← Адаб

Адаб · id 9429

صبح الأعشى في صناعة الإنشا - ط العلمية

القلقشندي

Полный текст (7 500 стр.). Показаны 5286–5325 · переход к 5291.

стр. 5286

مصلحا، ولأمله منجحا، لا تغيّر عليه فيما هو فيه، ودعه حتّى يتبين لك خافيه؛ ولتستقص في كلّ وقت عنهم الأخبار، ولتستعلم حقائق ما هم عليه بمن تستصحبه من الأخيار، ولا تزال منهم على يقين، وعمل بما فيه خلاص دنيا ودين. الوظيفة الخامسة (الخطابة) وهي من أجلّ الوظائف وأعلاها رتبة في نفس الأمر. وموضوعها معروف وتختصّ هذه الطبقة من التواقيع بخطابة الجوامع. وهذه نسخة توقيع بخطابة الجامع «١» بقلعة الجبل المحروسة، حيث مصلّى السلطان، من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ: الحمد لله الذي أنار بالذّكر قلوب أوليائه، وكشف بالذّكرى بصائر أصفيائه، وأنال أهل العلم بالإبلاغ عنه إلى خلقه وراثة أنبيائه، واختار لإذكارنا بآلاء الله من فرسان المنابر من يجاهد الأعداء بدعائه، ويجاهر الأودّاء من مواعظه بما يعلم كلّ منهم أنّ في مؤلم صوادعه دواء دائه؛ فإذا افتتح بحمد الله أثنى عليه بموادّ علمه حقّ ثنائه، ونزّهه بما ينبغي لسبحات وجهه وجلال قدسه وتقدّس أسمائه، وأثنى كما يجب على نبيّه ﷺ الذي آدم ومن بعده من الرّسل تحت لوائه، وإذا تليت على خيل الله خطبته تشوّقت بلقاء أعداء الله إلى لقائه، وخطبت الجنان من بذل نفوسها ونفائسها بما أقنته في سبيل الله لاتّقائه. نحمده على أن جعلنا لذكره مستمعين، ولأمره ونهيه متّبعين، وعلى حمده في كل ملأ من الأولياء مجتمعين.

стр. 5287

ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لا تزال تختال بذكرها أعطاف المنابر، وتتعطّر ألسنة الأقلام بما تنقله منها عن أفواه المحابر، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي هدى الله من تقدّم من الأمة بخبره ومن تأخّر بخبره، وجعل روضة من رياض الجنة بين قبره ومنبره، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين هم أوّل من عقدت بهم من الجمع صلواتها، وأكرم من زهيت به من الجهاد والمنابر صهواتها، صلاة لا نزال نقيمها عند كلّ مسجد، ونديمها في كلّ متهم في الآفاق ومنجد، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى المنابر أن يرتاد له من أئمة العلماء علّامة عصره، ورحلة «١» مصره، وإمام وقته الذي يصدع بالحق وإن صدع، وعالم زمانه الذي يقوم في كل مقام بما يناسبه مما يأخذ في الموعظة الحسنة وما يدع، منبر نذكّر بآلاء الله على أعواده وإن لم نزل لها من الذّاكرين، وننبّه فيه على شكر الله بالرأفة على خلقه وإن لم نبرح لها بذلك وغيره من الشاكرين، ونشوّق عليه إلى الجهاد في سبيل الله بما أعدّ الله لنا على ذلك من النصر والأجر وإن كنّا على الأبد إليه مبادرين، وإلى إقامة دعوة الحق به مباكرين. ولما كان فلان هو الذي تعيّن لرقيّ هذه الرتبة فخطب لخطابتها، وتبيّن أنه كفؤها الذي تتشوق النّفوس إلى مواعظه فترغب في إطالتها لإطابتها- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نحلّي بفضائله أعطاف هذا المنبر الكريم، وأن نختصّ نحن وأولياؤنا بسماع مواعظه التي ترغّب فيما عند الله بجهاد أعداء الله، والله عنده أجر عظيم. فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال يطلع في أفق المنابر من الأولياء شمسا منيرة، ويقيم شعائر الدين من الأئمة الأعلام بكلّ مشرق العلانية طاهر السّريرة- أن يفوّض إليه كذا: فليحلّ هذه الرتبة التي لم تقرّب لغيره جيادها،

стр. 5288

ويحلّ هذه العقيلة التي لا تزان بسوى العلم والعمل أجيادها، ويرق هذه الهضبة التي يطول إلّا على مثله صعودها، ويلق تلك العصبة التي تجتمع للأولياء به حشودها. وهو يعلم أنّه في موقف الإبلاغ عن الله لعباده، والإعلام بما أعدّ الله في دار كرامته لمن جاهد في الله حقّ جهاده، والإنذار لمن قصّر في إعداد الأهبة ليوم معاده؛ وهو بمحضر من حماة الإسلام، ومشهد ممن قلّدناه أمر أمّة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام؛ فليقصر خطبه على طاعة لله يحضّ عليها، وعزمة في سبيل الله يشوّق إليها، ومعدلة يصف ما أعدّ الله لولاة أمر قدّمتها بين يديها، وتوبة يبعث الهمم، على تعجيلها، وأوقات مكرمة ينبّه الأمم، على احترامها بتقوى الله وتبجيلها، ودنيا ينذر من خداعها، ويبيّن للمغترّ بها ما عرف من خلائقها المذمومة وألف من طباعها، وأخرى يوضّح للمعرض عنها وشك قدومها، ويحذّر المقصّر في طلابها من عذابها ويبشّر المشمّر لها بنعيمها. وليعلم أنّ الموعظة إذا خرجت من الألسنة لم تعد الأسماع، ولم يحصل منها على غير تعقّل القرائن والأسجاع؛ وإذا خرجت من القلوب وقعت في مثلها، وأثمرت في الحال بالمحافظة على فرض الطاعة ونفلها، وسكّنت في السرائر طباع طاعة تأبى على محاول نقلها، وقدحت في البصائر من أنواع المعرفة ما لم يعهد من قبلها. وليجعل خطبه في كل وقت مناسبة لأحوال مستمعيها، متناسبة في وضوح المقاصد بين إدراك من يعي غوامض الكلام ومن لا يعيها؛ فخير الكلام ما قلّ ودلّ؛ وإذا كان قصر خطبة الرجل وطول صلاته منبئين عن فقهه فما قصّر من حافظ على ذلك ولا أخلّ؛ وليوشّح خطبه من الدعاء لنا وللمسلمين بما يرجى أن يوافق ساعة الإجابة، وإذا توخّى الغرض بدعائه لعموم الأمة فقد تعيّنت- إن شاء الله- الإصابة؛ وهذه الوصايا على سبيل الذّكرى التي تنفع المؤمنين وترفع المحسنين، والله تعالى يجعله- وقد فعل- من أوليائه المتقين، بمنّه وكرمه، إن شاء الله تعالى. وهذه وصية خطيب أوردها في «التعريف» :

стр. 5289

وليرق هذه الرّتبة التي رفعت له ذرا أعوادها، وقدّمت له من المنابر مقرّبات جيادها، وليصعد منها على أعلى درجة؛ وليسعد منها بصهوة كأنما كانت له من بكرة يومه المشرق مسرجة، وليرع حقّ هذه الرتبة الشريفة، والذّروة التي ما أعدّت إلّا لإمام فرد مثله أو خليفة، وليقف حيث تخفق على رأسه الأعلام، ويتكلّم فتخرس الألسنة وتجفّ في فم الذّرا الأقلام، وليقرع المسامع بالوعد والوعيد، ويذكّر بأيام الله من كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ «١» ، ويليّن القلوب القاسية وإن كان منها ما هو أشدّ قسوة من الحجارة والحديد، وليكن قد قدّم لنفسه قبل أن يتقدّم، وليسبل عليه درع التوبة قبل أن يتكلّم، وليجعل لكل مقام مقالا يقوم به على رؤوس الأشهاد، ويفوّق منه سهما لا يخطيء موقعه كلّ فؤاد، وليقم في المحراب مقام من يخشى ربّه، ويخاف أن يخطف الوجل قلبه، وليعلم أنّ صدفة ذلك المحراب ما انفلقت عن مثل درّته المكنونة، وصناديق الصّدور ما أطبقت على مثل جوهرته المخزونة، وليؤمّ بذلك الجمّ الغفير، وليتقدّم بين أيديهم فإنّه السّفير، وليؤدّ هذه الفريضة التي هي من أعظم الأركان، وأوّل الأعمال التي توضع في الميزان، وأقرب القرب التي يجمع إليها داعي كلّ أذان، وليقم بالصلاة في أوقاتها، وليرح بها الناس في أوّل ميقاتها، وليخفّف مع الإتمام، وليتحمّل عمّن وراءه فإنه هو الإمام، وعليه بالتقوى في عقد كل نيّة، وأمام كلّ قضيّة؛ والله تعالى يجعله ممن ينقلب إلى أهله وهو مسرور، وينصب له مع الأئمة المقسطين يوم القيامة عن يمين الرحمن منابر من نور؛ بمنّه وكرمه. الوظيفة السادسة (الإمامة بالجوامع، والمساجد، والمدارس الكبار التي تصدر التولية عن السلطان في مثلها) وهذه نسخة توقيع بالإمامة:

стр. 5290

أما بعد حمد الله على نعمه التي جعلت أيّامنا الشريفة تزيد أهل الفضائل إكراما، وتخص بالسيادة والتقديم من أنشأه الله تعالى قرّة أعين وجعله للمتّقين إماما، وقدّمه على أهل الطاعة الذين يبيتون لربّهم سجّدا وقياما، والشّهادة له بالوحدانيّة التي تكسو مخلصها جلالا وسّاما، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أمّ الناس وعلّمهم الصلاة وأظهر في إقامة الدّين مقالا محمودا ومقاما، وعلى آله وصحبه الذين تمسّكوا بسنّته توثّقا واعتصاما- فإن خير الرتب في هذا العصر وفيما تقدّم رتبة الإمامة حيث تقدّم سيد البشر في محرابها على الأمة وأمّ، فاختارها من اتّبع الطريق المحمديّة وشرعها، وعلم سناءها ورفعها، فزاد بذلك سموّا إلى سموّه، وحصل على تضاعف الأجر ونموّه؛ وهو فلان. رسم- لا زالت أيامه الشريفة تشمل ذوي الأصالة والصّدارة بجزيل فضلها، وعوائد إنعامه تجري بإتمام المعروف فتبقي الرتب الدينيّة بيد مستحقّها وتسارع إلى تخليد النعم عند أهلها- أن يستمرّ فلان في كذا جاريا فيه على أجمل العادات؛ إعانة له على اكتساب الأجور بما يعتمده من تأهيل معهد العبادات، ورعاية لتكثير المبارّ، وترجيحا لما اشتمل عليه من حسن النظر في كل إيراد وإصدار، وتوفيرا للمناجح التي عرفت من بيته الذي كم ألف منه فعل جميل وعمل بارّ، ووثوقا بأنه يعتمد في عمارة مساجد الله أنه تشهد به الملائكة المتعاقبون بالليل والنهار، والله تعالى يجعل النّعم عنده مؤبّدة الاستقرار؛ إن شاء الله تعالى. الوظيفة السابعة (التدريس، وموضوعه إلقاء المسائل العلمية للطّلبة) وهذه نسخة توقيع بتدريس كتب به للقاضي عزّ الدين «١» ابن قاضي

стр. 5291

القضاة بدر الدّين بن جماعة، عوضا عن والده، في جمادى الآخرة سنة ثلاثين وسبعمائة؛ وهي: الحمد لله متمّ فضله على كلّ أحد، ومقرّ النّعمة على كلّ والد وولد، الذي خصّ أولياءنا ببلوغ الغايات في أقرب المدد، واستصحاب المعروف فما ينزع منهم خاتم من يد إلّا ليد. نحمده بأفضل ما يحمده به من حمد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة باقية على الأبد، ونصلي على سيدنا محمد نبيّه الذي جعل شريعته واضحة الجدد، قائمة بأعلام العلماء قيام الأمد، صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين شبّههم في الهدى بالنّجوم وهم مثلها في كثرة العدد، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ نعمنا الشريفة لا تتحوّل، ومواهبنا الجزيلة [لا تزال لأوليائنا] «١» تتخوّل، وكرمنا يمهّد منازل السّعود لكل بدر يتنقّل، وشيمنا الشريفة ترعى الذّمم لكلّ من أنفق عمره في ولائها، وتحفظ ما لها من المآثر القديمة بإبقائها في نجباء أبنائها؛ مع ما نلاحظه في استحقاق التقديم، وانتخاب من ترقّى منهم بين العلم والتعليم، وحصّل في الزمن القليل العلم الكثير، واستمدّ من نور والده وهو البدر المنير، وعلم بأنّه في الفضائل سرّ أبيه الذي شاع، وخليفته الذي لو لم ينصّ عليه لما انعقد [إلا] «٢» عليه الإجماع، والواحد الذي ساد في رتبة أبيه وما خلت من مثله- لا أخلى الله منه البقاع!. وكان المجلس الساميّ القضائيّ، الفلانيّ، هو المراد بما قدّمنا من صفاته الجميلة، وتوسّمنا أنه لمعة البدر وهي لا تخفى لأنها لا تردّ العيون كليلة؛ ورأى والده المشار إليه من استحقاقه ما اقتضى أن ينوّه بذكره، وينبّه على المعرفة

стр. 5292

بحقّ قدره، فآثر النّزول له عمّا باسمه من تدريس الزاوية بجامع مصر المحروسة ليقوم مقامه، ويقرّر فوائده وينشر أعلامه، ويعلم أنه قد حلّق في العلياء حتّى لحق البدر وبلغ تمامه؛ فعلمنا أنّ البركة فيما أشار، وأنّ اليمن بحمد الله فيما رجّحه من الاختيار. فلذلك رسم بالأمر الشريف- زاد الله في شرفه، وجعل أقطار الأرض في تصرّفه- أن يرتّب في هذا التدريس عوضا عن والده، أطال الله بقاءه على عادته وقاعدته إلى آخر وقت لأنه أحقّ من استحق قدره الرفيع التمييز، وأولى بمصر ممن سواه لما عرفت به مصر من العزيز ثم من عبد العزيز. ونحن نوصيك أيّها العالم- وفّقك الله- بالمداومة على ما أنت بصدده، والمذاكرة للعلم فإنّك لا تكاثر العلماء إلا بمدده، والعمل بتقوى الله تعالى في كل قصد وتصدير، وتقريب وتقرير، وتأثيل وتأثير، وتقليل وتكثير، ونصّ وتأويل، وترتيب وترتيل، وفي كل ما تزداد به رفعتك، وتطير به سمعتك، ويحسن به الثناء على دينك المتين، ويقوم به الدليل على ما وضح من فضلك المبين. واعلم بأنك قد أدركت بحمد الله تعالى وبكرمنا وبأبيك وباستحقاقك ما ارتدّ به كثير عن مقامك، ووصلت في البداية إلى المشيخة في زاوية إمامك؛ فاعمل في إفادة الطّلبة بما يرفع الرافعيّ لك به الراية، ويأتمّ بك إمام الحرمين في النّهاية؛ فقد أمسيت جار البحر فاستخرج جمانه، واجتهد لتصيب في فتاويك فإنّ أوّليك سهام رميها من كنانة؛ وسبيل كل واقف عليه العمل بمقتضاه والاعتماد «١» . وهذه نسخة توقيع بتدريس زاوية الشافعيّ بالجامع العتيق أيضا، من إنشاء

стр. 5293

المولى زين الدين بن الخضر موقّع الدّست، كتب به لتاج الدين محمد الإخنائي شاهد خزانة الخاص، بالنّيابة عن عمّه قاضي القضاة تقيّ الدين «١» المالكيّ في أيام حياته، مستقلّا بعد وفاته، وهي: أما بعد حمد الله على أن زان مجالس المدارس في أيامنا الشريفة بتاجها، وأقرّ بها من ذوي الإنابة من يستحقّ النيابة عن تقيّ قوّى الأحكام بإحكامها وإنتاجها، ورفع قدر بيت مبارك طالما اشتهر علم علمه وصدر عن صدره فكان مادّة مسرّة النفس وابتهاجها، وجعل عوارفنا ترعى الذّرّيّة الصالحة في عقبها وتولّي كلّ رتبة من أضحى لأهلها بوجاهته مواجها، والشهادة له بالوحدانيّة التي تنفي شرك الطائفة الكافرة ومعلول احتجاجها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي استقامت به أمور هذه الأمة بعد اعوجاجها، وتشرّفت به علماؤها حتّى صارت كأنبياء بني إسرائيل بحسن استنباطها للجمل وجميل استخراجها، وعلى آله وصحبه الذين علموا وعملوا وأوضحوا لهذه الملّة قويم منهاجها- فإنّ أولى الأولياء ببلوغ الأمل، وتعاهد مدارس العلم بصالح العمل؛ وإظهار سرّ الفوائد للطالبين، وحلّ عقود مشكلها بجميل الاطّلاع وحسن اليقين، من حوى معرفة الفروع والأصول، وحاز من مذهبه المذهب خير محصول، ونشأ في حجر الفضائل، واقتدى بحكّام بيته الذين لهم في العلوم بمصر والشام أوضح البراهين وأقوى الدّلائل، وله في الآباء والأبوّة، الديانة التي بلغ بها من الإقبال مرجوّه؛ طالما سارت أحكام عمّه- أجله الله- في الأقطار، وحكم فأبدى الحكم بين أيدينا أو في الأمصار، وله العفاف والتّقى والمآثر الجميلة وجميل الآثار، والفتاوى التي أوضح بها مشكلا، وفتح مقفلا، والفصل بين الخصوم بالحقّ المجتلى، والبركة التي لدولتنا الشريفة منها نصيب وافر، والتصميم الذي اقترن بغزارة العلم والوقار الظاهر؛ فهو- أعز الله أحكامه- من العلماء العاملين، وله

стр. 5294

البشرى بما قاله أصدق القائلين، في النبإ الذي تتمّ به الزيادة والنماء: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ «١» ولما كان المجلس السامي هو الذي استوجب التصدير لإلقاء الدروس، وأضحى مالكيّا مالكا أزمّة الفضائل حائزا من أثوابها أفخر ملبوس، وله بخزانة خاصّنا الشريف وإصطبلاته السعيدة الشهادة البيّنة، والكتابة التي هي العزّ الحاضر فلا يحتاج معها إلى إقامة بيّنة، والكفالة التي نطقت بها الأفواه مسرّة ومعلنة، والأمانة التي حذا فيها حذو أبيه واتّبع سننه. فلذلك رسم- لا زال يديم النّعم لأهلها، ويبقي المراتب الدينيّة لمن أضحى محلّه مناسبا لمحلّها، أن يستقر [في تدريس زاوية الشافعي] «٢» فلينب عن عمّه في هذا التدريس، وليقف ما يسرّ النفوس من أثره النفيس، وليفد الطلبة على عادته، وليبد لهم من النّقول ما يظهر غزير مادّته، وليستنبط المسائل، وليجب بالأدلّة المسائل، وليرجّح المباحث، وليكن لوالده- ﵀ أحقّ وارث، وليستقلّ بهذه الوظيفة المباركة بعد وفاة عمه أبقاه الله تعالى، وليتزيّد من العلوم ليبلغ من صدقاتنا الشريفة آمالا، والله تعالى يسدّد له بالتقوى أقوالا وأفعالا، بمنّه وكرمه. وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الصّلاحيّة «٣» المجاورة لتربة الإمام الشافعيّ ﵁، كتب به لقاضي القضاة تقيّ الدين، ابن قاضي القضاة تاج الدّين ابن بنت الأعزّ. من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر، وهي:

стр. 5295

الحمد لله شافي عيّ البحث بخير إمام شافعيّ، والآتي منه في الزّمن الأخير بمن لو كان في الصّدر الأوّل لأثنى على ورعه ودينه كلّ صحابيّ وتابعيّ، ومفيد الأسماع من وجيز قوله المحرّر ما لولا السبق لما عدل إلى شرح وجيز سواه الرافعيّ. نحمده على نعم ألهمت وضع الأشياء في محلّها، واستيداعها عند أهلها، وتأتّيها بما يزيل الإشكال بانجذاب من شكله مناسب لشكلها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة يتزيّن بها المقال، ويتبيّن بها الحقّ من الضّلال، ونشهد أن محمدا عبده ورسوله ونبيّه موضّح الطّرق إلى الحق المبين، وناهجها إلى حيث مجتمع الهدى ومرتبع الدّين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تهدي إلى صراط الّذين، ورضي الله عن أصحابه، الذين منهم من جاء بالصّدق وصدّق به فقوي سبب الدين المتين، ومنهم من فرق «١» بين الحق والباطل وكان إمام المتقين وسمّيّ أمير المؤمنين، ومنهم من جهّز جيش العسرة فثبّت جأش المسلمين، ومنهم من أعطاه ﷺ الراية فأخذها منه باليمين، ورضي الله عن بقيّة الصحابة أجمعين. وبعد، فلما كان مذهب الإمام الشافعي «محمد بن إدريس» ﵁ هو شهدة المتلفّظ، وكفاية المتحفّظ، وبهجة المتلحّظ وطراز ملبس الهدى، وميدان الاجتهاد الذي لا تقف أعنّة جياده عن إدراك المدى؛ وقد تجملت ديار مصر من بركة صاحبه بمن تشدّ إليه الرّحال، وتفخر جبّانة هو فيها حالّ، وجيد هو بجواهر علومه حال، ومن يحسن إلى ضريحه المنيف الاستناد، وإذا قرئت كتبه لديه قيل ما أبعد هذا المرمى الأسنى! وما أقرب هذا الإسناد!، وما أسعد حلقة تجمع بين يدي جدثه يتصدّر فيها أجلّ حبر، ويتصدّى لنشر العلوم

стр. 5296

بها من عرف بحسن السّيرة عند السّبر، ومن لولا خرق العوائد لأجاب بالشّكر والثناء عليه صاحب ذلك القبر كلما قال: «قال صاحب هذا القبر» - حسن بهذه المناسبة أن لا ينتصب في هذا المنصب إلا من يحمد هذا السيد الإمام جواره، ومن يرضيه منه- ﵁ حسن العبارة، ومن يستحقّ أن يتصدّر بين نجوم العلماء بدارة تلك الخطّة فيقال قد جمّل الله به دارة هذا البدر وعمّر به من هذا المدرّس داره، الذي يفتقر إلى تنويل نعمه، وتنويه قلمه، من الأئمة كلّ غني، ويعجب ببلاغة خطبه، وصياغة كتبه، من يجتلي ومن يجتني، ومن يهنا المستفيدون من عذوبة ألفاظه وصفاء معانيه بالمورد الهني، ومن إذا سحّ سحابه الهطّال اعترف له بالهموّ والهمول المزني، والذي لسعد جدّه من أبيه ليث أكرم به من ليث وأكرم ببنيه من أشبال!، وأعزز به من فاتح أبواب إشكالات عجز عن فتحا القفّال!، ومن إذا قال سكت الناس، ومن إذا قام قعد كلّ ذي شماس، وإذا أخذ بالنصّ ذهب الاقتياس، وإذا قاس قيل هذا بحر المذهب المشار إليه بالأصابع في مصره جلالة ولا ينكر لبحر المصر الإشارة بالأصابع ولا القياس، ومن يزهو بتقى قلبه ورقى جوابه لسان التعويل ولسان التعويذ، كما يميس بإحاطته وحياطته قلم الفتوى وقلم التنفيذ، ومن يفخر به كلّ عالم مفيد إذا قال: أنا بين يديه طالب وأنا له تلميذ، ومن حيثما التفتّ وجدت له سؤددا جما، وكيفما نظرت رأيت له من هنا وزارة، ومن هنا خطابة، ومن هنا مشيخة، ومن هنا تدريسا ومن هنا حكما!!!؛ فهو الأصل ومن سواه فروع، وهم الأثماد وهو الينبوع، وهو مجموع السيادة، المختار منه الإفادة، فما أحسنه من اختيار وما أتمّه من مجموع. وكان قاضي القضاة، سيّد العلماء، رئيس الأصحاب، مقتدى الفرق، قدوة الطوائف، الصاحب تقيّ الدين «عبد الرحمن» ولد الصاحب قاضي القضاة تاج الدين ابن بنت الأعز أدام الله شرفه، ورحم سلفه، وهو منتهى رغبة الراغب، ومشتهى منية الطالب، ومن إذا أضاءت ليالي النّفوس بأقمار فتاويه قيل (بياض العطايا في سواد المطالب) ، ومن تتّفق الآراء على أنه لسنّ الكهولة شيخ المذاهب، ومن عليه يحسن الاتفاق، وبه يجمل

стр. 5297

الوفاق، وإذا ولي هذا المنصب ابتهج بولايته إيّاه مالك في المدينة وأبو حنيفة وأحمد ﵃ في العراق، واهتزّت به وبمجاورة فوائده من ضريح إمامه جانب ذلك القبر طربا، وقالت «الأمّ» لقد أبهجت- رحم الله سلفك- بجدّك وإبائك جدّا وأبا، ولقد استحقّيت أن يقول لك منصب سلفك ﵃: أهلا وسهلا ومرحبا، وهذه نسمات صبا، كانت الإفادة هنالك تعرفها منك من الصّبا. فالحمد لله على أن أعطى قوس ذلك المحراب باريها، وخصّ بشقّ سهامها من لا يزال سعده مباريها، وجمّل مطلع تلك السماء ببدر كم باتت عليه الدّرر تحسد دراريها، وألهم حسن الاختيار أن يجري القلم بما يحسن بالتوقيع الشريف موقعه، ويجمل في أثناء الطروس وضعه وموضعه. فرسم بالأمر الشريف العاليّ المولويّ، السلطانيّ:- أجراه الله بالصواب وكشف بارتيائه كلّ ارتياب، ولا زال يختار وينتقي للمناصب الدّينيّة كلّ عالم بأحكام السنّة والكتاب- أن يفوّض إليه تدريس المدرسة الصلاحيّة الناصريّة المجاورة لضريح الإمام الشافعيّ بالقرافة ﵁. فليخوّل ولينوّل كلّ ذي استفادة، وليجمّل منه بذلك العقد الثمين من علماء الدّين بأفخم واسطة تفخر بها تلك القلادة، وليذكر من الدروس ما يبهج الأسماع، ويرضي الانتجاع، ويجاد به الانتفاع، ويحتلبه من أخلاف الفوائد ارتضاء الارتضاع، ويتناقل الرّواة فوائده إلى علماء كل أفق من البقاع، وليقل فإنّ الأسماع لفوائده منصتة، والأصوات لمباحثه خاشعة والقلوب لمهابته مخبتة «١» ، ولينهض قويّ المسائل بما يحصّل لها أعظم انتعاش، وليمت ما أماته إمامه من البدع فيقال به له: هذا محمد بن إدريس مذ قمت أنت عاش، وليسمع بعلومه من به من الجهل صمم، وليستنطق من به من الفهاهة «٢» بكم، وليحقّق عند الناس

стр. 5298

بتعصّبه لهذا الإمام أنه قد قام بالتنويه به الآن الحاكم ابن الحاكم أخو الحاكم كما قام به فيما سلف بنو عبد الحكم. وأما غير ذلك من الوصايا فهو بحمد الله صاحب إلهامها، وجالب أقسامها، وجهينة «١» أخبارها، ومطلع أنوارها، فلا يعاد عليه ما منه يستفاد، ولا ينثر عليه درّ هو منظّمه في الأجياد، والله تعالى يعمّر بسيادته معالم الدين وأكنافه، ويزيّن بفضله المتين أوساط كلّ مصر وأطرافه، ويضيف إليه من المستفيدين من بإرفاقه وإشفاقه يكون عيشه خفضا بتلك الإضافة، ويجعله لا يخصّص حنوّه بمعهد دون معهد ولا بمسافة دون مسافة، ويبقيه ومنفعته إلى سارية سارية الإطافة واللّطافة، وألطافه بهذه الولاية تقول لكلّ طالب في القرافة «٢» الق رافه. قلت: ولما توفّي قاضي القضاة بدر الدين بن أبي البقاء- تغمده الله تعالى برحمته- وكان من جملة وظائفه تدريس هذه المدرسة، كان السلطان قد سافر إلى الشام في بعض الحركات، فسافر ابنه أقضى القضاة جلال الدين حتّى أدرك السلطان بالطريق، على القرب من غزّة، فولّاه الوظيفة المذكورة مكان أبيه، وكان القاضي نور الدين بن هلال الدولة الدّمشقيّ حاضرا هناك، فأشار إليه القاضي فتح الدين فتح الله كاتب السر الشريف- عامله الله بلطفه الخفيّ- بإنشاء صدر لتوقيعه، يسطر به للعلامة الشريفة السلطانية، فأنشأ له سجعتين، هما: الحمد لله الذي أظهر جلال العلماء الشافعية بحضرة إمامهم، وأقام سادات الأبناء مقام آبائهم في بثّ علومهم وصلاتهم وصيامهم. ولم يجاوز ذلك إلى

стр. 5299

غيره، فسطّر التوقيع بهاتين السجعتين، وعلّم عليه العلامة السلطانية. وكان من قول نور الدين بن هلال الدولة للقاضي جلال الدّين المذكور: إنّ هذا التوقيع يبقى أبيض: فإنه ليس بالديار المصرية من ينهض بتكملته على هذا الأسلوب. فسمع القاضي كاتب السرّ كلامه، فكتب لي بتكملته على ظهره، وعاد به القاضي جلال الدين فأعطانيه، وأخبرني بكلام ابن هلال الدولة وما كان من قوله، فتلكّأت عن ذلك، ثم لم أجد بدّا من إكماله وإن لم أكن من فرسان هذا الميدان، فأنشأت له على تينك السجعتين ما أكملته به، فجاء منه تلو السجعتين السابقتين اللتين أنشأهما ابن هلال الدولة: وخصّ برياسة العلم أهل بيت رأت كهولهم في اليقظة ما يتمنّى شيوخ العلماء أن لو رأوه في منامهم. وجاء من وسطه: اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننوّه بذكره، ونقدّمه على غيره ممّن رام هذا المقام فحجب دونه وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ «١» وجاء في آخره: والله تعالى يرقّيه إلى أرفع الذّرا؛ وهذه الرتبة وإن كانت بدايته فهي نهاية غيره (وإنّا لنرجو فوق ذلك مظهرا) . وقد أعوزني وجدان النسخة عند إرادة إثباتها في هذا التأليف لضياع مسودّتها ولم يحضرني منها غير ما ذكرته. وفيما تقدّم من إنشاء القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر من توقيع القاضي تقيّ الدين ابن بنت الأعز ما لا ينظر مع وجوده إلى غيره.

стр. 5300

وهذه نسخة توقيع بتدريس المدرسة الصلاحية بمصر، المختصّة بالمالكية، المعروفة بالقمحية، بمصر المحروسة، أنشأته لقاضي القضاة جمال الدين الأقفهسيّ «١» ، وهي: الحمد لله الذي زيّن معالم المدارس من أعلام العلماء بجمالها، وميّز مراتب الكملة بإجراء سوابق الأفكار في ميادين الدّروس وفسيح مجالها، وعمّر معاهد العلم بأجلّ عالم إذا ذكرت وقائع المناظرة كان رأس فرسانها وريّس رجالها، وناط مقاصد صلاح الدين بأكمل حبر إذا أوردت مناقبه المأثورة تمسّك أهل الدّيانة منها بوثيق حبالها. نحمده على اختيار الجواهر والإعراض عن العرض، والتوفيق لإدراك المرامي وإصابة الغرض. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الذي خصّ أهل العلم بكريم حبائه، وشرّف مقامهم في الخليقة فجعلهم في حمل الشريعة ورثة أنبيائه، شهادة تعذب لقائلها بحسن الإيراد وردا، وتجدّد لمنتحلها بمواطن الذّكر عهدا فيتّخذ بها عند الرحمن عهدا، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ علم وعلّم، وأكرم رسول فصّل الأحكام إذ شرع وندب وأوجب وحلّل وحرّم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عنوا بتفسير كتاب الله تعالى فأدركوا دقيق معانيه، واهتمّوا بالحديث رواية ودراية ففازوا بتأسيس فقه الدّين وإقامة مبانيه، صلاة تحيط من بحار العلم بزاخرها، وتأخذ من الدّروس بطرفيها فتقارن الحمد في أوّلها وتصحب الدعاء في آخرها، ما تتبّع بالمنقول مواقع الأثر، وعوّل في المعقول على إجالة الفكر وإجادة النّظر، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى ما صرفت النفوس إليه هممها، وأخلصت فيه نيّتها

стр. 5301

وخلّصت من تبعاته ذممها، وتبعت فيه آثار من سلف من الملوك الكرام، وأعارته كلّيّ نظرها وقامت بواجبه حقّ القيام- أمر المدارس التي هي مسقط حجر الاشتغال بالعلم ومستقرّ قاعدته، وقطب فلك تطلابه ومحيط دائرته، وميدان فرسان المشايخ ومدار رجالها، ومورد ظماء الطّلبة ومحطّ رحالها؛ لا سيّما المدارس الأيّوبية التي أسّس على الخير بناؤها، وكان عن صلاح الدين منشؤها فتألّق برقها واستطار ضياؤها. ومن أثبتها وثيقة، وأمثلها في الترتيب طريقة، المدرسة القمحية بالفسطاط الآخذة من وجوه الخير بنطاقها، والمخصوص بالسادة المالكيّة امتداد رواقها؛ إن اعتبرت رعاية المذاهب قالت: مالك وما مالك، وإن عملت حسبة المدارس في البرّ، كانت لها فذالك؛ قد رتّب بها أربعة دروس فكانت لها كالأركان الأربعة، وجعلت صدقتها الجارية برّا فكانت أعظم برّا وأعمّ منفعة. ولما كان المجلس العاليّ، القاضويّ، الشيخيّ، الكبيريّ، العالميّ، العامليّ، الأفضليّ، الأكمليّ، الأوحديّ، البليغيّ، الفريديّ، المفيديّ، النّجيديّ، القدويّ، الحجّيّ، المحقّقّ، الإماميّ، الجماليّ: جمال الإسلام والمسلمين، شرف العلماء العاملين، أوحد الفضلاء المفيدين، قدوة البلغاء زين الأمة، أوحد الأئمّة، رحلة الطالبين، فخر المدرّسين، مفتي الفرق لسان المتكلمين، حجّة المناظرين، خالصة الملوك والسلاطين، وليّ أمير المؤمنين، أبو محمد «عبد الله الأقفهسيّ» المالكيّ- ضاعف الله تعالى نعمته- هو عين أعيان الزمان، والمحدّث بفضله في الآفاق وليس الخبر كالعيان؛ ما ولي منصبا من المناصب إلا كان له أهلا، ولا أراد الانصراف من مجلس علم إلا قال له مهلا، ولا رمى إلى غاية إلا أدركها، ولا أحاط به منطقة طلبة إلا هزّها بدقيق نظره للبحث وحرّكها، إن أطال في مجلسه أطاب، وإن أوجز قصّر محاوره عن الإطالة وأناب، وإن أورد سؤالا عجز مناوئه عن جوابه، أو فتح بابا في المناظرة أحجم مناظره عن سدّ بابه، وإن ألمّ ببحث أربى فيه وأناف، وإن أفتى بحكم اندفع عنه المعارض وارتفع فيه الخلاف؛ فنوادره المدوّنة فيها البيان والتحصيل،

стр. 5302

ومقدّماته المبسوطة إجمالها يغني عن التفصيل، ومشارقه النيّرة لا يأفل طالعها، ومداركه الحسنة لا يسأم سامعها، وتهذيبه المهذّب جامع الأمّهات، وجواهره الثمينة لا تقاوم في القيمة ولا تضاهى في الصّفات- اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننوّه بذكره، ونقدّمه على غيره، ممن حاول ذلك فامتنع عليه وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ «١» فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السّلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزينيّ- لا زالت مقاصده الشريفة في مذاهب السّداد ذاهبة، ولأغراض الحقّ والاستحقاق صائبة- أن يستقرّ المجلس العاليّ المشار إليه في تدريس المدرسة الصّلاحية بمصر المحروسة المعروفة بالقمحية عوضا عن فلان الفلانيّ، على عادة من تقدّمه. فليتلقّ ذلك بالقبول، ويبسط في مجالس العلم لسانه فمن كان بمثابته في الفضل حقّ له أن يقول ويطول؛ وملاك الأمر تقوى الله تعالى فهي خير زاد، والوصايا كثيرة وعنه تؤخذ ومنه تستفاد؛ والله تعالى يبلّغه من مقاصده الجميلة غاية الأمل، ويرقّيه من هضاب المعالي إلى أعلى مراتب الكمال وقد فعل؛ والاعتماد على الخط الشريف أعلاه الله تعالى أعلاه، حجة بمقتضاه، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة توقيع أيضا بتدريس المدرسة الصلاحيّة المذكورة، أنشأته للقاضي شمس الدين محمد ابن المرحوم شهاب الدين أحمد الدّفريّ المالكيّ، في شعبان سنة خمس وثمانمائة، وهو: الحمد لله مطلع شمس الفضائل في سماء معاليها، ومبلّغ دراريّ الذّراريّ النبيهة الذّكر بسعادة الجدّ غاية غيرها في مباديها، وجاعل صلاح الدّين أفضل

стр. 5303

قصد فوّقت العناية سهامها بأصابة غرضه في مراميها، ومجدّد معالم المدارس الدارسة بخير نظر يقضي بتشييد قواعدها وإحكام مبانيها. نحمده على أن صرف إلى القيام بنشر العلم الشريف اهتمامنا، وجعل بخيرته العائدة إلى التوفيق في حسن الاختيار اعتصامنا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له مفيض نتائج الأفكار من وافر إمداده، ومخصّص أهل التحقيق بدقيق النّظر تخصيص العامّ بقصره على بعض أفراده، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أوفر البرية في الفضل سهما، والقائل تنويها بفضيلة العلم: «لا بورك لي في صبيحة يوم لا أزداد فيه علما» صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين حلّوا من الفضل جواهره الثمينة، والتابعين وتابعي التابعين الذين ضربت آباط الإبل منهم إلى عالم المدينة «١» وبعد، فإنّ أولى ما صرفت إليه الهمم، وبرئت بتأدية حقّه الذّمم، وغدت النفوس بالنظر في مصالحه مشتغلة، والفكر لشرف محلّه منه إلى غيره منتقلة، النظر في أمر المدارس التي جعلت للاشتغال بالعلم سببا موصولا، ولطلبته ربعا لا يزال بمجالس الذكر مأهولا؛ لا سيّما المدارس التي قدم في الإسلام عهدها، وعذب باستمرار المعروف على توالي الأيّام وردها. ولما كانت المدرسة الصّلاحية بفسطاط مصر المحروسة قد أسّس على التقوى بنيانها، ومهّدت على الخير قواعدها وأركانها، واختصّت طائفة المالكية منها بالخصّيصة التي أغنى عن باطن الأمر عنوانها، وكان المجلس الساميّ هو الذي خطبته الرّتب الجليلة لنفسها، وعيّنته لهذه الوظيفة فضائله التي قد آن ولله الحمد بزوغ شمسها، وعهدت منه المعاهد الجليلة حسن النظر فتاقت في يومها إلى ما ألفت منه في أمسها- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نفرده بهذه الوظيفة التي يقوم إفراده فيها مقام الجمع، ونجمع له من طرفيها ما يتّفق على حسنه

стр. 5304

البصر ويقضي بطيب خبره السّمع. فلذلك رسم بالأمر الشريف، العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزّينيّ:- لا زال يقيم للدّين شعارا، ويرفع لأهل العلم الشريف مقدارا- أن يستقرّ في الوظيفة المذكورة لما اشتهر من علمه وديانته، وبان من عفّته المشهورة ونزاهته، واتّصف به من الإفادة، وعرف عنه من نشر العلوم في الإبداء والإعادة، وشاع من طريقته المعروفة في إيضاحه وبيانه، وذاع من فوائده التي قدّمته على أبناء زمانه، ورفعته إلى هذه المرتبة باستحقاقه على أقرانه. فليباشر تدريسها مظهرا من فوائده الجليلة ما هو في طيّ ضميره، مضمرا من حسن بيانه ما يستغنى بقليله عن كثيره، مقرّبا إلى أذهان الطلبة بتهذيب ألفاظه الرائقة ما يفيد، موردا من علومه المدوّنة ما يجمع له بين نوادر المقدّمات ومدارك التمهيد، موفّيا نظرها بحسن التدبير حقّ النظر، موفّرا رزقها بما يصدّق الخبر فيه الخبر، قاصدا بذلك وجه الله الذي لا يخيّب لراج أملا، معاملا فيه الله معاملة من يعلم أنه لا يضيع أجر من أحسن عملا. وملاك الوصايا تقوى الله تعالى فليجعلها إمامه، ويتخيّلها في كل الأحوال أمامه؛ والله تعالى يسدّده في قوله وعمله، ويبلّغه من رضاه نهاية سؤله وغاية أمله، إن شاء الله تعالى. وهذه نسخة توقيع بالتدريس بقبّة الصالح «١» ، أنشأته لقاضي القضاة جمال الدين «يوسف البساطيّ» بعد أن كتب له بها مع قضاء القضاة المالكية، في العشر الأخير من شعبان سنة أربع وثمانمائة، وهي: الحمد لله الذي جعل للعلم جمالا تتهافت على دركه محاسن الفضائل،

стр. 5305

وتتوارد على ثبوت محامده المتواردة قواطع الدلائل، وتحقّق شواهد الحال من فضله ما يتلمّح فيه من لوائح المخايل. نحمده على نعمه التي ما استهلّت على وليّ فأقلع عنه غمامها، ولا استقرّت بيد صفيّ فانتزعت من يده حيث تصرّف زمامها، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تزهر بمعالم الدّين غروسها، وتينع بثمار الفوائد المتتابعة دروسها، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله أشرف الأنبياء قدرا، وأوّلهم في علوّ المرتبة مكانا وإن كان آخرهم في الوجود عصرا؛ صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه الحائزين بقربه أفخر المناقب، والفائزين من درجة الفضل بأرفع المراتب، صلاة تكون لحلق الذّكر نظاما، ولأوّلها افتتاحا ولآخرها ختاما، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ من شيمنا الشريفة، وسجايانا الزاكية المنيفة، أنّا إذا منحنا منحا لا نستعيده، وإذا أعطينا عطاء لا ننقصه بل نزيده، وإذا قرّبنا وليّا لا نقصيه، وإذا أنعمنا على صفيّ إنعاما لا نعدّه عليه ولا نحصيه. ولمّا كان تدريس المدرسة المالكية بقبّة الصالح من أعلى دروسهم قدرا، وأرفعها لدى التحقيق ذكرا، وأعظمها إذا ذكرت الدروس فخرا؛ إذ بمجال جداله تنفطر المرائر، وبميدان مباحثه تشتهر البلق من مضمرات الضمائر، وبسوق مناظرته يتميز النّضار عن الشّبه، وبمحكّ مطارحته تتبيّن الحقائق من الشّبه، وبمظانّ مجلسه يعرف العالي والسافل، وبمعركة فرسانه يعرف من المفضول والفاضل؛ ومن ثمّ لا يليه من علمائهم إلا الفحول، ولا يتصدّى لتدريسه إلا من أمسى بحسام لسانه على الأقران يصول؛ ولم يزل في جملة الوظائف المضافة لقضاء القضاة في الأوّل والآخر، تابعا لمنصب الحكم في الولاية كلّ زمن إلا في القليل النادر؛ وكان المجلس العاليّ، القاضويّ، الكبيريّ (إلى آخر ألقابه) أدام الله تعالى نعمته قد اشتملت ولايته عليه لابتداء الأمر استحقاقا، وحفظه كرمنا عليه فلم يجد الغير إليه استطراقا- اقتضى حسن الرأي

стр. 5306

الشريف أن نتبع ذلك بولاية ثانية تؤكّد حكم الولاية الأولى، ونردفه بتوقيع يجمع له شرف القدمة والجمع ولو بوجه أولى. فلذلك رسم بالأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الناصريّ، الزّينيّ- لا زال يعتمد في مشاهد الملوك أتمّ المصالح، ويخصّ الصالح منهم بمزيد النّظر حتّى يقال ما أحسن نظر الناصر في مصالح الصّالح! - أن يستمرّ المجلس العالي المشار إليه على ما بيده من الولاية الشريفة بالتدريس بقبّة الصالح المذكورة، ومنع المعارض وإبطال ما كتب به وما سيكتب ما دام ذلك في يده، على أتمّ العوائد وأكملها، وأحسن القواعد وأجملها. فليتلقّ ما فوّض إليه بكلتا يديه، ويشكر إحساننا الشريف على هذه المنحة فإنّها نعمة جديدة توجب مزيد الشكر عليه، وليتصدّر بهذا الدرس الذي لم تزل القلوب تتقطّع على إدراكه حسرات، ويتصدّ لإلقاء فوائده التي إذا سمعها السامع قال: هنا تسكب العبرات، ويبرز لفرسان الطّلبة من ... «١» . صدره من كمينه، ويفض على جداولهم الجافّة ماسحّ به فكره من ينابيع معينه، مستخرجا لهم من قاموس قريحته درر ذلك البحر الزاخر، مظهرا من مكنون علمه ما لا يعلم لمدّه أوّل ولا يدرك لمداه آخر، وينفق من ذخائر فضله ما هو بإنفاقه مليّ، متفقّدا بفضل غنائه من هو عن فرائده المربحة غير غنيّ، مقرّرا للبحث تقريرا يزول معه الالتباس، مسندا فروعه النامية إلى أثبت الأصول من الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، معتمدا لما عليه جادّة مذهبه في الترجيح، جاريا على ما ذهب إليه جهابذة محقّقيه من التصحيح، مقبلا بطلاقة وجهه في درسه على جماعته، باذلا في استمالتهم طاقة جهده محسنا إليهم جهد طاقته، مربّيا لهم كما يربّي الوالد الولد، موفّيا من حقوقهم في التعليم ما يبقى له ذكره على الأبد، منمّيا ناشئتهم بالتدريب الحسن تنمية الغروس، جاهدا في ترقّيهم بالتدريج حتّى يؤهّل من لم يكن تظنّ فيه أهلية الطلب لأن يتصدّى للفتاوى وإلقاء الدّروس؛

стр. 5307

سالكا من مناهج التقوى أحسن المسالك، موردا من تحقيقات مذهبه ما إذا لمحه اللّامح لم يشكّ أنه لزمام المذهب مالك؛ والله تعالى يجريه على ما ألفه من موارد إنعامه، ويمتّع [هذه الرتبة] «١» السنيّة: تارة بمجالس دروسه وتارة بمجالس أحكامه؛ والاعتماد................ وهذه نسخة توقيع بتدريس الحديث بالجامع الحاكميّ «٢» ، من إنشاء الشّهاب «محمود الحلبيّ» للشيخ قطب الدين «عبد الكريم» » وهي: الحمد لله الذي أطلع في أفق السنّة الشريفة من أعلام علمائها قطبا، وأظهر في مطالعها من أعيان أئمّتها نجوما أضاء بهم الوجود شرقا وغربا، وأقام لحفظها من أئمة أعلامها أعلاما أحسنوا عن سندها دفاعا وأجملوا عن متونها ذبّا، وشرّف بها أهلها فكلّما بعدت راحلتهم في طلبها ازدادوا من الله قربا، واختار لحملها أمناء شغفت محاسنهم قلوب أهل الفرق على اختلافها حبّا، وسلكوا باتباعها سنن السّنن فأمنوا أن تروّع لهم الشّبه سربا، وألهمنا من تعظيم هذه الطائفة ما مهّد لهم في ظل تقرّبنا إليه مقاما كريما ومنزلا رحبا، وعصم آراءنا في الارتياد له من الخلل فلا نختار له إلا من تسرّ باختياره طلبة وتغبط بتعيينه أئمة ونرضي بارتياده ربّا.

стр. 5308

نحمده على نعمه التي صانت هذه الرتبة السنيّة بأكفائها، وزانت هذه المرتبة الشريفة بمن لم تمل عينه في تأثيل قواعدها إلى إغفائها، وجعلت هذه الدرجة العليّة فلكا تشرق فيه لأئمّة الحديث أنوار علوم تفنى الدّهور دون إطفائها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة مجادل عن سنّته الشريفة بألسنة أسنّته، مجالد عن كلمتها العالية بقبض معاقد سيوفه وإطلاق أعنّته، باعث بالجهاد دعوتها إلى كلّ قلب كان عن قبولها في حجب أكنّته، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي أوتي جوامع الكلم، ولوامع السّنّة التي من اعتصم بها عصم ومن سلّم بها سلم؛ فهي مع كتاب الله أصل شرعه القويم، وحبل حكمه الذي لا تتمكّن يد الباطل من حلّ عقده النظيم، وكنوز دينه التي لا يلقّاها إلا ذو حظّ عظيم، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين عضّوا على سنّته بالنّواجذ، وذبّوا عن شريعته بسيوف الجلاد القواطع وسهام الجدال النوافذ، صلاة لا يزال يقام فرضها، ويملأ بها طول البسيطة وعرضها، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإن أولى ما توجّهت الهمم إلى ارتياد أئمّته، وتوفّرت الدّواعي على التقرّب إلى رسول الله ﷺ بتفويض مناصبه إلى البررة الكرام من أمّته- علم الحديث النبويّ صلوات الله وسلامه على قائله، وحفظه بدروسه التي جعلت أواخر زمنه في صحّة نقله ومعرفة أسراره كأوائله؛ وأن «١» نختار لذلك من نشأ في طلبه حتّى اكتهل، وسرى في تحصيله سرى الأهلّة حتّى اكتمل، وغذّي بلبان التبحّر فيه حتى امتزج بأديمه، وجدّ في تحصيله واجتهد حتّى ساوى في الطلب بين حديث عمره وقديمه، وحفظ من متونه، ما بمثله يستحقّ أن يدعى حافظا، وغلب على فنونه، حتّى قلّ أن يرى بغير علومه والنظر في أحكامه لافظا؛ فإنّه بعد كتاب الله العزيز مادّة هذا الدّين الذي يحكم بنصوصه، وتتفاوت

стр. 5309

رتب العلماء في حسن العمل بمطلقه ومقيّده وعمومه وخصوصه، وعنهما تفرّعت أحكام الملّة فملأت علومها جميع الآفاق، وزكت أحكامها الشرعية على كثرة الإنفاق، وسرى الناس منها على المحجّة التي استوى في الإشراق ليلها ونهارها، وعلا على الملل بالبراهين القاطعة نورها ومنارها؛ وكفى أهلها شرفا أنهم يذبّون عن سنّة نبيهم ذبّ اللّيوث، ويجودون على الأسماع بما ينفع الناس في أمر دينهم ودنياهم منها جود الغيوث، ويحافظون على ألفاظها محافظة من سمعها منه ﷺ ، ويعظّمون مجالس إيرادها ونقلها حتّى كأنهم لحسن الأدب جلوس بين يديه، ويغالون في العلوّ طلبا للقرب منه وذلك من أسنى المطالب، ويرحلون لضمّ شوارده من الآفاق فياقرب المشارق عندهم من المغارب! ولما كان المجلس الساميّ الفلانيّ: هو الذي عني بكلّ ما ذكر من وصف كريم، وحديث ورع قديم، وقدم هجرة في علم الحديث اقتضت له حسن أولويّة ووجوب تقديم، وتلقّى هذا العلم كما وصف عن أئمّته حتّى صار من أعيانهم، ولقي منهم علماء أضحى باقتفائهم كما كانوا رحلة زمانهم، ونظر في علومه فأتقنها فكأنه ينطق فيها بلسان ابن الصّلاح «١» ، وأحرز غايات الكمال، في أسماء الرّجال، فإلى اطّلاعه يرجع في تجريح المجرّح وتعديل الصّحاح؛ وكان منصب تدريس الحديث الشريف النبويّ الذي أنشأناه بالجامع الحاكميّ تكثيرا لنشر أحاديث من لا ينطق عن الهوى، ونويناه لارتواء الرّواة من بحر هذا العلم الشريف بالإعانة على ذلك وإنّما لكلّ امريء ما نوى، قد استغرقت أوقات مباشره بتفويضنا الحكم العزيز على مذهبه إليه، وتوفير زمانه على...... «٢» قلت: وتختلف أحوال التواقيع التي تكتب بالتداريس باختلاف

стр. 5310

موضوعاتها: من تدريس التفسير، والحديث، والفقه، واللّغة، والنحو، وغير ذلك، في براعة الاستهلال والوصايا، وهو في الوصايا آكد. وهذه نسخ وصايا أوردها في التعريف: وصية مدرّس- وليطلع في محرابه كالبدر وحوله هالة تلك الحلقة «١» ، وقد وقت أهداب ذلك السواد منه أعظم اسودادا من الحدقة، وليرق سجّادته التي هي لبدة جواده إذا استنّ الجدال في المضمار، وليخف [أضواء] «٢» أولئك العلماء الذين هم كالنّجوم كما تتضاءل الكواكب في مطالع الأقمار، وليبرز لهم من وراء المحراب كمينه، وليفض على جداولهم الجافّة معينه، وليقذف لهم من جنبات ما بين جنبيه درر ذلك البحر العجّاج، وليرهم من غرر جياده ما يعلم به أنّ سوابقه لا يهولها قطع الفجاج، وليظهر لهم من مكنون علمه ما كان يخفيه الوقار، وليهب من ممنون فضله ما يهب منه عن ظهر غنى أهل الافتقار، وليقرّر تلك البحوث ويبيّن ما يرد عليها، وما يردّ به من منعها وتطرّق بالنقض إليها، حتّى لا تنفصل الجماعة إلا بعد ظهور الترجيح، والإجماع على كلمة واحدة على الصحيح، وليقبل في الدروس طلق الوجه على جماعته، وليستملهم إليه بجهد استطاعته، وليربّهم كما يربّي الوالد الولد، وليستحسن ما تجيء به أفكارهم وإلا فكم رجل بالجبه لبنت فكر وأد؛ هذا إلى أخذهم بالاشتغال، وقدح أذهانهم للاشتغال؛ ولينشّيء الطلبة حتّى ينمّي منهم الغروس، ويؤهّل منهم من كان لا يظنّ منه أنه يتعلّم لأن يعلّم ويلقي الدّروس. وصية مقريء: وليدم على ما هو عليه من تلاوة القرآن فإنه مصباح قلبه، وصلاح قربه،

стр. 5311

وصباح القبول المؤذن له برضا ربه، وليجعل سوره له أسوارا، وآياته تظهر بين عينيه أنوارا، وليتل القرآن بحروفه وإذا قرأ استعاذ، وليجمع طرقه وهي التي عليها الجمهور ويترك الشّواذّ، ولا يرتدّ دون غاية لإقصار، ولا يقف فبعد أن أتمّ لم يبق بحمد الله إحصار، وليتوسّع في مذاهبه ولا يخرج عن قراءة القرّاء السبعة «١» أئمة الأمصار، وليبذل للطّلبة الرّغاب، وليشبع فإنّ ذوي النّهمة سغاب، ولير الناس ما وهبه الله من الاقتدار فإنه احتضن السّبع «٢» ودخل الغاب؛ وليتمّ مباني ما أتم «ابن عامر» و «أبو عمرو» له التعمير، ولفّه «الكسائيّ» في كسائه ولم يقل جدّي «ابن كثير» ؛ وحمّ به «لحمزة» أن يعود ذاهب الزمان، وعلم أنه لا «عاصم» من أمر الله يلجأ معه إليه وهو الطّوفان، وطفق يتفجّر علما وقد وقفت السّيول الدّوافع، وضر أكثر قرّاء الزمان لعدم تفهيمهم وهو «نافع» ؛ وليقبل على ذوي الإقبال على الطّلب، وليأخذهم بالتربية فما منهم إلا من هو إليه قد انتسب؛ وهو يعلم ما منّ الله عليه بحفظ كتابه العزيز من النّعماء، ووصل سببه منه بحبل الله الممتدّ من الأرض إلى السماء؛ فليقدر حقّ هذه النعمة بحسن إقباله على التعليم، والإنصاف إذا سئل فعلم الله ما يتناهى وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ «٣»

стр. 5312

وصية محدّث: وقد أصبح بالسنّة النبويّة مضطلعا، وعلى ما جمعته طرق أهل الحديث مطّلعا؛ وصحّ في الصحيح أنّ حديثه الحسن، وأنّ المرسل منه في الطلب مقطوع عنه كلّ ذي لسن، وأنّ سنده هو المأخوذ عن العوالي، وسماعه هو المرقّص منه طول الليالي، وأنّ مثله لا يوجد في نسبه المعرق، ولا يعرف مثله للحافظين «ابن عبد البرّ» بالمغرب و «خطيب بغداد» بالمشرق؛ وهو يعلم مقدار طلب الطالب فإنه طالما شدّ له النّطاق، وسعى له سعيه وتجشّم المشاقّ، وارتحل له يشتدّ به حرصه والمطايا مرزمة «١» ، وينبّهه له طلبه والجفون مقفلة والعيون مهوّمة، ووقف على الأبواب لا يضجره طول الوقوف حتى يؤذن له في ولوجها، وقعد القرفصاء في المجالس لا تضيق به على قصر فروجها. فليعامل الطلبة إذا أتوه للفائدة معاملة من جرّب، ولينشّط الأقرباء منهم ويؤنس الغرباء فما هو إلا ممن طلب آونة من قريب وآونة تغرّب، وليسفر لهم صباح قصده عن النّجاح، ولينتق لهم من عقوده الصّحاح، وليوضّح لهم الحديث، وليرح خواطرهم بتقريبه ما كان يسار إليه السّير الحثيث، وليؤتهم مما وسّع الله عليه فيه المجال، ويعلّمهم ما يجب تعليمه من المتون والرجال، ويبصّرهم بمواقع الجرح والتعديل، والتوجيه والتعليل، والصحيح والمعتلّ الذي تتناثر أعضاؤه سقما كالعليل، وغير ذلك مما لرجال هذا الشان به عناية، وما ينقّب فيه عن دراية أو يقنع فيه بمجرّد رواية، ومثله ما يزاد حلما، ولا يعرف بمن رخّص في حديث موضوع أو كتم علما. وصية نحويّ: وهو زيد الزّمان، الذي يضرب به المثل، وعمرو الأوان «٢» ، وقد كثر من

стр. 5313

سيبويه الملل، ومازنيّ الوقت ولكنه الذي لم تستبح منه الإبل، وكسائيّ الدّهر الذي لو تقدّم لما اختار غيره الرشيد للمأمون، وذو السؤدد، لا أبو الأسود، مع أنه ذو السابقة والأجر الممنون؛ وهو ذو البرّ المأثور، والقدر المرفوع ولواؤه المنصوب وذيل فخاره المجرور، والمعروف بما لا ينكر لمثله من الحزم، والذاهب عمله الصالح بكل العوامل التي لم يبق منها لحسوده إلا الجزم؛ وهو ذو الأبنية التي لا يفصح عن مثلها الإعراب، ولا يعرف أفصح منها فيما أخذ عن الأعراب، والذي أصبحت أهدابه فوق عمائم الغمائم تلاث «١» ، ولم يزل طول الدهر يشكر منه أمسه ويومه وغده وإنما الكلمات ثلاث. فليتصدّ للإفادة، وليعلّمهم مثل ما ذكر فيه من علم النحو نحو هذا وزيادة، وليكن للطلبة نجما به يهتدى، وليرفع بتعليمه قدر كل خبر يكون خبرا له وهو المبتدا، وليقدّم منهم كلّ من صلح للتبريز، واستحقّ أن ينصب إماما بالتمييز، وليورد من موارده أعذب النّطاف «٢» ، وليجرّ إليه كلّ مضاف إليه ومضاف، وليوقفهم على حقائق الأسماء، ويعرّفهم دقائق البحوث حتّى اشتقاق الاسم هل هو من السّموّ أو من السيماء، وليبيّن لهم الأسماء الأعجميّة المنقولة والعربية الخالصة، وليدلّهم على أحسن الأفعال لا ما يشتبه فيه بصفات كان وأخواتها من الأفعال الناقصة، وليحفّظهم المثل وكلمات الشّعراء، ولينصب نفسه لحدّ أذهان بعضهم ببعض نصب الإغراء، وليعامل جماعة المستفيدين منه بالعطف، ومع هذا كلّه فليرفق بهم فما بلغ أحد علما بقوّة ولا غاية بعسف. وهذه وصية لغويّ أوردها في التعريف «٣»

стр. 5314

الوظيفة الثامنة (التصدير) وموضوعه الجلوس بصدر المجلس بجامع أو نحوه. ويجلس متكلّم أمامه على كرسيّ كأنه يقرأ عليه، يفتتح بالتفسير ثم بالرّقائق والوعظيّات، فإذا انتهى كلامه وسكت، أخذ المتصدّر في الكلام على ما هو في معنى تفسير الآية التي يقع الكلام عليها، ويستدرج من ذلك إلى ما سنح له من الكلام. وربما أفرد التصدير عن المتكلم على الكرسيّ. وهذه نسخة توقيع بتصدير أنشأته للشيخ شهاب الدين «أحمد الأنصاريّ» الشهير ب «الشابّ التائب» بالجامع الأزهر، وهي: رسم ... «١» . لا زالت صدقاته الشريفة تخصّ المجالس بمن إذا جلس صدر مجلس كان لرتبته أجمل صدر يجتبى من علماء التفسير، ومن إذا دقّق لم يفهم [شرحه إلا] «٢» عنه، وإذا سلك سبيل الإيضاح كان كلامه في الحقيقة تفسير تفسير، وتصطفي من سراة الأماثل من دار نعته بين «الشابّ التائب» و «الشيخ الصالح» فكان له أكرم نعت على كلّ تقدير- أن يستمرّ المجلس الساميّ أدام الله تعالى رفعته- في كذا وكذا، لأنّه الإمام الذي لا تسامى علومه ولا تسام، والعلّامة الذي لا تدرك مداركه ولا ترام، والحبر الذي تنعقد على فضله الخناصر، وفارس الحلبة الذي يعترف بالقصور عن مجاراة جياده المناظر، وآية التفسير التي لا تنسخ، وعقد حقيقته الذي لا يفسخ، والماهر الذي استحقّ بمهارته التصدير، والجامع لفنونه المتنوعة جمع سلامة لا جمع تكسير، وترجمان معانيه الآتي من غرائب تأويله بالعجب العجاب، والعارف بهدي طريقه الذي إذا قال قال الذي عنده علم من الكتاب، وزاهد

стр. 5315

الوقت الذي زيّن بالعلم العمل، وناسك الدهر الذي قصّر عن مبلغ مداه الأمل. فليتلقّ ما ألقي إليه بالقبول، وليستند إلى صدر مجلس يقول فيه ويطول، وليبيّن من معاني كتاب الله ما أجمل، ويوضّح من خفيّ مقاصده ما أشكل، وليسلك في تفسيره أقوم سنن، ويعلن بأسراره الخفيّة فسرّ كتاب الله أجدر أن يكون عن علن، وليجر فيه على ما ألف من تحقيقاته فإنه إذا لم يحقّق المناظرة فمن؟، وليأخذ مشايخ أهل مجلسه بالإحسان، كما أحسن الله إليه فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ويحضّ شبابهم على التوبة ليحبّهم الله فيتّصل في المحبة سندهم فإن «الشابّ التائب» حبيب الرحمن؛ والله تعالى يرقّيه إلى أرفع الذّرا، ويرفع مجلسه السامي على محل الثّريّا (وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا) ، إن شاء الله تعالى. الوظيفة التاسعة (النظر) وموضوعه التحدّث في أمور خاصّة بإباحة ضروراتها، وعمل مصالحها، واستخراج متحصّل جهاتها، وصرفه على الوجه المعتبر، وما يجري مجرى ذلك. وتشتمل على عدّة أنظار: منها: نظر الأحباس: جمع حبس «١» وهو الوقف: فقد تقدّم في المقالة الثانية أنه كان أصل وضعه أراضي اشتراها (الإمام الليث بن سعد ﵁ ووقفها على جهات برّ، ثم تبعه الناس في إضافة الأوقاف إلى ذلك، إلى أن كانت وزارة الصاحب بهاء الدين ابن حنّا في سلطنة الظاهر بيبرس

стр. 5316

البندقداري، فأفرد للجوامع والمساجد والرّبط والزّوايا ونحو ذلك رزقا، وقصر تحدّث ناظر الأحباس ومباشريه عليها، وأفردت الأوقاف بناظر ومباشرين كما سيأتي: وهذه نسخة توقيع بتدريس «١» الطب بالبيمارستان المنصوريّ، كتب بها «لمهذّب الدين» «٢» وهي: الحمد لله الذي دبّر بحكمته الوجود، وعمّ برحمته كلّ موجود، وحال بنفع الدواء بين ضرّ الداء كما حالت عطاياه دون الوعود؛ نحمده ونشكره وهو المشكور المحمود، ونثني عليه خير الثناء قياما وقعودا وعلى الجنوب وفي السجود، ونستزيده من فضله فإنه أهل الفضل والجود. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة الله بها والملائكة وأولو العلم شهود؛ ونشهد أن محمدا عبده ورسوله المبشّر لأمته بالجنّات والخلود؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة دائمة إلى يوم الوعود «٣» وبعد، فإنّا لما أقام الله بنا شعائر الإيمان، وأصبح دينه بحمد الله منصورا بنا على سائر الأديان، وجاهدنا في الله حقّ الجهاد باليد والقلب واللّسان، وشيّدنا لعلومه وشرائعه كلّ بديع الإتقان، ورتّبنا فيه من العلماء الأعيان كلّ رفيع الشان، واخترنا له الأخيار من أهل العلم بالطّب والفقه والحديث والقرآن؛ ورأينا كل من تقدّمنا من الملوك، وإن سلك في سياسة الرعية أحسن سلوك، قد اهتمّ بعلم الأديان وأهمل علم الأبدان، وأنشأ كلّ منهم مدرسة ولم يحفل ببيمارستان، وغفل عن قوله ﷺ : «العلم علمان» ، ولم يأخذ أحدا من رعيته بالاشتغال بعلم الطّب المضطّرّ إليه، ولا وقف وقفا على طلبة هذا العلم

стр. 5317

المنصوص عليه، ولا أعدّ له مكانا يحضر من يشتغل بهذا الفن فيه، ولا نصب له شخصا يتمثّل هذا المشتغل لديه- علمنا نحن بحمد الله تعالى من ذلك ما جهلوه، وذكرنا من هذه القربة ما أهملوه، ووصلنا من هذه الأسباب الدّينية والدّنيوية ما فصلوه، وأنشأنا بيمارستانا يبهر العيون بهجة، ويفوق الأبنية بالدليل والحجّة، ويحفظ الصحة والعافية على كل مهجة؛ لو حلّه من أشفى لعوجل بالشّفا، أو جاءه من أكمده السّقم لاشتفى، أو أشرف عليه العمر بلا شفاء لعاد عنه بشفا؛ ووقفنا عليه من الأوقاف المبرورة ما يملأ العينين، ويطرف سماع جملته الأذنين، ويعيد عنه من أمّه مملوء اليدين، وأبحنا التّداوي فيه لكل شريف ومشروف ومأمور وأمير، وساوينا في الانتفاع به بين كل صغير وكبير، وعلمنا أن لا نظير لنا في ملكنا ولا نظير له في إبقائه فلم نجعل لوقفه وشرطه من نظير، وجعلنا فيه مكانا للاشتغال بعلم الطب الذي كاد أن يجهل، وشرعنا للناس إلى ورد بحره أعذب منهل، وسهّلنا عليهم من أمره ما كان الحلم به من اليقظة أسهل، وارتدنا له من علماء الطّب من يصلح لإلقاء الدروس، وينتفع به الرئيس من أهل الصّناعة والمرؤوس، ويؤتمن على صحة الأبدان وحفظ النفوس؛ فلم نجد غير رئيس هذه الطائفة أهلا لهذه المرتبة، ولم نرض لها من لم تكن له هذه المنقبة، وعلمنا أنه متى وليها أمسى بها معجبا وأضحت به معجبة. ولما كان المجلس السامي «مهذّب الدين» هو الرئيس المشار إليه، والوحيد الذي تعقد الخناصر عليه، وكان هو الحكيم «بقراط» ، بل الجليل «سقراط» ، بل الفاضل «جالينوس» ، بل الأفضل «ديسقوريدوس» - اقتضت الآراء الشريفة أن تزاد جلالته بتولية هذا المنصب الجليل جلالة، وأن تزفّ إليه تجرّ [أذيالها، ويزفّ إليها يجرّر] «١» أذياله، وأن يقال: (لم يك يصلح إلا لها ولم

стр. 5318

تك تصلح إلّا له) . فلذلك رسم بالأمر الشريف- لا زال للدّين ناصرا، ولأعلام العلوم ناشرا- أن يفوّض إليه تدريس الطب بالبيمارستان المبارك المنصوريّ، المستجدّ الإنشاء بالقاهرة المحروسة، علما بأنه المتمهّر في هذا الفنّ، وأنه عند الفراسة فيه والظّنّ، وأنه سقراط الإقليم إذا كان غيره سقراط الدّنّ، وثقة بأنا للجوهر قد التقطنا، وبالخير قد اغتبطنا، وعلى الخبير قد سقطنا. فليتلقّ هذه النعمة بالشكر الجليل، والحمد الجزيل، والثناء الذي هو بالنّماء والزيادة كفيل، ولينتصب لهذا العلم المبارك انتصاب من يقوم بالفرض منه والسّنّة، ويعرف له فيه الفضل ويتقلّد له فيه المنّة، ويثنى على آثاره الجميلة فيه وتثنى إليه الأعنّة، وليبطل بتقويمه الصحّة ما ألّفه ابن «بطلان» «١» ، وليرنا بتدبيره جبلّة البرّ فإنه «جالينوس» الزمان، وليبذل النّجاة من الأمراض والشفاء من الأسقام فإنه «ابن سينا» الأوان، وليجمع عنده شمل الطلبة، وليعط كلّ طالب منهم ما طلبه، وليبلّغ كلّ متمنّ من الاشتغال أربه، وليشرح لهم صدره، وليبذل لهم من عمره شطره، وليكشف لهم من هذا العلم المكنون سرّه، وليرهم ما خفي عنهم منه جهره، وليجعل منهم جماعة طبائعية «٢» ، وطائفة كحّالين وجرائحيه، وقوما مجبّرين، وبالحديد عاملين، وأخرى بأسماء الحشائش وقوى الأدوية وأوصافها عالمين، وليأمر كلّا منهم بحفظ ما يجب حفظه، ومعرفة ما يزيد به حظه، وليأخذه بما يصلح به لسانه ولفظه، ولا يفتر عنهم في الاشتغال لحظة، وليفرد لكل علم من العلوم طائفة، ولكل فن من فنونه جماعة بمحاسنه

стр. 5319

عارفة؛ وليصرف إليهم من وجوه فضائله كلّ عارفة، وليكشف لهم ما أشكل عليهم من غوامضه فليس لها من دون إيضاحه كاشفة، لينشر في هذا المكان المبارك من أرباب هذه العلوم قوم بعد قوم، ويظهر منهم في الغد- إن شاء الله- أضعاف ما هو ظاهر منهم اليوم؛ وليقال لكلّ من طلبته إذا شرع في إجازته وتزكيته: لقد أحسن شيخه الذي عليه تأدّب، وإنّ من خرّج هذا «المهذّب» ، عاملا في ذلك بشروط الواقف أعزّ الله نصره، واقفا عند أمره أمضى الله أمره؛ والخير يكون، إن شاء الله تعالى «١» وهذه نسخة توقيع بنظر الأحباس مفتتحة ب «أما بعد» وهي: أما بعد حمد الله الذي أذن أن ترفع بيوته ويذكر فيها اسمه، ويكثّر فيها قسم ثوابه ويجزل قسمه، والصلاة على سيدنا محمد الذي عظم به قطع دابر الكفر وكثر حسمه- فإنّ خير من عوّل عليه في تأسيس بيوت الله وعمارة ربوعها، ولمّ شعثها وشعب صدوعها، والقيام بوظائفها، وتسهيل لطائفها، وتأهيل نواحيها، لهبوط الملائكة لتلقّي المصلّين فيها، من كان ذا عزم لا تأخذه في الله لومة لائم، وحزم لا يلمّ بأفعاله لمم المآثم، ونظر ثاقب، ورغبة في اختيار جميل المآثر والمناقب، ومباشرة ترعى قوانين الأمور وتكتنفها اكتناف مراقب. ولما كان فلان ممّن هذه الأوصاف شعاره، وإلى هذه الأمور بداره، وكم كتب الله به للدّولة أجر راكع وساجد، وكم شكرته وذكرته ألسنة أعلام الجوامع وأفواه محاريب المساجد- اقتضى منيف الملاحظة والمحافظة على كل قريب من بيوت الله وشاهد، أن خرج الأمر الشريف- لا برح يكشف الأوجال، ويدعو له في الغدوّ والآصال رجال- أن يفوّض لفلان نظر ديوان الأحباس والجوامع

стр. 5320

والمساجد المعمورة بذكر الله تعالى. فليباشرها مباشرة من يراقب الله إن وقّع أو توقّع، وإن أطاع أو تطوّع، وإن عزل أو ولّى، وإن أدّب من نهى عبدا إذا صلّى، وليجتهد كلّ الاجتهاد في [صرف] «١» ريع المساجد والجوامع في مصارفها الشرعيّة، وجهاتها المرعيّة، وليأخذ أهلها بالملازمة في أحيانها وأوقاتها، وعمارتها بمصابيحها وآلاتها، وحفظ ما يحفظون به لأجلها، ومعاملتهم بالكرامة التي ينبغي أن يعامل مثلهم بمثلها، وليحرّر في إخراج الحالات إذا خرّجت وأخرجت، وفي مستحقّات الأجائر إذا استحقّت وإذا عجّلت، وفي التواقيع إذا أنزلت وإذا نزّلت، وفي الاستئمارات التي أهملت وكان ينبغي لو أهّلت؛ وإذا باشر [و] «٢» ظهر له بالمباشرة خفايا هذا الدّيوان، وفهم ما تحتويه جرائد الإحسان، فليكن إلى مصالحه أوّل مبادر، ويكفيه تدبر قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ «٣» قلت: وقد كنت أنشأت توقيعا بنظر الأحباس، للقاضي «بدر الدين حسن» الشهير بابن الدّاية «٤» ، مفتتحا بالحمد لله، جاء فردا في بابه، إلا أن مسودّته غيّبت عنّي، فلم أجدها لأثبتها هاهنا كما أثبتّ غيرها مما أنشأته: من البيعات والعهود والتواقيع والرسائل وغير ذلك. ومنها- نظر الأوقاف بمصر والقاهرة المحروستين، ويدخل فيه أوقاف الحرمين وغيرهما. وهذه نسخة توقيع بنظرها، وهي: الحمد لله الذي حفظ معالم البرّ من الدّثور، وأحيا آثار المعروف

стр. 5321

والأجور، وصان الأوقاف المحبّسة من تبديل الشروط على توالي الأيّام والشهور. نحمده على فضله الموفور، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة لها في القلوب نور على نور، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المؤيّد المنصور، الطالع البدور، المبعوث بالفرقان والنّور، والمنعوت في التوراة والإنجيل والزّبور، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما كرّت الدّهور، وطلعت كواكب ثم تغور. وبعد، فإنّ أهل الخير من المؤمنين تقرّبوا إلى الله من طيّبات أموالهم بأوقاف وقفوها على وجوه البرّ وعرّفوها، وجعلوا لها شروطا ووصفوها؛ فتقبّل الله لهم ذلك، ثم ماتوا فما انقطع عملهم بها وهم في برزخ المهالك؛ ووليها بعدهم الأمناء من النّظّار، فقاموا بحقوقها وحفظ الآثار، وأجروا برّها الدارّ في كلّ دار، وصانوا معالمها من الأغيار، وشاركوا واقفيها في الصدقة لأنهم خزّان أمناء أخيار. ولما كان فلان هو الذي لا يتدنّس عرضه بشائبة، ولا تمسي المصالح وهي عن فكره غائبة، ولا تبرح نجوم السّعود طالعة عليه غير غائبة، وهو أهل أن يناط به التحدّث في جهات البرّ الموقوفة، وأموال الخير المصروفة، لأنه نزّه نفسه عما ليس له فلو كانت أموال غيره غنما ما اختصّ منها بصوفة؛ فلذلك رسم...... «١» ...... فليباشر هذه الوظيفة مباشرة حسنة التأثير، جميلة التّثمير، مأمونة التغيير، مخصوصة بالتعبير، ولينظر في هذه الأوقاف على اختلافها من ربوع ومباني، ومساكن ومغاني، وخانات مسبّلة، وحوانيت مكمّلة، ومسقّفات معمورة، وساحات مأجورة غير مهجورة، وليبدأ بالعمارة فإنّها تحفظ العين وتكفي البناء

стр. 5322

دثوره، وليتّبع شروط الواقفين ولا يعدل عنها فإنّ في ذلك سروره؛ ويندرج في هذه الأوقاف ما هو على المساجد ومواطن الذّكر: فليقم شعارها، وليحفظ آثارها، وليرفع منارها؛ والوصايا كثيرة والتقوى ظلّها المخطوب، ومراقبة الله أصلها المطلوب ووصلها المحبوب، والله تعالى يجمع على محبته القلوب، بمنّه وكرمه!. ومنها- نظر البيمارستان المنصوريّ بين القصرين لأرباب الأقلام، وهو من أجلّ الأنظار وأرفعها قدرا، ما زال يتولّاه الوزراء وكتّاب السرّ ومن في معناهم. [وهذه نسخة توقيع] «١» من إنشاء الشيخ شهاب الدين محمود الحلبيّ، وهي: «٢» الحمد لله رافع قدر من كان في خدمتنا الشريفة كريم الخلال، ومعلي درجة من أضفى عليه الإخلاص في طاعتنا العليّة مديد الظّلال، ومجدّد نعم من لم يخصّه اعتناؤنا بغاية إلا ورقّته همّته فيها إلى أسنى رتب الكمال، ومفوّض النظر في قرب سلفنا الطاهر إلى من لم يلاحظ من خواصّنا أمرا إلا سرّنا ما نشاهد فيه من الأحوال الحوال. نحمده على نعمه التي لا تزال تسرى إلى الأولياء عوارفها، ومننه التي لا تبرح تشمل الأصفياء عواطفها، وآلائه التي تسدّد آراءنا في تفويض قربنا إلى من إذا باشرها [سرّ] «٣» بسيرته السّريّة مستحقّها وواقفها. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة رفع الإخلاص لواءها، وأفاض الإيمان على وجوه حملتها إشراقها وضياءها، ووالى الإيقان إعادة أدائها بمواقف الحقّ وإبداءها، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله المخصوص بعموم

стр. 5323

الشفاعة العظمى، المقصوص في السنة ذكر حوضه الذي من شرب منه شربة فإنه بعدها لا يظما، المنصوص على نبوّته في الصّحف المنزّلة وبشّرت به الهواتف نثرا ونظما، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين فازوا من طاعته، بالرّتب الفاخرة، وحازوا بالإخلاص في محبّته، سعادة الدنيا والآخرة، وأقبلوا على حظهم من رضا الله ورضاه فلم يلوا على خدع الدنيا الساحرة، صلاة دائمة الاتصال، آمنة شمس دولتها من الغروب والزّوال، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ أولى الأمور بإنعام النظر في مصالحها، وأحقّها بتوفير الفكر على اعتبار مناهجها واعتماد مناجحها- أمر جهات البر التي تقرّب والدنا السلطان الشهيد- قدّس الله روحه- بها إلى من أفاض نعمه عليه، وتنوّع في إنشائها فأحسن فيها كما أحسن الله إليه، ورغب بها فيما عند الله لعلمه أنّ ذلك من أنفس الذخائر التي أعدّها بين يديه، وحلّ منها في أكرم بقعة نقله الله بها عن سريره إلى مقعد صدق عند ربّه، وعمر بها مواطن العبادة في يوم سلمه بعد أن عفّى على معاقل الكفر في يوم حربه، وأقام بها منار العلوم فعلا منالها، وأعدّ للضّعفاء بها من موادّ البرّ والإلطاف ما لو تعاطته الأغنياء قصرت عن التطاول إليه أموالها؛ وأن نرتاد لها من إذا فوّضنا إليه أمرا تحقّقنا صلاحه، وتيقّنّا نجاحه، واعتقدنا تنمية أمواله، واعتمدنا في مضاعفة ارتفاعه وانتفاعه على أقواله وأفعاله، وعلمنا من ذلك ما لا نحتاج فيه إلى إخبار ولا اختبار، ولا يحتاج في بيان الخيرة فيه إلى دليل إلّا إذا احتاج إليه النّهار، لنكون في هذا بمثابة من ضاعف لهذه القرب أسباب ثوابها؛ أو جدّد لها وقفا لكونه أتى بيوت الإحسان في ارتياد الأكفاء لها من أبوابها. ولذلك لما كان فلان هو الذي صان أموال خواصّنا، وأبان عن يمن الآراء في استئثارنا به لمصالحنا الخاصّة واختصاصنا، واعتددنا بجميل نظره في أسباب التدبير التي تملأ الخزائن، وتدلّ على أنّ من الأولياء من هو أوقع على المقاصد من سهام الكنائن، وتحقّق أنه كما في العناصر الأربعة معادن فكذلك في الرجال معادن، ونبّهت أوصافه على أنه ما ولي أمرا إلا وكان فوق ذلك قدرا،

стр. 5324

ولا اعتمد عليه فيما تضيق عنه همم الأولياء إلا رحب به صدرا، ولا طلع في أفق رتبة هلالا إلا وتأمّلته العيون في أجلّ درج الكمال بدرا؛ يدرك ما نأى من مصالح ما يليه بأدنى نظر، ويسبق في سداد ما يباشره على ما يجب سداد الآراء ومواقع الفكر؛ فنحن نزداد كل يوم غبطة بتدبيره، ونتحقّق أن كل ما عدقنا به إليه من أمر جليل فقد أسندناه إلى عارفه وفوّضناه إلى خبيره- اقتضت آراؤنا الشريفة أن نعدق بجميل نظره أمر هذا المهمّ المقدّم لدينا، وأن نفوّض إليه نظر هذه الأوقاف التي النظر في مصالحها من آكد الأمور المتعيّنة علينا. فرسم بالأمر الشريف- لا زال فضله عميما، وبرّه يقدّم في الرتب من كان من الأولياء كريما- أن يفوّض إليه كيت وكيت. فليل هذه الرتبة التي أريد بها وجه الله وما كان لله فهو أهمّ، وقصد بها النفع المتعدّي إلى العلماء والفقراء والضّعفاء، ومراعاة ذلك من أخصّ المصالح وأعمّ، ولينظر في عموم مصالحها وخصوصها نظرا يسدّ خللها، ويزيح عللها، ويعمّر أصولها، ويثمّر محصولها، ويحفظ في أماكنها أموالها، ويقيم معالم العلوم في أرجائها، ويستنزل بها موادّ الرحمة لساكنها بألسنة قرّائها، ويستعيد صحّة من بها من الضعفاء بإعداد الذّخائر لملاطفة أسقامها ومعالجة أدوائها، ويحافظ على شروط الواقف- قدّس الله روحه- في إقامة وظائفها، واعتبار مصارفها، وتقديم ما قدّمه مع ملاءة تدبيره باستكمال ذلك على أكمل ما يجب، وتمييز حواصلها لما يستدعي إليها من الأصناف التي يعزّ وجودها ويجتلب، وضبط تلك الحواصل التي لا خزائن لها أوثق من أيدي أمنائه وثقاته، ولا مودع لها أوفق من أمانة من يتّقي الله حقّ تقاته؛ وليفعل في ذلك جميعه ما عرفناه من تدبيره الجميل خبرا وخبرا، وحمدناه في كل ما يليه وردا في المصالح وصدرا؛ فإنه- بحمد الله- الميمون نظرا وتصرّفا، المأمون نزاهة وتعفّفا، الكريم سجيّة وطباعا، الرحيب في تلقّي المهمات الجليلة صدرا وباعا؛ فلذلك وكلناه في الوصايا إلى حسن معرفته واطّلاعه، ويمن نهوضه بمصالحنا واضطلاعه؛ والله تعالى يسدّده في قوله وعمله، ويحقّق بالوقوف مع مراضي

стр. 5325

الله تعالى ومراضينا غاية أمله، إن شاء الله تعالى. ومنها- نظر الجامع الناصريّ بقلعة الجبل. وهذه نسخة توقيع بنظره، كتب به للقاضي جلال الدين القزوينيّ «١» وهو يومئذ قاضي قضاة الشافعيّة بالديار المصريّة، وهي: الحمد لله الذي زاد بنا الدين رفعة وجلالا، وجعل لنا على منار الإسلام إقبالا، وأحسن لنظرنا الشريف في كلّ اختيار مالا، ووفّق مرامي مرامنا لمن أخلصنا عليه اتّكالا. نحمده حمدا يتواتر ويتوالى، ويقرّب من المنى منالا، وتنير به معاهد نعمه عندنا وتتلالا، ونديمه إدامة لا نبغي عنها حولا ولا انتقالا. ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة نصدّقها نيّة ومقالا، ونرجو بالتّغالي فيها القبول منه تعالى، ويتراسل عليها القلب واللسان فلا يعتري ذاك سهو ولا يخاف هذا كلالا، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الذي كرم صحابة وآلا، ودلّهم على الرّشد فورّثوه علماء الأمّة رجالا، صلى الله عليه وعليهم صلاة نسترعي عليها من الحفظة أكفاء أكفالا، ونستمد لرقمها المذهبات بكرا وآصالا، وتسمو إليه الأنفاس سموّ حباب الماء حالا فحالا، ما مدّت الليالي على أيّامها ظلالا، وما بلغ سواد شبابها من بياض صبح اكتهالا، وسلّم تسليما كثيرا. وبعد، فإنّ من بنى حقّ عليه أن يشيد، ومن أراد [أن] «٢» سنّته الحسنى تبقى فليتخذ معينا على ما يريد، ومن أنشأ برّا فلا بدّ من مباشر عنه يضمن له
следующие страницы →