Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.
стр. 6196
أما بعد حمد الله على نعم منحها، وأبواب فضل فتحها، وآمال للأولياء أنجحها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي هدى الله به الأمة الإسلامية وأصلحها- فإن أولى من همت عليه سحائب الإحسان، وافتتحته أيامنا الشريفة بمقدّمة كرم تميّزه بين الأقران- من جعل الولاء له خير ذخيرة، وأجمل فيما أسرّه وأبداه من حسن السّيرة والسّريرة، وكانت له الطاعة التي يحسن فيها الاعتقاد، والشجاعة التي ظهرت في مواقف الحروب والجهاد، والخدمة التي لم يزل فيها مشكور المساعي، والموالاة التي لم يبرح عليها موفّر الدّواعي.
ولما كان فلان ممن له الخدمة التي تقضي بالتقديم، وتوجب له على إحسان دولتنا الشريفة رفعة القدر ومزيد التكريم- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نحلّه مراتب ذوي الأمر والإمرة، وننظمه في سلك من سرّه بإنعامه ورفع قدره.
فلذلك خرج الأمر الشريف لا برح...... الخ.
الضرب الثاني (في مناشير أولاد الأمراء
؛ وهي كالتي قبلها إلا أنه يقع التعرّض فيها إلى الإشادة بآبائهم، وربما أطيل فيها مراعاة لهم) وهذه نسخة مناشير من ذلك:
وهذه نسخة منشور؛ وهي:
أما بعد حمد الله الذي جعل سيف دولتنا للدين المحمّديّ ناصرا، وجمع شمل أعزّ الأولياء والأبناء في خدمتنا على إنعامنا الذي أضحى بين الأنام مثلا سائرا، وأقرّ الأعين من ذراريّ أصفيائنا بما يفوق الدّراريّ التي غدا نورها في أفقها زاهيا زاهرا، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أيّده الله من أوليائه بعشيرته الأقربين، وشدّ أزره من أصحابه بالأبناء والبنين، وعلى آله وصحبه صلاة لا نزال بها في درج النصر مرتقين، ولا يبرح لنا بها حسن العاقبة بالظّفر على الأعداء والعاقبة للمتّقين- فإنّ أنمى الغروس من كان أصله في درج الولاء ثابتا، وأزهى الثمر ما كان في أغصان الوفاء نابتا، وأبهى الأهلّة ما بزغ في سماء الإخلاص،
стр. 6197
وطلع آمنا من السّرار والانتقاص، وأعزّ الأولياء من نشأ في ظلّ القرب والاختصاص، وتلقّى ولاءنا عن أبوّة كريمة جمعت له من العلياء شمل طارفه وتالده، وحذا في عبوديتنا حذو والده، ولا غرو أن يحذو الفتى حذو والده، وتحلّى بطريقته المثلى في الموالاة التي عدم له فيها المضاهي والمماثل، ولاحت على أعطافه مخايل الإخلاص فيعرف فيه من تلك المخايل.
ولما كان فلان هو جوهر ذلك السيف المشكور بالمضاء، عند الانتضاء، ونور ذلك البدر المشهور في أفق العلياء، بالغناء والسّناء؛ كم لأبيه في خدمتنا عند تزلزل الأقدام من مواقف، وكم أسلف في طاعتنا من مخالصة عند الاختلاف وهو عليها عاكف؛ ما تقدّم في كتيبة الإقدام إلا والنّصر له معاضد، ولا جرّد في مهمّ إلا أغنى عما سواه واستحقّ أن ينشد «ولكنّ سيف الدّولة اليوم واحد» .
اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننضّد لسعادتهما عقدا منضّدا، وأن نخصّ كلّا منهما بإمرة حتى يغدو لنا من هذا والدا من أعز الأنصار ومن هذا ولدا.
فلذلك خرج الأمر الشريف- لا برح [يوفّر] «١» لأوليائه، من الإحسان المدد، ويكثّر لأصفيائه، من الأعوان على الطاعة العدد، ويشمل برّه ومعروفه الوالد والولد- ... الخ.
وهذه نسخة منشور؛ وهي:
أما بعد حمد الله الذي زيّن سماء دولتنا من ذراريّ أوليائنا بمن يفوق الدّراريّ إشراقا، وأنار مطالع مواكبنا المنصورة من كواكب أصفيائنا بمن يبهر العيون ائتلاقا واتّساقا، وجمع شمل السعادة لأهل بيت اتّسقت عقود ولائهم في طاعتنا فحسنت في جيد الدّهر انتظاما وانتساقا، جاعل سيوف دولتنا في مراضينا مرهفة الغرار، مرتقبة الأعداء فما جرّدت عليهم إلا أرتهم مصارع الاغترار، والشهادة له بالوحدانية التي نطق بها لسان التوحيد والإقرار، وجعلت وسيلة إلى الخلود بدار
стр. 6198
القرار، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي أنجده الله من خاصّته بالأعوان والأنصار، ورفع لواء نبوّته حتّى صار منشور الأعلام في الأمصار، وعلى آله وصحبه الذين ميّزهم الله بشرف قربه، وجعل للآباء منهم فضل المزيّة من قلبه، ورفع أقدارهم بأن جعل منهم حبّه وابن حبّه- فإن أولى من جمع شمل السعادة في إزاره، ورفعت رأية الإمارة لفخاره، [من نشأ على إخلاص الولاء] «١» الذي أشبه فيه أباه، [ولمعت] «٢» بروق أسنّته التي [كم أغمدها في رقاب عداه] «٣» ، كم جرّد النصر لنا من أبيه سيفا في مواقف التأييد وأمضاه؛ كم زكا فرعه السامي في رياض الإخلاص، وأبدر هلاله المشرق في مطالع الاختصاص.
ولما كان فلان هو الذي نشأ في خدمتنا وليدا، وغذّي بلبان طاعتنا فأمسى حظّه سعيدا، وأضحى رأيه حميدا، ولم يزل لأبيه أعزّه الله حقوق ولاء تأكدت أسبابها، ومدّت في ساحة الاعتداد أطنابها، وحسن في وصف محافظتها إسهاب الألسنة وإطنابها- اقتضى حسن الرأي الشريف أن نرقّي هلاله إلى منازل البدور، وأن نطلعه في سماء عزّ بادية الإنارة واضحة السّفور، وأن نعلي من ذلك قدره إلى محلّ الإمارة، وأن نتوّجه منها بما يكون أعظم دليل على إقبالنا وأظهر أمارة.
فلذلك خرج الأمر الشريف لا زال ... الخ.
وهذه نسخة منشور؛ وهي:
أما بعد حمد الله على آلائه التي أقرّت عيون أصفيائنا بما خصّت به آباءهم من عموم النّعم، وسرّت قلوبنا بما جدّدت لذراريّهم من حسن الترقّي إلى ما يناسبهم من شريف الخدم، وأنشأت في دولتنا الشريفة من أولاد خواصّنا كلّ شبل له من الظّفر ظفر ومن مسبل الذوائب أجم، وإذا شاهدت الأسود الكواسر شدّة وثباته وثباته، شهدت بأنه أشبه في افتراس الفوارس أباه ومن أشبه أباه فما ظلم، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي ما زال دين الله بمجاهدة أعدائه مرفوع
стр. 6199
العلم، ونصر الله باقيا في أمّته يتناقله من الأبناء من كان ثابت القدم من القدم، وعلى آله الذين جلوا بأسنّتهم وسنّتهم غياهب الظّلم- فإن أولى من وطّدت له درج «١» السعود ليتوقّل في هضبها، ويتنقّل في رتبها، ويتلقّى بوادر إقبالها، ويترقّى إلى أسنى منازل السعد منها وأيّام شبيبته في اقتبالها، ويرفل في حلل جدّتها المعلمة الملابس، ويرتاد في رياض يمنها النامية المنابت الزاكية المغارس- من نشأ في ظلّ آلائنا، وغذّي بلبان ولائنا، ولقّي فروض طاعتنا ناشئا فهو يتعبّد بحفظها، ويدين بالمحافظة على معناها ولفظها، وينقل عن أبيه قواعدها وأحكامها فهو الشّبل ابن اللّيث، والنّدى الصادر عن الغيث، والفرند «٢» المنتسب إلى معدن ولائنا عنصره، والهلال الذي سيضيء بإشراق جودنا عليه نيّره.
ولما كان فلان هو الذي توشّح عقد هذا الثناء بثمينه، ورشّح لتناول راية الإمارة بيمينه، وقابل إقبال طلعتنا فأكسبه اشراقنا إنارة جبينه- اقتضى حسن الرأي الشريف أن ننضّد عقود الإحسان بتحلية نحره، وأن نضفي عليه ملابس جودنا وبرّه.
فلذلك خرج الأمر الشريف لا برح...... الخ.
وهذه نسخة منشور؛ وهي:
أمّا بعد حمد الله منوّر الأهلّة في آفاقها، ومنوّل عوارفه بإرفاقها، ومكمّل عطاياه بإطلاقها، ومنشيء ذراريّ الأولياء كالدّراريّ في إشراقها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جمع القلوب بعد افتراقها، وشفع في الخليفة إلى خلّاقها، وعلى آله وصحبه البحور في اندفاقها، والبدور في ائتلاقها، فإن أبناء الأولياء أشبال الأسود، وعليهم عاطفتنا تجود، قد أنشأت نعمنا آباءهم فأصبحوا
стр. 6200
للدولة أنصارا، وألحقناهم بهم في التقديم فأقرّوا أبصارا، وكان ممّن ترعرع ناشيا، وغدا فرعا زاكيا، وتدرّب على الصّهوات يمتطيها، وتأهّل لحلول النعم برضا مفضيها، ودلّت حركاته على أنّ الشجاعة سجيّة طباعه، وأنه تروّى بلبان الطاعة من وقت رضاعه، وأنّ أباه، أجلّه الله أحسن مرباه، فأشبهه بجميل اتّباعه، وهو فلان المنتخب في الدولة الناضرة، المشبه في الإضاءة النجوم السافرة.
فلذلك خرج الأمر الشريف...... الخ.
النوع الثالث (من المناشير ما يفتتح بخرج الأمر الشريف)
وحكمها حكم أواخر المناشير المفتتحة بالحمد لله، وبأما بعد حمد الله، يقتصر فيها على هذا الافتتاح الذي هو آخر المناشير، ويدعى له بما يناسب.
وهذه نسخة منشور ينسج على منوالها؛ وهي:
خرج الأمر الشريف العاليّ، المولويّ، السلطانيّ، الملكيّ، الفلانيّ، الفلانيّ، (بلقب السلطنة واللقب الخاص) أعلاه الله تعالى وشرّفه، وأنفذه في الآفاق وصرّفه، أن يقطع باسم فلان ... ثم يذكر ما اشتملت عليه المربّعة الجيشية.
قلت: وقد تقدّم أن مناشير العربان منها ما يفتتح بالحمد لله، ومنها ما يفتتح بأما بعد حمد الله، ومنها ما يفتتح بخرج الأمر الشريف، ومناشير التّركمان والأكراد منها ما يفتتح بأما بعد حمد الله؛ ومنها ما يفتتح بخرج الأمر الشريف، على ما تقدّم بيانه؛ ولا يخفى أنّ الترتيب في مناشيرهم على ما تقدّم ذكره في جميع المراتب، إلا أنه قد تمتاز هذه الطوائف بألفاظ تخصّهم، لا سيّما مناشير العرب فإنهم يمتازون بألفاظ وألقاب تخصّهم.
وهذه نسخة منشور لأمير عرب مفتتحة بالحمد لله ينسج على منوالها، وهي:
الحمد لله الذي أرسل ديم كرمنا دائمة الإمداد، وشمل بجودنا كلّ حاضر وباد، وجعل أيّامنا الشريفة تخصّ بطولها كلّ طيّب النّجار طويل النّجاد.
стр. 6201
نحمده حمدا بحلاه يزدان ومن جداه يزاد، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تمهد لقائلها خير مهاد، ونشهد أنّ محمدا عبده ورسوله الكريم الأجداد الرحيب الناد، أرسله لإصلاح الفساد، وإرباح الكساد، وكشف العناء وإزالة العناد، صلّى الله عليه وعلى آله الذين أرهفوا في جهاد أعداء الله البيض الحداد، وأرعفوا السّمر الصّعاد «١» ، وعلى أصحابه الذين كانوا يوم الفخار السادات ويوم النّزال الآساد، وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد، فإنّ أولى من عمرنا بكرمنا مربعه وناديه، وأمطرنا ثرى أمله بغادية مغادية، وسفر له وجه إحساننا عن واضح أسرّته، وقابله إقباله فقدّمه على قبيلته وميّزه على أسرته، من أخلص في طاعتنا ضميرا، واتّبع جادّة موالاتنا فأصبح بتجديد نعمنا جديرا، وحذا في خدمتنا أحسن حذو، وعرف بجميل المخالصة في الحضر والبدو، واشتهر بالشّجاعة التي طالما فرّقت جموعا، وأقفرت من الأعداء ربوعا، واتصف بالإقدام الذي ما ألف عن محارب رجوعا: كم أنهل مثقّفاته في دماء النّحور، وأشرع صعاده فأوردها الأوردة وأصدرها في الصّدور، ورفع من أسنتها في ليل النّقع نارا قراها لحوم العدا وأضيافها الآساد والنّسور.
ولما كان فلان هو الممنوح هذا الإنعام الغمر، والممدوح في مواقف الحروب بإقدام عمرو.
فلذلك خرج الأمر الشريف- لا برحت شاملة مواهبه، هاملة سحائبه- أن يجرى في إقطاع...... الخ.
أما الزيادات والتعويضات فإنها ان افتتحت «بأما بعد» فعلى ما تقدّم في أمراء العشرات؛ إلا أنه يقال «أن يجرى في إقطاعات» على الجمع، وإن افتتحت «بخرج الأمر الشريف» ، فعلى ما تقدّم في إقطاعات الأجناد، إلا أنه يقال «أن يجرى» ولا يقال «أن يقطع» .
стр. 6202
المقالة الثامنة [في الأيمان] «١» ، وفيها بابان
الباب الأوّل في أصول يتعيّن على الكاتب معرفتها قبل الخوض في الأيمان؛ وفيه فصلان
الفصل الأوّل فيما يقع به القسم؛ وفيه طرفان
الطرف الأوّل (في الأقسام التي أقسم بها الله تعالى في كتابه العزيز)
اعلم أنه قد ورد في القرآن الكريم أقسام أقسم الله تعالى بها إقامة للحجّة على المخالف بزيادة التّأكيد بالقسم؛ وهي على ضربين:
الضرب الأوّل- ما أقسم الله تعالى فيه بذاته أو صفاته؛ والمقصود منه مجرّد التأكيد .
وقد ورد ذلك في مواضع يسيرة من القرآن:
منها قوله تعالى: فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ
«٢» ، وقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
»
،
стр. 6203
وقوله: فَوَ رَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّياطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا
«١» ، وقوله: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ
«٢» ومنها قوله تعالى: يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
«٣» ، وقوله: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ
«٤» ، وقوله: ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ
«٥» ، وقوله: حم وَالْكِتابِ الْمُبِينِ*
«٦»
الضرب الثاني- ما أقسم الله تعالى فيه بشيء من مخلوقاته ومصنوعاته .
والمقصود منه مع التأكيد التّنبيه على عظيم قدرته وجلاله عظمته، من حيث إبداعها، تعظيما له لا لها.
وقد ورد ذلك في مواضع كثيرة من القرآن، لا سيّما في أوائل السّور: فأقسم تعالى بالسّماء والأرض، والشّمس والقمر، والنّجوم والرّياح، والجبال والبحار، والثّمار واللّيل والنهار، وما تفرّع عنهما من الأوقات المخصوصة، وبالملائكة الكرام المسخّرين في تدبير خلقه، إلى غير ذلك من الحيوان والثّمار وغيرها. وقيل المراد في القسم بها وقت كذا.
فأمّا ما في أوائل السّور فقال تعالى: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً
«٧» ، وقال جلّ وعزّ: وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً فَالْجارِياتِ يُسْراً فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
«٨» ، وقال جلّت عظمته: وَالطُّورِ وَكِتابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍ
стр. 6204
مَنْشُورٍ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ
«١» ، وقال:
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
«٢» ، وقال: لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ
«٣» ، وقال: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً
«٤» ، وقال: وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً وَالسَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً
«٥» ، وقال: وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ
«٦» ، وقال: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ
«٧» ، وقال:
وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
«٨» ، وقال: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
«٩» ، وقال: وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى وَالنَّهارِ إِذا تَجَلَّى وَما خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى
«١٠» ، وقال: وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى
«١١» ، وقال: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
«١٢» ، وقال: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
«١٣» وأقسم بالملائكة القائمين في عبادته، والمسخّرين في تدبير مخلوقاته في قوله: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً
«١٤» . قيل المراد بالصّافّات: الصّافّون
стр. 6205
صفوفا، وبالزّاجرات الملائكة التي تزجر السّحاب. وفي قوله: فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً
«١» قيل: المراد الملائكة التي تقسّم الأرزاق على الخلق. وفي قوله:
وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً
«٢» قيل: النازعات الملائكة تنزع روح الكافر عند الموت، والناشطات تنشط روح المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير. وقوله تعالى: وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَالنَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً
«٣» ، وقوله تعالى: وَالْفَجْرِ وَلَيالٍ عَشْرٍ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
«٤» ، وقوله تعالى: لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ وَوالِدٍ وَما وَلَدَ
«٥» ، وقوله تعالى: وَالشَّمْسِ وَضُحاها وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها وَالنَّهارِ إِذا جَلَّاها وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وَالسَّماءِ وَما بَناها وَالْأَرْضِ وَما طَحاها وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها
«٦» ، وقوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ
«٧» ، وقوله تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً فَالْمُورِياتِ قَدْحاً فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً
«٨» وقوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ
«٩» . أقسم بالعصر وهو الدهر١» .
وأما في أثناء السور فمنه قوله تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ
«١١» ؛
стр. 6206
وقوله: فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ
«١» ، وقوله: فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
«٢»
الطرف الثاني (في الأقسام التي تقسم بها الخلق؛ وهي على ضربين)
الضّرب الأوّل (ما كان يقسم به في الجاهليّة)
اعلم أنّ مبنى الأيمان على الحلف بما يعظّمه الحالف ويتّحرّز من الحنث عند الحلف به. فأهل كلّ ملّة يحلفون بما هو عظيم لديهم في حكم ديانتهم. ولا خفاء في أنّ كلّ معترف لله تعالى بالرّبوبيّة من أهل الديانات يحلف به، سواء كان من أهل الكتاب أو مشركا، ضرورة اعترافهم بألوهيّته تعالى، والانقياد إلى ربوبيّته.
وقد حكى الله تعالى عن الكفّار في القرآن الكريم رعاية القسم بالله فقال تعالى: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها
«٣» وقال جلّ وعزّ: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ
«٤» ، وقال جلّ من قائل: وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ
«٥» ثم اليهود يحلفون بالتّوراة، والنّصارى يحلفون بالإنجيل، وعبدة الأوثان من العرب كانوا يحلفون بأوثانهم؛ وكان أكثر حلف عرب الحجاز باللّات والعزّى.
стр. 6207
وربما جنحوا عن صورة القسم إلى ضرب من التّعليق، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعليّ كذا، أو فأنا كذا، أو فأكون مخالفا لكذا أو خارجا عن كذا أو داخلا في كذا، وما أشبه ذلك.
وقد كانت العرب تأتي في نظمها ونثرها [عند] «١» حلفها بالتّعليق بإضافة المكروه إلى مواقعة ما يحذرونه: من هلاك الأنفس والأموال، وفساد الأحوال، وما يجري مجرى ذلك.
قال الجاحظ: قال الهيثم: يمين لا يحلف بها أعرابيّ أبدا، وهي أن يقول:
لا أورد الله لك صافيا «٢» ، ولا أصدر لك واردا، ولا حططت رحلك، ولا خلعت نعلك، يعني إن فعلت كذا.
وقال النّابغة الذّبيانيّ:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه ... إذا فلا رفعت سوطي إليّ يدي
وقال الأشتر النّخعيّ:
بقّيت وفري وانحرفت عن العلى، ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس!
إن لم أشنّ على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس!
وقال معد [ان] «٣» بن جوّاس الكنديّ:
إن كان ما بلّغت عنّي، فلا منى ... صديقي وشلّت من يديّ الأنامل!
وكفّنت وحدي منذرا بردائه ... وصادف حوطا من أعاديّ قاتل!
стр. 6208
وقال عديّ بن زيد «١» :
فإن لم تهلكوا فثكلت عمرا ... وجانبت المروّق والسّماعا!
ولا ملكت يداي عنان طرف ... ولا أبصرت من شمس شعاعا!
ولا وضعت إليّ على خلاء ... حصان يوم خلوتها قناعا!
وقال عمرو بن قميئة «٢» :
فإن كان حقّا كما خبّروا ... فلا وصلت لي يمين شمالا.
وقال العلويّ البصريّ:
ويقول للّطرف اصطبر لشبا القنا ... فهدمت ركن المجد إن لم تعقر!
وإذا تأمّل شخص ضيف طارقا ... متسربلا سربال ليل أغبر!
أوما إلى الكوماء «٣» هذا طارق ... عزّتني الأعداء إن لم تنحري!
وقال محمد بن الحصين الأنباريّ:
ثكلتني التي تؤمّل إدرا ... ك المنى بي وعاجلتني المنون!
إن تولّى بظلمنا عبد عمرو ... ثم لم تلفظ السّيوف الجفون!
الضرب الثاني (الأقسام الشرعية)
والمرجوع فيه إلى صيغة الحلف وما يحلف به.
فأما صيغة الحلف ففيه صريح وكناية: فالصريح يكون مع الإتيان بلفظ
стр. 6209
الحلف، كقوله: أحلف بالله لأفعلنّ كذا، وأقسم بالله لأفعلنّ كذا، مع الإتيان بحرف من حروف القسم: وهي الواو كقوله: والله، والباء الموحدة كقوله:
بالله لأفعلنّ كذا، والتاء المثناة فوق كقوله: تالله لأفعلنّ كذا. وقد ورد القسم في القرآن الكريم بالواو، كما في قوله تعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
«١» وبالتاء المثناة: كما في قوله تعالى حكاية عن الخليل ﵇:
وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ
«٢» ، وقوله حكاية عن إخوة يوسف ﵇ خطابا لأبيهم: قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
«٣» ، وقوله حكاية عنهم في خطاب يوسف ﵇: قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا
«٤» فإذا أتى باليمين بصيغة من هذه الصّيغ انعقدت يمينه، نوى اليمين أو لم ينو.
والكناية كقوله بلّا- بحرف القسم- وبالّه؛ ولعمر الله، وايم الله، وأشهد بالله، وأعزم بالله. فإذا أتى بصيغة من هذه الصّيغ ونوى اليمين انعقدت، وإلا فلا. وفي معنى ذلك تعليق التزام فعل أو تركه، بشرط أن يكون ذلك قربة، كقوله:
إن فعلت كذا فعليّ نذر كذا، أو يكون كفّارة يمين، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فعليّ كفّارة يمين.
وأما ما يحلف به فهو على أربعة أصناف:
الصنف الأوّل- اسم الله تعالى الذي لا يشاركه فيه غيره
، وهو الله والرّحمن. ولا نزاع في انعقاد اليمين به بكلّ حال إذ لا ينصرف بالنّية إلى غيره، قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا
«٥» : أي هل تعلم أحدا
стр. 6210
تسمّى الله غيره، وقال جلّ وعزّ: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
«١» ، فجعل اسمه الرحمن قرينا لاسمه الله. ولا عبرة بتسمية مسيلمة الكذّاب- لعنه الله- نفسه رحمن اليمامة تجهرما «٢» ، إذ لم يتسمّ به إلا مقيّدا بإضافته إلى اليمامة. وكذلك الأزل «٣» الذي ليس قبله شيء.
الصنف الثاني- اسم الله تعالى الذي يسمّى به غيره على سبيل المجاز ،
وعند الإطلاق ينصرف إلى الله تعالى: كالرّحيم، والعليم والحليم، والحكيم، والخالق، والرّازق، والجبّار، والحقّ، والرّبّ. فإن قصد به الله تعالى انعقدت اليمين، وإن قصد به غيره فلا تنعقد، ويديّن «٤» الحالف.
الصنف الثالث- ما يستعمل في أسماء الله تعالى مع مشاركة غيره له فيه
: كالموجود، والحيّ، والنّاطق؛ ولا تنعقد به اليمين، قصد الله تعالى أو لم يقصد:
لأن اليمين إنّما تنعقد بحرمة الاسم، وإنما يكون ذلك في الخاصّ دون المشترك.
الصنف الرابع- صفات الله تعالى
. فإن كانت الصّفة المحلوف بها صفة لذاته كقوله: وعظمة الله، وجلال الله، وقدرة الله، وعزّة الله، وكبرياء الله، وعلم الله، ومشيئة الله، انعقدت اليمين وإلّا فلا. ولو قال: وحقّ الله، انعقدت اليمين عند الشافعي ومالك وأحمد ﵏. وذهب أبو حنيفة إلى أنها لا تنعقد: لأنّ حقوق الله تعالى هي الطاعات، وهي مخلوقة، فلا يكون الحلف بها يمينا. ولو قال: والقرآن انعقدت اليمين عند الشافعيّ ﵁ خلافا لأبي حنيفة.
وكان كان أكثر حلف النّبيّ ﷺ بقوله: «والذي نفسي بيده» وأيمان الصحابة
стр. 6211
في الغالب: وربّ محمد، وربّ إبراهيم. وعن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ كثيرا ما يحلف: «لا ومقلّب القلوب» .
ثم اليمين الشّرعية التي يحلّف بها الحكّام: إن كان مسلما «أحلف بالله الذي لا إله إلا هو، عالم الغيب والشّهادة، الذي أنزل القرآن على نبيه محمد ﷺ » ، وإن كان يهوديّا «أحلف بالله الذي أنزل التّوراة على موسى ونجّاه من الغرق» ، وإن كان نصرانيّا «أحلف بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى بن مريم» .
стр. 6212
الفصل الثاني من الباب الأوّل من المقالة الثامنة
(في بيان معنى اليمين الغموس، ولغو اليمين، والتّحذير من الحنث والوقوع في اليمين الغموس؛ وفيه طرفان)
الطرف الأوّل (في بيان معنى اليمين الغموس، ولغو اليمين)
أما معناها «١» ، فقال الشافعيّ ﵁: هي أن يكون الحالف في خبره كاذبا. وقال غيره: هي أن يحلف على ماض وإن لم يكن «٢» ، وهما متقاربان.
وإنما سمّيت الغموس لأنّها تغمس صاحبها في الإثم.
وقد اختلف في وجوب الكفّارة فيها: فذهب الشافعيّ ﵁ إلى وجوب الكفّارة فيها تغليظا على الحالف، كما أوجب الكفّارة في قتل العمد، وهو مذهب عطاء والزّهريّ وابن عيينة وغيرهم. وذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵃ إلى أنه لا كفّارة فيها، احتجاجا بأنها أعظم من أن تكفّر: لأنها من الكبائر العظام، وهو مذهب الثّوريّ واللّيث وإسحاق، وحكي عن سعيد بن المسيّب.
стр. 6213
وأما لغو اليمين فقد اختلف فيه أيضا: فذهب الشافعي إلى أنه ما وقع من غير قصد: ماضيا كان أو مستقبلا كقوله: لا والله، وبلى والله «١» ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وذهب أبو حنيفة إلى أنه الحلف على الماضي من غير قصد الكذب في يمينه؛ مثل أن يظنّ شيئا فيحلف عليه؛ وهو الرواية الثانية عن أحمد؛ وحكي عن مالك أن هذه هي اليمين الغموس.
الطرف الثاني (في التّحذير من الوقوع في اليمين الغموس)
أما اليمين الغموس فإنّها من أعظم الكبائر، وناهيك أنها تغمس صاحبها في الإثم. وقد قال تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ
«٢» ، وقال جلّ وعزّ: وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا
«٣» وفي الحديث أن النبي ﷺ قال: «من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مال امريء مسلم لقي الله وهو عليه غضبان» . وقد قيل إن التوحيد (وهو: الذي لا إله إلا هو) إنما أوصل في اليمين رفقا بالحالف كي لا يهلك لوقته؛ فقد روي عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁ أنه قال: «إذا حلف الحالف بالله الذي لا إله إلا هو، لم يعاجل لأنه قد وحد الله تعالى» .
ويروى أن جعفر بن محمد ﵇، ادّعى عليه مدّع عند قاض، فأحلفه جعفر بالله، لم يزد على ذلك، فهلك ذلك الحالف لوقته، فقال القاضي ومن حضر: ما هذا؟ فقال: إن يمينه بما فيه ثناء على الله ومدح يؤخّر العقوبة كرما منه وتفضّلا. وقال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁:
стр. 6214
«أحلفوا الظّالم إذا أردتّم يمينه بأنه بريء من حول الله وقوّته، فإنه إذا حلف بها كاذبا عوجل» .
ومن غريب ما يحكى في ذلك أن عبد الله بن مصعب الزّبيريّ سعى بيحيى ابن عبد الله بن الحسن إلى الرشيد، بعد قيام يحيى بطلب الخلافة؛ فجمع بينهما وتواقفا، ونسب يحيى إلى الزّبيريّ شعرا يقول منه:
قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها ... إنّ الخلافة فيكم يا بني حسن
فأنكر الزبيريّ الشّعر، فأحلفه يحيى، فقال: قل قد برئت من حول الله وقوّته، واعتصمت بحولي وقوّتي، وتقلّدت الحول والقوّة من دون الله استكبارا على الله، واستغناء عنه، واستعلاء عليه، فامتنع؛ فغضب الرشيد وقال: إن كان صادقا فليحلف؛ وكان للفضل بن الربيع فيه هوى، فرفسه برجله، وقال: ويحك احلف! فحلف ووجهه متغيّر وهو يرعد، فما برح من موضعه حتّى أصابه الجذام فتقطّع ومات بعد ثلاثة أيام؛ ولما حمل إلى قبره ليوضع فيه انخسف به حتّى غاب عن أعين الناس، وخرجت منه غبرة عظيمة، وجعلوا كلّما هالوا عليه التّراب انخسف، فسقّفوه وانصرفوا.
стр. 6215
الباب الثاني من المقالة الثامنة (في نسخ الأيمان الملوكيّة؛ وفيه فصلان)
الفصل الأوّل في نسخ الأيمان المتعلّقة بالخلفاء؛ وهي على نوعين
النوع الأوّل (في الأيمان التي يحلّف بها على بيعة الخليفة عند مبايعته؛ وهي الأصل في الأيمان الملوكية بأسرها)
وأوّل من رتّبها الحجّاج بن يوسف حين أخذه البيعة لعبد الملك بن مروان على أهل العراق، ثم زيد فيها بعد ذلك، وتنقّحت في الدولة العبّاسية وتنضدت.
وكان عادتهم فيها أن يجري القول فيها بكاف الخطاب، كما في مكاتباتهم يومئذ، وربّما أتي فيها بلفظ المتكلم.
وهذه نسخة يمين أوردها أبو الحسين الصّابي «١» في كتابه «غرر البلاغة» وهي:
تبايع عبد الله أمير المؤمنين فلانا: بيعة طوع واختيار، وتبرّع وإيثار، وإعلان وإسرار، وإظهار وإضمار، وصحّة من غير نغل، وسلامة من غير دغل، وثبات من غير تبديل، ووفاء من غير تأويل، واعتراف بما فيها من اجتماع الشّمل، واتّصال الحبل، وانتظام الأمور، وصلاح الجمهور، وحقن الدّماء، وسكون الدّهماء، وسعادة الخاصّة والعامّة، وحسن العائدة على أهل الملّة والذّمّة- على
стр. 6216
أن عبد الله فلانا أمير المؤمنين عبد الله الذي اصطفاه، وأمينه الذي ارتضاه، وخليفته الذي جعل طاعته جارية بالحقّ، وموجبة على الخلق، وموردة لهم مورد الأمن، وعاقدة لهم معاقد اليمن، وولايته مؤذنة بجميل الصّنع، ومؤدّية لهم إلى جزيل النّفع، وإمامته التي اقترن بها الخير والبركة، والمصلحة العامّة المشتركة، وأمّل فيها قمع الملحد الجاحد، وردّ الجائر الحائد، ووقم «١» العاصي الخالع، وعطف الغاوي المنازع، وعلى أنك وليّ أوليائه، وعدوّ أعدائه: من كلّ داخل في الجملة، وخارج عن الملّة، وعائذ بالحوزة، وحائد عن الدّعوة، ومتمسّك بما بذلته عن إخلاص من آرائك، وحقيقة من وفائك، لا تنقض ولا تنكث، ولا تخلف ولا تواري ولا تخادع، ولا تداجي ولا تخاتل، علانيتك مثل نيّتك، وقولك مثل طويّتك، وعلى أن لا ترجع عن شيء من حقوق هذه البيعة وشرائطها على ممرّ الأيام وتطاولها، وتغيّر الأحوال وتنقّلها، واختلاف الأوقات وتقلّبها، وعلى أنك في كلّ ذلك من أهل الملّة الإسلامية ودعاتها، وأعوان المملكة العباسيّة ورعاتها، لا يتداخل قولك مواربة ولا مداهنة، ولا يعترضه مغالطة ولا يتعقّبه مخالفة، ولا تحبس به أمانة، ولا تقلّه خيانة، حتّى تلقى الله تعالى مقيما على أمرك، ووفيّا بعهدك، إذ كان مبايعو ولاة الأمر وخلفاء الله في الأرض إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً
«٢» عليك بهذه البيعة التي أعطيت بها صفقة يدك، وأصفيت فيها سريرة قلبك، والتزمت القيام بها ما طال عمرك، وامتدّ أجلك- عهد الله إنّ عهد الله كان مسؤولا وما أخذه على أنبيائه ورسله، وملائكته وحملة عرشه، من أيمان مغلّظة وعهود مؤكّدة، ومواثيق مشدّدة: على أنك تسمع وتصغي، وتطيع ولا تعصي، وتعتدل ولا تميد، وتستقيم ولا تميل، وتفي ولا تغدر، وتثبت ولا تتغيّر؛ فمتى زلت عن هذه المحجّة خافرا لأمانتك، ورافعا لديانتك، فجحدت الله تعالى ربوبيّته، وأنكرت
стр. 6217
وحدانيّته، وقطعت عصمة محمد ﷺ منك وجذذتها، ورميت طاعته وراء ظهرك ونبذتها، ولقيت الله يوم الحشر إليه، والعرض عليه، مخالفا لأمره، وناقضا لعهده، ومقيما على الإنكار له، ومصرّا على الإشراك به، وكلّ ما حلّله الله لك محرّم عليك، وكلّ ما تملكه يوم رجوعك عن بذلك، وارتجاعك ما أعطيته في قولك: من مال موجود ومذخور، ومصنوع ومضروب، وسارح ومربوط، وسائم ومعقول، وأرض وضيعة، وعقار وعقدة، ومملوك وأمة، صدقة على المساكين، محرّمة على مرّ السنين؛ وكلّ امرأة لك تملك شعرها وبشرها، وأخرى تتزوّجها من بعدها طالق ثلاثا بتاتا، طلاق الحرج والسنة، لا رجعة فيها ولا مثنويّة؛ وعليك الحجّ إلى بيت الله الحرام الذي بمكة ثلاثين دفعة حاسرا حافيا، وراجلا ماشيا، نذرا لازما، ووعدا صادقا، لا يبرئك منها إلا القضاء لها، والوفاء بها، ولا قبل منك توبة ولا رجعة، ولا أقالك عثرة ولا صرعة، وخذلك يوم الاستنصار بحوله، وأسلمك عند الاعتصام بحبله؛ وهذه اليمين قولك قلتها قولا فصيحا، وسردتها سردا صريحا، وأخلصت فيها سرّك إخلاصا مبينا، وصدقت بها عزمك صدقا يقينا؛ والنّيّة فيها نيّة فلان أمير المؤمنين دون نيّتك، والطّويّة دون طويّتك؛ وأشهدت الله على نفسك بذلك وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً*
«١» يوم تجد كلّ نفس عليها حافظا ورقيبا.
وهذه نسخة يمين بيعة أوردها ابن حمدون في «تذكرته» وأبو الحسن بن سعد في «ترسّله» تواردت مع البيعة السابقة وأيمانها في بعض الألفاظ، وخالفت في أكثرها؛ وهي:
تبايع الإمام أمير المؤمنين بيعة طوع وإيثار، ورضا واختيار، واعتقاد وإضمار، وإعلان وإسرار، وإخلاص من طويّتك، وصدق من نيّتك، وانشراح
стр. 6218
صدرك وصحّة عزيمتك، طائعا غير مكره، ومنقادا غير مجبر، مقرّا بفضلها، مذعنا بحقّها، معترفا ببركتها، ومعتدّا بحسن عائدتها، وعالما بما فيها وفي توكيدها من صلاح الكافّة، واجتماع الكلمة الخاصّة والعامّة، ولمّ الشّعث، وأمن العواقب، وسكون الدّهماء، وعزّ الأولياء، وقمع الأعداء- على أن فلانا عبد الله وخليفته، والمفترض عليك طاعته، والواجب على الأمة إقامته وولايته، اللّازم لهم القيام بحقّه، والوفاء بعهده، لا تشكّ فيه، ولا ترتاب به، ولا تداهن في أمره ولا تميل؛ وأنك وليّ وليّه، وعدوّ عدوّه: من خاصّ وعام، وقريب وبعيد، وحاضر وغائب، متمسك في بيعته بوفاء العهد، وذمّة العقد، سريرتك مثل علانيتك، وظاهرك فيه مثل باطنك، وباطنك فيه وفق ظاهرك؛ على أنّ إعطاءك الله هذه البيعة من نفسك، وتوكيدك إيّاها في عنقك، لفلان أمير المؤمنين عن سلامة من قلبك، واستقامة من عزمك، واستمرار من هواك ورأيك، على أن لا تتأوّل عليه فيها، ولا تسعى في نقض شيء منها، ولا تقعد عن نصرته في الرّخاء والشّدّة، ولا تدع النّصر له في كلّ حال راهنة وحادثة، حتّى تلقى الله تعالى موفيا بها، مؤدّيا للأمانة فيها، إذ كان الذين يبايعون ولاة الأمر وخلفاء الله في الأرض إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ.
عليك بهذه البيعة التي طوّقتها عنقك، وبسطت لها يدك، وأعطيت بها صفقتك؛ وما شرط فيها من وفاء وموالاة، ونصح ومشايعة، وطاعة وموافقة، واجتهاد ومبالغة- عهد الله إنّ عهد الله كان مسؤولا، وما أخذ الله على أنبيائه ورسله ﵈؛ وأخذ على عباده من وكيدات مواثيقه، ومحكمات عهوده، وعلى أن تتمسّك بها ولا تبدّل، وتستقيم ولا تميل.
وإن نكثت هذه البيعة، أو بدّلت شرطا من شروطها، أو عفّيت رسما من رسومها، أو غيّرت حكما من أحكامها، معلنا أو مسرّا، أو محتالا أو متأوّلا، أو زغت عن السبيل التي يسلكها من لا يخفر الأمانة، ولا يستحلّ الغدر والخيانة، ولا يستجيز حلّ العقود- فكلّ ما تملكه من عين أو ورق أو آنية أو عقار أو زرع أو ضرع
стр. 6219
أو غير ذلك من صنوف الأملاك المعتقدة»
، والأمور المدّخرة، صدقة على المساكين، محرّمة عليك أن ترجع من ذلك، إلى شيء من مالك، بحيلة من الحيل، على وجه من الوجوه وسبب من الأسباب، أو مخرج من مخارج الأيمان؛ وكلّ ما تفيده في بقيّة عمرك: من مال يقلّ خطره أو يجلّ، فتلك سبيله إلى أن تتوفّاك منيّتك، ويأتيك أجلك.
وكلّ مملوك لك اليوم أو تملكه إلى آخر أيامك أحرار سائبون لوجه الله تعالى، ونساؤك يوم يلزمك الحنث «٢» ، ومن تتزوّج بعدهنّ مدّة بقائك طوالق ثلاثا بتاتا، طلاق الحرج والسّنّة «٣» ، لا مثنويّة فيها ولا رجعة، وعليك المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجّة حافيا حاسرا راجلا، لا يرضى الله منك إلا بالوفاء بها، ولا يقبل الله منك صرفا ولا عدلا، وخذلك يوم تحتاج إليه، وبرّأك الله من حوله وقوّته، وألجأك إلى حولك وقوّتك، والله تعالى بذلك شهيد وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً*.
[النوع] الضرب الثاني «٤» (الأيمان التي يحلّف بها الخلفاء)
وقلّ من تعرّض لها لقلّة وقوعها، إذ الخليفة قلّما يحلّف: لعلوّ رتبته، وارتفاع محله؛ ومدار تحليف الخلفاء بعد القسم بالله على التّعليق بوقوع المحذور عليهم، ولزومه لهم، مثل البراءة من الخلافة والانخلاع منها، وما يجري مجرى ذلك. ولم أقف على ذلك إلا في ترسل الصّابي، وذلك حين كان الأمر معدوقا «٥» بالخلفاء.
стр. 6220
الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الثامنة: (في نسخ الأيمان المتعلقة بالملوك؛ وفيه خمسة مهايع «١» )
المهيع الأوّل (في بيان الأيمان التي يحلّف بها المسلمون؛ وهي على نوعين)
النوع الأوّل (من الأيمان التي يحلّف بها المسلمون: أيمان أهل السّنّة)
وهي اليمين العامة التي يحلّف بها أهل الدولة: من الأمراء والوزراء والنوّاب، ومن يجري مجراهم.
وهذه نسخة يمين أوردها في «التعريف» وهي:
أقول وأنا فلان: والله والله والله، وبالله وبالله وبالله، وتالله وتالله وتالله، والله العظيم الذي لا إله إلا هو، الباريء الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشهادة، والسّر والعلانية، وما تخفي الصّدور، القائم على كلّ نفس بما كسبت، والمجازي لها بما عملت، وحقّ جلال الله، وقدرة الله، وعظمة الله، وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا إنّني من وقتي هذا، وما مدّ الله في عمري، قد أخلصت نيّتي، ولا أزال مجتهدا في إخلاصها، وأصفيت طويّتي، ولا أزال مجتهدا في إصفائها، في طاعة مولانا السلطان فلان الفلاني- خلّد الله ملكه- وخدمته ومحبّته، وامتثال مراسيمه، والعمل بأوامره، وإنني والله العظيم [حرب
стр. 6221
لمن حاربه، سلم لمن سالمه، عدوّ لمن عاداه، وليّ لمن والاه من سائر الناس أجمعين، وإنني والله العظيم] «١» لا أضمر لمولانا السلطان فلان سوءا ولا غدرا، ولا خديعة ولا مكرا، ولا خيانة في نفس ولا مال، ولا سلطنة، ولا قلاع ولا حصون، [ولا بلاد ولا غير ذلك] «٢» ولا أسعى في تفريق كلمة أحد من أمرائه، ولا مماليكه، ولا عساكره، ولا أجناده، ولا عربانه ولا تركمانه ولا أكراده، ولا استمالة طائفة منهم لغيره، ولا أوافق على ذلك بقول ولا فعل ولا نيّة ولا بمكاتبة [ولا مراسلة] «٣» ، ولا إشارة ولا رمز، ولا كناية ولا تصريح؛ وإن جاءني كتاب من أحد من خلق الله تعالى بما فيه مضرّة على مولانا السلطان أو أهل دولته لا أعمل به، ولا أصغى إليه، وأحمل الكتاب إلى ما بين يديه الشريفتين، هو ومن أحضره إن قدرت على إمساكه.
وإنني والله العظيم أفي لمولانا السلطان بهذه اليمين من أوّلها إلى آخرها، لا أنقضها ولا شيئا منها، ولا أستثني فيها ولا في شيء منها، ولا أخالف شرطا من شروطها، ومتى خالفتها أو شيئا منها، أو نقضتها أو شيئا منها، أو استثنيت فيها أو في شيء منها طلبا لنقضها، فكلّ ما أملكه: من صامت وناطق صدقة على الفقراء والمساكين، وكلّ زوجة في عقد نكاحه أو يتزوّجها في المستقبل فهي طالق [ثلاثا بتاتا على سائر المذاهب] «٤» ، وكلّ عبيدي وإمائي أحرار لوجه الله؛ وعليه الحجّ إلى بيت الله الحرام بمكّة المعظّمة، والوقوف بعرفة ثلاثين حجّة متواليات متتابعات كوامل، حافيا ماشيا، وعليه صوم الدّهر كلّه إلا المنهيّ عنه، وعليه أن يفكّ ألف رقبة مؤمنة من أسر الكفّار، ويكون بريئا من الله تعالى ومن رسوله ﷺ ومن دين الإسلام إن خالفت هذه اليمين أو شرطا من شروطها.
وهذه اليمين يميني وأنا فلان، والنّيّة فيها بأسرها نيّة مولانا السلطان فلان، ونيّة مستحلفيّ له بها، لا نيّة لي في باطني وظاهري [سواها] «٥» ؛ أشهد الله عليّ بذلك، وكفى بالله شهيدا؛ والله على ما أقول وكيل.
стр. 6222
قلت: عجيب من المقرّ الشّهابي ﵀ ما أتى به في نسخة هذه اليمين، فإنه أتى بها بلفظ التكلم إلى قوله: «وكلّ زوجة» فعدل عن التكلم إلى الغيبة، وقال في نكاحه، وكذلك ما بعده إلى قوله «من أسر الكفار ويكون بريئا من الله ومن رسوله ﷺ إن خالفت هذه اليمين» وأتى بصيغة التكلم إلى آخر الكلام. فإن كان فرّ في قوله: «وكل زوجة في نكاحه» خوفا من أن يقول «في نكاحي» فتطلق زوجته هو، فلا وجه له: لأن الحاكي لا يقع عليه الطّلاق، وكذا ما بعده من العتق وغيره.
وأعجب من ذلك كلّه قوله: ويكون بريئا من الله ورسوله ﷺ ومن دين الإسلام إن خالفت؛ فجمع بين الغيبة والتّكلّم في حالة واحدة!!. على أن ما ذكره بلفظ الغيبة إنما هو فيما سطّره في النّسخة. أما إذا كتبت اليمين التي يحلّف بها، فإنها لا تكون في الجميع إلا بلفظ التكلّم؛ فما المعنى في أنّه خاف من الوقوع في المحذور عند حكاية القول، ولم يخف مثل ذلك فيما يكتبه في نفس اليمين؟.
وقد ذكر صاحب «التثقيف» جميع ذلك بلفظ التكلم، مع المخالفة في بعض الألفاظ وزيادة ونقص فيها.
وهذه نسختها؛ وهي:
أقول وأنا فلان بن فلان: والله والله والله، وبالله وبالله وبالله، وتالله وتالله وتالله، والله الذي لا إله إلا هو، الباريء الرحمن الرحيم، عالم الغيب والشّهادة، والسّر والعلانية، وما تخفي الصّدور، القائم على كلّ نفس بما كسبت، والمجازي لها بما احتقبت، وحقّ جلال الله، وعظمة الله، وقدرة الله، وكبرياء الله، وسائر أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا، وحقّ هذا القرآن الكريم ومن أنزله، ومن أنزل عليه- إنني من وقتي هذا، ومن ساعتي هذه، وما مدّ الله في عمري قد أخلصت نيّتي، ولا أزال مجتهدا في إخلاصها، وأصفيت طويّتي، ولا أزال مجتهدا في إصفائها- في طاعة السلطان الملك الفلانيّ، فلان الدنيا والدّين فلان- خلّد الله ملكه- وفي خدمته ومحبّته ونصحه، وأكون وليّا لمن والاه، عدوّا
стр. 6223
لمن عاداه، سلما لمن سالمه، حربا لمن حاربه: من سائر الناس أجمعين؛ لا أضمر له سوءا ولا مكرا، ولا خديعة ولا خيانة في نفس، ولا مال، ولا ملك؛ ولا سلطنة، ولا عساكر، ولا أجناد، ولا عربان، ولا تركمان، ولا أكراد، ولا غير ذلك، ولا أسعى في تفريق كلمة أحد منهم عن طاعته الشريفة، وإنّني والله العظيم أبذل جهدي وطاقتي في طاعة مولانا السلطان الملك الفلانيّ، فلان الدنيا والدين المشار إليه؛ وإن كاتبني أحد من سائر الناس أجمعين بما فيه مضرّة على ملكه لا أوافق على ذلك بقول ولا فعل ولا نيّة؛ وإن قدرت على إمساك الذي جاءني بالكتاب أمسكته، وأحضرته لمولانا السلطان الملك الفلانيّ المشار إليه، أو النائب القريب منّي. وإنّني والله العظيم أفي لمولانا السّلطان المشار إليه بهذه اليمين من أوّلها إلى آخرها، لا أستثني فيها ولا في شيء منها، ولا استفتي فيها ولا في شيء منها. وإن خالفتها أو شيئا منها، أو استثنيت منها، أو استفتيت طلبا لنقضها أو نقض شيء منها، فيكون كلّ ما أملكه من صامت وناطق صدقة على الفقراء والمساكين من المسلمين، وتكون كلّ زوجة في عقد نكاحي أو أتزوّجها في المستقبل طالقا ثلاثا بتاتا على سائر المذاهب، وتكون كلّ أمة أو مملوك في ملكي الآن أو أملكه في المستقبل أحرارا لوجه الله تعالى، ويلزمني ثلاثون حجّة متواليات متتابعات، حافيا حاسرا، وعليّ صوم الدّهر بجملته إلا الأيام المنهيّ عن صومها.
وهذه اليمين يميني، وأنا فلان بن فلان، والنّيّة في هذه اليمين بأسرها نيّة مولانا السلطان الملك الفلانيّ المشار إليه، ونيّة مستحلفيّ له بها، لا نيّة لي في غيرها، ولا قصد لي في باطني وظاهري سواها. أشهد الله عليّ بذلك، وكفى بالله شهيدا، والله على ما أقول وكيل.
قلت: وربّما كان للسلطان وليّ عهد بالسّلطنة فيقع التّحليف للسّلطان ولولده جميعا، وهي على نحو ما تقدّم، لا يتغير فيها إلا نقل الضمير من الإفراد إلى التّثنية.
стр. 6224
وهذه نسخة يمين حلّف عليها العساكر للسلطان الملك المنصور «قلاوون» في سنة ثمان وسبعين وستمائة له ولولده وليّ عهده الملك الصالح علاء الدين «عليّ» أوردها ابن المكرّم في تذكرته؛ وهي:
والله والله والله، وبالله وبالله وبالله، وتالله وتالله وتالله، والله العظيم الذي لا إله إلا هو، الرحمن الرحيم، الطّالب الغالب، المدرك المهلك، الضارّ النافع، عالم الغيب والشّهادة، والسّرّ والعلانية وما تخفي الصدور، القائم على كلّ نفس بما كسبت، والمجازي لها بما احتقبت، وحقّ جلال الله، وعزّة الله، وعظمة الله، وسائر أسماء الله الحسنى، وصفاته العليا- إنّني من وقتي هذا، ومن ساعتي هذه، وما مدّ الله في عمري قد أخلصت النّيّة، ولا أزال مجتهدا في إخلاصها، وأصفيت طويّتي ولا أزال مجتهدا في إصفائها، في طاعة السّلطان فلان، وطاعة ولده وليّ عهده فلان، وخدمتهما وموالاتهما، وامتثال مراسيمهما، والعمل بأوامرهما. وإنّني والله العظيم حرب لمن حاربهما، سلم لمن سالمهما، عدوّ لمن عاداهما، وليّ لمن والاهما. وإنّني والله العظيم لا أسعى في أمر فيه مضرّة على مولانا السلطان، ولا في مضرّة ولده، في نفس ولا سلطنة، ولا إستمالة لغيرهما، ولا أوافق أحدا على ذلك بقول ولا فعل، ولا مكاتبة ولا مشافهة، ولا مراسلة، ولا تصريح. وإنّني والله العظيم لا أدّخر عن السّلطان ولا عن ولده نصيحة في أمر من أمور ملكهما الشريف، ولا أخفيها عن أحدهما، وأن أعلمه بها في أقرب وقت يمكنني الإعلام له بها، أو أعلم من يعلمه بها، وأن الخ «١» .......
стр. 6225
النوع الثاني (من الأيمان التي يحلّف بها المسلمون أيمان أهل البدع؛ والذين منهم بهذه المملكة ثلاث طوائف)
الطائفة الأولى (الخوارج)
وهم قوم ممن كانوا مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، حملوه على أن رضي بالتّحكيم بينه وبين معاوية، وأشاروا بإقامة أبي موسى الأشعريّ حكما عن عليّ، وإقامة عمرو بن العاص حكما عن معاوية، فخدع عمرو أبا موسى: بأن اتّفق معه على أن يخلعا عليّا ومعاوية جميعا، ويقيم المسلمون لهم خليفة يختارونه؛ فتقدّم أبو موسى وأشهد من حضر أنّه خلعهما، فوافق عمرو على خلع عليّ، ولم يخلع معاوية؛ وبقي الأمر لمعاوية؛ فأنكروا ذلك حينئذ، ورفضوا التّحكيم، ومنعوا حكمه، وكفّروا عليّا ومعاوية ومن كان معهما بصفّين، وقالوا: لا حكم إلا لله ورسوله، وخرجوا على عليّ، فسمّوا الخوارج، ثم فارقوه وذهبوا إلى النّهروان فأقاموا هناك، وكانوا أربعة آلاف غوغاء لا رأس لهم؛ فذهب إليهم عليّ ﵁ فقاتلهم، فلم يفلت سوى تسعة أنفس:
ذهب منهم اثنان إلى عمان، واثنان إلى كرمان، واثنان إلى سجستان، واثنان إلى الجزيرة، وواحد إلى اليمن؛ فظهرت بدعتهم بتلك البلاد وبقيت بها.
ثم من مذهبهم منع التّحكيم على ما تقدّم، وتخطئة عليّ وأصحابه، ومعاوية وأصحابه بصفّين في اعتمادهم إيّاه، بل تكفيرهم على ما تقدّم؛ ومنها امتناع ذلك عن رضا أصلا «١» وأنهم يمنعون التأويل في كتاب الله تعالى. ومنهم من يقول: إن سورة يوسف ﵇ ليست من القرآن، وإنما هي قصّة من
стр. 6226
القصص، ومن أدخلها في القرآن فقد زاد فيه ما ليس منه، على ما سيأتي ذكره.
ويقولون: إن إمارة بني أميّة كانت ظلما، وإنّ قضاءهم الذي رتّبوه على التحكيم باطل. ويذهبون إلى تخطئة عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعريّ فيما اتفقا عليه عند تحكيمهما؛ ويشنّعون على معاوية وأصحابه، ويقولون: استباحوا الفروج والأموال بغير حقّ.
ثم منهم من يكفّر بالكبائر، ومنهم من يكفّر بالإصرار على الصّغائر بخلاف الكبائر من غير إصرار على ما يأتي ذكره. ويصوّبون فعلة عبد الرحمن بن ملجم في قتله عليّا ﵁، وينكرون على من ينكر ذلك عليه، لا سيما من ذهب من الشّيعة إلى أن ذلك كفر. وفي ذلك يقول شاعرهم:
يا ضربة من وليّ «١» ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إنّي لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى الخليقة عند الله ميزانا
وكذلك يصوّبون فعل عمرو بن بكر الخارجيّ في قتل خارجة بن أبي حبيبة «٢» صاحب شرطة عمرو بن العاص بمصر، حين قتله على ظنّ أنه عمرو بن العاص، لما لهم عنده من الإحن والضّغائن، وأنهم يصوّبون فعل قطام زوج عبد الرحمن بن ملجم في [اشتراطها على ابن ملجم حين خطبها ثلاثة آلاف وعبدا وقينة وقتل عليّ] «٣» ، وأنهم يستعظمون خلع طاعة رؤوسهم، وأنهم يجوّزون كون الإمام غير قرشيّ، بل هم يجوّزون إمامة الحرّ والعبد جميعا، وينسبون من خالفهم إلى الخطإ، ويستبيحون دماءهم بمقتضى ذلك.
واعلم أن ما تقدّم ذكره من معتقدات الخوارج هو مقتضى ما رتّبه من يمينهم في «التعريف» على ما سيأتي ذكره. على أن بعض هذه المعتقدات يختصّ بها
стр. 6227
بعض فرق الخوارج دون بعض على ما سيأتي بيانه، ولكلّ منهم معتقدات أخرى تزيد على ما تقدّم ذكره.
وهأنا أذكر بعض فرقهم، وبعض ما اختصّت به كلّ فرقة منهم، ليبني على ذلك من أراد ترتيب يمين لفرقة منهم:
فمنهم المحكّمة- وهم الذين يمنعون التّحكيم.
ومنهم الأزارقة- وهم أتباع نافع بن الأزرق، وهم الذين خرجوا بفارس وكرمان أيّام ابن الزّبير، وقاتلهم المهلّب بن أبي صفرة، وهم الذين يكفّرون عليّا مع جمع من الصحابة، ويصوّبون فعل ابن ملجم، ويكفّرون القعدة عن القتال مع الإمام وإن قاتل أهل دينه، ويبيحون قتل أطفال المخالفين ونسائهم، ويسقطون الرّجم عن الزّاني المحصن، وحدّ القذف عن قاذف الرّجل المحصن دون قاذف المرأة المحصنة، ويخرجون أصحاب الكبائر عن الإسلام، ويقولون: التّقيّة غير جائزة.
ومنهم النّجدات- وهم أصحاب نجدة بن عامر، يكفّرون بالإصرار على الصغائر دون فعل الكبائر من غير إصرار، ويستحلّون دماء أهل العهد والذّمّة وأموالهم في دار التّقيّة، ويتبرّأون ممن حرّمها.
ومنهم البيهسيّة- وهم أصحاب أبي بيهس بن [جابر] «١» ، يرون أنه لا حرام إلا ما وقع عليه النّصّ بقوله تعالى: قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً
«٢» الآية. ويكفّرون الرّعيّة بكفر الإمام.
ومنهم العجاردة «٣» - وهم الذين ينكرون كون سورة يوسف من القرآن،
стр. 6228
ويقولون: إنما هي قصّة من القصص، ويوجبون التّبرّي من الطّفل، فإذا بلغ دعي إلى الإسلام.
ومنهم الميمونية «١» - وهم فرقة يقولون: إن الله تعالى يريد الخير دون الشّر، ويجوّزون نكاح بنات البنات وبنات أولاد الإخوة والأخوات.
ومنهم الإباضيّة «٢» - يرون أنّ مرتكب الكبيرة كافر للنعمة لا مشرك، ويرون أنّ دار مخالفيهم من المسلمين دار توحيد، ودار السلطان منهم دار بغي.
ومنهم الثّعالبة «٣» - يرون ولاية الطّفل حتّى يظهر عليه إنكار الحقّ فيتبرّأون منه.
ومنهم الصّفريّة «٤» - يرون أنّ ما كان من الكبائر فيه حدّ كالزّنا لا يكفّر به، وما كان منها ليس فيه حدّ: كترك الصّلاة يكفّر به.
وكأن الذي أورده في «التعريف» متّفق عليه عندهم، أو هو قول أكثرهم فاكتفى به.
стр. 6229
وقد رتب في «التعريف» تحليفهم على مقتضى ما ذكره من اعتقادهم فقال:
وأيمانهم أيمان أهل السّنّة، ويزاد فيها: وإلا أجزت التّحكيم، وصوّبت قول الفريقين في صفّين، وأطعت بالرّضا منّي حكم أهل الجور، وقلت في كتاب الله بالتأويل، وأدخلت في القرآن ما ليس منه، وقلت: إن إمارة بني أميّة عدل، وإن قضاءهم حقّ، وإن عمرو بن العاص أصاب، وإنّ أبا موسى ما أخطأ، واستبحت الأموال والفروج بغير حقّ، واجترحت الكبائر والصّغائر، ولقيت الله مثقلا بالأوزار، وقلت: إن فعلة عبد الرحمن بن ملجم كفر، [وإن قاتل خارجة آثم، وبرئت من فعلة قطام] «١» ، وخلعت طاعة الرّؤوس، وأنكرت أن تكون الخلافة إلّا في قريش، وإلّا فلا روّيت سيفي ورمحي من دماء المخطئين.
الطائفة الثانية (الشّيعة)
وهم الذين شايعوا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁، وقالوا بإمامته وخلافته: نصّا ووصاية، جليّا أو خفيّا، وإن الإمامة لا تخرج عنه وعن بنيه إلا بظلم من غير ذلك الإمام «٢» ، أو بتقيّة منه لغيره.
قال الشّهرستانيّ في «النّحل والملل» : ويجمعهم القول بوجوب التّعيين للإمام والتنصيص عليه ممّن قبله، وثبوت عصمة الأئمّة وجوبا عن الكبائر والصغائر، والقول بالتّولّي للأئمّة والتّبرّي من غيرهم.
وقال في «التعريف» يجمعهم حبّ عليّ ﵁، وتختلف فرقهم فيمن سواه.
فأما مع إجماعهم على حبّه فهم مختلفون في اعتقادهم فيه، فمنهم أهل غلوّ مفرط وعتوّ زائد: ففيهم من أدّى به الغلوّ إلى أن اتّخذ عليّا إلها وهم النّصيريّة-
стр. 6230
قال: ومنهم من قال: إنّه النبيّ المرسل وإنّ جبريل غلط، ومنهم من قال: إنه شريك في النّبوّة والرسالة، ومنهم من قال: إنه وصيّ النّبوّة بالنّصّ الجليّ، ثم تخالفوا في الإمامة بعده وأجمعوا بعده على الحسن ثم الحسين؛ وقالت فرقة منهم: وبعدهما محمد بن الحنفيّة.
ثم قد ذكر في «التعريف» أن الموجود من الشيعة في هذه المملكة خمس فرق:
الفرقة الأولى (الزّيديّة)
وهم القائلون بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين السّبط، ابن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵁؛ وهو الذي رأسه مدفون بالمشهد الذي بين كيمان مصر، جنوبيّ الجامع الطّولونيّ، المعروف بمشهد الرّأس، فيما ذكره القاضي محيي الدّين بن عبد الظاهر في خطط القاهرة. قال في «التعريف» : وهم أقرب القوم إلى القصد الأمم. قال: ولهم إمام باق باليمن إلى الآن، وصنعاء داره، وأمراء مكّة المعظّمة منهم. ثم قال: وحدّثني مبارك بن عطيفة بن أبي نميّ:
أنهم لا يدينون إلا بطاعة ذلك الإمام، ولا يرون إلا أنّهم نوّابه، وإنما يتّقون صاحب مصر لخوفهم منه وللإقطاع، وصاحب اليمن لمداراته لواصل الكارم «١» ورسوم الأنعام. ومن ثمّ عدّهم من جملة من بهذه المملكة من طوائف البدع.
وكان من مذهب زيد هذا جواز إمامة المفضول مع قيام الأفضل، ويقول: إنّ عليّا ﵁ كان أفضل الصّحابة رضوان الله عليهم، إلا أنّ الإمامة فوّضت إلى أبي بكر وعمر ﵄ لمصلحة رأوها، وقاعدة دينيّة راعوها: من
стр. 6231
تسكين نائرة الفتنة، وتطييب قلوب العامّة، مع تفضيل عليّ على الشّيخين عندهم في أوانهم. وأتباعه يعتقدون أنّ هذا هو المعتقد الحقّ، ومن خالفه خرج عن طريق الحقّ، وضل عن سواء السّبيل.
وهم يقولون: إن نصّ الأذان بدل الحيعلتين: «حيّ على خير العمل» يقولونها في أذانهم مرّتين بدل الحيعلتين، وربّما قالوا قبل ذلك: «محمد وعليّ خير البشر، وعترتهما خير العتر» ومن رأى أن هذا بدعة فقد حاد عن الجادّة.
وهم يسوقون الإمامة في أولاد عليّ كرّم الله وجهه من فاطمة ﵂، ولا يجوّزون ثبوت الإمامة في غير بنيهما؛ إلا أنّهم جوّزوا أن يكون كلّ فاطميّ عالم زاهد شجاع خرج لطلب الإمامة إماما معصوما واجب الطاعة، سواء كان من ولد الحسن أو الحسين ﵉، ومن خلع طاعته فقد ضلّ. وهم يرون أن الإمام المهديّ المنتظر من ولد الحسين ﵁ دون ولد الحسن، ومن خالف في ذلك فقد أخطأ. ومن قال: إنّ الشيخين أبا بكر وعمر ﵄ أفضل من عليّ وبنيه فقد أخطأ عندهم وخالف زيدا في معتقده. ويقولون: إن تسليم الحسن الأمر لمعاوية كان لمصلحة اقتضاها الحال، وإن كان الحقّ له.
قال في «التعريف» : وأيمانهم أيمان أهل السّنّة، يعني فيحلّفون كما تقدّم، ويزاد فيها: وإلّا برئت من معتقد زيد بن عليّ، ورأيت أنّ قولي في الأذان: «حيّ على خير العمل» بدعة، وخلعت طاعة الإمام المعصوم الواجب الطّاعة، وادّعيت أن المهديّ المنتظر ليس من ولد الحسين بن عليّ، وقلت بتفضيل الشيخين على أمير المؤمنين عليّ وبنيه، وطعنت في رأي ابنه الحسن لما اقتضته المصلحة، وطعنت عليه فيه.
الفرقة الثانية (من الشّيعة: الإمامية)
وهم القائلون بإمامة اثني عشر إماما: أوّلهم أمير المؤمنين عليّ المرتضى، ثم ابنه الحسن المجتبى، ثم أخوه الحسين شهيد كربلاء، ثم ابنه عليّ السّجّاد
стр. 6232
زين العابدين، ثم ابنه محمد الباقر، ثم ابنه جعفر الصّادق، ثم ابنه موسى الكاظم، ثم ابنه عليّ الرّضا وهو الذي عهد إليه المأمون بالخلافة ومات قبل أن يموت المأمون، ثم ابنه محمد التّقي، ثم ابنه عليّ النقي، ثم ابنه الحسن الزّكيّ المعروف بالعسكريّ، ثم ابنه محمد الحجّة، وهو المهديّ المنتظر عندهم، يقولون إنه دخل مع أمّه صغيرا سردابا بالحلّة على القرب من بغداد ففقد ولم يعد، فهم ينتظرونه إلى الآن، ويقال: إنهم في كلّ ليلة يقفون عند باب السّرداب ببغلة مشدودة ملجمة من الغروب إلى مغيب الشّفق ينادون: أيّها الإمام! قد كثر الظّلم! وظهر الجور فاخرج إلينا! ثم يرجعون إلى اللّيلة الأخرى، وتلقّب هذه الفرقة بالأثني عشريّة أيضا، لقولهم بإمامة اثني عشر إماما، وبالموسويّة لقولهم بانتقال الخلافة بعد جعفر الصادق إلى ابنه موسى الكاظم المقدّم ذكره دون أخيه إسماعيل إمام الإسماعيليّة الآتي ذكره، وبالقطعيّة لقولهم بموت إسماعيل المذكور في حياة أبيه الصادق والقطع بانتقال الإمامة إلى موسى «١» قال في «التعريف» : وهم مسلمون، إلا أنهم أهل بدعة كبيرة سبّابة.
وهم يقولون: بإمامة عليّ ﵁ نصّا ظاهرا، وتعيينا صادقا، احتجاجا بأنّ النبيّ ﷺ قال: «من يبايعني على ماله، فبايعه جماعة، ثم قال: من يبايعني على روحه وهو وصيّي ووليّ هذا الأمر من بعدي، فلم يبايعه أحد، حتّى مدّ أمير المؤمنين عليّ ﵇ يده إليه فبايعه على روحه ووفى بذلك» .
قال في «العبر» «٢» : وهذه الوصيّة لا تعرف عن أحد من أهل الأثر، بل هي من موضوعاتهم؛ ويخصّونه بوراثة علم النبيّ ﷺ .
ويروون أنه ﷺ قال يوم غدير خمّ: «من كنت مولاه فعليّ مولاه، اللهمّ وال من والاه، وعاد من عاداه، وأدر الحقّ على لسانه كيفما دار» ويرون أنّ بيعة الصّدّيق ﵁ يوم السّقيفة غير صحيحة: حين اجتمع
стр. 6233
الأنصار بعد موت النبيّ ﷺ على سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ليبايعوه، وذهب إليهم أبو بكر ﵁ ومعه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة، وروى لهم أن النبيّ ﷺ قال: «لا يصلح هذا الأمر إلّا لهذا الحيّ من قريش» فرجعوا إلى قوله وبايعه عمر، ثم بايعه الناس على ما تقدّم ذكره في الكلام على مبايعات الخلفاء في المقالة الخامسة، وأنّ القائم فيها مجترم لا سيّما أوّل باد بذلك. ويقولون: إن الحقّ كان في ذلك لعليّ بالوصيّة. ويقولون: إن القيام على أمير المؤمنين عثمان بن عفّان ﵁، وحصره في الدار كان واجبا لاعتقادهم عدم صحّة خلافته مع وجود عليّ ﵁، وإن المتأخّر عن حصره كان مخطئا. ويرون جواز التّقيّة خوفا على النّفس، وأنّ عليّا ﵁ إنما تأخّر عن طلب الإمامة عند قيام من كان قبله بها تقيّة على نفسه «١» ويرون أنّ من أعان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ على الخلافة كان مخطئا: لبطلان خلافته بترتّبها على خلافة أبي بكر ووجود عليّ الذي هو أحقّ بها. ويزعمون أنّ الصّدّيق ﵁ منع فاطمة ﵂ حقّها من إرثها «٢» من رسول الله ﷺ تعدّيا، وأنّ من ساعد في تقديم تيم بخلافة أبي بكر، أو تقديم عديّ بخلافة عمر، أو تقديم أميّة بخلافة عثمان كان مخطئا. ويزعمون أنّ عمر ﵁ لم يصب في جعل الأمر شورى بين بقيّة العشرة من أصحاب رسول الله ﷺ ، لاستحقاق تقدّم عليّ على الجميع.
стр. 6234
ويصوّبون قول حسان بن ثابت ﵁ فيما كان من موافقته في حديث الإفك «١» في حقّ عائشة ﵂، ولا يرون تكذيبه في ذلك. ويرون أنّ عائشة أمّ المؤمنين ﵂ كانت مخطئة في قيامها على عليّ يوم الجمل، وأنّ من قام معها كان مخطئا للموافقة على الخطإ.
ويقولون إنّ من قام مع معاوية على عليّ بصفّين وشهر السّيف معه عليه فقد ارتكب محظورا، وينكرون ما وقع من زياد بن أبيه من الدّعوى الباطلة؛ وذلك أنه بعد قتل الحسين ﵇ جهّز جيشا إلى المدينة النبوية مع مسلم ابن عبد الله فقتلوا وسبوا وبايعوا من تبعهم على أنّهم خول ليزيد.
ويقولون ببطلان حكم ابن مرجانة، ويعدّون من العظائم قيام عمر بن سعد في قتال الحسين؛ وحقيق أن ينكروا عليه ذلك ويستعظموه! فقد قيل: إنه بعد قتله أمر جماعة فوطئوا صدر الحسين وظهره بالخيل، وكان يزيد قاتله الله قد أمره بذلك.
ويرون أن الأمر صار بعد الحسن ﵇ إلى أخيه الحسين، ويقولون:
إنّ الإمامة عند الحسن مستودعة لا مستقرّة، ولذلك لم تثبت في بنيه. ويعدّون من العظائم فعل شمر بن [ذي] «٢» الجوشن: وهو الذي احتزّ رأس الحسين، وأنّ من ساعده على ذلك مرتكب أعظم محظورات بأشدّ بليّة، وحقيق ذلك أن يستعظموه! فأيّ جريمة أعظم من قتل سبط رسول الله ﷺ ؟.
وقد ذكر صاحب «نظم السّمط في خبر السّبط» : أنه وجد في حجر مكتوب قبل البعثة بألف سنة ما صورته:
أترجو أمّة قتلت حسينا ... شفاعة جدّه يوم الحساب؟
ويقال: إنّ الذي احتزّ رأس الحسين إنما هو سنان بن أنس النّخعي.
стр. 6235
ويعدّون من العظائم أيضا سبي معاوية أهل البيت عند غلبة عليّ ﵁ بصفّين وسوقهم معه إلى دمشق سوقا بالعصيّ، ويرون أنّ خلافة يزيد بن معاوية كانت من أعظم البلايا، وأن المغيرة بن شعبة أخطأ حيث أشار على معاوية بها، ويقولون بالتّبرّي من عمرو بن العاص ﵁ لانتمائه إلى معاوية، وخديعته أبا موسى الأشعريّ يوم الحكمين حتى خلع عليّا، وإنّ من ظاهره أو عاضده كان مخطئا.
وكذلك يتبرّؤون من بسر بن [أبي] «١» أرطاة: لأنّ معاوية بعثه إلى الحجاز في عسكر فدخل المدينة وسفك بها الدّماء، واستكره الناس على البيعة لمعاوية، وتوجه إلى اليمن بعد ذلك فوجد صبيّين لعبيد الله بن عبّاس [عامل عليّ] «٢» على اليمن فقتلهما.
ويرون تخطئة عقبة بن عبد الله المرّي، ويقدحون في رأي الخوارج: وهم الذين خرجوا على عليّ ﵁ بعد حرب صفّين، على ما تقدّم ذكره [في الكلام] «٣» على أيمان الخوارج: وهو مفارقتهم عليّا ﵁، وتخطئتهم له في الغنائم.
ويقولون: إنّ الامامة انتقلت بعد الحسين السّبط ﵇ في أبنائه إلى تمام الأثني عشر؛ فانتقلت بعد الحسين إلى ابنه زين العابدين، ثم إلى ابنه محمد الباقر، ثم إلى ابنه جعفر الصّادق، ثم إلى ابنه موسى الكاظم، ثم إلى ابنه عليّ الرّضا، ثم إلى ابنه محمد التّقيّ «٤» ، ثم إلى ابنه علي النّقي، ثم إلى ابنه الحسن الزّكيّ، ثم إلى ابنه محمد الحجّة، وهو المهديّ المنتظر عندهم، على ما تقدّم ذكره في أوّل الكلام على هذه الفرقة، وإنّ من خالف ذلك فقد خالف الصّواب.
следующие страницы →