← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4481–4520 · переход к 4486.

стр. 4481

القاسم» «١» «أحمد بن أبي الرّبيع سليمان المستكفي «٢» بالله ابن الإمام الحاكم «٣» بأمر الله، بعد موت أبيه. وذكر القاضي تقيّ الدين «٤» بن ناظر الجيش في «دستوره» أنه إنما عملها

стр. 4482

تجربة «١» لخاطره، وهي مرتّبة على موت خليفة. ونصها بعد البسملة الشريفة: إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «٢» . هذه بيعة رضوان وبيعة إحسان، وبيعة رضا تشهدها الجماعة ويشهد عليها الرحمن، بيعة يلزم طائرها العنق، وتحوم بشائرها على الأفق، وتحمل أنباءها البراريّ والبحار مشحونة الطّرق، بيعة تصلح لنسبها الأمّة، وتمنح بسببها النّعمة، وتؤلّف بها الأسباب وتجعل بينهم مودّة ورحمة، بيعة تجري بها الرّفاق، وتتزاحم زمر الكواكب على حوض المجرّة للوفاق، بيعة سعيدة ميمونة، بيعة شريفة بها السلامة في الدّين والدنيا مضمونة، بيعة صحيحة شرعيّة، بيعة ملحوظة مرعيّة، بيعة تسابق إليها كلّ نيّة وتطاوع كلّ طويّة، وتجمع عليها أشتات البريّة، بيعة يستهلّ بها الغمام، ويتهلّل البدر التّمام، بيعة متّفق على الإجماع عليها، والاجتماع لبسط الأيدي إليها، انعقد عليها الإجماع، وانعقدت صحّتها بمن سمع لله وأطاع، وبذل في تمامها كلّ امريء ما استطاع، وحصل عليها اتّفاق الأبصار والأسماع، ووصل بها الحقّ إلى مستحقّه وأقرّ الخصم وانقطع النّزاع، وتضمّنها كتاب كريم يشهده المقرّبون، ويتلقّاه الأئمة الأقربون. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ «٣» : ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ «٤» . وإلينا ولله الحمد وإلى بني

стр. 4483

العبّاس. أجمع على هذه البيعة أرباب العقد والحلّ، وأصحاب الكلام فيما قلّ وجلّ، وولاة الأمور والأحكام، وأرباب المناصب والحكّام، وحملة العلم والأعلام، وحماة السّيوف والأقلام، وأكابر بني عبد مناف، ومن انخفض قدره وأناف، وسراوات قريش ووجوه بني «١» هاشم والبقيّة الطاهرة من بني العباس، وخاصّة الأئمة وعامّة الناس، بيعة ترسى «٢» بالحرمين خيامها، وتخفق على المأزمين أعلامها، وتتعرّف عرفات ببركاتها وتعرف بمنى أيّامها، ويؤمّن عليها يوم الحجّ الأكبر، وتؤمّ ما بين الرّكن والمقام والمنبر، ولا يبتغى بها إلّا وجه الله الكريم، وفضله العميم، لم يبق صاحب سنجق» ولا علم، ولا ضارب بسيف ولا كاتب بقلم، ولا ربّ حكم ولا قضاء، ولا من يرجع إليه في اتفاق ولا إمضاء، ولا إمام مسجد ولا خطيب، ولا ذو فتيا يسأل فيجيب، ولا من بين جنبتي المساجد ولا من تضمّهم أجنحة المحاريب، ولا من يجتهد في رأي فيخطيء أو يصيب، ولا متحدّث بحديث، ولا متكلّم بقديم وحديث، ولا معروف بدين وصلاح، ولا فرسان حرب وكفاح، ولا راشق بسهام ولا طاعن برماح، ولا ضارب بصفاح، ولا ساع على قدم ولا طائر بغير جناح، ولا مخالط للناس ولا قاعد في عزلة، ولا جمع كثرة ولا قلّة، ولا من يستقلّ بالحوزاء لواؤه، ولا يقلّ فوق الفرقد ثواؤه، ولا باد ولا حاضر، ولا مقيم ولا سائر، ولا أوّل ولا آخر، ولا مسرّ في باطن ولا معلن في ظاهر، ولا عرب ولا عجم، ولا راعي إبل ولا غنم، ولا صاحب أناة ولا إبدار، ولا ساكن في حضر وبادية بدار، ولا صاحب عمد ولا جدار، ولا ملجّج في البحار الزاخرة والبراريّ القفار، ولا من يتوقّل صهوات الخيل، ولا من يسبل على العجاجة الذيل، ولا من تطلع عليه شمس النهار ونجوم الليل، ولا من تظلّه السماء وتقلّه الأرض، ولا من تدلّ عليه

стр. 4484

الأسماء على اختلافها وترتفع درجات بعضهم على بعض، حتّى آمن بهذه البيعة وأمّن عليها، ومنّ الله عليه وهداه إليها، وأقرّ بها وصدّق، وغضّ لها بصره خاشعا وأطرق، ومدّ إليها يده بالمبايعة، ومعتقده بالمتابعة، رضي بها وارتضاها، وأجاز حكمها على نفسه وأمضاها، ودخل تحت طاعتها وعمل بمقتضاها: وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ «١» . والحمد لله الذي نصب الحاكم ليحكم بين عباده وهو أحكم الحاكمين، والحمد لله الذي أخذ حقّ آل بيت نبيّه من أيدي الظالمين، والحمد لله ربّ العالمين، ثم الحمد لله ربّ العالمين، ثم الحمد لله ربّ العالمين، والحمد لله رب العالمين. وإنه لمّا استأثر الله بعبده سليمان أبي الرّبيع الإمام المستكفي بالله أمير المؤمنين- كرّم الله مثواه- وعوّضه عن دار السّلام بدار السّلام، ونقله فزكّى بدنه عن شهادة السّلام بشهادة الإسلام، حيث آثره ربّه بقربه، ومهّد لجنبه وأقدمه على ما أقدمه من يرجوه لعمله وكسبه، وخار له في جواره رقيقا، وجعل له على صالح سلفه طريقا، وأنزله مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً «٢» . الله أكبر ليومه لولا مخلّفه كادت تضيق الأرض بما رحبت، وتجزى كلّ نفس بما كسبت، وتنبيء كلّ سريرة بما أدّخرت وما خبّت، لقد اضطرم سعير، إلّا أنّه في الجوانح، لقد اضطرب منبر وسرير، لولا خلفه الصالح، لقد اضطرب مأمور وأمير، لولا الفكر بعده في عاقبة المصالح، لقد غاضت البحار، لقد غابت الأنوار، لقد غالب البدور ما يلحق الأهلّة من المحاق ويدرك البدر من السّرار، نسفت الجبال نسفا، وخبت مصابيح النّجوم وكادت تطفى: وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا

стр. 4485

صَفًّا «١» لقد جمعت الدنيا أطرافها وأزمعت على المسير، وجمعت الأمّة لهول المصير، وزاغت يوم موته الأبصار: إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ «٢» . وبقيت الألباب حيارى، ووقفت تارة تصدّق وتارة تتمارى، لا تعرف قرارا، ولا على الأرض استقرارا: إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى «٣» . ولم يكن في النّسب العباسيّ ولا في جميع من في الوجود، لا في البيت المسترشديّ ولا في غيره من بيوت الخلفاء من بقايا آباء لهم وجدود، ولا من تلده أخرى الليالي وهي عاقر غير ولود، من تسلّم إليه أمّة محمد ﷺ عقد نيّاتها، وسرّ طويّاتها، إلّا واحد وأين ذلك الواحد؟ هو والله من انحصر فيه استحقاق ميراث آبائه الأطهار، وتراث أجداده ولا شيء هو إلّا ما اشتمل عليه رداء الليل والنّهار، وهو ابن المنتقل إلى ربّه، وولد الإمام الذاهب لصلبه، المجمع على أنه في الأنام، فرد الأيّام، وواحد وهكذا في الوجود الإمام، وأنه الحائز لما زرّرت عليه جيوب المشارق والمغارب، والفائز بملك ما بين الشارق والغارب، الراقي في صفيح السماء هذه الذّروة المنيفة، الباقي بعد الأئمة الماضين ﵃ ونعم الخليفة، المجتمع فيه شروط الإمامة، المتّضع لله وهو من بيت لا يزال الملك فيهم إلى يوم القيامة، الذي تصفّح السّحاب نائله، والذي لا يغرّه عاذره ولا يغيّره عاذله، والذي (طويل) . تعوّد بسط الكفّ حتّى لو انّه ... ثناها لقبض لم تطعه أنامله والذي (طويل) . لا هو في الدّنيا مضيع نصيبه ... ولا ورق الدّنيا عن الدّين شاغله

стр. 4486

والذي ما ارتقى صهوة المنبر بحضرة سلطان زمانه إلّا قال ناصره وقام قائمه، ولا قعد على سرير الخلافة إلّا وعرف بأنّه ما خاب مستكفيه ولا غاب حاكمه، نائب الله في أرضه، والقائم بمقام رسول الله ﵌ وخليفته وابن عمّه، وتابع عمله الصالح ووارث علمه، سيدنا ومولانا عبد الله ووليّه «أحمد أبو العبّاس» الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين، أيّد الله تعالى ببقائه الدّين، وطوّق بسيفه [رقاب] الملحدين، وكبت تحت لوائه المعتدين، وكتب له النصر إلى يوم الدين، وكفّ بجهاده طوائف المفسدين، وأعاذ به الأرض ممّن لا يدين بدين، وأعاد بعدله أيام آبائه الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين، الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون، وعليه كانوا يعملون، ونصر أنصاره، وقدّر اقتداره، وأسكن في قلوب الرعيّة سكينته ووقاره، ومكّن له في الوجود وجمع له أقطاره. ولمّا انتقل إلى الله ذلك السيد ولحق بدار الحقّ أسلافه، ونقل إلى سرير الجنة عن سرير الخلافة، وخلا العصر من إمام يمسك ما بقي من نهاره، وخليفة يغالب مربدّ الليل بأنواره، ووارث بني بمثله ومثل أبيه استغنى الوجود بعد ابن عمه خاتم الأنبياء ﵌ عن نبيّ مقتف على آثاره، ونسي ولم يعهد فلم يبق إذ لم يوجد النصّ إلّا الإجماع، وعليه كانت الخلافة بعد رسول الله ﵌ بلا نزاع، اقتضت المصلحة الجامعة عقد مجلس كلّ طرف به معقود، وعقد بيعة عليها الله والملائكة شهود، وجمع الناس له ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ «١» . فحضر من لم يعبأ بعده بمن تخلّف، ولم يربأ «٢» معه وقد مدّ يده طائعا بمن مدّها وقد تكلّف، واجتمعوا على رأي واحد واستخاروا الله تعالى فيه فخار، وناهيك بذلك من مختار، وأخذت يمين تمدّ إليها الأيمان، ويشدّ بها الإيمان، وتعطى عليها المواثيق، وتعرض أمانتها على كلّ فريق، حتّى تقلّد كلّ

стр. 4487

من حضر في عنقه هذه الأمانة، وحطّ يده على المصحف الكريم وحلف بالله العظيم وأتمّ أيمانه، ولم يقطع ولم يستثن ولم يتردّد، ومن قطع من غير قصد أعاد وجدّد، وقد نوى كلّ من حلف أنّ النية في يمينه نيّة من عقدت هذه البيعة له ونية من حلف له، وتذمّم بالوفاء في ذمّته وتكفّله، على عادة أيمان البيعة بشروطها وأحكامها المردّدة، وأقسامها المؤكّدة، بأن يبذل لهذا الإمام المفترضة طاعته الطاعة، ولا يفارق الجمهور ولا يظهر عن الجماعة انجماعه، وغير ذلك مما تضمّنته نسخ الأيمان المكتتب فيها أسماء من حلف عليها مما هو مكتوب بخطوط من يكتب منهم، وخطوط العدول الثّقات عمّن لم يكتب وأذنوا لمن يكتب عنهم، حسب ما يشهد به بعضهم على بعض، ويتصادق عليه أهل السماء والأرض، بيعة تمّ بمشيئة الله تمامها، وعمّ بالصّوب الغدق غمامها، وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ «١» . ووهب لنا الحسن، ثم الحمد لله الكافي عبده، الوافي وعده، المّوافي لمن يضاعف على كل موهبة حمده، ثم الحمد لله على نعم يرغب أمير المؤمنين في ازديادها، ويرهب إلّا أن يقاتل أعداء الله بأمدادها، ويرأب بها ما آثر فيما أثر مماليكه (؟) ما بان من مباينة أضدادها. نحمده والحمد لله، ثم الحمد لله كلمة لا نمل من تردادها، ولا نبخل بما يفوّق السّهام من سدادها، ولا نظلّ إلّا على ما يوجب كثرة أعدادها، وتيسير إقرار على أورادها، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة يتقايس دم الشهداء ومدّ مدادها، وتتنافس طرر الشّباب وغرر السّحاب على استمدادها، وتتجانس رقومها المدبّجة وما تلبسه الدولة العباسيّة من شعارها، والليالي من دثارها، والأعداء من حدادها، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله ﷺ وعلى جماعة آله من سفل من أبنائها ومن سلف من أجدادها، ورضي الله عن الصحابة أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 4488

وبعد، فإنّ أمير المؤمنين لما أكسبه الله تعالى من ميراث النّبوّة ما كان لجدّه، ووهبه من الملك السليمانيّ عن أبيه ما لا ينبغي لأحد من بعده، وعلّمه منطق الطير بما تتحمّله حمائم البطائق من بدائع البيان، وسخّر له من البريد على متون الخيل ما سخّر من الرّيح لسليمان، وآتاه من خاتم الأنبياء ما أمدّه به أبوه سليمان وتصرّف، وأعطاه من الفخار ما أطاعه به كلّ مخلوق ولم يتخلّف، وجعل له من لباس بني العبّاس ما يقضي له سواده بسؤدد الأجداد، وينفض على كحل الهدب ما فضل عن سويداء القلب وسواد البصر من السّواد، ويمدّ ظلّه على الأرض فكلّ مكان حلّه دار ملك وكلّ مدينة بغداد، وهو في ليله السّجّاد، وفي نهاره العسكريّ وفي كرمه جعفر الجواد- يديم الابتهال إلى الله تعالى في توفيقه، والابتهاج بما يغصّ كلّ عدوّ بريقه، ويبدأ يوم هذه المبايعة بما هو الأهمّ من مصالح الإسلام، وصالح الأعمال مما يتحلّى به الإمام، ويقدّم التقوى أمامه، ويقرن عليها أحكامه، ويتّبع الشرع الشريف ويقف عنده ويوقف الناس، ومن لا يحمل أمره طائعا على العين حمله بالسّيف غصبا على الرّاس، ويعجّل أمير المؤمنين بما يشفي به النّفوس، ويزيل به كيد الشيطان إنه يؤوس، ويأخذ بقلوب الرّعايا وهو غنيّ عن هذا ولكن يسوس، وأمير المؤمنين يشهد الله وخليفته عليه أنه أقرّ كلّ امريء من ولاة الأمور الإسلاميّة على حاله، واستمرّ به في مقيله تحت كنف ظلاله، على اختلاف طبقات ولاة الأمور، وتفرّقهم في الممالك والثّغور، برّا وبحرا، سهلا ووعرا، وشرقا وغربا، وبعدا وقربا، وكلّ جليل وحقير، وقليل وكثير، وصغير وكبير، وملك ومملوك وأمير، وجنديّ يبرق له سيف شهير، ورمح طرير «١» ، ومن مع هؤلاء من وزراء وقضاة وكتّاب، ومن له يد تبقى في إنشاء وتحقيق حساب، ومن يتحدث في بريد وخراج، ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج، ومن في الدّورس والمدارس والرّبط والزّوايا والخوانق، ومن له أعظم التعلّقات وأدنى العلائق، وسائر أرباب المراتب،

стр. 4489

وأصحاب الرّواتب، ومن له في مال الله رزق مقسوم، وحقّ مجهول أو معلوم، واستمرار كلّ أمر على ما هو عليه، حتّى يستخير الله ويتبيّن له ما بين يديه، فما زاد تأهيله، زاد تفضيله، وإلّا فأمير المؤمنين لا يريد سوى وجه الله، ولا يحابي أحدا في دين، ولا يحامي [عن] أحد في حقّ، فإن المحاماة في الحقّ مداجاة على المسلمين، وكلّ ما هو مستمرّ إلى الآن، مستقرّ على حكم الله مما فهّمه الله له وفهّمه سليمان، لا يغير أمير المؤمنين في ذلك ولا في بعضه، معتبر مستمرّ بما شكر الله على نعمه وهكذا يجازى من شكر، ولا يكدّر على أحد موردا نزّه الله به نعمه الصافية عن الكدر، ولا يتأوّل في ذلك متأوّل ولا من فجر النعمة أو كفر، ولا يتعلّل متعلّل فإنّ أمير المؤمنين يعوذ بالله ويعيذ أيّامه من الغير، وأمر أمير المؤمنين- أعلى الله أمره- أن يعلن الخطباء بذكره وذكر سلطان زمانه على المنابر في الآفاق، وأن تضرب باسمهما النّقود المتعامل بها على الإطلاق، ويبتهج بالدعاء لهما عطف الليل والنهار، ويصرّح منه بما يشرق به وجه الدّرهم والدّينار، وتباهي به المنابر ودور الضرب، هاتيك ترفع اسمهما على أسرّة مهودها، وهذه على أسارير نقودها، وهذه تقام بسببها الصّلاة، وتلك تدام بها الصّلات، وكلاهما تستمال به القلوب، ولا يلام على ما تعيه الآذان وتوعيه الجيوب، وما منهما إلّا من تحدّق بجواره الأحداق، وتميل إليه الأعناق، وتبلغ به المقاصد، ويقوى بهما المعاضد، وكلاهما أمره مطاع، من غير نزاع، وإذا لمعت أزمّة الخطب طار للذّهب شعاع، ولولاهما ما اجتمع جمع ولا انضمّ، ولا عرف الأنام بمن تأتمّ، فالخطب والذهب معناهما واحد، وبهما يذكر الله قيماء «١» المساجد، ولولا الأعمال، ما بذلت الأموال، ولولا الأموال، ما ولّيت الأعمال، ولأجل ما بينهما من هذه النّسبة، قيل إنّ الملك له السّكّة والخطبة، وقد أسمع أمير المؤمنين في هذا الجمع المشهود ما يتناقله كلّ خطيب، ويتداوله

стр. 4490

كلّ بعيد وقريب، وإنّ الله أمر بأوامر ونهى عن نواه وهو رقيب، وتستفزع الأولياء لها السّجايا، وتتضرّع الخطباء فيها بنعوت الوصايا، وتكمّل بها المزايا، ويتكلّم بها الواعظ ويخرج من المشايخ الخبايا من الزّوايا، وتسمر بها السّمّار ويترنّم الحادي والملّاح، ويروق شجوها في الليل المقمر ويرقم على جنب الصّباح، وتعطّر بها مكة بطحاءها وتحيا بحديثها قباه، ويلقّنها كلّ أب فهم ابنه ويسأل كلّ ابن أن يجيب أباه، وهو لكم أيّها الناس من أمير المؤمنين رشد وعليكم بيّنة، وإليكم ما دعاكم به إلى سبيل ربّه من الحكمة والموعظة الحسنة، ولأمير المؤمنين عليكم الطاعة ولولا قيام الرّعايا بها ما قبل الله أعمالها، ولا أمسك بها البحر ودحا الأرض وأرسى جبالها، ولا اتفقت الآراء على من يستحقّ وجاءت إليه الخلافة تجرّ أذيالها، وأخذها دون بني أبيه ولم تكن تصلح إلّا له ولم يكن يصلح إلّا لها، وقد كفاكم أمير المؤمنين السّؤال بما فتح لكم من أبواب الأرزاق، وأسباب الارتفاق، وأحسن لكم على وفاقكم وعلّمكم مكارم الأخلاق، وأجراكم على عوائدكم ولم يمسك خشية الإملاق، ولم يبق على أمير المؤمنين إلّا أن يسير فيكم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، ويعمل بما ينتفع به من يجيء- أطال الله بقاء أمير المؤمنين- من بعده، ويزيد على كل من تقدّم، ويقيم فروض الحج والجهاد، وينيم الرعايا بعدله الشامل في مهاد، وأمير المؤمنين يقيم على عباده موسم الحجّ في كل عام، ويشمل سكّان الحرمين الشريفين وسدنة «١» بيت الله الحرام، ويجهّز السبيل على عادته ويرجو أن يعود إلى حاله الأوّل في سالف الأيّام، ويتدفّق في هذين المسجدين بحره الزاخر ويرسل إلى ثالثهما البيت المقدّس ساكب الغمام، ويقوم بقومة قبور الأنبياء- صلوات الله عليهم- أين كانوا وأكثرهم في الشام، والجمع والجماعات هي فيكم على قديم سننها، وقويم سننها، وستزيد في أيّام أمير المؤمنين بمن انضمّ إليه، وبما يتسلّمه من بلاد الكفّار ويسلم على يديه.

стр. 4491

وأمّا الجهاد، فيكتفي باجتهاد القائم عن أمير المؤمنين بأموره، المقلّد عنه جميع ما وراء سريره، وأمير المؤمنين قد وكل إليه- خلّد الله سلطانه- عناء الأيّام، وقلّده سيفه الراعب بوارقه ليسلّه واجده على الأعداء [وإلّا] سلّ خباله عليهم في الأحلام، ويؤكّد أمير المؤمنين في ارتجاع ما غلب عليه العدا، وانتزاع [ما بأ] يديهم من بلاد الإسلام فإنّه حقّه وإن طال عليه المدى، وقد قدّم الوصية بأن يوالي غزو العدوّ المخذول برّا وبحرا، ولا يكفّ عمّن يظفر به منهم قتلا وأسرا، ولا يفكّ أغلالا ولا إصرا «١» ، ولا ينفكّ يرسل عليهم في البحر غربانا، وفي البرّ من الخيل عقبانا، يحمل فيهما كلّ فارس صقرا، ويحمي الممالك ممن يحوز أطرافها بإقدام، ويتخوّل أكنافها الأقدام، وينظر في مصالح القلاع والحصون والثّغور، وما يحتاج إليه من آلات القتال، وما تجتاح به الأعداء ويعجز عنه المحتال، وأمّهات الممالك الّتي هي مرابط البنود «٢» ، ومرابض الأسود، والجناح الممدود، ويتفقّد أحوالهم بالعرض، بما لهم من خيل تعقد [بالعجاج] «٣» ما بين السماء والأرض، وما لهم من زرد مصون، وبيض مسّها ذائب ذهب فكانت كأنّها بيض مكنون، وسيوف قواضب، ورماح لكثرة طعنها من الدّماء خواضب، وسهام تواصل القسيّ «٤» وتفارقها فتحنّ حنين مفارق وتزمجر القوس زمجرة مغاضب. وهذه جملة أراد أمير المؤمنين بها تطييب قلوبكم، وإطالة ذيل التطويل على مطلوبكم، وماؤكم وأموالكم وأعراضكم في حماية إلّا ما أباح الشرع

стр. 4492

المطهّر، ومزيد الإحسان إليكم على مقدار ما يخفى منكم ويظهر. وأما جزئيّات الأمور، فقد علمتم بأنّ فيمن تقلّد عن أمير المؤمنين غنى عن مثل هذه الذّكرى، وفتى حقّ لا يشغل بطلب شيء فكرا، وفي ولاة الأمور، ورعاة الجمهور، ومن هو سداد عمله، ومداد أمله، ومراد من هو منكم معشر الرعايا من قبله، وأنتم على تفاوت مقاديركم وديعة أمير المؤمنين ومن خوّلكم وأنتم وهم فيما منكم إلّا من استعرف أمير المؤمنين وتمشى في مراضي الله على خلقه، وينظر ما هو عليه ويسير بسيرته المثلى في طاعة الله في خلقه، وكلّكم سواء في الحق عند أمير المؤمنين وله عليكم أداء النّصحية، وإبداء الطاعة بسريرة صحيحة، وقد دخل كلّ منكم في كنف أمير المؤمنين وتحت رأفته، ولزم حكم بيعته، وألزم طائرة في عنقه، ويستعمل كلّ منكم في الوفاء ما أصبح به عليما: وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «١» . هذا قول أمير المؤمنين، وعلى هذا عهد إليه وبه يعهد، وما سوى هذا فهو فجور لا يشهد به عليه ولا يشهد، وهو يعمل في ذلك كلّه ما تحمد عاقبته من الأعمال، ويحمل منه ما يصلح به الحال والمآل، وأمير المؤمنين يستغفر الله على كل حال، ويستعيذ بالله من الإهمال، ويختم أمير المؤمنين قوله بما أمر الله به من العدل والإحسان، ويحمد الله وهو من الخلق «أحمد» وقد آتاه الله ملك سليمان، والله تعالى يمتّع أمير المؤمنين بما وهبه، ويملّكه أقطار الأرض ويورثه بعد العمر الطويل عقبه، ولا يزال على أسرّة العلياء قعوده، ولباس الخلافة به أبّهة الجلالة كأنّه ما مات منصوره ولا ردى مهديّه ولا ذهب رشيده. المقصد السادس (فيما يكتب في آخر البيعة) إذا انتهى إلى آخر البيعة، شرع في كتابة الخواتم على ما تقدّم، فيكتب:

стр. 4493

«إن شاء الله تعالى» ثم يكتب التاريخ. ثم الذي يقتضيه قياس العهود أنه يكتب المستند عن الخليفة فيكتب «بالإذن العالي المولويّ الإماميّ النبويّ المتوكّليّ- مثلا- أعلاه الله تعالى» وكأنّ الخليفة الذي عقدت له البيعة هو الذي أذن في كتابتها. قلت: ولو أسقط المستند في البيعات فلا حرج بخلاف العهود؛ لأنها صادرة عن مولّ وهو العاهد، فحسن إضافة المستند إليه، بخلاف البيعة فإنها إنما تصدر عن أهل الحلّ والعقد كما تقدّم. ويكتفى في المستند عنهم بكتابة خطوطهم في آخر البيعة كما سيأتي، ثم بعد كتابة المستند- إن كتب- تكتب الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ والحسبلة، على ما تقدّم في الكلام على الفواتح والخواتم في مقدّمة الكتاب. ثم يكتب من بايع من أهل الحلّ والعقد والشهود على البيعة. فأما من تولّى عقد البيعة من أهل الحلّ والعقد فيكتب: «بايعته على ذلك، وكتب فلان بن فلان» ويدعو في خلال ذلك قبل اسمه بما يناسب، مثل أن يقال «بايعته على ذلك قدّس الله خلافته» أو «زاد الله في شرفه» أو «زاد الله في اعتلائه» وما أشبه ذلك. وأما الشهود على البيعة فالواجب أن يكتب كلّ منهم: «حضرت جريان عقد البيعة المذكورة، وكتب فلان بن فلان» كما يكتب الشاهد بجريان عقد النكاح ونحوه، ولا بأس أن يدعو في رسم شهادته قبل كتابة اسمه بما يناسب، مثل «قرنها الله تعالى باليمن أو بالسداد» أو «عرّف الله المسلمين بركتها» وما أشبه ذلك. المقصد السابع (في قطع الورق الذي تكتب فيه البيعة، والقلم الذي تكتب به، وكيفيّة كتابتها، وصورة وضعها) واعلم أنّ البيعات لم تكن متداولة الاستعمال لقلّة وقوعها، فلم يكن لها

стр. 4494

قطع ورق، ولا تصوير متعارف فيتبع، ولكنه يؤخذ فيها بالقياس وعموم الألفاظ. فأمّا قطع ورقها، فقد تقدّم في الكلام على مقادير قطع الورق نقلا عن محمد بن عمر المدائنيّ «١» في كتاب «القلم والدّواة» أنّ قطع البغداديّ الكامل للخلفاء والملوك، ومقتضى ذلك أنّ البيعات تكتب فيه، وهو قياس ما ذكره المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» من أنّ للعهود قطع البغداديّ الكامل على ما سيأتي ذكره. قلت: لكن سيأتي في الكلام على عهود الخلفاء أنها الآن قد صارت تكتب في قطع الشامي الكامل، وبينهما في العرض والطّول بون كبير على ما تقدّم بيانه في الكلام على قطع الورق، وحينئذ فينبغي أن تكون كتابة البيعات في قطع الشاميّ مناسبة لما تكتب فيه عهود الخلفاء الآن. وأمّا القلم الذي يكتب به فبحسب الورق الذي يكتب فيه؛ فإن كتبت البيعة في قطع البغداديّ، كانت الكتابة بقلم مختصر الطّومار «٢» إذ هو المناسب له، وإن كتبت في قطع الشاميّ، كانت الكتابة بقلم الثلث الثقيل إذ هو المناسب له. وأما كيفيّة الكتابة وصورة وضعها، فقياس ما هو متداول في كتابة العهود وغيرها، أنه يبتدأ بكتابة الطّرّة في أوّل الدّرج بالقلم الذي تكتب به البيعة سطورا متلاصقة لا خلوّ بينها، ممتدة في عرض الدّرج من أوّله إلى آخره من غير

стр. 4495

هامش. ثم إن كانت الكتابة في قطع البغداديّ الكامل، جرى فيه على القاعدة المتداولة في عهود الملوك عن الخلفاء على ما سيأتي ذكره، ويترك بعد الوصل الذي فيه الطّرّة ستة أوصال بياضا من غير كتابة، لتصير بوصل الطرّة سبعة أوصال، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث تكون أعالي ألفاته تكاد تلحق الوصل الذي فوقه بهامش عريض عن يمينه قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب تحت البسملة سطرا من أوّل البيعة ملاصقا لها، ثم يخلّي مكان بيت العلامة قدر شبر جريا على قاعدة العهود وإن لم تكن علامة تكتب، كما يخلّى بيت العلامة في بعض المكاتبات ولا يكتب فيه شيء، ثم يكتب السطر الثاني تحت بيت العلامة على سمت السطر الذي تحت البسملة في بقيّة الوصل الذي فيه البسملة، ويحرص أن تكون نهاية السجعة الأولى في أثناء السطر الأوّل أو الثاني، ثم يسترسل في كتابة بقيّة البيعة ويجعل بين كل سطرين قدر ربع ذراع القماش كما سيأتي في العهود، ويستصحب ذلك إلى آخر البيعة، فإذا انتهى إلى آخرها كتب «إن شاء الله تعالى» ثم التاريخ، ثم المستند، ثم الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ ؛ والحسبلة، على ما تقدّم بيانه في الفواتح والخواتم في مقدّمة الكتاب، ثم يكتب من بايع من أهل الحلّ والعقد خطوطهم، ثم الشهود على البيعة بعدهم. وإن كانت الكتابة في القطع الشاميّ، فينبغي أن ينقص عدد أوصال البياض الذي بين الطرة والبسملة وصلين فتكون خمسة، وينقص الهامش فيكون قدر ثلاثة أصابع على ما يقتضيه قانون الكتابة. وهذه صورة وضعه في الورق ممثّلا لها بالطّرّة الّتي أنشأتها لذلك، والبيعة الثانية من البيعتين اللتين أنشأتهما. بياض بأعلى الدرج بقدر إصبع هذه بيعة ميمونة، باليمن مبتدأة بالسعد مقرونة، لمولانا السيد الجليل الإمام

стр. 4496

النبويّ المتوكل «١» على الله أبي عبد الله محمد أمير المؤمنين، ابن الإمام المعتضد «٢» بالله أبي الفتح أبي بكر العبّاسي، زاد الله تعالى شرفه علوّا، وفخاره سموّا. قام بعقدها السلطان السيد الأعظم، والشاهنشاه «٣» المعظّم، الملك الظاهر أبو سعيد «٤» برقوق، خلّد الله تعالى سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، بمجمع من أهل الحلّ والعقد، والاعتبار والنقد، من القضاة والعلماء والأمراء، ووجوه الناس والوزراء والصّلحاء والنّصحاء، وإمضائها على السّداد، والنّجح والرشاد. على ما شرح فيه. بياض ستة أوصال بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل بيت الخلافة مثابة وأمنا؟؟؟ وأقام

стр. 4497

بيت العلامة تقدير شبر هامش سور الإمامة وقاية للأنام وحصنا، وشدّ منها بالعصابة تقدير ربع ذراع القرشيّة أزرا وشاد منها بالعصبة العبّاسيّة ركنا، وأغاث تقدير ربع ذراع الخلق بإمام هدى حسن سيرة وصفا سريرة فراق صورة ورق معنى. ثم يأتي على الكلام إلى آخر البيعة على هذا النّمط إلى أن ينتهي إلى قوله: والله تعالى يجعل انتقالهم من أدنى إلى أعلى ومن يسرى إلى يمنى، ويحقّق لهم بمن استخلفه عليهم وعده الصادق بقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً «١» . إن شاء الله تعالى كتب في الثاني من جمادى الأولى مثلا سنة إحدى وتسعين وسبعمائة بالإذن العالي المولويّ الإماميّ النبويّ المتوكليّ مثلا أعلاه الله تعالى الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 4498

بايعته على ذلك/ بايعته على ذلك/ بايعته على ذلك قدّس الله تعالى خلافته/ زاد الله تعالى في شرفه/ زاد الله تعالى في اعتلائه وكتب/ وكتب/ وكتب فلان بن فلان/ فلان بن فلان/ فلان بن فلان حضرت/ حضرت/ حضرت جريان عقد/ جريان عقد/ جريان عقد البيعة المذكورة/ البيعة المذكورة/ البيعة المذكورة قرنها الله تعالى/ قرنها الله تعالى/ عرّف الله المسلمين باليمن والبركة/ بالسّداد/ بركتها وكتب/ وكتب/ وكتب فلان بن فلان/ فلان بن فلان/ فلان بن فلان النوع الثاني (من البيعات، بيعات الملوك) واعلم أنّ المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله قد ذكر في «التعريف» «١» أنّ من قام من الملوك بغير عهد ممن قبله لم تجر العادة بأن تكتب لهم مبايعة، وكأنّه يريد اصطلاح بلاد المشرق والديار المصرية، أما بلاد المغرب فقد جرت عادة مصطلحهم بكتابة البيعات لملوكهم، وذلك أنه ليس عندهم خليفة يدينون له، يتقلّدون الملك بالعهد منه، بل جلّهم أو كلّهم يدّعي الخلافة فهم يكتبون البيعات لهذا المعنى.

стр. 4499

وهذه نسخة بيعة من هذا النوع، كتب بها للسلطان أبي «١» عبد الله محمد ابن السلطان أبي الحجّاج بن نصر بن الأحمر الأنصاريّ، صاحب حمراء غرناطة من الأندلس، مفتتحة بخطبة على قاعدتهم في بيعات الخلفاء على ما تقدّم ذكره، وربما تكرّر الحمد فيها دلالة على عظم النعمة، من إنشاء الوزير أبي عبد الله محمد بن الخطيب «٢» صاحب ديوان إنشائه، على ما رأيته في ديوان ترسّله، وهي «٣» : الحمد لله الذي جلّ شانا، وعزّ سلطانا، وأقام على ربوبيّته الواجبة في كلّ شيء خلقه برهانا، الواجب الوجود ضرورة إذ كان وجود ما سواه إمكانا، الحيّ القيّوم حياة أبديّة سرمديّة منزّهة عن الابتداء والانتهاء [فلا تعرف وقتا ولا

стр. 4500

تستدعي زمانا، العليم الذي يعلم السّرّ وأخفى «١» ] فلا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء إلّا أحاط بها علما وأدركها عيانا، القدير الذي ألقت الموجودات كلّها إلى عظمته يد الخضوع استسلاما «٢» له وإذعانا، المريد الذي بمشيئته «٣» تصريف الأقدار، واختلاف الليل والنّهار، فإن منع منع عدلا وإن منح منح إحسانا، شهد تداول الملوك» بدوام ملكه، ودلّ حدوث ما سواه على قدمه، وأثنت ألسنة الحيّ والجماد على مواهبه وقسمه، وفاض على عوالم السماء والأرض بحر جوده العميم النّوال من قبل السؤال «٥» وكرمه، وإن «٦» من شيء إلّا يسبّح بحمده ويثني على نعمه سرّا وإعلانا «٧» ، فهو الله الذي لا إله إلّا هو، ليس في الوجود إلّا فعله، ألا له الخلق والأمر وإليه يرجع الأمر كلّه، وسع الأكوان على تباينها فضله، وقدّر المواهب والمقاسم عدله، منعا ومنحا وزيادة ونقصانا. والحمد لله الذي بيده الاختراع والإنشاء، مالك الملك «٨» يؤتي الملك من يشاء وينزع «٩» الملك ممّن يشاء، سبق في مكنون غيبه القضاء، وخفيت عن خلقه الأسباب وعميت عليهم الأنباء، وعجزت عقولهم أن تدرك «١٠» منها كنها أو تكشف منها بيانا. والحمد لله الذي رفع قبّة السماء ما اتّخذ لها عمادا، وجعل الأرض فراشا

стр. 4501

ومهادا، وخلق الجبال الراسية أوتادا، ورتّب أوضاعها أجناسا متفاضلة، وأنواعا متباينة متقابلة، فحيوانا ونباتا وجمادا، وأقام «١» فيها على حكمة الإبداع دلائل باهرة الشّعاع وأشهادا، وجعل الليل والنهار خلفة «٢» والشمس والقمر حسبانا، وقدّر السياسة سياجا لعالم الإنسان يضمّ منه ما انتشر «٣» ، ويطوي من تعدّيه ما نشر، ويحمله «٤» على الآداب الّتي ترشده إذا ضلّ وتقيمه إذا عثر، وتجبره على أن يلتزم السّنن ويتّبع الأثر، لطفا منه شمل البشر وحنانا. ولما عمر الأرض بهذا الجنس الذي فضّله وشرّفه، ووهب له العقل الذي تفكّر «٥» به في حكمته حتّى عرفه، وبما يجب لربوبيّته الواجبة وصفه، جعلهم درجات بعضها فوق بعض فقرا وغنى وطاعة وعصيانا، واختار منهم سفرة الوحي وحملة الآيات، وأرسل فيهم الرّسل بالمعجزات «٦» ، وعرّفهم بما كلّفهم من الأعمال المفترضات: لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى «٧» . يوم اعتبار «٨» الأعمال واعتبار الحسنات، ونصب العدل والمجازاة في يوم العرض عليه قسطاسا وميزانا. نحمده وله الحمد في الأولى والآخرة، ونثني على مواهبه الجمّة وآلائه الوافرة، ونمدّ يد الضّراعة، في موقف الرّجاء والطّماعة «٩» ، إلى المزيد من مننه

стр. 4502

الهامية الهامرة، ونسأله دوام ألطافه الخافية وعصمه «١» الظاهرة، واتّصال نعمه الّتي لا نزال «٢» نتعرّفها مثنى ووحدانا، ونشهد أنّه الله الذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له. [شهادة نجدها في المعاد عدّة واقية، ووسيلة للأعمال الصالحة إليه راقية، وذخيرة صالحة باقية، ونورا يسعى بين أيدينا ويكون على الرضا والقبول فينا عنوانا] «٣» . ونشهد أنّ سيدنا ومولانا محمدا النبيّ العربيّ القرشيّ الهاشميّ عبده ورسوله الذي اصطفاه واختاره، ورفع بين النبيين والمرسلين مقداره، وطهّر قلبه وقدّس أسراره، وبلّغه من رضاه اختياره، وأعطاه لواء الشفاعة يقفو آدم ومن بعده من الأنبياء الكرام آثاره، وجعله أقرب الرّسل مكانة وأرفعهم مكانا. رسول الرحمة، ونور الظّلمة، وإمام الرسل الأئمّة، الذي جمع له بين مزيّة السّبق ومزية التّتمّة، وجعل طاعته من العذاب المقيم أمانا، صاحب الشّفاعة الّتي تؤمّل، والوسيلة الّتي إلى الله بها يتوسّل، والدرجة الّتي لم يؤتها الملك المقرّب ولا النبيّ المرسل، والرتبة الّتي لم يعطها الله سواه إنسانا. انتخبه من أشرف العرب أمّا وأبا، وأزكى البريّة طينة وأرفعها نسبا، وابتعثه إلى كافّة الخلق عجما وعربا، وملأ بنور دعوته البسيطة جنوبا وشمالا ومشرقا ومغربا، وأنزل عليه كتابه الذي آمنت به الجنّ لمّا سمعته، وقالوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً «٤» ، تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكلّ شيء وتبيانا، فصدع ﷺ بأمر من اختار ذاته الطاهرة واصطفاها، وأدّى أمانة الله ووفّاها، ورأى الخلائق على شفى المتالف فتلافاها، وتتبّع أدواء الضّلال فشفاها، ومحا معالم الجهل وعفّاها، وشاد للخلق «٥» في الحقّ بنيانا، مؤيّدا بالمعجزات الّتي حجحها تقبل وتسلّم،

стр. 4503

فمن جذع لفراقه يتألّم، وجماد بصدق «١» نبوّته يتكلّم، وجيش شكا الظّمأ «٢» ففجّر لديه المعين منه بنانا. وأيّ معجزة ككتاب الله الذي لا تنقضي عجائبه، فهو اليمّ والعلوم النافعة كلّها مذانبه، وأفق الحق الذي تهدي في ظلمات البرّ والبحر كواكبه، والحجّة البالغة الّتي أصبحت بين الحق والباطل فرقانا، فأشرقت الأرض بنور ربّها وآياته، وتمّت كلمة الله صدقا وعدلا، لا مبدّل لكلماته، وبلغ ملك أمّته ما زوي له من أقطار المعمور وجهاته، حتّى عمر من أكناف البسيطة، وأرياف البحار المحيطة، وهادا وكثبانا، ونقلت كنوز كسرى بعزّ دعوته الغالبة، وظفرت بفلج «٣» الخصام أيدي عزائمها المطالبة، وأصبح إيوان فارس مجرّ رماح العرب العاربة، وقذفت قيصر من ذوابلها «٤» بالشّهب الثاقبة، حتّى فرّ عن مدرته الطيبة آئبا بالصّفقة الخائبة، وخلصت إلى فسطاط مصر بكتائبها المتعاقبة، فلا تسمع الآذان في إقامتهم «٥» إلّا إقامة وأذانا. ولا دليل أظهر من هذا القطر الأندلسيّ الغريب الذي خلّصت «٦» إليه سيوفها أثباج البحار، على بعد المراحل ونزوح الدّيار، وتكاثف العمالات واختلاف الأمصار، ومنقطع العمارة بأقصى الشّمال ومحطّ السّفّار، طلعت عليه كلمة الله طلوع النهار، واستوطنته قبائل العرب الأحرار، وأرغمت فيه «٧» أنوف الكفّار، ضرابا في سبيل الله وطعانا. ولمّا استقام الدّين، وتمّم معالم الإيمان الرسول الأمين، وظهر الحقّ المبين، وراق من وجه الملّة الحنيفيّة السّمحة الجبين، وأخذ المسالك والمآخذ

стр. 4504

الإفصاح والتبيين، وتقرّرت المستندات المعتمدات سنّة وقرآنا، أشعره «١» الوحي بالرحلة عن هذه الدار، والانتقال إلى محلّ الكرامة ودار القرار، وخيّره «٢» الملك فاختار الرّفيق الأعلى موفّقا إلى كرم «٣» الاختيار، [و] وجد صحبه ﵃، في الاستخلاف بعده والإيثار، حججا مشرقة الأنوار، أطلقت بالحقّ يدا وأنطقت بالصّدق لسانا، صلّى الله عليه وعلى آله وصحابته، وأسرته الطاهرة وعصابته، وأنصاره «٤» وأصهاره وقرابته، الذين» كانوا في معاضدته إخوانا، وعلى إعلاء إمرة الحقّ أعوانا، نجوم الملّة وأقمارها، وغيوثها الهامية وبحارها، وسيوف الله الّتي لا تنبو شفارها، وأعلام الهدى الّتي لا تبلي آثارها، ودعائم الدّين الّتي رفعت «٦» منه على البرّ والتقوى أركانا. وحيّا الله وجوه حيّ الأنصار بالنعيم «٧» والنّضرة، أولي البأس عند الحفيظة والعفو عند القدرة، والراضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير ويذهبوا برسول الله ﷺ ، فنعمت المنقبة والأثرة، الحائزون ببيعة الرّضوان فضلا من الله ورضوانا. ووزراؤه وظهراؤه في كل أمر، وخالصته «٨» يوم أحد وبدر، لم يزالوا صدرا في كلّ قلب وقلبا في كلّ صدر «٩» يصلون دونه كلّ جمر، ويفدونه بنفوسهم في كلّ سرّ وجهر، ويعملون في إعلاء دينه بيضا عضابا وسمرا لدانا، صلاة لا تزال سحائبها ثرّة، وتحية دائمة مستمرّة، ما لهجت الألسن بثنائهم،

стр. 4505

ووقفت المفاخر على عليائهم، وتعلّمت المواهب من آلائهم، وقصرت المحامد على مسمّياتهم وأسمائهم، وكان حبّهم «١» على الفوز بالجنة ضمانا. ونسألك اللهم لهذا الأمر النّصريّ «٢» الذي سببه بسببهم موصول، وهم لفروعه السامية أصول، فيالها من نصول خلّفتها نصول، أنجزت وعد النصر وهو ممطول، وأحيت ربوع الإيمان وهي طلول، نصرا عزيزا وفتحا مبينا، وتأييدا على أعدائك وتمكينا، وملكا يبقى في الأعقاب وأعقاب الأعقاب وسلطانا. وأعنّا اللهمّ على ما أوجبت «٣» له من مفروض الطاعة، وتأدية الحقّ بجهد الاستطاعة، واعصمنا بإيالته العادلة من الإضاعة، واحملنا من مرضاته على سنن السّنّة والجماعة، واجعلها كلمة باقية [في عقبة «٤» ] إلى قيام الساعة وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا «٥» . أما بعدما افتتح به من تحميد الله وتمجيده، والثناء الذي تتعطّر الأندية بترديده، فإنّ من المشهور الذي يعضّده الوجود ويؤيّده، والمعلوم الذي هو كالشمس ضلّ من ينكره أو يجحده، والذائع بكلّ قطر ترويه رواة الأنباء وتسنده، ما عليه هذا الملك النّصريّ الحمى، الأنصاريّ المنتمى، الذي يصيب شاكلة الحقّ إذا رمى، ويعمّ العباد والبلاد غيثه مهما همى، من أصالة الأعراق، وكرم الأخلاق، والفضل الباهر الإشراق، والجهاد الذي هو سمر الرّكب «٦» وحديث الرّفاق، وإنّ قومه الملوك الكرام إن فوخروا بنسب ذكروا سعد بن عبادة ومجده، أو كوثروا «٧» بعدد غلبوا بالله وحده، أو استنصروا فرّجوا كلّ شدّة، واستظهروا

стр. 4506

من [عزّهم] «١» الموهوب، وصبرهم على الخطوب، بكلّ عدد وعدّة، دارهم الثغر الأقصى ونعمت الدّار! وشعارهم «لا غالب إلّا الله ونعم الشعار! زهّاد إذا ذكر الدّين، أسود إذا حميت الميادين، جبال إذا زحفت الصّفوف، بدور إذا أظلمت الزّحوف، غيوث إذا منع المعروف، أفراد إذا ذكرت الألوف، إن بويعوا فالملائكة وفود [وحملة العلم] «٢» وحملة السّلاح شهود، وإن ولدوا فالسّيوف تمائم والسّروج مهود، وإن أصحروا للعدوّ فالظّلال بنود، وجنود السبع الطّباق «٣» جنود، وإن أظلم الليل أسهروا جفونهم في حياطة المسلمين والجفون رقود. وإنّ هذا القطر الذي انتهى سيل «٤» الفتح الأوّل إلى ناحيته «٥» ، وأحيلت قداح الفوز بالدّعوة الحنيفيّة على الأقطار «٦» فأخذ الإسلام بناصيته، كان من فتحه الأوّل ما قد علم، حسب ما سطّر ورسم، وإنّ موسى بن نصير وفتاه، حلّ من فرضة مجازه محلّ موسى وفتاه، وحلّ الإسلام منه دار قرار، وخطّة خليقة «٧» بارتياد واختيار، وبلدا «٨» لا يحصى خيره، ولا يفضله بشيء من المزيّة ما عدا الحرمين غيره، وامتدّت الأيّام حتّى تأنّس العدوّ لروعته، وخفّ عليه ما كان من صرعته، وقدح فأورى، وأعضل داؤه واستشرى «٩» ، وصارت الصّغرى الّتي كانت الكبرى، فلولا أنّ الله عمد «١٠» الدّين منهم بالعمدة الوثيقة، حماة الحقيقة،

стр. 4507

وأئمة الخليقة، وسلالة مفتتحي اليمامة ومفتتحي «١» الحديقة، لأجهز النصل، واجثثّ من الدّين الفرع «٢» والأصل، لكنّهم انتدبوا إلى إمساك الدّين بها انتدابا، ووصلوا للإسلام أسبابا، وتناولها منهم صقر قبيل الخزرج، ذو الحسام المضرّج، والثناء المؤرّج، أبو عبد الله الغالب «٣» بالله محمد بن يوسف بن نصر، أمير المسلمين، المنتدب لإقامة سنّة سيد المرسلين، قدوة الملوك المجاهدين، نضّر الله وجهه وتقبّل جهاده، وشكر دفاعه عن حوزة الإسلام [وجلاده فأقشعت الظّلمة، وتماسكت الأمّة، وكفّ العدوّ وأقصر، ورأى الإسلام بمن استنصر، واستبصر في الطاعة «٤» ] من استبصر، وهبّت «٥» بنصر الله العزائم، وكثرت على العدوّ الهزائم، وتوارثوا ملكها ولدا عن أب، مستندين إلى عدل وبذل وبسالة وجلالة وحسب، تتّضح في أفق الجلال نجوم سيرهم هادية للسائرين، وتفرق من سطواتهم في الله أسود «٦» العرين، إلى أن قام بالأمر وسطى سلكهم، وبركة ملكهم، الخليفة «٧» الواجب الطاعة بالحق على الخلق، الشهير الجلالة والبسالة في الغرب والشّرق، أمير المسلمين بواجب الحق، ساحب «٨» أذيال العفاف والطّهارة، السعيد الإيالة والإمارة، البعيد الغارة، من ذعر العدوّ لبأس «٩» حسامه، وذخر الفتح الهنيّ «١٠» لأيّامه، صدر الملوك

стр. 4508

المجاهدين، وكبير الخلفاء العادلين، البعيد المدى في حماية الدّين، السعيد الشهيد، أبو الوليد، ابن المولى الهمام الأوحد، الرفيع الممجّد، الطاهر الظاهر الأعلى، الرئيس الكبير الجليل المقدّس الأرضى، «أبي سعيد» بن أبي» الوليد، بن نصر، فأحيا ﵀ معالم الكتاب والسنّة، وجلّى بنور «٢» عدله غياهب الدّجنّة، وأعزّ الإسلام وحماه، ورمى ثغرة الكفر فأصماه، قدّس الله روحه الطيّب، وسقى لحده من الرحمة الغمام الصيّب، وأورث الملك الجهاديّ من ولده خير ملك قبّلت منه كفّ، واستدار به موكب للجهاد ملتفّ، وشمخ بخدمته أنف، وسما إلى مشاهدته طرف، وتأرّج من ذكره عرف، وجرى «٣» إلى بابه حرف، مولانا «٤» الملك الهمام، الخليفة الإمام، من أشرق بنور إيالته الإسلام، وتشرّفت بوجوده الليالي والأيّام، بدر الملك وشمسه، وسرّ الزمان الذي قصر عن يومه أمسه، الذي اشتهر عدله، وبهر فضله، وظهرت عليه عناية ربّه، وكان الخضوع «٥» له في سلمه وحربه، مولانا أمير المسلمين، وقدوة الملوك المجاهدين والأئمّة العارفين «٦» ، السعيد، الشهيد، الطاهر، الظاهر، الأوحد الهمام، الخليفة الإمام، (أبو الحجّاج) رفع الله درجته في أوليائه، وحشره مع الذين أنعم [الله] «٧» عليهم من أنبيائه وشهدائه، فوضحت المسالك وبانت، وأشرقت المعاهد وازدانت، وشمل الصّنع الإلهيّ، واللّطف الخفيّ، أقطار هذه الأمة حيث كانت. ولما اختار الله له ما عنده، وبلغ الأمد «٨» الذي

стр. 4509

قدّره سبحانه لحياته وحدّه، وقبضه «١» إليه مستغفرا لذنبه، مطمئنا في الحالة الّتي أقرب ما يكون العبد فيها من ربّه، كأنما تأهّب للشهادة [فاختار] مكانها «٢» وزمانها، وطهّر بالصوم نفسه الّتي كرّم الله شانها، وطيّب روحها «٣» وريحانها، فوقعت «٤» آراء أرباب الشّورى الّتي تصحّ الإمامة باتّفاقها، وتنعقد بعقد ميثاقها، من أعلام العلم بقاعدة [ملكه] غرناطة حرسها الله تعالى الّتي غيرها لها تبع، وحماة الإسلام الذين في آرائهم للدين والدنيا منتفع، وخلصان «٥» الثّقات، ووجوه الطّبقات، على مبايعة وارث ملكه بحقّه، الحائز في ميدان الكمال وإحراز ما للإمامة من الشروط والخلال خصل سبقه، كبير ولده، وسابق أمده، ووارث ملكه، ووسطى سلكه، وعماد فسطاطه، وبدر الهالة من بساطه، مولانا قمر العلياء، ودرّة الخلفاء، وفرع الشجرة [الشّمّاء] الّتي أصلها ثابت وفرعها في السماء، الذي ظهرت عليه مخايل الملك ناشئا ووليدا، واستشعرت الأقطار به وهو في المهد أمانا وتمهيدا، واستشرف «٦» الدّين الحنيف فأتلع جيدا، واستأنف شبابا جديدا، ناصر الحقّ، وغياث الخلق، الذي تميّز بالسكينة والوقار، والحياء المنسدل الأستار، والبسالة المرهوبة الشّفار، والجود المنسكب الأمطار، والعدل المشرق الأنوار، وجمع الله فيه شروط الملك والاختيار «٧» ، مولانا، وعمدة ديننا ودنيانا، السلطان الفاضل، والإمام العادل، والهمام الباسل، الكريم الشمائل، شمس الملك وبدره، وعين الزمان وصدره، أمير المسلمين، وقرّة أعين «٨» المؤمنين، أبو عبد الله، وصل الله

стр. 4510

أسباب سعده، كما حلّى أجياد المنابر بالدّعاء لمجده، وجعل جنود السماء من جنده، ونصره بنصره العزيز فما النّصر إلّا من عنده، ورأوا أن قد ظفرت بالعروة «١» الوثقى أيديهم، وأمن في ظلّ الله رائحهم وغاديهم، ودلّت على حسن الخواتم مباديهم، فتبادروا وانثالوا، وتبختروا في ملابس الأمن واختالوا، وهبّوا إلى بيعته تطير «٢» بهم أجنحة السّرور، ويعلن انطلاق وجوههم بانشراح الصّدور، واجتمع منهم طوائف الخاصّة والجمهور، ما بين الشريف والمشروف، والرّؤساء أولي المنصب المعروف، وحملة العلم وحملة السّيوف، والأمناء ومن لديهم من الألوف، وسائر الكافّة أولي البدار لمثلها والخفوف. فعقدوا له البيعة الوثيقة الأساس، السعيدة بفضل الله على الناس، البريء عهدها «٣» من الارتياب والالتباس، الحائزة شروط الكمال، الماحية بنور البيان ظلم الإشكال، الضّمينة حسن العقبى ونجح المآل، على ما بويع عليه رسول الله ﷺ ومن له من الصّحابة والآل، وعلى السّمع والطاعة، وملازمة السنّة والجماعة، فأيديهم في السّلم «٤» والحرب ردء ليده، وطاعتهم إليه خالصة في يومه وغده، وأهواؤهم متّفقة في «٥» حالي الشّدّة والرّخاء، وعقودهم «٦» محفوظة على تداول السّرّاء والضّرّاء. أشهدوا عليها الله وكفى بالله شهيدا، وأعطوا صفقات أيمانهم تثبيتا للوفاء بها وتأكيدا، وجعلوا منها في أعناقهم ميثاقا وثيقا وعهدا شديدا. والله يقول: فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً «٧» . ومن أصدق من الله وعدا أو

стр. 4511

وعيدا؟ وهم قد بسطوا أيديهم يستنزلون رحمة الله بالإخلاص والإنابة، وصرفوا وجوههم إلى من أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة، يسألونه «١» خير ما يقضيه، والسير على ما يرضيه. اللهمّ بابك عند تقلّب الأحوال عرفنا، ومن بحر نعمك العميمة «٢» اغترفنا، وعفوك ستر من عيوبنا «٣» كلّ ما اجترحنا [السيئات «٤» ] واقترفنا، ومن فضلك أغنيتنا، وبعينك الّتي لا تنام حرستنا وحميتنا [فانصر حيّنا وارحم ميّتنا «٥» ] وأوزعنا شكر ما أوليتنا، واجعل لنا الخير والخيرة فيما إليه هديتنا. اللهمّ إنّ قطرنا من مادّة الإسلام بعيد، وقد أحدق بنا بحر زاخر وعدوّ شديد، وفينا أيّم وضعيف وهرم ووليد [وأنت مولانا ونحن عبيد. اللهمّ من بايعناه في هذا العقد «٦» ] فأسعدنا بمبايعته وطاعته، وكن له حيث لا يكون لنفسه بعد استنفاد جهده في التحفّظ واستطاعته، وكفّ عنه كفّ عدوّك وعدوّه، كلّما هبّت به رياح طماعته، يا من يفرده العبد بضراعته، ويعوذ بحفظه من إضاعته. اللهمّ، أدّ عنّا حقّه، فإنا لا نقوى على أدائه، وتولّ عنّا شكر ما حمدناه «٧» من سيرته وسيرة آبائه، واحمله من توفيقك على سوائه. اللهمّ إنّا إليه ناظرون، وعن أمره صادرون، ولإنجاز وعدك في نصر من ينصرك منتظرون، فأعنه على ما قلّدته، وأنجز لديننا على يديه ما وعدته، فما فقد شيئا من وجدك، ولا خاب من قصدك، ولا ضلّ من اعتمدك، آمين آمين يا ربّ العالمين.

стр. 4512

وكتب الملأ المذكورون أسماءهم بخطوط أيديهم في هذا الكتاب، شاهدة عليهم بما التزموه دنيا «١» ودينا، وسلكوا [منه] سبيلا مبينا. وذلك في الثاني والعشرين لشوّال من عام خمسة «٢» وخمسين وسبعمائة. قلت: وقد أخبر آخر هذه البيعة بأن المبايعين للسلطان تؤخذ خطوط أيديهم في كتاب البيعة شاهدة عليهم بما بايعوا عليه. والظاهر أن كتابة البيعة عندهم كما في مكاتباتهم في طومار» واحد كبير متضايق السّطور، وأنه ليس له طرّة بأعلاه كما في كتابة المصريين.

стр. 4513

الباب الثالث من المقالة الخامسة في العهود، وفيه فصلان الفصل الأوّل (في معنى العهد) العهد لفظ مشترك يقع في اللغة على ستة معان: أحدها- الأمان. ومنه قوله تعالى: فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ «١» . الثاني- اليمين. ومنه قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ «٢» . الثالث- الحفاظ. ومنه قوله ﷺ : «حسن العهد من الإيمان» . الرابع- الذّمّة. ومنه قوله ﷺ «لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده» . الخامس- الزّمان. ومنه قولهم: «كان ذلك على عهد فلان» .

стр. 4514

السادس- الوصيّة. ومنه قوله تعالى وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ «١» وهو المراد هنا. قال الجوهريّ: ومنه اشتقّ العهد الذي يكتب للولاة «٢» .

стр. 4515

الفصل الثاني (في بيان أنواع العهود، وهي ثلاثة أنواع) النوع الأوّل (عهود الخلفاء عن الخلفاء، ويتعلّق النظر به من ثمانية أوجه) الوجه الأوّل (في أصل مشروعيّتها) والأصل في ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، أنه قيل لعمر عند موته: «ألا تعهد؟ فقال: أأتحمل أمركم حيّا وميّتا؟ إن أستخلف فقد استخلف من هو خير منّي، [يعني أبا بكر «١» ] : وإن أترك فقد ترك من هو خير منّي رسول الله ﷺ » . فأثبت استخلاف أبي بكر ﵁ بذلك، مشيرا إلى ما روي: «أنّه لما اشتدّ بأبي بكر الصدّيق ﵁ الوجع، أرسل إلى عليّ وعثمان ورجال من المهاجرين والأنصار، فقال: قد حضر ما ترون، ولا بدّ من قائم بأمركم، فإن شئتم استخرتم لأنفسكم، وإن شئتم استخرت لكم. قالوا: بل اختر لنا، فأمر عثمان فكتب عهد عمر بن الخطاب ﵁ (على ما سيأتي ذكره) - فقال عمر: لا أطيق القيام بأمور

стр. 4516

الناس- فقال أبو بكر هاتوا سيفي. وتهدّده فانقاد عمر، ثم دخل عليه طلحة فعاتبه على استخلاف عمر. فقال: إنّ عمر والله خير لكم وأنتم شرّ له، والله لو ولّيتك لجعلت أنفك في قفاك، ولرفعت نفسك فوق قدرها حتّى يكون الله هو الذي يضعها. أتيتني وقد وكفت عينك، تريد أن تفتنني عن ديني وتردّني عن رأيي، قم لا أقام الله رجلك، والله لئن بلغني أنك غمصته وذكرته بسوء لألحقنّك بحمضات قنّة حيث كنتم تسقون ولا تروون، وترعون ولا تشبعون، وأنتم بذلك بجحون راضون، فقام طلحة فخرج» . قال العسكريّ: الحمضات جمع حمضة ضرب من النّبت، والقنّة أعلى الجبل. قال الماورديّ «١» : وكان استخلاف أبي بكر ﵁ عمر باتّفاق من الصحابة من غير نكير فكان إجماعا. وقد عهد عمر ﵁ إلى ستة، وهم عثمان، وعليّ، وطلحة، والزّبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، وتركها شورى بينهم، فدخلوا فيها وهم أعيان العصر وأشراف الصّحابة رضوان الله عليهم. الوجه الثاني (في معنى الاستخلاف) قال البغويّ «٢» ﵀ في كتابه «التهذيب» في الفقه: الاستخلاف أن

стр. 4517

يجعله خليفة في حياته ثم يخلفه بعده. قال: ولو أوصى بالإمامة فوجهان «١» ؛ لأنه يخرج بالموت عن الولاية فلا يصحّ منه تولية الغير. واستشكل الرافعيّ ﵀ هذا التوجيه بكلّ وصية، وبأنّ ما ذكره من جعله خليفة بعده، إن أريد به استنابته فلا يكون ذلك عهدا إليه بالإمامة. وإن أريد جعله إماما في الحال، فهو: إمّا خلع نفس العاهد، وإمّا اجتماع إمامين في وقت واحد. وإن أريد جعله خليفة أو إماما بعد موته فهو الوصية من غير فرق. قلت: وهذا جنوح من الرافعيّ ﵀ إلى صحّة الخلافة بالوصيّة أيضا، كما تصحّ «٢» بالاستخلاف. الوجه الثالث (فيما يجب على الكاتب مراعاته) واعلم أنه يجب على الكاتب أن يراعي في كتابة العهد بالخلافة أمورا: منها: براعة الاستهلال بذكر ما يتّفق له، من معنى الخلافة والإمامة واشتقاقهما، وحال الولاية، ولقب العاهد والمعهود إليه، ولقب الخلافة، إلى غير ذلك مما سبق بيانه في الكلام على البيعات. ومنها: أن ينبّه على شرف رتبة الخلافة، وعلوّ قدرها، ورفعة شأنها، ومسيس الحاجة إلى الإمام، ودعاية الضرورة إليه، ونحو ذلك مما سبق في البيعات أيضا. ومنها: أن ينبّه على اجتماع شروط الإمامة في المعهود إليه من حين

стр. 4518

صدور العهد بها من العاهد، فقد قال الماورديّ «١» : إنه تعتبر شروط الإمامة في المعهود إليه من وقت العهد، حتّى لو كان المعهود إليه صغيرا أو فاسقا وقت العهد وبالغا [عدلا] عند الموت، لم تصحّ خلافته حتّى يستأنف أهل الاختيار بيعته. قال الرافعيّ «٢» ﵀: وقد يتوقّف في هذا. قال النوويّ «٣» ﵀ في «الروضة» : لا توقّف، والصواب ما قاله الماورديّ. ومنها: أن ينبّه على اجتهاد العاهد وتروّي نظره في حقّيّة المعهود إليه؛ فقد قال الماورديّ: وإذا أراد الإمام أن يعهد بالإمامة، فعليه أن يجهد رأيه في الأحقّ بها، والأقوم بشروطها، فإذا تعيّن له الاجتهاد في أحد، عهد إليه. ومنها: أن يشير إلى تقدّم الاستخارة على العهد، وأنّ استخارته أدّته إلى المعهود إليه؛ فإنّ الاستخارة أمر مطلوب في كل أمر، خصوصا أمر المسلمين وعموم الولاية عليهم، فإنّ اختيار الله للخلق خير من اختيارهم لأنفسهم، والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل. ومنها: أن ينبّه على أنّ عهده إليه بعد مشورة أهل الاختيار ومراجعتهم في

стр. 4519

ذلك، وتصويبهم له، خروجا من الخلاف. فقد حكى الرافعيّ ﵀، وجهين فيما إذا كان المعهود إليه أجنبيّا من العاهد ليس بولد ولا والد، هل يجوز أن ينفرد بعقد البيعة له وتفويض العهد إليه ولا يستشير فيه أحدا؟ أصحّهما الجواز؛ لأنّ العهد إلى عمر، ﵁، لم يوقف على رضا الصحابة رضوان الله عليهم، ولأنّ الإمام أحقّ بها، فكان اختياره فيها أمضى، وقوله فيها أنفذ. وحكى الماورديّ في جواز انفراد العاهد بالبيعة فيما إذا كان المعهود إليه والد أو ولدا ثلاثة مذاهب: أحدها- ما اقتصر الرافعيّ، ﵀، على نسبته إلى الماورديّ، ومقتضى كلامه ترجيحه: أنه يجوز الانفراد بعقدها للولد والوالد جميعا؛ لأنه أمير للأمة نافذ الأمر لهم وعليهم، فغلّب حكم المنصب على حكم النسب، ولم يجعل للتّهمة طريقا على أمانته، ولا سبيلا إلى معارضته. والثاني- أنه لا يجوز انفراده بها لولد ولا والد حتّى يشاور فيه أهل الاختيار فيرونه أهلا لها، فيصحّ منه حينئذ عقد البيعة، لأن ذلك [منه] تزكية [له] تجري مجرى الشهادة، وتقليده على الأمة يجري مجرى الحكم، والشهادة والحكم ممتنعان من الولد والوالد للتّهمة، لما جبل عليه من الميل إليهما. والثالث- أنه يجوز أن ينفرد بعقد البيعة لوالده دون ولده؛ لأنّ الطبع إلى الولد أميل، فأما عقدها لأخيه وغيره من الأقارب والمناسبين فكعقدها للأجانب في جواز الانفراد بها. ومنها: أن ينبّه على العلم بحياة المعهود إليه ووجوده إن كان غائبا، فقد قال الماورديّ: إنه لو عهد إلى غائب مجهول الحياة لم يصحّ عهده، وإن كان معلوم الحياة صح، ويكون موقوفا على قدومه. ومنها: أن ينبّه على أن المعهود إليه منصوص عليه بمفرده، أو وقع العهد شورى في جماعة وأفضت الخلافة إلى واحد منهم بإخراج الباقين أنفسهم منها،

стр. 4520

أو اختيار أهل الحلّ والعقد أحدهم، إذ يجوز للخليفة أن يعهد إلى اثنين فأكثر من غير تقديم البعض على البعض، ويختار أهل الاختيار بعد موته واحدا ممن عهد إليه، فإنّ عمر بن الخطاب، ﵁، جعلها شورى في ستة، فقال: الأمر إلى عليّ وبإزائه الزّبير بن العوّام، وإلى عثمان وبإزائه عبد الرحمن بن عوف، وإلى طلحة وبإزائه سعد بن أبي وقّاص. فلما توفّي عمر، ﵁، جعل الزبير أمره إلى عليّ، وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف، فخرج منها ثلاثة، وبقيت شورى «١» في عثمان وعليّ، ثم بايع عليّ عثمان. والمعنى في الشّورى أنه لا يجوز أن تجعل الإمامة بعد العاهد في غير المعهود إليهم. ومنها: أن ينبّه على عدد المعهود إليهم وترتيبهم إن كان قد رتّب الخلافة في أكثر من واحد، إذ يجوز أن يعهد إلى اثنين فأكثر على الترتيب. فلو رتّب الخلافة في ثلاثة مثلا- فقال: الخليفة بعدي فلان، فإذا «٢» مات، فالخليفة بعده فلان، [فإن مات فالخليفة بعد فلان جاز] «٣» وكانت «٤» الخلافة منتقلة إليهم على ما رتّبها. ففي صحيح البخاريّ من رواية ابن عمر ﵄ «أنّ رسول الله ﷺ استخلف على جيش مؤتة زيد بن حارثة- وقال: إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة، فإن أصيب فليرتض المسلمون رجلا، فتقدم زيد فقتل، فأخذ الراية جعفر وتقدّم فقتل، فأخذ الراية
следующие страницы →