضمان من حياطته، إن شاء الله تعالى. أجوبة كتب الشفاعات «٥» والعنايات قال في «موادّ البيان» : هذه الكتب إذا أجيب الملتمس إلى حاجته فينبغي

стр. 4354

أن تبنى أجوبتها على شكر مقصد الشافع، والإدلال والاسترسال وإنالة المشفوع له وطره إيجابا لحقّ الشافع، وإن وقع الامتناع والتوقّف عن الإجابة إلى الملتمس، فالواجب أن تبنى على إقامة العذر لا غير. زهر الربيع: جواب شفاعة في حقّ كاتب: جدّد الله [له] السعادة وخلّدها، وأصارها له شعارا وأبّدها، ووطّد به الممالك ومهّدها، وعضد به طائفة الإسلام وأيّدها، وشكر له صنائع يعدّ منها وليّ ولا كلّ يستطيع أن يعدّدها. المملوك يقبّل اليد الشريفة أداء للفرض اللازم، وشكرا لما أولته من الأيادي والمكارم، وحمدا لألطافه الّتي أطمعته بالتمييز فأصبح برفع قدره كالجازم. وينهي ورود المشرّف الذي نزّه ناظره، وجبر قلبه بحسن ألفاظه وخاطره، والعلم بما أمر به، وشفع إلى المملوك بسببه، وهو الكاتب الذي أشار إليه، وقد ركن إلى ما شكره به المولى وأثنى به عليه، واعتقد يمن إغارة «١» الشافع فعقد على المشفوع فيه خنصره، وتقدّم بترتيبه في ديوان إنشائه، وجعله من جملة خواصّه وخلصائه، وفعل ذلك كلّه اتّباعا لإشارته، وقبولا لشفاعته، فالمولى يواصل بمراسمه وأمثلته، فإنّها ترد على مرتسم ممتثل. ومنه: جواب شفاعة في استخدام جنديّ: ضاعف الله تعالى نعمه، وأرهف في نصرة الإسلام سيفه وقلمه، ولا برحت ألسنة الأنام ناطقة بولائه، وأيدي ذوي الرجاء مملوءة من فواضل نعمائه. المملوك يواصل بأدعيته الصالحة، ويستنشق روحانيّ ريحكم فيسكن منه

стр. 4355

بلذيذ تلك الرائحة، ويشكر له ما منحه من المكارم، ويباهي بعزماته اللّيوث الضّراغم، فلا يجد مضاهيا لتلك العزائم. وينهي ورود المثال «١» الذي أشرقت الوجوه بنوره، وابتهجت الأنفس ببلاغة منشيه ووشي سطوره، وعلم إشارة المولى في معنى فلان، أدام الله سعده، وأعذب منهله وورده، والتوصية بأمره، وما أبداه من حمده وشكره، وأن يقطع إقطاعا يليق بأمثاله، ويتفيّأ من خراجها ضافي ظلاله، وعند مثول مثاله العالي امتثل والتثم، واستخدم المشار إليه لإشارته وخدم، وهذا بعض ما يجب من قبول أمره، وتعظيم كتابه وتبجيل قدره، فيواصل بمراسمه فإنها تقابل بالارتسام، ومشرّفاته فإنها تعامل بوافر الإكرام. جواب شفاعة في الجملة (كامل) . قل ما تشاء فإنني لك طائع ... ما أنت عندي شافع بل آمر جعله الله لكلّ خير سببا، وحقّق به لأوليائه ظنونا وحصّل أربا، ووفّر له من أجر شفاعته الحسنة نصيبا، وأدامه عن كلّ شرّ بعيدا وإلى كلّ خير قريبا. المملوك ينهي تألّمه لفراقه، وما يجده من صبابته وشدّة أشواقه، ويعانيه من حنينه وأتواقه، وأنه ورد عليه كتابه فاستلمه ولثمه، وبجّله وعظّمه، وعلم ما أشار إليه، وأخذ أمر المشفوع فيه بكلتا يديه، وجعل قضاء أربه أمرا لازما، وما فتيء على ساق الاجتهاد قائما، إلى أن حصّل غرضه، وأدّى من حسن القيام بأمره ما أوجبه مشرّفه العالي وافترضه، والمولى آمر غير شفيع، ومهما ورد من جهته على المملوك فوارد على سميع مطيع، فيواصل من مراسمه بما سنح، ومن أخباره بما تأرّج طيب عرفه ونفح، ورأيه في ذلك العالي. آخر: شكر الله عوارفها، وتالد جودها وطارفها، ووافر

стр. 4356

ظلالها ووارفها، وينهي ثناءه على معاليه، وملازمته ومداومته على بثّ محاسنه ونثّ أياديه، وحمد عواقب إحسانه ومباديه، وشدّة أشواقه إلى جنابه، ولذيذ مشاهدته وخطابه، وما يعانيه من غرام لازمه ملازمة الغريم، وداء صبابة يضاعف شوقه إلى رؤية وجهه الوسيم، ومداومته على التعوّض بشكر محاسنه عن المدامة والنّديم، ونظم جواهر مدحه لجيد جوده، وحمد المولى على ذلك التنظيم، وأنه ورد عليه مشرّفه العالي فقبّله، ودعا لمرسله دعاء يرجو من الله تعالى أن يستجيبه ويتقبّله، وحصل له بوصوله ابتهاج عظيم، وقال لمن حضر وروده يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ «١» وفهم مضمونه وفحواه، وعلم معناه وما أظهره فيه وأبداه، من الوصيّة بفلان وما يؤثره من تسهيل مطالبه، وتيسير مآربه، ووصل المشار إليه وحصل الأنس برؤيته، وتمتّعت النّواظر والمسامع بمشاهدته ومشافهته، وقام المملوك في أمره قياما تامّا، وجعل عين اجتهاده في مصلحته متيقّظة لا تعرف مناما، وشمّر عن ساق الاجتهاد، في تحصيل المرام والمراد، إلى أن حصل له الفوز بنيل أمله، وعاد راتعا من العيش في أخضره وأخضله، رافلا من السّرور في أبهى حلله، فيحيط علمه بذلك، والله تعالى يعضّد به الدّول والممالك، إن شاء الله تعالى. آخر: جعله الله مفتاحا لكلّ باب مرتج، وصدّق به [أمل] كلّ آمل وحقّق رجاء كلّ مرتج، ولا زالت سحائب جوده هامية بالوسميّ «٢» والوليّ «٣» ، ماطرة بوبلها وطلّها على الوليّ.

стр. 4357

المملوك يخدم بتحيّة أرقّ من النّسيم، وسلام أطيب عرفا من بان النّقا «١» إذا تحمّلت عرفه ريح الصّريم «٢» . وينهي إلى علمه الكريم ورود مشرّفته وأنه أحاط بمضمونها علما، وشاهد منها في حال طيّها مكارم أصارت تفضيله على حاتم الطائيّ حتما، ووقف منها على درّ لفظ قذفه بحر خاطره نثرا ونظما، وبراعة عبارة زادت قلب مواليه غراما وأنف مناويه رغما، وفصاحة عرّفته قوله ﷺ «إنّ من البيان لسحرا وإنّ من الشّعر لحكما «٣» » وفهم عنايته بفلان نفع الله بعلمه وعمله، وقرّب له من الخير ما لا يطمعه به بعيد أمله، وإشارته بسبب التنبيه والإرشاد على جمل فضائله، ومفصّل مناقبه المشهورة في البلاد، وإيضاح كفايته في وجيز تلك الفصول الصّحاح الإسناد، فحال قدوم المذكور وحلوله، وورود مشرّفه ووصوله، أنهى المملوك أمره إلى مخدومه، وطالع به شريف علومه، ولا زال يحسن سعيه، ويعتمد على مشيئة الله ولا يترك حرصه ومشيه، إلى أن حقّق قصده بقضاء شغله، وقرّب له أمد أمله، وكتب توقيعه ولم يرد الله تعويقه، ونجع طعم قصده وأنجح الله طريقه، وقد عاد مصحوبا بالسّلامة، معروفا بتحصيل هذا القصد بأنه (طلّاع الثّنايا) من غير وضع العمامة، حسب إشارة المولى وأمره، والله تعالى يمدّه بصونه ونصره. آخر: في استخلاص حقّ. شكر الله إحسانه وإنعامه، وحصّل به لكل وليّ مرامه، وحمد تطوّله وتفضّله، وأنال به لكلّ آمل أمله، وخلّد دولته، وأدام نعمته، وأنفذ كلمته، ولا

стр. 4358

زال فضله كاملا، وإحسانه إلى الأولياء واصلا، ونواله لبني الآمال شاملا. المملوك يخدم أحسن من نور الرّبا، وثناء ألطف من ريح الصّبا، وسلام أطيب بمروره من تذكّر أيّام الصّبا. وينهي ورود الكتاب الذي طاب بالمولى محتده «١» ونجاره، وزاد على كتائب الكتب فخاره، وأنه وقف عليه وقوف مشتاق إلى مرسله، شاكر أنعم فضله وجسيم تفضّله، فأسكرته تلك الفصاحة بشذاها الأرج، ونزّهت لحظه في درّ لفظها البهج، فظنّها لمّا استنشق رائحتها راحا قرقفا «٢» ، ولمّا أبهجه لفظها بألفاظ تزهي على الرّياض روضة أنفا «٣» ، وعلم الإشارة الكريمة في معنى فلان والوصيّة بخدمته، وما أمر به من مساعدته ومساعفته، وعند وصول مشرّف المولى وقبل وضعه من يده، نوى المملوك مساعدة المذكور على مقصده، فتقدّم بإحضار غريمه فوجده عن البلد غائبا، فانتظره إلى أن عاد آئبا، فعند وصوله طلبه وأحضره، وسأله عمّا يدّعيه عليه خصمه فأنكره، وطلب الحضور إلى القاضي «٤» ، وحثّ على ذلك حتّى أوهم أنه المتقاضي، فلمّا رأى المملوك أن حجّة المشفوع فيه لا تقوم بصدق دعواه وحجج، ولا يظهر بها على غريمه إلا من طريق حرج، بذل في مصالحتهما جهد الاجتهاد، وما زال يرشدهما إلى طريق الرّشاد، ويدلّهما على سبيل السّداد، ويعرّفهما أن التضارر ضير، وأنّ الصّلح خير، فكل منهما يهيم في واد، ويسلق خصمه بألسنة حداد، إلى أن تراضيا

стр. 4359

وتوافقا، وسلكا طريق الرّفق وترافقا، وصدّق الخصم خصمه فتصادقا، وانفصلا وكلّ منهما قد أرضى خدنه «١» ، وعن المحاكمة والمحاققة أغضى جفنه. آخر: أيّد الله سعد المولى وأبّده، وأثّل مجده ومجّده، وأعانه على إسداء العوارف «٢» وعضّده، وأمدّه من المسرّات بما يزيل عن الأيّام أبده «٣» ، وأناله سعدا لا تبلغ الأنام أمده، ولا زال برد جدّه من السعادة جديدا، ونجم عدوّه آفلا ونجمه سعيدا. الذي نحيط به علمه الكريم أنّ كتابه ورد فسرّى همّ الأنفس وسرّها، وضاعف بما ضاع من نشره بشرها، وفاح منه شذا عند إقباله، فقيل: قد هبّت القبول، ورنّح الأولياء، فقيل: قد هبّت ريح الشّمال وأديرت الرّاح الشّمول «٤» وأنّ المملوك وقف منه على ألفاظ سقته كؤوس سرور لا كؤوس مدام، وروت له أخبار حلم لو أسندت إلى سواه لتوهّمت أضغاث أحلام، وروّت أكبادا أضرّ بها لغيبته حرّ ظمإ وأوام «٥» ، وبيّنت سحر البيان، وأعربت بلسان حسنها عمّا لمنشيها بل موشّيها من الإحسان، وأغربت في الفصاحة فخلنا كلّ كلمة تنطق عن سحبان بلسان، وزهت بيانع ثمار فضلها فنزّهت كلّ عين في بستان، وعلم إشارة المولى في معنى فلان، وما أبداه من العناية في حقّه، والإيثار لصلة رزقه، وأنه من الألزام «٦» ، والذين تجب معاملتهم بالإكرام والاحترام التام، وعند ما شاهد

стр. 4360

المملوك كتاب من شرّفه، وسمع ألفاظه الّتي بلطفها أتحفه، بل بردائها على البرد ألحفه، تقدّم بإجابة سؤاله، وترتيبه في جهة تليق بأمثاله، وقمّصه من العناية قميصا لا يبلى، وجمع لخاطره والدّعة شملا، وهذا حسب إشارة المولى الّتي لا تخالف، وأمره الذي يقف كلّ أحد عنده ولا يستوقف ولا يواقف «١» . كتاب إلى مريض بالسؤال عنه من كلام المتأخرين (مجزوء الكامل) . حاشى مزاجك من أذى ... وكريم جسمك من وصب «٢» يا غاية المأمول و ... المرجوّ، يا كلّ الطّلب مذ غبت عنّي لم أزل ... من بعد بعدك في نصب «٣» جفني غريق بالدّموع ... وماء صبري قد نضب والله ما لي في البقاء ... وأنت ناء من أرب فترى «٤» أبشّر سيّدي ... أنّ اللّقاء قد اقترب؟ حرس الله مزاج المولى! وأصار العافية له شعارا، والصّحّة له دثارا، ولا زالت ساكنة في جوانحه، مقيمة حشو أعضائه المباركة وجوارحه. أصدرها المملوك تعرب عن شوق يكلّ عن وصفه اللّسان، وتوق لا يحسن وصفه البنان، ولا عج يعجز عن حمل بعضه الجنان، ملتمسا المواصلة بأخباره، وواصفا ما يجده القلب من ألم الشوق وناره، وشاكيا من جور أيّام الفراق، وراجيا أن يبشّر بالإبلال من مرضه والإفراق، وداعيا إلى الله بتعجيل أيّام التّلاق. ومع ذلك فلو رمت أن أشرح كلّ ما أجده من الصّبابة لأسأمت

стр. 4361

وأسهبت، بل لو ذكرت ما أعانيه لألمه لثقّلت على خاطره وشوّشت «١» ، لكن خاطر المولى شاهد بوجدي، وعارف بما تحمّلته من الكآبة الّتي لم يحملها أحد قبلي ولا تحمل بعدي، فيواصل بأخباره، والله يحرسه آناء ليله وأطراف نهاره، إن شاء الله تعالى. في معناه (كامل) . يا من شكا فشكا فؤادي حرقة ... لا تنطفي وصبابة لا تبرح وغدا سقيم الجسم يوما واحدا ... فنزحت دمعا للمدامع يجرح وازداد شوقي نحو طلعته الّتي ... أبدا بيمن بهائها أستنجح لا زلت في عزّ وسعد دائم ... أيّامنا ببقائه تتبجّج وبقيت ما بقي الزّمان مؤيّدا ... تمسي قرير العين فيه وتصبح كمّل الله عافية المولى وحرسه، ولا سلبه ثوب الصّحّة بل قمّصه إيّاه وألبسه، وأخدمه الأيّام فلا تستطيع مخالفة أمره ولا الخروج عن حكمه، ورزقه أن يملك الدّنيا بحذافيرها وهذا يحصل بعافية جسمه. المملوك ينهي أنه اتّصل به تألّمه فشقّ ذلك عليه، ووصل من القلق إلى حدّ لم يصل المولى والحمد لله إليه، وابتهل إلى الله في معافاة جسده، وأن يعضّده ببقاء والده وولده، ويضاعف تسهيل مآربه ومقاصده، ويرفع كلمته وقدره على رغم معطس شانيه الأبتر وحاسده، إن شاء الله تعالى. جواب إلى من قنطره «٢» فرسه:

стр. 4362

ثبّت الله قواعد مجده، وبلّغه سعدا لا تبلغه الآمال لبعده، وأهمى على محبّيه سحائب جوده ورفده. المملوك يخدم بتحيّة أرقّ من النّسيم، ويشكر مواهبه الّتي ما زالت تحنو عليه حنوّ المرضعات على الفطيم. وينهي ورود الخبر بأنه كبا به جواده عندما زلّت قوائمه، وأثقلته فضائل المولى ومكارمه، فانزعج لذلك وتألّم، وكاد قلبه لولا المبشّر بسلامته أن يتكلّم، وجواد المولى لا سبيل إلى ذمّه، فإنه أسمح جواد، ولا اتّهامه بالعجز، فإنّه عرف بإتهام وإنجاد (بسيط) . لكنّه نظر الأفلاك ساجدة ... إلى علاك فلم تثبت قوائمه والمولى أولى من قابل عذر طرفه بطرف القبول، واعتمد عليه دون سائر الخيول، فإنّ المولى ولله الحمد في صحة دائمة، وسلامة ملازمة، وهذا هو القصد والمراد، والاستبشار الذي تفترّ له ثغور الثّغور وتعمر به البلاد، جعله الله في سعد ما له فراغ ولا نفاد، ورزقه ما دعا به العماد الفاضل والفاضل العماد، إن شاء الله تعالى. أجوبة كتب العيادة قال في «موادّ البيان» : يجب أن تبنى هذه الأجوبة على وصول الرّقعة، وما صادفت المريض عليه من المرض، وأنها أهدت روح الهدوء، وأركدت رياح السّوء، وأقبلت بنسيم الإبلال، وتضوّعت بأرج الاستقلال، وبشّرت بالعافية والسّلامة، وآذنت بالصّلاح والاستقامة، وأشباه هذا.

стр. 4363

ابن نباتة «١» المصري: شكر الله افتقادها وأنسها، وقلمها وطرسها، وحمى من عارض الخطب لا من عارض الخصب شمسها، ولا أعدم الأولياء قصدها الجميل، وودّها الجليل، وإحسان رسائلها الّتي كرمت فما صوب الغمام لها رسيل، وأمتع الممالك بيمنها الّتي صحّت بتدبيره فليس غير النّسيم عليل. وينهي ورود المشرّف الكريم فتلقّاه المملوك حبيبا واردا، وطبيبا بإحسانه وللجسد عائدا، وفهم المملوك ما انطوى عليه من الصّدقات الّتي ما زالت في فهمه، والمحبة الصادقة الّتي ما عزبت عن علمه، وما تضمّن من فصول كانت أنفع من فصول أبقراط «٢» لمعالجة جسمه، وأين أبقراط من بركات كتاب مولانا الذي طالع منه كتاب الشّفاء على الحقيقة، والنّجاة من عروة البأس الوثيقة؟ وأدنى ورقته الحمراء لرأسه تبرّكا وإكراما وقال: نعم الجلّنارة المعوّذة من الشّقيقة، واستطبّ حروفها فإنها عن أيدي الكريم والكرامات، ولثم العلامة وتمسّك بالسّطور فإنها من أسباب الصّحّة والعلامات؟ ووافقت عيادة مولانا مبادي العافية وآذنت بالزّيادة، وصلح خطّه الكريم عائدا وما كلّ خطّ يصلح للعيادة، وما تلك الجارحة المتألّمة إلّا يد أثقلتها منن مولانا فأعيت وتألّمت، ثم أعانتها بركته هي والقدم بالحمل العظيم وتقدّمت، وما بقيّة الجوارح إلّا عيون كانت تنتظر لطف الله تعالى وبركته وقد قدمت، فشكرا لها من بركات تنعم بها قبل الجسوم أرواحها، وأدوية قلبيّة تعالج بها ذوات النّفوس فكيف أشباحها، لا برح جوهر كلمات مولانا يؤذن بالشّفاء من العرض، وسهام أقلامه إذا كتبت عائدة أو جائدة أصابت الغرض وفوق الغرض.

стр. 4364

وله: تقبّل الله منه وفيه صالح الأدعية، وملأ بمحاسن ذكره وبرّه الآفاق والأندية، وشكر هباته وبركاته الّتي تنزل بعارض الغيث قبل الاستمطار وترفع عارض الألم قبل الأدوية، تقبيل معترف بسابق النّعم، مقيم على صحّة العبودية والولاء في حالتي الصّحّة والسّقم. وينهي ورود مشرّف مولانا الكريم على يد فلان عائدا من جهة العيادة، وعائدا من جهة الصّلات المعتادة، ومفتقدا لا عدم الأولياء في الشّدّة والرّخاء افتقاده، ما كان إلّا ريثما نشق العليل نسماته الصحيحة، وتناول كأس ألفاظه الصّريحة، وإذا بقانون المزاج قد همّ باعتداله، وكتاب الشفاء والنجاة قد تسنّت فوائد إقباله، فتميّز حال الصحّة من المرض، واستعمل جوهر الألفاظ فعزم على زواله العرض، وبلّغ الولد فلان المشافهة وكلّ مقاصد مولانا مبتدأة مبتدعة، والمملوك «١» جوابها وكلّ أجوبته منوّلة منوّعة، شكر الله عوارف مولانا المتّصلة، ورسل افتقاده الّتي منها العائد ومنها الصّلة. وله في جواب كتاب عيادة وارد في يوم عيد على يد من اسمه جمال الدين محمود: شكر الله مننها الّتي إذا أبدت أعادت، وإذا جادت أجادت، وإذا كرّرت الافتقاد حلا، وإذا تصدّت لمودّات القلوب صادت، تقبيل مخلص في ولائه وابتهاله، مقيم على صحة العهد والحمد في صحّته واعتلاله. وينهي ورود مشرّفة مولانا الكريمة على يد الولد جمال الدين محمود متفقّدا على العادة، مكرّرا لعيادة الإحسان وإحسان العيادة، فقابل المملوك بالحمد واردها، وبعوائد الاعتداد عائدها، وفهم ما تضمّنته من تألّم قلب المالك على ضعف المملوك وقلق خاطره على بدن كبيت «٢» العروض منهوك، وأنه كان

стр. 4365

ابتدأ ضعف المملوك فتألّم، ثم تلا خبر الصحة فتلا، ولكنّ الله سلّم، ثم بلغه أنّ آلاما تراجعت، وموادّ واصلت بعد ما قاطعت، فحملته خواطر الإشفاق عليّ على تكرير العيادة، وارتقاب فعلات الشفاء المستجاده، جاريا من إحسانه وافتقاده على أجمل معهود، باعثا مشرّفته وحاملها وكلاهما حسن الحال محمود، فعندما وصلا أوصلا كمال العافية، وحقّقت أخيلة البرء الشافية، وما كان المشكوّ إلّا مادّة يسيرة وزالت، وبقيّة ضعف تولّت بحمد الله وبركة مولانا وما توالت، وما عيّد المملوك إلّا وشفاء الجسد في ازدياد، والنفس بالوقت وبالمشرّفة في عيدين قائمين بأعياد، لا زالت منن مولانا إزاء اللّحظ حيث دار، وودّه وحماه جامعين فضل الجار والدّار. زهر الربيع: لا زال محروس الشّيم، هاطلة سحائبه بالدّيم، مشكورا بلساني الإنسان والقلم. المملوك يقبّل يده الشريفة مؤدّيا للواجب، ويواصل بدعاء صالح أصاره إنعامه ضربة لازب. وينهي إلى كريم علمه ورود مشرّفه الذين أبهج الأنفس وضاعف الصّبابة، وأفنى الصبر عن محيّاه وإن كان ما أفناه أيسر صبابة، وأنّه علم منه إنعامه وتشوّفه إلى المملوك وإلى سماع أخباره، وما أبداه من شفقة ألفت من إحسانه وعرفت من كريم نجاره، وتحقّقت من شيمه على من ينأى عن بابه العالي وداره، فالله يحرس هذه الأخلاق الّتي هي أرقّ من الماء الزّلال، والشمائل الّتي تفعل بلطفها فعل الجريال «١» ، والمملوك فو الله لا يحصي شوقه إلى الخدمة العالية ولا يحصره، ولا يقدر على وصف ما يسرّه من الأتواق ويظهره، إنما الاعتماد في ذلك على شاهدي عدل من خاطره وقلبه، وهما يغنيان المملوك عن شرح ولائه بألسنة أقلامه ووجوه كتبه، وأما السؤال عن أخبار مزاج المملوك فإنه كان في ألم دائم، وسقم ملازم؛ لشدّة المرض، الذي كان يحتوي على جوهر جسمه

стр. 4366

والعرض، فمذ ورد كتاب المولى انتعشت قوّته، واشتدّت منّته، وصدقت في طلب تناول الغذاء شهوته، وترجّى الشفاء بعد أن كان على شفا التّلف، وكان له كالطبيب الآسي في إزالة مرض الأسا والأسف. وقد حصلت للمملوك مسرّتان بكتاب المولى وعافيته، وفرحتان بما أهداه إليه من عفو إنعامه ومحو أثر الألم وتعفيته، وكلّ ذلك بسعادته. ومنه: ورد المشرّف العالي لا زال قدر مرسله شريفا، وشرفه الباذخ يجعل كلّ شريف مشروفا، وسحائب جوده تهدي إلى الأولياء من مكارمه تليدا وطريفا، وقواضبه تردّ [طرف] حوادث الأيّام عنه مطروفا، وأياديه تبعث لمحبيه تحفا، وهيبته تهدي إلى الأعداء خوفا، والدهر بخدمة جنابه العالي مشغوفا، فوقف عليه وقوف مشتاق إلى مسطّره، متنزّه في ربيع ألفاظه وحسن أسطره، وعرف منه إحسانا ما فتيء يعرفه، وتفضّلا ما زال المولى بمثله يتحفه، وما أشار إليه من شدّة إيثاره، لرؤية المملوك وسماع أخباره، والذي ينهيه أنّ جسده كان قد تضاعف ضعفه، حتّى أتعب الألسنة وصفه، فلما وقف من مشرّف المولى على خطّ هو الوشي المنمنم، وألفاظ هي الرّحيق المختّم بل الدّرّ المنظّم، وسحر هو محلّل وكلّ سحر محرّم، أبلّ المملوك وبردت غلّته، وبرأت علّته، وكان كمن استوفى نصيبه من النّصب، وأخذ قسمه من السّقم والوصب «١» ، فسقاه مشرّفه الصحة في كاس، وأفاض عليه من العافية أفخر لباس. آخر (كامل) . ورد الكتاب فعمّت الأفراح ... وأضاء في ليل الأسا الإصباح وافترّ ثغر للزّمان بفرحة ... وللفظه طربت ربّى وبطاح وتضوّعت أرواح طيب عرفها ... تحيا به الأجسام والأرواح وسقى سلاف فصاحة وبلاغة ... ما المسك عند شميمها ما الرّاح شكر الله مننه، وأخدمه زمنه، ومنحه من العيش أغضّه وأحسنه، وشرّف

стр. 4367

ببقائه الدهر وشنّف بمدحه أذنه. المملوك ينهي إلى علمه وصول مشرّفه الذي تنزهّت الأعين في حسن منظره، ويانع ثمار لفظه البديع ووشي أسطره، وأنه استنشق من ريحه أطيب نفحة، وتقمّص منه ثوبي دعة وصحّة، فشفى داء شفّ منه جسمه، وزاد لوروده سروره وزال همّه، وعلم إنعام المولى الذي لا يشكّ فيه، وإحسانه الذي لا يحصره لسان مادح ولا يحصيه، وما ذكره من الألم الملمّ به واشتغال خاطره الكريم لما ألمّ بجسمه، والمرض بسعادة المولى قد بقي منه قلّه، وتقلّص بعدما امتدّ ظلّه، والعافية تتكمّل إن شاء الله تعالى برؤية محيّاه الكريم ومشاهدته، والمثول بين يديه العاليتين في خدمته. النوع الخامس عشر (في الذّمّ) ذمّ بخيل لأحمد «١» بن يوسف: كأنّ البخل والشّؤم صارا معا في سهمه، وكانا قبل ذلك في قسمه، فحازهما بالوراثة، واستحقّ ما استملك منهما بالشّفعة، وأشهد على حيازتهما أهل الدّين والأمانة، حتّى خلصا له من كلّ مانع، وسلما له من تبعة كلّ منازع، فهو لا يصيب إلّا مخطيا، ولا يحسن إلّا ناسيا، ولا ينفق إلّا كارها، ولا ينصف إلّا صاغرا. وفي مثله: وصل كتابك فرأيناك قد حلّيته بزخارف أوصافك، وأخليته من حقائق إنصافك، وأكثرت فيه الدّعاوى على خصمك، من غير برهان أتيت به على دعواك وزعمك.

стр. 4368

ومنه: ولو أراد غير ذلك من الأخلاق السّنيّة، الشريفة الهنيّة، لاستوحش في سبلها، ووقع في مضّة منها، ولن يجد من سلفه ولا نفسه دليلا عليها، ولا هاديا إليها. ومنه: لأبي العيناء «١» : أما بعد، فلا أعلم للمعروف طريقا أحذر ولا أوعر من طريقه إليك، ولا مستودعا أقلّ زكاء ولا أبعد ثمرة خير من مكانه عندك، لأنه يحصل منك في حسب دنيّ، ولسان بذيّ، ونسب قصيّ، وجهل قد ملك طباعك، فالمعروف لديك ضائع، والشّكر عندك مهجور، وإنما غايتك في المعروف [أن] تحرزه، وفي وليّه أن تكفر به. ومنه: لمحمد» بن الليث: بكم علن الظّلم، وظهرت البدع، واندفن الحقّ، وعزّ الفاجر، وظهر الكافر، وفشت الآثام، ونقضت الأحكام، واتّخذ عباد الله خولا، وأمواله دولا، ودينه دخلا. ومنه: لأبي عليّ «٣» البصير: عدوّك منعزل عنك، وصديقك على وجل منك، إن شاهدته عاقّك، وإن غبت عنه حاقّك، تسأله فوق الطاقة، وترهقه عند الفاقة، وإن اعتذر إليك لم تعذره، وإن استنصرك لم تنصره، وإن أنعم عليك لم تشكره، ولا يزيدك السّنّ إلّا نقصا، ولا يفيدك الغنى إلّا حرصا، تسمو إلى الكبير، بقدر الصغير، وتشفّ للتّطفيف لا للتخفيف، تعترض الناس بالسّؤال، غير محتشم من الإملال، ولا

стр. 4369

كاره لأن ينظر إليك بعين الاستقلال، حتّى لقد أخرجت الأضغان، وقبّحت الإحسان، وزهّدت في اصطناع المعروف، وإغاثة الملهوف، والناس منك بين أسرار تفشى، وبوائق تخشى، وشناعات واردة، ونوادر باردة. ودّك تخلّق، وشكرك تملّق. ومنه: لسعيد «١» بن حميد: رجل يعنف بالنّعم عنف من قد ساءته بمجاورتها، ويستخفّ بحقّها استخفاف من لا يخفّ عليه محملها، ويقصّر في شكرها تقصير من لا يعلم أنّ الشكر يرتبطها، ومن كانت هذه حاله في اختياره لنفسه، فكيف أرجو حسن اختياره لي؟ ومن كان في مدّة من ابتلاء الله بعيدة ما بين الطّرفين لا أدري أينفذ بي الأجل إلى أقصاها؟ أم يقصّر بي في أدناها؟ فكيف يتّسع الصدر للصبر عليه؟ إنّ الله لا يخاف الفوت فهو يمهله، وإنه إن مات لم يخرج من سلطان الله جلّ وعزّ إلى سلطان غيره فيعاجله، وأنا على خوف من إعجال المدى عن بلوغ [مناي فأذهب] «٢» حرجا صدري، وعلى ثقة من الشّغل في الآخرة بنفسي عن التّشفّي من أهل عدواتي وترتي «٣» ، وأحمد الله على المحنة، وأسأله تعجيل روح النّعمة، وفسحة العافية. النوع السادس عشر (في الأخبار) قال في «موادّ البيان» : كتب الأخبار وإن كانت من الكتب الكثيرة الدّوران في الاستعمال فليست مما يمكن تمثيله، ولا حصر المعاني الوامقة «٤»

стр. 4370

فيه برسوم تشتمل عليها، نعم ولا أن نقدّم له مقدّمة تكون توطئة لما بعدها، كما يجري الأمر في سائر فنون المكاتبات الأخر الّتي لا تخلو من مقدّمات تحلّ منها محلّ الأساس من البنيان، والرأس من الجثمان، لكن المقدّمات الّتي توضع في الكتب من شرطها أن تكون مشتقّة من نفس معنى الكتاب، ومنهي الخبر لا يمكنه أن يستنبط من كل خبر ينهيه مقدّمة تكون باسطا له، وإنما يقول: كتبت من موضع كذا يوم كذا، والذي أنهيه كذا، بل الذي يلزمه أن يتحدّاه بطاقته، ويتحرّاه بجهده، أن يبيّن ما يطالع به من الأخبار، ويكشفه ويوضّحه ويفصح عنه، ولا يقف منه إلّا عند الشفاء والإقناع لتتقرّر صورته في نفس من ينهيه إليه، اللهم إلّا أن يكون الخبر مما يوجب الأدب العدول عن لفظه الخاصّ به، والإخبار عنه بألفاظ تؤدّي معناه، ولا يهجم على المخبر بما يسوء سماعه، كأن يكون خبرا يرفعه إلى سلطان «١» عن عبد له قد أطلق فيه ما يضع منه ويسقط مهابته، أو نحو من ذلك مما يثقل على السلطان المنغص منه، فإنه ينبغي أن يعدل في هذا وأمثاله عن التصريح إلى التعريض، ومن التصحيح إلى التّمريض، وعن المكاشفة إلى التّورية، وأن يأتي بألفاظ تدلّ على معاني ما يروم إبداءه، ويحرص [على] صورة منزلة السلطان وتوقيره عن قرع سمعه بما يكرهه ولا تجوز مقابلته به، وأن يقصد إلى استعمال الإيجاز والإطناب في المواضع الّتي تحتمل كلّا منهما، فهذا ما يمكن أن يتعرّف من رسوم هذا الباب. قال: ومن نفذ فهمه وخاطره في الصناعة وتدرّب فيها، يكتفي بهذه اللّمعة. ولا يحتاج إلى زيادة عليها. في الإخبار بوقوع مطر وسيل من ترسّل أبي الحسين «٢» بن سعد:

стр. 4371

فالماء منه يفيض على العمران، بعد أن ضاقت به المغايص والغدران، فأتى على كثير من التّلال والرّوابي، فضلا عن الرّساتيق «١» والقرى، وصار الوادي على اتّساع عرضه، وامتداد طوله، وسعة مصبّه، وفسحة مغيضه، لا يفي بهضمه، ولا يقوم بحمله، ففاض منه ما عطّل العمران ونسق الدّور ومحق الزّروع، فعظم به البلاء، وكثر له الجلاء، وشمل الفساد، وعظم الخراب. صدر كتاب بإخبار عن الخليفة: كتبت، ومولانا أمير المؤمنين في توطّد من خلافته، وتمهّد من دولته، وعلوّ من رأيه، ونفاذ من كلمته، وعزّ من سلطانه، وارتفاع من شانه، ونعم سابغة عليه وعلى أهل طاعته، قالصة عن أعدائه وأهل مخالفته، واستقامة من أطرافه وثغوره، واستتباب من أحواله وأموره، الحمد لله على إحسانه حمدا لا يقف دون رضاه، ولا يحيط بمقداره سواه. صدر بإخبار عن الوزير: كتبت، وحضرة الوزارة السامية في نعم مخصبة الأكناف، بعيدة الأطراف، سادرة الويل، ساحبة الذّيل، وما أنظر فيه من أمر دولته منتظم، وأراعيه من أحوال رعيّته ملتئم، وقد وطّأ الله له أوعار السّياسة والتّدبير، ووقفه على جوادّ المصلحة في التقديم والتأخير، والحمد لله حمدا يستقلّ بحقّه فيقضيه، وبواجبه فيؤدّيه، وينتهي إليه عزّ سلطانه فيرضيه. صدر بإخبار عن أمير: كتبت، والأمير في علوّ من سلطانه، وارتفاع من شانه، وظفر يواكب ألويته، ونصر يصاحب دولته، ووافى عليّ من ظلّه، وشملني من فضله، ما سبغ لباسه، وطابت أغراسه، والحمد لله اعترافا بنعمته، حمدا يوجب شمول منّته،

стр. 4372

ويستدعي الشكر عليها، ويقضي بمزيد منها. صدر بأخبار عن عافية المكتوب عنه: كتبت، وأنا صالح الحال، وقد منّ الله تعالى بالعافية والإنعاش، والإقالة والا «١» اش، وأعاد إليّ الصحة بعد نبوها وذهابها، والسلامة بعد نجعها وإغرابها، وأسبل النّعمة بعد الإنذار، والتحذير من الاغترار، ممحّصّا بما ألمّ من الآلام عصب الأيّام، والحمد لله أولى ما تليت به النّعم، وطرّز به المفتتح والمختتم، حمدا يؤمّن من التغيير والتبديل، ويعيذ من الانتقال والتّحويل. أبن أبي «٢» الخصال، في الإخبار عن زلزلة عظيمة وقعت بمدينة قرطبة «٣» من الأندلس. الشيخ الأجلّ، الوليّ الأكرم الأفضل، أبو فلان، الذي أطرفه الله تعالى بعجائب الأخبار، وأذهب به في مسلك الاتّعاظ ومنهج الادّكار، أبقاه الله آخذا في سنن الانزعاج ونهج الازدجار. المخلص له المحض الناصع من الولاء، ومعرفة غريب الآثار وعجيب الأنباء، فلان. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد حمد الله الذي جعل عبره أنواعا متلوّنة وصنوفا، وأرسل الآيات وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً «٤» . والصلاة على سيدنا محمد المصطفى

стр. 4373

صلاة طيّبة تعبق تأريجا وتضوع تعريفا، وعلى آله وأصحابه الطاهرين الذين حضروا حروبا وشهدوا زحوفا، والدعاء لسيدنا الإمام أمير المؤمنين في نصر عزيز يؤنّس مذعورا ويؤمّن مخوفا، فإني كتبته- كتب الله لكم دعة حافظة وأمانا، وتصديقا بآيات الله البيّنة وبرهانا- من موضع كذا، عند ما طرأ علينا ما كحل العيون بقذاها، ومنعها لذيذ كراها، وأخفق الضّلوع الحانية وأقلق مصارين حشاها، وهو أنّ الله، ، ذكّر عباده إن نفعت الذّكرى، ونبّههم إن تنبّهوا ولم يأمنوا منه كيدا مبيرا ولا مكرا، وذلك بزلزال قضى به على قرطبة وبعض أعمالها، وملأ نفوس ساكنيها من روعاتها وأوجالها، وحالت لذلك في الخوف «١» والارتفاع أقبح حالها، حتّى نحوا إلى الاستكانة والضّراعة، وأطاع الله من لم يكن له قبل ذلك طاعة، وخشوا بل كانوا يوقنون أنّها زلزلة الساعة. وكان من عظيم آثارها، وكريه إيرادها وإصدارها انهدام القبّة العظمى في المسجد الجامع صانه الله، وكانت قبّة أسّس على التّقوى بناؤها، وذهب في المشارق والمغارب ذكرها العاطر وثناؤها، وتهدّمت بسبب ذلك الهدم ديار كثيرة، وحدث به حوادث مبيرة. وأما تلوكة من أعمالها، وكان فيها مبنى من مباني الرّوم، فإنه غادرها قاعا صفصفا، وقرا نفنفا، واضطرّ ذلك الخطب الفادح، والرّيح القادح، إلى أن خرج السيّد أبو إسحاق وكافّة أهل قرطبة من ديارهم، وفرّوا من الموت بأقواتهم وأصحابهم، ثم إنّ الله تدارك بالرّحمى، وكشف تلك الغمّى، جعل الله ذلك صقلا لقلوبنا، وتوبة عما سبق من ذنوبنا، وعصمنا من جرمنا الموبق وحوبنا «٢» وأولانا وإيّاكم أمنا من الغير، وازدجارا بما ظهر من العبر، وجعل كلانا «٣» جميل الحوادث طيّب الخبر، بمنّه، والسّلام الطيب المبارك ورحمة الله وبركاته.

стр. 4374

من كلام المتأخرين في الإخبار بقدوم نائب إلى نيابة. من ذلك نسخة كتاب عن نائب الشام إلى كافل الممالك الإسلامية مخبرا له بوصوله إلى دمشق، من إنشاء الشيخ جمال الدين «١» بن نباتة، وهو بعد الألقاب: لا زالت آفاق الممالك مضيّة بأنوار شمسه، هنيّة بأنس سعادته وسعادة أنسه، سنيّة المقاصد الّتي قام في كفالتها بنفاسة نفسه، ولا برح يستثمر من خير الدّنيا والآخرة ما قدّم صنعه الجميل من غرسه، تقبيلا يشافه به القلم القرطاس، ويودّ المملوك لو شافه به الخدم ساعيا سعي القلم على الرّاس. وينهي قيامه بوظائف دعاء ينير الحلك، وولاء يدور بكواكب الإخلاص إدارة الفلك، وحمد تذهب به صفحات الصّحف حيث ذهب وتسلك عقود الأفلاك حيث سلك، وأنّه خدم بهذه العبوديّة عند وروده إلى دمشق المحروسة لنيابة كانت عناية مولانا سفيرة أمرها، ومميّزة برّها، يوم كذا، وسعادة مولانا السلطان- خلّد الله ملكه- تعلّمه وتعلمه، والغيث ببركات الدولة القاهرة يسايره ويقدمه، وثغر المطر يسابق ثغر المملوك إلى مشافهة الثّرى ويلثمه، والرعيّة منه آمنة في سربها، وادعة بظلال الأبواب الشريفة مع بعدها دعة الصّوارم في قربها، وباكر المملوك يوم الاثنين الذي بورك فيه، في الخميسين من يوم وجيش، وانتصب لمهمّات على مثلها في الخدمة يطيب أن يرفغ لين العيش، مجتهدا فيما هو بصدده، مستمدّا من ربّه، ، وسعادة سلطانه برشده، معتدّا نعم مولانا فيما يأتي [في] ذلك من أوفى وأوفر عدده ومدده، والله تعالى يعين المملوك على شكر منن مولانا الباطنة والظاهرة، والغائبة والحاضرة، والمقيمة والمسافرة، ويصل نفع المملوك بولائه في الدنيا والآخرة، ويقيم الرّعايا بالأمن من كفالته الّتي ما

стр. 4375

برحت بعيون الأعداء فإذا هم بالسّاهرة. الأجوبة عن كتب الأخبار قال في «موادّ «١» البيان» : الأخبار على أكثر الأحوال لا أجوبة لها، وإنما هي مطالعات بأمور ينهيها الخدّام، وأصحاب البرد إلى السلاطين، مما تخرج أوامرهم إلى الولاة «٢» بما تضمّنته، مما يقتضيه كلّ خبر ينهى من سياسة عامّة، أو مصلحة تامّة، قال: فأما ما يستعمله الإخوان في المكاتبة بالأخبار الّتي يكل بعضهم إلى بعض الإخبار بها، فمنها ما يقتضي الجواب، ومنها ما لا يقتضيه. قال: وأجوبة ما يقتضي الجواب منها تفتنّ بحسب افتنان الأخبار والأغراض الّتي يجيب المجيب بها، وهو أيضا مما لا يعبّر عنه بقول جامع ولا برسم رسم كلّيّ، وإنما يرجع فيه إلى الأمور الّتي يبتدأ بها ويجاب عنها. النوع السابع عشر (المداعبة) قال في «موادّ البيان» : ومعاني المداعبات الّتي يستعملها الإخوان غير متناهية، والأغراض الّتي ينتظمها المزاح وتعدّ من طلاقة النفس لا تقف عند قاصية؛ لأنها مستملاة من أحوال متباينة، ومأخوذة من أمور غير معينة، وحصرها في رسوم جامعة يستحيل، وتمثيلها غير مفيد؛ لأنه لا تعلّق لبعضها ببعض، ولا نسبة بين الواحد والآخر، ثم قال: والأحسن بأهل الوداد والصّفاء، والأليق بذوي المخالصة والوفاء، أن يتنزّهوا في المداعبة الدائرة بينهم عن بذيء اللفظ ومفحشه، ومؤلم الخطاب ومقذعه، ويكفّوا اللسان واليد عن الانطلاق بما يدل

стр. 4376

على خفّة الأحلام، والرّضا بالرّذل من الكلام اللائق بسفهاء العوامّ، ويتحرّجوا من إرسال قول يبقى وصمة على [مدى الأيّام] إذ لا فرق بين جرح اللّسان وجرح اليد، وقد نطق بها المثل؛ لما في ذلك من الترفّع عن دنايا الأمور الّتي لا يتنازل إليها الكرماء، والتنزّه عن المساقط الّتي لا يستعملها الأدباء، وصيانة المروءة عما يشينها ويخدشها، وتوقيرها عما ينقصها، والأمن من الجواب الذي ربّما قدح في النفس وأثّر، وأحمى الصدر وأوغر، ونقل عن التّوادد إلى التّضادد، وعن التّداني إلى التّباعد، وقد أشار إلى ذلك أمير المؤمنين عليّ كرّم الله وجهه بقوله من أبياته المنسوبة إليه (متقارب) . فربّ كلام يمضّ الحشا ... وفيه من الضّحك ما يستطاب مع مراعاة السلامة من المداخلة المنطوية على الغلّ، والمراآة المبنيّة على المكر، إذا لم يكن للمقابلة على الابتداء الممضّ بالجواب المريض، وغير ذلك مما لا تؤمن عاقبته، ولا تحسن عائدته. قال: ويكون المستعمل في هذا الفنّ ما خفّ موقعه، ولطف موضعه، وهشّ له سامعه، وتلقّاه الوارد عليه مستحليا لثماره، مستدعيا لأنظاره، ولا يعدل به عن سمت الصّدق، وطريق الحقّ، ومذهب التحرّز من المذق «١» ، ويقتصر فيه على النادرة المستطرفة، والنّكتة المستظرفة، واللّمعة المستحسنة، والفقرة المستغربة، دون الإطالة المملّة، ولا يجعل المزح غالبا على الكلام، مداخلا لجميع الأقسام، فإنّ ذلك يفسد معاني المكاتبة، ويحيل نظام المخاطبة، ويضع من معناها وإن كان شريفا، ويوخم لفظها وإن كان لطيفا، ويذهب بجدّها في مذهب الهزل ويميله عن القصد؛ وإلى ذلك يشير بعضهم بقوله (طويل) . أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة ... بلهو وعلّله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطّعام من الملح

стр. 4377

وأن يقتصد مع ذلك. ثم قال: وينبغي أن يقصد إلى استعمال الدّعابة في المواضع اللائقة بها، والأحوال المشابهة لها، ولا يودع بابا من الأبواب ما لا يحتمله من الخطاب، فإنّ القصد في هذا النّوع من المكاتبات إنما هو الإعراب عن الظّرف والبراعة، والإبانة عن طلاقة النّفس، والانسلاخ من تعبيس الفدامة «١» والجهامة، ثم عقّب ذلك بأن قال: ومن وقف من ذلك عند الحدّ الكافي، ولزم فيه الأدب اللائق بأهل التّصافي، دلّ على ما ذكرناه، وشهد لمستعمله بإحراز ما وصفناه، ومن تعدّى ذلك عدّ من المجون والملاعبة، وحسب من رذالة الطبع ونذالة الخيم وسفه اللسان، وغير ذلك من الأمور الّتي لا تليق بالكاتبين الكرام، الذين هم خيار الأنام، وولاة النقض والإبرام. وختم ذلك بأن قال: والكاتب إذا كان مهيّأ الطبع للانطباع برسوم الصّناعة ومناسبة أوضاعها، أغناه الوقوف على هذا القول المجمل في استعمال ما يقع في هذا الباب عن تمثيل مفصّل، ولم يذكر له مثالا. ابن أبي الخصال: سيّدي وواحدي الذي اجمّل ذكره، وأوالي شكره، لا زال مغناك رحيبا، وزمانك خصيبا، ولا زلت تأخذ لأخراك نصيبا، عبدك فلان مؤدّيها ينتجع الكرام، ويباري في جريها الأيّام، فتارة يجمع، وأخرى يفرّق، وطورا يغرّب، وطورا يشرّق، وأمّ الحضرة- وصل الله حراستها وأدام بهجتها ونفاستها- والملك بها غضّ الشّباب، وأخضر الجلباب، وإحسانك إحسانك، ومكانك من المروءة مكانك، فأوسعه قرى، واملأ عينيه على الشّبع كرى، أستغفر الله، بل أمجده تبنا وعلفا، وأركبه حزنا «٢» من الأرض ظلفا «٣» ، ودونكه لم يقلّب أرضه بيطار، ولا لجناية به جبّار، وجرحه جبار، وعنده كما علمت دعاء مباح، وثناء في الشكر

стр. 4378

مساء وصباح، والسلام. من كلام المتأخرين: كتب بعضهم إلى كمال الدّين بن الأثير، وقد جاء إليه في بستانه فلم يجده ولا وجد من أنصفه: حضر المملوك البستان، مستدنيا قطوف الإنعام والإحسان، واستمطر سحائب فضله، وهزّ إليه بجذع نخله، فلم تتساقط عليه رطبا جنيّا، فعلم أنه قد جاء شيئا فريّا، فثّبت نفسه مع تصاعد الأنفاس، والطمع ينشده (كامل) . ما في وقوفك ساعة من باس «١» فانطلق حتّى أتى القرية مستطعما أهلها فأبوا أن يضيّفوه، مستعطفا حاشيته الرقيقة فأبوا «٢» حاشيته أن يستعطفوه، وقال كلّ منهم: تطالب بالقرى كما تطالب بدينك، ارجع حيث شئت هذا فراق بيني وبينك. وعلم أنه لو أقام بها جدارا لما أعطي عليه أجرا، ولو حاول قرى لسمع من التوبيخ ما لم يستطع عليه صبرا، فرجع بخفّي حنين، بعد مشاقّ جرّعت كاسات الحين، فأين هذه المعاملة مما نشيعه عنه من كريم الخلال؟ وكيف نشكو نقص حظّ وله كمال الإحسان وإحسان الكمال؟ الأجوبة عن رقاع المداعبة قال في «موادّ البيان» : ينبغي للمجيب عن المداعبة أن يشتقّ من نفس الابتداء جوابا مناسبا لها، وأن يبنيه متى أحبّ الأخذ بالفضل على المسامحة، واطّراح المناقشة، والإغضاء عمّا يمضّ إبقاء على المودّة، وتحسينا لقبح الصّديق، وتعوّدا لعادة الحلم والاحتمال، وأن يذهب في الجواب مذهب الاختصار، وإيراد النّكت الرائعة كما في الابتداء، على ما تقدّم.

стр. 4379

الفصل الثامن «١» (في إخفاء ما في الكتب من السّرّ) وهو مما تمسّ الحاجة إليه عند اعتراض معترض من عدوّ ونحوه يحول بين المكتوب عنه والمكتوب إليه، من ملكين أو غيرهما حيث لم تفد الملطّفات «٢» لضرر الرّصد وزيادة الفحص عن الكتب الواردة من الجانبين، وهو على نوعين. النوع الأوّل (ما يتعلّق بالكتابة، وهو على ضربين) الضرب الأوّل (ما يتعلّق بالمكتوب به) وذلك بأن يكتب بشيء لا يظهر في الحال، فإذا وصل إلى المكتوب إليه فعل فيه فعلا مقرّرا بين المتكاتبين من إلقاء شيء على الكتابة، أو مسحه بشيء، أو عرضه على النار ونحو ذلك. وقد ذكروا لذلك طرقا:

стр. 4380

منها- أن يكتب في الورق بلبن حليب قد خلط به نوشادر فإنه لا ترى فيه صورة الكتابة، فإذا قرّب من النار ظهرت الكتابة. ومنها- أن يكتب في الورق أيضا بماء البصل المعتصر منه فلا ترى الكتابة، فإذا قرّب من النار أيضا ظهرت الكتابة. ومنها- أنه يكتب فيما أراد من ورق أو غيره بماء قد خلط فيه زاج «١» ، فلا تظهر الكتابة، فإذا مسح بماء قد خلط فيه العفص «٢» المدقوق، ظهرت الكتابة. ومنها- أن يكتب في الورق غير المنشّى بالشّبّ «٣» المحلول بماء المطر، ثم يلقيه في الماء أو يمسحه به، فإنه إذا جفّ ظهرت فيه الكتابة. ومنها- أن يكتب بمرارة السّلحفاة فإنّ الكتابة بها ترى في الليل ولا ترى في النهار. ومنها- أن تأخذ الليمون الأسود وعروق الحنظل المقلوّة بزيت الزيتون جزءين متساويين وتسحقهما ناعما، ثم تضيف إليهما دهن صفار البيض وتكتب به على جسد من شئت، فإنه ينبت الشّعر مكان الكتابة، وهو من الأسرار العجيبة، فإذا أريد إرسال شخص بكتاب إلى مكان بعيد، فعل به ذلك، فإنه إذا نبت الشّعر قرئت الكتابة. الضرب الثاني (ما يتعلق بالخطّ المكتوب) بأن تكون الكتابة بقلم اصطلح عليه المرسل والمرسل إليه لا يعرفه
следующие страницы →