← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 9442

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها

ناصر الدين الألباني

Полный текст (6 550 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

هذا وإن من المبشرات بعودة القوة إلى المسلمين واستثمارهم الأرض استثمارا يساعدهم على تحقيق الغرض، وتنبىء عن أن لهم مستقبلا باهرا حتى من الناحية الاقتصادية والزراعية قوله ﷺ : ٦ - " لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا ". رواه مسلم (٣ / ٨٤) وأحمد (٢ / ٧٠٣ و ٤١٧) والحاكم (٤ / ٤٧٧) من حديث أبي هريرة. وقد بدأت تباشير هذا الحديث تتحقق في بعض الجهات من جزيرة العرب بما أفاض الله عليها من خيرات وبركات وآلات ناضحات تستنبط الماء الغزير من بطن أرض الصحراء وهناك فكرة بجر نهر الفرات إلى الجزيرة كنا قرأناها في بعض الجرائد المحلية فلعلها تخرج إلى حيز الوجود، وإن غدا لناظره قريب. هذا ومما يجب أن يعلم بهذه المناسبة أن قوله ﷺ : " لا يأتي عليكم زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم ". رواه البخاري في " الفتن " من حديث أنس مرفوعا. فهذا الحديث ينبغي أن يفهم على ضوء الأحاديث المتقدمة وغيرها مثل أحاديث المهدي ونزول عيسى ﵇ فإنها تدل على أن هذا الحديث ليس على عمومه بل هو من العام المخصوص، فلا يجوز إفهام الناس أنه على عمومه فيقعوا في اليأس الذي لا يصح أن يتصف به المؤمن (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون) أسأل الله أن يجعلنا مؤمنين به حقا.

стр. 37

٧ - عن أنس قال النبي ﷺ : " ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة ". رواه البخاري (٢ / ٦٧ طبع أوربا) ومسلم (٥ / ٢ ٨) وأحمد (٣ / ١٤٧) . ٨ - عن جابر مرفوعا: " ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة وما سرق منه له صدقة وما أكل السبع منه فهو له صدقة وما أكلت الطير فهو له صدقة ولا يرزؤه (أي ينقصه ويأخذ منه) أحد إلا كان له صدقة (إلى يوم القيامة) ". (عن جابر) : رواه مسلم عنه. ثم رواه هو وأحمد (٣ / ٣٩١) من طرق أخرى عنه بشيء من الاختصار، وله شاهد من حديث أم مبشر عند مسلم وأحمد (٦ / ٣٦٢ و ٢٤٠) ، وله شواهد أخرى ذكرها المنذري في " الترغيب " (٣ / ٢٢٤ و ٢٤٥) .

стр. 38

٩ - عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ". (عن أنس) رواه الإمام أحمد (٣ / ١٨٣، ١٨٤، ١٩١) وكذا الطيالسي (رقم ٢٠٦٨) والبخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٤٧٩) وابن الأعرابي في " معجمه " (ق ٢١ / ١) عن هشام بن زيد عنه. وهذا سند صحيح على شرط مسلم، وتابعه يحيى بن سعيد عن أنس. أخرجه ابن عدي في " الكامل " (٣١٦ / ١) . وأورده الهيثمي في " المجمع " (٦٣ / ٤) مختصرا وقال: " رواه البزار ورجاله أثبات ثقات ". وفاته أنه في " مسند أحمد " بأتم منه كما ذكرناه. (الفسيلة) هي النخلة الصغيرة وهي (الودية) . ولا أدل على الحض على الاستثمار من هذه الأحاديث الكريمة، لاسيما الحديث الأخير منها فإن فيه ترغيبا عظيما على اغتنام آخر فرصة من الحياة في سبيل زرع ما ينتفع به الناس بعد موته فيجري له أجره وتكتب له صدقته إلى يوم القيامة. وقد ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله " باب اصطناع المال " ثم روى عن الحارث بن لقيط قال: كان الرجل منا تنتج فرسه فينحرها فيقول: أنا أعيش حتى أركب هذه؟ فجاءنا كتاب عمر: أن أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر تنفسا.

стр. 39

وسنده صحيح. وروى أيضا بسند صحيح عن داود قال: قال لي عبد الله بن سلام: إن سمعت بالدجال قد خرج وأنت على ودية تغرسها، فلا تعجل أن تصلحه، فإن للناس بعد ذلك عيشا. وداود هذا هو ابن أبي داود الأنصاري قال الحافظ فيه: " مقبول ". وروى ابن جرير عن عمارة بن خزيمة بن ثابت قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لأبي: ما يمنعك أن تغرس أرضك؟ فقال له أبي: أنا شيخ كبير أموت غدا، فقال له عمر: أعزم عليك لتغرسنها؟ فلقد رأيت عمر بن الخطاب يغرسها بيده مع أبي. كذا في " الجامع الكبير " للسيوطي (٣ / ٣٣٧ / ٢) . ولذلك اعتبر بعض الصحابة الرجل يعمل في إصلاح أرضه عاملا من عمال الله فروى البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٤٤٨) عن نافع بن عاصم أنه سمع عبد الله بن عمرو قال لابن أخ له خرج من (الوهط) : أيعمل عمالك؟ قال: لا أدري، قال: أما لو كنت ثقفيا لعلمت ما يعمل عمالك، ثم التفت إلينا فقال: إن الرجل إذا عمل مع عماله في داره (وقال الراوي مرة: في ماله) كان عاملا من عمال الله . وسنده حسن إن شاء الله تعالى. و (الوهط) في اللغة هو البستان وهي أرض عظيمة كانت لعمرو بن العاص بالطائف على ثلاثة أميال من (وج) يبدو أنه خلفها لأولاده،

стр. 40

وقد روى ابن عساكر في " تاريخه " (١٣ / ٢٦٤ / ٢) بسند صحيح عن عمرو بن دينار قال: دخل عمرو بن العاص في حائط له بالطائف يقال له: (الوهط) (فيه) ألف ألف خشبة، اشترى كل خشبة بدرهم! يعني يقيم بها الأعناب. هذه بعض ما أثمرته تلك الأحاديث في جملتها من السلف الصالح ﵃. وقد ترجم البخاري في " صحيحه " للحديثين الأولين بقوله: " باب فضل الزرع إذا أكل منه ". قال ابن المنير: " أشار البخاري إلى إباحة الزرع، وأن من نهى عنه كما ورد عن عمر فمحله ما إذا شغل الحرث عن الحرب ونحوه من الأمور المطلوبة، وعلى ذلك يحمل حديث أبي أمامة المذكور في الباب الذي بعده ". قلت: سيأتي الكلام على الحديث المشار إليه في المقال الآتي إن شاء الله تعالى. ١٠ - عن أبي أمامة الباهلي قال - ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل ". التكالب على الدنيا يورث الذل: ذكرت في المقال السابق بعض الأحاديث الواردة في الحض على استثمار الأرض، مما لا يدع مجالا للشك في أن الإسلام شرع ذلك للمسلمين ورغبهم فيه أيما ترغيب. واليوم نورد بعض الأحاديث التي قد يتبادر لبعض الأذهان الضعيفة أو القلوب المريضة أنها معارضة للأحاديث المتقدمة، وهي في الحقيقة غير منافية له، إذا ما أحسن فهمها، وخلت النفس من اتباع هواها!

стр. 41

الأول: عن أبي أمامة الباهلي قال - ورأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الله الذل ". أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥ / ٤ بشرح " الفتح ") ، ورواه الطبراني في " الكبير " من طريق أخرى عن أبي أمامة مرفوعا بلفظ: " ما من أهل بيت يغدو عليهم فدان إلا ذلوا ". ذكره في " المجمع " (٤ / ١٢٠) . وقد وفق العلماء بين هذا الحديث والأحاديث المتقدمة في المقال المشار إليه بوجهين اثنين: أ - أن المراد بالذل ما يلزمهم من حقوق الأرض التي تطالبهم بها الولاة من خراج أو عشر، فمن أدخل نفسه في ذلك فقد عرضها للذل. قال المناوي في " الفيض ": " وليس هذا ذما للزراعة فإنها محمودة مثاب عليها لكثرة أكل العوافي منها، إذ لا تلازم بين ذل الدنيا وحرمان ثواب البعض ". ولهذا قال ابن التين: " هذا من أخباره ﷺ بالمغيبات، لأن المشاهد الآن أن أكثر الظلم إنما هو على أهل الحرث ". ب - أنه محمول على من شغله الحرث والزرع عن القيام بالواجبات كالحرب ونحوه، وإلى هذا ذهب البخاري حيث ترجم للحديث بقوله:

стр. 42

" باب ما يحذر من عواقب الاشتغال بآلة الزرع، أو مجاوزة الحد الذي أمر به ". فإن من المعلوم أن الغلو في السعي وراء الكسب يلهي صاحبه عن الواجب ويحمله على التكالب على الدنيا والإخلاد إلى الأرض والإعراض عن الجهاد، كما هو مشاهد من الكثيرين من الأغنياء. ويؤيد هذا الوجه قوله ﷺ : " إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ". ١١ - " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم ". وهو حديث صحيح لمجموع طرقه، وقد وقفت على ثلاث منها كلها عن ابن عمر ﵁ مرفوعا: الأولى: عن إسحاق أبي عبد الرحمن أن عطاء الخراساني حدثه أن نافعا حدثه عن ابن عمر قال: فذكره. أخرجه أبو داود (رقم ٣٤٦٢) والدولابي في " الكنى " (٢ / ٦٥) وابن عدي في " الكامل " (٢٥٦ / ٢) والبيهقي في " السنن الكبرى " (٥ / ٣١٦) . وتابعه فضالة بن حصين عن أيوب عن نافع به. رواه ابن شاهين في جزء من " الأفراد " (١ / ١) وقال

стр. 43

" تفرد به فضالة " وقال البيهقي: " روي ذلك من وجهين عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر ". يشير بذلك إلى تقوية الحديث، وقد وقفت على أحد الوجهين المشار إليهما وهو الطريق: الثانية: عن أبي بكر بن عياش عن الأعمش عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر. أخرجه أحمد (رقم ٤٨٢٥) وفي " الزهد " (٢٠ / ٨٤ / ١ - ٢) ، والطبراني في " الكبير " (٣ / ٢٠٧ / ١) وأبو أمية الطرسوسي في " مسند ابن عمر " (٢٠٢ / ١) . والوجه الثاني أخرجه الطبراني في " الكبير " (٣ / ١٠٧ / ١) عن ليث عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء. وأخرجه ابن أبي الدنيا في " العقوبات " (٧٩ / ١) . والروياني في " مسنده " (٢٤٧ / ٢) من وجه آخر عن ليث عن عطاء، أسقط من بينهما ابن أبي سليمان، وكذا رواه أبو نعيم في " الحلية " (١ / ٣١٣ - ٣١٤) .

стр. 44

الثالثة: عن شهر بن حوشب عن ابن عمر. رواه أحمد (رقم ٥٠٠٧) . ثم وجدت له شاهدا من رواية بشير بن زياد الخراساني: حدثنا ابن جريج عن عطاء عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ : فذكره. أخرجه ابن عدي في ترجمة بشير هذا من " الكامل " وقال: " وهو غير معروف، في حديثه بعض النكرة ". وقال الذهبي: " ولم يترك ". فتأمل كيف بين هذا الحديث ما أجمل في حديث أبي أمامة المتقدمة قبله، فذكر أن تسليط الذل ليس هو لمجرد الزرع والحرث بل لما اقترن به من الإخلاد إليه والانشغال به عن الجهاد في سبيل الله، فهذا هو المراد بالحديث، وأما الزرع الذي لم يقترن به شيء من ذلك فهو المراد بالأحاديث المرغبة في الحرث فلا تعارض بينها ولا إشكال.

стр. 45

١٢ - قوله ﷺ : " لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا ". رواه الترمذي (٤ / ٢٦٤) وأبو الشيخ في " الطبقات " (٢٩٨) وأبو يعلى في " مسنده " (٢٥١ / ١) والحاكم (٤ / ٢٢٢) وأحمد (رقم ٢٥٨٩، ٤٠٤٧) والخطيب (١ / ١٨) عن شمر بن عطية عن مغيرة بن سعد بن الأخرم عن أبيه عن ابن مسعود مرفوعا. وحسنه الترمذي، وقال الحاكم

стр. 46

" صحيح الإسناد "، ووافقه الذهبي. ثم رواه أحمد (رقم ٤١٨١، ٤١٧٤) من طريق أبي التياح عن ابن الأخرم رجل من طيء عن ابن مسعود مرفوعا بلفظ: " نهى عن التبقر في الأهل والمال ". وتابعه أبو حمزة قال: سمعت رجلا من طيىء يحدث عن أبيه عن عبد الله مرفوعا به. رواه البغوي في " حديث علي بن الجعد " (ج ٦ / ٢٠ / ٢) فزاد في السند عن أبيه وهو الصواب لرواية شمر كذلك. وله شاهد من رواية ليث عن نافع عن ابن عمر مرفوعا باللفظ الأول. أخرجه المحاملي في " الأمالي " (٦٩ / ٢) ، وسنده حسن في الشواهد. وأورده الحافظ باللفظ الأول مجزوما به في شرح حديث أنس المتقدم في المقال السابق ثم قال: " قال القرطبي: يجمع بينه وبين حديث الباب بحمله على الاستكثار والاشتغال به عن أمر الدين، وحمل حديث الباب على اتخاذها للكفاف أو لنفع المسلمين بها وتحصيل توابعها ". قلت: ومما يؤيد هذا الجمع اللفظ الثاني من حديث ابن مسعود، فإن (التبقر) التكثر والتوسع. والله أعلم. واعلم أن هذا التكثر المفضي إلى الانصراف عن القيام بالواجبات التي منها الجهاد في سبيل الله هو المراد بالتهلكة المذكورة في قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وفي ذلك نزلت الآية خلافا لما يظن كثير من الناس! فقد

стр. 47

قال أسلم أبو عمران: " غزونا من المدينة، نريد القسطنطينية، (وعلى أهل مصر عقبة بن عامر) وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والروم ملصقو ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل (منا) على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: (إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة، أو يبلي من نفسه!) إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا (بيننا خفيا من رسول الله ﷺ : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: " فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ". ١٣ - " غزونا من المدينة نريد القسطنطينية (وعلى أهل مصر عقبة بن عامر) وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة فحمل رجل (منا) على العدو، فقال الناس: مه مه! لا إله إلا الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقال أبو أيوب الأنصاري: (إنما تأولون هذه الآية هكذا أن حمل رجل يقاتل يلتمس الشهادة أو يبلي من نفسه!) إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار لما نصر الله نبيه وأظهر الإسلام قلنا (بيننا خفيا من رسول الله ﷺ : هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة: أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية ". رواه أبو داود (١ / ٣٩٣) وابن أبي حاتم في " تفسيره " (١ / ١٠ / ٢) والحاكم (٢ / ٢٧٥) وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي، وقد وهما، فإن الشيخين لم يخرجا لأسلم هذا، فالحديث صحيح فقط.

стр. 48

١٤ - عن قزعة قال: أرسلني ابن عمر في حاجة، فقال: تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ وأرسلني في حاجة له فقال: " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ". من أدبه ﷺ عند التوديع: فيه ثلاثة أحاديث: الأول عن ابن عمر، وله عنه طرق: أ - عن قزعة قال: أرسلني ابن عمر في حاجة، فقال: تعال حتى أودعك كما ودعني رسول الله ﷺ وأرسلني في حاجة له فقال: " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ". رواه أبو داود (رقم ٢٦٠٠) والحاكم (٢ / ٩٧) وأحمد (٢ / ٢٥ و ٣٨ و ١٣٦) وابن عساكر (١٤ / ٢٩٠ / ٢ و ١٥ / ٤٦٩ / ١) عن عبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز عنه. ورجاله ثقات، لكن اختلف فيه على عبد العزيز، فرواه بعضهم هكذا، وأدخل بعضهم بينه وبين قزعة رجلا سماه بعضهم " إسماعيل بن جرير " وسماه آخرون " يحيى بن إسماعيل بن جرير "، وقد ساق الحافظ ابن عساكر الروايات المختلفة في ذلك. وقال الحافظ في " التقريب " إن الصواب قول من قال: " يحيى بن إسماعيل ". قلت: وهو ضعيف، لكن يتقوى الحديث بالطرق الأخرى، وفي رواية لابن عساكر: " كما ودعني رسول الله ﷺ ، فأخذ بيدي يصافحني، ثم قال: " فذكره. ب - عن سالم أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرا: ادن مني أودعك كما كان رسول الله ﷺ يودعنا فيقول: فذكره. أخرجه الترمذي (٢ / ٢٥٥ طبع بولاق) وأحمد (٢ / ٧)

стр. 49

وعبد الغني المقدسي في " الجزء الثالث والستون (٤١ / ١) " عن سعيد بن خثيم عن حنظلة عنه. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه من حديث سالم ". قلت: وهو على شرط مسلم غير أن سعيدا قد خولف في سنده، فرواه الحاكم (١ / ٤٤٢ و ٢ / ٩٧) عن إسحاق بن سليمان والوليد بن مسلم عن حنظلة بن أبي سفيان عن القاسم بن محمد قال: كنت عند ابن عمر فجاءه رجل فقال: أردت سفرا، فقال: انتظر حتى أودعك: فذكره، وقال: " صحيح على شرط الشيخين " ووافقه الذهبي وهو كما قالا. ولعل الترمذي إنما استغربه من حديث سالم من أجل مخالفة هذين الثقتين: إسحاق ابن سليمان والوليد بن مسلم لابن خثيم حيث جعله من رواية حنظلة عن سالم، وجعلاه من رواية حنظلة عن القاسم بن محمد عنه. ولعله أصح. وأخرجه أبو يعلى في " مسنده " (٢٧٠ / ٢) من طريق الوليد بن مسلم وحده. ج - عن مجاهد قال: " خرجت إلى العراق أنا ورجل معي، فشيعنا عبد الله بن عمر، فلما أراد أن يفارقنا قال: إنه ليس معي ما أعطيكما (كذا الأصل، ولعله: أعظكما) ، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: إذا استودع الله شيئا حفظه، وإني أستودع الله دينكما وأمانتكما، وخواتيم عملكما ".

стр. 50

أخرجه ابن حبان في " صحيحه " (٢٣٧٦) بسند صحيح. هـ - عن نافع عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا ودع رجلا أخذ بيده فلا يدعها حتى يكون الرجل هو يدع يد النبي ﷺ ويقول: فذكره. رواه الترمذي (٢ / ٢٥٥ طبع بولاق) وقال: " حديث غريب من هذا الوجه ". قلت: يعني أنه ضعيف لخصوص هذه الطريق، وذلك لأنها من رواية إبراهيم ابن عبد الرحمن بن زيد بن أمية عن نافع وهو أعني إبراهيم هذا مجهول. لكنه لم ينفرد به، فقد رواه ابن ماجه (٢ / ٩٤٣ رقم ٢٨٢٦) عن ابن أبي ليلى عنه. وابن أبي ليلى سيء الحفظ واسمه محمد بن عبد الرحمن، ولم يذكر قصة الأخذ باليد. ١٥ - عن عبد الله الخطمي قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش، قال: " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ". (عن عبد الله الخطمي) قال: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يستودع الجيش، قال: فذكره. رواه أبو داود وابن السني في " عمل اليوم والليلة " (رقم ٤٩٨) بإسناد صحيح على شرط مسلم. غير أبي جعفر الخطمي - واسمه عمير بن يزيد - وهو ثقة اتفاقا

стр. 51

١٦ - عن أبى هريرة: أن النبي ﷺ كان إذا ودع أحدا قال: " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك ". أخرجه أحمد (٢ / ٣٥٨) عن ابن لهيعة عن الحسن بن ثوبان عن موسى ابن وردان عنه قلت: ورجاله موثقون، غير أن ابن لهيعة سيء الحفظ وقد خالفه في متنه الليث ابن سعد وسعيد بن أبي أيوب عن الحسن بن ثوبان به بلفظ: " أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه ". وهذا عن أبي هريرة أصح وسنده جيد، رواه أحمد (١ / ٤٠٣) . ثم رأيت ابن لهيعة قد رواه بهذا اللفظ أيضا عند ابن السني رقم (٥٠١) . وابن ماجه (٢ / ٩٤٣ رقم ٢٨٢٥) فتأكدنا من خطئه في اللفظ الأول. من فوائد الحديث: يستفاد من هذا الحديث الصحيح جملة فوائد: الأولى: مشروعية التوديع بالقول الوارد فيه " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك " أو يقول: " أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ". الثانية: الأخذ باليد الواحدة في المصافحة، وقد جاء ذكرها في أحاديث كثيرة،

стр. 52

وعلى ما دل عليه هذا الحديث يدل اشتقاق هذه اللفظة في اللغة. ففي " لسان العرب ": " والمصافحة: الأخذ باليد، والتصافح مثله، والرجل يصافح الرجل: إذا وضع صفح كفه في صفح كفه، وصفحا كفيهما: وجهاهما، ومنه حديث المصافحة عند اللقاء، وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه ". قلت: وفي بعض الأحاديث المشار إليها ما يفيد هذا المعنى أيضا، كحديث حذيفة مرفوعا: " إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر ". قال المنذري (٣ / ٢٧٠) : " رواه الطبراني في " الأوسط " ورواته لا أعلم فيهم مجروحا ". قلت: وله شواهد يرقى بها إلى الصحة، منها: عن أنس عند الضياء المقدسي في " المختارة " (ق ٢٤٠ / ١ - ٢) وعزاه المنذري لأحمد وغيره. فهذه الأحاديث كلها تدل على أن السنة في المصافحة: الأخذ باليد الواحدة فما يفعله بعض المشايخ من التصافح باليدين كلتيهما خلاف السنة، فليعلم هذا. الفائدة الثالثة: أن المصافحة تشرع عند المفارقة أيضا ويؤيده عموم قوله ﷺ " من تمام التحية المصافحة " وهو حديث جيد باعتبار طرقه ولعلنا نفرد له فصلا خاصا إن شاء الله تعالى، ثم تتبعت طرقه، فتبين لي أنها شديدة الضعف، لا تلصح للاعتبار وتقوية الحديث بها، ولذلك أوردته في " السلسلة الأخرى " (١٢٨٨) . ووجه الاستدلال - بل الاستشهاد - به إنما يظهر باستحضار مشروعية السلام

стр. 53

عند المفارقة أيضا لقوله ﷺ : " إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم، وإذا خرج فليسلم، فليست الأولى بأحق من الأخرى ". رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بسند حسن. فقول بعضهم: إن المصافحة عند المفارقة بدعة مما لا وجه له، نعم إن الواقف على الأحاديث الواردة في المصافحة عند الملاقاة يجدها أكثر وأقوى من الأحاديث الواردة في المصافحة عند المفارقة، ومن كان فقيه النفس يستنتج من ذلك أن المصافحة الثانية ليست مشروعيتها كالأولى في الرتبة، فالأولى سنة، والأخرى مستحبة، وأما أنها بدعة فلا، للدليل الذي ذكرنا. وأما المصافحة عقب الصلوات فبدعة لا شك فيها إلا أن تكون بين اثنين لم يكونا قد تلاقيا قبل ذلك فهي سنة كما علمت. ١٧ - " إن نبي الله أيوب ﷺ لبث به بلاؤه ثمان عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين فقال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثمان عشرة سنة لم يرحمه الله فيكشف ما به فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما تقولان غير أن الله

стр. 54

تعالى يعلم أني كنت أمر بالرجلين يتنازعان، فيذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكته امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب أن * (اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب) * فاستبطأته فتلقته تنظر وقد أقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى، والله على ذلك ما رأيت أشبه منك إذ كان صحيحا، فقال: فإني أنا هو، وكان له أندران (أي بيدران) : أندر للقمح وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير الورق حتى فاض ". رواه أبو يعلى في " مسنده " (١٧٦ / ١ - ١٧٧ / ١) وأبو نعيم في " الحلية " (٣ / ٣٧٤ - ٣٧٥) من طريقين عن سعيد بن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد أخبرني عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك مرفوعا وقال: " غريب من حديث الزهري لم يروه عنه إلا عقيل ورواته متفق على عدالتهم تفرد به نافع ". قلت: وهو ثقة كما قال، أخرج له مسلم وبقية رجاله رجال الشيخين. فالحديث صحيح.

стр. 55

وقد صححه الضياء المقدسي فأخرجه في " المختارة " (٢٢٠ / ٢ - ٢٢١ / ٢) من هذا الوجه. ورواه ابن حبان في " صحيحه " (٢٠٩١) عن ابن وهيب أنبأنا نافع بن يزيد. وهذا الحديث مما يدل على بطلان الحديث الذي في " الجامع الصغير " بلفظ: " أبى الله أن يجعل للبلاء سلطانا على عبده المؤمن ". وسيأتي تحقيق الكلام عليه في " الأحاديث الضعيفة " إن شاء الله تعالى. ١٨ - " حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار ". رواه الطبراني (١ / ١٩ / ١) حدثنا علي بن عبد العزيز أنبأنا محمد بن أبي نعيم الواسطي أنبأنا إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي كان يصل الرحم وكان وكان فأين هو؟ قال: في النار، فكأن الأعرابي وجد من ذلك فقال: يا رسول الله فأين أبوك؟ قال: فذكره. قال: فأسلم الأعرابي بعد ذلك، فقال: لقد كلفني رسول الله ﷺ تعبا: ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار. قلت: وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات معروفون، وطرح ابن معين لمحمد ابن أبي نعيم لا يتلفت إليه بعد توثيق أحمد وأبي حاتم إياه، لاسيما وقد توبع في إسناده، أخرجه الضياء في " المختارة " (١ / ٣٣٣) من طريقين عن زيد بن أخزم حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا إبراهيم بن سعد به وقال:

стр. 56

" سئل الدارقطني عنه فقال: يرويه محمد بن أبي نعيم والوليد بن عطاء بن الأغر عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد، وغيره يرويه عن إبراهيم بن سعد عن الزهري مرسلا، وهو الصواب. قلت: وهذه الرواية التي رويناها تقوي المتصل ". قلت: وزيد بن أخزم ثقة حافظ وكذلك شيخه يزيد بن هارون، فهي متابعة قوية لابن أبي نعيم الواسطي تشهد لصدقه وضبطه، لكن قد خولف زيد بن أخزم في إسناده فقال ابن ماجه (رقم ١٥٧٣) : حدثنا محمد بن إسماعيل بن البختري الواسطي: حدثنا يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن الزهري عن سالم عن أبيه قال: جاء أعرابي. الحديث بتمامه. وهذا ظاهره الصحة، ولذلك قال في " الزوائد " (ق ٩٧ / ٢) : " إسناده صحيح رجاله ثقات، محمد بن إسماعيل وثقه ابن حبان والدارقطني والذهبي، وباقي رجال الإسناد على شرط الشيخين ". قلت: لكن قال الذهبي فيه: " لكنه غلط غلطة ضخمة ". ثم ساق له حديثا صحيحا زاد فيه " الرمي عن النساء " وهي زيادة منكرة وقد رواه غيره من الثقات فلم يذكر فيه هذه الزيادة. وأقره الحافظ ابن حجر على ذلك. قلت: فالظاهر أنه أخطأ في إسناد هذا الحديث أيضا فقال فيه.. عن سالم عن أبيه والصواب عن عامر بن سعد عن أبيه كما في رواية ابن أخزم وغيره، وقد قال الهيثمي في " المجمع " (١ / ١١٧ - ١١٨) بعد أن ساقه من حديث سعد: " رواه البزار والطبراني في " الكبير " ورجاله رجال الصحيح ". من فقه الحديث:

стр. 57

وفي هذا الحديث فائدة هامة أغفلتها عامة كتب الفقه، ألا وهي مشروعية تبشير الكافر بالنار إذا مر بقبره. ولا يخفى ما في هذا التشريع من إيقاظ المؤمن وتذكيره بخطورة جرم هذا الكافر حيث ارتكب ذنبا عظيما تهون ذنوب الدنيا كلها تجاهه ولو اجتمعت، وهو الكفر بالله والإشراك به الذي أبان الله تعالى عن شدة مقته إياه حين استثناه من المغفرة فقال: (إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) ، ولهذا قال ﷺ : " أكبر الكبائر أن تجعل لله ندا وقد خلقك " متفق عليه. وإن الجهل بهذه الفائدة مما أودى ببعض المسلمين إلى الوقوع في خلاف ما أراد الشارع الحكيم منها، فإننا نعلم أن كثيرا من المسلمين يأتون بلاد الكفر لقضاء بعض المصالح الخاصة أو العامة، فلا يكتفون بذلك حتى يقصدوا زيارة بعض قبور من يسمونهم بعظماء الرجال من الكفار ويضعون على قبورهم الأزهار والأكاليل ويقفون أمامها خاشعين محزونين، مما يشعر برضاهم عنهم وعدم مقتهم إياهم، مع أن الأسوة الحسنة بالأنبياء ﵈ تقضي خلاف ذلك كما في هذا الحديث الصحيح واسمع قول الله : (قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا) الآية،

стр. 58

هذا موقفهم منهم وهم أحياء فكيف وهم أموات) ؟! وروى البخاري (١ / ١ ٢٠ طبع أوربا) ومسلم (٨ / ٢٢١) عن ابن عمر أنه ﷺ قال لهم لما مر بالحجر: " لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين، إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم ". ١٩ - " لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم ما أصابهم ". (وتقنع بردائه وهو على الرحل) . (عن ابن عمر) : ورواه أحمد (٢ / ٩، ٥٨، ٦٦، ٧٢، ٧٤، ٩١، ٩٦، ١١٣، ١٣٧) والزيادة له. وقد ترجم لهذا الحديث صديق خان في " نزل الأبرار " (ص ٢٩٣) بـ " باب البكاء والخوف عند المرور بقبور الظالمين وبمصارعهم وإظهار الافتقار إلى الله تعالى والتحذير من الغفلة عن ذلك ". أسأل الله تعالى أن يفقهنا في ديننا وأن يلهمنا العمل به إنه سميع مجيب. ٢٠ - " أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟! فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه ". رواه أبو داود (١ / ٤٠٠) والحاكم (٢ / ٩٩ - ١٠٠) وأحمد (١ / ٢٠٤ - ٢٠٥) وأبو يعلى في " مسنده " (٣١٨ / ١) والبيهقي في " دلائل النبوة " (ج ٢ باب ذكر المعجزات الثلاث)

стр. 59

وابن عساكر في " تاريخه " (ج ٩ / ٢٨ / ١) . والضياء في " الأحاديث المختارة " (١٢٤ - ١٢٥) من طريق محمد بن عبد الله ابن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن علي عن عبد الله بن جعفر قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم، فأسر إلي حديثا لا أحدث به أحدا من الناس، وكان أحب ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته هدف أو حائش النخل، فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل، (فلما رأى النبي ﷺ حن وذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح سراته إلى سنامه وذفراه فسكن) فقال: من رب هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله، فقال: فذكر الحديث. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي وهو كما قالا، بل إنهما قد قصرا فإنه صحيح على شرط مسلم، فقد أخرجه في " صحيحه " (١ / ١٨٤ - ١٨٥) بهذا الإسناد دون قصة الجمل، وذكر النووي في " رياض الصالحين " (ص ٣٧٨) أن البرقاني رواه بإسناد مسلم بتمامه وكأنه لهذا قال ابن عساكر عقبه: " رواه مسلم ". يعني أصله لا بتمامه. والزيادة التي بين القوسين لابن عساكر والضياء. ٢١ - " اركبوا هذه الدواب سالمة وايتدعوها سالمة ولا تتخذوها كراسي ". أخرجه الحاكم (١ / ٤٤٤ و ٢ / ١٠٠) والبيهقي (٥ / ٢٢٥) وأحمد (٣ / ٤٤٠، ٤ / ٢٣٤) وابن عساكر (٣ / ٩١ / ١)

стр. 60

عن الليث بن سعد عن يزيد بن حبيب عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه - وكانت له صحبة - مرفوعا. وقال الحاكم: " صحيح الإسناد " ووافقه الذهبي وهو كما قالا فإن رجاله كلهم ثقات، وسهل بن معاذ لا بأس به في غير رواية زبان عنه، وهذه ليست منها. وقد أخرجه أحمد (٣ / ٤٣٩، ٣٤٠) من طريق ابن لهيعة حدثنا زبان عن سهل به وزاد " فرب مركوبة خير من راكبها، وأكثر ذكرا لله منه ". وهذه الزيادة ضعيفة لما عرفت من حال رواية زبان عن سهل، لاسيما وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف أيضا، ولا تغتر بقول الهيثمي (٨ / ١٠٧) عقب هذه الرواية بهذه الزيادة: " رواه أحمد والطبراني وأحد أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح غير سهل بن معاذ ابن أنس وثقه ابن حبان وفيه ضعف ". فإن السند الذي ينطبق عليه هذا الكلام إنما هو سند الرواية الأولى التي ليس فيها هذه الزيادة، فتنبه.

стр. 61

٢٢ - " إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر، فإن الله تعالى إنما سخرها لكم لتبلغكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وجعل لكم الأرض فعليها فاقضوا حاجاتكم ". رواه أبو داود (رقم ٢٥٦٧) وعنه البيهقي (٥ / ٢٥٥) وأبو القاسم السمرقندي في " المجلس ١٢٨ من الأمالي " وعنه ابن عساكر (١٩ / ٨٥ / ١) من طريقين عن يحيى بن أبي عمرو السيباني عن أبي مريم عن أبي هريرة مرفوعا. قلت: وهذا سند صحيح، يحيى بن أبي عمرو السيباني - بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة، وهو ثقة، ووقع في ترجمة أبي مريم من " التهذيب " " الشيباني " بالشين المعجمة وهو تصحيف. وأبو مريم قال العجلي في " الثقات " (ص ٩٤ من ترتيب السبكي) :

стр. 62

" أبو مريم مولى أبي هريرة شامي تابعي ثقة ". واعتمده الحافظ فقال في " التقريب ": " ثقة ". ومنه تعلم أن قول ابن القطان المذكور في " فيض القدير ": " ليس مثل هذا الحديث يصح لأن فيه أبا مريم مولى أبي هريرة ولا يعرف له حال، ثم قيل: هو رجل واحد، وقيل: رجلان، وكيفما كان فحاله أو حالهما مجهول فمثله لا يصح ". فمردود بتوثيق العجلي له، وقد روى عنه جماعة كما في " التهذيب " وبقول أحمد: " رأيت أهل حمص يحسنون الثناء عليه " وفي رواية عنه: " هو صالح معروف عندنا، قيل له: هذا الذي يروي عن أبي هريرة؟ قال: نعم ". ذكره ابن عساكر. (تنبيه) : وقع في نسخة " سنن أبي داود " التي قام على تصحيحها الشيخ محمد محي الدين عبد الحميد (ابن أبي مريم) والصواب (أبي مريم) كما ذكرنا. ٢٣ - " اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة، فاركبوها صالحة وكلوها صالحة ". رواه أبو داود (رقم ٢٤٤٨) من طريق محمد بن مهاجر عن ربيعة بن زيد عن أبي كبشة السلولي عن سهل بن الحنظلية قال: " مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه، فقال: " فذكره. قلت: وسنده صحيح كما قال النووي في " الرياض " وأقره المناوي.

стр. 63

وقد تابعه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني ربيعة بن يزيد به أتم منه ولفظه: " خرج رسول الله ﷺ في حاجة فمر ببعير مناخ على باب المسجد من أول النهار، ثم مر به آخر النهار وهو على حاله، فقال: أين صاحب هذا البعير؟ ! فابتغي فلم يوجد، فقال رسول الله ﷺ : (اتقوا الله في هذه البهائم، ثم اركبوها صحاحا، واركبوها سمانا) كالمتسخط آنفا ". رواه ابن حبان (٨٤٤) وأحمد (٤ / ١٨٠ - ١٨١) وسنده صحيح على شرط البخاري. (تنبيه) : قوله (كلوها) قيدوها بضم الكاف من الأكل وعليه جرى المناوي في شرح هذه الكلمة، فإذا صحت الرواية بذلك فلا كلام، وإلا فالأقرب عندي أنها (كلوها) بكسر الكاف من وكل يكل كل أي اتركووها، هذا هو المتبادر من سياق الحديث. ويؤيده الحديث المتقدم (رقم ٢٢) بلفظ " اركبوا هذه الدواب سالمة، وايتدعوها سالمة ... "، أي اتركوها سالمة والله أعلم. (المعجمة) : أي التي لا تقدر على النطق فتشكو ما أصابها من جوع أو عطش، وأصل الأعجم: الذي لا يفصح بالعربية ولا يجيد التكلم بها عجميا كان أو عربيا سمي به لعجمة لسانه، والتباس كلامه. ٢٤ - " أفلا قبل هذا! أتريد أن تميتها موتتين؟! ". رواه الطبراني في " الكبير " (٣ / ١٤٠ / ١) و " الأوسط " (١ / ٣١ / ١ من زوائده) والبيهقي (٩ / ٢٨٠) عن يوسف بن عدي حدثنا عبد الرحيم بن سليمان الرازي عن عاصم الأحول عن عكرمة عن ابن عباس قال: " مر رسول الله ﷺ على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته وهي تلحظ إليه ببصرها، فقال: " فذكره.

стр. 64

وقال الطبراني: " لم يصله بهذا الإسناد إلا عبد الرحيم بن سليمان تفرد به يوسف ". قلت: وهما ثقتان من رجال البخاري وكذلك سائر الرواة فالحديث صحيح الإسناد، وقال الهيثمي (٥ / ٣٣) : " رواه الطبراني في " الكبير " و " الأوسط " ورجاله رجال الصحيح ". وفي نفي الطبراني المذكور نظر بين، فقد أخرجه الحاكم (٤ / ٢٣١ و ٢٣٣) من طريق عبد الرحمن بن المبارك حدثنا حماد بن زيد عن عاصم به ولفظه: (أتريد أن تميتها موتات؟ ! هلا حددت شفرتك قبل أن تضجعها؟) وقال الحاكم: " صحيح على شرط البخاري " ووافقه الذهبي. وقال في الموضع الآخر " على شرط الشيخين ". ٢٥ - " من فجع هذه بولدها؟! ردوا ولدها إليها ". رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٣٨٢) وأبو داود (رقم ٢٦٧٥) والحاكم (٤ / ٢٣٩) عن عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فانطلق لحاجة، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " فذكره. والسياق لأبي داود وزاد: " ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: من حرق هذه؟ قلنا: نحن، قال: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار ".

стр. 65

وسنده صحيح، وقال الحاكم " صحيح الإسناد ". ووافقه الذهبي. وسيأتي بزيادة في التخريج، وشاهد لبعضه (٤٨١ - ٤٨٢) . (الحمرة) : بضم الحاء وفتح الميم المشددة: طائر صغير كالعصفور أحمر اللون. (تفرش) : بحذف إحدى التاءين كـ (تذكر) أي ترفرف بجناحيها وتقترب من الأرض. ٢٦ - " والشاة إن رحمتها رحمك الله ". رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٣٧٣) والطبراني في " المعجم الصغير " (ص ٦٠) وفي " الأوسط " (ج ١ / ١٢١ / ١ من زوائده) وكذا أحمد (٣ / ٤٣٦، ٥ / ٣٤) والحاكم (٣ / ٥٨٦) وابن عدي في الكامل (ق ٢٥٩ / ٢) وأبو نعيم في " الحلية " (٢ / ٣٠٢ و ٦ / ٣٤٣) وابن عساكر (٦ / ٢٥٧ / ١) من طرق عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: " قال رجل: يا رسول الله إني لأذبح الشاة فأرحمها، قال ... " فذكره وزاد البخاري " مرتين ". وسنده صحيح. وقال الهيثمي في " المجمع " (٤ / ٣٣) : " رواه أحمد والبزار والطبراني في " الكبير " و " الصغير "، وله ألفاظ كثيرة ورجاله ثقات ". ٢٧ - " من رحم ولو ذبيحة عصفور ﵀ يوم القيامة ". رواه البخاري في " الأدب المفرد " (رقم ٣٧١) وتمام في " الفوائد " (ق ١٩٤ / ١) عن القاسم بن عبد الرحمن عن

стр. 66

أبي أمامة مرفوعا. قلت: وسنده حسن، وقال الهيثمي (٤ / ٣٣) : " رواه الطبراني في " الكبير " ورجاله ثقات ". ورواه الضياء المقدسي في " المختارة " كما في " الجامع الصغير " للسيوطي. ٢٨ - " عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض ". رواه البخاري في " صحيحه " (٢ / ٧٨ طبع أوربا) وفي " الأدب المفرد " (رقم ٣٧٩) ومسلم (٧ / ٤٣) من حديث نافع عن عبد الله بن عمر مرفوعا. ومسلم وأحمد (٢ / ٥٠٧) من طرق عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. (خشاش الأرض) هي الحشرات والهوام. ٢٩ - " بينما رجل يمشي بطريق، إذ اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب وخرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه، ثم أمسكه بفيه حتى رقي فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له، فقالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم لأجرا؟ فقال: في كل ذات كبد رطبة أجر ". رواه مالك في " الموطأ " (ص ٩٢٩ - ٩٣٠) وعنه البخاري في " صحيحه " (٢ / ٧٧ - ٧٨، ١٠٣، ٤ / ١١٧ طبع أوربا) ، وفي " الأدب المفرد " (رقم ٣٧٨)

стр. 67

ومسلم (٧ / ٤٤) وأبو داود (رقم ٢٥٥٠) وأحمد (٢ / ٣٧٥، ٥١٧) كلهم عن مالك عن سمي مولى أبي بكر عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة مرفوعا. ورواه أحمد (٢ / ٥٢١) من طريق أخرى عن أبي صالح به مختصرا. ٣٠ - " بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها، فاستقت له به فسقته إياه، فغفر لها به ". رواه البخاري (٢ / ٣٧٦ طبع أوربا) ومسلم (٧ / ٤٥) وأحمد (٢ / ٥٠٧) من حديث محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا. وتابعه أنس بن سيرين عن أبي هريرة نحوه. ورواه أحمد (٢ / ٥١٠) وسنده صحيح أيضا. (الركية) : بئر لم تطو أو طويت. ومن الآثار في الرفق بالحيوان: أ - عن المسيب بن دار قال: رأيت عمر بن الخطاب ضرب جمالا، وقال: لم تحمل على بعيرك مالا يطيق؟ ! رواه ابن سعد في " الطبقات " (٧ / ١٢٧) وسنده صحيح إلى المسيب ابن دار، ولكني لم أعرف المسيب هذا. ثم تبين لي أن الصواب في اسم أبيه (دارم) ، هكذا ورد في سند هذا الأثر عند أبي الحسن الأخميمي في " حديثه " (ق ٦٢ / ٢) ، وهكذا أورده ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " (٤ / ١ / ٢٩٤) وقال:

стр. 68

" مات سنة ست وثمانين " ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وأما ابن حبان فذكره في " الثقات " (١ / ٢٢٧) وكناه بأبي صالح. ب - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب: أن رجلا حد شفرة وأخذ شاة ليذبحها، فضربه عمر بالدرة وقال أتعذب الروح؟! ألا فعلت هذا قبل أن تأخذها؟ ! رواه البيهقي (٩ / ٢٨٠ - ٢٨١) . ج - عن محمد بن سيرين: أن عمر ﵁ رأى رجلا يجر شاة ليذبحها فضربه بالدرة وقال: سقها - لا أم لك - إلى الموت سوقا جميلا. رواه البيهقي أيضا. د - عن وهب بن كيسان: أن ابن عمر رأى راعي غنم في مكان قبيح، وقد رأى ابن عمر مكانا أمثل منه، فقال ابن عمر: ويحك يا راعي حولها، فإني سمعت النبي ﷺ يقول: " كل راع مسؤول عن رعيته ". رواه أحمد (رقم ٥٨٦٩) وسنده حسن. هـ - عن معاوية بن قرة قال: كان لأبي الدرداء جمل يقال له: (دمون) ، فكان إذا استعاروه منه قال: لا تحملوا عليه إلا كذا وكذا، فإنه لا يطيق أكثر من ذلك، فلما حضرته الوفاة قال: يا

стр. 69

دمون لا تخاصمني غدا عند ربي، فإني لم أكن أحمل عليك إلا ما تطيق. رواه أبو الحسن الأخميمي في " حديثه " (٦٣ / ١) . وعن أبي عثمان الثقفي قال: كان لعمر بن عبد العزيز ﵁ غلام يعمل على بغل له يأتيه بدرهم كل يوم فجاء يوما بدرهم ونصف، فقال: أما بدا لك؟ قال: نفقت السوق، قال: لا ولكنك أتعبت البغل! أجمه ثلاثة أيام. رواه أحمد في " الزهد " (١٩ / ٥٩ / ١) بسند صحيح إلى أبي عثمان، وأما هذا فلم أجد له ترجمة. تلك هي بعض الآثار التي وقفت عليها حتى الآن، وهي تدل على مبلغ تأثر المسلمين الأولين بتوجيهات النبي ﷺ في الرفق بالحيوان، وهي في الحقيقة قل من جل ونقطة من بحر، وفي ذلك بيان واضح أن الإسلام هو الذى وضع للناس مبدأ (الرفق بالحيوان) ، خلافا لما يظنه بعض الجهال بالإسلام أنه من وضع الكفار الأوربيين، بل ذلك من الآداب التي تلقوها عن المسلمين الأولين، ثم توسعوا فيها، ونظموها تنظيما دقيقا، وتبنتها دولهم حتى صار الرفق بالحيوان من مزاياهم اليوم، حتى توهم الجهال أنه من خصوصياتهم! وغرهم في ذلك أنه لا يكاد يرى هذا النظام مطبقا في دولة من دول الإسلام، وكانوا هم أحق بها وأهلها! ولقد بلغ الرفق بالحيوان في بعض البلاد الأوربية درجة لا تخلو من المغالاة، ومن الأمثلة على ذلك ما قرأته في " مجلة الهلال " (مجلد ٢٧ ج ٩ ص ١٢٦) تحت عنوان: " الحيوان والإنسان ": " إن محطة السكك الحديدية في كوبنهاجن كان يتعشعش فيها الخفاش زهاء نصف قرن، فلما تقرر هدمها وإعادة بنائها أنشأت البلدية برجا كلفته عشرات الألوف

стр. 70

من الجنيهات، منعا من تشرد الخفاش ". وحدث منذ ثلاث سنوات أن سقط كلب صغير في شق صغير بين صخرتين في إحدى قرى إنكلترا، فجند له أولو الأمر مائة من رجال المطافئ لقطع الصخور وإنقاذ الكلب! وثار الرأي العام في بعض البلاد أخيرا عندما اتخذ الحيوان وسيلة لدراسة الظواهر الطبيعية، حين أرسلت روسيا كلبا في صاروخها، وأرسلت أمريكا قردا. ٣١ - " أقيموا صفوفكم وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري ". رواه البخاري (٢ / ١٧٦ بشرح " الفتح " طبع بولاق) وأحمد (٣ / ١٨٢، ٢٦٣) والمخلص في " الفوائد " (ج ١ / ١٠ / ٢) من طرق عن حميد الطويل، حدثنا أنس بن

стр. 71

مالك قال: " أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله ﷺ بوجهه فقال: ". فذكره. زاد البخاري في رواية: " قبل أن يكبر " وزاد أيضا فى آخره: " وكان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه. وقدمه بقدمه ". وهي عند المخلص بلفظ: قال أنس: " فلقد رأيت أحدنا يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه بقدمه ". فلو ذهبت تفعل هذا اليوم لنفر أحدكم كأنه بغل شموس. وسنده صحيح أيضا على شرط الشيخين وعزاها الحافظ لسعيد بن منصور والإسماعيلي وترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: " باب إلزاق المنكب بالمنكب، والقدم بالقدم في الصف ". وأما حديث النعمان فهو: " أقيموا صفوفكم ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن بين قلوبكم ". ٣٢ - " أقيموا صفوفكم ثلاثا، والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن بين قلوبكم ". أخرجه أبو داود (رقم ٦٦٢) ، وابن حبان (٣٩٦) ، وأحمد (٤ / ٢٧٦) ، والدولابي في " الكنى " (٢ / ٨٦) عن أبي القاسم الجدلي حسين بن الحارث، قال: سمعت النعمان بن بشير يقول: " أقبل رسول الله ﷺ على الناس بوجهه فقال: ... " فذكره،

стр. 72

قال: " فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه ". قلت: وسنده صحيح، وعلقه البخاري مجزوما به، ووصله ابن خزيمة أيضا في " صحيحه " كما في " الترغيب " (١ / ١٧٦) و " الفتح " (٢ / ١٧٦) . ثم رواه الدولابي من طريق بقية بن الوليد، حدثنا حريز قال: سمعت غيلان المقرىء يحدث عن أبي قتيلة مرثد بن وداعة (قال: سمعت) النعمان بن بشير يقول: فذكره. وهذا سند لا بأس به في المتابعات، ورجاله ثقات غير غيلان المقرىء، ولعله غيلان بن أنس الكلبي مولاهم الدمشقي، فإن يكن هو، فهو مجهول الحال، روى عنه جماعة، وقال الحافظ: إنه مقبول. فقه الحديث: وفي هذين الحديثين فوائد هامة: الأولى: وجوب إقامة الصفوف وتسويتها والتراص فيها، للأمر بذلك، والأصل فيه الوجوب إلا لقرينة، كما هو مقرر في الأصول، والقرينة هنا تؤكد الوجوب وهو قوله ﷺ : " أو ليخالفن الله بين قلوبكم ". فإن مثل هذا التهديد لا يقال فيما ليس بواجب، كما لا يخفى. الثانية: أن التسوية المذكورة إنما تكون بلصق المنكب بالمنكب، وحافة القدم بالقدم، لأن هذا هو الذي فعله الصحابة ﵃ حين أمروا بإقامة الصفوف

стр. 73

ولهذا قال الحافظ في " الفتح " بعد أن ساق الزيادة التي أوردتها في الحديث الأول من قول أنس: " وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي ﷺ ، وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته ". ومن المؤسف أن هذه السنة من التسوية قد تهاون بها المسلمون، بل أضاعوها إلا القليل منهم، فإني لم أرها عند طائفة منهم إلا أهل الحديث، فإني رأيتهم في مكة سنة (١٣٦٨) حريصين على التمسك بها كغيرها من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام بخلاف غيرهم من أتباع المذاهب الأربعة - لا أستثني منهم حتى الحنابلة - فقد صارت هذه السنة عندهم نسيا منسيا، بل إنهم تتابعوا على هجرها والإعراض عنها، ذلك لأن أكثر مذاهبهم نصت على أن السنة في القيام التفريج بين القدمين بقدر أربع أصابع، فإن زاد كره، كما جاء مفصلا في " الفقه على المذاهب الأربعة " (١ / ٢٠٧) ، والتقدير المذكور لا أصل له في السنة، وإنما هو مجرد رأي، ولو صح لوجب تقييده بالإمام والمنفرد حتى لا يعارض به هذه السنة الصحيحة، كما تقتضيه القواعد الأصولية. وخلاصة القول: إنني أهيب بالمسلمين - وخاصة أئمة المساجد - الحريصين على اتباعه ﷺ واكتساب فضيلة إحياء سنته ﷺ أن يعملوا بهذه السنة ويحرصوا عليها، ويدعوا الناس، إليها حتى يجتمعوا عليها جميعا. وبذلك ينجون من تهديد " أو ليخالفن الله بين قلوبكم ".

стр. 74

الثالثة: في الحديث الأول معجزة ظاهرة للنبي ﷺ ، وهي رؤيته ﷺ من ورائه، ولكن ينبغي أن يعلم أنها خاصة في حالة كونه صلى الله عليه وسلم في الصلاة، إذ لم يرد في شيء من السنة، أنه كان يرى كذلك خارج الصلاة أيضا. والله أعلم. الرابعة: في الحديثين دليل واضح على أمر لا يعلمه كثير من الناس، وإن كان صار معروفا في علم النفس، وهو أن فساد الظاهر يؤثر في فساد الباطن، والعكس بالعكس، وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة، لعلنا نتعرض لجمعها وتخريجها في مناسبة أخرى إن شاء الله تعالي. الخامسة: أن شروع الإمام في تكبيرة الإحرام عند قول المؤذن " قد قامت الصلاة " بدعة، لمخالفتها للسنة الصحيحة كما يدل على ذلك هذان الحديثان، لاسيما الأول منهما، فإنهما يفيدان أن على الإمام بعد إقامة الصلاة واجبا ينبغي عليه القيام به، وهو أمر الناس بالتسوية مذكرا لهم بها، فإنه مسؤول عنهم: " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ... ". ٣٣ - " يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجذع أو الجدل في عينه معترضا ". رواه ابن صاعد في " زوائد " الزهد " لابن المبارك " (ق ١٦٥ / ١ من " الكواكب " ٥٧٥) وابن حبان في " صحيحه (١٨٤٨) وأبو نعيم في " الحلية " (٤ / ٩٩) والقضاعي في " مسند الشهاب " (ق ٥١ / ١) من طرق عن محمد ابن حمير قال: حدثنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة مرفوعا. وقال أبو نعيم: " غريب من حديث يزيد تفرد به محمد بن حمير عن جعفر ". قلت: ورجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، ولا علة فيه، فهو حديث صحيح،

стр. 75

ولا ينافيه قوله " غريب " لأن الغرابة قد تجامع الصحة كما هو مقرر في " مصطلح الحديث ". والحديث عزاه السيوطي في " الجامع الصغير " لأبي نعيم فقط! وقال المناوي: " قال العامري: حسن ". ورواه البخاري في " الأدب المفرد " (٥٩٢) من طريق مسكين بن بكير الحذاء الحراني عن جعفر بن برقان به موقوفا على أبي هريرة. ومسكين هذا صدوق يخطىء، فرواية ابن حمير المرفوعة أرجح، لأنه لم يوصف بالخطأ وكلاهما من رجال البخاري. ٣٤ - " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا، وإذا ذكر النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر القدر فأمسكوا ". روي من حديث ابن مسعود، وثوبان، وابن عمر، وطاووس مرسلا، وكلها ضعيفة الأسانيد، ولكن بعضها يشد بعضا. أما حديث ابن مسعود، فأخرجه الطبراني في " الكبير " (٢ / ٧٨ / ٢) وأبو نعيم في " الحلية " (٤ / ١٠٨) من طريق الحسن بن علي الفسوي أنبأنا سعيد ابن سليمان أنبأنا مسهر بن عبد الملك بن سلع الهمداني عن الأعمش عن أبي وائل عن
следующие страницы →