← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

ديوان الإنشاء، وما كان منها بالممالك الشاميّة فولايتها إلى نوّاب السّلطنة بها. الضرب الثامن- المتحدّثون على جهات البرّ العامّة المصلحة ، كنظر «١» الأحباس وأنظار البيمارستانات «٢» ونحوها، فما كان منها بالدّيار المصريّة، كنظر الأحباس والبيمارستان «٣» المنصوريّ وما أشبه ذلك فتوليته «٤» إلى نوّابها، ما لم يكن لها ناظر خاصّ فيكون ذلك مختصّا به. الصنف الثاني (أرباب الوظائف «٥» الدّيوانية) ودواوينها على ثلاثة أضرب: الضرب الأوّل- دواوين المال ؛ وأرباب الخدم بها ممن تكتب ولاياتهم

стр. 4412

من ديوان الإنشاء إمّا ناظر «١» ، أو وزير، أو صاحب ديوان، أو شهادة، أو استيفاء. فأمّا الوزارة فلا يصرّح بها إلّا للوزير بالأبواب السّلطانية، وربما صرّح بها لوزير دمشق إذا وليها من ارتفعت مرتبته، وإلّا عبّر عنه بناظر المملكة. وأما النّظر، فكنظر الدّواوين المعبّر عنه بنظر الدّولة، ونظر «٢» الخاصّ، ونظر الخزانة «٣» الكبرى، ونظر البيوت «٤» والحاشية، ونظر بيت «٥» المال، ونظر الإصطبلات «٦» السلطانية، ونظر دار الضّيافة «٧» والأسواق، ونظر خزائن «٨»

стр. 4413

السّلاح، ونظر البهار «١» والكارميّ، ونظر الأهراء «٢» ، ونظر المواريث «٣» الحشريّة، ونظر ثغر الإسكندريّة المحروس، وغير ذلك من وظائف الأنظار بالديار المصرية. وكذلك نظر «٤» المملكة بدمشق إذا لم يصرّح لمتولّيه بالوزارة، ونظر المملكة بحلب، ونظر المملكة بطرابلس، ونظر المملكة بحماة، ونظر المملكة بصفد، ونظر المملكة بسيس، ونظر المملكة بغزّة، ونظر المملكة بالكرك. وأمّا صحابة الدّيوان، فكصحابة «٥» ديوان الجيش وصحابة ديوان الخاصّ، ونحو ذلك.

стр. 4414

وأمّا الشّهادة فكشهادة الخزانة الكبرى، وشهادة خزانة الخاصّ ونحوهما. وأمّا الاستيفاء، فكاستيفاء «١» الصّحبة، واستيفاء «٢» الدّولة، واستيفاء «٣» الخاصّ، ونحو ذلك. ولا حظّ لغير النّظّار من دواوين الأموال بالممالك الشاميّة، من صاحب «٤» ديوان ولا شاهد «٥» ولا مستوف «٦» ، في الكتابة بالولاية من ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية، بل ولايتها من نوّاب الممالك الشاميّة بتواقيع من دواوين الإنشاء بها. الضرب الثاني- دواوين الجيوش بالديار المصرية وغيرها من الممالك الشاميّة. وأرباب «٧» الخدم بها لا يخرجون عن ناظر، وصاحب ديوان، وشاهد، ومستوف.

стр. 4415

والذين يولّون عن السلطان منهم [و] تكتب تواقيعهم من ديوان الإنشاء الشريف ناظر «١» الجيش بالأبواب السلطانية، وناظر الجيش بدمشق، وناظر الجيش بحلب، وناظر الجيش بطرابلس، وناظر الجيش بحماة، وناظر الجيش بصفد، وناظر الجيش بغزّة، وناظر الجيش بسيس، وناظر الجيش بالكرك، وصاحب ديوان «٢» الجيش بالأبواب السلطانية، والشّهود والمستوفون بها، أمّا من عدا هؤلاء، من نظّار الجيش وأصحاب الدواوين والشّهود بالممالك الشامية، فولايتهم إلى نوّاب السلطنة بها. الضرب الثالث- دواوين الإنشاء ؛ وأرباب الخدم بها لا يخرجون عن كاتب سرّ «٣» ، وكاتب دست «٤» ، وكاتب «٥» درج. والذين يولّون عن السلطان من كتّاب هذه الدّواوين وتكتب تواقيعهم من ديوان الإنشاء السلطانيّ صاحب ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية، وصاحب ديوان الإنشاء بدمشق، وصاحب ديوان المكاتبات بحلب، وصاحب ديوان المكاتبات بطرابلس، وصاحب ديوان المكاتبات بحماة، وصاحب ديوان المكاتبات بصفد، وكاتب الدّرج بسيس، وكاتب الدّرج بغزّة، وكاتب الدّرج بالكرك، وكاتب الدّرج بالإسكندريّة، وكتّاب الدّست وكتّاب الدرج بالأبواب السلطانية؛ أما كتّاب الدّست وكتّاب الدّرج بالممالك الشامية فإلى نوّابها بتواقيع من دواوين الإنشاء بها.

стр. 4416

النوع الثالث (ولايات أرباب الوظائف الصّناعيّة) كالأطبّاء، والكحّالين «١» ، والجرائحيّة، ومن جرى مجراهم من سائر أرباب الوظائف الّتي هي من تتمّة نظام الملك، فما كان منها بالأبواب السلطانية فولايته عن السلطان بتوقيع من ديوان الإنشاء السلطاني، وما كان منها بالممالك الشامية فولايته إلى نوّاب السلطنة بها. النوع الرابع (ولايات زعماء أهل «٢» الذّمّة، وهي ضربان) الضرب الأوّل- ولاية بطاركة «٣» النّصارى من اليعاقبة والملكانيّة «٤» . الضرب الثاني- ولاية رئيس اليهود الحاكم على طوائفهم. النوع الخامس (ما لا يختصّ بطائفة ولا يندرج تحت نوع) كصغار الأمور الّتي يكتب فيها لكلّ فرد فرد، إما ابتداء، وإما بالحمل على ما بيده من ولاية سابقة، من نائب أو قاض أو ناظر «٥» وقف أو غير ذلك، مما لا ينحصر كثرة.

стр. 4417

قلت: وربّما ولّى السلطان في بعض الوظائف بالممالك الشاميّة مما تختصّ توليته بنوّاب السلطنة إذا كانت الوظيفة وضيعة المنزلة وأدركت المولّى عنايته، وربّما ولّى بعض نوّاب السلطنة ما تختصّ توليته بالسلطان إذا عظمت رتبة النائب وارتفعت منزلته، خصوصا إذا كان نظام المملكة محلولا وأمرها مضطربا.

стр. 4418

الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الخامسة (في بيان ما تجب على الكاتب مراعاته في كتابة الولايات على سبيل الإجمال) قال الشيخ شهاب الدين محمود «١» الحلبيّ ﵀ في «حسن التوسل» : يجب على الكاتب أن يراعي في ذلك أمورا. منها- براعة الاستهلال بذكر الرّتبة، أو الحال، أو قدر النّعمة، أو لقب صاحب الولاية، أو اسمه، بحيث لا يكون المطّلع أجنبيّا من هذه الأحوال، ولا بعيدا منها، ولا مباينا لها، ثم يستصحب ما يناسب الغرض ويوافق القصد من أوّل الخطبة إلى آخرها. ومنها- أن يراعي المناسبة وما تقتضيه الحال، فلا يعطي أحدا فوق حقّه، ولا يصفه بأكثر مما يراد من مثله، ويراعي أيضا مقدار النعمة والرّتبة فيكون وصف المنّة بها على مقدار ذلك. ومنها- أن لا يصف المتولّي بما [يكون «٢» ] فيه تعريض بذمّ المعزول [وتنقيص له «٣» ] ، فإنّ ذلك مما يوعز الصّدور، ويورث الضّغائن في القلوب، ويدلّ على ضعف الآراء في اختيار الأوّل، مع إمكان وصف الثاني بما يحصل به

стр. 4419

المقصود من غير تعريض بالأوّل. ومنها- أن يتخيّر الكلام والمعانيّ فإنه مما يشيع ويذيع، ولا يعذر المقصّر في ذلك بعجلة ولا ضيق وقت، فإنّ مجال الكلام متّسع، والبلاغة تظهر في القليل والكثير. قلت: ومنها أن يحرص الكاتب على أن تكون نهاية السجعة الأولى في السّطر الأوّل أو الثاني ولا يؤخّرها عن ذلك. ومما كان يراعى في ذلك أن تكون الخطبة من أوّلها إلى آخرها على رويّ واحد في السّجع، وكذلك الدعاء في أوّل صغار التواقيع والمراسيم المبتدأة بلفظ «رسم» بخلاف ما بعد ذلك إلى آخر ما يكتب، فإنه يتّفق فيه رويّ السجعتين والثّلاث فما حولها، ثم يخالف رويّها إلى غيره، ولا يكلّف الكاتب الإتيان بجميعها على رويّ واحد، وعلى ذلك كانت طريقة فحول الكتّاب بالدولة التركية، كالقاضي محيى الدّين «١» بن عبد الظاهر، والشيخ شهاب الدين محمود الحلبي، والمقرّ الشهابيّ بن «٢» فضل الله، ومن عاصرهم إلّا في القليل النادر، فإنه ربّما وقع لبعضهم مخالفة رويّ الخطبة، وإلى هذا قد جنح غالب كتّاب ديوان الإنشاء في زماننا ومالوا إليه؛ لما في التزام الرّويّ الواحد في جميع الخطبة من التكلّف وعسر التلفيق على من يتعاناه. ثمّ الكلام فيما يكتب في الولاية قد يكون جميعه بلفظ الغيبة، مثل أن يقال: عهد إليه بكذا، أو قلّده كذا، أو فوّض إليه كذا، أو أن يستقرّ في كذا، ونحو ذلك، ثم يقال: وأمره بكذا، أو ونحن نوصيه بكذا، أو فعليه بكذا، وما

стр. 4420

أشبه ذلك، وقد يكون جميعه بلفظ الخطاب، مثل أن يقال: وقد عهد إليك بكذا، أو قلّدك كذا، أو فوّض إليك كذا ثم يقال: ونحن نوصيك بكذا، أو فعليك بكذا، ونحوه، وقد يصدّر بلفظ الغيبة ثم يلتفت منها إلى الخطاب، وقد يصدّر بلفظ الخطاب ثم يلتفت منه إلى الغيبة بحسب ما يؤثره الكاتب وتؤدّي إليه بلاغته مما ستقف على تنويعه في خلال كلامهم في أصناف الولايات الآتية في هذا الكتاب، إن شاء الله تعالى.

стр. 4421

الفصل الثالث من الباب الأوّل من المقالة الخامسة (في بيان ما يقع به التفاوت في رتب الولايات، وذلك من سبعة أوجه) الوجه الأوّل (الألقاب، وهي على ثلاثة أنواع) النوع الأوّل (ألقاب الخلفاء) وسبيلها الاختصار دون البسط، اكتفاء بما هو ظاهر من أبّهة الخلافة، وعلوّ مقام الإمامة، إذ هي الزّعامة العظمى، والرتبة الّتي هي أعلى الرّتب وأسمى. وهي صنفان: الصنف الأوّل- ألقاب الخلفاء أنفسهم ، وغاية ما ينعت به الإمام وأمير المؤمنين. الصنف الثاني- ألقاب أولياء العهد بالخلافة ، وألقابهم نحو السيّد الجليل وذخيرة الدّين، ونحو ذلك على ما سيأتي بيانه في عهود الخلفاء عن الخلفاء. النوع الثاني (ألقاب الملوك، وهي صنفان أيضا) الصنف الأوّل- ألقاب السلطان نفسه ، والكتّاب تارة يبتدئونها بالسلطان،

стр. 4422

وتارة يبتدئونها بالمقام، ولكلّ منهما نعوت تخصّه، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى في الكلام على عهود الملوك عن الخلفاء، إن شاء الله تعالى. الصنف الثاني- ألقاب أولياء العهد بالملك ، والملوك المنفردين بولاية صغار البلدان عن السلطان الأعظم، وهي لا تفتتح إلّا بالمقام ليس إلّا، ولها نعوت تخصّها، يأتي الكلام عليها في الكلام على عهودهم أيضا. النوع الثالث (ألقاب ذوي الولايات الصادرات عن السلطان من أرباب الوظائف الواقعة في هذه المملكة) وقد تقدّم في الكلام على الألقاب في مقدمة الكتاب أنّ أصول الألقاب المستعملة في ذلك خمسة ألقاب على الترتيب، وهي المقرّ «١» ، ثم الجناب «٢» ، ثم المجلس «٣» ، ثم مجلس مضافا كمجلس «٤» الأمير، ومجلس «٥» القاضي،

стр. 4423

ومجلس «١» الشيخ، ومجلس الصّدر «٢» ، ثم الاقتصار على المضاف إليه وحذف المضاف، كالامير والقاضي والشيخ «٣» والصّدر، ويلتحق بذلك لأهل الذّمة الحضرة، وحضرة الشيخ، والشيخ مجرّدا عن حضرة، وتقدّم في الفصل الأوّل من هذا الباب أنّ أرباب الولايات خمسة أنواع: أرباب «٤» السّيوف، وأرباب» الأقلام، وأرباب الوظائف الصّناعية، وزعماء أهل الذمّة، ومن لا يختص بطائفة لصغرهم. وجميع هذه الأنواع على اختلاف أصنافهم لا يخرجون عن الألقاب المتقدّمة، وقد تقدّم الكلام على هذه الألقاب ونعوتها لمن يكاتب عن الأبواب الشريفة السلطانية من أرباب الوظائف مستوفى في المكاتبات، إلّا أنه قد يولّى عن السلطان من لم يؤهّل للمكاتبة عنه، كأكثر أرباب الوظائف من حملة الأقلام وغيرهم، فاحتيج إلى تعريف مراتب الألقاب لكلّ نوع من أرباب الولايات. فأما أرباب السّيوف، فأعلى ألقابهم المقرّ، وأدناها مجلس الأمير، ثم الأمير مجرّدا عن مجلس. وأما أرباب الوظائف الصّناعيّة، فأعلى ألقابهم المجلس وأدناها مجلس

стр. 4424

الصّدر، ثم الصّدر مجرّدا عن مجلس. وأما من لا يختص بطائفة لصغره، فيقتصر فيه على لقب التعريف وهو فلان الدّين إن عظّم وإلّا اقتصر على اسمه خاصّة. وأما زعماء أهل الذّمة، فأعلى ألقابهم الحضرة، ثم حضرة الشيخ، ثم الشيخ مجرّدا عن حضرة. واعلم أنّ كلّ من كانت له مكاتبة عن الأبواب السلطانية من أرباب السّيوف والأقلام وغيرهم، فلقب ولايته ونعوته كما في مكاتبته، غير أنه يزاد في آخر النّعوت المركّبة ذكر اسمه العلم، ونسبته إلى السلطان، كالناصريّ، والظاهريّ، ونحوهما إن كان ممن ينتسب إليه بنيابة ونحوها، ثم إن كانت مكاتبته تفتتح بالدعاء نقل ذلك الدعاء من أوّل المكاتبته إلى ما بعد اسمه والنسبة إلى السلطان في الولاية، كما إذا كانت مكاتبته، أعزّ الله تعالى أنصار المقرّ «١» الكريم، فإنه يدعى له عقيب اسمه والنسبة إلى السلطان- إن كانت- بأعزّ الله تعالى أنصاره، وكذلك في البواقي. وإن كانت مكاتبته تفتتح بغير الدعاء، كصدرت هذه المكاتبة ونحو ذلك، فإنه يدعى له في الولاية عقب الاسم والنسبة إلى السلطان- إن كانت- بما يدعى له في مكاتبته في آخر الألقاب، كما إذا كان من أرباب السّيوف ومكاتبته صدرت هذه المكاتبة إلى المجلس «٢» العالي أو المجلس «٣» الساميّ بالياء فإنه يدعى له بمثل: أدام الله سعادته، وأدام الله رفعته، ونحو ذلك، وإن لم تكن له مكاتبة عن الأبواب السّلطانية كتب له في الولاية ما يناسبه من اللّقب

стр. 4425

والنّعوت، ثم يذكر اسمه والدعاء له إن كان مستحقّا للدعاء، وسيأتي لقب كلّ ذي ولاية من الأنواع الخمسة المتقدّمة الذّكر ونعوته عند ذكر ولايته فيما بعد، إن شاء الله تعالى. ثم للألقاب في الولايات محلّان: أحدهما- الطّرّة. ويقتصر فيها على اللّقب، من المقرّ أو الجناب أو المجلس أو مجلس مضافا وما بعده من النعوت إلى اللّقب المميّز للوظيفة كالأميريّ والقضائيّ ونحوهما، ثم يذكر لقبه الخاصّ به وهو الفلانيّ أو فلان الدين، ثم يذكر اسمه وانتسابه إلى السلطان إن كان، على ما سيأتي بيانه مفصّلا، إن شاء الله تعالى. الثاني- في أثناء الولاية. وهناك تستوفى النّعوت ويؤتى بما في الطّرّة في ضمنه إلّا أنه يجعل لقب التعريف- وهو الفلانيّ أو فلان الدّين- بين النعوت المفردة والمركّبة فاصلا بينهما. الوجه الثاني (ألفاظ إسناد الولاية إلى صاحب الوظيفة، ولها ستّ مراتب) الأولى- لفظ العهد ، مثل أن يقال: أن يعهد إليه، وهي خاصّة بالخلفاء والملوك. الثانية- لفظ التّقليد ، مثل أن يقال: أن يقلّد كذا، ويكون مع المقرّ الكريم والجناب الكريم. الثالثة- لفظ التّفويض ، مثل أن يقال: أن يفوّض إليه كذا، ويختصّ بالجناب لأرباب السيوف، وكذلك الجناب والمجلس العالي لأرباب الأقلام. قلت: وكتّاب زماننا يستعملونها «١» مع المقرّ أيضا، ولا يستعملون لفظ

стр. 4426

«يقلّد» في التقاليد لتوهّمهم الاكتفاء بلفظ تقليد عنها، ولم يعلموا أنّ يقلّد فوق يفوّض كما تقدّم. على أنّ المقرّ الشهابيّ بن فضل الله قد صرّح بذلك في «التعريف» كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى. الرابعة- لفظ الاستقرار والاستمرار ، مثل أن يقال: أن يستقرّ في كذا، أو يستمرّ في كذا. ولفظ يستقرّ مختصّ بالمستجدّ، ولفظ يستمرّ مختصّ بالمستقرّ، ويكونان مع المجلس الساميّ بالياء، والمجلس السامي بغير ياء لأرباب السيوف والأقلام وغيرهم، أما المجلس العالي فإن كانت مكاتبته تفتتح بالدعاء، مثل: أدام الله تعالى نعمة المجلس العالي كنائب «١» السلطنة بالكرك، فإنه يقال فيه أن يفوّض إليه، وإن كانت مكاتبته تفتتح بصدرت هذه المكاتبة كنائب القدس ونحوه، فإنه يقال فيه: أن يستقرّ. الخامسة- لفظ الترتيب ، مثل أن يقال: أن يرتّب في كذا، ويكون مع مجلس مضافا، مثل مجلس الأمير ومجلس القاضي ونحوهما، وربّما استعملت مع السامي بغير ياء. السادسة- لفظ التقدّم ، مثل أن يقال: أن يقدّم فلان على الطائفة الفلانيّة ونحو ذلك. قلت: وهاتان المرتبتان أعني السادسة والخامسة قد ذكرهما المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» فقال: وقد يقال أن يرتّب وأن يقدّم. وهما موجودان في كتابة معاصريه بمصر والشام. أما كتّاب زماننا فقد رفضوهما جملة وأضربوا عن استعمالهما بكلّ حال، واكتفوا عنهما بالمرتبة الرابعة وهي لفظ الاستقرار، والواجب إثباتهما لتفاوت ما بين المراتب. على أنّ استعمال لفظ يرتّب موجود في كلامهم بكثرة، ولفظ يقدّم لم يستعملوه إلّا في النّزر اليسير، والله أعلم. وهذه الألفاظ تقع في الطّرّة وفي أثناء الكلام على حدّ واحد.

стр. 4427

الوجه الثالث (الافتتاحات، وهي راجعة إلى أربع مراتب) المرتبة الأولى- الافتتاح بلفظ: هذه بيعة ، أو هذا ما عهد، ونحو ذلك في البيعات والعهود على المذهب القديم، أو بالحمد لله. ويقع الابتداء به في العهود والبيعات إذا ابتديء العهد أو البيعة بخطبة على ما عليه استعمال أهل زماننا. وكذلك في التقاليد لأرباب السيوف والأقلام، والمراسيم المكبّرة لأرباب السيوف، والتواقيع الكبار لأرباب الأقلام. المرتبة الثانية- الافتتاح بأمّا بعد حمد الله . ويقع الابتداء به في المرتبة الثانية من أرباب المراسيم المكبّرة من أصحاب السّيوف، والمرتبة الثانية من أرباب التّواقيع من أصحاب الأقلام. المرتبة الثالثة- الافتتاح برسم بالأمر الشريف ، ويقع الافتتاح به في المرتبة الثالثة لأرباب التّواقيع والمراسيم من سائر أرباب الولايات. المرتبة الرابعة- ما كان يستعمل من الافتتاح «بأما بعد فإنّ كذا «١» » . أو «من حسنت طرائقه، وحمدت خلائقه، فإنه أحقّ» ، وما أشبه ذلك، كما أشار إليه في «التعريف» إذ كان الان قد رفض وترك على ما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى، وقد كان ذلك يستعمل فيما تقدّم لأرباب السّيوف والأقلام جميعا. الوجه الرابع (تعدّد التحميد في الخطبة أو في أثناء الكلام واتحاده) فقد قال في «التعريف» في الكلام على عهود الملوك للملوك: «وكلّما كثرت التحميدات في الخطب، كان أكبر؛ لأنها تدلّ على عظم قدر النّعمة» «٢»

стр. 4428

وذكر في الكلام على عهود الخلفاء عن الخلفاء أنه ينتهى في التحميد إلى سبعة «١» . الوجه الخامس (الدعاء، وله ثلاثة مواضع) الموضع الأوّل- في طرّة الولاية بعد ذكر ما يكتب في الطّرّة «٢» من ألقابه، ولا يزاد فيه على دعوة واحدة تناسبه. الموضع الثاني- في أثناء الولاية بعد استيفاء الألقاب وذكر الاسم، وهو ما في الطّرّة من الدعوة المناسبة له بغير زائد على ذلك. الموضع الثالث-[في] آخر الولاية بالإعانة ونحوها . قال في «التثقيف» «٣» : وأقلّها دعوتان، وأكثرها أربع. قال في «التعريف» : ومن استصغر من المولّين لا يدعى له في آخر ولايته. ثم قد تقدّم في المكاتبات أنّ الدعاء مع تنزيه الله تعالى، كأعزّ الله تعالى أنصار المقرّ، وضاعف الله [تعالى] نعمة الجناب ونحو ذلك أعلى من حذفه «٤» ، كأدام الله سعده، وأعزّه الله ونحو ذلك، ولا شكّ أنه في الولايات كذلك.

стр. 4429

الوجه السادس (طول الكلام وقصره، فكلّما عظمت الوظيفة وارتفع قدر صاحبها كان الكلام فيها أبسط) قال في «حسن التوسل» : ويحسن أن يكون الكلام في التقاليد منقسما أربعة أقسام متقاربة المقادير؛ فالرّبع الأوّل في الخطبة، والرّبع الثاني في ذكر موقع الإنعام في حق المقلّد، وذكر الرتبة وتفخيم أمرها، والربع الثالث في أوصاف المولّى «١» ، وذكر ما يناسب تلك الرتبة ويناسب حاله من عدل وسياسة ومهابة وبعد صيت وسمعة وشجاعة إن كان نائبا، ووصف الرأي والعدل وحسن التدبير والمعرفة بوجوه الأموال وعمارة البلاد، وصلاح الأحوال، وما يناسب ذلك إن كان وزيرا، وكذلك في كلّ رتبة بحسبها، والربع الرابع في الوصايا. قال في «التعريف» : والذي أختاره «٢» اختصار مقدار التحميدة [الّتي] «٣» في الخطبة والخطب مطلقا وإطالة ما بعد ذلك، والإطناب في الوصايا [اللهم] «٤» إلّا لمن جلّ قدره [وعظم أمره] «٥» فإن الأولى الاقتصار في الوصايا على أهمّ الجمليّات، ويعتذر في الاقتصار «٦» بما يعرف من فضله، ويعلم «٧» من علمه، ويوثق به من تجربته ومن هذا ومثله. قال: والكاتب في هذا [كلّه] «٨» بحسب ما يراه، ولكلّ واقعة مقال يليق بها، ولملبس كلّ رجل قدر معروف لا يليق به غيره، وفي هذا غنى لمن عرف، وكفاية لمن علم، على أن المقرّ الشهابي تابع في ذلك القاضي «محيى الدين بن عبد الظاهر «٩» » ﵀، فإنك إذا تأملت تقاليده وتواقيعه، وجدتها كلّها كذلك، ولكلّ وجه ظاهر، فإنّ المطوّل للخطبة لا

стр. 4430

يخليها من براعة الاستهلال، المناسبة للحال، والمقصّر لها مراع لزيادة الإطناب في الوصف. قلت: ولا يخفى أن ما ذكراه في التقاليد يجيء مثله في العهود لجريها على موجبها من مولّ ومولّى. أما إذا كانت الولاية بيعة فإنه يجعل موضع الوصايا ذكر التزام الخليفة البرّ والإحسان للخلق، ووعد النظر في أمور الرعيّة، وصلاح أحوالهم، وذكر التحليف للخليفة، أو له وللسلطان إن كان معه سلطان قام بعقد البيعة له على الوفاء بالعهد والدّخول تحت الطاعة. قال في «حسن التوسل» : والأمر الجاري في ذلك على العادة معروف لكنه قد تقع أشياء خارجة عن العادة فيحتاج الكاتب فيها إلى حسن التصرّف على ما يقتضيه الحال، وذكر من ذلك تقليدا أنشأه لمتملّك سيس «١» ، وتقليدا كتبه بالفتوّة، وسيأتي ذكر ذلك مع ما شاكله في مواضعه إن شاء الله تعالى. الوجه السابع (قطع الورق) واعلم أنّ الولايات من ديوان الإنشاء بالأبواب السلطانية بجملتها ينحصر قطع الورق فيها في خمسة مقادير لا يتعدّاها: أحدها- قطع البغداديّ الكامل ؛ وهو مختصّ بالبيعات والعهود مطلقا على أيّ الافتتاحات كان. الثاني- قطع الثلثين من المنصوريّ ؛ وهو لأجل الولايات السّلطانيات لأرباب السّيوف وبعض أرباب الأقلام، ولا يفتتح فيها إلّا بالحمد. الثالث- قطع النّصف منه ؛ وهو لما دون ذلك، ولا يفتتح فيه إلّا بالحمد أيضا.

стр. 4431

الرابع- قطع الثّلث منه ؛ وهو لما دون ذلك. واعلم أنه إذا ولّي صاحب وظيفة تستحقّ قطع النصف وظيفة أخرى تستحق قطع العادة، فإنه يراعى مقدار صاحبها ويزاد على مقدار العادة، إلّا أنه لا يبلغ مبلغ رتبة وظيفته العليا، بل ينبغي أن يتوسّط بينهما، فيكتب له في قطع الثلث لتكون رتبة بين رتبتين فتحصل مراعاة تعظيمه من حيث الزيادة على قطع العادة، ومراعاة قدر الوظيفة من حيث إنها لم تبلغ شأو وظيفته العليا، أما إذا ولّي منحطّ القدر وظيفة تستحق القطع الكبير، فإنه يكتب له فيه، وتكون توليته لها رفعا إلى درجتها. الخامس- قطع العادة؛ وهو أصغرها . والأصل أن يفتتح فيه بلفظ «رسم بالأمر الشريف» وربما علت رتبة صاحب الولاية ولم يؤهّل للكتابة في قطع الثلث فيكتب له فيه: أما بعد حمد الله، وهو قليل الاستعمال، فإن استعمل أما بعد فإن كذا، أو إنّ أولى، أو إن أحقّ ونحو ذلك كتب في قطع العادة أيضا.

стр. 4432

الباب الثاني من المقالة الخامسة في البيعات، وفيه فصلان الفصل الأوّل (في معناها) البيعات جمع بيعة، وهي مصدر «١» بايع فلان الخليفة يبايعه مبايعة، ومعناها المعاقدة والمعاهدة، وهي مشبّهة بالبيع الحقيقيّ. قال أبو السّعادات ابن الأثير «٢» في نهايته في غريب الحديث: كأنّ كلّ واحد منهما باع ما عنده من صاحبه وأعطاه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره. ويقال: بايعه، وأعطاه صفقة

стр. 4433

يده، والأصل في ذلك أنه كان من عادة العرب أنه إذا تبايع اثنان صفق أحدهما بيده على يد صاحبه. وقد عظّم الله تعالى شأن البيعة وحذّر من نكثها بقوله خطابا للنبي ﷺ إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «١» . وأمر بمبايعة المؤمنات في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «٢» . وبايع النبيّ ﷺ ، الصحابة رضوان الله عليهم بيعتين.

стр. 4434

الفصل الثاني (في ذكر تنويع البيعات، وهي نوعان) النوع الأوّل (بيعات الخلفاء، وفيها سبعة مقاصد) المقصد الأوّل (في أصل مشروعيتها) فالأصل في ذلك بعد الإجماع ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ «أنّه لمّا توفّي رسول الله ﷺ ، اجتمعت «١» الأنصار «٢» إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن الجرّاح، فذهب عمر يتكلّم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: ما أردت بذلك إلّا أنّي قد هيّأت كلاما أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر؛ ثم تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغ الناس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء «٣» . فقال الحباب بن المنذر: لا والله لا نفعل! منّا أمير ومنكم أمير.

стр. 4435

فقال أبو بكر: لا ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء. فبايعوا عمر أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايع الناس» . وهذه أوّل بيعة بالخلافة كانت في الإسلام، ولكن لم ينقل أنه ﵁ كتب له مبايعة بذلك، ولعلّ ذلك لأنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا إذا بايعوا لا يجحدون البيعة بعد صدورها، بخلاف ما بعد ذلك. المقصد الثاني (في بيان أسباب البيعة الموجبة لأخذها على الرّعيّة وهي خمسة أسباب: السبب الأوّل- موت الخليفة المنتصب من غير عهد بالخلافة لأحد بعده ، كما في قصّة الصّدّيق المتقدّمة بعد وفاة النبي ﷺ ، أو بتركها شورى في جماعة معيّنة، كما فعل عمر، ﵁، عند وفاته حيث تركها شورى في ستة: عليّ بن أبي طالب، والزّبير بن العوّام، وعثمان بن عفّان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد بن أبي وقّاص، ﵃. السبب الثاني- خلع الخليفة المنتصب لموجب يقتضي الخلع ، فتحتاج الأمة [إلى] مبايعة إمام يقوم بأمورها، ويتحمّل بأعبائها. السبب الثالث- أن يتوهّم الخليفة خروج ناحية من النّواحي عن الطاعة فيوجّه إليهم من يأخذ البيعة له عليهم، لينقادوا لأمره، ويدخلوا تحت طاعته. السبب الرابع- أن تؤخذ البيعة للخليفة المعهود إليه بعد وفاة العاهد ، كما كانت الخلفاء الفاطميّون تفعل في خلافتهم بمصر، وكانوا يسمّون البيعة سجلّا

стр. 4436

كما كانوا يسمّون غيرها بذلك. السبب الخامس- أن يأخذ الخليفة المنتصب البيعة على الناس لوليّ عهده بالخلافة بأن يكون خليفة بعده إمضاء لعهده، كما فعل معاوية ﵁ في أخذه البيعة لولده يزيد. المقصد الثالث (في بيان ما يجب على الكاتب مراعاته في كتابة البيعة) واعلم أنه يجب على الكاتب أن يراعي في كتابة البيعة أمورا: منها- أن يأتي في براعة الاستهلال بما يتهيّأ له من اسم الخليفة أو لقبه كفلان الدّين، أو لقب الخلافة، كالمتوكّل أو المستكفي، أو مقتضى الحال الموجب للبيعة من موت أو خلع ونحوهما، أو غير ذلك مما يجري هذا المجرى. ومنها- أن ينبّه على شرف رتبة الخلافة وعلوّ قدرها ورفعة شأنها، وأنها الغاية الّتي لا فوقها، والدرجة الّتي لا بعدها، وأن كلّ رتبة دون رتبتها، وكلّ منصب فرع عن منصبها. ومنها- أن ينبّه على مسيس الحاجة إلى الإمام «١» ، ودعاية الضّرورة إليه، وأنه لا يستقيم أمر الوجود وحال الرعيّة إلّا به، ضرورة وجوب نصب الإمام بالإجماع، وإن شذّ عنه الأصمّ فخالف ذلك. ومنها- أن يشير إلى أنّ صاحب البيعة استوعب شروط «٢» الإمامة واجتمعت فيه، ويصفه منها بما يعزّ وجوده، ويتمدّح بحصوله، كالعلم

стр. 4437

والشّجاعة والرأي والكفاية، بخلاف ما لا يعزّ وجوده ولا يتمدّح به وإن كان من الشروط، كالحرّية والذّكورة والسمع والبصر ونحو ذلك، فإنّ الوصف بذلك لا وجه له. ومنها- أن ينبّه على أفضلية صاحب البيعة وتقدّمه في الفضل واستيفاء الشّروط على غيره، ليخرج من الخلاف في جواز تولية المفضول مع وجود الفاضل. ومنها- أن ينبّه على أنّ المختارين لصاحب البيعة ممن يعتبر اختياره من أهل الحلّ والعقد، من العلماء والرّؤساء ووجوه الناس الذين يتيسّر حضورهم على الوجه المعتبر. ومنها- أن ينبّه على تعيين المختارين للبيعة، إن كان الإمام الأوّل نصّ عليهم، إذ لا يصحّ الاختيار [من] غير من نصّ عليه، كما لا يصحّ إلّا تقليد من عهد إليه. ومنها- أن ينبّه على جريان عقد البيعة من المختارين، ضرورة أنه إن انفرد شخص بشروط الإمامة في وقته لم يصر إماما بمجرّد ذلك. ومنها- أن ينبّه على سبب خلع الخليفة الأوّل إن كانت البيعة مترتّبة على خلع، إذ لا يصح خلع الإمام القائم بلا سبب. ومنها- أن ينبّه على قبول صاحب البيعة العقد وإجابته إليه إذ لا بدّ من قبوله. ومنها- أن ينبّه على أنّ القبول وقع منه بالاختيار؛ لأنه لا يصحّ الإجبار على قبولها، اللهم إلّا إن كان بحيث لا يصلح للإمامة غيره فإنه يجبر عليها بلا خلاف. ومنها- أن ينبّه على وقوع الشهادة على البيعة، خروجا من الخلاف في أنه هل يشترط الإشهاد على البيعة أم لا؟

стр. 4438

ومنها- أن ينبّه على أنها لم تقترن ببيعة في الحال ولا مسبوقة بأخرى، إذ لا يجوز نصب إمامين في وقت واحد وإن تباعد إقليماهما، خلافا للأستاذ أبي إسحاق الأسفراييني «١» حيث جوّز نصب إمامين في إقليمين. ومنها- أن ينبّه على أنه بمجرّد البيعة تجب الطاعة والانقياد إليه، ويجب على كافّة الأمة تفويض الأمور العامّة إليه، وطاعته فيما وافق حكم الشرع وإن كان جائرا. ومنها- أن يعزّي في الخليفة الميت ويهنيّء بالمستقرّ إن كانت البيعة مبنيّة على موت خليفة، وأن يبيّن «٢» سبب خلع الخليفة الأوّل إن كانت مرتّبة على خلع. أما التعزية والتهنئة بموت الأوّل، فعليه جرى عامّة الكتّاب، إلّا أنه يختصّ في عرفهم بما إذا كان الخليفة الأوّل شديد القرب من الثاني، كأبيه وأخيه وابن عمّه. وكان الأوّلون يتعانون ذلك في خطاب الخلفاء بالتهنئة بالخلافة بعد أقاربهم، وقد روي أنّ عطاء «٣» بن أبي صيفيّ دخل على يزيد بن معاوية فهنّأه بالخلافة وعزّاه في أبيه فقال: رزئت «٤» بأمير المؤمنين خليفة الله، وأعطيت خلافة الله، قضى معاوية

стр. 4439

نحبه، فغفر الله ذنبه، وولّيت الرّياسة، وكنت أحقّ بالسّياسة، فاحتسب عند الله جليل الرّزيّة، واشكره على جزيل العطيّة، وعظّم الله في معاوية أجرك، وأحسن على الخلافة عونك. وتعرّضت أعرابيّة للمنصور في طريق مكّة بعد وفاة أبي العبّاس السّفّاح، فقالت: يا أمير المؤمنين، احتسب الصّبر، وقدّم الشّكر، فقد أجزل الله لك الثّواب في الحالين، وأعظم عليك المنّة في الحادثين، سلبك خليفة الله، وأفادك خلافة الله، فسلّم فيما سلبك، واشكر فيما منحك، وتجاوز الله عن أمير المؤمنين، وخار لك فيما ملّكك من أمر الدّنيا والدّين. وأما التعريف بسبب «١» الخلع، فلأنه لا يصحّ خلع الإمام بغير موجب للخلع. ومنها- أن يشير إلى ذكر السلطان القائم بالبيعة إن كان القائم بها سلطانا على ما استقرّت عليه قاعدة الكتّاب في ذلك. ومنها- أن ينبّه على أنّ من استحلف في البيعة من وجوه الدولة وأعيان المملكة إن جرى حلف، ويذكر صفة حلفهم وما التزموه من الأيمان المؤكّدة، والمواثيق المغلّظة. المقصد الرابع (في بيان مواضع الخلافة الّتي يستدعي الحال كتابة المبايعات فيها) وهي أربعة أمور: أحدها- موت الخليفة المتقدّم عن غير عهد لخليفة بعده ، وهو موضوعها

стр. 4440

الأصليّ الذي عليه بنيت. الثاني- أن يعهد الخليفة إلى خليفة بعده ، ثم يموت العاهد ويستقرّ المعهود إليه بالخلافة بالعهد بعده، فتؤخذ له البيعة العامّة على الرّعية، إظهارا لوقوع الإجماع على خلافته، والاتّفاق على إمامته. الثالث- أن تؤخذ البيعة للخليفة بحضرة ولايته ، ثم تنفّذ الكتب إلى الأعمال لأخذ البيعة على أهلها، فيأخذ كلّ صاحب عمل له البيعة على أهل عمله. الرابع- أن يعرض للخليفة خلل في حال خلافته ، من ظهور مخالف أو خروج خارجيّ، فيحتاج إلى تجديد البيعة له حيث وقع الخلاف. ولكلّ من هذه الأحوال ضرب من الكتابة يحتاج فيه إلى بيان السبب الموجب لأخذ تلك البيعة. المقصد الخامس (في بيان صورة ما يكتب في بيعات الخلفاء، وفيها أربعة مذاهب) المذهب الأوّل (أن تفتتح المبايعة بلفظ «تبايع فلانا أمير المؤمنين» خطابا لمن تؤخذ عليه البيعة) ويذكر ما يقع عليه عقد المبايعة، ويأتي بما سنح من أمر البيعة، ثم يذكر الحلف عليها، وعلى ذلك جرى مصطلح كتّاب خلفاء بني أميّة، ثم خلفاء بني العبّاس بعدهم ببغداد. واعلم أنه قد تقدّم في المقصد الأوّل من هذا الفصل أنه لم ينقل أنه كتب للصدّيق ﵁ ولا لمن ولي الخلافة بعده من الصّحابة من غير عهد بيعة. ولما كانت خلافة بني أميّة، وآل الأمر إلى عبد الملك بن مروان، وأقام الحجّاج ابن يوسف على إمارة العراق، وأخذ في أخذ البيعة لعبد الملك بالعراق، رتّب أيمانا

стр. 4441

مغلّظة تشتمل على الحلف بالله تعالى والطّلاق والعناق والأيمان المحرجات يحلف بها على البيعة، واشتهرت بين الفقهاء بأيمان البيعة، واطّرد أمرها في الدولة العبّاسية بعد ذلك، وجرى مصطلحهم في ذلك على هذا الأسلوب. وهذه نسخة مبايعة، ذكرها أبو الحسين «١» بن إسحاق الصابي في كتابه «غرر البلاغة» وهي: تبايع عبد الله أمير المؤمنين فلانا بيعة طوع واختيار، وتبرّع وإيثار، وإعلان وإسرار، وإظهار وإضمار، وصحّة من نغل، وسلامة من غير دغل «٢» ، وثبات من غير تبديل، ووقار من غير تأويل، واعتراف بما فيها من اجتماع الشّمل، واتّصال الحبل، وانتظام الأمور، وصلاح الجمهور، وحقن الدّماء، وسكون الدّهماء، وسعادة الخاصّة والعامّة، وحسن العائدة على أهل الملّة والذّمّة- على أنّ عبد الله فلانا أمير المؤمنين عبد الله، الذي اصطفاه، وخليفته الذي جعل طاعته جارية بالحق، وموجبة على الخلق، وموردة لهم موارد الأمن، وعاقدة لهم معاقد اليمن، وولايته مؤذنة لهم بجميل الصّنع، ومؤدّية بهم إلى جزيل النّفع، وإمامته الإمامة الّتي اقترن بها الخير والبركة، والمصلحة العامّة المشتركة، وأمّل فيها قمع الملحد الجاحد، وردّ الجائر الحائد، ووقم العاصي الخالع، وعطف الغازي المنازع- وعلى أنّك وليّ أوليائه، وعدوّ أعدائه، من كلّ داخل في الجملة، وخارج عن الملّة، وحائد عن الدّعوة. ومتمسّك بما يدليه، عن إخلاص من رأيك، وحقيقة من وفائك، لا تنقض ولا تنكث ولا تخلف ولا تواري ولا تخادع، ولا تداجي ولا تخاتل، علانيتك مثل نيّتك،

стр. 4442

وقولك مثل طويّتك- وعلى أن لا ترجع عن شيء من حقوق هذه البيعة وشرائطها على مرّ الأيام وتطاولها، وتغيّر الأحوال وتنقّلها، واختلاف الأزمان وتقلّبها- على أنّك في كلّ ذلك من أهل الملّة الإسلامية ودعاتها، وأعوان الدولة العبّاسيّة ورعاتها؛ لا يداخل قولك مواربة ولا مداهنة، ولا تعترضه مغالطة ولا تتعقّبه مخالفة، ولا تخيس به أمانة، ولا تغلّه خيانة، حتّى تلقى الله تعالى مقيما على أمرك، وفيّا بعهدك، إذ كان مبايعو ولاة الأمور وخلفاء الله تعالى في الأرض إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «١» . عليك بهذه البيعة- الّتي أعطيت بها صفقة يدك، وأصفيت فيها سريرة قلبك، والتزمت القيام بها ما طال عمرك، وامتدّ أجلك- عهد الله إنّ عهد الله كان مسؤولا، وما أخذه على أنبيائه ورسله وملائكته وحملة عرشه من أيمان مغلّظة وعهود مؤكّدة، ومواثيق مشدّدة، على أنك تسمع وتصغي، وتطيع ولا تعصي، وتعتدل ولا تميل، وتستقيم ولا تحيد، وتفي ولا تغدر، وتثبت ولا تتغيّر، فمتى زلت عن هذه المحجّة حاقرا لأمانتك، ورافعا لديانتك، فجحدت الله تعالى ربوبيّته، وأنكرته وحدانيّته، وقطعت عصمة محمد ﷺ ، وجذذتها، ورميت طاعته وراء ظهرك ونبذتها، ولقيت الله يوم الحشر إليه، والعرض عليه، مخالفا لأمره، وخائنا لعهده، ومقيما على الإنكار له، ومصرّا على الإشراك به، وكلّ ما حلّله الله لك محرّم عليك، وكلّ ما تملكه يوم رجوعك عن بذلك، وارتجاعك ما أعطيته في قولك، من مال موجود ومذخور، ومصوغ ومضروب، وسارح ومربوط، وسائم ومعقول، وأرض وضيعة، وعقار وعقده، ومملوك وأمة، صدقة على المساكين، محرّمة على مرّ السّنين، وكلّ امرأة لك تملك شعرها وبشرها، وأخرى تتزّوجها بعدها، طالق ثلاثا بتاتا، طلاق الحرج والسّنّة لا رجعة فيه ولا مثنويّة، وعليك الحجّ إلى بيت الله الحرام الذي بمكّة ثلاثين دفعة

стр. 4443

حاسرا حافيا، راجلا ماشيا، نذرا لازما، ووعدا صادقا، لا يبرّئك منها إلّا القضاء لها، والوفاء بها، ولا قبل الله منك توبة ولا رجعة، وخذلك يوم الاستنصار بحوله، وأسلمك عند الاعتصام بحبله، وهذه اليمين قولك قلتها قولا فصيحا، وسردتها سردا صحيحا، وأخلصت فيها سرّك إخلاصا مبينا، وصدقت فيها عزمك صدقا يقينا، والنية فيها نية فلان أمير المؤمنين دون نيّتك، والطّويّة [فيها طويّته] دون طويّتك، وأشهدت الله على نفسك بذلك وكفى بالله شهيدا، يوم تجد كلّ نفس عليها حافظا ورقيبا. وهذه نسخة بيعة أخرى من هذا الأسلوب، أوردها ابن «١» حمدون في تذكرته، وربّما وافق فيها بعض ألفاظ البيعة السابقة، وهي: تبايع الإمام أمير المؤمنين فلانا بيعة طوع وإيثار، واعتقاد وإضمار، وإعلان وإسرار، وإخلاص من طويّتك، وصدق من نيّتك، وانشراح صدرك وصحّة عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرّا بفضلها، مذعنا بحقّها، معترفا ببركتها، ومعتدّا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها وفي توكيدها من صلاح الكافّة، واجتماع الكلمة [من] الخاصّة والعامّة، ولمّ الشّعث، وأمن العواقب، وسكون الدّهماء، وعزّ الأولياء، وقمع الأعداء- على أنّ فلانا عبد الله وخليفته، المفترض طاعته، والواجب على الأمة إقامته وولايته، اللازم لهم

стр. 4444

القيام بحقّه، والوفاء بعهده، لا تشكّ فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن في أمره ولا تميل. وأنك وليّ وليّه، وعدوّ عدوّه، من خاصّ وعامّ، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسّك في بيعته بوفاء العهد، وذمّة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وظاهرك فيه وفق باطنك- على أن أعطيت الله هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إيّاها في عنقك، لفلان أمير المؤمنين عن سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك- على أن لا تتأوّل عليه فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها، ولا تقعد عن نصره في الرّخاء والشّدّة، ولا تدع النصر له في كلّ حال راهنة وحادثة، حتّى تلقى الله مؤذنا بها، مؤدّيا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر، وخلفاء الله في الأرض إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ «١» . عليك بهذه البيعة- الّتي طوّقتها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت فيها صفقتك، وما شرط عليك فيها، من وفاء وموالاة، ونصح ومشايعة، وطاعة وموافقة واجتهاد ومتابعة- عهد الله إنّ عهد الله كان مسؤولا. وما أخذ الله تعالى على أنبيائه ورسله ﵈، وعلى من أخذ من عباده، وكيدات مواثيقه ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسّك بها ولا تبدّل، وتستقيم ولا تميل، وإن نكثت هذه البيعة أو بدّلت شرطا من شروطها، أو عفّيت رسما من رسومها، أو غيّرت حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا أو محتالا أو متأوّلا، أو زغت عن السبيل الّتي يسلكها من لا يحقّر الأمانة، ولا يستحلّ الغدر والخيانة، ولا يستجيز حلّ العقود، فكلّ ما تملكه من عين أو ورق أو آنية، أو عقار أو سائمة «٢» ، أو زرع، أو صرع «٣» ، أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتدّة، والأموال المدّخرة،

стр. 4445

صدقة على المساكين، محرّم عليك أن ترجع من ذلك إلى شيء من مالك بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه، وسبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الأيمان، وكلّ ما تعتدّه في بقيّة عمرك من مال يقلّ خطره أو يجلّ فتلك سبيله إلى أن تتوفّاك منيّتك أو يأتيك أجلك، وكلّ امرأة لك «١» اليوم، وأخرى تتزوجها بعدها مدّة بقائك طالق ثلاثا بتاتا، طلاق الحرج والسّنّة لا مثنويّة فيه ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة حافيا، حاسرا راجلا، لا يرضى الله منك إلّا بالوفاء بها، ولا يقبل الله منك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرّأك من حوله وقوّته، وألجأك إلى حولك وقوّتك، والله بذلك شهيد، وكفى به شهيدا. وهذه نسخة أخرى من هذا الأسلوب، أوردها أبو الحسين الصابي في «غرر البلاغة» وهي: تبايع أمير المؤمنين بقوّة من بصيرتك، وصحّة من سريرتك، وصفاء من عقيدتك وصدق من عزيمتك، على الرّضا [به] والوفاء له، والإخلاص في طاعته، والاجتهاد في مناصحته، وعقد النيّة على موالاته، وبذل القدرة في ممالاته، وأن تكون لأنصاره عونا، ولأوليائه حزبا، ولأعدائه حربا، عارفين بما في ذلك من الحظّ، ومعترفين بما يلزم فيه من الحقّ، ومحافظين على ما حرس الملّة الإسلاميّة، والدولة العبّاسية، ثبّت الله قواعدها، وأحكم معاقدها، وزادها استمرارا على مرّ الدّهور، واستقرارا على كرّ العصور، وعزّا على تنقّل الأمور، واشتدادا على تغلّب المقدور، فإن خالفت ذلك مسرّا أو معلنا، وحلت عنه مظهرا أو مبطنا، وحللت عقوده ناكثا أو ناقضا، وتأوّلت فيه محاولا للخروج منه،

стр. 4446

واستثنيت عليه طالبا للرّجوع عنه، فبرّأني الله من حوله وقوّته، وسلبني ما وهب من فضله ونعمته، ومنعني ما وعد من رأفته ورحمته، وخلّاني من يديه، يوم الفزع الأكبر لديه، وحنث كلّ يمين حلفها المسلمون على قديم الأيّام وحديثها، والتّناهي في تأكيدها وتشديدها، وأعروها من لباس الشّبهة، وأخلوها من دواعي المخاتلة، وهذه اليمين يميني، أوردتها على صدق من نيّتي، وصحّة من عزيمتي، واتّفاق من سرّي وعلانيتي، وسردتها سردا متتابعا من غير فصل، وتلفظت بها تلفّظا من غير قطع، والنية فيها نية فلان، على حضور منه وغيب، وبعد وقرب، وأشهد الله تعالى بما عقدته على نفسي منها، وكفى بالله شهيدا على من أشهده، وحسيبا على من اجترأ على إخفار عهده، ونقض عقده. قلت: فإن كان من تؤخذ عليه المبايعة اثنين، أتي في المبايعة بصيغة التثنية، أو ثلاثة فأكثر، أتي بصيغة الجمع. ولم أقف على كيفية وضعهم لذلك في الكتابة، والذي يظهر أن المبايعة كانت تكتب على الصورة المتقدّمة، ثم يكتب المبايعون خطوطهم بصدورها عنهم، كما يفعل الآن في تحليف من يحلّف من الأمراء وغيرهم من أرباب الوظائف بالمملكة المصرية والممالك الشامية، أو يشهد عليهم في آخر البيعة بمعاقدتهم عليها ورضاهم بها ونحو ذلك. المذهب الثاني (مما يكتب في بيعات الخلفاء) أن تفتتح المبايعة بلفظ «من عبد الله ووليّه فلان أبي فلان الإمام الفلاني» إلى أهل دولته، ونحو «١» ذلك بالسّلام عليهم، ويؤتى بما سنح من الكلام، ثم يقال: أمّا بعد، فالحمد لله، ويؤتى على وصفه بشريف المناقب، واستحقاقه للخلافة، واستجماعه لشروطها، وما يجري هذا المجرى، ثم

стр. 4447

ينخرط في سلك البيعة، ويذكر القائم بأخذها على الناس من سلطان أو وزير عظيم أو نحو ذلك، ويذكر من أمر ولاية الخليفة ما فيه استجلاب قلوب الرعية والأخذ بخواطرهم وما ينخرط في هذا السّلك. وهذه نسخة بيعة من هذا الأسلوب، لوليّ عهد بعد موت العاهد، كتب بها لبعض خلفاء الفاطميين، ليس فيها تعرّض لذكر الوزير القائم بها، وهي: من عبد الله ووليّه «أبي فلان فلان بن فلان» الإمام الفلانيّ، بأمر الله تعالى أمير المؤمنين، إلى من يضمّه نطاق الدولة العلوية، من أمرائها وأعيانها، وكبرائها وأوليائها، على اتّساع شعوبهم، وعساكرها على اختلاف ضروبهم، وقبائل عربها القيسيّة واليمنيّة، وكافّة من تشمله أقطارها من أجناس الرعيّة، الأمير منهم والمأمور، والمشهور منهم والمغمور، والأسود والأحمر، والأصغر والأكبر، وفّقهم الله وبارك فيهم. سلام عليكم، فإنّ أمير المؤمنين يحمد إليكم الله الذي لا إله إلّا هو، ويسأله أن يصلّي على محمد خاتم النبيّين، وسيّد المرسلين، صلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، الأئمة المهديّين، وسلّم تسليما. أما بعد، فالحمد لله مولي المنّ الجسيم، ومبدي الطّول العميم، ومانح جزيل الأجر بالصّبر العظيم، مفيد النعم المتشعبة الفنون، ومدني المهج المتعالية لتناول المنون، ومبيد الأعمار ومفنيها، وناشر الأموات ومحييها، والفاتح إذا استغلقت الأبواب، والقائل: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ «١» الذي لا يغيّر ملكه مرور الغير، ولا يصرف سلطانه تصرّف القدر، ولا يدرك قدمه وأزليّته، ولا ينفد بقاؤه وسرمديّته، مسلم الأنام «٢» للحمام، ومصمي الأنفس بسهام

стр. 4448

الاخترام، ومورد البشر من المنيّة منهلا ما برحوا في رنقه «١» يكرعون، ولمرّه المشرق يتجرّعون، ومعزز ذلك بقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ «٢» . والحمد لله الذي نصب الأنبياء لمراشده أعلاما، وحفظ ببعثهم من الحقّ والهدى نظاما، وجعل نبوّة جدّنا محمد ﷺ ، لنبوّاتهم ختاما، وعضّد بوصيّه أبينا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كمالا للدّين وإتماما، واستخلص من ذرّيتهما أئمة هادين إتقانا لصنعته وإحكاما، وأقام الحجّة على الأمم بأن أقام لكلّ زمان منهم إماما، وعاقب بين أنوار الإمامة فإذا انقبض نور انبسط نور، وتابع ظهور بدوره ليشرق طالع إثر غارب يغور، رحمة شاملة للعالمين، وحكمة تامّة حتّى يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، ولم يخل نبيّا مع ما شرّفه [به] من تناول وحيه وتلقّيه، ولا عصم إماما مع اختصاصه بفروع منصب الإمامة وترقّيه، من لقاء المنيّة، ووداع الأمنيّة، بل أجّل لكلّ منهم أجلا مكتوبا، وفسّح له أمدا محصورا محسوبا، لا يصرفه عن وصوله فضيلة، ولا يصل إلى تجاوزه بقوّة ولا حيلة، قدرة محكمة الأسباب، وعبرة واضحة لأولي الألباب، وقضيّة أوضحها فرقانه الذي أقرّ بإعجازه الجاحدون، إذ يقول مخاطبا لنبيه: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ «٣» . والحمد لله الذي منح أمير المؤمنين من خصائص الإمامة وأنوارها، وحاز له من ذخائرها وأودعه من أسرارها، ما خوّله فاخر تراثها، وأصار له شرف ميراثها، وجعله القائم بحقّه، والمرشد لخلقه، والماحي بهداه ليلا من الضّلال بهيما، والحاوي بخلافته مجدا لا يزال ثناؤه عظيما: ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ

стр. 4449

وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً «١» . يحمده أمير المؤمنين على أن أوضح بآبائه الأئمة سبل الحقائق، فأصبحوا خلفاء الخالق وأئمّة الخلائق، وخوّله ما اختصّهم به من الإمامة، ورفعه بها إلى أشمخ منازل العلا وأرفع مواطن الكرامة، ويستمدّه شكرا يوازي النّعم الّتي أثبتت [له] على سرير الخلافة وسرّها قدما، وصبرا يوازن الفجيعة الّتي قلّ لها فيض المدامع دما. ويسأله أن يصلّي على جدّه محمد الذي فضّ بجهاده جموع الإلحاد، وحصد باجتهاده من مال عن الهدى وحاد، وصدع بما أمر به حتّى عمّ التوحيد، ودانت لمعجزاته الأمم وقد دعاها وهو المفرد الوحيد، ولم يزل مبالغا في مرضاة ربّه، حريصا على إظهار دينه بيده ولسانه وقلبه، حتّى استأثر به وقبضه، وبدّله من الدنيا شرف جواره وعوّضه، وأصاره إليه أفضل نبيّ بصّر وبشّر، وأحيا دين الله وأنشر، وعلى أبيه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب إمام الأمّة، وأبي الأئمّة، وقدوة السعداء، وسيّد الشّهداء، وعاضد الدّين بذي الفقار، ومن لم يزل الحقّ إلى ذبّه شديد الافتقار، صلّى الله عليه وعلى آبائه والأئمة من ذرّيّتهما الذين أيقظوا العقول بإرشادهم من السّنة، وأفاضوا من العدل والإحسان ما ألهج بتمجيدهم الألسنة. وإنّ الإمام الفلانيّ لدين الله أمير المؤمنين كان وليّا لله شرّفه الله واستخلصه، وأفرده بإمامة عصره وخصّصه، وفوّض إليه أمر خلافته، وأحلّه محلّا تقع مطارح الهمم دون علوّه وإنافته، فقام بحقّ الله ونهض، وعمل بأمره فيما سنّ وفرض، وقهر الأعداء بسطواته وعزائمه، وصرّف الأمور بأزمّة التدبير وخزائمه، وبالغ في الذّبّ عن أشياع الملّة، واجتهد في جهاد أعداء القبلة، ووقف على مصلحة العباد والبلاد أمله، ووفّر على ما يحظي عند الله قوله

стр. 4450

وعمله، ولم يترك في مرضاة خالقه مشقّة إلّا احتملها، ولا رويّة إلّا صرّفها في إرشاد خلقه وأعملها، حتّى بلغ الغاية المحدودة، واستكمل الأنفاس المعدودة، وأحسن الله له الاختيار، واثر له النّقلة من هذه الدار والزّلفى «١» بسكنى دار القرار، والفوز بمصاحبة الأنبياء الأبرار، والحلول في حظائر قدسه مع آبائه الأئمّة الأطهار، فسار إليه طاهر السّريرة، جميل المذهب والصّورة، مستوجبا بسعيه أفضل رضوانه، ممهّدا بالتقوى لتدبيره أكناف جنانه. وأمير المؤمنين [يحتسب] عند الله هذه الرّزيّة الّتي عظم بها المصاب، وعظم عند تجرّعها الصّاب، وأضرمت القلوب نارا، وأجرت الآماق دما ممارا «٢» ، وأطاشت بهولها الأكباد بالحرق، وكحلت الأجفان بالأرق، وكادت لهجومها الصدور تقذف أفئدتها، والدنيا تنزع نضرتها وبهجتها، وقواعد الملّة تضعف وتهي، والخطوب الكارثة تصرّ «٣» ولا تنتهي، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون!! تسليما لأمره الذي لا يدفع، وإذعانا لقضائه الذي لا يصدّ ولا يمنع. وكان الإمام الفلانيّ لدين الله أمير المؤمنين عند نقلته جعل لي عقد الخلافة، ونصّ عليّ بارتقاء منصبها المخصوص بالإنافة، وأفضى إليّ بسرّها المكنون، وأودعني غامض علمها المصون، وعهد إليّ أن أشملكم بالعدل والإحسان، والعطف والحنان، والرحمة والغفران، والمنّ الرائق الذي لا يكدّره امتنان، وأن أكون لأعلام الهدى ناشرا، وبما أرضى الله مجاهرا، ولأحزاب القبلة مظافرا مظاهرا، ولأعداء الملة مرغما قاهرا، ولمنار التوحيد رافعا، وعن حوزة الإسلام بغاية الإمكان دافعا، مع علمه بما خصصت به من كرم الشّيم،
следующие страницы →