Полный текст (7 500 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ويستحسن فيها غالب ما يستحسن في الخيل؛ وقد قيل: إن خيار ما يقتنى من البغال ما اشتدّت قوائمه وعظمت قصرته «١» ، وعنقه وهامته، وصفت عيناه، ورحب جوفه، وعرض كفله، وسلم من جميع العيوب والعلل.
ومما يستحسن في البغال دون الخيل: السّفا؛ وهو خفة شعر الناصية؛ وأن يكون بيديها ورجليها خطوط مختلفة، جلّ ما تكون للسّنّور، ويقال: إن خير ما يختار للسرج والركوب البغال المصرية، لأن أمّهاتها عتاق وهجن؛ وخيار ما يحتاج إليه للسّرايا والمواكب والرّكض مع الخيل: بغال الجزيرة وإفريقية.
ومما ينبغي التنبيه عليه: أن في البغلات منها شدّة محبة للدواب إذا ربطت معها، وفساد للدواب إذا اعتادتها حتّى يصير أحدهما لا يفارق الآخر إلا بمشقة.
ويحسن في البغال: الخصي، وفي البغلات: التّحويص «٢» . ولا يعاب ركوب شيء منها حينئذ إذا كان نفيسا.
الصنف الثالث «الإبل»
ويشتمل الغرض منها على معرفة أنواعها، وألوانها، وأسنانها؛ وما يستقبح ويستحسن من صفاتها.
أما أنواعها فإنها ترجع إلى نوعين:
الأول: البخاتيّ؛ وهي جمال جفاة القدود، طويلة الوبر، تجلب من بلاد الترك.
الثاني: العراب؛ وهي الإبل العربية وأصنافها لا يأخذها الحصر. وأما ألوانها فترجع إلى ثلاثة أصول:
стр. 597
الأوّل: البياض، فالجمل إذا كان خالص البياض قيل: آدم والأنثى أدماء على الضدّ من بني آدم؛ فإن خالط البياض يسير شقرة قيل: أعيس والأنثى عيساء.
الثاني: الحمرة، فإن احمرّ وغلبت عليه الشّقرة قيل: أصهب والأنثى صهباء؛ فإن خلصت حمرته قيل: أحمر والأنثى حمراء؛ فإن خالط حمرته قنوء «١» قيل: كميت؛ فإن صفت حمرته قيل: أحمر مدمىّ؛ فإن خالط الحمرة خضرة قيل:
أحوى؛ فإن خالطها صفرة قيل: أحمر رادنيّ بكسر الدال؛ فإن خالطها سواد قيل:
أرمك والأنثى رمكاء؛ فإن كانت حمرته كصدأ الحديد قيل: أجأى.
الثالث: السواد، فإن كان السواد فيه ضعيفا قيل: أكلف؛ فإن خالط السواد صفرة قيل: أحوى، فإن علق بسواده بياض قيل: أورق؛ فإن زادت ورقته حتّى أظلم بياضه قيل: أدهم؛ فإن اشتد سواده قيل: جون، فإن كان بين الغبرة والحمرة قيل: خوّار والأنثى خوّارة.
وأما أسنانها فإنه يقال لولد الناقة عند الوضع قبل أن يعرف أذكر أم أنثى:
سليل؛ فإن بان أنه ذكر قيل: سقب؛ وإن بان أنه أنثى قيل: حائل، ثم هو حوار حتّى يفطم؛ فإذا فطم وفصل عن أمه قيل: فصيل؛ وذلك في آخر السنة الأولى من وضعه؛ فإذا دخل في الثانية قيل: ابن مخاض؛ لأن أمّه فيها تكون من المخاض- وهي الحوامل- والأنثى بنت مخاض؛ فإذا دخل في الثالثة قيل: ابن لبون؛ لأن أمّه فيها تكون ذات لبن والأنثى بنت لبون؛ وإذا دخل في الرابعة قيل: حقّ، لأنه يستحق أن يحمل عليه والأنثى حقّة؛ فإذا دخل في الخامسة قيل: جذع والأنثى جذعة؛ فإذا دخل في السادسة قيل: ثنيّ، لأنه يلقي فيها ثنيّته والأنثى ثنيّة؛ فإذا دخل في السابعة قيل: رباع- بفتح الراء- لأن فيها يلقي رباعيته والأنثى رباعية بالتخفيف؛ فإذا دخل في الثامنة قيل: سديس وسدس، الذكر والأنثى فيه سواء، وربما قيل في الأنثى سديسة؛ فإذا دخل التاسعة قيل: بازل، لأنه فيها
стр. 598
يبزل «١» نابه، والذكر والأنثى فيه سواء؛ وقد يقال فيه: فاطر؛ فإذا دخل في العاشرة قيل: مخلف؛ وليس وراء ذلك للإبل ضبط بل يقال مخلف عام ومخلف عامين فأكثر؛ فإذا علا السن بعد ذلك قيل فيه: عود والأنثى عودة؛ فإن علا عن ذلك قيل:
قحر؛ فإن تكسرت أنيابه لطول هرمه قيل: ثلب والأنثى ثلبة؛ ويقال في الناقة إذا كان فيها بعض الشباب: عزوم، وربما قيل: شارف.
وأما ما يستحسن من صفاتها فقد رأيت في بعض المصنّفات أن كلّ ما يستحب في الفرس يستحب في البعير خلا عرض غاربه، وفتل مرفقه، ونكس جاعرته وهي أعلى الورك، واندلاق بطنه، وتفرّش رجليه، فإن ذلك يستحب في الإبل دون الخيل.
وقد صرّح الشعراء في أشعارهم بعدّة أوصاف مستحسنة في الناقة.
منها: دقة الأذن، وتحديد أطرافها، وكبر الرأس، واستطالة الوجه، وعظم الوجنتين؛ وقنوّ الأنف، وطول العنق، وغلظه، ودقة المذبح، وطول الظهر، وعظم السّنام- وهي: الكوماء- وطول ذنبها، وكثرة شعره؛ غليظة الأطراف، قليلة لحم القوائم؛ ليست رهلة، ولا مسترخية؛ وأن تكون مع ذلك كثيرة اللحم؛ ملساء الجلد، تامّة الخلق، قويّة، صلبة، خفيفة سريعة السير.
وأما كرمها فإنه يقال لكل كريم خالص من الإبل: هجان من نتاج مهرة:
وهي قبيلة من قضاعة باليمن؛ والعيديّة منسوبة إلى بني العيد من قبيلة مهرة المذكورة؛ والأرحبيّة منسوبة إلى بني أرحب؛ والغريريّة منسوبة إلى غرير؛ وهو فحل كريم مشهور في العرب؛ والشّذقميّة منسوبة إلى شذقم: فحل كريم أيضا، والجديليّة منسوبة إلى جديل: فحل كريم؛ والدّاعريّة منسوبة إلى داعر: فحل كريم كذلك. قال في كفاية المتحفظ: والشّدنيّة منسوبة إلى فحل أو بلد.
стр. 599
الصنف الرابع «الحمير»
ومنها النّفيس الغالي الثمن، وخيرها حمر الديار المصرية، وأحسنها ما أتي به من صعيدها؛ وهي تنتهي في الأثمان إلى ما يقارب أثمان أوساط الخيل، وربما يميّز العالي القدر منها على المنحط القدر من الخيل. والأحسن فيها ما كان غليظ القوائم، تامّ الخلق، حديد النفس.
ولا عيب في ركوب الحمار ولا وهيصة «١» ؛ فقد ثبت في الصحيح أن النبيّ ﷺ ركب الحمار؛ ولا عبرة بترفّع من ترفّع عن ركوبه بعد أن ركبه النبيّ ﷺ .
النوع الثالث ما يحتاج إلى وصفه من جليل الوحش وكريم صيوده، وهو أصناف
الصنف الأوّل «جليل الوحش»
وهو ما يتخذه الملوك للزّينة وما في معناها. ويحتاج الكاتب إليه لوصفه في الهدايا والمواكب، وما يجري مجراهما.
والمعوّل عليه من ذلك خمسة أضرب:
الأوّل «الأسد»
- ويجمع على أسد وأسد وأسود وآساد- ويقال له أيضا:
اللّيث والضّيغم، والضّرغام، والهزبر، والهيصم، والهرماس، والفرافصة، وحيدرة، والقسورة؛ وله أسماء كثيرة سوى هذه لا تكاد تدخل تحت الحصر، حتّى
стр. 600
قال ابن خالويه «١» : للأسد خمسمائة اسم. ويقال لولده: الشّبل، ولأنثاه: اللّبؤة.
قال ابن السندي «٢» في كتابه «المصايد والمطارد» : وإذا تأملت أصناف الحيوان وبحثت صورها وما أعطيت من الأسلحة، ومقادير الخلق، وجدت الأسد أعظم خلقة، وأكثر آبدة، وأشد إقداما من جميعها، ليست له غريزة في الهرب البتّة.
ومن خصائصه وعجيب خلقه أن عظم عنقه عظم واحد ليست له خرز عظام كما في غيره من الحيوان، بدليل أنه لا يلوي عنقه ولا يلتفت؛ ومع ذلك فهو يبتلع الشيء العظيم. ولبوته لا تلد إلا جروا واحدا، وإنها تضعه كاللّحمة ليس فيه حسّ ولا حركة، فتحرسه ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه فينفخ فيه المرّة بعد المرة حتّى يتحرّك، ثم تأتي أمّه فترضعه؛ ولا يفتح عينيه إلا بعد سبعة أيام؛ ويكتسب لنفسه بالتعليم من أبويه بعد ستة أشهر. وهو قليل الشرب للماء وإن كان لا يفارق الغياض، وله صبر على الجوع، ولكنه إذا جاع ساءت أخلاقه، وليس يلقي رجيعه إلا مرة واحدة في اليوم، ويرفع رجله عند البول كما يفعل الكلب، ويبول إلى خلف كما تبول الجمال، وهو أشدّ السّباع ضراوة على أكل بني آدم، وإذا افترس فريسة وأكل منها لا يعود إليها، ولا يطأ أثره شيء من السباع.
قال ابن السندي في «المصايد والمطارد» : ولا يأكل من فريسة غيره من السباع. وقد قيل: إنه يهرب من الهر، ومن الجرو، ومن الدّيك الأبيض؛ وإنه إذا رأى النار عرضت له فكرة أورثته بهتة، وأنه يهرب من عواء الجر وإذا عركت أذنه.
ويقال: إن جلده إذا جعل فيما يخاف عليه السّوس من الثياب وغيرها أمن من
стр. 601
ذلك؛ وإنه إذا عمل منه وتر قوس وأضيف إلى أوتار من فراء ومعى أو غيرهما أبطل أصواتها وعلا صوته عليها. ومن طبعه أنه لا يشرب ماء ولغ فيه كلب وإن مات عطشا.
الثاني «النّمور»
- جمع نمر (بفتح النون وكسر الميم) ويجمع أيضا على أنمار ونمار، والأنثى نمرة. وهو حيوان مرقّع اللون بسواد وبياض، أقرب شيء من خلقة الفهد؛ وهو أخبث من الأسد؛ لا يملك نفسه عند الغضب حتّى إنه ربما قتل نفسه من شدّة غضبه.
قال ابن السندي: وهو ودود لجميع الحيوان، عدوّ للنّسر، وينام ثلاثة أيام.
والحيوان يطيف به ويميل إليه استحسانا لجلدته.
وهو جنسان، أحدهما: عظيم الجثّة صغير الذّنب، والثاني: صغير الجثّة عظيم الذنب.
قال في «المصايد والمطارد» : ويصاد بالحمر لأنه يحبها. قال: ومن أراد قتله تمسّح بشحم ضبع ودخل عليه فقتله.
الثالث «الكركدنّ
- بفتح الكافين وسكون الراء المهملة وفتح الدال المهملة ونون مشدّدة «١» في الآخر.
قال الزمخشري في «ربيع الأبرار «٢» » : وهو وحش يكون ببلاد الهند يسمّى الحمار الهنديّ، له قرن واحد في جبهته يبلغ غلظه شبرين، وهو محدّد الرأس إلا أنه ليس بالطويل؛ وأنه إذا قطع ظهرت فيه صورة عجيبة. وإنه ربّما نطح الفيل فبعجه بقرنه. وإن أنثاه تحمل سبع سنين؛ وإنه إذا كان بأرض لم يدع شيئا من
стр. 602
الحيوان حتّى يكون بينه وبينه مائة فرسخ من جميع جهاته هيبة له وهربا منه.
الرابع «الفيل»
- وهو حيوان يؤتى به من بلاد الهند والحبشة.
قال الجاحظ: وهو من الحيوانات المائية وإن كان لا يسكن الماء. وهو من ذوات الخراطيم، وخرطومه أنفه، كما أن لكل شيء من الحيوان أنفا، وهو يده، وبه يتناول الطعام والشراب، ومنه يغنّي ويجرّ فيه الصوت كما يجرّه الزامر في القصبة بالنفخ. قال: وأصحابنا يزعمون أنه بينه وبين السّنّور عداوة، وأن الفيل يهرب منه هربا شديدا.
وذكر صاحب «الحيل في الحروب» أنه يقصر «١» عن صوت الخنزير وأنه بذلك ينفّر في الحروب. وقد ذكر الجوزي: أن للفيل إقداما على السبع.
قال الجاحظ: وهو يعادي البعوض لأنه يثقب جلده بقرصه، ومن ثم يرى الفيل دائما يحرك آذانه ليطرد عنه الناموس. وهو مخصوص بخفة وقع قوائمه على الأرض إذا مشى، حتّى لو أن إنسانا كان جالسا وجاء الفيل من خلفه لما شعر به.
وذكر عبد القاهر «٢» البغداديّ: أن الفيلة تحمل سبع سنين، وقيل: سنتين، وقيل: ثلاث «٣» قبل أن تضع؛ وأن لسان الفيل مقلوب: طرفه داخل حلقه وأصله من خارج، على العكس من سائر الحيوان؛ وأن ثدييها على كبدها، وترضع أولادها من تحت صدرها.
وقد ذكر الغزالي «٤» : أن فرجها تحت بطنها، فإذا كان وقت الضّراب ارتفع وبرز للفحل حتى يتمكن من إتيانها.
стр. 603
الخامس «الزّرافة»
- (بفتح الزاي وضمها) وهي حيوان يؤتى به من بلاد الحبشة واليمن، طويل اليدين، قصير الرجلين، ذنبه وحوافره كذنب البقر وحوافرها، ورقبته ورأسه كرقبة الجمل ورأسه، ولونه موشّى بالبياض والصّفرة.
قال الجاحظ: وقد زعموا أن الزرافة تتولد بين الناقة من نوق الحبشة وبين بقر الوحش وبين الذّيخ- وهو ذكر الضّباع- وذلك أن الذيخ يعرض للناقة فيسفدها فتلقح بولد يجيء خلقه بين الناقة والضبع، فإن كان الولد أنثى عرض لها الثور الوحشي فيضربها فيأتي الولد زرافة، وإن كان ذكرا تعرّض للمهاة فألقحها فيأتي الولد زرافة أيضا.
قال: ومنهم من يزعم أن الزّرافة الأنثى لا تلقح من الزّرافة الذكر؛ ثم قال:
وهذا مشهور باليمن والحبشة. ثم إن كانت أسنانها سودا دلت على هرمها، وإن كانت بيضا دلت على حداثة سنّها.
ومن أمراضها: الكلب- وهو كالجنون يعتريها كما يعتري الكلب فيقتلها- وكلّ من عضته وهي على هذه الحالة قتلته إلا ابن آدم فإنه ربما عولج فسلم. ومن أمراضها أيضا: الذّبحة والنّقرس.
الصنف الثاني «معلّمات الصيد»
وقد يعبر عنها بالضّواري؛ وهي كل ما يقبل التعليم من الوحوش كائنا ما كان؛ حتّى حكي عن السّودانيّ القنّاص، أنه بلغ من حذقه أنه ضرّى ذئبا حتّى اصطاد به الظّباء وما دونها، وألّفه حتّى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، وضرّى أسدا حتّى اصطاد به حمر الوحش. ويقال: إن ابن عرس يجعل حبل في عنقه ويدخل على الثعلب فلا يخرج إلا به. وهي على ضربين:
الأوّل «الفهودة»
- جمع فهد بكسر الهاء «١» - وقد زعم أرسطوطاليس:
стр. 604
أنه يتولد من أسد ونمرة أو من نمر ولبوة. وهو من السباع التي تصاد ثم تؤنّس حتّى تصيد. وهو من الحيوان المحدّد الأسنان، وأسنانه يدخل بعضها في بعض كالكلب وغيره.
قال في «التعريف» «١» : وأوّل من صاد به كسرى أنوشروان أحد ملوك الطبقة الأخيرة من الفرس. قال في «المصايد والمطارد» : ويصطادونه بضروب من الصيد:
منها: الصوت الحسن، فإنه يصغي إليه إصغاء شديدا.
ومنها: كدّه وإتعابه حتّى يحمى ويعيا وينبهر ويحفى، فإذا أخذ غطّيت عيناه وأدخل في وعاء، وجعل في بيت ما دام وحشيّا، ووضع عنده سراج ولازمه سائسه ليلا ونهارا ولم يدعه يرى الدنيا، ويجعل له مركبا كظهر الدابة يعوّده ركوبه ويطعمه على يده فلا يزال كذلك حتى يتأنّس، فإذا ركب مؤخّر الدابة فقد صار داجنا وصاد.
وفي طباعه أمور:
منها: كثرة النوم حتّى يضرب بنومه المثل فيقال: «أنوم من فهد» وكثرة الحياء حتّى إنه لا يعلم أنه عاظل أنثى بين يدي الإنس، وقد عني بمراعاته في ذلك فلم يوقف عليه، وإن كان الأسد يفعل ذلك كثيرا.
ونقل ابن السندي عن بعض الفهّادة: أن سائسه إذا أمرّ يده عليه اطمأنّ إليه ومال، فإذا وضع يده على فرجه نفر وعضّ يده.
ومنها: الغضب حتّى إنه إذا أرسل على صيد فلم يحصّله احتد؛ وإن لم يأخذ سائسه في تسليته قتل نفسه أو كاد.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : والمسنّ من الفهود إذا صيد كان أسرع
стр. 605
في الصيد من الجر والذي يربّى ويؤدّب. والأنثى أصيد من الذكر كعامّة إناث الجوارح. قال: وليس شيء من الوحش في قدر جرم الفهد إلا والفهد أفضل منه.
قال في «المصايد والمطارد» : وضدّ الفهد الظباء والوعول على اختلاف أجناسها.
الثاني «الكلاب»
- جمع كلب ويجمع على أكلب أيضا وعلى كليب، كعبد وعبيد. والأنثى كلبة، وتجمع على كلبات بالفتح. وهو حيوان شديد الرّياضة، كثير الوفاء مشترك الطّباع بين السبع والبهيمة، لأنه لو تم له طباع السّبعية لما ألف الناس، ولو تم له طباع البهيمية لما أكل اللحم. ويقال: إنه يحتلم وأنثاه تحيض؛ وتحمل أنثاه ستين يوما، وربما حملت أقل من ذلك. ويسفد بعد سنة، وربما تقدّم على ذلك، ولها عند السّفاد اشتباك عظيم. وإذا سفد الأنثى كلبان مختلفان أتت من كل واحد بلونه. وفيه من اقتفاء الآثار وشمّ الرائحة ما ليس لغيره من الحيوان. والميتة أحبّ إليه من اللحم الغريض.
ومن طبعه: إنه يحرس صاحبه شاهدا أو غائبا، ذاكرا أو غافلا، ونائما أو يقظان. وهو أيقظ حيوان في الليل؛ وإذا نام كسر أجفان عينيه ولا يطبقها لخفّة نومه.
ومن عجيب شأنه أنه يكرم الرئيس من الناس فلا ينبحه وإنما ينبح أوباش الناس.
ومن طبعه أن الضبع إذا مشت على ظلله في القمر رمى بنفسه بين يديها فتأكله، وإذا ظفر بكلب غريب كاد يفترسه.
وقد أجاز الشارع اتخاذها للصيد ونحوه، وأباح صيدها مع نجاسة عينها.
قال في «التعريف» : وأوّل من اتخذها للصيد دارا أحد ملوك الفرس.
قال في «المصايد والمطارد» : وإذا كسر الكلب الأرانب فهو نهاية وإن كان يطيق فوق ذلك. والكلب يمسك لصاحبه، ولذلك لا يأكل من الصيد بخلاف سائر
стр. 606
الجوارح. قال: وإناثها أسرع تعلّما من الذكور، وأطول أعمارا حتّى إنها تعيش عشرين سنة.
ومن خاصية الكلب: أنه إذا عاين الظّباء قريبة كانت أو بعيدة عرف منها العليل من غيره، والعنز من التيس؛ فيتبع التيس منها دون العنز وإن كان التيس أشدّ عدوا وأبعد وثبة، لأنه يعلم أن التيس إذا عدا شوطا أو شوطين غلب عليه البول ولا يستطيع إرساله في عدوه فيقلّ عند ذلك عدوه ويقصر مدى خطاه فيدركه الكلب؛ بخلاف العنز فإنها إذا اعتراها البول أرسلته لسعة مسيله؛ والكلب يعرف ذلك كلّه طبعا، وكذلك يعرف جحرة الأرانب والثّعالب، وإن ركبها الثلج والجليد يشمه فيقف عليه ويثير ما فيها من الوحش؛ وإذا صعد منه أرنب إلى أعلى جبل شاهق كان له من التلطّف في الارتقاء والصعود ما لا يلحقه غيره، بل لا يخفى عليه من الصيد الميت من المتماوت.
ومن خصائص الأنثى: أنها تحمل ستين يوما ويبقى جروها بعد الولادة اثني عشر يوما أعمى؛ وأكثر ما تضع ثمانية أجراء، وربما وضعت واحدا فقط. ورأس الكلب كله عظم واحد. والكلب يطرح مقادم أسنانه ويخلفها، ولكنه لا يظهر لكثير من الناس لأنه لا يلقي منها شيئا حتّى ينبت في مكانه غيره. والفرق بين الذكر والأنثى أن الذكر إذا أدرك يرفع رجله عند البول والأنثى تبول مقعية وربما رفعت رجلها؛ والذكر يهيج للسّفاد في السنة قبل الأنثى؛ وأسنان الذكر أكثر، ومضغه أشدّ.
قال الجاحظ: وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى لون الأسد بين الصفرة والحمرة، ثم البيض إذا كانت عيونها سوداء. وذكر صاحب «المصايد والمطارد» : أن الأبيض أفره، والأسود أصبر على الحر والبرد.
ومن علامة النجابة والفراهة فيه: أن يكون تحت حنكه طاقة شعر مفردة غليظة، وأن يكون شعر حدّيه جافيا. ومن علامة الفراهة: طول ما بين يديه
стр. 607
ورجليه، وقصر ظهره، وصغر رأسه، وطول عنقه، وغضف «١» أذنيه، وبعد ما بينهما، وزرقة عينيه، وضخامة مقلتيه، ونتوء حدقته، وطول خطمه وذقنه، وسعة شدقه، ونتوّ جبهته وعرضها.
ويستحب فيه: أن يكون قصير اليدين، طويل الرجلين، طويل الصدر غليظه، قريبه من الأرض، ناتيء الزور، غليظ العضدين، مستقيم اليدين، منضمّ الأظافير، عريض ما بين مفاصل الأعطاف، عريض ما بين عظمي أصل الفخذين مع طولهما وشدّة لحمهما، دقيق الوسط، مستقيم الرجلين، قصير الساقين، غير محنيّ الركبتين، قصير الذنب إن كان ذكرا مع دقة وصلابة. وإن الكلبة إذا ولدت واحدا كان أفره من أبويه، وإن ولدت اثنين كان الذكر منهما أفره من الأنثى، وإن ولدت ثلاثة فيها أنثى في شبه الأم كانت أفره من الثلاثة، وإن كان في الثلاثة ذكر واحد كان أفرهها؛ وإذا ألقيت الجراء وهي صغار في مكان نديّ فأيها مشى على أربع فهو أفره.
ومن أعظم أدوائها: الكلب- بفتح اللام- وهو داء كالجنون يعتري الكلب يؤثّر فيمن عضه أنه يخرج من ذكره جراء صغار.
ومن عجيب ما يحكى في ذلك: أن رجلا عضّه كلب كلب فتلقاه بكمه فأصابته أسنانه ولعابه، فشمّر كمّه ساعة ثم نشره فتساقط منه جراء صغار.
ثم كلاب الصيد على ضربين: سلوقيّة (بفتح السين) وزغاريّة (بضم الزاي) .
فأمّا «السّلوقية» فمنسوبة إلى سلوق: بلدة من اليمن، كما قاله صاحب «المصايد والمطارد» والمؤيد «٢» صاحب حماه في تقويم البلدان، والمقرّ
стр. 608
الشهابي ابن فضل الله في «التعريف» .
قال في «التعريف» : وهي مولدة بين الثعالب والكلاب، ولذلك لا تقبل التعليم إلا في البطن الثالث منها؛ قال: ولها سلاح جيد. قال في «المصايد والمطارد» : ولها أنساب كأنساب الخيل، قال: وقلّ أن يعرض لها مرض الكلب.
وأمّا «الزّغاريّة» فهي ألطف قدّا من السّلوقية؛ ولم أدر إلى ماذا تنسب.
الصنف الثالث ما يعتنى بصيده من الوحش، والمشهور منه عشرون ضربا
الأوّل «الحمارة العتابية»
- وهي حيوان في صورة البرذون موشّى الجلد بالبياض والسّواد يروق الناظر حسنها. وقد كان أهدي للظاهر برقوق- سقى الله عهده- حمارة من هذا النوع، فأقامت مدّة، ثم أعطاها فقيرا من فقراء العجم فكان يركبها كما تركب الخيل والحمير ويمشي بها في القاهرة، ثم عوّضه الناصر بن الظاهر سلطان العصر عنها عوضا، واعتادها منه، وأرسلها في هديّة لابن عثمان صاحب بلاد الروم غربيّ الخليج القسطنطيني.
الثاني «البقر الوحشية»
- وتعرف بالمها؛ وهي دون البقر الأهلية في المقدار، ولها قرنان في رأسها، في كل قرن منهما شعب؛ وهي من جليل الصيد؛ ويقال للفتيّ منها: المها؛ وبها يضرب المثل في حسن العيون وسوادها.
ومن طبعه: الشّبق وشدّة الشهوة، ولذلك إذا حملت أنثاه هربت منه خوفا من تعبّثه بها وهي حامل؛ وربما ركب الذكر الذكر لشدّة شبقه.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : وكل إناث الحيوان أرق صوتا من الذكور إلا البقر الوحشية فإن الأنثى أفخم صوتا وأظهر من الذكر. ومواضعها من البرّيّة: الوهدات، وما استوى من الأرض ودنا من الماء والعشب، وليست مما يسكن الجبل؛ ولذلك عيب في ذلك محمد بن عبد الملك الزيّات كاتب المعتصم ووزيره حيث وصف ثورا من ثيرانها برعيه في الجبل.
стр. 609
وهي مما يصاد بالطّرد على الخيل. ويقال: إن أوّل من طردها على الخيل ربيعة بن نزار بن معدّ بن عدنان، فإنه أوّل من ركب الخيل على قول؛ ولما ركبها رأى بقرة وحشية فطردها فلجأت إلى مكان يمكنه أخذها منه، فرقّ لها وتركها.
ويقال: إن من الكلاب ما يتسلط عليها ويتعلّق بها؛ وأقدر معين له عليها من جوارح الطير العقاب. قال ابن السنديّ: ودمها أسرع إلى الجمود من دم سائر الحيوان.
الثالث «الحمر الوحشية» -
ويقال للأنثى من حمر الوحش: أتان، وللذكر: حمار وعير، كما يقال في الحمر الإنسية؛ وربما قيل: الفراء؛ وهو من أشدّ الصيد عدوا، ولذلك يضرب به المثل فيقال: «كلّ الصّيد في جنب الفرا» أوفي جوف الفرا. وبه تشبّه العرب خيلها وإبلها في السّرعة. ويقال: إن الحمار الوحشيّ لا ينزو إلا إذا كان له من العمر ثلاثون شهرا؛ وإن الأنثى لا تلقح منه حتّى يتم له ثلاث سنين، وقيل سنتان وستة أشهر. ويوصف بشدّة الغيرة على أتنه حتّى يقال: إن فيها ما إذا ولد له ولد ذكر كدم «١» قضيبه وخصيبه «٢» حتى يقطعهما.
قال في «المصايد والمطارد» : وليس يتعلّق به شيء من الضّواري ولا الجوارح إلا العقاب؛ ولا شيء أبلغ في صيده من الرمي بالنّشاب.
الرابع «الغزلان» -
ويقال لها الظّباء (بكسر الظاء) واحدها ظبي. ثم الظّباء على ثلاثة أضرب:
أحدها: البيض -
ويقال لها: الآرام جمع رئم، ومساكنها الرمل، ويقال:
هي ضأن الظّباء.
وثانيها: الأدم -
وهي ظباء سمر الظّهور، بيض البطون، طويلة الأعناق والقوائم، وهي أسرعها عدوا؛ ومساكنها الجبال والشّعاب.
стр. 610
وثالثها: العفر -
وهو صنف يعلوه مع البياض حمرة؛ قصار الأعناق؛ ومسكنها صلاب الأرض.
ويصيد جميعها الفهد والكلب والعقاب؛ وتصاد أيضا بالحبالة والشّرك، وربما صيدت بإيقاد النار بإزائها، لأن الظبي إذا رأى النار في الليل تأمّلها وأدمن النظر إليها وغشي بصره وذهل؛ وقد يضاف إلى النار تحريك جرس ونحوه فيزداد ذهوله فيؤخذ؛ وتصاد بأمور أخرى غير ذلك.
الخامس «الأياييل» -
جمع أيّل (بضم الهمزة وتشديد الياء المثناة تحت ولام في الآخر) . وهو حيوان قريب الشّبه من الظباء، له قرنان في رأسه كالظبي.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو معتصم بالجبل قلّما يحلّ السهل؛ وقرونه مصمتة لا تجويف فيها، ويخلفها في كل عام غيرها، ويبتديء في ذلك بعد مضيّ سنتين من ولادته؛ وله أربع أسنان في كل ناحية من ناحيتي فيه، وذكره عصب لا لحم فيه ولا غضروف ولا عظم؛ ودم كل حيوان يجمد إلا دمه؛ وليس للأنثى منها قرون البتّة؛ وأصوات ذكورها أحمد من أصوات إناثها؛ وهو يرتاح لسماع الغناء. وإذا مر بشجرة الزيتون ذلّ لها؛ ويأكل الحيات ولا يضرّه سمها.
وسيأتي في الكلام على الأحجار أن البادزهر الحيواني من صنف منه.
ومن خواصه: أنه إذا بخر بقرنه مع كبريت أحمر هربت الحيّات.
السادس «الأرانب» -
جمع أرنب، والأرنب مؤنّثة «١» ؛ وهي حيوان صغيرة الجثّة قصيرة اليدين قريب من لون الثعلب؛ وليس شيء مما يوصف بقصر اليدين أسرع منها.
ومن خصائصها: كثرة الشّعر حتّى إنه لينبت في بطون شدقيها وتحت رجليها. وقضيب ذكر الأرنب من عظم؛ وربما ركبت الأنثى الذكر في السّفاد. ولا
стр. 611
ينام الأرنب إلا مفتوح العين. ومن طبعها أنها تطأ الأرض بباطن كفها لتعفّي أثرها، إلا أن الكلب الماهر يدرك أثر قوائمها.
ومن شأنها: ألّا تأوي إلى ساحل البحر، وإذا طردت لجأت إلى الجبال واشتدّ عدوها فيها؛ والأنثى لا تسمن؛ وهي عند العرب مما يحيض؛ وتسفد وهي حبلى؛ وتلد الأوّل والثاني على ما في بطنها.
السابع «الذّئاب» -
جمع ذئب؛ وهو حيوان في صورة الكلب في لونه بلق «١» ؛ بكمودة «٢» ؛ والذئبة أجرأ من الذئب وأشدّ عدوا؛ وأسنانه عظم مخلوق في فكيه ليست مغروسة فيهما كسائر الحيوان.
قال ابن السندي: وأخبرني أبو بكر الدقيشي أن هذه الخلقة في أسنان الضبع أيضا. والذئب صاحب خلوة وانفراد، ومتى رأى الإنسان قبل أن يراه أخفى صوته؛ وإن رآه جزع منه اجترأ عليه وساوره. وإذا تسافد هو وأنثاه التحما التحاما شديدا حتّى يقال: إنه إذا هجم عليهما داخل في هذه الحالة قتلهما كيف شاء، ولذلك يبعدان في هذه الحال إلى مكان لا يريان فيه. وإذا تهارش ذئبان فأدمى أحدهما الآخر عدا الذي أدمى على المدمى فقتله خوفا من أخذ الثأر؛ وإذا عجز الذئب عن الدفع عوى فاجتمع إليه الذئاب نصرة له؛ وإذا لقي الفارس والأرض مثلوجة خمش الثلج بيديه ورمى به في وجه الفارس ليدهشه ثم يعقر دابته فيتمكّن منه؛ ومتى وطيء الفرس أثر الذئب رعد وخرج الدّخان من جسده كله، ولذلك قلّ من يطرد من الفرسان ولا يتفطّن لوطء أثره. ويصاد بالكلاب وغيرها؛ وقد تقدّم أن السودانيّ ضرّى ذئبا حتّى اصطاد له الظباء.
الثامن «الثعالب
- جمع ثعلب؛ وهو حيوان معروف، موصوف بكثرة الرّوغان في عدوه وبالحيل حتّى إنه يتماوت عند رؤية الغراب فينزل عليه الغراب
стр. 612
على ظنّ موته ليأكل منه فيقبضه هو. ومن خبثه وحيلته يختلط بكبار الوحوش وجلّتها.
قال في «المصايد والمطارد» : ومن فضائله تشبيههم مشية الخيل بمشيته التي يقال لها: الثعلبية.
ومن عجائبه: أن قضيبه في خلقة الأنبوبة، أوسطه عظم في صورة الثقب والباقي عصب ولحم. وهو كريم الوبر؛ والأسود من وبره في الغاية القصوى، والأبيض منه لا يكاد يفرق بينه وبين الفنك «١» .
ومن خصائصه: أنه يتمرّغ في الزرع فلا ينبت موضعه؛ وربما سفد الكلبة فولدت كلبا في خلقة السّلوقيّ الذي لا يقدر على مثله؛ وقد تقدّم ذكر ذلك في الكلام على الكلاب السّلوقية. ومواضعه الكروم والآجام. ويصيده الفهد والكلب وجوارح الطير.
التاسع «الضّباع»
- جمع ضبع- ويقال لها: أمّ عامر؛ وهي مما يؤكل وإن كانت من ذوات الناب لورود النص بذلك. وتزعم العرب أنها تكون سنة ذكرا وسنة أنثى.
ومن خصائصها: أنها إذا رأت الكلب في ليلة مقمرة على سطح ووطئت ظلّه وقع فأكلته. وإذا اقتحم عليها مقتحم وجارها وقد سدّ جميع منافذ جحرها حتّى يمتنع منه الضوء فلا يبقى فيه خرم إبرة؛ ربطها بحبل وخرج بها؛ وإن بقي ما يدخل منه الضوء، ولو قدر سمّ إبرة وثبت عليه فأكلته، ومن كان معه شيء من الحنظل لم تقربه الضبع.
العاشر «سنّور البر» -
وهو التفا «٢» . وفي حلّه عند الشافعية وجهان،
стр. 613
أصحهما التحريم. وصيده يحتاج إلى علاج كبير؛ وربما وثب على وجوه الناس؛ وطرده بالخيل من أعسر الطراد؛ وأولى ما يصاد به الرمي. ومنهم من يعدّه في السباع.
قال في «المصايد والمطارد» : وقلّما انتفع به في صيد، إلا أنه يثب على الكركي «١» وما في مقداره من الطيور فيصيده. أما السّنّور الأهليّ، وهو الهر المعروف، فغير مأكول ولا يصيد إلا الفأر وما في معناه من خشاش «٢» الأرض؛ ولذلك قال النبي ﷺ في الهرّة: «ولكنها من الطّوّافين عليكم» بمعنى تطوف على النائم في بيته فتقبض ما لعله يسرح عليه من الخشاش.
الحادي عشر «الدّبّ» -
وهو حيوان قريب في الصورة من السبع؛ وهو يسكن الجبال والمغاير «٣» ؛ والأنثى ترفع ولدها أياما هربا به من الذرّ والنمل لأنها تضعه كقطعة لحم، فلا تزال تنقله وتراعيه حتّى تشتدّ أعضاؤه، وتجعله تحت شجرة الجوز وتصعدها فتجمع الجوز في كفها ثم تضرب اليمنى على اليسرى وترمي إليه؛ فإذا شبع نزلت؛ وربما قطعت من الشجرة العود الذي يعجز الناس عنه وتقبض عليه في موضع مقبض العصا وتشدّ به على الفارس وغيره فلا تصيب به شيئا إلا أهلكته.
ومن خصيصته: أنه يستتر في الشتاء فلا يظهر إلا في الصيف بخلاف سائر الحيوان.
الثاني عشر «الخنزير»
- وهو حرام بنص القرآن، نجس في مذهب الشافعي ﵁ قياسا على الكلب، بل قالوا: إنه أسوأ حالا منه لعدم حلّ اقتنائه، إلا أنه مباح القتل فيكون في معنى الصيد. وهو حيوان في نحو مقدار
стр. 614
الحمار وشعره كالإبر؛ وله نابان بارزان من فكّه الأسفل.
ومن خاصّته: أنه لا يلقي شيئا من أسنانه، بخلاف سائر الحيوان فإنها تلقي أسنانها خلا الأضراس. وهو كثير السّفاد كثير النّسل، حتّى إنه ربما بلغت عدّة خنانيصه «١» ، وهي أولاده، اثني عشر «٢» خنّوصا.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو من الحيوان البريّ الجاهل الذي لا يقبل التأديب والتعليم، ويقبل السّمن سريعا؛ ويقال إنه إذا جعل بين الخيل سمنت.
الثالث عشر «السّمّور» «٣» -
بفتح السين وبالميم المشدّدة المضمومة على وزن السّفّود والكلّوب؛ وهو حيوان برّي يشبه السّنّور، وقد يكون أكبر منه.
قال عبد اللطيف البغدادي «٤» : وهو حيوان جريء ليس في الحيوان أجرأ منه على الإنسان، لا يصاد إلا بالحيل. ووقع للنووي «٥» في «تهذيب الأسماء واللغات» : أن السّمّور طير؛ ولعله سبق قلم منه. وأغرب ابن هشام البستي «٦» في «شرح الفصيح» «٧» فقال: إنه ضرب من الجن. والتحقيق أنه من جملة الوحوش كما تقدّم. وحكمه حلّ أكله. ومنه يتخذ نفيس الفراء التي لا يلبسها إلا الملوك وأكابر الأعيان ممن يداني الملوك لحسنها ودفائها؛ وأحسنه ما كان منه شديد النّعومة مائلا إلى السواد.
стр. 615
الرابع عشر «الفنك»
- بفتح الفاء والنون- وهو دويبّة لطيفة لها وبر حسن أبيض يخالطه بعض حمرة يتّخذ من جلوده الفراء.
قال ابن البيطار «١» : وفروه أطيب من جميع الفراء؛ ومزاجه أبرد من السّمّور وأحر من السّنجاب، ويصلح للأبدان المعتدلة؛ قال: وكثيرا ما يجلب من بلاد الصّقالبة «٢» .
الخامس عشر «القاقم» «٣» -
بقافين الثانية منهما مضمومة- وهو دويبّة في قدر الفأر لها شعر أبيض ناعم؛ ومنه يتّخذ الفراء. وهو أبرد مزاجا وأرطب من السّنجاب؛ ولذلك كان لونه البياض؛ وهو أعز قيمة من السنجاب.
السادس عشر «الدّلق» «٤» -
بفتح الدال المهملة واللام وقاف في الآخر- فارسيّ معرّب؛ وهو دويبّة تقرب من السّمّور.
قال عبد اللطيف البغداديّ: وهو يفترس في بعض الأحايين ويكرع في الدم. وذكر ابن فارس «٥» : أنه النّمس. وقد ذكر الرافعيّ «٦» أنّه يسمّى: ابن مقرض، والمعروف أن الدّلق حيوان تتخذ منه الفراء.
السابع عشر «السّنجاب» -
وهو حيوان أكبر من الفأر ووبره في غاية
стр. 616
النّعومة وجلده في نهاية القوة. وحكمه الحلّ؛ وقال بتحريمه بعض الحنابلة.
ويتخذ من جلده الفراء النّفيسة التي يلبسها أعيان الناس ورؤساؤهم.
ومن شأنه: أنه إذا أبصر الإنسان صعد الشجر العالي، وفيها يأوي، ومنها يأكل. وهو كثير ببلاد الفرنج والصقالبة، وأحسن ألوانه الأزرق؛ ثم إنه يقال إنه ربما تبقى زرقته «١» لأنه يخنق ولا يذكّى، فإن صح ذلك فهو ميتة لا يطهر شعره بالدباغ على أظهر القولين من مذهب الشافعي ﵁ خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني «٢» وابن أبي عصرون «٣» فإنهما يريان طهارة الشعر بالدباغ وهو رواية الربيع الجيزي «٤» عن الشافعي واختاره الشيخ تقيّ الدين السبكي «٥» ﵀.
الثامن عشر «سنّور الزّباد» «٦» -
وهو في صورة السّنّور الأهليّ إلا أنه أطول ذنبا منه وأكبر جثّة؛ ولونه إلى السواد أميل، وربما كان أنمر، وهو يجلب من بلاد الهند والسند؛ والزّباد فيه شبيه بالوسخ الأسود اللزج، ذفر الرائحة، يخالطه طيب كطيب المسك، ويوجد في باطن إبطه، وباطن أفخاذه، وباطن ذنبه، وحول دبره؛ فيؤخذ من هذه الأماكن بملعقة ونحوها.
التاسع عشر «السّنّور الأهلي» -
وهو الهرّ- ويقال في أصل خلقه: إن
стр. 617
أهل السفينة شكوا إلى نوح ﵇ ضرر الفأر فمسح على وجه الأسد بيده فعطس فخرج السّنّور من أنفه، ولذلك هو يشبهه في التكوين وكيفية الأعضاء.
وفيه مشاركة للإنسان في خصال:
منها: أنه يعطس، ويتثاءب، ويتناول الشيء بيده، ويأكل اللحم، ويمسح وجهه بلعابه كأنه يغسله؛ وإذا اتسخ شيء من بدنه نظّفه، وإذا قضى حاجته خبأ ما يخرج منه، ويشمّه حتّى تخفى رائحته. ويقال: إنه يفعل ذلك كيلا يشمّه الفأر فيهرب، وهو يهيج للسّفاد في آخر الشتاء، ويكثر الصياح حينئذ، وتحمل الأنثى منه مرة في السنة، وتقيم حاملا خمسين يوما؛ وإذا ألف منزلا منع غيره من السنانير من الدخول إليه، وإذا طرده أهل البيت تملّق لهم وترقق، وإذا اختطف شيئا هرب به خوف المعاقبة عليه.
والهرّة إذا جاعت أكلت أولادها، ويقال: إنها تفعل ذلك من شدّة الحنوّ.
وقد ذكر القزويني «١» : أن نوعا من السنانير له أجنحة كأجنحة الخفافيش متصلة من أذنها إلى ذنبها.
العشرون «النّمس» -
قال الجوهري «٢» : وهو دويبّة عريضة كأنها قطعة قديد، تكون بأرض مصر تقتل الثّعبان، والنّمس بمصر معروف، وهو حيوان قصير اليدين والرجلين أغبر اللون، طويل الذّنب، يصيد الدّجاج، وإذا رأى ثعبانا قبض عليه وقتله؛ وربما صيد وأنّس فتأنّس.
فإذا علم الكاتب صفات الوحوش، وخصائصها، عرف كيف يورد الجليل منها من الأسد والفيل ونحوها موارده في الوصف، وكيف يصف ضواري الصيد
стр. 618
كالفهد وكيف يصف وحوش الصيد كالظّباء، وبقر الوحش، وحمر الوحش وغيرها؛ وكذلك ما يقع من التشبيهات بشيء من الحيوان كما قال بعض الشعراء:
وتجتنب الأسود ورود ماء ... إذا كان الكلاب يلغن فيه
وكما أنشد الجاحظ:
جاءت مع الأفشين «١» في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها
كأنّها في فعلها هرّة ... تريد أن تأكل أولادها
مشيرا بذلك إلى ما تقدّم من أكل الهرّة أولادها، وغير ذلك مما يجري هذا المجرى، وسيأتي ذكر ما في معنى ذلك من الرسائل المتعلقة بأوصاف الحيوان في المقالة العاشرة المعدّة لذلك إن شاء الله تعالى.
النوع الرابع فيما يحتاج إلى وصفه من الطيور
ويحتاج الكاتب إلى ذلك في رسائل الصيد، وإهداء الجوارح، والجواب عن إهدائها، وكتابة قدم البندق «٢» ، وما يجري مجرى ذلك؛ وهو على أربعة أصناف:
الصنف الأوّل «الجوارح»
وهي يصاد بها الطير والوحش؛ ويحتاج الكاتب إلى وصفها في الرسائل الصيديّة وفي إهداء شيء من الجوارح أو الجواب عنها.
стр. 619
واعلم أن الصائد الكبير الجثّة المعتبر في الصيد في جميع أجناس الجوارح هي الإناث؛ أما ذكورها فإنها ألطف في المقدار وأضعف في الصيد على ما يأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
قال في «التعريف» : ويستحب في الجوارح كبر هامتها، ونتوّ صدرها، واتساع حماليقها «١» ، وقوّة إبصارها، وحدّة مناسرها، وصفاء ألوانها، ونعومة رياشها، وقوّة قوادمها، وتكاثف خوافيها، وثقل محملها، وخفّة وثباتها، واشتدادها في الطلب، ونهمها في الأكل؛ وقد قسمها في «التعريف» إلى قسمين: صقور وبزاة، وفرّق بينهما بأن الصّقر ما كان أسود العين، والبازي ما كان أصفر العين على اختلاف المسمّيات، ثم قال: أما العقاب فإنّه لا يعدّ في الصّقور ولا في البزاة وهو معدود في الجوارح، وفي الطير الجليل. وبالجملة فالجوارح على ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل «العقاب» ؛ وهو ضربان
الضرب الأوّل -
المخصوص باسم العقاب وهي مؤنّثة لا تذكّر، وتجمع على عقبان وأعقب.
قال في «المصايد والمطارد» : وهي من أعظم الجوارح، وليس بعد النّسر في الطير أعظم منها، وأصل لونها السواد.
فمنها: سوداء دجوجيّة، وخداريّة «٢» ؛ وهي التي لا بياض فيها.
ومنها: البقعاء؛ وهي التي يخالط سوادها بياض.
стр. 620
ومنها: الشّقراء؛ وهي التي في رأسها نقط بياض. قال أبو عبيدة «١» ويونس «٢» : ويقال لذكر العقاب الغرن- بفتح الغين والراء المهملة- ويقال: إن ذكور العقبان من طير آخر لطاف الجرم لا تساوي شيئا، تعلب بها الصّبيان.
والعقاب من أسرع الطير طيرانا؛ فقد حكي أن عقابا حملت كفّ عبد الرحمن بن عتّاب بن أسيد المسمّى بيعسوب قريش المقتول يوم الجمل بالكوفة؛ فألقتها بمكة فأخذت فوجد بها حلقة فعرف أنها كفه؛ وأرّخ ذلك الوقت فتبيّن أنها ألقتها يوم الجمل الذي قتل فيه.
وأوّل من صادها أهل المغرب؛ فلما نظرت الرّوم إلى شدّة أمرها وإفراط سلاحها قال حكماؤهم: هذا لا يفي خيره بشرّه.
وصفة الوثيق النجيب منها: وثاقة الخلق، وثبوت الأركان، وحمرة اللون، وغؤور العين بالحماليق؛ وأن تكون صقعاء «٣» ، عجزاء «٤» لا سيما ما كان منها من أرض سرت «٥» أو جبال المغرب. وهي تصيد الظّباء والثّعالب والأرانب، وقد تصيد حمر الوحش؛ وطريق صيدها إيّاها أنها إذا نظرت حمار الوحش رمت بنفسها في الماء حتّى يبتلّ جناحاها ثم تخرج فتقع على التراب فتحمل منه ومن الرمل ما يعلق بهما، ثم تطير طيرانا ثقيلا حتّى تقع على هامته فتصفّق على عينيه بجناحيها فيمتلئان ترابا من ذلك التراب الذي علق بجناحيها، فلا تستطيع المسير بعد ذلك فيدركها القانص فيأخذها، وربما كسرت الآدميّ.
стр. 621
ومما يحكى في ذلك: أن قيصر ملك الرّوم أهدى إلى كسرى ملك الفرس عقابا، وكتب إليه: إنها تعمل أكثر من عمل الصّقور؛ فأمر بها كسرى فأرسلت على ظبي فاقتنصته، فأعجبه ما رأى منها فانصرف وجوّعها ليصيد بها فوثبت على صبيّ له فقتله؛ فقال كسرى: إن قيصر قد جعل بيننا وبينه دما ثائرا بغير جيش، ثم إن كسرى أهدى إلى قيصر نمرا وكتب إليه: أن قد بعثت إليك فهدا يقتل الظباء وأمثالها من الوحش، وكتم ما صنعت العقاب، فأعجب قيصر حسن النمر ووافق صفته ما وصف من الفهد، وغفل عنه فافترس بعض فتيانه فقال: صادنا كسرى.
ومن شأنها: أنها لا تطلب شيئا من الوحش الذي تصيده؛ وهي لا تقرب إنسانا أبدا خوفا من أن يطلب صيدها، ولا تزال مرقبة «١» على مرقب عال؛ فإذا رأت بعض سباع الطير قد صاد شيئا انقضّت عليه، فإذا أبصرها هرب وترك الصيد لها؛ فإن جاعت لم يمتنع عليها الذئب في صيدها، وربما اغتالت البزاة فقتلتها.
ومن خصائصها: أنها أشدّ إخفاء لفراخها من سائر الطير.
قال غطريف بن قدامة الغساني صاحب صيد هشام بن عبد الملك: وأوّل من لعب بالعقاب أهل المغرب؛ فلما عرفوا أسرارها نفّذوها إلى ملك الروم فاستدعى جميع حكمائه فقال لهم: انظروا في قوّة هذا الطير وعظم سلاحه، كيف تجب تربيته، وتعرّفوا أسراره في صيده وتعليمه، وكيف ينبغي أن يكون؟ فأجابوا جميعا:
بأن هذا الطائر دون سائر أجناسه كالأسد في سائر الوحوش، وكما أن الأسد ملك كذلك هذا ملك بين سائر سباع الطير. وعند العداوة والغضب كلّ الأجناس عنده من سائر الحيوان على اختلاف أنواعه واحد لقوّة غضبه وشدّة بأسه، فهو لا يستعظم الآدميّ ولا غيره من الحيوان.
الضرب الثاني- «الزّمّج» -
بضم الزاي وفتح الميم المشدّدة ثم جيم- والعامّة تبدل الزاي جيما والجيم زايا، وهو طائر معروف تصيد به الملوك الوحش،
стр. 622
وأهل البيزرة «١» يعدّونه من خفاف الطير الجوارح، إلا أنهم يصفونه بالغدر وقلّة الإلف لكثافة طبعه وكونه لا يقبل التعليم إلا بعد بطء.
ومن عادته أنه يصيد على وجه الأرض؛ وأحسن صفاته أن يكون أحمر اللون.
وقال الليث «٢» : الزّمّج طائر دون العقاب حمرته غالبة، والعجم تسميه دوبرا دران، ومعناه أنه إن عجز عن الصيد أعانه عليه أخوه.
القسم الثاني من الجوارح «البزاة» وهي ما اصفرّت عينه، وهي على خمسة أضرب:
الأوّل «البازي» -
المختص في زماننا باسم البازي؛ وفي ضبطه ثلاث لغات أفصحها بازي بكسر الزاي وتخفيف الياء في الآخر، والثاني باز بغير ياء في آخره، والثالث بازيّ باثبات الياء وتشديدها حكاها ابن سيده «٣» ؛ ويقال في التثنية:
بازيان، وفي الجمع: بواز وبزاة، ولفظه مشتق من البزوان، وهو الوثب. وهو خفيف الجناح، سريع الطّيران، وهو من أشرف الطّيور الجوارح وأحرصها على طلب صيده.
ففي أخبار نصر بن سيّار «٤» أن بعض كبراء الدّهاقين «٥» غدا عليه
стр. 623
بطبرستان «١» ومعه منديل فيه شي ملفّف، فكشف عنه بين يديه فإذا فيه شلوباز «٢» ودرّاجة، فأطلقه عليها فأحسّت به- وكنت قد أمرت بإحراق قصب قد أفسد أرضا لي- فتحاملت الدّرّاجة حتّى اقتحمت النّار هاربة من البازي، واشتدّ طلبه لها وحرصه عليها فلم تردّه النار عنها واقتحمها في أثرها، فأسرعت فيهما، فأدركهما وقد احترقا، فأحضرهما إلى الأمير ليراهما فيرى بهما ثمرة إفراط الحرص وإفراط الجبن، وهو من أشدّ الحيوان كبرا وأضيقها خلقا.
قال القزوينيّ: ولا يكون إلا أنثى، وذكرها نوع آخر من حدأة «٣» أو شاهين «٤» أو غيرهما؛ ولذلك تختلف أشكالها. والبازي قليل الصبر على العطش، ومأواه مساقط الشجر.
ومن فضيلته: أن الصيد فيه طبيعة لأنه يؤخذ من وكره فرخا من غير أن يكون يصيد مع أبويه، فيصيد ابتداء وقريحة من غير تضرية، بخلاف الصقر فإنه إذا أخذ قبل أن يتصيد مع أبويه لم ينجب ولم يصد، وإذا كان قد لحق أبويه وصاد معهما ثم عوّد أكثر مما يوجد عنده في تلك الحال وجرّيء على ما هو أكبر من الظباء اعتاد ذلك ومهر فيه.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : وعدد ريش جناح البازي عشرون ريشة: أربع قوادم، وأربع مناكب، وأربع أباهر، وأربع كلّى، وأربع خواف، ويقال: سبع قوادم وسبع خواف، وسائره لغب «٥» . والخوافي أخفّ من القوادم.
стр. 624
والمستحب من صفاته: صغر المنسر، والرأس، وغلظ العنق، وسعة اللحيين، ودائرتي الأذنين والشّدقين، وسعة الحدقة، وطول القوادم، وقصر الخوافي والذّنب، وشدّة اللحم، وعرض ما بين المنكبين والزّور، وسعة الحوصلاء، وسعة ما ينتقل إليه طعمه، وعرض المخالب، ورزانة المحمل، وغلظ خطوط الصدر، وذكاء القلب، والتشمير، وكثرة الأكل، وتتابع النّهش، وسرعة الاستمراء، وشدّة الانتفاض، وضخامة السّلاح، وبعد الذّرق «١» . وأن تراه كأنه مقعيا إذا استقبلته على يد حامله، تشبيها بالغراب الأبقع.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : والمختار من ألوانها الأحمر الأكثر سوادا، الغليظ خطوط الصدر، والأشهب الشديد الشهبة، الشّبيه بالأبيض، والأصفر المدبّج الظهر، قال: وسواد لسانه أدلّ على نجابته.
والبازي يصيد الكلب، والأرنب، والغزال، والكركيّ وما في معناه، والدّرّاج والحجل، وسائر الحمام، والبطّ، وسائر طيور الماء.
ومن محاسن البازي: عدم الإباق «٢» ، فإنه إن صاد بقي على فريسته، وإن لم يصد وقف مكانه فلا يحتاج إلى كدّ ولا تعب ولا طرد خيل.
وأوّل من صاده من الملوك قسطنطين ملك الروم؛ وذلك أنه مر يوما بلحف جبل فرأى بازيا يطير ثم نزل على شجرة كثيرة الأغصان كبيرة الشوك، فأعجبته صورته، وراقه حسن لباسه؛ فأمر بأن يصاد له جملة من البزاة فصيدت له وحملت إليه فارتبطها في مجلسه، فعرض لبعضها في بعض الأيام أيم «٣» فوثب عليه فقتله، فقال هذا ملك يغضبه ما يغضب الملوك فنصب له بين يديه كندرة «٤» ، وكان هناك ثعلب داجن، وهو الذي يربّى في البيوت، فوثب عليه فما أفلت إلا جريحا، فقال:
стр. 625
هذا ملك جبّار لا يحتمل ضيما، ثم مرّ به طائر فكسره ونهش منه؛ فقال: هذا ملك نوعه لما جاع أخذ طعامه بسلطان وقدرة، فحمله على يده وصاد به.
الثاني «الزّرّق» -
بضم الزاي المعجمة وتشديد الراء المهملة المفتوحة وقاف في الآخر- وهو ذكر البازي.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو يصيد ما يصيد البازي من دقّ الطير ولا ينتهي إلى صيد الكركيّ.
الثالث «الفقيمي»
«١» - وهو باز قضيف «٢» قليل الصيد ذاهل النفس.
الرابع «الباشق»
- بكسر الشين وفتحها- فارسي معرّب وهو طائر لطيف وصفاته المحمودة كصفات البازي المحمودة؛ وأفضلها أثقلها وزنا.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو يصيد العصافير وما قاربها. وقال في حياة الحيوان «٣» : إنه يصيد أفخر ما يصيده البازي، وهو الدّرّاج والحمام والورشان «٤» ، وإذا قوي على صيده لا يتركه إلا أن يتلف أحدهما.
الخامس «البيدق»
- وهو دون الباشق، وصيده العصافير.
القسم الثالث من الجوارح «الصقور» - وهي السّود العيون من الجوارح وهي ضربان:
الضرب الأول: «الشّواهين»
(واحدها شاهين) وهي صنفان؛ الأوّل:
стр. 626
المشتهر باسم الشاهين، وقد ذكر العلماء بالجوارح: أن الشّواهين هي أسرع الجوارح كلها وأشجعها وأخفّها وأحسنها تقلبا، وإقبالا، وإدبارا، وأشدّها ضراوة على الصيد؛ إلا أنهم عابوها بالإباق وما يعتريها من شدّة الحرص، حتّى إنها ربما ضربت نفسها على الغلظ من الأرض فماتت، وهي أصلب عظاما من غيرها من سائر الجوارح؛ ويقال: إن صدرها عصب مجدول ملحم، ولذلك تجدها تضرب بصدرها ثم تعلق بكفها، وهم يحمدون منها ما قرنص «١» داجنا دون ما قرنص وحشيّا.
ومن كلام بعضهم: الشاهين كاسمه- يعني كالميزان المسمّى بالشاهين- فإنها لا تحمل أيسر حال من الشبع ولا أيسر حال من الجوع؛ بل حالها معتدل كاعتدال الميزان؛ ويقال: إن الحمام يخافها أكثر مما يخاف غيرها من الصقور.
ثم المختار من صفاتها فيما ذكره صاحب «المصايد والمطارد» : الأحمر اللون إذا كان عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، سائل السّفعتين «٢» ، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتليء الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين، قريب العقدة من القفا، طويل الجناحين، قصير الذّنب، سبط الكف، غليظ دائرة الخصر، قليل الريش ليّنه، تام الخوافي، ممتليء العكوة «٣» ، رقيق الذّنب، إذا صلب عليه جناحيه لم يفضل عنهما شيء من ذنبه.
قال صاحب «المصايد والمطارد» : وأهل الاسكندرية يزعمون أن السود منها هي المحمودة، وأن السواد هو أصل لونها وإنما انقلبت إلى لون البراري فحالت؛ قال: والحمر منها تكون في الأرياف والمواضع السّهلة؛ والشّهب في الجبال والبراري، ثم قال: ولا يصيد منها الكركيّ والحبرج إلا البحريّة.
стр. 627
وأوّل من صادها فيما يقال قسطنطين ملك الروم أيضا، وذلك أنه رأى شاهينا محلّقا على طير الماء يصطاده فأعجبه ما عاين من فراهته وسرعة طيرانه وحسن صيده؛ فإنه رآه يحلّق في طيرانه حتّى يلحق بعنان الجوّ ثم يعود في طرفة عين فيضرب طير الماء فيأخذه قناصا، فقال: ينبغي أن يصاد هذا الطائر ويعلّم، فإن كان قابلا للتعليم ظهر منه أعجوبة في أمر الصيد، فأمر بصيده وتعليمه، فصيد وعلم وحمله على يده.
قال في «المصايد والمطارد» وإنه كان من رتبة ملوك الروم أنه إذا ركب سارت الشواهين حائمة على رأس الملك حتّى ينزل فتقع حوله إلى أن ركب بها ملك منهم، وسار وهي على رأسه، فطار طائر فانقضّ بعض تلك الشواهين عليه فاقتنصه، وأعجب الملك به فضرّاها على الصيد وصاد بها.
وقال ابن عفير «١» : كانت ملوك العرب إذا ركبت في مواكبها طيّروا الشواهين فوق رؤوسهم، وكان ذلك عندهم هو الرتبة العظيمة.
الثاني من الشواهين: الأنيوه، قال في «المصايد والمطارد» : وهو دون الشاهين في القوة، وله سرعة لا تزيد على صيد العصافير.
الضرب الثاني: من الصقور ما عدا الشواهين وهي أصناف
: الأول «السّنقر» -
قال في «التعريف» : وهو أشرف الجوارح وإن كان لا ذكر له في القديم. قال: والسّناقر تجلب من البحر الشاميّ مغالى في أثمانها؛ ثم قال: وكان الواحد منها يبلغ ألف دينار، ثم نزل عن تلك الرتبة، وانحط عن تلك الهضبة.
الثاني- المخصوص في زماننا باسم «الصّقر»
، ويجمع على أصقر
стр. 628
وصقور وصقورة، قال في «التعريف» : والعرب تسمي هذا النوع الحرّ؛ ويقال له: الأكدر، والأجدل.
قال في «المصايد والمطارد» : ويقال لها: بغال الطير، لأنها أصبر على الأذى، وأحمل لغليظ الغذاء، وأحسن إلفا، وأشدّ إقداما على جلّة الطير، ومزاجه أبرد من البازي والشاهين.
وبسبب ذلك يضرّى على الغزال والأرنب ولا يضرّى على الطير لأنه يفوته، وهو أهدى من البازي نفسا، وأسرع استئناسا بالناس، وأكثرها قنعا، وأبرد مزاجا، لا يشرب ماء وإن أقام دهرا؛ ونوعه يوصف بالبخر ونتن الفم، ومسكنه المغائر والكهوف وصدوع الجبال دون رؤوس الأشجار وأعالي الجبال.
والعرب تحمد من الصّقور ما قرنص وحشيّا، وتذم ما قرنص داجنا، وتقول:
إنه يتبلد ولا يكاد يفلح. وهي تصيد الكركيّ وما في معناه، والبطّ وسائر طير الماء.
والصقور من أثبت الجوارح جنانا في الطيران، وأحرصها في اتباع الصيد، حتّى يحكى أن بعض ملوك مصر أرسل صقرا على كركيّ صبيحة يوم الجمعة بمصر، فبينما الناس يصلّون الجمعة بدمشق إذ وقع هو والكركيّ بالجامع الأمويّ بدمشق، فأخذ فوجد فيه لوح السلطان فعرف به؛ فكتب نائب الشام إلى السلطان يخبره وأرسله إليه هو وصيده.
قال في «المصايد والمطارد» : ومن ألوان الصقر كونه أحمر، وأبغث «١» ، وأحوى «٢» ، وأبيض، وأخرج «٣» ، وهو الذي فيه نقط بيض. قال: ويستحب في الصقر أن يكون أحمر اللون، عظيم الهامة، واسع العينين، تام المنسر، طويل العنق، رحب الصّدر، ممتلىء الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير
стр. 629
الساقين، قريب القعدة من القفا، طويل الجناحين، قصير الذّنب، سبط الكف، غليظ الأصابع فيروزجها، أسود اللسان. قال: وتجمع هذه الصفات الفراهة والوثاقة والسرعة.
قال أدهم بن محرز «١» : وأوّل من لعب بالصقر الحارث بن معاوية بن كندة «٢» الكنديّ، خرج يوما إلى الصيد فرأى صيّادين قد نصبوا شباكا عدّة، فوقع فيها عصافير عدّة، فحين رآها صقر من الجوّ انقضّ عليها يطلبها، فأمر الحارث بنصب الشباك للصقور فنصبت لها فاصطاد منها جملة. ويقال: إن صيد الصقر غير طبيعيّ له؛ وإنما يستفيد ذلك بالتعليم، بدليل أنّ فراخ الباز إذا أخذت من العشّ وعلّمت اصطادت أجود صيد لأن صيدها طبيعيّ، بخلاف الصقر فإنه إذا أخذ من الوكر ثم كبر فإنه لا يصطاد غير طعمه فلذلك ينهى عن تربية الصقر.
الثالث «الكونج» -
قال في حياة الحيوان: نسبته من الصقور كنسبة الزّرّق إلى البازي إلا أنه أحرّ منه، ولذلك كان أخفّ جناحا وأقلّ بخرا. قال: ويصيد أشياء من طير الماء ويعجز عن الغزال لصغره.
الرابع «الكوهيّة» -
وهي موشّاة بالبياض والسواد يخالط لونها صفرة.
وقال في «التعريف» : وتجلب من البحر.
الخامس «السقاوة» -
وهي قريبة الشكل من الصقر.
السادس «اليؤيؤ» -
بضم الياء المثناة تحت وهمزة بعدها وضم الثانية وهمزة بعدها أيضا.
قال في «المصايد والمطارد» : وتسميه أهل مصر والشام «الجلم» ،
стр. 630
وبهذا سماه في «التعريف» ؛ وهو طائر صغير أسود اللون يضرب للزّرقة، وهي مع صغرها يجتمع الاثنان منها على الكركيّ فيصيدانه، وسمّوه الجلم أخذا من الجلم؛ وهو المقصّ تشبيها به لأن له سرعة كسرعة المقصّ في قطعه؛ ومزاجه بالنسبة إلى الباشق بارد رطب لأنه أصبر نفسا منه، وأثقل حركة. وهو يشرب الماء شربا ضروريا كما يشربه الباشق؛ ومزاجه بالنسبة إلى الصقر حارّ يابس ولذلك هو أشجع منه. ويقال: إن أوّل من ضرّاه على الصيد واصطاد به بهرام جور «١» - أحد ملوك الفرس- وذلك أنه رأى يؤيؤا يطارد قنبرة، ويراوغها، ويرتفع معها ثم لم يتركها حتّى صادها؛ فأمر بتأديبه والصيد به.
الصنف الثاني الطير الجليل
وهو المعبر عنه بطير الواجب، وبه تعتني رماة البندق ونحوها، وتفتخر بإصابته وصرعه، ويحتاج إليه في الرسائل الصيدية، وفي كتابة قدم البندق ونحوها. وهو أربعة عشر طائرا؛ وهي على ضربين:
الضرب الأوّل «طيور الشتاء» -
وهي التي يكثر وجدانها فيه، وهي عشرة طيور:
الأوّل «الكركيّ» -
وهو طائر أغبر، طويل الساقين، في قدر الإوزّة، ويجمع على كراكيّ؛ وفي طبعه خور يحمله على التحارس، حتّى إنه إذا اجتمع جماعة من الكراكيّ لا بدّ لها من حارس يحرسها بالنّوبة بينها. ومن شأن الذي يحرس منها أن يهتف بصوت خفيّ كأنه ينذر بأنه حارس، فإذا قضى نوبته، قام واحد ممن كان نائما يحرس مكانه حتّى يقضي كلّ منها نوبته من الحراسة، ولا تطير متفرقة بل صفّا واحدا، يقدمها واحد منها كالرئيس لها وهي تتبعه، يكون ذلك حينا ثم يخلفه آخر منها مقدّما حتّى يصير الذي كان مقدّما مؤخّرا؛ وفي طبعها
стр. 631
التناصر والتعاضد. ومن خاصتها أن أنثاها لا تقعد للسفاد بل يسفدها وهي قائمة، ويكون سفاده سريعا كالعصفور.
وذكر جميع بن عمير التميمي أن الكراكيّ تبيض في السماء، ولا تقع فراخها؛ وكذبه المحدّثون في ذلك وإن كان قد روى عنه أهل السنن.
قال القزويني في عجائب المخلوقات: والكركيّ لا يمشي على الأرض إلا بإحدى رجليه ويعلّق الأخرى، وإن وضعها وضعا خفيفا مخافة أن تخسف به الأرض.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو من أبعد الطير صوتا يسمع على أميال.
قال: وإذا تقدّم مجيئها في الفصل استدلّ بذلك على قوّة الشتاء. ويقال: إن الكراكيّ تأتي إلى مصر من بلاد التّرك. وفي طلبه وصيده تتغالى ملوك مصر تغاليا لا يدرك حدّه، وتنفق في ذلك الأموال الجمّة التي لا نهاية لها، وكان لهم من علوّ الشأن بذلك ما لا يكون لغيرهم. وأكله حلال بلا نزاع.
الثاني «الإوزّ» -
بكسر الهمزة وفتح الواو- واحدته إوزّة وجمعوه على إوزّون، والمراد هنا الإوز المعروف بالتركيّ، وهو: طير في قدر الإوز البلديّ أبيض اللون. وله تبختر في مشيته كالحجل. وهو من جملة طير الماء مقطوع بحل أكله.
الثالث «اللّغلغ»
«١» - وهو دون الإوز في المقدار، لونه كلون الإوز الحبشي إلى السواد، أبيض الجفن، أصفر العين، ويعرف في مصر بالعراقي، ويأتي إليها في مباديء طلوع زرعها في زمن إتيان الكراكيّ إليها؛ ومن شأنها أن يتقدّمها واحد منها كالدليل لها، ثم قد تكون صفّا واحدا ممتدّا كالحبل، ودليلها في وسطها متقدّم عليها بعض التقدّم؛ وقد يصفّ خلفه صفين ممتدّين يلقيانه في زاوية حادّة حتى يصير كأنه حرف جيم بلا عراقة، متساوية الطرفين؛ ومن خاصتها
стр. 632
أنها إذا كبرت حدث في بياض بطونها وصدورها نقط سود، والفرخ منها لا يعتريه ذلك.
الرابع «الحبرج» -
بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة وضم الراء المهملة وجيم في الآخر- وهو الحبارى.
قال في «المصايد والمطارد» : ويقع على الذكر والأنثى ويجمع على حباريات؛ وذكر غيره أنّ واحده وجمعه سواء، وبعضهم يقول: إنّ الحبرج هو ذكر الحبارى.
قال في «المصايد والمطارد» : وهو طائر في قدر الديك كثير الرّيش، ويقال لها: دجاجة البرّ.
قال في حياة الحيوان: وهي طائر طويل العنق، رماديّ اللون، في منقاره بعض طول؛ يقال لذكر الحبارى: الخرب- بفتح الخاء المعجمة وسكون «١» الراء المهملة وباء موحدة في الآخر- ويجمع على خراب وأخراب وخربان.
ومن خاصته: أنّ الجارح إذا اعتنقها أرسلت عليه ذرقا حاصلا معها- متى أحبت أرسلته- فيه حدّة تمعّط ريشه، ولذلك يقال: سلاحها سلاحها.
قال في حياة الحيوان: وهي من أشدّ الطير طيرانا، وأبعدها شوطا، فإنها تصاد بالبصرة فيوجد في حواصلها الحبة الخضراء التي شجرها البطم، ومنابتها تخوم بلاد الشام، وإذا نتف ريشها وأبطأ نباته ماتت كمدا؛ قال: وهي من أكثر الطير جهدا في تحصل الرزق، ومع ذلك تموت جوعا بهذا السبب.
قال في «المصايد والمطارد» : وهي مما يعاف لأنها تأكل كلّ شيء حتّى الخنافس؛ وقال في حياة الحيوان: حكمها الحلّ لأنها من الطيبات؛ واستشهد له بحديث الترمذي «٢» من رواية سفينة «٣» مولى رسول الله ﷺ أنه قال: «أكلت مع
стр. 633
رسول الله ﷺ حبارى» ويقال لولدها: اليحبور، وربما قيل له: نهار، كما يقال لولد الكروان: ليل.
الخامس «التّمّ» -
بفتح التاء وتشديد الميم- وهو طائر في قدر الإوز أبيض اللون، طويل العنق، أحمر المنقار، وهو أعظم طيور الواجب وأرفعها قدرا.
السادس «الصوغ» -
بضم الصاد «١» المهملة وغين معجمة في الآخر- وهو طائر مختلط اللون من السواد والبياض، أحمر الصدر، وأكثر ميله إلى الخضرة والأشجار.
السابع «العنّاز» -
بضم العين المهملة وتشديد النون وزاي معجمة في الآخر- وهو طائر أسود اللون، أبيض الصدر، أحمر الرجلين والمنقار.
الثامن «العقاب» -
وقد تقدّم ذكره في الكلام على الجوارح حيث هو معدود منها ومن طير الواجب؛ ومما يتعلق بهذا المكان أنها منها: الأسود، والخوخية، والسّفع «٢» ، والأبيض، والأشقر؛ ومنها ما يأوي الجبال، وما يأوي الصحاري، وما يأوي الغياض، وما يأوي حول المدن.
وقد تقدّم ذكر الخلاف في أن ذكرها من جنسها أو من جنس آخر في الكلام على الجوارح. وحكمها تحريم الأكل لأنها من ذوات المخلب من الطير، واختلف في قتلها هل هو مستحبّ أم لا؟ فجزم الرافعيّ والنوويّ من أصحابنا الشافعية في الحج باستحباب قتلها. وجزم النوويّ في شرح المهذب بأنها من القسم الذي لا يستحب قتله ولا يكره، وهو ما يجتمع فيه نفع ومضرة؛ وبه جزم
стр. 634
القاضي أبو الطيب «١» ﵀.
التاسع «النسر»
- بفتح النون- ويجمع في القلة على أنسر؛ وفي الكثرة على نسور، وسمّي نسرا لأنه ينسر «٢» الشيء ويبتلعه.
والنّسر ذو منسر وليس بذي مخلب وإنما له أظفار حداد المخالب، وهو يسفد كما يسفد الديك. وزعم قوم أن الأنثى منه تبيض من نظر الذكر إليها وهي لا تحضن بيضها، وإنما تبيض في الأماكن العالية الظاهرة للشمس فيقوم حرّ الشمس للبيض مقام الحضن.
والنسر حادّ البصريرى الجيفة من أربعمائة فرسخ، وكذلك حاسّة شمه في الغاية؛ ويقال: إنه إذا شم الرائحة الطيبة مات لوقته؛ وهو أشدّ الطير طيرانا وأقواها جناحا حتّى يقال: إنه يطير ما بين المشرق والمغرب في يوم واحد؛ وإذا وقع على جيفة وعليها عقبان تأخرت ولم تأكل ما دام يأكل منها، وكل الجوارح تخافه، وهو في غاية الشّره والنّهم في الأكل، إذا وقع على جيفة وامتلأ منها لم يستطع الطيران حتّى يثب وثبات يرفع بها نفسه طبقة في الهواء حتى يدخل تحت الريح؛ وربما صاده الضعيف من الناس في هذه الحالة. والأنثى منه تخاف على بيضها وفراخها الخفّاش فتفرش في أوكارها ورق الدّلب لتنفر منه الخفّاش؛ وهو من أشدّ الطير حزنا على فراق إلفه، حتى إذا فارق أحدهما الآخر مات حزنا.
وهو من أطول الطير أعمارا حتّى يقال: إنه يعمّر ألف سنة وحكمه تحريم أكله لأنه يأكل الجيف.
العاشر «الأنيسة» -
قال في حياة الحيوان: بذلك تسميه الرّماة وإنما اسمه الأنيس.
стр. 635
قال: وهو طائر حادّ البصر، يشبه صوته صوت الجمل، ومأواه قرب الأنهار والأماكن الكثيرة المياه الملتفة الأشجار؛ وله لون حسن، وتدبير في معاشه.
وقال «١» أرسطو: إنه يتولد من الشّقرّاق «٢» والغراب، وذلك بيّن في لونه.
ويقال: إنه يحب الأنس، ويقبل الأدب والتربية، في صفيره وقرقرته أعاجيب، حتّى إنه ربما أفصح بالأصوات كالقمريّ؛ وغذاؤه الفاكهة واللحم وغير ذلك.
ومن شأنه ألفة الغياض. وحكمه الحل لأنه طيب غير مستخبث. فإن صح تولده من الشّقراق والغراب فينبغي تحريمه.
والأنيسة ذات ألوان مختلفة، بدنها يميل إلى الغبرة، وعنقها يشتمل على خضرة وزرقة؛ ويقال: إنها أشرف طيور الواجب وأعزّها وجودا.
الضرب الثاني: «طيور الصيف»
- وهي التي يكثر وجودها فيه، وهي أربعة أطيار:
الأوّل «الكي»
«٣» - بضم الكاف-: وهو طير أغبر اللون إلى البياض، أحمر المنقار والحوصلة، رجلاه تضربان إلى السواد.
الثاني «الغرنوق»
- بكسر الغين المعجمة وفتح النون- ويقال فيه غرنيق- بضم الغين وفتح النون- ويجمع على غرانيق.
قال الجوهري: وهو طائر أبيض من طير الماء طويل العنق، وتبعه الزمخشريّ على ذلك. وقال أبو خيرة «٤» : وسمي غرنيقا لبياضه.
следующие страницы →