← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 4866–4905 · переход к 4871.

стр. 4866

فقد من هذين الوجهين، فليرجع إلى ما اختاره السّلف المهتدون، وأجمع عليه الفقهاء المجتهدون؛ فإن لم يلف فيه قولا ولا إجماعا، ولا وجد إليه طريقا مستطاعا، أعمل رأيه واجتهاده، وامتطى ركاب وسعه وجياده، مستظهرا بمشورة الفقهاء في هذه الحال، ومستخلصا من آرائهم ما يقع عليه الاتّفاق الآمن الاعتلال: وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «١» . وأمره باستعمال الأناة عند الحكومات، واستماع الدّعاوى والبيّنات، من غير سرعة تحدث خطلا، ولا إفراط في التأنّي يورث مللا، فإنّ الحقّ بين ذينك على شفا خطر، وظهر غرر «٢» ، ولا سيّما إذا كان أحد الخصمين منطيقا، ينمّق كلامه تنميقا، فإنه يخلب ببلاغة نطقه مستمعه، ويغطّي وجه الباطل بألفاظه الموشّعة «٣» ، فإذا اتّفق لديه ما هذا سبيله، شحذ له غرب فطنته، وأرهف غرار فكره وبصيرته، ومنح كلّا من الإنصات ما يجتلي وجه النّصف منيرا، ويغدو لأشياع الجور مبيرا. وإن ذو اللّسن روّعه، وأو همه أنّ الحقّ معه، بما يلفّقه من كلام يقصر خصمه عن جوابه، ويحصر «٤» عن جداله واستيفاء خطابه، مع عدم البينة المشهودة، وتعذّر الحجة الموجودة، استعاد كلامه واستنطقه، واستوضح مغزاه وتحقّقه، من غير إظهار إعجاب بما يذكره، ولا اغترار بما يطويه وينشره، ولا إصغاء يبدو أثر الرّغائب من فحواه، ولا اختصاص له بما يمنع صاحبه شرواه «٥» : لئلا يولّد ذلك له اشتطاطا، ويحدث له انطلاقا في الخصومة وانبساطا؛ حتّى إذا ابتسم الحقّ، وانتصر الصّدق، وفلج أحدهما بحجّته، ولحن ببيّنته، أقرّ الواجب في نصابه، وأداله من جنود الظّلم وأحزابه، وأمضى الحكم فيه باعتزام صادق، ورأي محصد الوثائق، غير ملتفت إلى مراجعة الخصوم وتشاجرهم، وشكواهم

стр. 4867

وتنافرهم، اعتمادا للواجب، وانتهاجا لجدد العدل اللاحب «١» . قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ «٢» . وأمره إذا انتدب للقضاء أن يفرّغ باله، ويقضي أمامه أو طاره وأشغاله، ويخلّي من أحوال الدنيا سرّه، ويشرح لما هو بصدده صدره؛ فلا تنزع نفسه إلى تحصيل مأرب، ولا تتطلّع إلى درك مطلب؛ فإن القلب إذا اكتنفته شجونه، وأحاطت به شؤونه، كان عرضة لتشعّب أفكاره، وحمله على مركب اضطراره الجاري بضدّ إيثاره واختياره، حريّا بالتقصير عن الفهم والإفهام، والضّجر عند مشتجر الخصام. وأمره بالتثبّت في الحدود، والاستظهار عند إقامتها بمن يسكن إلى قوله من الشّهود، والاحتياط من عجل يحيل الحكم عن بيانه، أو ريث يرجيه عند وضوحه وتبيانه، وأن يتجافى عمّا لم يصرّح له بذكره وشرحه، ولا يسرع إلى تصديق ساع وإن تشبّه بالناصحين في نصحه، حتّى يستبين له الحقّ فيمضيه، عاملا بما يوجبه حكم الله فيه، وأن يدرأ من الحدود ما اعترضت الشّبهة دليله «٣» ، وكانت شواهده مدخولة، ويقيم منها ما قامت شهوده، ولم يمكن إنكاره وجحوده؛ قال الله تعالى مكبرا لتجافيها، ومعظّما للتجوّز فيها: وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «٤» . وأمره بتصفّح أحوال الشّهود المعدّلين، المسموعة أقوالهم في أمور المسلمين وأحوال الدّين، ومواصلة البحث عن طرائقهم، واستشفاف خلائقهم،

стр. 4868

مستخدما في ذلك سرّه وجهره، وواصلا بعوان دأبه فيه بكره؛ فمن علمه سليما في فعله، غير ظنين في أصله، متحرّيا في كسبه، مرضيّا في مذهبه، حافظا لكتاب الله سبحانه، متمسّكا من علم الشريعة بما يلوي عن مهاوي الخطإ عنانه، حاليا بالدّيانة المنيرة المطالع، حاميا نفسه عن الإسفاف إلى دنايا المطامع، حاويا من الظّلف والأمانة، والقدر والصيانة، والاحتراس والتحفّظ، والتحرّز والتيقّظ، ما تميّز به على أشكاله وأترابه، وطال مناكب أمثاله وأضرابه، فقد كملت صفاته، واقتضت تقديمه أدواته، ووجب أن يمضي كونه عدلا، ويجعله لقبول الشهادة أهلا؛ ومن رآه عن هذه الخلال مقصّرا، وببعضها مستظهرا، وكان موسوما بديانة مشكورة، ونزاهة مأثورة، رضي بذلك منه قانعا، وحكم بقوله سامعا. ومن كان عن هذين الفريقين نائيا، ولأحوالهم المبيّن ذكرها نافيا، ألغى قوله مطّرحا، وردّ شهادته مصرّحا؛ فإنّ هؤلاء الشهود أعوان الحق على انتصاره، وحرب الباطل على تتبيره وبواره، ومحجّة الحاكم إلى قضائه، ووزره «١» الذي يستند إليه في سائر أنحائه؛ فإذا أعذر في ارتيادهم، واستفرغ وسعه في انتقادهم، فقد خرج من عهدة الاجتهاد، واستحقّ من الله جزاء المجتهد يوم التّناد، ومتى غرّر في ذلك توجّهت اللائمة عليه، وكان قمنا «٢» بنسبة التقصير في الاحتياط إليه؛ والله يتولّى السرائر، ويبلو خفيّات الضمائر، قال سبحانه: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ «٣» . وقال اجل ذكره: سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ «٤» . وأمره أن يكل أمور اليتامى في أملاكهم وأموالهم، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم، إلى الثّقات الأعفّاء، والكفاة الأتقياء، الذين لا تستهويهم دواعي

стр. 4869

الطّمع، ولا يوردهم الإسفاف موارد الطّبع «١» ، وأن يتتبّع أمورهم ويتصفّحها، ويشارفها بنفسه ويستوضحها، عالما أنه عمّا في أيديهم مسؤول، فإنّ عذره في إهمال يتخلّله غير مقبول؛ وهو سبحانه يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «٢» . وأن يوعز إليهم بالإنفاق على أربابها بالمعروف: لينتهجوا فيها جدد القصد المألوف؛ حتّى إذا بلغوا الحلم، وأونس منهم الرّشد وعلم، وساغ لهم التصرّف في نفوسهم، ووثق منهم باستدرار معايشهم، دفع إليهم أموالهم محروسة، ووفّاهم إيّاها كاملة غير منقوصة، مستظهرا بالشّهادة عليهم، والبراءة منها بتسليمها إليهم، اتّباعا لقوله تعالى: وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً «٣» . وأمره بتزويج الأيامى اللّواتي فقدن الأولياء، واعتدى عليهنّ صرف الدّهر وأساء، وأضرّ بهنّ طول الإرمال، وبدت عليهنّ آثار الخلّة «٤» في الحال، فينكحهنّ أكفاءهنّ من الرجال، ويتمّ عقد نكاحهنّ على مهور الأمثال. وأمره بتفويض أمر الوقوف الجارية في نظره إلى من يأمنه ويختاره، وتقرن بإعلانه في ارتضائه أسراره: من أهل التّجربة والحياء، ذوي الاضطلاع والغناء؛ فإنهم أقلّ إلى المطامع تشوّفا، وأبعد في عواقب الأمور نظرا وتلطّفا؛ وأن يوسّع عليهم في الأرزاق، فيوصّلها إليهم مهنّأة عند الوجوب والاستحقاق، فبذلك يملك المرء نفسه ويستصلحها، ويتجنّب مواقف التّهم ويطرحها، وتجب عليه الحجّة إن

стр. 4870

ثلم أمانة، أو قارف خيانة، مستظهرا بترتيب المشرفين الذين خبر أحوالهم، وسبر أفعالهم. وأن يتقدّم إلى المستنابين قبله بالإنفاق عليها حسب الحاجة من محصولها، حافظا بما تعمّده من ذلك لأصولها، وجباية ارتفاعها من مظانّها، والتماس حقوقها في أوانها، وصرفها في وجوهها التي شرطها واقفوها، وعيّن عليها أربابها وأهلوها، غير مخلّ مع ذلك بالإشراف والتطلّع، ولا مهمل للفحص والتبلّغ؛ فمن ألفاه حميد الأثر، ورضيّ العيان والخبر، عوّل عليه، وفوّض مستنيما إليه، ومن وجده قد مدّ إلى خيانة يده استبدل به وعزله، جزاء بما فعله: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً «١» . وأمره أن يستخلف على مانأى عنه من البلاد من جمع [إلى الوقار] «٢» الحلم، وإلى الدّراية الفهم، وإلى التيقّظ الاستبصار، وإلى الورع الاستظهار: ممن لا يضيق بالأمور ذرعا، ولا تحدث له مراجعة الخصوم ضجرا ولا تبرّما، ولا يتمادى في أسباب الزّلّة، ولا يقصّر عن الرجوع إلى الحقّ إذا اتّضح له، ولا يكتفي بأدنى معدلة عن بلوغ أقصاها، ولا تتهافت نفسه على طاعة هواها، ولا يرجيء الأخذ بالحجة عند انكشافها، ولا يعجّل بحكم مع اعتراض الشّبهة واكتنافها، ولا يستميله إغراء، ولا يزدهيه مدح وإطراء، وأن يعهد بمثل ما عهد أمير المؤمنين إليه، ويعذر في الإجهاد بإيجاب الحجة عليه: ليبرأ من تبعة بادرة عساه يأتيها، أو مزلقة تناديه فيهبّ ملبّيا لداعيها؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٣» . وأمره أن يمضي ما أمضاه الحكّام قبله ولا يتعقّب أحكامهم بتأويل، مجتنبا

стр. 4871

تتبّع عثراتهم، والبحث عن هفواتهم؛ ومهما رفع إليه من ذلك مما الإجماع عليه موافق، ولسان الكتاب والسّنّة به ناطق، أمضاه وحكم به، وإن كان مباينا لمذهبه: فإنّ الحكومات كلّها ماضية على اختلاف جهاتها، مستمرّة على تنافي صفاتها، محميّة عن التأويل والتعليل، محروسة من التغيير والتبديل، ما كان لها مخرج في بعض الأقوال، أو وجد لها عند الفقهاء احتمال، إلّا أن يكون الإجماع منعقدا على ضدّها، آخذا بإلغائها وردّها، فيستفرغ في إيضاحها جهده، وينفق في تلافيها من الاستطاعة وجده «١» ، حتّى يعيدها إلى مقرّها من الواجب، ويمضيها على الحقّ اللّازب «٢» ، قال الله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «٣» . وأمره أن يتّخذ كاتبا بالظّلف موسوما، وبأدقّ ما يناط به قؤوما، خبيرا بما يسطره، عالما بما يذكره، عارفا بالشّروط والسّجلّات، وما يتوجّه نحوها من التأويلات، ويتداخلها من الشّبه والتلبيسات، مطّلعا على أسرارها وعللها، وتصاريف حيلها، متحرّزا في كل حال، متنزّها عن مذموم الفعال، متّخذا خشية الله شعارا، مسبلا دون عصيانه من التّقى أستارا: فإنها نظاماته التي يرجع إليها، ويده التي يبطش بها ويعوّل عليها؛ ومتى لم يكن له من نفسه وازع، ولا من عقله ودينه رادع، لم يؤمن أن تدبّ عقاربه ليلا، ويسحب على الغوائل والموبقات ذيلا، فيعمّ الضرر بمكانه، ويشرع أذاه إلى المسلمين حدّ سنانه. وأن يتخيّر حاجبا طاويا كشحه دون الأشرار، جامعا لأدب الأخيار، مدّرعا جلباب الحياء، طلق الوجه عند اللّقاء، سهل الجانب ليّنه، مستشعر الخير متيقّنه، غير متجهّم للناس، ولا معاملهم بغير البشاشة والإيناس، فإنه الباب إليه، والمعتمد في لقائه عليه؛ فلينتخبه انتخاب من علم أنّ حسن الثناء خير زاد، وأنفس ذخر وعتاد، ورأى طيّب

стр. 4872

المحمدة أجمل كسب مراد، وحظّ مجسّد مستفاد. ومتى كان عن هذه الخلال متخلّيا، وبخلافها متحلّيا، اعتاض عنه بمن هو أسلم غيبا، وآمن ريبا، وأنقى جيبا، وأقلّ عيبا، قال الله سبحانه: وَما كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً «١» . وأمره أن يتسلّم ديوان القضاء وما فيه من الحجج والسّجلّات، والوثائق والكفالات، والمحاضر والوكالات، بمحضر من العدول ليكونوا له مشاهدين، وعليه شاهدين، وأن يجعل خزّانها من يرتضيه، باجتماع أدوات الخير فيه، عاملا في حفظها بما تقتضيه الأمانة التي أشفقت السموات والأرض والجبال منها، وأقررن بالعجز عنها، متحرّيا من أمر يبوء معه بالأثام، في دار المقام؛ قال الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا «٢» . وأمره بمراعاة أمر الحسبة «٣» فإنها أكبر المصالح وأهمّها، وأجمعها لنفع الناس وأعمّها، وأدعاها إلى تحصين أموالهم، وانتظام أحوالهم؛ وحسم موادّ الفساد، وكفّ يده عن الامتداد، وأن يتقدّم إلى المستناب فيها بمداومة الاطّلاع على كمّيّة الأسعار، والفحص عن مادّة المخلوقات في الانقطاع والاستمرار، ومواصلة الجلوس في أماكن الأقوات ومظانّها: ليكون تسعيرها بمقتضى زيادتها ونقصانها، غير خارج في ذلك عن حدّ الاعتدال، ولا مائل إلى ما يجحف بالفريقين من إكثار وإقلال، وأن يراعي عيار المكاييل والموازين، ليميّز ذوي الصّحّة من المطفّفين، فيقول لمن حسن اعتباره [مر] «٤» حى ويقابل من ساء اختباره بما يجعله لأمثاله رادعا، حتّى يزنوا بالقسطاس المستقيم، ويتجنّبوا التطفيف بقلب من إضمار

стр. 4873

المعاودة سليم؛ قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «١» . هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله تعالى عليك؛ وقفك [فيه] «٢» على منهج الصّلاح، وأعلقك منه إن اتّبعته بأسباب النّجاح، وأدرّ به عليك خلف السّعادة إن أمريته «٣» بيد القبول، وجمع لك مع احتذائه «٤» بدائد المأمول، وعطف لديك متى تمثّلته شوارد السّول، وأو جدك ضالّة متاعك إن أصغيت إليه سامعا مطيعا، وأعاد إن ائتمرت بأوامره شمل أقوالك جميعا، وأرادك مرعى النجاة إن نهضت بأعبائه مريعا، لم يدّخرك فيه شفيفا، ولا حقرك إرشادا وتعريفا، خلع به ربقة الأمانة عن عنق اجتهاده، وأوضح لك ما يسأل غدا عن فعله واعتماده. فبادر إلى العمل به مسرعا، وقم بالمحدود فيه مضطلعا، واعلم أنّ لكل عالم هفوة، ولكلّ جواد كبوة؛ فاغضض عن مطامح الهوى طرفك، واثن عن أضاليل الدّنيا الغرّارة عطفك، واخش موقفا تشخص فيه الأبصار، وتعدم الأعوان والأنصار، يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه، وتنقطع الوسائل إلا ممّن أطاع الله واتّقاه، ينعم عوفك» ، ويأمن يوم القيامة خوفك؛ ومهما عرض لك من شبهة لم تلف مخرجا منها، ولا صدرا عنها، ولا وجدت لسقبها هناء، ولدائها شفاء، فطالع حضرة أمير المؤمنين بحالها مستعلما، وأنهها إليه مستفتحا باستدعاء الجواب عما أصبح لديك مستغلقا مبهما، يمددك منه بما يريك صبح الحق منبلجا، وضيق الشّكّ منفرجا، عن علم عنده البحر كالقياس، إلى أوشال «٦» الناس؛ والله تعالى

стр. 4874

يعضّد آراء أمير المؤمنين بالصواب، ويمدّه بالتوفيق في سائر الآراب، ويقود لمراده أزمّة جوامحها الصّعاب، ما أنجم سحاب، وأثجم رباب «١» ، بمنّه وسعة فضله. وهذه نسخة عهد بولاية القضاء بسرّ من رأى «٢» ، كتب بها أبو إسحاق الصابي، عن الطائع لله، للقاضي أبي الحسين محمد ابن قاضي القضاة أبي محمد عبيد الله، بن أحمد بن معروف، حين ولّاه القضاء بسرّ من رأى وغيرها، وما أضيف إلى ذلك من أعمال الجزيرة، وهي: هذا ما عهد عبد الله عبد الكريم، الإمام الطائع لله أمير المؤمنين، إلى محمد ابن قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد، حين عرفت الفضيلة فيه، وتقيّل «٣» مذاهب أبيه، ونشأ من حصنه في المنشإ الأمين، وتبوّأ من سببه ونسبه المتبوّأ المصون، ووجده أمير المؤمنين مستحقّا لأن يوسم بالصّنيعة، والمنزلة الرّفيعة، على الحداثة من سنّه، والغضاضة من عوده، ساميا به في ذلك إلى مراتب أعيان الرّجال، التي لا تدرك إلّا مع الكمال والاكتهال: لما آنس من رشده ونجابته، واستوضح من عقله ولبابته، واسترجح من وقاره وحلمه، واستغزر من درايته وعلمه، وللّذي عليه شيخه قاضي القضاة عبيد الله بن أحمد من حصافة الدّين، وخلوص اليقين، والتقدّم على المتحلّين بحليته، والمنتحلين لصناعته، والاستبداد عليهم بالعلم الجمّ، والمعنى الفخم، والافتنان في المساعي الصالحة التي يسود أحدهم بأحدها، ويستحقّ التّجاوز لهم من استوعبها بأسرها، وبالثّقة والأمانة، والعفّة والنّزاهة، التي صار بها علما فردا، وواحدا فذّا، حتّى تكلّفها من

стр. 4875

أجله من ليست من طبعه ولا سنخه، فهو المحمود بأفعاله التي اختص بها وبأفعال غيره ممن حذاه فيها، وبما نفق من بضائع الخير بعد كسادها، وبالسابقة التي له في خدمة المطيع لله أوّلا ثم خدمة أمير المؤمنين ثانيا، فإنّها [سابقة] «١» شائع خبرها، وجميل أثرها، قويّة دواعيها، متمكّنة أواخيها، وللمكانة التي خصّ بها من أمير المؤمنين [ومن عزّ الدولة أبي منصور مولى أمير المؤمنين أيده الله] «٢» ومن نصير الدولة الناصح أبي طاهر رعاه الله، ومن عظماء أهل حوزتهم، وأفاريق «٣» عوامّهم ورعيّتهم؛ فلما صدق محمد فراسة أمير المؤمنين ومخايله، واحتذى سجايا أبيه وشمائله، وحصل له ما حصل من الحرمات المتأثّلة، والمواتّ المتأصّلة، أحرز من الأثرة على قرب المدى، ما لا يحرزه غيره على بعد المرمى، واستغنى أمير المؤمنين فيه عن طول التّجربة والاختبار، وتكرّر الامتحان والاعتبار، فقلّده الحكم بين أهل سرّ من رأى، وتكريت، والطبرهان «٤» ، والسّنّ، والبوازيج، ودقوقا «٥» ، وخانيجار، والبندنيجين، وبوحسابور، والرّاذانين «٦» ، [ومسكن] «٧» وقطربّل، ونهر بوق، والدبين، وجميع الأعمال المضافة إلى ذلك والمنسوبة إليه، وشرّفه بالخلع والحملان، وضروب الإنعام والإحسان، وكان فيما أعطاه من هذا الصّيت والمجد، ونحله إيّاه من المفخر العدّ، مبتغيا ما كسبه من الله الرّضا والزّلفى، والسلامة في الفاتحة والعقبى، وراعيا لما يوجبه لقاضي قضاته عبيد الله بن أحمد من الحقوق التي أخفى منها أكثر مما أبدى، وأمسك عن أضعاف ما أحصى، وذاهبا على آثار الأئمة المهديّين، والولاة المجتهدين، في إقرار ودائعهم عند المرشّحين لحفظها، المضطلعين بحملها، من أولاد أوليائهم، وذريّة نصحائهم: إذ كان لا بدّ للأسلاف أن تمضي، وللأخلاف أن تنمي،

стр. 4876

كالشجر الذي يغرس لدنا فيصير عظيما، والنبات الذي ينجم رطبا فيصير هشيما؛ فالمصيب من تخيّر الغرس من حيث استنجب الشجر، واستحلى الثّمر، وتعمّد بالعرف من طاب منه الخبر، وحسن منه الأثر؛ وأمير المؤمنين يسأل الله تعالى تسديدا تحمد عائدته، وتدرّ عليه مادّته، ويتولّاه في العزائم التي يعزمها، والأمور التي يبرمها، والعقود التي يعقدها، والأغراض التي يعتمدها؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب. أمره باعتماد التّقوى، فإنّها شعار أهل الهدى، وأن يراقب الله مراقبة المتحرّز من وعيده، والمتنجّز لمواعيده، ويطهّر قلبه من موبقات الوساوس، ويهذّبه من مرديات الهواجس، ويأخذ نفسه بمآخذ أهل الدّين، ويكلّفها كلف الأبرار المؤمنين، ويمنعها من أباطيل الهوى، وأضاليل المنى؛ فإنها أمّارة بالسّوء، صبّة «١» إلى الغيّ، صادّة عن الخير، صادفة عن الرّشد، لا ترجع عن مضارّها إلّا بالشّكائم، ولا تنقاد إلى منافعها إلا بالخزائم؛ فمن كبحها وثناها نجّاها، ومن أطلقها وأمرجها «٢» أرداها. وأولى من جعل تقوى الله دأبه وديدنه، والخيفة منه منهاجه وسننه، من ارتدى رداء الحكّام، وأمر ونهى في الأحكام، وتصدّى لكفّ الظالم، وردّ المظالم، وإيجاب الحدود ودرئها، وتحليل الفروج وحظرها، وأخذ الحقوق وإعطائها، وتنفيذ القضايا وإمضائها: إذ ليس له أن يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا يزدجر، ويأتي مثل ما ينهى عنه، وينهى عمّا يأتي مثله، بل هو محقوق بأن يصلح ما بين جنبيه، قبل أن يصلح ما ردّ أمره إليه، وأن يهذّب من نيّته، ما يحاول أن يهذّب من رعيّته، قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ «٣» : فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ

стр. 4877

وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ «١» . وأمره بالإكثار من تلاوة القرآن الواضح سبيله، الراشد دليله، الذي من استضاء بمصابيحه أبصر ونجا، ومن أعرض عنها زلّ وغوى، وأن يتخذه إماما يهتدي بآياته، ويقتدي ببيّناته، ومثالا يحذو عليه، ويردّ الأصول والفروع إليه؛ فقد جعله الله حجّته الثابتة الواجبة، ومحجّته المستبينة اللّاحبة، ونوره الغالب الساطع، وبرهانه الباهر الناصع؛ وإذا ورد عليه معضل، أو غمّ عليه مشكل، اعتصم به عائذا، وعطف عليه لائذا؛ فبه يكشف الخطب، ويذلّل الصّعب، وينال الأرب، ويدرك المطلب، وهو أحد الثقلين اللذين خلّفهما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلّم فينا، ونصبهما معلما بعده لنا، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً «٢» . وقال تعالى: وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ «٣» . وأمره بالمحافظة على الصّلوات، وإقامتها في حقائق الأوقات، وأن يدخل فيها أوان حلولها بإخلاص من قلبه، وحضور من لبّه، وجمع بين لفظه ونيّته، ومطابقة بين قوله وعمله، مرتّلا للقراءة فيها، مفصحا بالإبانة لها، متثبّتا في ركوعها وسجودها، مستوفيا لحدودها وشروطها، متجنّبا فيها جرائر الخطإ والسّهو، وعوارض الخطل واللّغو: فإنه واقف بين يدي جبّار السماء والأرض، ومالك البسط والقبض، والمطّلع على خائنة كلّ عين وخافية كلّ صدر، الذي لا تحتجب دونه طويّة، ولا تستعجم عليه خبيّة، ولا يضيع أجر محسن، ولا يصلح عمل مفسد؛ وهو القائل : وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ «٤» .

стр. 4878

وأمره بالجلوس للخصوم، وفتح بابه لهم على العموم، وأن يوازي بين الفريقين إذا تقدّما إليه، ويحاذي بينهما في الجلوس بين يديه، ويقسم لهما أقساما متماثلة من نظره، وأقساطا متعادلة من كلمه: فإنه مقام توازن الأقدام، وتكافؤ الخواصّ والعوامّ، لا يقبل على ذي هيئة لهيئته، ولا يعرض عن دميم لدمامته، ولا يزيد شريفا على مشروف، ولا قويّا على مضعوف، ولا قريبا على أجنبيّ، ولا مسلما على ذمّي، ما جمعهما التخاصم، وضمّهما التحاكم. ومن أحسّ منه بنقصان بيان، أو عجز عن برهان، أو قصور في علم، أو تأخّر في فهم، صبر عليه حتّى يستنبط ما عنده، ويستشقّ ضميره، وينقع بالإقناع غلّته، ويزيح بالإيضاح علّته. ومن أحسّ منه بلسن وعبارة وفضل من بلاغة، أعمل فيما يسمعه منه فكره، وأحضره ذهنه، وقابله بسدّ خلّة خصمه، والإبانة لكل منهما عن صاحبه، ثم سلّط على أقوالهما ودعاويهما تأمّله، وأوقع على بيّناتهما وحججهما تدبّره، وأنفذ حينئذ الحكومة إنفاذا يعلمان به أنّ الحقّ مستقرّ مقرّه، وأن الحكم موضوع موضعه؛ فلا يبقى للمحكوم عليه استرابة ولا للمحكوم له استزادة، وأن يأخذ نفسه مع ذلك بأطهر الخلائق وأحمدها، وأهدى السّجايا وأرشدها، وأن يقصد في مشيه، ويغضّ من صوته، ويحذف الفضول من [لفظه و] «١» لحظه، ويخفّف من حركاته ولفتاته، ويتوقّر من سائر جنباته [وجهاته] «٢» ، ويتجنّب الخرق والحدّة، ويتوقّى الفظاظة والشّدّة، ويلين كنفه من غير مهانة، ويربّ هيببته في غير غلظة، ويتوخّى في ذلك وقوفا بين غايتيه، وتوسّطا بين طرفيه، فإنه يخاطب أخلاطا من الناس مختلفين، وضروبا غير متّفقين، ولا يخلو فيهم من الجاهل الأهوج، والمظلوم المحرج، والشيخ الهمّ «٣» ، والناشيء الغرّ، والمرأة الرّكيكة، والرجل الضعيف النّحيزة؛ وواجب عليه أن يغمرهم بعقله، ويشملهم بعدله، ويقيمهم على الاستقامة بسياسته، ويعطف عليهم بحلمه ورياسته، وأن يجلس وقد نال من

стр. 4879

المطعم والمشرب طرفا يقف به عند أوّل الكفاية، ولا يبلغ منه إلى آخر النهاية، وأن يعرض نفسه على أسباب الحاجة كلّها، وعوارض البشريّة بأسرها: لئلا يلمّ به من ذلك ملمّ أو يطيف به طائف فيحيلانه عن جلده، ويحولان بينه وبين سدده، وليكن همّه إلى ما يقول ويقال له مصروفا، وخاطره على ما يرد عليه ويصدر عنه موقوفا؛ قال الله تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ «١» . وأمره إذا ثبت عنده حقّ من الحقوق لأحد من الخصوم، أن يكتب له متى التمس ذلك صاحب المعونة في عمله بأن يمكّنه منه، ويحسم المعارضات فيه عنه، ويقبض كلّ يد تمتدّ إلى منازعته، أو تتعدّى إلى مجاذبته؛ فقد ندب الله الناس إلى معاونة المحق على المبطل، والمظلوم على الظالم؛ إذ يقول : وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ «٢» . وأمره أن يستصحب كاتبا دربا بالمحاضر والسّجلّات، ماهرا في القضايا والحكومات، عالما بالشّروط والحدود، عارفا بما يجوز وما لا يجوز، غير مقصّر عن القضاة المستورين، والشّهود المقبولين، في طهارة ذيله، ونقاء جيبه، وتصوّنه عن خبث المآكل والمطاعم، ومقارفة الرّيب والتّهم؛ فإن الكاتب زمام الحاكم الذي إليه مرجعه، وعليه معوّله، وبه يحترس من دواهي الحيل، وكوامن الغيل، وحاجبا سديدا رشيدا، أديبا لبيبا، لا يسفّ إلى دنيّة ولا يلم بمنكرة، ولا يقبل رشوة، ولا يلتمس جعالة «٣» ، ولا يحجب عنه أحدا يحاول لقاءه في وقته،

стр. 4880

والوصول إليه في حينه، وخلفاء يردّ إليهم ما بعد من العمل عن مقرّه، وأعجزه أن يتولّى النظر فيه بنفسه، ينتخبهم من الأماثل، ويتخيّرهم من الأفاضل، ويعهد إليهم في كلّ ما عهد فيه إليه، ويأخذهم بمثل ما أخذ به، ويجعل لكلّ من هذه الطوائف رزقا يكفّه ويكفيه، وقوتا يحجزه ويغنيه؛ فليس تلزمهم الحجّة إلا مع إعطائهم الحاجة، ولا تؤخذ عليهم الوثيقة إلا مع إزاحة العلّة؛ فقد قال الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى «١» . وأمره بإقرار الشهود الموسومين بالعدالة على تعديلهم، وإمضاء القضاء بأقوالهم، وحملهم على ظاهر السّلامة، وشعار الاستقامة، وأن يعتمد مع هذا البحث عن أديانهم، والفحص عن أماناتهم، والإصغاء إلى الأحاديث عنهم: من ثناء يتكرر، أو قدح يتردّد؛ فإذا تواتر عنده أحد الأمرين، ركن إلى المزكيّ الأمين، ونبا عن المتّهم الظّنين: فإنه إذا فعل ذلك اغتبط أهل الأمانة بأماناتهم، ونزع أهل الخيانة عن خياناتهم، وتقرّبوا إليه بما تنفق سوقه، ويستحقّ به التوجّه عنده، واستمرّ شهوده وأمناؤه، وأتباعه وخلفاؤه، على المنهج الأوضح، والمسلك الأنجح، وتحصّنت الأموال والحقوق، وصينت الحرمات والفروج؛ ومتى وقف لأحد منهم على هفوة لا تغفر، وعثرة لا تقال، أسقطه من عددهم، وأخرجه عن جملتهم، واعتاض منه من يحمد دينه، ويرتضي أمانته؛ قال الله تعالى: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ «٢» . وقال في الشهادة: وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ «٣» . وأمره بالضّبط لما يجري في عمله من الوقوف الثابتة في ديوان حكمه،

стр. 4881

والتعويل فيها على الأمناء الثّقات، والحصفاء الكفاة، المعروفين بالظّلف والورع، المتنزّهين عن النّطف والجشع، والتقدّم إليهم في حفظ أصولها، وتوفير فروعها، وتثمير غلالها وارتفاعها، وصرفها إلى أهلها ومستحقّها وفي وجوهها وسبلها، ومطالبتهم بحساب ما يجري على أيديهم، والاستقراء لآثارهم فيه وأفعالهم، وأن يحمد منهم من كفى وكفّ، ويذم من أضاع وأسفّ، وينزل كلّا منهم منزلته التي استحقّها بعمله، واستوجبها بأثره، قال الله ﵎: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً «١» . وأمره بالاحتياط على أموال الأيتام، وإسنادها إلى أعفّ وأوثق القوّام، والتقدّم إلى كل طائفة بأن يجريهم مجرى ولده، ويقيمهم مقام سلالته، في الشفقة عليهم، والإصلاح لشؤونهم، والإشراف على تأديبهم، وتلقينهم ما لا يسع المسلم جهله من الفرائض المفترضة، والسّنن المؤكّدة، وتخريجهم في أبواب معايشهم، وأسباب مصالحهم، والإنفاق عليهم من عرض أموالهم بالمعروف الذي لا شطط فيه ولا تبذير، ولا تضييق ولا تقتير؛ فإذا بلغوا مبالغ كمالهم، وأونس منهم الرّشد في متصرّفاتهم، أطلق لهم أموالهم، وأشهد بذلك عليهم؛ فقد جعله الله بما تقلّده من الحكم، خلفا من الآباء لذوي اليتم، وصار بهذه الولاية عليهم مسؤولا عنهم، ومجزيّا عما سار به فيهم، وأوصله من خير أو شرّ إليهم؛ قال الله تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً «٢» . وأمره بحفظ ما في ديوانه من الوثائق والسّجلّات، والحجج والبيّنات،

стр. 4882

والوصايا والإقرارات: فإنها ودائع الرعيّة عنده، وواجب أن يحرسها جهده، وأن يكلها إلى الخزّان المأمونين، والحفظة المتيقّظين، ويوعز إليهم بأن لا يخرجوا شيئا منها عن موضعه ولا يضيفوا إليها ما لم يكن بعلمه، وأن يتّخذ لها بيتا يحصرها به، ويجعله بحيث يأمن عليه: ليرجع متى احتاج الرجوع إليه؛ فقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ* «١» . وأمره إن ورد عليه أمر يعييه فصله، ويشتبه عليه وجه الحكم فيه، أن يردّه إلى كتاب الله، ويطلب به سبيل المخلص منه، فإن وجده وإلا ففي الأثر عن رسول الله ﷺ ، فإن أدركه وإلا استفتى فيه من يليه من ذوي الفقه والفهم، والهداية والعلم؛ فما زالت الأئمة والحكّام من السّلف الصالح، وطرّاق السّنن الواضح، يستفتي واحد منهم واحدا، ويسترشد بعض بعضا، لزوما للاجتهاد، وطلبا للصواب، وتحرّزا من الغلط، وتوقّيا من العثار؛ قال الله تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ «٢» . وأمره أن لا ينقض حكما حكم به من كان قبله ولا يفسخه، وأن يعمل عليه ولا يعدل عنه، ما كان داخلا في إجماع المسلمين، وسائغا في أوضاع الدّين؛ فإن خرج عن الإجماع، أوضح الحال فيه لمن بحضرته من الفقهاء والعلماء حتّى يصيروا مثله في إنكاره، ويجتمعوا معه على إيجاب ردّه، ثم ينقضه حينئذ نقضا يشيع ويذيع، ويعود به الأمر إلى واجبه، ويستقرّ معه الحقّ في نصابه؛ قال الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ » . هذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عليك؛ قد شرح به صدرك، وأوضح به سبلك وأقام أعلام الهداية لك، ولم يألك تبصيرا وتذكيرا، ولم يدّخرك تعريفا

стр. 4883

وتوقيفا، ولم يجعلك في شيء من أمرك على شبهة تعترضك، ولا حيرة تعتاقك؛ والله شاهد له بخروجه من الحق فيما وصّى وعهد، وعليك بقبولك ما قبلت مما ولّى وقلّد؛ فإن عدلت واعتدلت- وذلك خليق بك- فقد فاز وفزت معه، وإن تجانفت «١» وزللت- وذلك بعيد منك- فقد ربح وخسرت دونه؛ فلتكن التقوى زادك، والاحتراس شعارك، واستعن بالله يعنك، واستهده يهدك، واعتضد به يعضّدك، واستمدّ من توفيقه يمددك؛ إن شاء الله تعالى. [وكتب نصير الدولة الناصح أبو طاهر يوم كذا من رجب سنة ست وستين وثلاثمائة] «٢» . وهذه نسخة عهد بقضاء القضاة [بحاضرة بغداد وسائر الأعمال] «٣» شرقا وغربا كتب به عن الإمام الناصر لدين الله أحمد «٤» ، للقاضي محيي الدين أبي عبد الله محمد بن فضلان، من إنشاء أستاد الدار عضد الدين بن الضحّاك، وهي: هذا ما عهد عبد الله وخليفته في العالمين، المفترض الطاعة على الخلق أجمعين، أبو العبّاس أحمد الناصر لدين الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن يحيى ابن فضلان: حين سبر خلاله واستقراها، واعتبر طرائقه واستبراها، فألفاه رشيدا في مذاهبه، سديدا في أفعاله وضرائبه، موسوما بالرّصانة، حاليا بالورع والدّيانة، مبرّزا من العلوم في فنونها، عالما بمفروض الشريعة المطهّرة ومسنونها، مدّرعا ملابس العفاف، قد أناف على أمثاله في بوارع الأوصاف، فقلّده قضاء القضاة في مدينة السلام وجميع البلاد والأعمال، والنواحي والأمصار: شرقا وغربا، وبعدا

стр. 4884

وقربا، سكونا إلى ما علم من حاله، واضطلاعه بالنهضة المنوطة به واستقلاله، وركونا إلى قيامه بالواجب فيما أسند إليه، ونهوضه بعبء ما يعوّل في حفظ قوانينه عليه، واستنامة إلى حلول الاصطناع عنده، ومصادفته منه مكانا تبوّاه بالاستحقاق وحده؛ والله تعالى يعضّد آراء أمير المؤمنين بمزيد التوفيق في جميع الأمور، ويحسن له الخيرة فيما يؤمّه من مناظم الدّين وصلاح الجمهور؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب. أمره بتقوى الله تعالى في إعلانه وإسراره، وتقمّص شعارها في إظهار أمره وإضماره؛ فإنها العروة الوثقى، والذّخر الأبقى، والسعادة التي ما دونها فوز ولا فوقها مرقى، وهي حلية الأبرار، وسيما الأخيار، والمنهج الواضح، والمتجر الرابح، والسبيل المؤدّي إلى النجاة والخلاص، يوم لا وزر ولات حين مناص، وأنفع العدد والذّخائر، وخير العتاد يوم تنشر الصّحف وتبلى السّرائر، يوم تشخص الأبصار، وتعدم الأنصار: وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ سَرابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرانٍ وَتَغْشى وُجُوهَهُمُ النَّارُ «١» ، ولا ينجو من عذاب الله يومئذ إلا من كان زاده التقوى، وتمسّك منها بالسبب الأقوى؛ قال الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ «٢» . وأمره أن يجعل كتاب الله إماما يهتدي بمناره، ويستصبح ببواهر أنواره، ويستضيء في ظلم المشكلات بمنير مصباحه، ويقف عند حدود محظوره ومباحه، ويتّخذه مثالا يحتذيه، ودليلا يتّبع أثره فيهديه، ويعمل به في قضاياه وأحكامه، ويقتدي بأوامره في نقضه وإبرامه: فإنه دليل الهدى ورائده، وسائق النّجح وقائده، ومعدن العلم ومنبعه، ومنجم الرّشاد ومطلعه، وأحد الثقلين اللذين خلّفهما «٣» رسول الله ﷺ في الأمّة، والذّكر الذي جعله الله تعالى تبيانا لكل شيء

стр. 4885

وهدى ورحمة، فقال عزّ من قائل: وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ «١» . وأمره بانتزاع «٢» الآثار النبوية صلوات الله على صاحبها وسلامه، والاهتداء بشموسها التي تنجلي بها دجنّة كلّ مشكل وظلامه، والاقتداء بسنّة الشريعة المتبوعة، وتصفّح الأخبار المسموعة؛ والعمل منها بما قامت أدلّة صحّته من جميع جهاته، واستحكمت الثّقة بنقلته عنه ﵇ ورواته؛ وسلمت أسانيده من قدح، ورجاله من ظنّة وجرح، فإنّها التالية للقرآن المجيد في وجوب العمل بأوامره، والانتهاء بروادعه وزواجره؛ وهو ﵊ الصادق الأمين الذي ما ضلّ وما غوى، وما ينطق عن الهوى؛ وقد قرن الله سبحانه طاعته بطاعته، والعمل بكتابه والأخذ بسنّته؛ فقال عز من قائل: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ «٣» . وأمره بمجالسة العلماء، ومباحثة الفقهاء، ومشاركتهم في الأمور المشكلة، وعوارض الحكومات المعضلة: لتستبين سبيل الصواب، ويعرى الحكم من ملابس الشّبه والارتياب، ويخلص من خطأ الانفراد، وغوائل الاستبداد، فالمشورة باليمن مقرونة، والسلامة في مطاويها مضمونة؛ وقد أمر الله تعالى بها نبيّه ﷺ مع شرف منزلته وكمال عصمته، وتأييده بوحيه «٤» وملائكته فقال سبحانه: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ «٥» . وأمره بفتح بابه، ورفع حجابه، وأن يجلس للخصوم جلوسا عامّا، وينظر في

стр. 4886

أمورهم نظرا حسنا تامّا، مساويا بينهم في نظره ولحظه، وإصغائه ولفظه، محترزا من ذي اللّسن وجرأة جنانه، متأنّيا بذي الحصر عند إقامة برهانه، فربّما كان أحد الخصمين ألحن بحجّته، والآخر ضعيفا عن مقاومته، هذا مقام الفحص والاستفهام، والتثبّت «١» وإمضاء الأحكام: ليسلم من خديعة محتال، وكيد مغتال، مائلا في جميع ذلك مع الواجب، سالكا طريق العدل اللّاحب، غير فارق في إمضاء الحكم بين القويّ والضعيف، والمشروف والشريف، والمالك والمملوك، والغنيّ والصّعلوك، قال الله تعالى: إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا «٢» . وقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ «٣» . وأمره أن يتصفّح أحوال الشهود، المسموعة أقوالهم في الحقوق والحدود، المرجوع إلى أمانتهم، المعمول بشهادتهم، الذين بهم تقام الحجج وتدحض، وتبرم الأحكام وتنقض، وتثبت الدّعاوى وتبطل، وتمضى القضايا وتسجّل، مجتهدا في البحث عن طرائقهم وأحوالهم، وانتقاد تصاريفهم وأفعالهم، واستشفاف سجاياهم، وعرفان مزاياهم، مخصّصا بالتمييز من كان حميد الخلال، مرضيّ الفعال، راجعا إلى ورع ودين، متمسّكا من الأمانة والنّزاهة بالسبب المتين؛ قال الله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ «٤» . وأمره بالنظر في أمور اليتامى وأموالهم، ومراعاة شؤونهم وأحوالهم، وأن يرتّب بسبب اتّساق مصالحهم الثّقات الأعفّاء، والأمناء الأتقياء، ممن ظهرت ديانته، وحسنت سريرته، واشتهر بالظّلف والعفاف، والتنزّه عن الطمع والإسفاف، ويأمرهم بحفظها من خلل يتخلّلها، ويد خائنة تدخلها؛ وليكن عليهم

стр. 4887

حدبا، وفي فرط الحنوّ أبا؛ وخلفا من آبائهم في الإشفاق عليهم، وحسن الالتفات إليهم: فإنّه عنهم مسؤول، والعذر عند الله تعالى في إهمالهم غير مقبول، وأن يأذن لهم في الإنفاق عليهم بالمعروف من غير إسراف ولا تقتير، ولا تضييق ولا تبذير؛ فإذا بلغ أحدهم النّكاح، وآنس منه أمارات الرّشد والصّلاح، دفع ماله إليه، وأشهد بقبضه عليه، على الوجه المنصوص، غير منقوص ولا منغوص، ممتثلا أمر الله تعالى في قوله سبحانه: فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيباً «١» . وأمره بتزويج الأيامى اللّواتي لا أولياء لهنّ من أكفائهنّ، بمهور أمثالهنّ، وأن يشمل ذوات الغنى والفقر منهنّ بعدله، ويتحرّى لهنّ المصلحة في عقده وحلّه. وأمره أن يستنيب فيما بعد عنه من البلاد ودنا، وقرب منه ونأى، كلّ ذي علم واستبصار، وتيقّظ في الحكم واستظهار، ونزاهة شائعة، وأوصاف لأدوات الاستحقاق جامعة، ممن يتحقّق نهوضه بذلك واضطلاعه، ويأمن استزلاله «٢» وانخداعه، وأن يعهد إليهم في ذلك بمثل ما عهد إليه ولا يألوهم تنبيها وتذكيرا، وإرشادا وتبصيرا؛ قال الله تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ «٣» . وأمره بإمضاء ما أمضاه قبله الحكّام، من القضايا والأحكام، غير متعقّب أحكامهم بنقض ولا تبديل، ولا تغيير ولا تأويل، إذا كانت جائزة في بعض الأقوال، ممضاة على وجه من وجوه الاحتمال، غير خارقة للإجماع، عارية من ملابس الابتداع، وإن كان ذلك منافيا لمذهبه، فقد سبق حكم الحاكم به «٤» ؛ قال

стр. 4888

الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ «١» . وأمره أن يتخذ كاتبا قيّما بشروط القضايا والسّجلّات، عارفا بما يتطرّق نحوها من الشّبه والتأويلات، ويتداخلها من النّقص والتلبيسات، متحرّزا في كلّ حال، متنزّها عن ذميم الأفعال، وأن يتخيّر حاجبا نقيّ الجيب، مأمون المشهد والغيب، مستشعرا للتقوى، في السّر والنجوى، سالكا للطريقة المثلى، غير متجهّم للناس، ولا معتمد ما ينافي بسط الوجه لهم والإيناس: فإنه وصلتهم إليه، ووجهه المشهود قبل الدخول عليه؛ فلينتخبه من بين أصحابه، وممن يرتضيه من أمثاله وأضرابه. وأمره بتسلّم ديوان القضاء والحكم، والاستظهار على ما في خزائنه بالإثبات والختم، والاحتياط على ما به من المال والسّجلّات، والحجج والمحاضر والوكالات «٢» ، والقبوض والوثائق والأثبات والكفالات، بمحضر من العدول الأمناء الثّقات، وأن يرتّب لذلك خازنا يؤدّي الأمانة فيه، ويتوخّى ما توجبه الديانة وتقتضيه. وأمره بمراعاة أمر الحسبة: فإنها من أكبر المصالح وأهمّها، وأجمعها لمنافع الخلق وأعمّها، وأدعاها إلى تحصين أموالهم، وانتظام أحوالهم، وأن يأمر المستناب فيها باعتبار سائر المبيعات فيها: من الأقوات «٣» وغيرها في عامّة الأوقات، وتحقيق أسباب الزيادة والنّقصان في الأسعار، والتصدّي لذلك على الدّوام والاستمرار، وأن يجري الأمر فيها بحسب ما تقتضيه الحال الحاضرة، والموجبات الشائعة الظاهرة، واعتبار الموازين والمكاييل، وإعادة الزائد والناقص منها إلى التّسوية والتعديل؛ فإن اطّلع لأحد من المتعاملين على خيانة في

стр. 4889

ذلك وفعل ذميم، أو تطفيف عدل فيه عن الوزن بالقسطاس المستقيم، أناله من التأديب، وأسباب التّهذيب، ما يكون له رادعا، ولغيره زاجرا وازعا؛ قال الله تعالى: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ «١» . وهذا عهد أمير المؤمنين إليك، وحجّته عند الله تعالى عليك؛ قد أولاك من صنوف النّعم والآلاء، وجزيل الكرم والحباء، ما يوجب عليك الاعتراف بقدره، واستيزاع شكره، ووقف بك على محجّة الرّشاد، وهداك إلى منهج الحقّ وسنن السّداد، ولم يألك تثقيفا وتبصيرا، وتنبيها وتذكيرا، فتأمّل ذلك متدبّرا، وقف عند حدود أوامره ونواهيه مستبصرا، واعمل به في كلّ ما تأتيه وتذره، وتورده وتصدره، وكن للمخيلة في ارتيادك محقّقا، وللمعتقد فيك مصدّقا، تفز من خير الدارين بمعلّى القداح «٢» ، وإحماد السّرى عند الصّباح؛ وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل [إن شاء الله تعالى] «٣» . الضرب الثاني (مما كان يكتب بديوان الخلافة ببغداد لأرباب الوظائف من أصحاب الأقلام التواقيع) وطريقتهم فيها أن يفتتح التوقيع بلفظ «أحقّ» أو «أولى» أو «أقمن من أفيضت عليه النّعم» أو «من فوّض إليه كذا» أو «من نوّه بذكره» ونحو ذلك «من كان بصفة كذا وكذا» ثم يقال: «ولما كان فلان بصفة كذا وكذا، فوّض إليه كذا وكذا» أو «أسند إليه كذا وكذا» ونحو ذلك.

стр. 4890

وهذه نسخة توقيع بتدريس، كتب به عن الإمام الناصر لدين الله، للقاضي محيي الدين «محمد بن فضلان» بتدريس المدرسة النّظاميّة ببغداد، في سنة أربع عشرة وستّمائة، وهي: أحقّ من أفيضت عليه مجاسد «١» النّعم، وجذب بضبعه إلى مقام التنويه وتقدّم القدم، من أسفر في أفضية «٢» الفضائل صباحه، وانتشر في العالم علمه وأزهر مصباحه. ولمّا كان الأجلّ الأوحد، العالم، محيي الدين، حجّة الإسلام، رئيس الأصحاب، مفتي الفريقين، مفيد العلوم، أبو عبد الله «محمد بن يحيى بن فضلان» ، أدام الله رفعته، ممن نظم فرائد المحامد عقده النّضيد، وأوى من العلم والعمل إلى ركن شديد، وثبتت قدمه من الديانة على مستثبت راسخ وقرار مهيد- رؤي التعويل في تفويض التدريس بالمدرسة النّظاميّة «٣» إليه: ثقة باضطلاعه واستقلاله، وتبريزه في حلبات الاستباق على نظرائه وأمثاله، وتراجع المساجلين له عن فوت غايته وبعد مناله «٤» ، وأسند إليه- أدام الله رفعته- النظر في أوقاف المدرسة المذكورة بأجمعها، واعتماد ما شرطه الواقف في مصارفها وسبلها، سكونا إلى كفايته، وركونا إلى سداده وأمانته. ورسم له تقديم تقوى الله تعالى التي ما زال منتهجا لطرائقها، متمسّكا بعصمها ووثائقها، وأن يشرح صدره للمتعلمين، ولا تأخذه ضجرة «٥» من المستفيدين، ولا تعدو عيناه عن جهلاء الطالبين «٦» ، ولا يتبرّم بالمبالغة في تفهيم

стр. 4891

المبتدي، ولا يغفل عن تذكير المنتهى: فإنه إذا احتمل هذه المشقّة، وأعطى كلّ تلميذ حقّه، كان الله تعالى كفيلا بمعونته، بحسب ما يعلم من حرصه عليهم وإخلاص نيّته. وليكن بسائر المتفقّهة معتنيا رفيقا، وعليهم حدبا شفيقا، يفرّع لهم من الفقه ما وضح وتسهّل، ويبيّن لهم ما التبس من غوامضه وأشكل، حتّى تستنير قلوبهم بأضواء علوم الدين، وتنطق «١» ألسنتهم فيها باللفظ الفصيح المبين، وتظهر آثار بركاته في مراشده وتبين؛ ولتتوفّر همّته في عمارة الوقوف واستنمائها، والتوفّر على كلّ ما عاد بتزايدها وزكائها، بحيث يتّضح مكان نظره فيها، ويبلغ الغاية الموفية على من تقدّمه ويوفيها، ولا يستعين إلّا بمن يؤدّي الأمانة ويوفّيها، ويقوم بشرائط الاستحفاظ ويكفيها؛ وهو- أدام الله رفعته- يجري من عوائد المدرّسين والمتولّين قبله على أوفى معهود، ويسامي به «٢» إلى أبعد مرتقى ومقام محمود، وأذن له في تناول إيجاب التدريس ونظر الوقوف المذكورة؛ أسوة من تقدّمه في التدريس والنظر في الوقوف «٣» ، على ما شرط الواقف في كل ورد وصدر، واعتماد كل ما حدّه في ذلك ومثّله من غير تجاوز. النوع الرابع (مما كان يكتب من ديوان الخلافة ببغداد ما كان يكتب لزعماء أهل الذّمّة) وطريقهم فيه أن يفتتح بلفظ: «هذا كتاب أمر بكتبه فلان أبو فلان الإمام الفلانيّ أمير المؤمنين لفلان» ثم يقال: «أما بعد فالحمد لله» ويؤتى فيه بتحميدة أو ثلاث تحميدات إن قصد المبالغة في قهر أهل الذمّة بدخولهم تحت ذمة الإسلام وانقيادهم إليه، ثم يذكر نظر الخليفة في صالح الرعيّة حتّى أهل الذمة، وأنه أنهي إليه حال فلان وسئل في توليته على طائفته فوّلاه عليهم للميزة على غيره من أبناء طائفته ونحو ذلك؛ ثم يوصيه بما يناسبه من الوصايا.

стр. 4892

وهذه نسخة من ذلك، كتب بها عن القائم بأمر الله، لعبد يشوع «١» الجاثليق، من إنشاء العلاء بن موصلايا، وهي: هذا كتاب أمر بكتبه عبد الله أبو جعفر عبد الله الإمام القائم بأمر الله أمير المؤمنين، لعبد يشوع الجاثليق الفطرك «٢» . أما بعد، فالحمد لله الواحد بغير ثان، القديم لا عن وجود زمان، الذي قصرت صنيعة الأوهام، عن إدراكه وحارت، وضلّت صنيعة الأفهام، عن بلوغ مدى صفاته وحالت، المتنزّه عن الولد والصاحبة، العاجزة عن إحاطة العلم به دلائل العقول الضافية الصائبة، ذي المشيئة الحالية بالمضاء، والقدرة الجارية عليها تصاريف القدر والقضاء، والعظمة الغنيّة عن العون والظّهير، المتعالي بها عن الكفء والنظير، والعزّة المكتفية عن العضد والنصير، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ «٣» . والحمد لله الذي اختار الإسلام دينا وارتضاه، وشام «٤» به عضب الحقّ على الباطل وانتضاه، وأرسل محمدا ﷺ منقذا من أشراك الضّلّة، وكاشفا عن الإيمان ما غمره من الإشراك وأظلّه، وبعثه ماحيا أثر الكفر من القلوب والأسماع، وناحيا في اتّباع أوامره «٥» ماجدّ في البدار إليه والإسراع، [وأدّى ما حمّله أحسن الأداء] «٦» ، وداوى بمعجز النبوّة من النفوس معضل الداء، ولم يزل لأعلام الهدى

стр. 4893

مبينا، ولحبائل الغيّ حاسما مبينا، إلى أن خلص الحقّ وصفا، وغدا الدّين من أضداده منتصفا، واتّضح للحائر سنن الرّشد، وانقاد الأبيّ بالّليّن والأشدّ، فصلّى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه المنتخبين، وخلفائه الأئمة الراشدين؛ وسلّم تسليما. والحمد لله الذي استخلص أمير المؤمنين من أزكى الدّوحة والأرومة، وأحلّه من عزّ الإمامة ذروة للمجد غير مرومة، وأصار إليه من تراث النبوّة ما حواه بالاستحقاق والوجوب، وأصاب به من مرامي الصّلاح ما حميت شموسه من الأفول والوجوب «١» ، وأولاه من شرف الخلافة ما استقدم به الفخر فلبّى، واستخدم معه الدّهر فما تأبّى، ومنح أيّامه من ظهور العدل فيها وانتشاره، ولقاح حوامل «٢» الإنصاف فيها ووضع عشاره «٣» ، ما فضل به العصور الخالية، وظلّت السير متضمّنة من ذكرها ما كانت من مثله عارية خالية، وهو يستديمه- سبحانه- المعونة على ما يقرّب لديه ويزلف عنده، ويستمدّ التوفيق الذي يغدو لعزائمه الميمونة أوفى العضد والعدّة؛ وما توفيق أمير المؤمنين إلّا بالله عليه يتوكّل وإليه ينيب. وأمير المؤمنين مع ما أوجب الله تعالى عليه من اختصاص رعاياه [بأكنافه] «٤» التي يمدّ عليهم رواقها، ويردّ بها إلى أغصان صلاحهم أوراقها، ويلقي على أجيادهم عقودها، ويقي رياح ائتلافهم ركودها، يرى أن يولي أولي الاستقامة من أهل ذمّته ضروب الرأفة وصنوفها، وأقسام العاطفة الدافعة عنهم حوادث الغير

стр. 4894

وصروفها، بمقتضى عهودهم القويّة القوى، وأذمّتهم «١» التي يلزم أن يحافظ عليها أهل العدل والتقوى، ويغتمدهم من الضّرر «٢» الغامر، والإجمام المضاهي الآنف منه الغابر؛ بما يقبض «٣» يد الضيّم وكفّه [ويفيض عليهم من الملاحظة كل ما حسم الضير دونهم وكفّه] «٤» وأن يحبوهم «٥» من الحياطة بما يحرس رسومهم المستمرّة من أسباب الاختلال، ويجريهم فيها على ما سنّه السلف معهم من مألوف السّجايا والخلال. ولما أنهي إلى حضرة أمير المؤمنين تمييزك عن نظرائك، وتحلّيك من السّداد بما يستوجب معه أمثالك المبالغة في وصفك وإطرائك، وتخصّصك بالأنحاء التي فتّ فيها شأو أقرانك، وأفدت بها ما قصّر معه مساجلك من أبناء جنسك أن يعدلك في ميزانك، وما عليه أهل نحلتك من حاجتهم إلى جاثليق «٦» كافل بأمورهم، كاف في سياسة جمهورهم، مستقلّ بما يلزمه القيام به، غير مقلّ بما يتعيّن مثله في أدوات منصبه، وأنّ كلّا ممن يرجع إليه منهم لمّا تصفّح أحوال متقدّمي دينهم واستشفّ، وأعمل الفكر في اختيار الأرجح منهم والأشفّ، واتفقوا من بعد على إجالة الرأي الذي أفاضوا بينهم قداحه، وراضوا به زند الاجتهاد إلى أن أورى حين راموا اقتداحه، فلم يصادفوا من هو بالرياسة عليهم أحقّ وأحرى، وللشّروط الموجبة التقديم فيهم أجمع وأحوى، وعن أموال وقوفهم أعفّ وأورع، ومن نفسه لداعي التحرّي فيها أطوع وأتبع، منك؛ اختاروك لهم راعيا، ولما شدّ نظامهم ملاحظا مراعيا، وسألوا إمضاء نصّهم عليك والإذن فيه،

стр. 4895

وإجراء الأمر فيما يخصّك أسدّ مجاريه، وترتيبك فيما أهّلت له وحمّلت ثقله، واختصاصك على من تقدّمك من الأضراب، بمزيد من الإرعاء والإيجاب، وحملك وأهل نحلتك على الشّروط المعتادة، والرسوم التي ٧ مضاء الشريعة لها أوفى الشّهادة، رأى أمير المؤمنين الإجابة إلى ما وجّهت إليه فيه الرّغبه، واستخارة الله تعالى في كل عزم يطلق شباه ويمضي غربه، مقتديا فيما أسداه إليك، وأسناه من أنعمه «١» لديك، بأفعال الأئمة الماضين، والخلفاء الراشدين، صلوات الله عليهم أجمعين، مع أمثالك من الجثالقة الذين سبقوا، وفي مقامك اتّسقوا، وأوعز بترتيبك جاثليقا لنسطور النّصارى بمدينة السلام وسائر البلاد والأصقاع، وزعيما لهم وللرّوم واليعاقبة طرّا، ولكلّ من تحويه ديار الإسلام من هاتين الطائفتين ممّن بها يستقرّ وإليها يطرا، وجعل أمرك فيهم ممتثلا، وموضعك من الرّياسة عليهم متأثّلا، وأن تنفرد بالتقدّم على هذه الطوائف أجمع: ليكون قولك فيما يجيزه الشرع «٢» فيهم يقبل وإليك في أحوالهم يرجع، وأن تتميز بأهبة الزّعامة، في مجامع النصارى ومصلّياتهم عامّة، من غير أن يشركك فيها أو يشاكلك في النّسبة الدالة عليها مطران أو أسقفّ للروم أو اليعاقبة: لتغدو شواهد ولايتك بالأوامر الإمامية بادية للسامع والناظر، وآثار قصورهم عن هذه الرّتبة التي لم يبلغوها كافّة للمجادل منهم والمناظر، ومنعوا بأسرهم عن مساواتك في كلّ أمر هو من شروط الزّعامة ورسومها، والتزيّي بما هو من علاماتها ووسومها؛ إذ لا سبيل لأحدهم أن يمدّ في مباراتك باعه، ولا أن يخرج عن الموجب عليه من الطاعة لك والتّباعة، وحملك في ذاك على ما يدلّ عليه المنشور المنشأ لمن تقدّمك، الممضى لك ولكلّ من يأتي بعدك، المجدّد بما حواه ذكر ما نطقت به المناشير المقرّرة في أيام الخلفاء الراشدين، صلوات الله عليهم أجمعين، لمن تقدّمك في مقامك، وأحرز سبق مغزاك ومرامك: من كون المنصوب في الجثلقة إليه الزّعامة على ما تضمّه

стр. 4896

ديار الإسلام من هذه الفرق جمعا، والمنصوص عليه في التقدّم الذي ليس لغيره من رياضه مرعى؛ وتقدّم أمير المؤمنين بحياطتك وأهل نحلتك في نفوسكم وأموالكم وبيعكم «١» ، ودياركم ومقارّ صلواتكم وحراسة أموالكم «٢» ، واعتمادكم بأقسام الكلاءة على أجمل الرّسم معكم، وأن تحموا من نقض سنّة رضيّة قرّرت لكم، ودحض وتيرة حميدة استعملت في فرضكم، وأن تقبض الجزية من رجالكم ذوي القدرة على أدائها بحسب ما جرت به عاداتكم دون النساء ومن لم يبلغ الحلم دفعة واحدة في السنة، وتجروا في ذلك على السجيّة التي تناقلها الرّواة وتداولتها الألسنة، من غير تثنية ولا تكرير، ولا ترنيق لمنهل المعدلة عندكم ولا تكدير، وأن تحبى بالشّدّ دائما وتقوية يدك على من نصبته في أمورهم ناظرا ولشملهم ناظما؛ ويفسح لك في فصل ما يشجر بينهم على سبيل الوساطة: لتقصد في ذاك ما يحسم دواعي الخلف ويطوي بساطه، وأن تمضي تثقيفك لهم وأمرك فيهم، أسوة ما جرى عليه الأمر مع من كان قبلك يليهم، لتحسن معه السيرة العادلة «٣» عليهم بحفظ السّوام، المطابقة للشروط السائغة في دين الإسلام. وأمر بإنشاء هذا الكتاب مشتملا على ما خصّك به، وأمضى أن تعامل بموجبه، فقابل نعمة أمير المؤمنين عندك بما تستوجبه من شكر تبلغ فيه المدى الأقصى، وبشر لا يوجد التصفّح له عندك قصورا ولا نقصا، وواظب على الاعتراف بما أوليته من كلّ ما جمّلك، وصدّق ظنّك وأملك، واستزد الإنعام بطاعة تطوي عليها الجوانح، وأدعية لأيامه تتبع الغادي منها بالرائح، وتجنّب التقصير فيما بك عدق «٤» ، وإليك وكل وعليك علّق؛ واحتفظ بهذا الكتاب جنّة تمنع عنك

стр. 4897

ريب الدّهر وغيره، وحجّة تحمل فيها على ما يحمي ما منحته من كل [ما شعّثه وغبّره] «١» ؛ وليعمل بهذا المثال كافّة المطارنة والأساقفة والقسيّسين، والنصارى أجمعين، وليعتمدوا من التّباعة لك ما يستحقّه تقديمك على الجماعة، وليثقوا بما يغمرهم من العاطفة «٢» الحامية سربهم من التفريق والإضاعة؛ إن شاء الله تعالى. وكتب في شهر ربيع الأوّل سنة سبع وستين وأربعمائة. الطرف الرابع (فيما كان يكتب عن مدّعي «٣» الخلافة ببلاد المغرب والأندلس) وكانوا يعبّرون عمّا يكتب من ذلك بالظّهائر والصّكوك: فالظهائر جمع ظهير، وهو المعين، سمّي مرسوم الخليفة أو السلطان ظهيرا لما يقع به من المعاونة لمن كتب له. والصّكوك جمع صكّ وهو الكتاب، قال الجوهري: وهو فارسيّ معرّب والجمع أصكّ وصكاك وصكوك؛ ثم تحامى المتأخّرون منهم لفظ الصّكّ، لما جرى به عرف العامّة من غلبة استعماله في أحد معنيي الاشتراك فيه وهو الصّفع، واقتصروا على استعمال لفظ الظّهير. ولذلك حالتان: الحالة الأولى «٤» (ما كان الأمر عليه في الزمن القديم) واعلم أنه لم يكن لهم مصطلح يقفون عند حدّه في الابتداءات، بل بحسب ما تقتضيه قريحة الكتّاب؛ فتارة يبتدأ بلفظ: «من فلان إلى فلان» أو «من

стр. 4898

فلان إلى أهل فلانة» أو «إلى الأشياخ بفلانة» أو «يصلكم فلان بهذا الكتاب» . وتارة يبتدأ ب «أما بعد حمد الله» . وتارة يبتدأ بلفظ «تقدم فلان بكذا» . وتارة يبتدأ بلفظ «مكتوبنا هذا» وغير ذلك مما لا ينحصر. فمن الظّهائر المكتتبة لأرباب السّيوف عندهم، ما كتب به بولاية ناحية، وهي: من فلان إلى أهل فلانة أدام الله لهم من الكرامة أتمّها ومن الرّعاية أوفاها، وأسبغ عليهم برود نعمه الجزيلة وأصفاها. أما بعد حمد الله ميسّر أسباب النّجاح، ومسنّي مرام الرّشاد والصّلاح، والصلاة على سيدنا محمد رسوله نبيّ الرحمة والرّفق والإسجاح «١» ، وعلى آله وصحبه المتّصفين بالقوّة في ذات الله تارة وتارة بخفض الجناح، والرّضا عن الخليفة أمير المؤمنين ذي الشّرف الذي لم يزل بالهدى النبويّ متوقّد المصباح، والدعاء للمقام الإماريّ بالنصر الذي يؤتي مقاليد الافتتاح، والتأييد الماضي حدّ رعبه حيث لا يمضي غرار المهنّد وشبا الرّماح، فإنّا كتبناه إليكم- كتب الله لكم سكون الأرجاء وهدوّها، وأجرى لكم بالصّلاح رواح الأيّام وغدوّها- «من فلانة» وللدّولة العليّة بركات تكاثر السّحب في انسكابها وانسجامها، وتقود الخيرات والمسرّات في كل أوب بزمامها، والحمد لله حمدا يقضي بوفور جزيلات النّعم وجسامها. وإن الاهتمام بكم لمستبق على كل غرض جميل، ومقدّم فيما يحظيكم بكلّ بغية وتأميل؛ وبحسب هذا لا يزال يختار لكم من الولاة كلّ مختار منتخب، ولا يقدّم عليكم إلّا من ينتهي إلى أثيل حسب وكريم منتسب، ولا يزال يداول موضعكم بين كل طريقة تتّصل من حسن السّير وسداد النظر بأمتن سبب؛ وعلى هذا الأصل استخرنا الله وهو المستخار، والذي يقضي ما يشاء ويختار، في أن

стр. 4899

قدّمنا عليكم، وولّينا للنظر فيما لديكم، من له التقدّم في الإقدام، والاضطلاع الثابت الأقدام؛ وذلك فلان؛ وآثرناكم به اعتناء بجانبكم واهتبالا «١» ، وخصصناكم منه بمن يفسح في كل أثر حميد مجالا، والمعتقد فيه أن يعمل على شاكلته بنباهة مكانه، وأن يبذل في الانتهاض والاكتفاء غاية وسعه وإمكانه؛ وعليه أن يلازم تقوى الله العظيم في سرّه وعلنه، ويجري على سبيل العدل وسننه، ويشمّر عن ساعده في الدّفاع عن أحوازكم كلّ التشمير، ويأخذ على أيدي أهل التعدّي أخذا يقضي على الفساد وأهله بالتّتبير، ويقصد بكم سديد السّعي ورشيد الرأي في الدقيق والجليل والصغير والكبير، ويسوّي في الحق بين الحافل والتافه والغنيّ والفقير، وعليكم أن تسمعوا وتطيعوا، ولا تهملوا حقّ الامتثال والائتمار ولا تضيعوا، وأن تكونوا يده التي تبطش، وأعوانه فيما يحاول من مستوفي المساعي المرضيّة ومستوعبها، وأن تتعاونوا على التقوى والبرّ، وتقفوا له عند النهي والأمر، وتجتهدوا معه في مصالحكم كلّ الاجتهاد، وتعتمدوا على ما رسمناه لكم أتمّ الاعتماد، وستجدون من مواليكم- إن شاء الله- ما يوافق الظّنّ به، ويلائم العمل بحسب حسبه؛ إن شاء الله تعالى والسلام. ومنها ما كتب به في ولاية ناحية أيضا، وهي: من فلان إلى أهل فلانة أدام الله تعالى كرامتهم بتقواه، وعرّفهم أحقّ النظر بمصالحهم وأحراه. وبعد، فإنّا كتبناه لكم- كتب الله لكم أحوالا متّصلة الصّلاح، حميدة الاختتام والافتتاح- من فلانة، ونعم الله سبحانه موفورة الأقسام، صيّبة الغمام؛ وقد اقتضى

стр. 4900

ما نتوخّاه من الاحتياط على جوانبكم، ونعتمده من الإيثار لكم والاعتناء بكم، أن نتخيّر للتقديم عليكم من نعلم منه الأحوال المرضيّة حقيقة، ونحمد سيره فيما يحاوله وطريقه. ولمّا كان فلان ممن حمدت مقاصده، وشكرت في المحاولات الاجتهاديّة عوائده، وحسنت فيما نصرّفه فيه مصادره وموارده، رأينا- والله القاضي فيما نذره ونأتيه، بالتوفيق الذي يكون به انقياد النّجح وتأتّيه- أن نقدّمه لحفظ جهاتكم، وتأمين أرجائكم وجنباتكم، ووصّيناه أن يجتهد فيما قلّدناه من ذلك كلّ الاجتهاد، وينتهض في إذهاب الشّرّ وإرهاب أهل الفساد، وبأن يسلك فيما يتولّاه من الأحكام سنن الحق، ويجري على سبيل العدل والرّفق، ويدفع أسباب المظالم، وينصف المظلوم من الظالم؛ فإذا وافاكم فتلقّوه بنفوس منبسطة، وعقائد على العمل الصالح مرتبطة، وكونوا معه على تمشية الحق يدا واحدة، وفئة في ذات الله متعاونة متعاضدة، بحول الله سبحانه. ومنها ما كتب به بإعادة وال إلى ناحية، وهي: وإنا كتبناه إليكم- كتبكم الله من المتعاونين على البر والتقوى، وأعلقكم من طاعته بالحبل الأمتن الأقوى- من فلانة: والذي نوصيكم به تقوى الله تعالى والعمل بطاعته، والاستعانة به والتوكّل عليه؛ وقد صرفنا إليكم فلانا بعد أن أقام هنا شاهدا مشاهد للتعلم نافعة، مباشرا من المذاكرة في الكتاب والسّنّة مجالس ضامنة لخير الدنيا والآخرة جامعة، مطالعا لأحوال الموحّدين أعزّهم الله في مآخذهم الدينيّة، ومقاصدهم المحيية لما درس من الملّة الحنيفيّة، فنال بذلك كلّه خيرا كثيرا، وأحرز به حظّا من السعادة كبيرا، وظفر منه بما يكون له في كل ما ينظر فيه سراجا منيرا، وقد أعدناه إلى الشّغل الذي كان يتولّاه لجهتكم حرسها الله، ووصيّناه بتقوى الله تعالى الذي لا يطّلع على السّرائر سواه، وأن يكون بما شاهده مما تقدّم ذكره مقتديا، وبأنواره الساطعة التي لا يضلّ من اهتدى بها مهتديا، ولا

стр. 4901

يستند في شيء من أحكامه إلى من لا يقوم على عصمته دليل، ولا جعل إليه تحريم ولا تحليل؛ فأعينوه- وفقكم الله- على تمشية هذه المقاصد الكريمة أكرم إعانة، واسلكوا من مظاهرته على الحق وموازرته على المسالك التي تستبين هنالكم أتمّ استبانة، إن شاء الله تعالى. ومن الظهائر المكتتبة بالوظائف الدينّية ما كتب به في ولاية قاض، وهو: أما بعد حمد الله رافع علم الحقّ لمن اهتدى، وواضع ميزان القسط بالشريعة المحمديّة الآخذة بالحجز عن مهاوي الرّدى، ومؤيّد الدّين الحنيفيّ بمن ارتضى لتحديد حدوده وتجديد عهوده وهدى، والصلاة على سيدنا محمد نبيّه الكريم الذي أرسله إلى الناس كافّة غير مستثن عليه من الخلق أحدا، وعلى آله وصحبه الذين سلكوا في نصره وإظهار أمره جددا، والرضا عن الخليفة أمير المؤمنين العبّاسيّ الأطيب عنصرا ومحتدا، فإنا كتبناه إليكم- كتبكم الله ممن اعتزّ بطاعته وتقواه، واعتصم من حبله المتين بأوثقه وأقواه- من فلانة، وفضل الله سبحانه مديد الظّلال، وتوكّلنا عليه- عز وجهه- ظهيرنا المعتمد به في كلّ حال، وعمادنا الذي نقدّمه فيما ندبّره من الأعمال؛ وإنّكم من عنايتنا، وموصول رعايتنا، لبالمحلّ الأدنى، ومن خاصّ نظرنا واهتمامنا لمن نكلف بشأنه كلّه ونعنى، ونعتمد من ذلك بالأحسن فالأحسن فجزاء الذين أحسنوا الحسنى. وقد علمتم- وصل الله كرامتكم- أنّ الأحكام الشرعيّة هي ملاك الأمور ونظامها، وعليها مدار الأعمال الدينية وبها تمامها، وأنه لا يصلح لها إلا من تجرّد عن هواه، وآثر الحقّ على ما سواه، واتّبع حكم نبيّه- ﵇ في كلّ ما عمله ونواه، وتجمّل بالدّراية وحمل الرّواية فكانتا أظهر حلاه، واتّسم بالعدل والاعتدال فيما وليه من ذلك أو تولّاه، وكان ممن أطلق الحقّ لسانه وقيّد الورع يمناه؛ وقد أمعنّا النظر فيمن له من هذه الأوصاف أوفى نصيب، ومن إن رمى عن قوس نظره الموفّق كان سهمه المسدّد مصيب: لنخصّكم به قاضيا في هذه الأحكام، ونقدّمه

стр. 4902

للفصل بينكم في القضايا الشرعية حكما من صالحي الحكّام، فرأينا أهلا لذلكم ومحلّا من اختبرت على [النّهج] «١» القويم أحواله، وارتضيت فيما نيط به من ذلك أعماله وأقواله، وشهد له الاختبار بالانكفاف عن كل سابق وغائب «٢» ، وعن ارتكاب الثّنيّات إلى السّنن اللاحب، وذلكم «فلان» أدام الله كرامته وتوفيقه، ويسّر إلى مسالك النّجاة مسلكه وطريقه، فأنفذناه إليكم حكما مرضيّ السّير، وافر الحظّ من المعارف المصوّرة للحقّ في أجمل الصّور، مكتفيا لما لديه من استقامة الأحوال عن الوصايا ما خلا التذكير والتنبيه، والوصية بتقوى الله فهي التي تعصم العامل بها وتنجيه، فقد وصّى بها الله من اختاره من خلقه لإقامة حقّه وارتضاه، فقال تعالى: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ «٣» . فتلقّوه- أدام الله كرامتكم- بنفوس منبسطة، وقلوب مبتهجة مغتبطة، وأهواء على التظافر والتناصر في الحق مجتمعة مرتبطة؛ وتعاونوا في ذات الله على الطاعة، وكونوا في سبيل الله يدا واحدة فيد الله مع الجماعة، واستعينوه سبحانه على الخير يعنكم، واشكروا الله يؤتكم خيرا مما أخذ منكم، وهو سبحانه يتولّاكم بالحفظ الشامل، ويستعملكم من طاعته وسلوك سبيل مرضاته بأنجى ما استعمل به عامل؛ والسلام. ومنها ما كتب به أبو الحسن الرّعيني في ولاية قاض، وهي: من فلان إلى الأشياخ بفلانة أدام الله كرامتهم بتقواه، واستعملهم فيما يحبّه ويرضاه. أما بعد، فإنا كتبناه إليكم- كتب الله لكم حسناه، وأوزعكم شكر ما خوّلكم

стр. 4903

من نعماه ورحماه؛ ومن مقاصد هذا الأمر العزيز- أدامه الله- ما يعلي يد الحقّ ويسميها ويسدّد سهام العدل إلى أغراضها ومراميها، ويتكفّل بالجزاء لمن لاذ بأكناف الطاعة ونواحيها، والحمد لله على نعمه التي لا نحصرها ولا نحصيها. وإلى ذلكم فإنّ فلانا لمّا تمكنت الثّقة بجميل صفته، واستنامت البصيرة إلى استحكام سنّه ومعرفته، وقد كان تقدّم له من خدمة الأمر وأوليائه ما نجّده «١» مع الأيّام وخرّجه، وخصّصه من كريم الاستعمال بما استدناه إلى مراقي الذّكاء واستدرجه، رأينا- والله المستعان- أن نقدّمه للنظر في قضاياكم الدّينيّة، وأحكامكم الشرعيّة، بعد أن وصّيناه بتقوى الله فقدّمها، وعرضنا عليه ما يعلمه ويلزمه من شروط الحكومة فالتزمها؛ فلينهض إلى ما قدّمناه على بركة الله تعالى مشمّرا عن ساعد الحزم، آخذا في كافّة أموره بما يأخذه أولو العزم، جاريا على السّنن الواضح المعروف، مسوّيا في الحق بين النّبيه والخامل والشريف والمشروف، محتسبا على إقامة فروض الدّين أكرم احتساب، مكتسبا من الأجر في ردع الظّلم والباطل أفضل اكتساب، راجيا في تمشية العدل على رغم من أباه ما يرجو المؤمن المحقّق من زلفى وحسن مآب، ولدينا من عقده على ذلك ما يحسّن مقصده، ويمكّن في بسطة الحقّ مقعده؛ فإذا وافاكم فاستبشروا بموافاته، وقفوا عند ما يمضيه من لوازم الشّرع وموجباته، وتعاونوا على الخير تعاونا يجزل حظّكم من فضل الله وبركاته؛ فهو المؤمّل في ذلك لا ربّ سواه. ومن الظهائر المكتتبة بالوظائف الدّيوانية ما كتب به أبو المطرّف بن عميرة بولاية وزارة وهو: مكتوبنا هذا بيد فلان أدام الله علاءه، وحفظ عنايته وغناءه، يجد به مكان

стр. 4904

العزّة مكينا، ومورد الكرامة عذبا معينا، وسبيل الحرمة المتأكدة واضحا مستبينا، ويتقلد وزارتنا تقلّد تفويض وإطلاق، ويلبس ما خلع عليه منها لبسة تمكّن واستحقاق، وينزل من رتبتها العليا منزلة شرفها ثابت وحماها باق، ويسوّغ الدار المخزنية التي يسكنها بفلانة تسويغا يملّكه إيّاها أصحّ تمليك، ويفرد فيها من غير تشريك، إن شاء الله تعالى والسلام. ومنها ما كتب به أبو عبد الله بن الأبّار «١» في مشارفة ناحية، وهو: عن إذن فلان، يتقدّم فلان للنّظر في الأشغال المخزنية بفلانة، موفّيا ما يجب عليه من الاجتهاد والتّشمير، والجدّ الذي ارتسم في الإنماء والتّثمير، مصدّقا ما قدّر فيه من الانتهاض والاستقلال، وقرّر عنه من الأمانة التي رشّحته وأهّلته لأنبه الأعمال، جاريا في ضبط الأمور المخزنية والرّفق بجانب الرعية على المقاصد الجليلة والمذاهب المرضيّة في عامّة الشّؤون والأحوال، عاملا بما تقدّمت به الوصيّة إليه، وتأكّدت الإشارة [به] «٢» عليه، من تقوى الله في السّر والعلن، علما أنّ المرء بما قدّمته يداه مرتهن. ومنها ما كتب به المذكور بإعادة مشارف إلى ناحية، وهو: يعاد بهذا المكتوب فلان إلى خطّة الإشراف بفلانة: رافلا من ملابس التّكرمة والحظوة في شفوفها، مخلّى بينه وبين النظر في ضروب الأشغال المخزنية وصنوفها، فهو المعروف بالكفاية والاجتهاد، الموصوف بحسن الإصدار

стр. 4905

والإيراد؛ وأولى الناس بالتزام النّصيحة، والازدياد من بضائع الأعمال الرّبيحة، من كثرت النّعم السلطانيّة لديه، ودفع إلى الخطط ودفعت إليه، فليتقلّد هذه الخطّة بحقّها من الانتهاض والتشمير، وتأدية الأمانة بالإنماء والتّثمير، وليتزوّد تقوى الله تعالى ليوم يسأل عن النّقير والقطمير «١» ، جاريا في أموره كلّها على الطريقة السّويّة، جامعا بين الاحتياط للمخزن والرّفق بالرعيّة، غير عادل في حال من الأحوال وفنّ من فنون الأعمال عن مقتضى هذه الوصيّه، إن شاء الله تعالى. الطرف الخامس (فيما كان عليه الأمر في الدولة الفاطمية بالديار المصريّة) وقد تقدّم في الكلام على ترتيب المملكة أنه كان بها من وظائف أرباب السّيوف الوزارة إذا كان الوزير صاحب سيف، والنظر في المظالم، وزمّ «٢» الأقارب، ونقابة العلويّين، وزمّ الرجال والطوائف «٣» : كالأموية، والحافظيّة، والأفضلية، وغيرهم ممّن تقدّم ذكره في ترتيب دولتهم، وولاية الشّرطة، وولاية المعاون والأحداث «٤» ، وولاية الحماية «٥» ، وولاية حفظ الثّغور، والإمارة على الحجّ، والإمارة على الجهاد، وولاية الأعمال، وغير ذلك. ومن الوظائف «٦» قضاء
следующие страницы →