Полный текст (7 500 стр.). Показаны 6266–6305 · переход к 6271.
стр. 6266
اليهود! حرّمت عليهم الشّحوم فباعوها وأكلوا ثمنها» والسامرة مخالفون في ذلك، ويقولون بتحريم الثّمن أيضا، على ما سيأتي ذكره.
وليعلم أن القرّائين والرّبّانيين يحرّمون من الذّبيحة كلّ ما كانت رئته ملتصقة بقلبه أو بضلعه، والسّامرة لا يحرّمون ذلك.
ومنها: مقالة أهل بابل في إبراهيم ﵇، وهي قولهم [إنه لمن الظالمين في تكسير أصنامهم] «١» ومنها: أن يحرّم الأحبار الذين هم علماؤهم على الواحد منهم، بمعنى أنهم يمنعونه من مباحاتهم في المآكل والمشارب والنّكاح وغير ذلك حرمة يجمعون عليها، وتتأكّد بقلب حصر الكنائس عليها؛ إذ من عادتهم أنهم إذا حرّموا على شخص وأرادوا التّشديد عليه قلبوا حصر الكنائس عند ذلك التّحريم تغليظا على المحرّم عليه.
ومنها: الرّجوع إلى التّيه بعد الخروج منه؛ فإنهم إنما خرجوا إليه عند سخط الله تعالى عليهم بمخالفة موسى ﵇ عند امتناعهم عما أمروا به من قتال الجبّارين، كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
«٢» قال المفسّرون: وكان يتيهون ستّة فراسخ في أربعة فراسخ، يمشون كلّ يوم ويبيتون حيث يصبحون؛ فأمر الله تعالى موسى ﵇ فضرب الحجر بعصاه فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وكانوا اثني عشر سبطا لكلّ سبط عين؛ فإذا أخذوا حاجتهم من الماء احتبس وحملوا الحجر معهم، وكانت ثيابهم فيما يروى لا تخرّق ولا تتدنّس، وتطول كلّما طال الصّبيان.
ومنها: تحريم المنّ والسّلوى الذي امتنّ الله تعالى عليهم به كما أخبر بذلك
стр. 6267
بقوله تعالى: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى
«١» ويقال إنه التّرنجبين. وقال ابن عبّاس: والمراد بالمنّ الذي يسقط على الشّجر وهو معروف. قال قتادة: كان المنّ يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشّمس كسقوط الثّلج، فيأخذ الرجل منهم ما يكفيه ليومه، فإن أخذ أكثر من ذلك فسد.
وأما السّلوى، فقيل: هي طائر كالسّمانى، وقال الضّحّاك: هي السّمانى نفسها، وقال قتادة: هو طائر إلى الحمرة كانت تحشره عليهم الجنوب.
ومنها: التّبرّؤ من الأسباط: وهم أولاد يعقوب ﵈، وعددهم اثنا عشر سبطا: وهم يوسف، وبنيامين، ونفتالي «٢» ، وروبيل «٣» ، ويهوذا، وشمعون، ولاوي، ودان، وربولي «٤» ، ويشجر «٥» ، وجاد، وأشر «٦» ؛ ومنهم تفرّع جميع بني إسرائيل ولد كلّ منهم أمّة من الناس. وسمّوا أسباطا أخذا من السّبط وهو التتابع، إذ هم جماعة متتابعون. وقيل: من السّبط وهو الشّجر، فالسّبط الجماعة الراجعون إلى أصل واحد.
ومنها: القعود عن حرب الجبّارين مع القدرة على حربهم: وذلك أنهم أمروا بدخول الأرض المقدّسة: وهي بيت المقدس فيما قاله ابن عباس والسّدّيّ وغيرهما، والشام فيما قاله قتادة، ودمشق وفلسطين وبعض الأردنّ فيما قاله الزّجّاج، وأرض الطّور فيما قاله مجاهد؛ وكان فيها قوم جبّارون من العمالقة كما أخبر الله تعالى؛ والجبّار هو المتعظّم الممتنع من الذّلّ والقهر أخذا من الإجبار:
وهو الإكراه كأنّه يجبر غيره على ما يريده.
стр. 6268
قال ابن عبّاس: لما بعث موسى ﵇ من قومه اثني عشر نقيبا ليخبروه خبرهم، رآهم رجل من الجبّارين فأخذهم في كمّه مع فاكهة كان قد حملها من بستانه وجاء بهم إلى الملك فنثرهم بين يديه، وقال: إن هؤلاء يريدون قتالنا؛ وكان من أمرهم ما قصّه الله تعالى في كتابه بقوله: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ
«١» فكان في قعودهم عن حرب الجبارين مع القدرة والنّشاط مخالفة لما أمروا به.
وقد رتّب في «التعريف» أيمان اليهود على هذا المقتضى، فقال: ويمينهم:
«إنني والله والله والله العظيم، القديم الأزليّ الفرد الصّمد الواحد الأحد المدرك المهلك، باعث موسى بالحقّ، وشادّ أزره بأخيه هارون، وحقّ التوراة المكرّمة وما فيها وما تضمّنته، وحقّ العشر كلمات التي أنزلت على موسى في الصّحف الجوهر، وما حوته قبّة الزّمان، وإلّا تعبّدت فرعون وهامان، وبرئت من بني إسرائيل، ودنت بدين النّصرانية، وصدّقت مريم في دعواها، وبرّأت يوسف النّجّار، وأنكرت الخطاب، وتعمدت الطّور بالقاذورات، ورميت الصّخرة بالنّجاسة، وشركت بختنصّر في هدم بيت المقدس وقتل بني إسرائيل، وألقيت العذرة على مظانّ الأسفار، وكنت ممّن شرب من النّهر ومال إلى جالوت، وفارقت شيعة طالوت، وأنكرت الأنبياء، ودللت على دانيال، وأعلمت جبّار مصر بمكان
стр. 6269
إرمياء، وكنت مع البغيّ والفواجر يوم يحيى، وقلت: إن النّار المضيئة من شجرة العوسج نار إفك، وأخذت الطّرق على مدين، وقلت بالعظائم في بنات شعيب، وأجلبت مع السّحرة على موسى، ثم برئت ممن آمن منهم، وكنت مع من قال:
اللّحاق اللّحاق لندرك من فرّ، وأشرت بتخليف تابوت يوسف في مصر، وسلّمت إلى السّامريّ، ونزلت أريحا مدينة الجبّارين، ورضيت بفعل سكنة سذوم، وخالفت أحكام التّوراة، واستبحت السّبت وعدوت فيه، وقلت إن المظلّة ضلال، وإن الحنكة محال، وقلت بالبداء على الله تعالى في الأحكام، وأجزت نسخ الشرائع، واعتقدت أنّ عيسى بن مريم المسيح الموعود به على لسان موسى بن عمران، وانتقلت عن اليهودية إلى سواها من الأديان، واستبحت لحم الجمل والشّحم والحوايا أو ما اختلط بعظم، وتأوّلت أنّ آكل ثمنه غير آكله، وقلت مقالة أهل بابل في إبراهيم، وإلّا أكون محرّما حرمة تجمع عليها الأحبار، وتقلب عليها حصر الكنائس، ورددت إلى التّيه، وحرمت المنّ والسّلوى، وبرئت من كلّ الأسباط، وقعدت عن حرب الجبّارين مع القدرة والنّشاط» .
قلت: قوله في هذه اليمين في حرمة الشّحم وما في معناه: وتأوّلت أن آكل ثمنه غير آكله، بمعنى أنه يستعظم الوقوع في تأوّل ذلك، وهو خلاف معتقدهم:
لأنهم يتأوّلون أن آكل ثمنه غير آكله كما تقدّم عنهم، وإنما تمنع ذلك السّامرة، فكان من حقّه أن يورد ذلك في يمين السّامرة وأن يقول هنا: ولم أتأوّل أن آكل ثمنه غير آكله فتنبه لذلك.
واعلم أنّ أوّل ما استحدثت هذه الأيمان لأهل دين اليهوديّة فيما ذكره محمد بن عمر المدائنيّ في كتاب «القلم والدّواة» في زمن الفضل بن الرّبيع وزير الرّشيد، أحدثها كاتب له قال له: كيف تحلّف اليهوديّ قال: أقول له: وإلّا برئت من إلهك الذي لا تعبد غيره ولا تدين إلّا له، ورغبت عن دينك الذي ارتضيته، وجحدت التّوراة وقلت: إنّ حمار العزيز راكب جمل موسى، ولعنك ثمانمائة حبر على لسان داود وعيسى بن مريم، ومسخك الله كما مسخ أصحاب السّبت فجعل منهم القردة والخنازير، وخالفت ما دوّنه دانيال وأشلوما ويوحنّا، ولقيت الله بدم
стр. 6270
يحيى بن زكريا، وهدمت الطّور صخرة صخرة، وضربت بالنّاقوس في بيت المقدس، وتبرأ منك الأسباط وآباؤهم: إسرائيل، وإسحاق، وإبراهيم، وغمست لحية الجاثليق في معموديّة النّصارى، وانقلبت عن السّبت إلى الأحد، وإلّا قدّر الله لك أن تلقى الذي يخرج من الماء ليلة السّبت، وصيّر الله طعامك لحم الخنزير وكروش الجمال ومعد الخنازير، وسلّط الله عليك وعلى أهلك بختنصّر ثانية يقتل المقاتلة ويسبي الذّرّيّة ويخرّب المدائن، وأراك الله الأيدي التي تنال الرّكب من قبيل الأسباط، وآخذك الله بكلّ لسان جحدته وبكلّ آية حرّفتها، وقلت في موسى الزّور، وإنّه في محلّ ثبور، وفي دار غرور، وجحدت إهيا أشر إهيا «١» أصبئوت آل شدّاء. وهذه اليمين لازمة لك ولبنيك إلى يوم القيامة.
قلت: هذه اليمين في غاية الإتقان والتّشديد، إلا أنّ قوله: وآخذك الله بكلّ لسان جحدته وبكلّ آية حرّفتها غير مناسب لتحليفهم: لأنهم يرون أن لا إثم عليهم في الجحد ولا يعترفون بالتّحريف بل ينكرونه. على أن أكثرها غير متوارد على اليمين التي أوردها في «التعريف» : فلو ألحقها بها ملحق في آخرها على صيغة اليمين الأولى من إيرادها بصيغة التكلم، مثل أن يقول: وإلا برئت من إلهي الذي لا أعبد غيره ولا أدين إلّا له، وألا رغبت عن ديني الذي ارتضيته، وعلى ذلك في الباقي، لكان حسنا.
الطائفة الثانية (من اليهود: السّامرة)
وهم أتباع السّامريّ الذي أخبر الله تعالى عنه بقوله في سورة الأعراف «٢» :
стр. 6271
وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُ
. قال بعض المفسّرين: واسمه موسى بن ظفر، وكان أصله من قوم يعبدون البقر فرأى جبريل ﵇ مرّة وقد جاء إلى موسى راكبا على فرس الحياة، فأخذ قبضة من تراب من تحت حافر فرسه. وكان بنو إسرائيل قد خرجوا معهم حليّ [استعاروه] «١» من القبط، فأمرهم هارون أن يحفروا حفرة ويلقوا فيها ذلك الحليّ حتّى يأتي موسى فيرى فيه رأيه، فجمعوا ذلك الحليّ كلّه وألقوه في تلك الحفرة، فجاء السّامريّ فألقى ذلك التراب عليه، وقال له: كن عجلا جسدا له خوار، فصار كذلك. قال الحسن: صار حيوانا لحما ودما. وقيل:
بل صار يخور ولم تنقلب عينه. فقال لهم السّامريّ: هذا إلهكم وإله موسى، فعكفوا على عبادته، ونهاهم هارون فلم ينتهوا [فجاء موسى] «٢» وحرّق العجل وذرّاه في اليمّ كما أخبر الله تعالى عنه بقوله: وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً
«٣» فأمروا بقتل أنفسهم كما أخبر تعالى بقوله: فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ
»
الآية. فقتل منهم سبعون ألفا ثم رفع عنهم القتل بعد ذلك.
وقد اختلف في السّامرة: هل هم من اليهود أم لا؟ والقرّاؤون والرّبّانيّون ينكرون كون السّامرة من اليهود. وقد قال أصحابنا الشافعية ﵏: إنهم إن وافقت أصولهم أصول اليهود فهم منهم حتّى يقرّوا بالجزية وإلا فلا.
ثم السّامرة لهم توراة تختصّهم غير التوراة التي بيد القرّائين والرّبّانيين، والتّوراة التي بيد النّصارى؛ وهم ينفردون عن القرائين والربانيين بإنكار نبوّة من بعد موسى ما عدا هارون ويوشع ﵉، ويخالفونهم أيضا في استقبال صخرة بيت المقدس، ويستقبلون طور نابلس ويوجّهون إليه موتاهم، زاعمين أنّه
стр. 6272
الذي كلّم الله تعالى موسى عليه، ويزعمون أنّ الله تعالى أمر داود ﵇ ببناء بيت المقدس عليه، فخالف وبناه بالقدس: قاتلهم الله أنّى يؤفكون. وهم قائلون أيضا: إن الله تعالى هو خالق الخلق الباريء لهم، وإنه قادر قديم أزليّ. ويوافقون على نبوّة موسى وهارون ﵉، وأن الله تعالى أنزل عليه التّوراة، إلا أنّ لهم توراة تخصّهم تخالف توراة القرّائين والرّبانيّين المتقدّمة الذّكر، وأنه أنزل عليه أيضا الألواح الجوهر المتضمّنة للعشر كلمات المتقدّمة الذّكر، ويقرّون أنّ الله تعالى هو الذي أنقذ بني إسرائيل من فرعون ونجّاهم من الغرق، ويقولون: إنه نصب طور نابلس المقدّم ذكره قبلة للمتعبّد.
ويستعظمون الكفر بالتّوراة التي هم يعترفون بها، والتّبرّي من موسى ﵇ دون غيره من بني إسرائيل، ويعظّمون طورهم طور نابلس المقدّم ذكره، ويستعظمون دكّه وقلع آثار البيت الذي عمر به، ويستعظمون استباحة السّبت كغيرهم من اليهود، ويوافقون القرّائين في الوقت مع ظواهر نصوص التّوراة، ويمنعون القول بالتأويل الذاهب إليه الرّبانيّون من اليهود، وينكرون صحّة توراة القرّائين والرّبانيّين، ويجعلون الاعتماد على توراتهم، ويقولون: لا مساس:
بمعنى أنه لا يمسّ أحدا ولا يمسّه. قال في «الكشاف» : كان إذا مسّ أحدا أو مسّه أحد حصلت الحمّى للماسّ والممسوس وقد أخبر الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ للسّامريّ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ
«١» ويحرّمون من الذّبائح «٢» ، ويحرّمون أكل اللحم مختلطا بلبن، زاعمين أنّ في توراتهم النّهي عن أكل لحم الجدي بلبن أمّه؛ ويستعظمون السّعي إلى الخروج إلى الأرض التي حرّم عليهم سكناها وهي مدينة أريحا.
ومن أكبر الكبائر عندهم وطء المرأة الحائض، والنّوم معها في مضجع
стр. 6273
واحد، لا سيما إذا فعل ذلك مستبيحا له. ومن أعظم العظائم عندهم إنكار خلافة هارون ﵇، والأنفة من كونها.
وقد رتّب في «التعريف» يمينهم على مقتضى ذلك، فذكر أنّ يمينهم:
«إنني والله والله والله العظيم، الباريء، القادر، القاهر، القديم، الأزليّ، ربّ موسى وهارون، منزل التوراة والألواح الجوهر، منقذ بني إسرائيل، وناصب الطّور قبلة للمتعبّدين، وإلّا كفرت بما في التوراة، وبرئت من نبوّة موسى، وقلت:
إنّ الإمامة في غير بني هارون، ودكّيت الطّور، وقلعت بيدي أثر البيت المعمور، واستبحت حرمة السّبت، وقلت بالتأويل في الدّين، وأقررت بصحّة توراة اليهود، وأنكرت القول بأن لا مساس، ولم أتجنّب شيئا من الذّبائح، وأكلت الجدي بلبن أمّه، وسعيت في الخروج إلى الأرض المحظور عليّ سكنها، وأتيت النّساء الحيّض زمان الطّمث مستبيحا لهنّ، وبتّ معهنّ في المضاجع، وكنت أوّل كافر بخلافة هارون، وأنفت منها أن تكون.
[الملة الثانية] الفرقة الثالثة «١» (ممّن تدعو الضرورة إلى تحليفه- النّصرانيّة)
وقد اختلف في اشتقاقها، فقيل: أخذا من قول المسيح للحواريّين: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ*
«٢» وقول الحواريّين: نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ*
«٣» وقيل: من نزوله هو وأمّه- بعد عودها به من مصر- بالنّاصرة: وهي قرية من بلاد فلسطين من الشام: وقيل غير ذلك.
والنّصارى- هم أمّة عيسى ﵇، وكتابهم الإنجيل. وقد اختلف في اشتقاقه «٤» على ثلاثة مذاهب حكاها أبو جعفر النّحّاس «٥» في «صناعة الكتّاب» :
стр. 6274
أحدها- أنه مأخوذ من قولهم: نجلت الشّيء إذا أخرجته، بمعنى أنه خرج به دارس من الحقّ.
والثاني- أنه مأخوذ من قولهم: تناجل القوم إذا تنازعوا، لأنه لم يقع في كتاب من الكتب المنزّلة مثل التنازع الواقع فيه. قاله أبو عمرو الشّيبانيّ.
والثالث- أنه مأخوذ من النّجل بمعنى الأصل: لأنه أصل العلم الذي أطلع الله تعالى فيه خليقته عليه، ومنه قيل للوالد نجل: لأنه أصل لولده.
ثم ذكر هذه الاشتقاقات جنوح من قائلها إلى أنّ لفظ الإنجيل عربيّ، والذي يظهر أنه عبرانيّ: لأنّ لغة عيسى ﵇ كانت العبرانيّة؛ وقد قال صاحب «إرشاد القاصد» : إن معنى الإنجيل عندهم البشارة.
واعلم أنّ النّصارى بجملتهم مجمعون على أن مريم حملت بالمسيح ﵇، وولدته ببيت لحم من بلاد القدس من الشّام، وتكلّم في المهد، وأنّ اليهود حين أنكروا على مريم ﵍ ذلك فرّت بالمسيح ﵇ إلى مصر، ثم عادت به إلى الشام، وعمره اثنتا عشرة سنة، فنزلت به القرية المسمّاة ناصرة المقدّم ذكرها، وأنه في آخر أمره قبض عليه اليهود وسعوا به إلى عامل قيصر ملك الرّوم على الشام، فقتله وصلبه يوم الجمعة، وأقام على الخشبة ثلاث ساعات، ثم استوهبه رجل من أقارب مريم اسمه يوسف النّجّار من عامل قيصر، ودفنه في قبر كان أعدّه لنفسه في مكان الكنيسة المعروفة الآن بالقمامة «١» بالقدس، وأنّه مكث في قبره ليلة السّبت ونهار السّبت وليلة الأحد، ثم قام من صبيحة يوم الأحد، ثم رآه بطرس الحواريّ وأوصى إليه؛ وأنّ أمّه جمعت له الحواريّين فبعثهم رسلا إلى الأقطار للدّعاية إلى دينه، وهم في الأصل اثنا عشر حواريّا: بطرس (ويقال له: سمعان، وشمعون الصّفا أيضا) «٢» ، وأندراوس وهو
стр. 6275
أخو بطرس المقدّم ذكره، ويعقوب بن زيدي، ويوحنّا الإنجيليّ، وهو أخو «١» أندراوس، وفيلبس، وبرتلوماوس، وتوما: ويعرف بتوما الرسول، ومتّى ويعرف بمتّى العشّار، ويعقوب بن حلفا، وسمعان القناني (ويقال له شمعون أيضا) ، وبولس «٢» (ويقال له تداوس) ، وكان اسمه في اليهودية شاول، ويهوذا الأسخر يوطي (وهو الذي دلّ يهود على المسيح حتّى قبضوا عليه بزعمهم) وقام مقامه بنيامين، ويقولون: إنه بعد أن بعث من بعث من الحواريّين صعد إلى السّماء. وهم متّفقون على أن أربعة من الحواريّين تصدّوا لكتابة الإنجيل: وهم بطرس، ومتّى، ولوقا «٣» ، ويوحنّا، فكتبوا فيه سيرة المسيح من حين ولادته إلى حين رفعه، وكتب كلّ منهم نسخة على ترتيب خاصّ بلغة من اللّغات.
فكتب بطرس إنجيله باللّغة الرّوميّة في مدينة رومية قاعدة بلاد الرّوم، ونسبه إلى تلميذه مرقس أوّل بطاركة الإسكندرية، ولذلك يعرف بمرقس الإنجيليّ، وقيل: إن الذي كتبه مرقس نفسه. وكتب متّى إنجيله بالعبرانيّة في بيت المقدس، ونقله بعد ذلك يوحنّا بن زيدي إلى اللّغة الرومية. وكتب لوقا إنجيله بالرّومية وبعث به إلى بعض أكابر الرّوم، وقيل: بل كتبه باليونانّية بمدينة الإسكندرية. وكتب يوحنّا إنجيله باليونانية بمدينة أفسس، وقيل مدينة رومية.
قال الشّهرستانيّ: وخاتمة إنجيل متّى: «إني أرسلكم إلى الأمم كما أرسلني أبي إليكم، فاذهبوا وادعوا الأمم باسم الأب والابن وروح القدس» ثم اجتمع برومية من توجّه إليها من الحواريّين ودوّنوا قوانين دين النصرانية على يد أقليمش «٤» تلميذ بطرس الحواريّ، وكتبوا عدد الكتب التي يجب قبولها والعمل بمقتضاها، وهي عدّة كتب: منها الأناجيل الأربعة المتقدمة الذّكر، والتّوراة التي
стр. 6276
بأيديهم، وجملة كتب من كتب الأنبياء الذين قبل المسيح ﵇، كيوشع بن نون، وأيّوب، وداود، وسليمان ﵈، وغيرهم «١» ثم لما مات الحواريّون أقام النّصارى لهم خلائف، عبّر عنهم بالبطاركة جمع بطرك، وهي كلمة يونانية مركّبة من لفظين، أحدهما «بطر» ومعناه.. «٢» ، والثانية «يرك» ومعناه.. «٣» ، ورأيت في ترسّل العلاء بن موصلايا «٤» : كاتب القائم بأمر الله العبّاسيّ «فطرك» بإبدال الباء فاء، والعامة يقولون: «بترك» بابدال الطاء تاء، وهو عندهم خليفة المسيح، والقائم بالدّين فيهم.
وقد كان لبطاركتهم في القديم خمسة «٥» كراسيّ، لكلّ كرسيّ منها بطرك.
الأوّل منها بمدينة رومية، والقائم به خليفة بطرس الحواريّ المتوجه إليها بالبشارة؛
стр. 6277
والثاني بمدينة الإسكندريّة، والقائم به خليفة مرقس تلميذ بطرس الحواريّ المقدّم ذكره وخليفته بها؛ والثالث بمدينة بزنطية: وهي القسطنطينيّة؛ والرابع بمدينة أنطاكية من العواصم التي هي في مقابلة حلب الآن؛ والخامس بالقدس. وكان أكبر هذه الكراسيّ الخمسة كرسيّ رومية لكونه محلّ خلافة بطرس الحواريّ، ثم كرسيّ الإسكندرية، لكونه كرسيّ مرقس خليفته.
ثم اصطلحوا بعد ذلك على أسماء وضعوها على أرباب وظائف دياناتهم، فعبروا عن صاحب المذهب بالبطريق، وعن نائب البطرك بالأسقفّ، وقيل الأسقفّ عندهم بمنزلة المفتي، وعن القاضي بالمطران، وعن القاريء بالقسّيس، وعن صاحب الصلاة وهو الإمام بالجاثليق «١» ، وعن قيّم الكنيسة بالشّمّاس، وعن المنقطع إلى المولى للعبادة بالرّاهب.
وكانت الأساقفة يسمّون البطرك أبا، والقسوس يسمون الأسقفّ أبا، فوقع الاشتراك عندهم في اسم الأب، فوقع اللّبس عليهم، فاخترعوا لبطرك الإسكندرية اسم الباب، ويقال فيه البابا «٢» بزيادة ألف، والبابه بإبدال الألف هاء، ومعناه عندهم أبو الآباء: لتمييز البطرك عن الأسقفّ، فاشتهر بهذا الاسم، ثم نقل اسم الباب إلى بطرك رومية لكونه خليفة بطرس الحواريّ؛ وبقي اسم البطرك على بطرك الإسكندرية وغيره من أصحاب الكراسيّ.
واعلم أن النّصارى مجمعون على أن الله تعالى واحد بالجوهر ثلاثة بالأقنوميّة؛ ويفسّرون الجوهر بالذّات والأقنوميّة بالصّفات: كالوجود والعلم والحياة؛ ويعبرون عن الذّات مع الوجود بالأب، وعن الذّات مع العلم بالابن؛ ويعبرون عن الذّات مع الحياة بروح القدس؛ ويعبّرون عن الإله باللّاهوت، وعن
стр. 6278
الإنسان بالنّاسوت؛ ويطلقون العلم على الكلمة التي ألقيت إلى مريم ﵍ فحملت منها بالمسيح ﵇؛ ويخصّونه بالاتّحاد دون غيره من الأقانيم.
واجتمع منهم ثلاثمائة وثمانية عشر، وقيل وسبعة عشر «١» أسقفّا من أساقفتهم بمدينة نيقية «٢» من بلاد الرّوم بحضرة قسطنطين ملك الرّوم عند ظهور أريوش الأسقفّ وقوله: إن المسيح مخلوق، وإنّ القديم هو الله تعالى، وألّفوا عقيدة استخرجوها من أناجيلهم لقّبوها بالأمانة «٣» ، من خرج عنها خرج عن دين النّصرانية؛ ونصّها على ما ذكره الشّهرستانيّ في «النّحل والملل» وابن العميد مؤرّخ النّصارى في تاريخه ما صورته:
«نؤمن بالله الواحد الأب، مالك كلّ شيء، وصانع ما يرى وما لا يرى، وبالابن الواحد أيشوع المسيح ابن الله، بكر الخلائق كلّها، وليس بمصنوع، إله حقّ من [إله حق من] «٤» جوهر أبيه الذي بيده أتقنت العوالم وكلّ شيء، الذي من أجلنا و [من] «٥» أجل خلاصنا نزل من السّماء، وتجسّد بروح القدس، وولد من مريم البتول، وصلب أيام فيلاطوس، ودفن ثم قام في اليوم الثالث وصعد إلى السّماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعدّ للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء. ونؤمن بروح القدس الواحد الحيّ الذي يخرج من أبيه،
стр. 6279
وبمعموديّة واحدة لغفران الخطايا، وبجماعة [واحدة] «١» قدسيّة مسيحيّة جاثليقيّة، وبقيام أبداننا، وبالحياة الدّائمة أبد الآبدين.
ووضعوا معها قوانين لشرائعهم سمّوها الهيمانوت «٢» ثم اجتمع منهم جمع بقسطنطينيّة عند دعوى مقدونيوس المعروف بعدوّ روح القدس، وقوله: إن روح القدس مخلوق، وزادوا في الأمانة المتقدّمة الذّكر ما نصه: «ونؤمن بروح القدس المحيي المنبثق من الأب» ولعنوا من يزيد بعد ذلك على كلام الأمانة أو ينقص منها.
وافترق النّصارى بعد ذلك إلى فرق كثيرة، المشهور منها ثلاث فرق:
الفرقة الأولى (الملكانيّة)
قال الشّهرستانيّ: وهم أتباع ملكان الذي ظهر ببلاد الرّوم؛ ومقتضى ذلك أنّهم منسوبون إلى ملكان صاحب مذهبهم. ورأيت في بعض المصنّفات أنّهم منسوبون إلى مركان قيصر أحد قياصرة الرّوم، من حيث إنّه كان يقوم بنصرة مذهبهم، فقيل لهم مركانيّة، ثم عرّب ملكانيّة «٣» ؛ ومعتقدهم أن جزءا من اللّاهوت حلّ في النّاسوت، ذاهبين إلى أن الكلمة، وهي أقنوم العلم عندهم، اتّحدت بجسد المسيح وتدرّعت بناسوته ومازجته ممازجة الخمر [اللبن] «٤» أو الماء اللّبن؛ لا يسمّون العلم قبل تدرّعه ابنا، بل المسيح وما تدرّع به هو الابن؛ ويقولون: إن الجوهر غير الأقانيم كما في الموصوف والصّفة، مصرّحين بالتثليث،
стр. 6280
قائلين بأن كلّا من الأب والابن وروح القدس إله، وإليهم وقعت الإشارة بقوله تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
«١» وهم يقولون: إن المسيح قديم أزليّ من قديم أزليّ، وإن مريم ولدت إلها أزليّا، فيطلقون الأبوّة والبنوّة على الله تعالى وعلى المسيح حقيقة، متمسّكين بظاهر ما يزعمون أنه وقع في الإنجيل من ذكر الأب والابن: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً
«٢» ثم هم يقولون: إن المسيح ناسوت كليّ لا جزئيّ، وإن القتل والصّلب وقعا على الناسوت واللّاهوت معا كما نقله الشّهرستانيّ في «النّحل والملل» وإن كان الشيخ شمس الدّين بن الأكفاني في كتابه «إرشاد القاصد» قد وهم فنقل عنهم القول بأن الصّلب وقع على النّاسوت دون اللّاهوت.
ومن معتقدهم أيضا أنّ المعاد والحشر يكون بالأبدان والأرواح جميعا، كما تضمّنته الأمانة المتقدّمة، وأنّ في الآخرة التّلذّذات الجسمانيّة بالأكل والشّرب والنّكاح وغير ذلك كما يقوله المسلمون.
ومن فروعهم أنهم لا يختتنون، وربّما أكل بعضهم الميتة. وممّن تمذهب بمذهب الملكانيّة الرّوم والفرنجة ومن والاهم.
والملكانية يدينون بطاعة الباب: وهو بطرك رومية المقدّم ذكره، قال في «الروض المعطار» : من قاعدة الباب أنه إذا اجتمع به ملك من ملوك النّصارى ينبطح على بطنه بين يديه، ولا يزال يقبّل رجليه حتّى يكون هو الذي يأمره بالقيام «٣»
стр. 6281
الفرقة الثانية (اليعقوبيّة)
وهم أتباع ديسقرس بطرك الإسكندريّة في القديم: وهو الثامن من بطاركتها من حين بطركيّة مرقس الإنجيلّي نائب بطرس الحواريّ بها. قال ابن العميد في تاريخه: وسمّي أهل مذهبه يعقوبية: لأن اسمه كان في الغلمانية يعقوب. وقيل:
بل كان له تلميذ اسمه يعقوب فنسبوا إليه. وقيل: بل كان شاويرش بطرك أنطاكية على رأي ديسقرس، وكان له غلام اسمه يعقوب فكان يبعثه إلى أصحابه: أن اثبتوا على أمانة ديسقرس فنسبوا إليه. وقيل: بل نسبوا إلى يعقوب البردغاني تلميذ سويرس بطرك أنطاكية، وكان راهبا بالقسطنطينيّة فكان يطوف في البلاد ويدعو إلى مذهب ديسقرس. قال ابن العميد: وليس ذلك فإنّ اليعاقبة ينسبون إلى ديسقرس قبل ذلك بكثير، ومعتقدهم أن الكلمة انقلبت لحما ودما فصار الإله هو المسيح.
ثم منهم من قال إن المسيح هو الله تعالى. قال المؤيّد صاحب حماة:
ويقولون مع ذلك إنه قتل وصلب ومات وبقي العالم ثلاثة أيّام بلا مدبّر.
ومنهم من يقول: ظهر اللاهوت بالنّاسوت، فصار ناسوت المسيح مظهر الحقّ لا على طريق حلول جزء فيه، ولا على سبيل اتّحاد الكلمة التي هي في حكم الصّفة، بل صار هو هو، كما يقال: ظهر الملك بصورة إنسان، وظهر الشّيطان بصورة حيوان، وكما أخبر التّنزيل عن جبريل ﵇ بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
«١» وأكثرهم يقول: إن المسيح جوهر واحد إلا أنّه من جوهرين، وربّما قالوا:
طبيعة واحدة من طبيعتين. فجوهر الإله القديم وجوهر الإنسان المحدث تركّبا تركّب النّفس والبدن فصارا جوهرا واحدا أقنوما واحدا، وهو إنسان كلّه وإله كلّه،
стр. 6282
فيقال: الإنسان صار إلها ولا ينعكس، فلا يقال: الإله صار إنسانا، كالفحمة تطرح في النار فيقال: صارت الفحمة نارا، ولا يقال: صارت النار فحمة؛ وهي في الحقيقة لا نار مطلقة ولا فحمة مطلقة، بل هي جمرة.
ويقولون: إنّ الكلمة اتحدت بالإنسان الجزئيّ لا الكلّيّ، وربّما عبّروا عن الاتحاد بالامتزاج والادّراع والحلول، كحلول صورة الإنسان في المرآة.
ومنهم من يقول: إن الكلمة لم تأخذ من مريم شيئا لكنّها مرّت بها كمرور الماء بالميزاب، وإنّ ما ظهر من شخص المسيح ﵇ في الأعين هو كالخيال والصّورة في المرآة، وإن القتل والصّلب إنما وقعا على الخيال.
وزعم آخرون منهم أنّ الكلمة كانت تداخل جسد المسيح أحيانا فتصدر عنه الآيات: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص؛ وتفارقه في بعض الأوقات فترد عليه الآلام والأوجاع. ثم هم يقولون: إن المعاد إنما هو روحانيّ فيه لذّة وراحة وسرور، ولا أكل ولا شرب ولا نكاح.
ومن فروعهم أنهم يختتنون، ولا يأكلون الحيوان إلا بعد التّذكية. وقد حكى ابن العميد مؤرّخ النّصارى أن ديسقرس صاحب مذهب اليعقوبية حين ذهب إلى ما ذهب: من مذهبه المقدّم ذكره، رفع أمره إلى مركان قيصر ملك الروم يومئذ، فطلبه إلى مدينة خلقدونية «١» من بلاد الرّوم، وجمع له ستّمائة وأربعة وثلاثين أسقفّا، وناظروه بحضرة الملك فسقط في المناظرة، فكلمته زوجة الملك فأساء الرّدّ فلطمته بيدها، وتناوله الحاضرون بالضرب، وأمر بإخراجه؛ فسار إلى القدس، فأقام به واتبعه أهل القدس وفلسطين ومصر والإسكندرية؛ وقد اتّبعه على ذلك أيضا النّوبة والحبشة، وهم على ذلك إلى الآن.
стр. 6283
الفرقة الثالثة (النّسطوريّة)
ومقتضى كلام ابن العميد أنهم أتباع نسطوريوس بطرك القسطنطينيّة.
ويحكى عنه أن من مذهبه أن مريم ﵍ لم تلد إلها، وإنما ولدت إنسانا، وإنّما اتّحد في المشيئة لا في الذّات، وأنه ليس إلها حقيقة بل بالموهبة والكرامة.
ويقولون بجوهرين وأقنومين، وإن كرلس بطرك الإسكندرية وبطرك رومية خالفاه في ذلك، فجمعا له مائتي أسقفّ بمدينة أفسس «١» ، وأبطلوا مقالة نسطوريوس وصرّحوا بكفره، فنفي إلى إخميم من صعيد مصر ومات بها، فظهر مذهبه في نصارى المشرق: من الجزيرة الفراتيّة والموصل والعراق وفارس «٢» والذي ذكره الشّهرستانيّ في «النّحل والملل» أنهم منسوبون إلى نسطور الحكيم الذي ظهر في زمان المأمون، وتصرّف في الأناجيل بحكم رأيه، وقال: إن الله تعالى واحد ذو أقانيم ثلاثة: الوجود والعلم والحياة؛ وإن هذه الأقانيم ليست بزائدة على الذّات ولا هي هي، وإن الكلمة اتّحدت بجسد المسيح ﵇ لا على طريق الامتزاج، كما ذهبت إليه الملكانيّة، ولا على طريق الظّهور كما قالته اليعقوبيّة، ولكن كإشراق الشّمس في كوّة، أو كظهور النّقش في الخاتم؛ قال الشّهرستانيّ: ويعني بقوله إنه واحد بالجوهر أنه ليس مركّبا من جنس بل هو بسيط واحد. ويعني بالحياة والعلم أقنومين جوهرين أي أصلين مبدأين للعالم. قال:
ومنهم من يثبت لله تعالى صفات زائدة على الوجود والحياة والعلم: كالقدرة والإرادة ونحوهما. ومنهم من يطلق القول بأن كلّ واحد من الأقانيم الثلاثة حيّ ناطق إله. ومنهم من يقول: إن الإله واحد، وإن المسيح ابتدأ من مريم ﵍،
стр. 6284
وإنه عبد صالح مخلوق، خلقه الله تعالى وسماه ابنا على التّبنّي لا على الولادة والاتّحاد. ثم هم يخالفون في القتل والصّلب مذهب الملكانية واليعقوبية جميعا، فيقولون: القتل والصّلب وقعا على المسيح من جهة ناسوته لا من جهة لا هوته: لأن الإله لا تحله الآلام. قال صاحب حماة «١» : وهم عند النصارى كالمعتزلة عندنا.
وليعلم أن للنّصارى أشياء يعظّمونها و [أشياء] «٢» يستعظمون الوقوع فيها.
فأما التي يعظّمونها فإنهم يعظمون المسيح ﵇ حتّى انتهوا فيه إلى ما انتهوا: من دعوى الألوهيّة والبنوّة لله سبحانه، تعالى الله عما يشركون، واسمه عندهم أيشوع فعرّب عيسى، وإنّما سمي المسيح لكونه ممسوح القدمين لا أخمص له «٣» ويعظّمون مريم ﵍ لولادتها المسيح ﵇، ويعبّرون عنها بالسّيّدة، وبالبتول، وبالعذراء.
ويعظمون مريحنّا «٤» المعمدان، وهم عندهم يحيى بن زكريّا ﵇، ومعنى «مر» السّيّد، و «يحنّا» يعني يحيى؛ ويسمّونه المعمدان لأنهم يزعمون أنّ مريم ﵍ حين عودها من مصر إلى الشأم ومعها السّيد المسيح تلقّاه يحيى ﵇ فعمّده في نهر الأردنّ من بلاد فلسطين، يعني غمسه فيه، ويجعلون ذلك أصلا للمعموديّة: وهو الماء الذي يغمسون فيه عند تنصّرهم، ويقولون: إنه لا يصح تنصّر نصرانيّ دون تعمّد. ولماء المعمودية بذلك عندهم من التّعظيم ما
стр. 6285
لا فوقه. وبعضهم يقول: إن المراد بمر يحنّا المعمدان غير يحيى بن زكريّا ﵉.
ويعظمون الحواريّين: وهم أصحاب المسيح ﵇. وقد تقدّم أن عدّتهم اثنا عشر حواريّا، ومعنى الحواريّ الخاصّ، ومنه قيل للدّقيق النّاصع البياض دقيق حوّارى، سمّوا بذلك لأن المسيح ﵇ استخلصهم لنفسه.
ويعظّمون البطاركة لأنهم خلفاء الدّين عندهم، ويرون لهم من الحرمة ما لدين النّصرانية عندهم من الحرمة، بل يجعلون أمر التّحليل والتّحريم منوطا بهم، حتّى لو حرّم البطرك على أحدهم زوجته لم يقربها حتّى يحلّها له.
وسيأتي «١» ما لبطرك اليعقوبية عند صاحب الحبشة من الحرمة عند ذكر المكاتبة إليه فيما بعد، إن شاء الله تعالى. وكذلك يعظّمون أرباب الوظائف الدّينية عندهم: من البطريق، والأسقفّ، والمطران، والقسّيس، والشّمّاس، والراهب؛ وقد تقدّم تفسيرهم فيما مرّ.
ويعظّمون يوسف النّجّار: وهو قريب لمريم ﵍، يقال: إنه ابن عمّها، كان معها في خدمة بيت المقدس، وهو الذي استوهب المسيح بعد الصّلب بزعمهم حتّى دفنه. واليهود يرمون مريم ﵍ معه بالفجور على ما تقدّم.
ويعظّمون مريم المجد لانيّة المقدّم ذكرها، ويزعمون أنها.. «٢» أخرج منها سبعة شياطين، وأنها أوّل من رأى المسيح حين قام من قبره.
ومن عادتهم أنه إذا مات منهم أحد ممن يعتقدون صلاحه صوّروا صورته في حيطان كنائسهم ودياراتهم يتبركون بها.
ويعظّمون قسطنطين بن قسطنطين ملك الرّوم، وذلك أنّه أوّل من أخذ بدين
стр. 6286
النصرانية من الملوك وحمل على الأخذ به. وقد اختلف في سبب ذلك فقيل: إنه كان يحارب أمّة البرجان بجواره وقد أعجزه أمرهم، فرأى في المنام كأنّ ملائكة نزلت من السماء ومعها أعلام عليها صلبان، فعمل أعلاما على مثالها وحاربهم بها فظهر عليهم. وقيل: بل رأى صورة صليب في السماء. وقيل: بل حملته أمّه هيلاني على ذلك.
ويعظمون هيلاني أم قسطنطين المقدّم ذكره، ويقولون: إنها رحلت من قسطنطينيّة إلى القدس، وأتت إلى محلّ الصّلب بزعمهم، فوقفت وبكت، ثم سألت عن خشبة الصّلب، فأخبرت أن اليهود دفنوها وجعلوا فوقها القمامات والنّجاسات، فاستعظمت ذلك، واستخرجتها وغسلتها وطيّبتها وغشّتها بالذّهب، وألبستها الحرير، وحملتها معها إلى القسطنطينيّة للتّبرّك، وبنت مكانها كنيسة، وهي المسمّاة الآن بالقمامة، أخذا من اسم القمامة التي كانت موضوعة هناك.
ويعظّمون من الأمكنة بيت لحم حيث مولد المسيح ﵇، وكنيسة قمامة حيث قبره، وموضع خشبة الصّلب التي استخرجتها هيلاني أم قسطنطين بزعمهم.
وكذلك يعظّمون سائر الكنائس: وهي أمكنة عباداتهم كالمساجد للمسلمين. وأصلها في اللّغة مأخوذ من قولهم: كناس الظّبي: وهو المكان الذي يستتر فيه، سمّيت بذلك لاستتار هم فيها حال عبادتهم عن أعين الناس. وكذلك يعظّمون الدّيارات: وهي أمكنة التّخلّي والاعتزال كالزّوايا للمسلمين.
ويعظّمون المذبح: وهو مكان يكون في الكنيسة يقرّبون عنده القرابين ويذبحون الذّبائح، ويعتقدون أنّ كلّ ما ذبح عليه من القربان صار لحمه ودمه هو لحم المسيح ودمه حقيقة.
ويعظمون من الأزمنة أعيادهم الاتي ذكرها عند ذكر أعياد الأمم: كعيد
стр. 6287
الغطاس من أعيادهم الكبار، وموقعه في الحادي عشر من طوبه «١» من شهور القبط، وعيد السّيدة من أعيادهم الصّغار، وموقعه في الحادي والعشرين من بؤونه منها، وعيد الصّليب، وموقعه عندهم في السابع عشر من توت، إلى غير ذلك من الأعياد الآتي «٢» ذكرها مع أعياد الأمم، في الكلام على الأزمنة من هذه المقالة، إن شاء الله تعالى.
وأما الأشياء التي [يتعبّدون] «٣» بها، فإنهم يصلّون سبع صلوات في اليوم واللّيلة؛ وهي: الفجر، والضّحى، والظّهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ونصف اللّيل؛ ويقرأون في صلاتهم بمزامير داود ﵇ كما تفعل اليهود.
والسّجود في صلاتهم غير محدود العدد، بل قد يسجدون في الرّكعة الواحدة خمسين سجدة. وهم يتوضّأون للصلاة، ولا يغتسلون من الجنابة، وينكرون الطّهر للصّلاة على المسلمين وعلى اليهود، ويقولون: الأصل طهارة القلب. وإذا أرادوا الصّلاة ضربوا بالنّاقوس، وهو خشبة مستطيلة نحو الذراع يضرب عليها بخشبة لطيفة فيجتمعون. وهم يستقبلون في صلاتهم المشرق، وكذلك يوجّهون إليه موتاهم. قال الزّمخشريّ: ولعلّ ذهابهم إلى ذلك لأخذ مريم ﵍ عنهم مكانا شرقيّا كما أخبر تعالى بقوله: إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
«٤» ولهم صيامات في أوقات متفرّقة.
منها: صومهم الكبير: وهو ستّون «٥» يوما أوّلها يوم الاثنين. وموقع أوّله في
стр. 6288
شباط أو أذار من شهور السّريان، بحسب ما يقتضيه حسابهم، يفطرون في خلالها يوم الأحد، تبقى مدّة صيامهم منها تسعة وأربعون يوما.
ومنها: [صومهم الصّغير] «١» : وهو ستّة «٢» وأربعون يوما يصومونها بعد الفصح الكبير بخمسين يوما، أوّلها يوم الاثنين أيضا؛ وعندهم فيه خلاف.
ومنها: صوم العذارى: وهو ثلاثة أيام، أوّلها يوم الاثنين الكائن بعد كانون الثاني، في صيامات أخرى يطول ذكرها، ولكثرة صيامهم قيل: إذا حدّثت أن نصرانيّا مات من الجوع فصدّق.
وأمّا ما يحرّمونه، فإنهم يقولون بتحريم لحم الجمل ولبنه كما يقوله اليهود، ويقولون: بحلّ لحم الخنزير خلافا لليهود، وهو مما ينكره اليهود عليهم من مخالفة أحكام التوراة.
ويحرّمون صوم يوم الفصح الأكبر، وهو يوم فطرهم من صومهم الأكبر.
ويحرّمون على الرجل أن يتزوّج امرأتين في قرن واحد.
ويحرّمون طلاق الزوجة بل إذا تزوّج أحدهم امرأة لا يكون له منها فراق إلا بالموت.
وأما الأشياء التي يستعظمون الوقوع فيها:
فمنها: جحود كون المسيح هو المبشّر به على لسان موسى ﵇.
ومنها: إنكار قتل المسيح ﵇ وصلبه؛ فإنهم يعتقدون أن ذلك كان سببا لخلاص اللاهوت من النّاسوت، فمن أنكر عندهم وقوع القتل والصّلب على المسيح خرج عن دين النصرانية، بل إنكار رؤيته مصلوبا عندهم ارتكاب محظور.
على أنّهم ينكرون على اليهود ارتكابهم ذلك، ويستعظمون مشاركتهم في ذلك، فيالها من عقول أضلّها بارئها!.
стр. 6289
ومنها: كسر صليب الصّلبوت، وهو الخشبة التي يزعمون أن المسيح ﵇ صلب عليها. وقد تقدّم أن هيلاني أمّ قسطنطين استخرجتها من القمامة وغسلتها وطيّبتها وغشّتها بالذّهب وألبستها الحرير وحملتها معها للتّبرك.
ومنها: الرّجوع عن متابعة الحواريّين الذين هم أصحاب المسيح ﵇.
ومنها: الخروج عن دين النّصرانية أو التّبري منه، والقول بدين التوحيد أو دين اليهودية.
ومنها: الوقوع في حقّ قسطنطين وأمّه هيلاني: لقيامهما في إقامة دين النّصرانية أوّلا على ما تقدّم ذكره. وكذلك الاستهانة بالبطاركة أو أحد من أرباب الديانات عندهم: كالأساقفة ونحوهم ممن تقدّم ذكره.
ومنها: القعود عن أهل الشّعانين: وهم أهل التّسبيح الذين كانوا حول المسيح ﵇ حين ركب الحمار بالقدس ودخل صهيون يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر وهم حوله يسّبحون الله تعالى ويقدّسونه.
ومنها: صوم يوم الفصح الأكبر، وصرف الوجه في الصلاة عن الشّرق، واستقبال صخرة بيت المقدس موافقة لليهود.
ومنها: هدم كنيسة قمامة: لكونها عندهم في محلّ القبر بزعمهم. وكذلك غيرها من الكنائس والدّيرة.
ومنها: تكذيب أحد من نقلة الإنجيل الأربعة الذين كتبوه كمتّى وغيره، أو تكذيب أحد من القسوس: وهم الذين يقرأون الإنجيل والمزامير، وتكذيب مريم المجد لانية فيما أخبرت به عن المسيح من قيامه من قبره الذي كان دفن فيه بزعمهم؛ فإنهم يزعمون أنّها أوّل من رآه عند قيامه.
ومنها: القول بنجاسة ماء المعمودية: وهو الماء الذي ينغمسون فيه عند تنصّرهم.
стр. 6290
ومنها: عدم اعتقاد أن القربان الذي يذبح في المذبح لا يصير لحمه ودمه هو لحم المسيح ودمه؛ ولعمري إن هذه لعقول ذاهبة.
ومنها: استباحة دماء أهل الديارات، والمشاركة في قتل الشّمامسة الذين هم خدّام الكنائس.
ومنها: خيانة المسيح في وديعته. وذلك أنّهم يزعمون أن كلّ ما خالفت فيه فرقة من الفرق الثلاث الفرقة الأخرى كقول الملكانية بأنّ المعاد جسمانيّ، وقول اليعقوبية: إن المعاد روحانيّ، فإنّ الفرقة الأخرى يستعظمون الوقوع فيما ذهب إليه مخالفها؛ وكذلك كلّ ما جرى هذا المجرى.
وقد رتّب الكتّاب أيمان النّصارى على هذه المعتقدات. قال محمد بن عمر المدائني في كتاب «القلم والدّواة» : وقد يذهب على كثير من الكتّاب ما يستحلف به اليهود والنصارى عند الحاجة إلى ذلك منهم، فيستحلفون بأيمان الإسلام وهم مستحلّون للحرام، ومجترئون على الآثام، ويتأثّمون من أيمانهم، والاستقسام بأديانهم. ثم أشار إلى أنّ أوّل ما رتّبت الأيمان التي يحلّف بها النصارى على هذه الطريقة في زمن الفضل بن الرّبيع، فحكى عن بعض كتّاب العراق أنه قال: أراد الفضل بن الربيع: يعني وزير الرّشيد أن يستحلف كاتبه «عونا النصراني» فلم يدر كيف يستحلفه، فقلت: ولّني استحلافه، قال: دونك، فقلت له: إحلف بالهك الذي لا تعبد غيره، ولا تدين إلّا له، وإلا فخلعت النّصرانيّة، وبرئت من المعمودية، وطرحت على المذبح خرقة حيضة يهوديّة، وقلت في المسيح ما يقوله المسلمون إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ
«١» ، وإلا فلعنك البطريك الأكبر، والمطارنة، والشّمامسة، والقمامسة، والدّيرانيّون، وأصحاب الصوامع عند مجتمع الخنازير وتقريب القربان، وبما استغاثت به النّصارى ليسوع، وإلّا فعليك جرم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفّا الذين
стр. 6291
خرجوا من نيقية حتى أقاموا عمود النصرانية، وإلّا فشققت الناقوس وطبخت به لحم جمل وأكلته يوم الاثنين مدخل الصّوم (واتحمت من كل بركه يوما) «١» ورميت الشاهد بعشرين حجرا جاحدا بها، وهدمت كنيسة لدّ، وبنيت بها كنيسة اليهود، وخرقت غفارة مريم وكهنونة داود، وأنت حنيف مسلم؛ وهذه اليمين لازمة لك ولعقبك من بعدك. وقال فقال عون: أنا لا أستحلّ أن أسمع هذه فكيف أقولها! وخرج من جميع ما طالبه به الفضل، فأمر بها الفضل فكتبت نسخا وفرّقت على الكتّاب وأمرهم بحفظها وتحليف النصارى [بها] «٢» قلت: وقد أكثر الناس من ترتيب نسخ الأيمان لتحليف النّصارى، فمن مطنب ومن موجز، على اختلاف مقاصدهم فيما يقع به التّحليف ويوافق آراءهم فيه. وقد رتّب المقرّ الشّهابيّ بن فضل الله في «التعريف» لهم أيمانا على مقتضى آراء فرقهم الثّلاث المتقدّمة الذّكر: من الملكانيّة، واليعقوبية، والنّساطرة.
فأما الملكانيّة، فقال: إنّ يمينهم: «والله والله والله العظيم، وحقّ المسيح عيسى ابن مريم، وأمّه السّيدة مريم، وما أعتقده من دين النّصرانيّة، والملّة المسيحية ... وإلّا أبرأ من المعمودية، وأقول: إن ماءها نجس، وإن القرابين رجس، وبرئت من مريحنّا المعمدان والأناجيل الأربعة، وقلت: إن متّى كذوب، وإن مريم المجد لانية باطلة الدّعوى في إخبارها عن السّيد اليسوع المسيح، وقلت في السيدة مريم قول اليهود، ودنت بدينهم في الجحود، وأنكرت اتّحاد اللّاهوت بالنّاسوت، وبرئت من الأب والابن وروح القدس، وكذّبت القسوس، وشاركت في ذبح الشّمامس، وهدمت الديارات والكنائس، وكنت ممّن مال على قسطنطين ابن هيلاني، وتعمّد أمّه بالعظائم، وخالفت المجامع التي أجمعت الأساقفة بروميّة والقسطنطينيّة، ووافقت البرذعانيّ بأنطاكية، وجحدت مذهب الملكانيّة، وسفّهت
стр. 6292
رأي الرّهبان، وأنكرت وقوع الصّلب على السّيّد اليسوع، وكنت مع اليهود حين صلبوه، وحدت عن الحواريّين، واستبحت دماء الدّيرانيّين، وجذبت رداء الكبرياء عن البطريرك، وخرجت عن طاعة الباب، وصمت يوم الفصح الأكبر، وقعدت عن أهل الشّعانين، وأبيت عيد الصّليب والغطاس، ولم أحفل بعيد السّيدة، وأكلت لحم الجمل، ودنت بدين اليهود، وأبحت حرمة الطّلاق، وخنت المسيح في وديعته، وتزوّجت في قرن بامرأتين، وهدمت بيدي كنيسة قمامة، وكسرت صليب الصّلبوت، وقلت في البنوّة مقال نسطورس، ووجّهت إلى الصّخرة وجهي، وصدّيت عن الشّرق المنير حيث كان المظهر الكريم، وإلّا برئت من النورانيين والشعشعانيين، ودنت غير دين النّصارى، وأنكرت أنّ السّيد اليسوع أحيا الموتى، وأبرأ الأكمه والأبرص، وقلت بأنّه مربوب، وأنّه ما رؤي وهو مصلوب، وأنكرت أن القربان المقدّس على المذبح ما صار لحم المسيح ودمه حقيقة، وخرجت في النصرانية عن لا حب الطريقة، وإلّا قلت بدين التّوحيد، وتعبدت غير الأرباب، وقصدت بالمظانيات غير طريق الإخلاص، وقلت: إنّ المعاد غير روحانيّ «١» ، وإن بني المعمودية لا تسيح في فسيح السماء، وأثبتّ وجود الحور العين في المعاد، وأن في الدار الآخرة التّلذّذات الجسمانية «٢» ، وخرجت خروج الشّعرة من العجين من دين النّصرانية، وأكون من ديني محروما، وقلت إن جرجس لم يقتل مظلوما.
وأما اليعاقبة، فقال: إنه يبدل قوله: اتحاد اللّاهوت بالنّاسوت بقوله:
مماسّة اللّاهوت للنّاسوت. ويبطل قوله: ووافقت البرذعانيّ بأنطاكية، وجحدت مذهب الملكانيّة. ويبدّل بقوله: وكذّبت يعقوب البرذعانيّ، وقلت: إنه غير نصراني، وجحدت اليعقوبية، وقلت إن الحق مع الملكانية. ويبطل قوله:
وخرجت عن طاعة الباب، ويبدل بقوله: وقاتلت بيدي عمدشيون، وخرّبت كنيسة قمامة وكنت أوّل مفتون.
стр. 6293
وإن كان من النساطرة أبدل القولين وأبقى ما سواهما، وقال عوض مماسة اللّاهوت للنّاسوت: إشراق اللّاهوت على النّاسوت، ويزاد بعد ما يحذف: وقلت بالبراءة من نسطورس وما تضمّنه الإنجيل المقدّس.
وهذه نسخة يمين حلّف عليها ملك النّوبة للسلطان الملك المنصور «قلاوون» عند استقراره نائبا عنه في بلاد النّوبة؛ وهي:
والله والله والله، وحقّ الثّالوث المقدّس، والإنجيل الطّاهر، والسيدة الطّاهرة العذراء أمّ النّور، والمعمودية، والأنبياء، والرّسل، والحواريّين، والقدّيسين، والشّهداء الأبرار، وإلّا أجحد المسيح كما جحده بودس، وأقول فيه ما يقول اليهود، وأعتقد ما يعتقدونه، وإلّا أكون بودس الذي طعن المسيح بالحربة- إنّني أخلصت نيّتي وطويّتي من وقتي هذا وساعتي هذه للسّلطان الملك فلان، وإني أبذل جهدي وطاقتي في تحصيل مرضاته، وإنني ما دمت نائبه لا أقطع المقرّر عليّ في كلّ سنة تمضي: وهو ما يفضل من مشاطرة البلاد على ما كان يتحصّل لمن تقدّم من ملوك النّوبة، وأن يكون النّصف من المتحصّل للسلطان مخلّصا من كلّ حقّ، والنّصف الآخر مرصدا لعمارة البلاد وحفظها من عدوّ يطرقها، وأن يكون عليّ في كلّ سنة كذا وكذا. وإنّني أقرّر على كلّ نفر من الرّعية الذين تحت يدي في البلاد من العقلاء البالغين دينارا عينا، وإنّني لا أترك شيئا من السّلاح ولا أخفيه، ولا أمكّن أحدا من إخفائه؛ ومتى خرجت عن جميع ما قرّرته أو عن شيء من هذا المذكور أعلاه كلّه، كنت بريئا من الله تعالى ومن المسيح ومن السّيدة الطاهرة، وأخسر دين النّصرانية، وأصلّي إلى غير الشّرق، وأكسر الصّليب، وأعتقد ما يعتقده اليهود. وإنّني مهما سمعت من الأخبار الضّارّة والنافعة طالعت به السّلطان في وقته وساعته، ولا أنفرد بشيء من الأشياء إذا لم يكن مصلحة، وإنّني وليّ من والى السلطان وعدوّ من عاداه؛ والله على ما نقول وكيل.
قلت: وسيأتي ذكر أيمان الفرنج على الهدنة عند ذكر ما أهمله في «التعريف» : من نسخ الأيمان في آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
стр. 6294
الملة الثالثة (المجوسيّة
: وهي الملّة التي كان عليها الفرس ومن دان بدينهم) وهم ثلاث فرق:
الفرقة الأولى- الكيومرتيّة
- نسبة إلى كيومرث، ويقال: جيومرت بالجيم بدل الكاف. وهو مبدأ النّسل عندهم كآدم ﵇ عند غيرهم، وربّما قيل:
إن كيومرث هو آدم ﵇. وهؤلاء أثبتوا إليها قديما وسمّوه يزدان، ومعناه النّور، يعنون به الله تعالى، وإلها مخلوقا سمّوه أهرمن، ومعناه الظّلمة، يعنون به إبليس. ويزعمون أن سبب وجود أهرمن أنّ يزدان فكّر في نفسه أنه لو كان له منازع كيف يكون، فحدث من هذه الفكرة الرّدية أهرمن، مطبوعا على الشّرّ والفتنة والفساد والضّرر والإضرار، فخرج على يزدان وخالف طبيعته، فجرت بينهما محاربة كان آخر الأمر فيها على أن اصطلحا أن يكون العالم السّفليّ لأهرمن سبعة آلاف سنة، ثم يخلّي العالم ويسلّمه ليزدان. ثم إنه أباد الذين كانوا في الدّنيا قبل الصّلح وأهلكهم، وبدأ برجل يقال له كيومرت، وحيوان يقال له الثّور، فكان من كيومرت البشر ومن الثّور البقر وسائر الحيوان.
وقاعدة مذهبهم تعظيم النور، والتّحرّز من الظّلمة، ومن هنا انجرّوا إلى النار فعبدوها: لما اشتملت عليه من النور. ولمّا كان الثّور هو أصل الحيوان عندهم المصادف لوجود كيومرت، عظّموا البقر حتّى تعبّدوا بأبوالها.
الفرقة الثانية- الثّنويّة
- وهم على رأي الكيومرتيّة في تفضيل النّور والتحرّز من الظّلمة، إلا أنهم يقولون: إن الاثنين اللذين هما النور والظلمة قديمان.
الفرقة الثالثة- الزّرادشتية
الدائنون بدين المجوسيّة- وهم أتباع زرادشت الذي ظهر في زمن كيستاسف «١» السّابع من ملوك
стр. 6295
الكيانية، وهم الطّبقة الثانية من ملوك الفرس، وادّعى النبوّة وقال بوحدانيّة الله تعالى، وأنّه واحد لا شريك له ولا ضدّ ولا ندّ، وأنه خالق النّور والظّلمة ومبدعهما، وأن الخير والشّرّ والصّلاح والفساد إنما حصل من امتزاجهما، وأن الله تعالى هو الذي مزجهما لحكمة [رآها] في التركيب، وأنهما لو لم يمتزجا لما كان وجود للعالم، وأنّه لا يزال الامتزاج حتّى يغلب النّور الظّلمة، ثم يخلص الخير في عالمه وينحطّ الشّر إلى عالمه، وحينئذ تكون القيامة. وقال باستقبال المشرق حيث مطلع الأنوار، والأمر بالمعروف، والنّهي عن المنكر، واجتناب الخبائث. وأتى بكتاب قيل صنّفه، وقيل أنزل عليه.
قال الشّهرستاني: اسمه «زندوستا» «١» وقال المسعوديّ في «التنبيه والإشراف» : واسم هذا الكتاب «الإيستا» وإذا عرّب أثبتت فيه قاف فقيل:
«الإيستاق» وعدد سوره إحدى وعشرون سورة، تقع كلّ سورة في مائتي ورقة؛ وعدد حروفه ستّون حرفا، لكلّ حرف سورة مفردة، فيها حروف تتكرر وفيها حروف تسقط. قال: وزرادشت هو الذي أحدث هذا الخطّ والمجوس تسمّيه: دين تبره، أي كتاب الدين.
وذكر أنه كتب باللغة الفارسيّة الأولى في اثني عشر ألف جلد ثور بقضبان الذّهب حفرا، وأن أحدا اليوم لا يعرف معنى تلك اللغة، وإنما نقل لهم إلى هذه الفارسية شيء من السّور في أيديهم يقرؤونها في صلواتهم: في بعضها الخبر عن مبتدإ العالم ومنتهاه، وفي بعضها مواعظ. قال: وعمل زرادشت لكتاب «الإيستا» شرحا سماه «الزند» ومعناه عندهم: ترجمة كلام الرّب، ثم عمل لكتاب «الزند» شرحا سماه: «بادزنده» وعملت علماؤهم لذلك الشّرح شرحا سموه: «يازده» .
ومن حيث اختلاف الناس في كتاب زرادشت المقدّم ذكره هذا: نزّل عليه أو صنّفه قال الفقهاء: إن للمجوس شبهة كتاب: لأنه غير مقطوع بكونه كتابا منزّلا.
стр. 6296
وأتى زرادشت كيستاسف الملك بمعجزات.
منها: أنه أتى بدائرة صحيحة بغير آلة، وهو ممتنع عند أهل الهندسة.
ومنها: أنه مرّ على أعمى، فأمرهم أن يأخذوا حشيشة سمّاها ويعصروها في عينيه، فأبصر. قال الشّهرستانيّ: وليس ذلك من المعجزة في شيء، إذ يحتمل أنه كان يعرف خاصّة الحشيشة.
وهم يقولون: إن الله تعالى خلق في الأوّل خلقا روحانيّا، فلما مضت ثلاثة آلاف سنة أنفذ الله تعالى مشيئته في صورة من نور متلأليء على [تركيب] «١» صورة الإنسان، وخلق الشّمس والقمر والكواكب والأرض (وبنو آدم حينئذ غير متحرّكين) في ثلاثة آلاف سنة.
ثم المجوس يفضّلون الفرس على العرب وسائر الأمم، ويفضّلون مالهم:
من مدن وأبنية على غيرها من الأبنية؛ فيفضّلون إقليم بابل على غيره من الأقاليم، ومدينته على سائر المدن، من حيث إنّ أو شهنج أوّل طبقة الكيانية «٢» من ملوك الفرس هو الذي بناها؛ ويقولون: إنه أوّل من جلس على السّرير، ولبس التّاج، ورفع الأعمال، ورتّب الخراج؛ وكان ملكه بعد الطّوفان بمائتي سنة، وقيل: بل كان قبل الطوفان.
ويفضّلون الكتابة الفهلوية وهي الفارسية الأولى على غيرها من الخطوط، ويزعمون أن أوّل من وضعها طهمورث: وهو الذي ملك بعد أو شهنج المقدّم ذكره.
ويجحدون سياسة بني ساسان، وهم الطّبقة الثالثة «٣» من ملوك الفرس منسوبون إلى ساسان، ويسخطون [على] «٤» الروم، لغزوهم الفرس وتسلّطهم
стр. 6297
عليهم ببلاد بابل، ويعبدون النّار، ويرون أنّ الأفلاك فاعلة بنفسها، ويستبيحون فروج المحارم من البنات والأمّهات، ويرون جواز الجمع بين الأختين إلى غير ذلك من عقائدهم.
ويعظّمون النّيروز: وهو أوّل يوم من سنتهم وعيدهم الأكبر. وأوّل من رتّبه جمشيد أخو طهمورث. ويعظّمون أيضا المهرجان: وهو عيد مشهور من أعيادهم.
ويسخطون [على] بيوراسب؛ وهو رابع ملوكهم: وهو الضحاك، يقال له بالفارسية: الدهاش، ومعناه عشر آفات. وكان ظلوما غشوما، سار فيهم بالجور والعسف، وبسط يده بالقتل، وسنّ العشور والمكوس واتّخذ المغنّين والملاهي، وكان على كتفه سلعتان مستورتان بثيابه يحرّكهما إذا شاء، فكان يدّعي أنهما حيّتان، تهويلا على ضعفاء العقول، ويزعم أن ما يأخذه من الرّعية يطعمه لهما ليكفّهما عن الناس، وأنهما لا يشبعان إلا بأدمغة بني آدم؛ فكان يقتل في كلّ يوم عددا كثيرا من الخلق بهذه الحجة. ويقال: إن إبراهيم الخليل ﵇ كان في آخر أيامه.
وكان من شأنه أنه لما كثر جوره وظلمه على الناس، ظهر بأصبهان رجل اسمه كابي، ويقال: كابيان من سفلة الناس، قيل حدّاد، كان الضّحّاك قد قتل له ابنين فأخذ كابي المذكور درفسا، وهو الحربة، وعلّق بأعلاها قطعة نطع كان يتّقي بها النّار، ونادى في الناس بمحاربة الضّحّاك، فأجابه خلق كثير، واستفحل أمره، وقصد الضّحاك بمن معه، فهرب الضّحاك منه، فسأله الناس أن يتملّك عليهم فامتنع لكونه من غير بيت الملك، وأشار بتولية إفريدون من عقب جمشيد المقدّم ذكره، فولّوه، فتبع الضّحاك فقبض عليه وقتله، وسار فيهم بسيرة العدل وردّ ما اغتصبه الضحّاك إلى أهله، فصار لكابي المذكور عندهم المقام الأعلى، وعظّموا درفسه الذي علق به تلك القطعة من النّطع، وكللوه بالجواهر، ورصّعوه باليواقيت، ولم يزل عند ملوكهم يستفتحون به في الحروب العظيمة حتّى كان
стр. 6298
معهم أيام يزدجرد آخر ملوكهم عند محاربة المسلمين لهم في زمن عثمان، فغلبهم المسلمون واقتلعوه منهم.
وهم يعظمون أفريدون ملكهم المقدّم ذكره، لقيامه في هلاك الضّحاك وقتله. وفي أوّل ملك أفريدون هذا كان إبراهيم الخليل ﵇. ويقال: إنه ذو القرنين المذكور في القرآن الكريم.
وهم يعظمون أيضا من ملوكهم سابور الملقّب بذي الأكتاف، لأخذه بثار العجم من العرب. وذلك أنه كان يتبع العرب بالجزيرة الفراتيّة وما جاورها، وسار في طلبهم حتّى بلغ البحرين، ليهلكهم قتلا، لا يقبل من أحد منهم فداء؛ ثم أخذ في خلع أكتافهم، فلذلك سمّي ذا الأكتاف.
ويعظمون ماني بن فاتن «١» : وهو رجل ظهر في زمن سابور بن أردشير بعد عيسى ﵇، وادّعى النبوّة وأحدث دينا بين المجوسية والنّصرانية. وكان يقول: بنبوة المسيح ﵇، ولا يقول بنبوّة موسى ﵇، وقال: إنّ العالم مصنوع من النّور والظّلمة، وأنهما لم يزالا قديمين حسّاسين سميعين بصيرين. وله أتباع يعرفون بالمانويّة.
ويتبرؤون من مزدك: وهو رجل مشهور منسوب عندهم إلى الزندقة أيضا، ظهر في زمن قباذ أحد ملوك الفرس من الأكاسرة، وادّعى النبوّة ونهى عن المخالفة والمباغضة، وزعم أنّ ذلك إنما يحصل بسبب النساء والمال، فأمر بالاشتراك والمساواة فيهما، وتبعه قباذ على ذلك، فتوصّلت سفلة الرجال إلى أشراف النّساء، وحصل بذلك مفسدة عظيمة. وكان يقول: إن النّور عالم حساس، والظلام جاهل أعمى، والنّور يفعل بالقصد والاختيار، والظّلمة تفعل على الخبط والاتفاق، وإنّ امتزاج النّور والظّلمة كان بالاتفاق والخبط دون القصد والاختيار، وكذلك الخلاص. وله أتباع يقال لهم المزدكيّة، ولم يزل على ذلك حتّى قتله
стр. 6299
شروان بن قباذ هو وأتباعه، وقتل معهم المانويّة أتباع ماني المقدّم ذكره، وعادت الفرس إلى المجوسيّة القديمة.
وقد رتّب في «التعريف» للمجوس يمينا على مقتضى ما عليه عقيدة المجوس أتباع زرادشت المقدّم ذكره؛ وهي:
«إنّني والله الرّبّ العظيم، القديم، النّور، الأوّل، ربّ الأرباب، وإله الآلهة، ماحي آية الظّلم، والموجد من العدم، مقدّر الأفلاك ومسيّرها، ومنوّر الشّهب ومصوّرها، خالق الشّمس والقمر، ومنبت النجوم والشّجر، والنّار والنّور، والظّلّ والحرور، وحقّ جيومرت وما أولد من كرائم النّسل، وزرادشت وما جاء به من القول الفصل، والزّند وما تضمنه، والخطّ المستدير وما بيّن، وإلّا أنكرت أنّ زرادشت لم يأت بالدائرة الصحيحة بغير آلة، وأن مملكة إفريدون كانت ضلالة، وأكون قد شاركت بيوراسب فيما سفك طعما لحيّتيه، وقلت إن كابيان لم يسلّط عليه، وحرقت بيدي الدّرفس، وأنكرت ما عليه من الوضع الذي أشرقت عليه أجرام الكواكب، وتمازجت فيه القوى الأرضية بالقوى السّماوية، وكذّبت ماني وصدّقت مزدك، واستبحت فضول الفروج والأموال، وقلت بإنكار الترتيب في طبقات العالم، وأنه لا مرجع في الأبوّة إلّا إلى آدم، وفضّلت العرب على العجم، وجعلت الفرس كسائر الأمم، ومسحت بيدي خطوط الفهلويّة، وجحدت السّياسة السّاسانيّة، وكنت ممّن غزا الفرس مع الرّوم، وممن خطّأ سابور في خلع أكتاف العرب، وجلبت البلاء إلى بابل، ودنت بغير دين الأوائل، وإلّا أطفأت النار، وأنكرت فعل الفلك الدّوّار، ومالأت فاعل الليل على فاعل النّهار، وأبطلت حكم النّيروز والمهرجان، وأطفأت ليلة الصّدق مصابيح النّيران، وإلّا أكون ممّن حرّم فروج الأمهات، وقال بأنّه لا يجوز الجمع بين الأخوات، وأكون ممّن أنكر صواب فعل أردشير، وكنت لقومي بئس المولى وبئس العشير.
المهيع الثالث (في الأيمان التي يحلّف بها الحكماء)
وهم المعبّر عنهم بالفلاسفة، جمع فيلسوف: ومعناه باليونانيّة محبّ
стр. 6300
الحكمة. وأصله «فيلاسوف» ؛ ففيلا معناه محبّ، وسوف معناه الحكمة؛ وهم أصحاب الحكم الغريزيّة والأحكام السماوية، فمنهم من وقف عند هذا الحدّ، ومنهم من عرف الله تعالى وعبده بأدب النّفس.
قال الشّهرستانيّ: وهم على ثلاثة أصناف:
الصنف الأوّل- البراهمة
، وهم لا يقرّون بالنّبوّات أصلا، ولا يقولون بها.
الصّنف الثاني- حكماء العرب
»
؛ وهم شرذمة قليلة، وأكثر حكمتهم فلتات الطّبع، وخطرات الفكر، وهؤلاء ربما قالوا بالنبوّات.
الصّنف الثالث- حكماء الروم
«٢» ؛ وهم على ضربين:
الضرب الأوّل (القدماء منهم الذين هم أساطين الحكمة)
وهم سبعة حكماء: ثاليس «٣» الملطي، وانكساغورس، وانكسمانس، وانباديقلس «٤» ، وفيثاغورس، وسقراط، وأفلاطون، ومذاهبهم مختلفة، وبعضهم عاصر بعض الأنبياء ﵈، وتلقّف منه، كانباديقلس: كان في زمن داود ﵇، ومضى إليه وتلقّى عنه، واختلف إلى لقمان واقتبس منه الحكمة، وكذلك فيثاغورس: كان في زمن سليمان ﵇، وأخذ الحكمة من معدن النبوّة.
الضرب الثاني (المتأخرون منهم؛ وهم أصحاب أرسطاطاليس؛ وهم ثلاث طوائف)
طائفة منهم تعرف بالمشّائين: وهم الذين كانوا يمشون في ركابه يقرأون
стр. 6301
عليه الحكمة في الطريق وهو راكب. وطائفة تعرف بالرّواقيين: وهم الذين كان يجلس لتعليمهم بالرّواق. والطائفة الثالثة فلاسفة الإسلام: وهم حكماء العجم «١» أما قبل الإسلام فإنه لم ينقل عن العجم مقالة في الفلسفة، بل حكمهم كلّها كانت مستفادة من النّبوّات: إما من الملّة القديمة، وإما من غيرها من الملل.
ومعتقدهم أن الله تعالى واجب الوجود لذاته، وأنه ليس بجوهر ولا عرض، وأن ما سواه صادر عنه على ترتيب، وأنه تعالى واحد فرد، ليس له شريك ولا نظير، باق أبديّ سرمديّ، وأنه الذي أوجد الأشياء وكوّنها، ويعبّرون عنه بعلّة العلل، وأنه قادر، يفعل إن شاء ولا يفعل إن لم يشأ، فاعل بالذات ليس له صفة زائدة على ذاته، مريد، له إرادة وعناية لا تزيد على ذاته، وأنه أوّل لا بداية له، آخر لا نهاية له، وأنه يستحيل أن يتغيّر، منزّه عن أن يكون حادثا أو عرضا للحوادث، حيّ متّصف بصفات البقاء السّر مديّة، وأنه حكيم بمعنى أنه جامع لكلّ كمال وجلال، وأنه خالق الأفلاك بقدرته، ومدبّرها بحكمته، ويقولون: إن الأرض ثابتة لا تتحرّك، والماء محيط بها من سائر جهاتها على ما اقتضته الحكمة الإلهية، وكشف بعض أعلاها لسكنى الخلق فيه، فهي كبطّيخة ملقاة في بركة ماء، ويحيط بالماء الهواء، ويحيط بالهواء النّار، ويحيط بالنار فلك القمر وهو الأوّل، ويحيط بفلك القمر فلك عطارد وهو الثاني، ويحيط بفلك عطارد فلك الزّهرة وهو الثالث، ويحيط بفلك الزّهرة فلك الشّمس وهو الرابع، ويحيط بفلك الشّمس فلك المرّيخ وهو الخامس، ويحيط بفلك المرّيخ فلك المشتري وهو السادس، ويحيط بفلك المشتري فلك زحل وهو السابع، ويحيط بفلك زحل فلك الكواكب وهو الثامن، وهو الذي فيه الكواكب الثابتة بأسرها، وهي ما عدا الكواكب السّبعة التي في الأفلاك السّبعة المقدّم ذكرها: من البروج الاثني عشر ومنازل القمر الثمانية والعشرين وغيرها. ويحيط بالكواكب الفلك الأطلس وهو الفلك التاسع؛ والأفلاك التسعة دائرة بما فيها من المشرق إلى المغرب، بحيث تقطع في اليوم والليلة دورة
стр. 6302
كاملة، والكواكب السبعة التي في الأفلاك السبعة الأوّلة، وهي: زحل، والمشتري، والمرّيخ، والشّمس، والزّهرة، وعطارد، والقمر، متحركة بالسّير إلى جهات مخصوصة: الشّمس والقمر يسيران بين المشرق والمغرب وبقيّة الكواكب يختلف سيرها استقامة ورجوعا؛ والكواكب التي في الفلك الثامن ثابتة لا تتحرّك؛ والله تعالى هو الذي يسيّر هذه الأفلاك والكواكب ويفيض القوى عليها.
ويقولون: إن الشمس إذا سخّنت الأرض بواسطة الضّوء صعد من الرّطب منها بخار، ومن البارد اليابس دخان. ثم بعضه يخرج من مسامّ الأرض فيرتفع إلى الجوّ، وبعضه يحتبس في الأرض بوجود ما يمنعه من الخروج منها: من جبل ونحوه.
فأما ما يخرج من مسامّ الأرض، فإن كان من البخار، فما تصاعد منه في الهواء يكون منه المطر والثّلج والبرد وقوس قزح والهالة؛ ثم ما ارتفع من الطبقة الحارّة من الهواء إلى الباردة تكاثف بالبرد وانعقد غيما، وإن كان ضعيفا أثّرت فيه حرارة الشمس فاستحال هواء، ومهما انتهى إلى الطّبقة الباردة تكاثف وعاد وتقاطر وهو المطر. فإن أدركها برد شديد قبل أن تجتمع، جمدت ونزلت كالقطن المندوف وهو الثّلج، وإن لم تدركها برودة حتى اجتمعت قطرات من الجوانب أذهبت برودتها، انعقدت بردا؛ وإذا صار الهواء رطبا بالمطر مع أدنى صقالة، صار كالمرآة فيتولد من ضوء الشمس الواقع في قفاه قوس قزح، فإن كان قبل الزّوال رؤي في المغرب، وإن كان بعد الزوال رؤي في المشرق، وإن كانت الشمس في وسط السماء لم يمكن أن يرى إلا قوسا صغيرا إن اتّفق. وفي معنى ذلك الهالة المحيطة بالقمر؛ إلا أنّ الهالة إنما تحصل من مجرّد برودة الهواء وإن لم يكن مطر.
وإن كان ما يخرج من مسامّ الأرض دخانا: فإن تصاعد وارتفع في وسط البخار وضربه الرّيح في ارتفاعه، ثقل وانتكس فحرّكه الهواء فحصل الرّيح. وإن لم يضربه الرّيح، تصاعد إلى عنصر النار واشتعلت النار فيه فصار منه نار تشاهد،
стр. 6303
وربما استطال بحسب طول الدّخان فيسمّى كوكبا منقضّا. وإن كان الدّخان كثيفا واشتعل بالنار ولكنه لم يستحل على القرب، بل بقي زمانا، رؤي كأنّه كوكب ذو ذنب. وإن بقي شيء من الدخان في تضاعيف الغيم وبرد، صار ريحا في وسط الغيم فيتحرّك فيه بشدّة فيحصل منه صوت وهو الرّعد، فإن قويت حركته اشتعل من حرارة الحركة الهواء والدّخان فصار نارا مضيئة وهو البرق. وإن كان المشتعل كثيفا ثقيلا محرقا، اندفع بمصادفة الغيم إلى جهة الأرض وهي الصاعقة: صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
«١» ويقرّون أن الله تعالى مكوّن الأكوان، ومنمّي المعادن والنّبات والحيوان.
فأما المعادن- فهي التي تتكوّن فيها جواهر الأرض: من الذّهب والفضّة وغيرهما. وذلك أن البخار والدّخان في الأرض فإنها [إن] «٢» تجتمع وتمتزج، فإن غلب الدخان كان الحاصل منه مثل النّوشادر «٣» والكبريت. وربّما تغلّب البخار في بعضه فيصير كالماء الصّافي المنعقد المتحجّر، فيكون منه الياقوت والبلّور ونحوه ممّا لا يتطرّق تحت المطارق. وإن استحكم امتزاج الدخان منه بالبخار وقلّت الحرارة المحققة في جواهرها، انعقد منه الذّهب والفضّة والنّحاس والرّصاص ونحوها مما يتطرّق بالمطرقة.
وأما النبات- فإنهم يقولون: إن العناصر قد يقع بها امتزاج واختلاط أتمّ من امتزاج البخار والدّخان المقدّم ذكره، وأحسن وأقرب إلى الاعتدال، فيحصل من ذلك النّموّ الذي لا يكون في الجمادات.
وينشأ عن ذلك ثلاثة أمور:
أحدها- التّغذية بقوّة مغذّية: وهي قوّة محيلة للغذاء تنخلع عنها صورتها
стр. 6304
وتكسوها صورة المتغذّي، فتنتشر في أجزائه وتلتصق به وتسدّ مسدّ ما تحلّل من أجزائه.
وثانيها- التّنمية بقوّة منمّية، بأن يزيد الجسم بالغذاء في أقطاره على التناسب اللائق بالنامي حتّى ينتهي إلى منتهى ذلك الشيء.
وثالثها- التّوليد بقوّة مولّدة: وهي التي تفصل جسما من جسم شبيه به.
وأما الحيوان- فإنهم يقولون إن تكوّنه من مزاج أقرب إلى الاعتدال وأحسن من الذي قبله، من حيث إن فيه قوّة النباتية وزيادة قوّتين، وهما المدركة والمتحرّكة؛ ومهما حصل من الإدراك انبعثت الشّهوة والنّزوع، وهو إما لطلب ما يحتاج إليه في طلب الملائم الذي به بقاء الشّخص «١» : كالغذاء، أو بقاء النّوع:
كالجماع، ويسمّى قوّة شهوانية، وإما للهرب ودفع المنافي، وهي قوّة غضبيّة؛ فإن ضعفت القوّة الشّهوانية فهو الكراهة، وإن ضعفت القوّة الغضبيّة فهو الخوف.
والقوّة المدركة تنقسم إلى باطنة: كالخيالية والمتوهّمة والذّاكرة والمفكّرة، وإلى ظاهرة: كالسّمع والبصر والذّوق والشّمّ واللّمس، فاللّمس قوّة منبثّة في جميع البشرة، تدرك الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة والصّلابة واللّين والخشونة والملاسة والخفّة والثّقل. والشّمّ في زائدتي الدّماغ الشبيهتين بحلمتي الثّدي.
والسّمع في عصبة في أقصى الصّماخ، والذّوق في عصبة مفروشة على ظاهر اللّسان بواسطة الرّطوبة العذبة التي لا طعم لها، المنبسطة على ظاهر اللّسان.
والابصار يحصل عن انطباع مثل صورة المدرك في الرّطوبة الجليديّة التي تشبه البرد والجمد فإنّها كالمرآة، فإذا قابلها يكون انطبع فيها مثل صورته فتحصل الرّؤية.
ويرون أنّ النّفس محلّها العلو. ويقولون: إن النفس في أوّل الصبا تكون
стр. 6305
عالمة بالمعقولات المجرّدة والمعاني الكلّية بالقوّة، ثم تصير بعد ذلك عالمة بالفعل.
ثم إن سعدت بالاستعداد للقبول، انقطعت حاجتها عن النّظر إلى البدن ومقتضى الحواسّ؛ إلا أن البدن لا يزال يجاذبها ويشغلها ويمنعها من تمام الاتصال بالعلويّات؛ فإذا انحطّ عنها شغل البدن بالموت ارتفع عنها الحجاب، وزال المانع، ودام الاتصال، وكمل حالها بعد فراق البدن، والتذّت به لذّة لا يدرك الوصف كنهها. وإن كانت النفس محجوبة عن هذه السعادة فقد شقيت.
وعندهم أنه إنّما تحجب باتّباع الشهوات، وقصر الهمة على مقتضى الطّبع، وبإقامته في هذا العالم الخسيس الفاني، فترسخ في نفسه تلك العادة ويتأكّد شوقه إليها، فتفوت بالموت آلة درك ذلك الشّوق ويبقى التشوّق وهو الألم العظيم الذي لا حدّ له، وذلك مانع من الوصال والاتصال. وهذه النفس ناقصة بفقد العلم، ملطّخة باتباع الشّهوات، بخلاف النّفس السابقة.
ويقولون: إن الهيولى قابلة لتركيب الأجسام، ويخالفون أهل الطبيعة في قولهم: بإنكار المعاد وفناء الأرواح، فيذهبون إلى أنّ الأرواح باقية وأن المعاد حقّ.
ويرون أن التّحسين والتقبيح راجعان إلى العقل دون الشّرع، كما هو مذهب المعتزلة وغيرهم.
ويقولون: إن الإله تعالى فاعل بالذات ليس له صفة زائدة على ذاته، عالم بذاته وبسائر أنواع الموجودات وأجناسها، لا يعزب عن علمه شيء، وإنه يعلم الممكنات الحادثة.
ويقولون بإثبات النبوّات لأن العالم لا ينتظم إلا بقانون متبوع بين كافّة [الناس] «١» يحكمون به بالعدل، وإلّا تقاتلوا وهلك العالم، إذ النبيّ هو خليفة الله في أرضه، بواسطته تنتهي إلى الخلق الهداية إلى مصالح الدّنيا والآخرة، من
следующие страницы →