← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4761–4800 · переход к 4766.

стр. 4761

والنّجود، وأن يعدق «١» ببسطها وقلمها كلّ قطع ووصل، وكلّ فرع وأصل، وكلّ نصر ونصل، وكلّ ما يحمي سرحا، ويهمي منحا، وفي المثيرات في الإعداء على الأعداء نقعا وفي المغيرات صبحا، وفي المنع والإطلاق، وفي الإرفاد والإرفاق، وفي الخميس «٢» إذا ساق، وفي السيوف إذا بلغت التراقي وقيل من راق، وفي الرّماح إذا التفّت الساق بالسّاق، وفي المعاهدات والهدن، وفي الفداء بما عرض من عرض وبالبدن «٣» بالبدن، وفيما ظهر من أمور الملك وما بطن، وفي جميع ما تستدعيه بواعثه، في السرّ والعلن، وتسترعيه نوافثه، من كبت وكتب متفرّقين أو في قرن، عهدا مباركا عوذه وتمائمه، وفواتحه وخواتمه، ومناسمه ومياسمه، وشروطه ولوازمه، وعلى عاتق الملك الأعزّ نجاده وفي يد جبّار السموات قائمه، لا رادّ لحكمه ولا ناقض لبرمه، ولا داحض لما أثبتته الأقلام من مكنون علمه. [و] «٤» يزيده مرّ اللّيالي جدّة ... وتقادم الأيام حسن شباب وتلزم السّنون والأحقاب استيداعه للذراريّ والأعقاب؛ فلا سلطان ذو قدر وقدرة، ولا ذو أمر وإمرة، ولا نائب في مملكة قربت أو بعدت، ولا مقدّم جيوش أتهمت أو أنجدت؛ ولا راع ولا رعيّة، ولا ذو حكم في الأمور الشرعيّة؛ ولا قلم إنشاء ولا قلم حساب ولا ذو وأنساب ولا ذو وأسباب، إلا وكلّ داخل في قبول هذا العقد الميمون، ومتمسّك بحكم كتابه المكنون، والتسليم لنصّه الذي شهد به من الملائكة الكرام الكاتبون، وأمست بيعته بالرّضوان محفوفة، والأعداء يدعونها تضرّعا وخيفة، وليشكروا الصنيع الذي بعد أن كانت الخلفاء تسلطن الملوك قد

стр. 4762

صار سلطانهم يقيم من ولاة العهد خليفة بعد خليفة. وأمّا الوصايا فأنت يا ولدنا الملك الأشرف- أعزّك الله- بها الدّرب، ولسماع شدوها وحدوها الطّرب، الذي للّغو لا يضطرب، فعليك بتقوى الله فإنها ملاك سدادك، وهلاك أضدادك، وبها يراش جناح نجاحك، ويحسن اقتداء اقتداحك؛ فاجعلها دفين جوانح تأميلك ووعيك، ونصب عيني أمرك ونهيك؛ والشرع الشريف فهو قانون الحق المتّبع، ومأمون الأمر المستمع، وعليه مدار إيعاء كلّ إيعاز، وبه يتمسّك من أشار وامتاز، وهو جنّة والباطل نار: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ «١» ؛ فلا تخرج في كلّ حال عن لوازمه وشروطه، ولا تنكب عن معلّقه ومنوطه. والعدل فهو مثمّر غروس الأموال، ومعمّر بيوت الرّجاء والرّجال، وبه تزكو الأعمار والأعمال؛ فاجعله جامع أطراف مراسمك؛ وأفضل أيّام مواسمك؛ وسم به فعلك، وسمّ به فرضك ونفلك، ولا تفرد به فلانا دون فلان، ولا مكانا دون مكان، واقرنه بالفضل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ «٢» . وأحسن التخويل، وأجمل التّنويل، وكثّر لمن حولك التموين والتّمويل، وضاعف الخير في كلّ مضاف لمقامك، ومستضيف بإنعامك، حتى لا تعدم في كلّ مكان وكلّ زمان ضيافة الخليل؛ والثّغور فهي للممالك مباسمها، وللمسالك مناسمها؛ فاجعل نواجذها تفترّ عن حسن ثنايا الصّون، ومراشفها شنبة «٣» الشّفاه بحسن العون؛ ومنها، بما يحمي السّرح منها، وأعنها، بما يدفع المكاره عنها، فإنها للنصر مقاعد، وبها حفظ البلاد من كلّ مارّ من الأعداء مارد؛ وأمراء الجيوش فهم السّور الواقي بين يدي كلّ سور، وما منهم إلا كلّ بطل بالنصر مشهور، كما سيفه مشهور، وهم ذخائر الملوك، وجواهر السّلوك، وأخاير الأكابر الذين خلصوا من الشكوك؛ وما منهم إلا من له خدمات سلفت، وحقوق عرفت،

стр. 4763

ومواتّ «١» على استلزام الرّعاية للعهود وقفت؛ فكن لجنودهم متحبّبا، ولمرابعهم مخصبا، ولمصالحهم مرتّبا، ولآرائهم مستصوبا، ولاعتضادهم مستصحبا، وفي حمدهم مطنبا، وفي شكرهم مسهبا، والأولياء المنصوريّون الذين هم كالأولاد، ولهم سوابق أمتّ «٢» من سوابق الإيجاد؛ وهم من علمت استكانة من قربنا، ومكانة من قلبنا، وهم المساهمون فيما ناب، وما برحوا للدولة الظّفر والناب، فأسهم لكلّ منهم من احترامك نصيبا، وأدم لهم ارتياحك، وألن جماحك؛ وقوّهم بسلاحك، تجد منهم ضروبا، وترى كلّا منهم في أعدائك ضروبا. وكما أنا نوصيك بجيوش الإسلام، كذا نوصيك بالجيش الذي له الجوار المنشآت في البحر كالأعلام؛ فهو جيش الأمواه والأمواج المضاف إلى الأفواج من جيش الفجاج؛ وهو الجيش السّليمانيّ في إسراع السير، وما سمّيت شوانيه «٣» غربانا إلا ليجتمع بها لنا ما اجتمع لسليمان ﷺ من تسخير الريح والطّير؛ وهي من الديار المصرية على ثبج «٤» البحر الأسوار، فإن قذفت قذفت الرعب في قلوب الأعداء وإن أقلعت قلعت منهم الآثار، فلا تخله من تجهيز جيشه، وسكّن طيش البحر بطيشه، فيصبح لك جيشان كلّ منهما ذو كرّ وفرّ، هذا في برّ بحر وهذا ببحر برّ؛ وبيوت العبادات فهي التي إلى مصلّى سميّك «خليل» الله تنتهي محاريبها، وبها لنا ولك وللمسلمين سرى الدّعوات وتأويبها؛ فوفّها نصيبها المفروض غير منقوص، ومر برفعها وذكر اسم الله تعالى [فيها] «٥» للأمر المنصوص؛ وأخواتها من بيوت الأموال الواجدات «٦» الواجبات، من حيث إنها كلّها بيوت الله : هذه

стр. 4764

للصّلاة وهذه للصّلات، وهذه كهذه في رفع المنار وجمع المبار؛ وإذا كانت تلك مما أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه فهذه ترفع ويذكر فيها اسمه حتى على الدّرهم والدّينار؛ فاصرف إليها اجتهادك فيما يعود بالتثمير، كما يعود على تلك بالتّنوير، وعلى هذه بإشحانها «١» بأنواع الصّروف، كإشحان «٢» تلك باستواء الصّفوف، فإنها إذا أصبحت مصونة، أجملت بحمد الله المعونة، وكفلت بالمؤونة وبالزيادة على المؤونة، فتكمّل هذه لكل ولي دنياه كما كمّلت تلك [لكلّ] وليّ دينه؛ وحدود الله فلا يتعدّاها أحد، ولا يرأف فيها ولد بوالد ولا والد بولد؛ فأقمها وقم في أمرها حتى تنضبط أتمّ الضبط، ولا تجعل يد الفتك مغلولة إلى عنقها ولا تبسطها كلّ البسط؛ فلكلّ من الجنايات والقصاص شرط شرطه الله وحدّ حدّه فلا يتجاوز أحد ذلك الحدّ ولا يخرج عن ذلك الشرط، والجهاد فهو الدّيدن المألوف من حيث نشأ نشأ ونشأتك ... «٣» وفي ظهور الخيل، فمل على الأعداء كلّ الميل، وصبّحهم من فتكاتك بالويل بعد الويل، وارمهم بكلّ شمّريّ «٤» قد شمّر من يده عن الساعد ومن رمحه عن الساق ومن جواده الذّيل، واذهب لهم من كلّ ذلك مذهب، وأنر بنجوم الخرصان «٥» كلّ غيّ وغيهب، وتكثّر في غزوهم من الليل بكلّ أدهم، ومن الشّفق، بكلّ أحمر وأشقر، ومن الأصيل بكلّ أصفر، ومن الصبح بكلّ أشهب، واستنهب أعمارهم واجعلها آخر ما يسلب وأوّل ما ينهب؛ ونرجو أن يكون الله قد خبأ لك من الفتوحات ما يستنجزها لك صادق وعده، وأن ينصر بك جيوش الإسلام، في كلّ إنجاد وإتهام، وما النّصر إلّا من عنده؛ وبيت الله المحجوج من كلّ فجّ، المقصود من كلّ نهج، فسيّر سبيله، ووسّع [له] «٦» الخير وأحسن تسبيله، وأوصل من برّك

стр. 4765

لكلّ من الحرمين ما هو له، لتصبح ربوعه بذلك مأهولة، واحمه ممّن يريد فيه بإلحاد بظلم، وطهّره من مكس وغرم: ليعود نفعك على البادي والعاكف، ويصبح واديه وناديه مستغنيين بذلك عن السّحاب الواكف «١» ؛ والرعايا فهم للعدل زروع، وللاستثمار فروع، ولا ستلزام العمارة شروع؛ فمتى جادهم غيث أعجب الزّرّاع نباتهم، ونمت بالصّلاح أقواتهم، وصلحت بالنّماء أوقاتهم، وكثرت للجنود مستغلّاتهم، وتوفّرت زكواتهم وتنوّرت مشكاتهم، والله يضاعف لمن يشاء. هذا عهدنا للسيد الأجلّ، الملك، الأشرف، صلاح الدنيا والدين، فخر الملوك والسلاطين، خليل أمير المؤمنين، أعزّ الله تعالى ببقائه الدّين؛ فليكن بعروته متمسّكا، وبنفحته متمسّكا، وليتقلّد سيف هذا التقليد، ويفتح مغلق كلّ فتح منه بخير إقليد؛ وها نحن قد كثّرنا لديه جواهره فدونه ما يشاء تحليته من تتويج مفرق وتختيم أنامل وتسوير زند وتطويق جيد، ففي كلّ ذلك تبجيل وتمجيد؛ والله تعالى يجعل استخلافه هذا للمتقين إماما، وللدّين قواما، وللمجاهدين اعتصاما، وللمعتدين انفصاما، ويطفيء بمياه سيوفه نار كلّ خطب حتى يصبح كما أصبحت نار سميّه ﷺ بردا وسلاما؛ إن شاء الله تعالى. وعلى ذلك كتب القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، عن المنصور «قلاوون» المتقدّم ذكره، عهد ولده الملك الصالح «علاء الدين علي» وهذه نسخته «٢» : الحمد لله الذي شرّف سرير الملك منه بعليّه، وحاطه منه بوصيّه؛ وعضّد منصوره بولاية عهد صالحه، وأسمى حاتم جوده بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهج

стр. 4766

خير الآباء من خير الابناء بمن سموّ أبيه منه بشريف الخلق وأبيّه، وغذّى روضه بمتابعة وسميّه «١» وبمسارعة وليّه. نحمده على نعمه التي جمعت إلى الزّهر الثّمر، وداركت بالبحر وباركت في النّهر، وأجملت المبتدأ وأحسنت الخبر، وجمعت في لذاذة الأوقات وطيبها بين رونق الآصال ورقّة البكر، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نلبس الألسنة منها في كلّ ساعة [ثوبا] «٢» جديدا، ونتفيّأ منها ظلّا مديدا، ونستقرب من الآمال ما يراه سوانا بعيدا؛ ونصلّي على سيدنا محمد الذي طهّر الله به هذه الأمّة من الأدناس، وجعلها بهدايته زاكية الغراس؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين منهم من فهم حسن استخلافه بالأمر له بالصّلاة بالناس «٣» ، ومنهم من بنى الله به قواعد الدّين وجعلها موطّدة الإساس «٤» ومنهم من جهّز جيش العسرة «٥» وواسى بماله حين الضرّاء والباس، ومنهم من قال عنه ﷺ : «لأعطينّ الرّاية غدا رجلا يحبّه الله ورسوله ويحبّ الله ورسوله» «٦» فحسن الالتماس بذلك والاقتباس، وزاد في شرفه بأن طهّر أهل بيته وأذهب عنهم الأرجاس، صلاة لا تزال تتردّد تردّد الأنفاس، ولا تبرح في الآناء حسنة الإيناس. وبعد، فإنّ خير من شرّفت مراتب السلطنة بحلوله، وفوّفت ملابس التحكيم بقبوله، ومن تزهى مطالع الملك بإشراقه، وتتبادر الممالك مذعنة لاستحقاقه، ومن يزدهي ملك منصوره- نصره الله بولده ووليّ عهده مكنة- بانيه، ومن يتشرّف إيوان عظمته: إن غاب والده في مصلحة الإسلام فهو صدره وإن حضر فهو ثانيه، ومن يتجمّل غاب الإيالة منه بخير شبل كفل ليثا، ويتكفّل غوث الأمّة بخير وابل

стр. 4767

خلف غيثا؛ ومن ألهم الأخلاق الملوكيّة وأوتي حكمها صبيّا، ومن خصّصته الأدعية الشريفة بصالحها ولم يكن بدعائها شقيّا، ومن رفعت به هضبة الملك حتى أمسى مكانها عليّا؛ ومن هو أحقّ بأن ينجب الأمل وينجح، وأولى بأن يتلى له: اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ «١» ، ومن هو بكلّ خير ملي، ومن إذا فوّضت إليه أمور المسلمين كان أشرف من لأمورهم يلي، ومن يتحقّق من والده الماضي الغرار، ومن اسمه العالي المنار، أن لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي. ولما كان المقام العالي، الولديّ، السلطانيّ، الملكيّ، الصالحيّ، العلائيّ- عضّد الله به الدّين، وجمع إذعان كلّ مؤمن على إيجاب طاعته لمباشرة أمور المسلمين، حتى يصبح وهو صالح المؤمنين- هو المرجوّ لتدبير هذه الأمور، والمأمول لصلاح البلاد والثّغور «٢» والمدّخر في النصر لشفاء ما في الصّدور، والذي تشهد الفراسة لأبيه وله بالتحكم: أو ليس الحاكم أبو عليّ هو المنصور؟؛ فلذلك اقتضت الرحمة والشفقة على الأمّة أن ينصب لهم وليّ عهد يتمسّكون من الفضل بعروة كرمه، ويسعون بعد الطواف بكعبة أبيه لحرمه، ويقتطفون أزاهر العدل وثمار الجود من كلمه وقلمه، وتستسعد الأمة منه بالملك الصالح الذي تقسم الأنوار لجبينه وتقسّم المبارّ من كراماته وكرمه. فلذلك خرج الأمر العالي، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، المنصوريّ، السيفيّ- أخدمه الله القدر، ولا زالت الممالك تتباهى منه ومن وليّ عهده بالشمس والقمر- أن يفوّض إليه ولاية العهد وكفالة السلطنة المعظّمة، ولاية تامّة عامّة شاملة كاملة، شريفة منيفة، عطوفة رؤوفة، في سائر أقاليم الممالك «٣»

стр. 4768

وعساكرها وجندها، وعربها وتركمانها وأكرادها ونوّابها وولاتها، وأكابرها وأصاغرها ورعاياها ورعاتها وحكّامها وقضاتها، وسارحها وسانحها، بالديار المصرية ثغورها وأقاليمها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الحجازيّة، وما احتوت عليه، ومملكة النّوبة، وما احتوت عليه، والفتوحات الصفدية والفتوحات الإسلاميّة الساحلية وما احتوت عليه، والممالك الشاميّة وحصونها، وقلاعها ومدنها، وأقاليمها وبلادها، والمملكة الحمصيّة، والمملكة الحصنية الأكراديّة والجبلية وفتوحاتها، والمملكة الحلبية وثغورها وبلادها، وما احتوت عليه، والمملكة الفراتيّة، وما احتوت عليه، وسائر القلاع الإسلامية برّا وبحرا، وسهلا ووعرا، شاما ومصرا، يمنا وحجازا، شرقا وغربا، بعدا وقربا، وأن تلقى إليه مقاليد الأمور في هذه الممالك الشريفة، وأن تستخلفه سلطنة والده- خلد الله دولته- لتشاهد الأمة منه في وقت واحد سلطانا وخليفة، ولاية واستخلافا تسندهما الرّواة، وتترنّم بهما الحداة، وتعيهما الأسماع وتنطق بهما الأفواه، تفويضا يعلن لكافةّ الأمم، ولكلّ ربّ سيف وقلم، ولكل ذي علم وعلم، بما قاله ﷺ لسميّه ﵁ حين أولاه من الفخار ما أولاه: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «١» فلا ملك إقليم إلّا وهذا الخطاب يصله ويوصّله، ولا زعيم جيش إلا وهذا التفويض يسعه ويشمله، ولا إقليم إلّا وكلّ من به يقبّله ويقبله، ويتمثّل بين يديه ويمتثله، ولا منبر إلّا وخطيبه يتلو فرقان هذا التقديم ويرتّله. وأمّا الوصايا فقد لقّنّا ولدنا ووليّ عهدنا ما انطبع في صفاء ذهنه، وسرت تغذيته في نماء غصنه؛ ولابدّ من لوامع للتبرّك بها في هذا التقليد الشريف تنير، وجوامع تعتزّ لخير بها «٢» حيث يصير، وودائع ينبّئك عنها ولدنا- أعزنا الله ببقائه- ولا ينبّئك مثل خبير: فاتّق الله كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك، وانصر

стр. 4769

الشرع فإنّك إذا نصرته ينصرك الله على أعداء الدّين وعداك، واقض بالعدل مخاطبا ومكاتبا حتى يستبق إلى الإيعاز به لسانك ويمناك، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر عالما أنه ليس يخاطب غدا بين يدي الله عن ذلك سوانا وسواك، وانه نفسك عن الهوى حتى لا يراك الله حيث نهاك، وحط الرعيّة، ومر النّوّاب بحملهم على القضايا الشرعية، وأقم الحدود، وجنّد الجنود، وابعثها برّا وبحرا من الغزو إلى كلّ مقام محمود، واحفظ الثّغور، ولا حظ الأمور، وازدد بالاسترشاد بآرائنا نورا على نور؛ وأمراء الإسلام الأكابر وزعماؤه، فهم بالجهاد والذّبّ عن العباد أصفياء الله وأحبّاؤه؛ فضاعف لهم الحرمة والإحسان، واعلم أنّ الله اصطفانا على العالمين وإلّا فالقوم إخوان، لا سيّما أولو السعي الناجح، والرأي الراجح، ومن إذا فخروا بنسبة صالحية قيل لهم: نعم السّلف الصالح، فشاورهم في الأمر، وحاورهم في مهمّات الأمور في كلّ سرّ وجهر، وكذلك غيرهم من أكابر الأمراء الذين هم من تحايا الدّول، وذخائر الملوك الأول؛ أجرهم في هذا المجرى، واشرح لهم بالإحسان صدرا؛ وجيوش الإسلام هم البنان والبنيان، فوال إليهم الامتنان، واجعل محبّتك في قلوبهم بإحسانك إليهم حسنة المربى، وطاعتك في عقائدهم قد شغفها حبّا: ليصبحوا بحسن نظرك إليهم طوعا، وليحصّل كلّ جيش منهم من التقرّب إليك بالمناصحة نوعا، والبلاد وأهلها فهم عندك الوديعة فاجعل أوامرك [لهم] «١» بصيرة وسميعة. وأما غير ذلك من الوصايا، فسنخوّلك منها بما ينشأ معك توءما، ونلقّنك من آياتها محكما فمحكما، والله تعالى ينمّي هلالك حتى يوصّله إلى درجة الإبدار، ويغذّي غصنك حتّى نراه قد أينع بأحسن الأزهار وأينع الثّمار، ويرزقك سعادة سلطاننا الذي نعتّ بنعته تبرّكا، ويلهمك الاعتضاد بشيعته، والاستنان بسنّته، حتى تصبح كتمسّكنا بذلك متمسّكا، ويجعل الرعية بك في أمن وأمان حتى لا تخشى سوءا ولا تخاف دركا، والاعتماد على الخط الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه إن شاء الله تعالى.

стр. 4770

الوجه السادس (فيما يكتب في مستند عهد وليّ العهد بالسلطنة، وما يكتبه السلطان في بيت العلامة، وما يكتب في ذيل العهد) أما ما يكتب في مستند العهد وما يكتبه السلطان في بيت العلامة، فكغيره من سائر الولايات من التقاليد وغيرها: وهو أنه يكتب في المستند «حسب المرسوم الشريف» كما يكتب في المكاتبات التي هي بتلقّي كاتب السر على ما تقدّم ذكره في بابه، ويكتب السلطان في بيت العلامة اسمه واسم أبيه. وأما ما يكتب في ذيل العهد وشهادة الشهود على السلطان بالعهد، فمثل أن يكتب: «شهدت على مولانا السلطان الملك الفلانيّ العاهد المشار إليه فيه خلّد الله ملكه، أو خلّد الله سلطانه» وما أشبه ذلك من الدعاء «بما نسب إليه فيه من العهد بالسلطنة الشريفة، إلى ولده المقام الشريف العالي السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، وعلى المعهود إليه- أعزّ الله أنصاره- بقبول العهد المذكور، وكتب فلان بن فلان» . الوجه السابع (في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به، وكيفيّة كتابته، وصورة وضعه في الورق) أما قطع ورقه فمقتضى إطلاق المقرّ الشهابيّ بن فضل الله في «التعريف» أن للعهود قطع البغدادي الكامل أنه يكتب في البغدادي أيضا. قلت: وهو المناسب لعظمة السلطنة، وشماخة «١» قدرها، إذ الملك إلى وليّ العهد آئل، وللدّخول تحت أمره صائر، خصوصا إذا كان المعهود اليه ولدا أو أخا، وحينئذ فيكتب بمختصر قلم الطّومار لمناسبته له، على ما تقدّم في غير موضع. وأما كيفية كتابته وصورة وضعها في الورق، فهو أن يخلّي من أعلى الدّرج

стр. 4771

قدر إصبع بياضا، ثم يكتب في وسطه بقلم دقيق ما صورته «الاسم الشريف» كما يكتب في التقاليد وغيرها على ما سيأتي، ثم يبتديء بكتابة الطّرّة بالقلم الذي يكتب به العهد من أوّل عرض الورق من غيرهامش سطورا متلاصقة إلى آخر الطّرّة، ثم يترك ستة أوصال بياضا من غير كتابة غير الوصل الذي فيه الطرة، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بحيث تلحق أعالي ألفاته بالوصل الذي فوقه، بهامش عن يمين الورق قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب تحت البسملة سطرا من أوّل العهد ملاصقا لها، ثم يخلّي بيت العلامة قدر شبر كما في عهود الملوك عن الخلفاء، ثم يكتب السطر الثاني تحت بيت العلامة على سمت السطر الذي تحت البسملة، ويسترسل في كتابة بقيّة العهد إلى آخره، ويجعل بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع بذراع القماش؛ فإذا انتهى إلى آخر العهد كتب «إن شاء الله تعالى» ثم المستند، ثم الحمدلة والصلاة على النبيّ ﷺ والحسبلة، على ما تقدّم في الفواتح والخواتم؛ ثم يكتب شهود العهد بعد ذلك. وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا له بالطرّة التي أنشأتها لذلك، وبالعهد الذي أنشأه القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر عن المنصور «قلاوون» بالعهد بالسلطنة لولده الملك الصالح «علاء الدّين عليّ» وهي: هذا عهد شريف جليل قدره، رفيع ذكره، عليّ فخره، متبلّج صبحه، ضوّيّ فجره، من السلطان الأعظم الملك الظاهر، ركن الدنيا والدّين «بيبرس» خلّد الله تعالى سلطانه، ونصر جيوشه وأعوانه، با لسلطنة الشريفة لولده المقام العالي السلطانيّ، الملكيّ، السعيديّ، بلّغه الله تعالى فيه غاية الآمال، وحقّق فيه للرعية ما يرجونه من مزيد الإفضال. على ما شرح فيه بسم الله الرحمن الرحيم هامش الحمد لله الذي شرّف سرير الملك منه بعليّه، وحاطه منه بوصيّة، وعضّد منصورة بولاية عهد صالحه، وأسمى حاتم جوده. بمكارم حازها بسبق عديّه، وأبهج خير الآباء من خير الأبناء بمن سموّ أبيه منه بشريف الخلق وأبيّه،

стр. 4772

هامش وغذّى روضه بمتابعة وسميّه، وبمسارعة وليّه. نحمده على نعمه التي جمعت إلى الزّهر الثمر إلى أن يأتي إلى قوله: ولا يخاف دركا ولاعتماد على الخطّ الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه. إن شاء الله تعالى كتب في سنة حسب المرسوم الشريف الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل النوع الرابع (من العهود عهود الملوك بالسّلطنة للملوك المنفردين بصغار البلدان) ويتعلّق النظر به من أربعة أوجه: الوجه الأوّل (في بيان أصل ذلك وأوّل حدوثه في هذه المملكة إلى حين زواله عنها) قد تقدّم في المكاتبات، في الكلام على مكاتبة صاحب حماة أنّ ذلك مما كان في الدولة الأيّوبية، ثم في الدولة التّركيّة في الأيام المنصوريّة «قلاوون» والأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» ثم بطل ذلك؛ وذلك أنّ السلطان صلاح الدين «يوسف بن أيوب» حين استولى على البلاد الشاميّة مع الديار المصريّة بعد موت السلطان نور الدين «محمود بن زنكي» صاحب الشام، فرّق أقاربه في ولاية الممالك الشامية: كدمشق وحلب وحمص وغيرها واستمرّت. وكان السلطان صلاح الدين قد ولّى حماة لابن أخيه تقيّ الدين عمر بن شاهنشاه بن أيّوب، فبقيت بيده حتّى توفّي سنة سبع وثمانين وخمسمائة، فوليها بعده ابنه المنصور ناصر الدين محمد وبقي بها حتّى توفّي سنة سبع عشرة

стр. 4773

وستّمائة، فوليها ابنه الناصر قليج أرسلان فبقي بها إلى أن انتزعها منه أخوه المظفّر «١» في سنة ستّ «٢» وعشرين وستمائة، وأقام بها إلى أن مات سنة ثلاث وأربعين وستّمائة. فوليها ابنه المنصور محمد، فبقي بها إلى أن غلب هولاكو ملك التتار على الشام وقتل من به من بقايا الملوك الأيّوبية، فهرب المنصور إلى مصر وأقام بها إلى أن سار المظفّر قطز «٣» صاحب مصر إلى الشام، وانتزعه من يد التتار، وصار الشام مضافا إلى مملكة الديار المصريّة، فردّ المنصور إلى حماة، فبقي بها حتى توفّي سنة ثلاث وثمانين وستّمائة، فولّى المنصور قلاوون ابنه المظفّر شادي مكانه، وكتب له بها عهدا عنه، فبقي بها حتى توفّي سنة ثمان وتسعين وستمائة، في الأيام الناصرية «محمد بن قلاوون» في سلطنته الثانية «٤» بعد «لا جين» «٥» ، فولّى الملك الناصر قرا سنقر «٦» أحد أمرائه نائبا؛ فلما استولى غازان «٧» ملك التتار على الشام، كان العادل كتبغا بعد خلعه من سلطنة الديار المصرية نائبا بصرخد، فأظهر في قتال التتار قوّة وجلادة «٨» فولّاه الملك الناصر حماة، وحضر هزيمة التتار مع الملك الناصر سنة اثنتين وسبعمائة ورجع إلى حماة فمات بها، فولّى الملك

стр. 4774

الناصر مكانه سيف الدين قبجق «١» نائبا، ثم نقله إلى حلب، وولّى أسندمر كرجي نيابة حماة مكانه. ولما رجع السلطان الملك الناصر من الكرك نقل أسندمر كرجي «٢» من حماة إلى حلب، وولّى المؤيّد عماد الدّين إسماعيل بن الأفضل عليّ ابن المظفّر عمر مكانه بحماة سنة ستّ عشرة وسبعمائة على عادة من تقدّمه من الملوك الأيّوبية، فبقي بها إلى أن توفّي سنة ثنتين وثلاثين وسبعمائة، فولّى الملك الناصر ابنه الأفضل محمدا مكانه، فبقي بها حتى مات الملك الناصر في ذي الحجّة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، واستقرّ في السلطنة بعده ابنه المنصور أبو بكر، وقام بتدبير دولته الأمير قوصون. فكان أوّل ما أحدث عزل الأفضل بن المؤيّد عن حماة، وولّى مكانه بها الأمير قطز نائبا. وسار الأفضل إلى دمشق فأقام بها حتى توفّي بها سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة، وهو آخر من وليها من بني أيّوب. وقد ذكر المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «مسالك الأبصار» أنّ سلطانها كان يستقلّ بإعطاء الإمرة والإقطاعات، وتولية القضاة والوزراء وكتّاب السرّ وكلّ الوظائف؛ وتكتب المناشير والتواقيع من جهته. ولكنه لا يمضي أمرا كبيرا في مثل إعطاء إمرة أو إعطاء وظيفة كبيرة حتّى يشاور صاحب مصر، وهو لا يجيبه إلا أنّ الرأي ما يراه. ومن هذا ومثله. قال: وإن كان سلطانا حاكما وملكا متصرّفا فصاحب مصر هو المتصرّف في تولية وعزل، من أراد ولّاه ومن أراد عزله. قلت: وكان للمملكة بذلك زيادة أبّهة وجمال: لكون صاحبها تحت يده من هو متّصف باسم السلطنة، يتصرّف فيه بالولاية والعزل. على أنّ هذا القسم لم يتعرّض له المقرّ التّقوىّ بن ناظر الجيش «٣» في «التثقيف» لخلوّ المملكة الآن عن

стр. 4775

مثله؛ وإنما أشار إليه المقرّ الشهابيّ بن فضل الله ﵀ في «التعريف» حيث قال: وأما ما يكتب للملوك عن الملوك، مثل ولاة العهود والمنفردين بصغار البلدان فإنه لا تستفتح عهودهم إلا بالخطب. وذلك أنّ حماة كانت في زمنه بأيدي بني أيّوب على ما تقدّم ذكره، ولذلك قال في «مسالك الأبصار» : ومما في حدود هذه المملكة ممن له اسم سلطان حاكم وملك متصرّف صاحب حماة. الوجه الثاني (في بيان ما يكتب في العهد؛ وهو على ضربين) الضرب الأوّل (ما يكتب في الطرّة، وهو تلخيص ما يشتمل عليه العهد) وهذه نسخة عهد كتب بها المقرّ الشهابيّ بن فضل الله عن الملك الناصر «محمد بن قلاوون» للملك الأفضل «محمد ابن المؤيّد عماد الدين إسماعيل» بسلطنة حماة أيضا، في رابع صفر سنة اثنتين «١» وثلاثين وسبعمائة. وهو آخر من ملكها من بني أيّوب، وهي: الحمد لله الذي أقرّبنا الملك في أهلّة أهله، وتدارك مصاب ملك لولا ولده الأفضل لم يكن له شبيه في فضله، ووهب بنا بيت السلطنة من أبقى البقايا ما يلحق به كلّ فرع بأصله، ويظهر به رونق السيف في نصله. نحمده على ما أفاض بمواهبنا من النّعم الغزار، وأدخل في طاعتنا الشريفة من ملوك الأقطار، وزاد عطايانا فأضحت وهي ممالك وأقاليم وأمصار، ونشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له شهادة أفلح من مات من ملوك الإسلام عليها،

стр. 4776

وحرّض بها في الجهاد على الشّهادة حتى وصل إليها، ومدّ يده لمبايعتنا على إعلائها فسابقت الثّريّا ببسط يديها، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله الذي شرّف من تسمّى باسمه أو متّ بالقربى إلى نسبه، وصرّف في الأرض من تمسّك من رعاية الأمّة بسببه، وأكرم به كريم كلّ قوم وجعل كلمة الفخار كلمة باقية في عقبه، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه ما ناح الحمام لحزنه ثم غنّى من طربه، وسلّم تسليما كثيرا. أما بعد، فإنّنا- ولله الحمد- ممّن نحفظ بإحساننا كلّ وديعة، ونتقبّل لمن أقبل من الملوك على سؤال صدقاتنا الشريفة كلّ ذريعة، ونتكفّل لمن مات على ولائنا بما لو رآه في ولده لسرّه ما جرى، وعلم أنّ هذا الذي كان يتمنّى أن يعيش حتى يبصر هذا اليوم ويرى؛ وكان السلطان الملك المؤيّد عماد الدين- قدّس الله روحه- هو بقيّة بيته الشريف، وآخر من حلّ من ملوكهم في ذروة عزّه المنيف ولم يزل في طاعتنا الشريفة على ما كان من الحسنى عليه، ومن المحاسن التي لقي الله بها ونور إيمانه يسعى بين يديه؛ فوهبنا له من المملكة الحمويّة المحروسة ما كان قد طال عليه سالف الأمد، ورسمنا له بها عطيّة باقية للوالد والولد، فلمّا قارب انقضاء أجله، وأشرف على ما قدّمه إلى الله وإلينا من صالح عمله، لم يشغله ما به عن مطالعة أبوابنا الشريفة والتّذكار بولده، وتقاضي صدقاتنا العميمة بما كان ينتظره قمره المنير لفرقده، وورد من جهة ولده المقام الشريف، العالي، الولديّ، السلطانيّ، الملكيّ، الأفضليّ، الناصريّ،- أعزّ الله أنصاره- ما أزعج القلوب بمصابه في أبيه، وأجرى العيون على من لا نقع له على شبيه، فوجدنا من الحزن عليه ما أبكى كلّ سيف دما، وأنّ كل رمح يقرع سنّه ندما، وتأسّفنا على ملك كاد يكون من الملائك، وأخ كريم أو أعزّ من ذلك، وسلطان عظيم طالما ظهر شنب «١» بوارقه في ثغور الممالك، وقمنا من الحزن في مشاركة أهله بالمندوب، ثم قلنا: لكم في ولده العوض ولا ينكر لكم الصّبر يا آل أيّوب.

стр. 4777

فاقتضت مراسمنا المطاعة أن نرقّيه إلى مقامنا العالي، ونعقد له من ألوية الملك ما تهتزّ به أطراف العوالي، ونركبه من شعار السلطنة بما تتجمّل به مواكبه، وتمتدّ به عصائبه، وتميس من العجب وتمتدّ رقابها بالرّقبة السلطانية جنائبه، تنزيها لخواطركم الكريمة علينا عن قول ليت، وتنويها بقدر بيتكم الذي رفع لكم إسماعيل به قواعد البيت: لما نعلمه من المقام العالي الملكيّ الأفضليّ الناصريّ- أمتع الله ببقائه- من المناقب التي استحقّ بها أن يكون له عليكم الملك، والعزائم التي قلّد بها من الممالك ما تجول به الجياد وتجري به الفلك، مع ماله من الكرم الذي هو أوفى من العهاد بعهده، والفضل الذي اتّصل به ميراث الأفضليّة عن جدّه، والجود الذي جرى البحر معه فاحمرّت من الخجل صفحة خدّه، والوصف الذي لم يرض بالجوزاء واسطة لعقده، والعدل الذي أشبه فيه أباه فما ظلم، والعلم الذي ما خلا به بابه من طلب: إمّا لهدى وإمّا لكرم، ولم يخرج من كفالة والده إلّا إلى كفالتنا التي أظلّته بسحبها، وحلّت سماء مملكته بشهبها، وخاطبناه كما كنّا نخاطب والده- ﵀ بالمقام الشريف، وأجريناه في ألقابه مجرى الولد زيادة له في التشريف، وصرّفنا أمره في كل ما كان لملوك أهله فيه تصريف، وسنرشده إلى أوضح طريقة، ويقوم مقام أبيه أو ليس «الناصر» هو أبو الأفضل حقيقة، ورسمنا بطلبه إلى [ما] «١» بين أيدينا الشريفة لنجدّد له في نظرنا الشريف ما يتضاعف به سعوده، ويزداد صعوده، ويتماثل في هذا البيت الشاهنشاهيّ أبناؤه وآباؤه وجدوده: لتعمل معه صدقاتنا الشريفة ما هو به جدير، وترفعه إلى أعزّ مكان من صهوة المنبر والسّرير، وتكاثر به كلّ سلطان وما هو إلّا جحفل يسير، لتشيّد به أركان هذا البيت الكريم، وتحيا عظامه وهي في اللّحود عظم رميم، وتعرف الناس أن عنايتنا الشريفة بهم تزيد على ما عهدوه لجدّهم القديم من سميّنا الملك الناصر القديم، فخرجت المراسيم الشريفة، العالية، المولويّة، السلطانية، الملكية، الناصريّة: لا زالت الملوك تتقلّد مننها في أعناقها، ولا

стр. 4778

برحت الممالك من بعض مواهبها وإطلاقها، أن يقلّد هذا السلطان الملك الأفضل- أدام الله نصره- من المملكة الحموية وبلادها، وأمرائها وأجنادها، وعربها وتركمانها وأكرادها، وقضاياها وقضاتها، ورعاياها ورعاتها، وأهل حواضرها وبواديها، وعمرانها وبراريها، جميع ما كان والده- ﵀ يتقلّده، وبسيفه وقلمه يجريه ويجرّده: من كلّ قليل وكثير، وجليل وحقير، وفي كل مأمور به وأمير، يتصرّف في ذلك جميعه، ويقطع إقطاعاتها بمناشيره ويولّي وظائفها بتواقيعه، وينظر فيها وفي أهلها بما يعلم أنّ له ولهم فيه صلاحا، ويقيم من هيبة سلطانه ما يغنيه أن يعمل أسنّة ويجرّد صفاحا. وليحكم فيها وفيمن هو فيها بعدله، ويجمع قلوب أهلها على ولائه كما كانوا عليه لأبيه من قبله، وليكن هو وجنوده وعساكره أقرب في النّهوض إلى مصالح الإسلام من رجع نفسه، وأمضى في العزائم مما يشتبه بها «١» من سيفه وقبسه. وأما بقيّة ما يملى من الوصايا، أو يدلّ عليه من كرم السّجايا، فهو- بحمد الله تعالى- غريزة في طباعه، ممتزج به من زمان رضاعه؛ وإنما نذكّره ببعض ما به يتبرك، ونحضّه على اتّباع أبيه فإنها الغاية التي لا تدرك؛ والشرع الشريف أهمّ ما يشغل به جميع أوقاته، وتقوى الله فما ينتصر الملك إلا بتقاته، والفكرة في مصالح البلاد والرعايا فإنها مادّة نفقاته، واستكثار الجنود فإنهم حصنه المنيع في ملاقاته، ومبادرة كلّ مهم في أوّل ميقاته، وولايات الأعمال لا يعتمد فيها إلّا على ثقاته، وإقامة الحدود حتّى لا ينصت في تركها إلى رقي رقاته، ورعاية من له على سلفه خدمة سابقة، واستجلاب الأدعية الصالحة لنا وله فإنها للسهام مسابقة؛ وليمض في الأمور عزمه فإنه مذرّب «٢» ، ويبسط العدل والإحسان فإنه بهما إلينا يتقرّب، وليأخذ بقلوب الرعايا فإنها تتقلّب، وليكرم وفادة الوفود ليقف بهم- لنجاح

стр. 4779

مقاصدهم- على باب صحيح مجرّب، وليجتهد في الجهاد، ويتيقّظ والسّيف مكتحل الجفن بالرّقاد، ويهتمّ فإنّ الهمم العالية تقوّم بها عوالي الصّعاد، ويقوّم البريد فإنّ في تقويمه بقاء الملك وعمارة البلاد، وليقف عند مراسمنا الشريفة لتهديه إلى سبيل الرّشاد، ويحسن سلوكه ليطرب بذكره كلّ أحد ويترنّم كلّ حاد؛ وغير هذا من كلّ ما عهدنا والده- سقى الله عهده- له سالكا، ولأزمّة أموره الجميلة مالكا، مما لا يحتاج- مما نعرفه من سيرته المثلى- إلى شرحه، ولا يدلّ نهاره الساطع على صباحة صبحه، وليبشر بما جعل له من فضلنا العميم، ويتمسّك بوعدنا الشريف أن هذه المملكة له ولأبنائه وأبناء أبنائه ما وجد كفء من نسبهم الصميم؛ والله تعالى يمدّك- أيها الملك الأفضل- بأفضل مزيده، ويحفظ بك ما أبقاه لك أبوك «المؤيّد» من تأييده؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه، إن شاء الله تعالى «١» . الوجه الثالث (فيما يكتب في المستند عن السلطان في هذا العهد، وما يكتبه السلطان في بيت العلامة) والحكم في ذلك على ما مرّ في عهود أولياء العهد بالسلطنة: وهو أن يكتب في مستند العهد «حسب المرسوم الشريف» كما في غيره من الولايات، ويكتب السلطان في بيت العلامة اسمه من غير زيادة. قلت: ولا يكتب فيه شهادة على السلطان كما يكتب في عهود أولياء العهد بالسلطنة: لأن العهد بالسلطنة العظمى شبيه بالبيعة، والشهادة فيها مطلوبة للخروج من الخلاف، على ما تقدّم في موضعه، والعهد بولاية سلطنة بعض الأقاليم شبيه بالتقليد، والشهادة في التقاليد غير مطلوبة، وذلك أن السلطنة لا تنتهي إلى وليّ العهد إلا بعد موت العاهد، وربّما جحد بعض الناس العهد إليه؛ وولاية بعض البلدان إنما تكون والسلطان المولّي منتصب فلا يؤثّر الجحود فيها.

стр. 4780

الوجه الرابع (في قطع ورق هذا العهد وقلمه الذي يكتب به، وكيفيّة الكتابة، وصورة وضعها في الورق) أما قطع الورق فمقتضى عموم قول المقرّ الشهابي بن فضل الله في «التعريف» إن للعهود قطع البغداديّ الكامل أنه يكتب في قطع البغداديّ أيضا. قلت: والذي يقتضيه القياس أن تكون كتابته في الورق البغداديّ لمعنى السلطنة، ولكن في قطع دون القطع الكامل: لنقصان رتبة هذه السلطنة عن السلطنة العظمى؛ ألا ترى مكاتبة صاحب مملكة إيران كانت في زمن القان «أبي سعيد» تكتب في قطع البغداديّ الكامل كما ذكره في «التعريف» وغيره، ومكاتبة صاحب مملكة بيت بركة المعروفة بمملكة أزبك من مملكة توران تكتب له في قطع البغداديّ بنقص أربعة أصابع مطبوقة كما ذكره في «التثقيف» لا نحطاط رتبته عن رتبة القان أبي سعيد، على ما تقدّم ذكره في المكاتبات. وأما قلمه الذي يكتب به، فينبغي إن كتب في قطع البغداديّ الكامل أن يكون بمختصر قلم الطّومار كما في غيره من العهود التي تكتب في القطع الكامل. وإن كتب في دون الكامل، فينبغي أن يكون القلم دون ذلك بقليل. وأما صورة وضعه في الورق، فعلى ما مرّ في عهود أولياء العهد بالسلطنة من غير فرق: وهو أن يكتب في رأس الدرج بقلم دقيق الاسم الشريف، ثم يبتديء بكتابة الطرّة في عرض الورق من غيرهامش سطورا متلاصقة إلى آخر الطرّة، ثم يخلّي ستّة أوصال بياضا، ثم يكتب البسملة في أوّل الوصل الثامن بهامش قدر أربعة أصابع أو خمسة مطبوقة، ثم يكتب سطرا من أوّل العهد ملاصقا للبسملة، ثم يخلّي بيت العلامة قدر شبر على ما تقدّم، ويكتب السطر الثاني على سمت السطر الذي تحت البسملة، ثم يسترسل في كتابة بقية العهد إلى آخره، ويكون بين كلّ سطرين قدر ربع ذراع على قاعدة العهود. فإذا انتهى إلى آخر العهد كتب «إن شاء الله تعالى» ثم التاريخ، ثم المستند، ثم الحمد لله والصلاة على النبيّ ﷺ ، ثم

стр. 4781

الحسبلة. وتكون كتابته من غير نقط ولا شكل كسائر العهود. قلت: ولو وسّع ما بين سطوره ونقطت حروفه وشكلت: لما فيه من معنى التقاليد، لكان به أليق. وهذه صورة وضعه في الورق، ممثّلا لها بالطرّة التي أنشأتها في معنى ذلك، والعهد الذي أنشأه المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله للملك الأفضل «محمد» بن الملك المؤيد «عماد الدين إسماعيل» آخر ملوك بني أيّوب بها «١» ، وهي: هذا عهد شريف عذبت موارده، وحسنت بحسن النيّة فيه مقاصده، وعاد على البريّة باليمن عائده. من السلطان الأعظم ناصر الدنيا والدين الملك الناصر أبي الفتح محمد ابن السلطان الشهيد «قلاوون» - خلّد الله تعالى ملكه، وجعل الأرض بأسرها ملكه- للمقام الشريف العالي السلطانيّ، الملكيّ، الأفضليّ، محمد ابن المقام العالي المؤيّديّ إسماعيل أعزّ الله تعالى أنصاره، وأحمد آثاره، بالسلطنة الشريفة بحماة المحروسة وأعمالها، على أكمل العوائد وأتمّها، وأجمل القواعد وأعمّها، على ما شرح فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هامش الحمد لله الذي أقرّبنا الملك في أهلّة أهله، وتدارك مصاب ملك لولا ولده الأفضل لم يكن لهم شبيه في فضله، ووهب بنا بيت السلطنة من أبقى البقايا من يلحق به كلّ فرع بأصله، ويظهر به رونق السيف في نصله. إلى أن يأتي إلى قوله في آخره: والله تعالى يمدّك أيها الملك الأفضل بأفضل مزيده، ويحفظ بك ما أبقاه لك أبوك المؤيّد من تأييده؛ والاعتماد على الخط الشريف- أعلاه الله تعالى- أعلاه.

стр. 4782

إن شاء الله تعالى هامش كتب في سنة حسب المرسوم الشريف الحمد لله وحده، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلامه حسبنا الله ونعم الوكيل

стр. 4783

الباب الرابع من المقالة الخامسة (في الولايات الصادرة عن الخلفاء لأرباب المناصب من أصحاب السّيوف والأقلام، وفيه [ثلاثة «١» ] فصول) الفصل الأوّل (فيما كان يكتب من ذلك عن الخلفاء، وفيه خمسة أطراف) الطرف الأوّل (فيما كان يكتب عن الخلفاء الراشدين من الصحابة رضوان الله عليهم) وكان الرسم في ذلك أن يفتتح العهد بلفظ: «هذا ما عهد» أو «هذا عهد من فلان لفلان» ويؤتى على المقصد إلى آخره. ويقال فيه: «أمره بكذا وأمره بكذا» . والأصل في ذلك ما كتب به أبو بكر الصدّيق ﵁، لأمرائه الذين وجّههم لقتال أهل الرّدّة «٢» ، وعليه بنى من بعده. وهذه نسخته: هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله ﷺ ، لفلان حين بعثه [فيمن بعثه] «٣» لقتال من رجع عن الإسلام. عهد إليه أن يتّقي الله ما استطاع في أمره كلّه، سرّه وجهره. وأمره بالجدّ في أمر الله [تعالى] ، ومجاهدة من تولّى عنه ورجع عن الإسلام إلى أمانيّ الشيطان، بعد أن يعذر إليهم: فيدعوهم بدعاية الإسلام: فإن أجابوه أمسك عنهم، وإن لم يجيبوه شنّ غارته عليهم حتّى يقرّوا له؛ ثم ينبّئهم

стр. 4784

بالذي عليهم والذي لهم، فيأخذ ما عليهم ويعطيهم الذي لهم، لا ينظرهم ولا يردّ المسلمين عن قتال عدوّهم، فمن أجاب إلى أمر الله وأقرّ له، قبل ذلك منه وأعانه عليه بالمعروف، وإنما يقاتل من كفر بالله على الإقرار بما جاء من عند الله: فإذا أجاب الدّعوة لم يكن له عليه سبيل، وكان الله حسيبه بعد فيما استسرّ به. ومن لم يجب إلى داعية الله قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ مراغمه «١» ، لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلّا الإسلام، فمن أجابه وأقرّ به قبل منه وعلّمه؛ ومن أبى قاتله: فإن أظهره الله عليه، قتل فيهم كلّ قتلة بالسّلاح والنّيران، ثم قسم ما أفاء الله عليه إلّا الخمس فإنه مبلّغناه، وأن يمنع أصحابه العجلة والفساد، وأن لا يدخل فيهم حشوا حتّى يعرفهم ويعلم ما هم: لئلّا يكونوا عيونا، ولئلا يؤتى المسلمون من قبلهم؛ وأن يقصد بالمسلمين ويرفق بهم في السّير والمنزل، ويتفقّدهم ولا يعجل بعضهم عن بعض، ويستوصي بالمسلمين في حسن الصّحبة ولين القول. وهذه نسخة عهد كتب به أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ﵁، لأبي موسى الأشعريّ ﵁، حين ولّاه القضاء: «٢» أمّا بعد، فإنّ القضاء فريضة محكمة، وسنّة متّبعة؛ فافهم إذا أدلي إليك «٣» ، وانفذ إذا تبيّن لك: فإنه لا ينفع تكلّم بحقّ لا نفاذ له، آس «٤» بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك «٥» حتّى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عونك «٦» . والبيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصّلح جائز

стр. 4785

بين المسلمين إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا. لا يمنعنّك قضاء قضيته بالأمس «١» فراجعت فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحقّ «٢» : فإن الحقّ قديم «٣» ، ومراجعة الحق خير من التّمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنّة «٤» ؛ ثم اعرف الأشباه والأمثال، وقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله «٥» وأشبهها بالحقّ، واجعل لمن ادّعى حقّا غائبا أو بيّنة [أمدا] «٦» ينتهي إليه: فإن أحضر بينة، أخذت له بحقّه وإلا استحللت القضيّة عليه «٧» ؛ فإنّه أنفى للشّكّ، وأجلى للعمى «٨» . والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا» في ولاء أو نسب؛ فإن الله تولّى منكم السّرائر ودرأ بالبيّنات والأيمان. وإيّاك والقلق «١٠» والضّجر؛ والتّأذّي بالخصوم، والتنكّر عند الخصومات: فإنّ الحقّ في مواطن الحقّ يعظّم الله به الأجر، ويحسن عليه «١١» الذّخر والجزاء؛ فمن صحّت نيّته «١٢» وأقبل على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلّق للناس «١٣» بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله؛ فما

стр. 4786

ظنّك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام «١» . قلت: هذا ما ذكره ابن عبد ربّه في «العقد» . ويقع في بعض المصنّفات ابتداؤه: من عمر بن الخطاب إلى عبد الله بن قيس- سلام عليك أما بعد. ووقع في مسند البزّار «٢» أن أوّله: اعلم أنّ القضاء فريضة محكمة، مع تغيير بعض الألفاظ وتقديم بعض وتأخير بعض. الطرف الثاني (فيما كان يكتب عن خلفاء بني أميّة) كتب عبد الحميد بن يحيى الكاتب، عن مروان بن محمد لبعض من ولّاه «٣» . أما بعد، فإنّ أمير المؤمنين- عند ما اعتزم عليه من توجيهك إلى عدوّ الله الجلف الجافي الأعرابيّ، المتسكّع في حيرة الجهالة، وظلم الفتنة، ومهاوي الهلكة، ورعاعة الذين عاثوا في أرض الله فسادا، وانتهكوا حرمة الإسلام استخفافا، وبدّلوا نعمة الله كفرا، واستحلّوا [دماء أهل] «٤» سلمه جهلا- أحبّ أن يعهد إليك في لطائف أمورك، وعوامّ شؤونك، ودخائل أحوالك، ومصطرف «٥»

стр. 4787

تنقّلك عهدا يحمّلك فيه أدبه، ويشرع لك به عظته، وإن كنت بحمد الله من دين الله وخلافته بحيث اصطنعك الله لولاية العهد مختصّا لك بذلك دون لحمتك وبني أبيك. ولولا ما أمر الله تعالى به، دالّا عليه، وتقدّمت فيه الحكماء آمرين به: من تقديم العظة، والتّذكير لأهل المعرفة وإن كانوا أولي سابقة في الفضل وخصيّصاء «١» في العلم، لا عتمد أمير المؤمنين على اصطناع الله إيّاك، وتفضيله لك بما رآك أهله في محلّك من أمير المؤمنين، وسبقك إلى رغائب أخلاقه، وانتزاعك محمود شيمه، واستيلائك على مشابه تدبيره. ولو كان المؤدّبون أخذوا العلم من عند أنفسهم، أو لقّنوه إلهاما من تلقائهم ولم نصبهم تعلّموا «٢» شيئا من غيرهم، لنحلناهم «٣» علم الغيب، ووضعناهم بمنزلة قصّر بها عنهم خالقهم «٤» المستأثر بعلم الغيب عنهم بوحدانيّته في فردانيّته وسابق لا هوتيّته، احتجابا منه لتعقّب في حكمه، وتثبّت في سلطانه وتنفيذ إرادته، على سابق مشيئته، ولكنّ العالم الموفّق للخير، المخصوص بالفضل، المحبوّ بمزيّة العلم وصفوته، أدركه معانا عليه بلطف بحثه، وإذلال كنفه، وصحّة فهمه، وهجر سآمته. وقد تقدّم أمير المؤمنين إليك، آخذا بالحجّة عليك، مؤدّيا حقّ الله الواجب عليه في إرشادك وقضاء حقّك، وما ينظر به الوالد المعنيّ الشّفيق لولده. وأمير المؤمنين يرجو أن ينزّهك الله عن كل قبيح يهشّ له طمع، وأن يعصمك من كلّ مكروه حاق بأحد، وأن يحصّنك من كلّ آفة استولت على امريء في دين أو خلق، وأن يبلّغه فيك أحسن ما لم يزل يعوّده ويريه من آثار نعمة الله عليك، سامية بك

стр. 4788

إلى ذروة الشرف، متبحبحة بك بسطة الكرم «١» ، لائحة بك في أزهر معالي الأدب، مورثة لك أنفس ذخائر العز؛ والله يستخلف عليك أمير المؤمنين ويسأل حياطتك، وأن يعصمك من زيغ الهوى، ويحضرك داعي التوفيق، معانا على الإرشاد فيه، فإنه لا يعين على الخير ولا يوفّق له إلّا هو. اعلم أنّ للحكمة مسالك تفضي مضايق أوائلها بمن أمّها سالكا، وركب أخطارها «٢» قاصدا، إلى سعة عاقبتها، وأمن سرحها «٣» ، وشرف عزّها، وأنها لا تعار بسخف الخفّة، ولا تنشأ بتفريط الغفلة «٤» ، ولا يتعدّى فيها بامريء حدّه؛ وربما أظهرت بسطة الغيّ مستور العيب. وقد تلقّتك أخلاق الحكمة من كلّ جهة بفضلها، من غير تعب البحث في طلبها، ولا متطاول لمناولة ذروتها «٥» ؛ بل تأثّلت «٦» منها أكرم نبعاتها، واستخلصت [منها] «٧» أعتق «٨» جواهرها؛ ثم سموت إلى لباب مصاصها «٩» ، وأحرزت منفس ذخائرها، فاقتعد «١٠» ما أحرزت، ونافس فيما أصبت. واعلم أنّ احتواءك على ذلك وسبقك إليه بإخلاص تقوى الله في جميع

стр. 4789

أمورك مؤثرا لها، وإضمار «١» طاعته منطويا عليها، وإعظام ما أنعم الله به عليك شاكرا له، مرتبطا فيه للمزيد بحسن الحياطة له والذّبّ عنه من أن تدخلك منه سآمة ملال، أو غفلة ضياع، أو سنة تهاون، أو جهالة معرفة: فإنّ ذلك أحقّ ما بديء به ونظر فيه، معتمدا عليه بالقوّة والآلة والعدّة والانفراد به من الأصحاب والحامّة «٢» ، فتمسّك به لا جئا إليه، واعتمد عليه مؤثرا له، والتجيء إلى كنفه متحيّزا إليه «٣» : فإنه أبلغ ما طلب به رضا الله، وأنجحه مسألة، وأجزله ثوابا، وأعوده نفعا، وأعمّه صلاحا؛ أرشدك الله لحظّك، وفهّمك سداده، وأخذ بقلبك إلى محموده. ثم اجعل لله، في كل صباح ينعم عليك ببلوغه، ويظهر منك السلامة في إشراقه، [من نفسك] «٤» ، نصيبا تجعله له شكرا على إبلاغه إيّاك يومك ذلك بصحّة جوارح وعافية بدن، وسبوغ «٥» نعم، وظهور كرامة. وأن تقرأ فيه من كتاب الله- ﵎ جزءا تردّد رأيك في آيه «٦» ، وترتّل «٧» لفظك بقراءته، وتحضره عقلك ناظرا في محكمه، وتتفهّمه مفكّرا في متشابهه: فإنّ في القرآن شفاء الصّدور من أمراضها، وجلاء وساوس الشيطان وصعاصعه «٨» ، وضياء معالم النّور، تبيانا لكل شيء وهدّى ورحمة لقوم يؤمنون. ثم تعهّد نفسك بمجاهدة هواك: فإنّه مغلاق الحسنات، ومفتاح السّيّئات، وخصم العقل. واعلم أنّ كلّ أهوائك لك عدوّ يحاول هلكتك، ويعترض غفلتك: لأنّها

стр. 4790

خدع إبليس، وخواتل «١» مكره، ومصايد مكيدته، فاحذرها مجانبا لها، وتوقّها محترسا منها، واستعذ بالله من شرّها، وجاهدها إذا تناصرت عليك بعزم صادق لاونية «٢» فيه، وحزم نافذ لا مثنويّة «٣» لرأيك بعد إصداره، وصدق غالب لا مطمع في تكذيبه، ومضاءة صارمة لا أناة «٤» معها، ونيّة صحيحة لا خلجة شكّ فيها: فإنّ ذلك ظهريّ «٥» صدق لك على ردعها عنك، وقمعها دون ما تتطلّع إليه منك، فهي واقية لك سخطة ربك، داعية إليك رضا العامّة عنك، ساترة عليك عيب من دونك، فازدن بها متحلّيا، وأصب بأخلاقك مواضعها الحميدة منها، وتوقّ عليها الآفة التي تقتطعك عن بلوغها، وتقصّر بك دون شأوها: فإنّ المؤونة إنما اشتدّت مستصعبة، وفدحت باهظة أهل الطّلب لأخلاق أهل الكرم المنتحلين سموّ القدر، بجهالة مواضع ذميم الأخلاق ومحمودها، حتّى فرّط أهل التقصير في بعض أمورهم فدخلت عليهم الآفات من جهات أمنوها، فنسبوا إلى التفريط، ورضوا بذلّ المنزل، فأقاموا به جاهلين بموضع الفضل، عمهين «٦» عن درج الشّرف، ساقطين دون منزلة أهل الحجا، فحاول بلوغ غاياتها محرزا لها بسبق الطلب إلى إصابة الموضع، محصّنا أعمالك من العجب: فإنه رأس الهوى، وأوّل الغواية، ومقاد الهلكة؛ حارسا أخلاقك من الآفات المتّصلة بمساوي الألقاب وذميم تنابزها «٧» ، من حيث أتت الغفلة، وانتشر الضّياع، ودخل الوهن. فتوقّ

стр. 4791

غلوب «١» الآفات على عقلك، فإنّ شواهد الحق ستظهر بأماراتها تصديق آرائك عند ذوي الحجا، وحال الرأي وفحص النظر، فاجتلب لنفسك محمود الذّكر وباقي لسان الصّدق بالحذر لما تقدّم إليك فيه أمير المؤمنين، متحرّزا من دخول الآفات عليك من حيث أمنك وقلّة ثقتك بمحكمها: من ذلك أن تملك أمورك بالقصد، وتداري جندك بالإحسان، وتصون سرّك بالكتمان، وتداوي حقدك بالإنصاف، وتذلّل نفسك بالعدل، وتحصّن عيوبك بتقويم أودك «٢» ، وتمنع عقلك من دخول الآفات عليه بالعجب المردي. وأناتك فوقّها الملال وفوت العمل، ومضاءتك فدرّعها رويّة النظر واكنفها بأناة الحلم، وخلوتك فاحرسها من الغفلة واعتماد الراحة، وصمتك فانف عنه عيّ اللّفظ، وخف سوء القالة «٣» ؛ واستماعك فأرعه حسن التفهّم، وقوّه بإشهاد الفكر، وعطاءك فامهد «٤» له بيوتات الشّرف وذوي الحسب، وتحرّز فيه من السّرف واستطالة البذخ وامتنان الصّنيعة، وحياءك فامنعه من الخجل، وبلادة الحصر «٥» ، وحلمك فزعه «٦» عن التّهاون وأحضره قوّة الشّكيمة، وعقوبتك فقصّر بها عن الإفراط، وتعمّد بها أهل الاستحقاق، وعفوك فلا تدخله تعطيل الحقوق، وخذ به واجب المفترض، وأقم به أود الدّين، واستئناسك فامنع منه البذاء وسوء المناقثة «٧» ، وتعهّدك أمورك فحدّه أوقاتا، وقدّره ساعات، لا تستفرغ قوّتك، ولا تستدعي سآمتك، وعزماتك فانف عنها عجلة الرأي، ولجاجة الإقدام؛ وفرحاتك فاشكمها «٨» عن البطر،

стр. 4792

وقيّدها عن الزّهوّ، وروعاتك فحطها من دهش الرأي، واستسلام الخضوع، وحذراتك فامنعها من الجبن، واعمد بها الحزم، ورجاءك فقيّده بخوف الفائت، وامنعه من أمن الطّلب. هذه جوامع خلال، دخّال النقص منها واصل إلى العقل بلطائف أبنه وتصاريف حويله «١» ، فأحكمها عارفا بها، وتقدّم في الحفظ لها، معتزما على الأخذ بمراشدها والانتهاء منها إلى حيث بلغت بك عظة أمير المؤمنين وأدبه إن شاء الله. ثم لتكن بطانتك وجلساؤك في خلواتك، ودخلاؤك في سرّك، أهل الفقه والورع من خاصّة أهل بيتك، وعامّة قوّادك ممن قد حنّكته السّنّ بتصاريف الأمور، وخبطته فصالها بين فراسن «٢» البزّل منها، وقلّبته الأمور في فنونها؛ وركب أطوارها: عارفا بمحاسن الأمور ومواضع الرّأي وعين المشورة؛ مأمون النصيحة، منطوي «٣» الضمير على الطاعة. ثم أحضرهم من نفسك وقارا يستدعي لك منهم الهيبة، واستئناسا يعطف إليك منهم المودّة، وإنصاتا «٤» يفلّ إفاضتهم له عندك بما تكره أن ينشر عنك من سخافة الرأي وضياع الحزم، ولا يغلبنّ عليك هواك فيصرفك عن الرأي، ويقتطعك دون الفكر. وتعلّم أنك- وإن خلوت بسرّ فالقيت دونه ستورك، وأغلقت عليه أبوابك- فذلك لا محالة مكشوف للعامّة، ظاهر عنك وإن استتر [ت] «٥» بربّما ولعلّ وما أرى إذاعة ذلك وأعلم «٦» ، بما يرون

стр. 4793

من حالات من ينقطع به في تلك المواطن. فتقدّم في إحكام ذلك من نفسك، واسدد خلله عنك: فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ولغط العامّة بخير أو شرّ ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين الله والأمل المرجوّ المنتظر فيك. وإيّاك أن يغمز «١» فيك أحد من حامّتك «٢» وبطانة خدمتك بضعفة يجد بها مساغا إلى النّطق عندك بما لا يعتزلك عيبه، ولا تخلو من لائمته، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا أو علن «٣» باديا، ولن يجترئوا على تلك عندك إلّا أن يروا منك إصغاء إليها، وقبولا لها، وترخيصا لهم في الإفاضة بها. ثمّ إيّاك وأن يفاض عندك بشيء من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يستخفّ بها أهل البطالة، ويتسرع نحوها ذو والجهالة، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه «٤» وطعنا في حقّ يجحدونه؛ مع ما في ذلك من نقص الرأي، ودرن العرض، وهدم الشرف، وتأثيل «٥» الغفلة، وقوّة طباع السّوء الكامنة في بني آدم ككمون النار في الحجر الصّلد، فإذا قدح لاح شرره، وتلهّب وميضه، ووقد تضرّمه؛ وليست في أحد أقوى سطوة، وأظهر توقّدا، وأعلى كمونا، وأسرع إليه بالعيب وتطرّق الشّين منها لمن كان في مثل سنّك: من أغفال «٦» الرجال وذوي العنفوان في الحداثة، الذين لم تقع عليهم سمات الأمور، ناطقا عليهم لائحها، ظاهرا فيهم وسمها، ولم تمحضهم «٧» شهامتها، مظهرة للعامّة فضلهم، مذيعة حسن الذكر عنهم، ولم يبلغ بهم الصّيت في الحنكة مستمعا يدفعون به عن أنفسهم نواطق السن أهل البغي، وموادّ أبصار أهل الحسد.

стр. 4794

ثم تعهّد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة: من أبطال الذرع «١» ونخوة الشّرف والتّيه وعيب الصّلف، فإنها تسرع بهم إلى فساد وتهجين «٢» عقولهم في مواطن جمّة، وأنحاء مصطرفة، منها قلّة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامّة: فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن يمينه وشماله، تزدهيه الخفّة، ويبطره إجلاب «٣» الرجال حوله، ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمفاكهة له والتّضاحك إليه، والإيجاف «٤» في السّير مرحا، وتحريك الجوارح متسرّعا، يخال أنّ ذلك أسرع له وأحثّ لمطيّته، فلتحسّن في ذلك هيأتك، ولتجمّل فيه دعتك؛ وليقلّ على مسايرك إقبالك إلا وأنت مطرق النظر، غير ملتفت إلى محدّث، ولا مقبل عليه بوجهك في موكبك لمحادثته، ولا موجف في السير مقلقل لجوارحك بالتحريك والاستنهاض؛ فإنّ حسن مسايرة الوالي واتّداعه «٥» في تلك الحالة دليل على كثير من عيوب أمره ومستتر أحواله. واعلم أنّ أقواما يتسرّعون «٦» إليك بالسّعاية، ويأتونك على وجه النّصيحة «٧» . ويستميلونك بإظهار الشّفقة، ويستدعونك بالإغراء والشّبهة، ويوطئونك عشوة «٨» الحيرة: ليجعلوك لهم ذريعة إلى استئكال «٩» العامّة بموضعهم

стр. 4795

منك في القبول [منهم «١» ] والتصديق لهم على من قرفوه بتهمة، أو أسرعوا بك في أمره إلى الظّنّة، فلا يصلنّ إلى مشافهتك ساع بشبهة، ولا معروف بتهمة، ولا منسوب إلى بدعة [فيعرّضك «٢» ] لإيتاغ «٣» دينك، ويحملك على رعيّتك بما لا حقيقة له عندك، ويلحمك أعراض قوم لا علم لك بدخلهم «٤» ، إلا بما أقدم [به] «٥» عليهم ساعيا وأظهر لك منهم منتصحا. وليكن صاحب شرطتك المتولّي لإنهاء ذلك هو «٦» المنصوب لأولئك، والمستمع لأقاويلهم، والفاحص عن نصائحهم؛ ثمّ لينه ذلك إليك على ما يرفع إليه منه لتأمره بأمرك فيه، وتقفه على رأيك من غير أن يظهر ذلك للعامّة: فإن كان صوابا نالتك خيرته «٧» ، وإن كان خطأ أقدم به عليك جاهل أو فرطة سعى بها كاذب فنالت الساعي «٨» منهما أو المظلوم عقوبة، أو بدر من واليك إليه عقوبة «٩» ونكال، لم يعصب ذلك الخطأ بك ولم تنسب إلى تفريط، وخلوت من موضع الذّمّ فيه «١٠» : محضرا إليه ذهنك وصواب رأيك، وتقدّم إلى من تولّي ذلك الأمر وتعتمد عليه فيه أن لا يقدم على شيء ناظرا فيه، ولا يحاول أخذ أحد طارقا له، ولا يعاقب أحدا منكّلا به، ولا يخلّي سبيل أحد صافحا عنه: لإصحار «١١» براءته، وصحّة طريقته، حتّى يرفع إليك أمره، وينهي إليك قضيّته على جهة الصّدق، ومنحى الحق، ويقين الخبر، فإن رأيت

стр. 4796

عليه سبيلا لمحبس أو مجازا لعقوبة، أمرته بتولّي ذلك من غير أدخاله عليك، ولا مشافهة لك منه، فكان المتولّي لذلك ولم يجر على يديك مكروه رأي ولا غلظة عقوبة، وإن وجدت إلى العفو [عنه] «١» سبيلا، أو كان مما قرف به خليّا كنت أنت المتولّي للإنعام عليه بتخلية سبيله، والصفح عنه بإطلاق أسره، فتولّيت أجر ذلك واستحققت ذخره، وأنطقت لسانه بشكرك، وطوّقت قومه حمدك، وأوجبت عليهم حقّك، فقرنت بين خصلتين، وأحرزت حظوتين: ثواب الله في الآخرة، ومحمود الذّكر في الدّنيا «٢» . ثم وإيّاك «٣» أن يصل إليك أحد من جندك وجلسائك وخاصّتك وبطانتك بمسألة يكشفها لك، أو حاجة يبدهك بطلبها، حتّى يرفعها قبل ذلك إلى كاتبك الذي أهدفته «٤» لذلك ونصبته له، فيعرضها عليك منهيا لها على جهة الصّدق عنها، وتكون على معرفة من قدرها: فإن أردت إسعافه بها ونجاح ما سأل منها، أذنت له في طلبها، باسطا له كنفك، مقبلا عليه بوجهك، مع ظهور سرورك بما سألك، وفسحة رأي وبسطة ذرع، وطيب نفس، وإن كرهت قضاء حاجته، وأحببت ردّه عن طلبته، وثقل عليك إجابته إليها، وإسعافه بها، أمرت كاتبك فصفحه «٥» عنها، ومنعه من مواجهتك بها، فخفّت عليك في ذلك المؤونة، وحسن لك الذّكر، ولم ينشر عنك تجهّم الردّ «٦» ، وينلك سوء القالة في المنع، وحمل على كاتبك في ذلك لائمة أنت منها بريء الساحة. وكذلك فليكن رأيك وأمرك فيمن طرأ عليك من الوفود وأتاك من الرّسل، فلا يصلنّ إليك أحد منهم إلّا بعد وصول علمه إليك، وعلم ما قدم له عليك، وجهة

стр. 4797

ما هو مكلّمك به، وقدر ما هو سائلك إيّاه إذا هو وصل إليك، فأصدرت رأيك في حوائجه «١» ، وأجلت فكرك في أمره، واخترت معتزما على إرادتك في جوابه «٢» ، وأنفذت مصدور رويّتك في مرجوع مسألته قبل دخوله عليك، وعلمه بوصول حاله إليك، فرفعت عنك مؤونة البديهة، وأرخيت عن نفسك خناق الرّويّة، وأقدمت على ردّ جوابه بعد النّظر وإجالة الفكر فيه؛ فإن دخل إليك أحد منهم فكلمك بخلاف ما أنهى إلى كاتبك وطوى عنه حاجته قبلك، دفعته عنك دفعا جميلا، ومنعته جوابك منعا وديعا «٣» ، ثم أمرت حاجبك بإظهار الجفوة له، والغلظة عليه، ومنعه من الوصول إليك، فإنّ ضبطك لذلك مما يحكم لك تلك الأسباب، صارفا عنك مؤونتها، ومسهلا عليك مستصعبها «٤» . احذر تضييع رأيك وإهمالك أدبك في مسالك الرضا والغضب واعتوارهما «٥» إيّاك، فلا يزدهينّك إفراط عجب تستخفّك روائعه، ويستهويك منظره، ولا يبدرنّ منك ذلك خطأ ونزق خفّة لمكروه إن حلّ بك، أو حادث إن طرأ عليك، وليكن لك من نفسك ظهريّ ملجأ تتحرّز به من آفات الرّدى، وتستعضده «٦» في موهم النازل، وتتعقّب به أمورك في التدبير، فإن احتجت إلى مادّة من عقلك، ورويّة من فكرك، أو انبساط من منطقك، كان انحيازك إلى ظهريّك مزدادا مما أحببت الامتياح منه والامتيار «٧» ؛ وإن استدبرت «٨» من أمورك بوادر جهل أو مضى زلل أو معاندة حقّ أو خطل تدبير، كان ما احتجنت «٩» إليه من

стр. 4798

رأيك عذرا لك عند نفسك، وظهريّا قويّا على ردّ ما كرهت، وتخفيفا لمؤونة الباغين عليك في القالة وانتشار الذكر، وحصنا من غلوب الآفات عليك، واستعلائها على أخلاقك. وامنع أهل بطانتك وخاصّة خدمك «١» من استلحام أعراض الناس عندك بالغيبة، والتقرّب إليك بالسّعاية، والإغراء من بعض ببعض، أو النّميمة إليك بشيء من أحوالهم المستترة عنك، أو التحميل لك على أحد منهم بوجه النّصيحة ومذهب الشّفقة: فإنّ ذلك أبلغ بك سموّا إلى منالة الشرف، وأعون لك على محمود الذكر، وأطلق لعنان الفضل في جزالة الرأي وشرف الهمّة وقوّة التدبير. واملك نفسك عن الانبساط في الضحك والانفهاق «٢» ، وعن القطوب بإظهار الغضب وتنحّله: فإنّ ذلك ضعف عن ملك سورة الجهل «٣» ، وخروج من انتحال اسم الفضل، وليكن ضحكك تبسّما أو كشرا في أحايين ذلك وأوقاته، وعند كلّ رائع مستخفّ مطرب، وقطوبك إطراقا في مواضع ذلك وأحواله، بلا عجلة إلى السّطوة، ولا إسراع إلى الطّيرة، دون أن يكنفها رويّة الحلم، وتملك عليها بادرة الجهل. إذا كنت في مجلس ملئك، وحيث حضور العامّة مجلسك، فإيّاك والرمي بنظرك إلى خاصّ من قوّادك، أو ذي أثرة عندك من حشمك، وليكن نظرك مقسوما في الجميع، وإراعتك «٤» سمعك ذا الحديث بدعة هادئة، ووقار حسن، وحضور فهم مجتمع، وقلّة تضجّر بالمحدّث، ثم لا يبرح وجهك إلى بعض حرسك وقوّادك متوجّها بنظر ركين، وتفقّد محض، فإن وجّه إليك أحد منهم نظره محدّقا، أو رماك ببصره ملحّا، فاخفض عنه إطراقا جميلا باتّداع وسكون،

стр. 4799

وإيّاك والتسّرع في الإطراق، والخفّة في تصريف النظر، والإلحاح على من قصد إليك في مخاطبته إيّاك رامقا بنظره. واعلم أنّ تصفّحك وجوه جلسائك وتفقّدك مجالس قوّادك، من قوّة التدبير، وشهامة القلب، وذكاء الفطنة، وانتباه السّنة، فتفقّد ذلك عارفا بمن حضرك وغاب عنك، عالما بمواضعهم من مجلسك، ثم اعدبهم عن ذلك سائلا لهم عن أشغالهم التي منعتهم من حضور مجلسك، وعاقتهم بالتخلّف عنك «١» . إن كان أحد من حشمك وأعوانك تثق منه بغيب ضمير، وتعرف منه لين طاعة، وتشرف منه على صحة رأي، وتأمنه على مشورتك، فإيّاك والإقبال عليه في كلّ حادث يرد عليك، والتوجّه نحوه بنظرك عند طوارق ذلك، وأن تريه أو أحدا من أهل مجلسك أنّ بك حاجة إليه موحشة، أو أن ليس بك عنه غنّى في التدبير، أو أنّك لا تقضي دونه رأيا، إشراكا منك له في رويّتك، وإدخالا منك له في مشورتك، واضطرارا منك إلى رأيه في الأمر يعروك: فإنّ ذلك من دخائل العيوب التي ينتشر بها سوء القالة عن نظرائك فانفها عن نفسك خائفا لاعتلاقها ذكرك، واحجبها عن رويّتك قاطعا لأطماع أوليائك عن مثلها عندك، أو غلوبهم عليها منك. واعلم أنّ للمشورة موضع الخلوة وانفراد النظر، ولكلّ «٢» أمر غاية تحيط بحدوده، وتجمع معالمه، فابغها محرزا لها، ورمها طالبا لنيلها، وإيّاك والقصور عن غايتها أو العجز عن دركها، أو التفريط في طلبها. إن شاء الله تعالى. إيّاك والإغرام عن حديث ما أعجبك، أو أمر ما ازدهاك بكثرة السؤال، أو

стр. 4800

القطع لحديث من أرادك بحديثه حتّى تنقضه عليه بالخوض في غيره أو المسألة عمّا ليس منه: فإن ذلك عند العامّة منسوب إلى سوء الفهم وقصر الأدب عن تناول محاسن الأمور والمعرفة بمساويها، ولكن أنصت لمحدّثك وأرعه سمعك حتّى يعلم أن قد فهمت حديثه، وأحطت معرفة بقوله: فإن أردت إجابته فعن معرفة بحاجته وبعد علم بطلبته، وإلا كنت عند انقضاء كلامه كالمتعجّب «١» من حديثه بالتبسّم والإغضاء، فأجزى عنك الجواب، وقطع عنك ألسن العتب. إيّاك وأن يظهر منك تبرّم بطول مجلسك، أو تضجّر ممن حضرك؛ وعليك بالتثبّت عند سورة الغضب، وحميّة الأنف، وملال الصبر في الأمر تستعجل به والعمل تأمر بإنفاذه، فإنّ ذلك سخف شائن، وخفّة مردية، وجهالة بادية؛ وعليك بثبوت المنطق، ووقار المجلس، وسكون الريح، والرّفض لحشو الكلام، والتّرك لفضوله، والإغرام «٢» بالزّيادات في منطقك والترديد للفظك: من نحو اسمع، وافهم عنّي، ويا هناه «٣» ، وأ لا ترى، أو ما يلهج به من هذه الفضول المقصّرة بأهل العقل، الشائنة لذوي الحجا في المنطق «٤» ، المنسوبة إليهم بالعيّ، المردية لهم بالذّكر. وخصال من معايب الملوك والسّوقة عنها غبيّة النظر إلا من عرفها من أهل الأدب، وقلّما حامل لها، مضطلع بها، صابر على ثقلها، آخذ لنفسه بجوامعها، فانفها عن نفسك بالتحفّظ منها، واملك عليها اعتيادك إيّاها معتنيا بها: منها كثرة
следующие страницы →