← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9463

الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ط السلفية

عبد الرحمن المعلمي اليماني

Полный текст (306 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

النبي - عن رسول الله» (١) . ومعها في البداية والنهاية كلمة تتعلق بأبي هريرة ذكرها أبو رية ص١٦٣ وسيأتي هناك بيان سقوط هذه الرواية مع الكشف عن بعض أفاعيل أبي رية على أن كلام أبي رية متناقض، فسيحكي قريباً أن عمر لم يزل إلى آخر حياته معتداً بكعب، والصحيح أن كعباً كان رجلاً عريباً ذا رأي، قد قرأ الكتب واستفاد منها أشياء في الحكمة والزهد والورع، وهذه كانت وسيلته إلى عمر. ويحكي الناس عنه أشياء من الأخبار عن الأمور المستقبلة مسنداً له إلى صحف / أهل الكتاب، ولا أدري ما يصح عنه من ذلك قال «على أن عمر ظل يترقب هذا الداهية بحزمه وحكمته وينفذ إلى أغراضه الخبيثة بنور بصيرته كما نرى في قصة الصخرة» أقول: قد سرح عمر من المدينة إلى العراق نصر بن حجاج لغير ذنب إلا أنه كان بارع الجمال وكان بالمدينة كثير من النساء، يغيب أزواجهن في الجهاد وقد ذكرت إحداهن نصرا في شعر لها، وجلد عمر صبيغ بن عسل ونفاه إلى العراق وكتب أن لا يجالسه أحد لأمر واحد وهو أنه يكثر من السؤال عن كلمات من القرآن لا تتعلق بالأحكام، ونصر سلمى وصبيغ تميمي لم يكن لهما عرق في يهودية ولا نصرانية. وكعب حميري حديث العهد باليهودية لا منعة له ولاحاجة بالمسلمين إليه، فهل يعقل أن يشعر الفاروق منه بأن إسلامه مدخول وأنه داهية ذو أغراض خبيثة ثم يدعه معه بالمدينة يدخل إليه مع أصحابه ويتكلم في مجلسه وربما يستشيره لا يحذره ولا يحذر الناس منه؟ أما قصة الصخرة فرواها الإمام أحمد من طرق حماد بن سلمة عن أبي سنان [عيسى بن سنان القسملي] عن عبيد بن آدم قال «سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت

стр. 107

خلف الصخرة، وكانت القدس كلها بين يديك. فقال عمر: ضاهيت اليهودية، لا، ولكن أصلى حيث صلى رسول الله ﷺ . عبيد هذا لم يذكر له راو إلا أبو سنان، وأبو سنان ضعفه الإمام أحمد نفسه وابن معين وغيرهما، وقال أبو زرعة «مخلط ضعيف الحديث» ، ولا ينفعه ذكر ابن حبان في الثقات لما عرف من تساهل ابن حبان، ولا قول العجلي «لا بأس به» فإن العجلي قريب من ابن حبان أو أشد، عرفت ذلك بالاستقرار. ومع هذا فليس في القصة ما يشعر بسوء دخيله، عرف كعب فضيلة بيت المقدس في الإسلام بنص القرآن، وعلم أنه كان قبلة المسلمين أولاً فظن أنه الأفضل للمصلى هناك أن يجعله كله بينه وبين الكعبة، ورأى عمر أن في هذا مضارعة أي مشابهة لليهودية، فيما علم من الإسلام خلافه، وهو صلاة النبي ﷺ . هذا على فرض صحة الرواية. وذكر أبو رية (ص١٢٦-١٢٧) رواية أخرى عن تاريخ الطبري. وهي في التاريخ منقطعة الأول والآخر، إنما قال «وعن رجاء بن حيوة عمن شهد» والسند إلى رجاء مجهول، وشيخ رجاء مجهول، ومثل هذا لا يثبت به شيء قال أبو رية «فإن شدة دهاء هذا اليهودي غلبت على فظنه عمر وسلامة نيته» كذا رجع أبو رية فسلب عمر ما ذكره أولا بقوله «بحزمه وحكمته وينفذ ... بنور بصيرته» ، وهذا شأن من يتظنى الباطل (١) / قال «فظل يعمل بكيده في السر والعلن» أقول كلمة «العلن» هذه تأتي على بقية ما جعله لعمر سابقاً وتبين أن مقصوده بقوله «سلامة نيته» الغفلة. قال «حتى انتهى الأمر بقتل عمر بمؤامرة اشترك فيها هذا الدهي» ذكر بعد هذا ما حكى عن المسور بن مخرمة، وعزاها إلى تاريخي ابن جرير

стр. 108

وابن الأثير، والثاني مستمد من الأول، وأرى أن أحكيها كما هي عند ابن جرير في أخبار سنة ٢٣ قال «حدثني سلمة (الصواب: سلم» بن جنادة قال حدثنا سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت [عمران] ابن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف قال: حدثنا أبي عن عبد الله بن جعفر عن أبيه عن المسور بن مخرمة ... قال: خرج عمر بن الخطاب يطوف في السوق فلقيه أبو لؤلؤة ... قال [أبو لؤلؤة] : لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف. فقال عمر: لقد توعدني العبد آنفاً. قال ثم انصرف عمر إلى منزله فلما كان من الغد جاء كعب الأحبار فقال له: يا أمير المؤمنين اعهد فإنك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب الله التوراة. قال عمر: آلله أنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا، ولكن أجد صفتك وحليتك ... فلما كان من الغد جاء كعب فقال: ... بقي يومان. قال: ثم جاء من غد الغد فقال: ... بقي يوم وليلة وهي لك إلى صبيحتها ... » وقال فيه «فضرب عمر ست ضربات» وفي آخرها «ثم توفي ليلة الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة» أقول: هل يسمع عمر هذا الوعيد الشديد من عبد كافر ثم لا يحترس منه ولا يأمر بالقبض عليه وسجنه أو ترحيله من المدينة؟ أو على الأقل يضع عليه عيوناً تراقبه، فقد كان لعمر عيون على الناس ترقب أقل من هذا، وكان له عيون على عماله في البلدان البعيدة، أو ليس عمر هو الذي رجع عن بلد الطاعون فقال له أبو عبيدة: أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك يا أبا عبيدة قالها. نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. هب أن عمر لم يبال نفسه، أفلم يكن بقاء ذلك العبد الكافر بين ظهراني المسلمين خطراً عليهم، وقد جاهر الخليفة بالتوعد، فما عسى أن يكون حاله مع غيره؟ قد يقال يمكن أن تكون وضعت عليه عيون راقبته مدة فلم ير منه ما ينكر، فترك. لكن / هذه الحكاية تجعل التوعد يوم الجمعة ٢٢ ذي الحجة سنة ٢٣ والقتل بعد ذلك بأربعة أيام.

стр. 109

أضف إلى ذلك أنه قد ثبت أن عمر قال في خطبته في تلك الجمعة «رأيت ديكا نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلى حضور أجلي» وفي بعض الروايات أنه ذكر أن الرؤيا عبرت بأن رجلاً من الأعاجم يعتدي عليه. راجع فتح الباري ٥٠:٧ هل يخبر عمر بهذه الرؤيا في اليوم الذي توعده فيه الأعجمي ثم لا يحترس ولا يقبض على ذاك الأعجمي؟ وفوق هذا تزعم الحكاية أن كعباً جاء إلى عمر بعد الإخبار بالرؤيا وإيعاد الأعجمي بيوم واحد فقال لعمر ما تقدم. أفلم يكن في اقتران هذه الثلاثة ما يدعو إلى الاحتراس؟ أمر آخر: تقدم (ص٤٦) تشديد عمر على أبي موسى لما أخبر بخبر عن النبي ﷺ ، فهل يعقل أن عمر هذا الذي شدد على أخيه المؤمن الصادق المهاجر القديم الإسلام لا يشدد على كعب حديث العهد باليهودية ولا صحبة ولا هجرة، مع أن خبره أولى وأحق بأن يستنكر؟ أمر ثالت: عهدنا بهذا الحميري داهياً فهل يعقل أن يكون واقفاً على المؤامرة ثم يقع منه ما حكته الحكاية؟ المعقول أن يسكت إن كان له هوى في قتل عمر، وأن يخبره بالمؤامرة على وجهها إن لم يكن له هوى في قتله. أما السكوت فخشية أن يؤدي كلامه إلى حبوط المؤامرة بأن يحترس عمر ويقبض على أبي لؤلؤة، وقد يجر إلى اكتشاف المؤامرة ووقوع كعب نفسه، وأما الإخبار بالمؤامرة على وجهها فلأنه بذلك يكون له يد عند عمر والمسلمين ينال بها جاها ومكانه. وكلا هذين الغرضين أهم وأعظم من حبه إيهام اطلاعه على بعض أمور المستقبل، على أن هذا قد كان حاصلاً في الجملة، فقد كانوا يعرفون معرفته بصحف أهل الكتاب ويعرفون أن فيها أشياء من ذلك. ومن قابل هذه الحكاية بالروايات الصحيحة وجد مخالفة: منها عدد الطعنات،

стр. 110

اتفقت الروايات الصحيحة على أنها ثلاث فقط، ووقع في هذه الحكاية أنها ست فأنت ترى أن النظر في متن هذه الحكاية يبين أنها مدخولة لا يمكن الاعتماد عليها في شيء، ويؤكد ذلك سقوط سندها، فإن سليمان مجهول لم نجد له ترجمة وأبوه ساقط الحديث كما بينه جمع من الأئمة، وعبد الله بن جعفر لا بأس به، فأما أبوه جعفر بن المسور فلا يعرف برواية أصلاً، ولا يدرى أدرك أباه أم لا / وقال ص ١١٧: «ووقع في رواية أبي إسحاق عند ابن سعد: وأتى كعب عمر فقال: ألم أقل لك إنك لا تموت إلا شهيداً، وإنك تقول من أين وإني في جزيرة العرب» أقول: هي عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون وأبو إسحاق مشهور بالتدليس ولم يذكر سماعا وروى غيره القصة عن عمرو بن ميمون كما في صحيح البخاري وغيره بدون هذه الزيادة. ومع هذا فأي شيء فيها؟ أما الشهادة فقد كان عمر مبشراً بها يقيناً، ففي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس «أن النبي ﷺ صعد أحداً وأبو بكر وعمر وعثمان، فرجف بهم فقال: اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان» . وصح معناه من حديث عثمان وبريدة وأبي هريرة وسهل بن سعد. راجع فتح الباري ٣٢:٧ وفي الصحيحين وغيرهما سؤال عمر لحذيفة عن الفتنة، وقول حذيفة «لا بأس عليك يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابا ًمغلقاً» قال عمر «يفتح الباب أو يكسر» ؟ قال حذيفة «لا بل يكسر» . قيل لحذيفة «علم عمر بالباب» ؟ قال «نعم، كما أن دون غد الليلة، إني حدثته حديثاً ليس بالأغاليط» ثم بين حذيفة أن الباب هو عمر نفسه. فالمراد بقوله «يفتح أو يكسر» : يموت أو يقتل وثم أخبار أخرى كرؤيا عوف بن مالك في عهد أبي بكر، وفيها في ذكر عمر

стр. 111

«شهيد مستشهد» . وفي صحيح البخاري أن عمر قال «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك وموتاً في بلد رسولك» وراجع فتح الباري ٨٦:٤ و ٤٤٦:٦ ولا ريب أن كعبا كان عارفاً بصحف أهل الكتاب وأن فيها أخباراً عن المستقبل، وأنه كان يوجد في صحفهم في عهد الإسلام ما لا يوجد عندهم الآن، راجع ما تقدم ص٧٢. وشأن عمر من أعظم الشئون في العالم وأحقها أن يبشر به الأنبياء السابقون عند تبشيرهم بالنبي ﷺ ، ومع هذا فليس في رواية أبي إسحاق ذكر التوراة، فقد يكون استند إلى تلك الأخبار الصحيحة عن النبي ﷺ قال أبو رية «وإليك خبراً عجيباً من أخبار ذلك الكاهن لعله يمتلخ منك عرق الشك في اشتراكه في هذه المؤامرة، فقد أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم بنت علي وهي زوجته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي- أي كعب الأحبار – يقول إنك من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله. ثم خرج فأرسل إلى كعب، فجاءه فقال: ياأمير المؤمنين والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار! قال كعب: إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبوب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها، فإذا مت اقتحموا وقد صدقت يمينه ... فقد قتل عمر في ذي الحجة سنة ٢٣هـ أقول: ذكر ابن حجر في فتح الباري هذه الحكاية في شرح حديث حذيفة الذي فيه وصف عمر بأنه باب مغلق دون الفتنة، وقد تقدم قريباً. وفي الفتح أيضاً ٤٤٦:٢ حديث فيه أن النبي ﷺ أشار إلى عمر وقال: هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب شديد الغلق ما عاش، وأن أبا ذر قال لعمر «يا غلق الفتنة» فغير منكر أن يكون في صحف أهل الكتاب إشارة إلى هذا المعنى بنحو ما في الحكاية – إن صحت- وإنما الذي يستنكر أن يكون فيها بيان

стр. 112

وقت موت عمر على التحديد. وقد كان عمر في شهر ذي الحجة سنة٢٣ حاجاً واتفق هناك علامات تؤذن بقرب موته، منها أن رجلاً ناداه يا خليفة. فقال آخر من حزاةالعرب: إنا لله، ناداه باسم ميت. ثم لما كان يرمي الجمرات أصابت حصاة جهة عمر فأدمته، فقال ذاك الحازي: إنا لله، أشعر أمير المؤنين. والإشعار تدمية البعير الذي يهدى لينحر. وجاء عن عائشة أنها سمعت عقب ذاك الحج منشداً ينشد: لا الأرض العضاء باسوق أبعد قتيل بالمدينة أظلمت يد الله في ذاك الأديم الممزق.. عليك سلام من إمام وباركت ولما انصرف عمر من الحج دعا الله تعالى فقال «اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط» . فلما قدم المدينة خطب الناس وقال في خطبته «رأيت ديكاً نقرني ثلاث نقرات، ولا أراه إلا حضور أجلي» فمن الجائز إن صحت تلك الحكاية أن يكون كعب استند إلى بعض هذه العلامات أو شبهها، وقد يكون مع ذلك وجد في صحفه إشارة فهم منها بطريق الرمز مع النظر إلى القرائن والعلامات السابقة أن عمر لا يعيش في تلك السنة وبعد فسند الحكاية غير صحيح، تفرد بها عن مالك رجل يقال له «عبد الوهاب بن موسى» لا يكاد يعرف وليس من رجال شيء من كتب الحديث المشهورة، ولا ذكر في تاريخ البخاري ولا كتاب ابن أبي حاتم، بل قال الذهبي في الميزان «لا يدري من ذا الحيوان الكذاب» وفي مقدمة صحيح مسلم «الذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث أن يكون قد شار ك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا وأمعن في ذلك على الموافقة لهم، فإذا وجد كذلك ثم زاد بعد ذلك شيئا ًليس عند أصحابه قبل منه ... » وهذا الرجل لم يمعن في المشاركة فضلاً عن أن يكون ذلك على / الموافقة. لكن هذا الشرط لا يتقيد به

стр. 113

بعض المتأخرين كابن حبان والدارقطني، ومن ثم – والله أعلم – وثق الدارقطني عبد الوهاب هذا وزعم أن الخبر صحيح عن مالك. أما بقية سنده عن مالك فهو عن عبد الله بن دينار عن سعد الجاري، وسعد الجاري غير مشهور ولا موثق، ولا يدرى أدركه عبد الله بن دينار أم لا ومقطع الحق أن ليس بيد من يتهم كعباً بالمؤامرة غير كلمات يروي أن كعباً قالها لعمر. وقد كان عمر والصحابة أعلم بالله ورسوله وكتبه منا، وأعلم بعد أن طعن عمر بالمؤامرة وقد انكشفت وهو حي، وأعلم بحال كعب لأنه صحبهم وجالسهم. والمعقول أنه لو كان في ما خطب به عمر ما يوجب اتهامه لاتهموه، وقد علمنا أنهم لم يتهموه لا قبل انكشاف المؤامرة ولا بعده، فوجب الجزم بأنه لم يقع منه ما يقتضي اتهامه قال أبو رية ص١١٨ «حديث الاستسقاء..» حكى أن كعباً في عام الرمادة قال لعمر «إن بني إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء» أقول لم يعز إل كتاب لينظر في سنده ... ولا أراه إلا ساقطا قال «ومما لا مراء فيه أن هذا اليهودي قد أراد بقوله هذا أن يخدع عمر عن أول أساس جاء عليه الدين الإسلامي وهو التوحيد الخالص، ليزلقه إل هوة التوسل الذي هو الشرك بعينه» أقول: أما المسلمون الذي يعرفون الإسلام فالذي لا مراء فيه عندهم أن أبا رية مجازف، وأنه على فرض صحة هذه الحكاية ليس فيها ما يدل على سوء طوية كعب، وإن استسقاء عمر بالعباس ﵄ لا علاقة بالشرك البتة، بل هو أمر يقره الشرع إجماعاً، ويؤيده الكتاب والسنة، قال الله تعالى (٦٤:٤ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً

стр. 114

رحيماً» وقال سبحانه (٥:٦٣ وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون» وقال تعالى في يعقوب وبنيه٩٧:١٢- قالوا ياأبانا استغفر لنا ذنوبنا إناكنا خاطئين: قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم» وتواتر في السنة طلب الصحابة من النبي ﷺ أن يدعو لهم بالسقيا وغيرها، وأمرنا النبي ﷺ أن نسلم عليه في التشهد، وبالصلاة عليه والدعاء له عقب الأذان، وغير ذلك مما صورته طلب الدعاء. ثم ذكر خبر أنس الذي في صحيح البخاري أن عمر قال «اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا ﷺ / فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا» وزعم أنه لا يصح، وعارضه بروايات منها عن خوات قال «خرج عمر يستسقي بهم فصلى ركعتين فقال: اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك، فما برح من مكا نه حتى مطروا» أقول: لا أدري ما سنده، ولو صح فلا يعارض خبر أنس، فقد تكون واقعة أخرى، فإن عمر لبث خليفة عشر سنين، وقد تكون واقعة واحدة اختصر خوات في ذكرها قال «وعن الشعبي قال: خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار» أقول: الشعبي لم يدرك عمر، وعمر لبث خليفة عشر سنين، فلم يكن استسقاؤه مرة واحدة قال «وقال الجاحظ: ولما صعد (عمر) على المنبر قابضاً على يد العباس ... » فذكر نحو خبر الشعبي، وذكر أبو رية أن الطبري أخرجه في تفسيره، وأن ابن قتيبة ذكره في الشعر والشعراء أقول: نعم، ولكن لم يقل أحد «قابضاً على يد العباس» إلا الجاحظ، فأراه زادها توهما قال «قال معاوية لكعب ... » عزا هذا إلى تفسير ابن كثير ١٠١:٣

стр. 115

وإنما هو فيه ٣٢٣:٥ قال في سنده «ابن لهيعة حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية الخ» وابن لهيعة ضعيف، وسعيد بن أبي هلال ولد بعد موت كعب بنحو أربعين سنة قال «وذكر القرطبي في تفسير سورة غافر عن خالد بن معدان عن كعب ... » أقول: قال القرطبي «قال ثور بن زيد عن خالد....» ولا أدري كيف السند إلى ثور، وخالد لم يدرك كعبا قال «وفي التفسير أن عبد الله بن قلابة الخ» أقول: عبد الله بن قلابة مجهول لا ذكر له إلا في هذه الحكاية، وفي السند إليه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف كثير التخليط قال ص١٢١ «وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن كعب ... » أقول: كتاب العظمة تكثر فيه الرواية عن الكذابين والساقطين والمجاهيل قال «وعن وهب بن منبه: أربعة أملاك يحملون العرش ... » أقول: وهذا أيضاً من كتاب العظمة / قال «وقرأ معاوية الخ» أقول: في سنده سعيد بن مسلمة بن هشام، قال فيه البخاري «منكر الحديث فيه نظر» ، وهذا من أشد الجرح في اصطلاح البخاري، وفي سياق القصة ما يشعر بانقطاع آخرها قال ص١٢٢ «وذكر الحافظ ابن حجر أن كعب الأحبار روى أن باب السماء الذي يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فأخذ منه بعض العلماء أن الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس قبل العروج ليحصل العروج مستويا ... » قال أبو رية «وهكذا تنفذ الاسرائيليات إلى معتقداتنا» أقول: الحكاية عن كعب لا ندري ما سندها، وذاك الأخذ إنما هو احتمال

стр. 116

لا تثبت به عقيدة ولا تنتفي قال «وقال ابن حجر بعد أن أورد تلك الخرافة ... » أقول: من أين لك أنها خرافة؟ قال «وروى كعب أن في الجنة ملكا الخ» أقول: ذكر بنحو ما هنا ابن القيم في حادى الأرواح المطبوع مع أعلام الموقعين ٣١٤:١ وهو من رواية شمر بن عطية عن كعب، وشمر لم يدرك كعباً وليس في الحكاية ما يستنكره المسلم قال «ومما يدلك على أن الصحابة كانوا يرجعون إليه (١) حتى فيما هو من علمهم، وبخاصة عند ما قال: ما من شيء إلا وهو مكتوب في التوراة. أن أبا عبد الرحمن محمد بن الحسين النيسابوري ذكر أن عمر قال لكعب - وذكر الشعر- يا كعب هل تجد للشعر ذكراً في التوراة....» أقول: عزاه إلى كتاب العمدة لابن رشيق، وابن رشيق لم يلق النيسابوري والنيسابوري ضعيف جداً حتى اتهم بالوضع، تجد ترجمته في لسان الميزان ١٤٠:٥ وبينه وبين عمر أكثر من ثلاثمائة سنة، وهب أن القصة صحت فأي شيء فيها يدل على تلك الدعوى الفاجرة؟ وما نسبه إلى كعب من قوله «ما من شيء الخ» لم يعزه قال «وروى البيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح عن ابن عباس [قال] ... في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى» أقول: أما هذا فليس سنده صحيح، لأنه من طريق شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن / ابن عباس، وشريك يخطئ كثيراً ويدلس، وعطاء

стр. 117

بن السائب اختلط قبل موته بمدة وسماع شريك منه بعد الاختلاط. لكن أخرج البيهقي عقب هذا بسند آخر من طريق «آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس في قوله (خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن) قال: في كل أرض نحو إبراهيم» ثم قال البيهقي «إسناد هذا عن ابن عباس صحيح، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه متابعاًَ» وأخرجه ابن جرير عن عمرو بن علي عن غندر عن شعبة فذكره بنحوه، وزاد «ونحو ما على الأرض من الخلق» وعلى هذا فالمعنى والله أعلم أن في كل أرض خلقاً كنحو بني آدم، وفيهم من يعرف الله تعالى بالنظر في آياته كما عرف إبراهيم ﵇، وهذا القول قد يتوصل إليه بالنظر في الآية المذكورة وسياقها وقوله تعالى (وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق» وقوله (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» وغيرها على أن بعضهم قد فسر ماجاء في الرواية الأخرى التي تقدمت أنها لا تصح، ففي روح المعاني «لامانع عقلا ًولا شرعأً من صحته، والمراد أن في كل أرض خلقاً يرجعون إلى أصل واحد رجوع بني آدم في أرضنا إلى آدم ﵇، وفيهم أفراد ممتازون على سائرهم كنوح وإبراهيم فينا» أما ما في البداية «محمول إن صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس ﵁ عن الاسرائيليات» فغير مرضي، فابن عباس – كما مر ويأتي – كان ينهى عن سؤال أهل الكتاب، فإن كان مع ذلك قد يسمع من بعض من أسلم منهم أو يسأله فإنما ذلك شأن العالم يسمع ما ليس بحجة لعله يجد فيه ما ينبهه ويلفت نظره إلى حجة، وسيأتي تمام هذا إن شاء الله وقال ص١٢٣ «وفي تفسير الطبري أن ابن عباس سأل كعباً عن سدرة المنتهى. فقال: إنها على رءوس حملة العرش، وإليها ينتهي علم الخلائق، وليس لأحد وراءها علم، ولذلك سميت سدرة المنتهى لانتهاء العلم بها» أقول هو من طريق الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال بن يساف قال

стр. 118

سأل ابن عباس كعباً وأنا حاضر» كذا قال، والأعمش مشهور بالتدليس، وهلال بن يساف لم يدرك كعباً قال أبو رية «هذا ما قاله لتلميذه الثاني، أما تلميذه الأول فهو أبو هريرة ... » أقول: لم يتعلما من كعب شيئاً، وإنما سمعا منه شيئاً محتملاً فحكياه، أو سألاه سؤال خبير ناقد لينظرا ما يقول، ولا يضرهما تهكم أبي رية كما لم يضر النبي ﷺ قول المشركين «إنما يعلمه بشر» / قال: ففي حديث له أنها شجرة من أصلها أنهار الخ» أقول: هذا رواه أبو جعفر الرازي، وشك فيه فقال «عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة أو غيره» وأبو جعفر والربيع فيهما كلام، وقال ابن حبان في الربيع «الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطراباً كثيراً» قال «وفي حديث المعراج: أنه لما فرض الله خمسين صلاة على العباد في النهار وفي الليل ولم يستطع أحد من الرسل جميعاً غير موسى أن يفقه استحالة أدائها على البشر، فهو وحده الذي فطن ذلك ... وكأن الله سبحانه ... كان لا يعلم مبلغ قوة احتمال عباده ... وكذلك لا يعلم محمد ... حتى بصره موسى. وهكذا ترى الاسرائيليات تنفذ إلى ديننا ... ولا تجد أحداً إلا قليلاً يزيفها ... » أقول إن كانت الاسرائيليات تشمل عند أبي رية كل خبر فيه فضيلة لموسى ﵇ ففي القرآن كثيرمنها، بل في عدة آيات منها ذكر تفضيل بني إسرائيل على العالمين وغير ذلك. وإن كانت خاصة بما ألصق بالإسلام وليس منه من مقولات أهل الكتاب فلم يزل أهل العلم يتتبعونها ويزيفونها. أما سكوتهم عن محاولة تزييف ما ثبت في أحاديث الإسراء فعذرهم واضح، وهو أنه لم يبلغ أحد منهم في العلم والعقل والحياء مبلغ أبي رية. ودونك الجواب:

стр. 119

كانت الصلاة قبل الهجرة ركعتين ركعتين كما ثبت في الصحيح، فخمسون صلاة مائة ركعة، وليس أداة مائة ركعة في اليوم والليلة بمستحيل، وفي الناس الآن من يصلي في اليوم والليلة نحو مائة ركعة، ومنهم من يزيد، وفي تراجم كثيرمن كبار المسلمين أن منهم من كان يصلي أكثر من ذلك بكثير، بل إن أداء مائة ركعة في اليوم والليلة ليس بعظيم المشقة في جانب ما لله من الحق وما عنده من عظيم الجزاء في الدنيا والآخرة، نعم قال الله تعالى (٤٥:٣ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم وأنهم إليه راجعون» . وما وقع في كلام موسى «إن أمتك لا تطيق» وفي رواية «لا تستطيع» ليس معناه أن ذلك مستحيل، وإنما معناه أن ذلك يشق عليها، ولهذا أطلق هذه العبارة بعد بيان رجوع الصلاة إلى خمس، قال موسى «إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم» راجع مفرات / الراغب (طوع) و (طوف) فأما الله تعالى فالفرض في علمه خمس صلوات فقط. ولكنه سبحانه إذا أراد أن يرفع بعض عباده إلى مرتبه هيأ له ما يستحق به المرتبة، ومن ذلك أن يهيئ ما يفهم منه العبد أنه مكلف بعمل معين شاق فيقبل التكليف ويستعد لمحاولة الأداء فحينئذ يعفيه الله تعالى من ذلك العمل ويكتب له جزاء قبوله ومحاولة الوفاء به أو الاستعداد لذلك ثواب من عمله، ومن هذا القبيل قصة إبراهيم في ذبح ابنه وأما محمد ﷺ فكان يعلم أن الأداء ممكن كما مر، وكان في ذلك المقام الكريم مستغرقاً في الخضوع والتسليم ووفقه الله لقبول ما فهمه في فرض خمسين والاستعداد لأدائها ليكون هذا القبول والاستعداد مقتضياً لاستحقاق ما أراد الله أن يعطيه وأمته من ثواب خمسين صلاة، وقبوله واستعداده عنه وعن أمته في حكم قبول الأمة فإنها تبع له وكان هو النائب عنها، على أنه ما من مؤمن من أمته

стр. 120

يطلع على الحديث ويراجع نفسه إلا رأى أنه لو كان المفروض خمسين صلاة لبذل وسعه في أدائها والوفاء بها، فأما المراجعة للتخفيف بعد مشورة موسى فإنما كانت بعد أن استقر القبول والعزم على الأداء وعلى وجه الرجاء إن خفف فذاك وإلا فالقبول والاستعداد بحاله ولم يذكر في الحديث أن أحداً من الرسل اطلع على فرض الصلاة وإنمافيه أنه لما مر بموسى ﵉ سأله موسى فأخبره فقال موسى «إن أمتك لا تستيطع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك» واختص موسى بالعناية لأنه أقرب الرسل حالاً إلى محمد لأن كلاًً منها رسول منزل عليه كتاب تشريعي سائس لأمة أريد لها البقاء لا أن تصطلم بالعذاب، وقضى لمحمد أن تطول معالجته لأمته كما طالت معالجة موسى لأمته، ووجوه الشبة كثيرة، ولهذا أتى القرآن بذكر موسى في مواضع كثيرة منها عقب آية الإسراء، قال الله تعالى (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير. وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا) هذا وحديث الاسراء ثابت مستفيض عن رواية جماعة من الصحابة وعليه إجماع الأمة ولايضره أن يجهل بعض الناس حكمة عالم الغيب والشهادة في بعض مااشتمل عليه، ولا أن يكفر به من يكفر. والله الموفق قال أبو رية ص١٢٤ «هل يجوز رواية الاسرائيليات؟ أقول: المعلوم ديناً وعقلاً أن الأخبار إنما تحظر روايتها إذا ترتبت عليها مفسدة، وقد كثر في القرآن والسنة حكاية ما هوحق من الاسرائيليات وحكاية ما هو باطل مع بيان بطلانه، فدل ذلك على جواز ما كان من هذا القبيل، وبقي المحتمل، وما لا تظهر مفسدة في روايته على أنه محتمل.

стр. 121

قال أبو رية «روى أحمد عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ فغضب وقال: أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. وفي رواية فغضب وقال: جئتكم بها بيضاء نقية. لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به أو بباطل فتصدقوا به» أقول: هذا من رواية مجالد عن الشعبي عن جابر، ومجالد ليس بالقوي، وأحاديث الشعبي عن جابر أكثرها لم يسمعه الشعبي من جابر كما مر ص٣٨ وعلى فرض صحته فالغضب من المجئ بذاك الكتاب كان لسبببين الأول إشعاره بظن أن شريعتهم لم تنسخ، ولهذا دفع ذلك بقوله «لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني» . والثاني أنه قد سبق للمشركين قولهم في القرآن والنبي ﷺ (أسأطير الأولين اكتتبها وهي تملى عليه بكرة وأصيلا) وفي اعتياد الصحابة الاتيان بكتب أهل الكتاب وقراءتها على النبي ﷺ ترويج لذاك التكذيب، والسببان منتفيان عمن اطلع على بعض كتبهم بعد وفاة النبي ﷺ كعبد الله بن عمرو أما قوله «لا تسألوا الخ» فقد بين أن العلة هي خشية الكذب بحق أو التصديق باطل، والعالم المتكن من معرفة الحق من الباطل ومن المحتمل بمأمن من هذه الخشية، يوضخ ذلك أن عمر ﵁ وهو صاحب القصة كان بعد النبي ﷺ يسمع من مسلمي أهل الكتاب وربما سألهم، وشاركه جماعة من الصحابة ولم ينكر ذلك أحد قال «وروى البخاري عن أبي هريرة: لا تصدقوا الخ» أقول الذي في صحيح البخاري: «عن أبي هريرة قال: كان أهل التكاب يقرؤن التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول الله ﷺ : لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم الخ» / فلم ينه عن السماع

стр. 122

والاستماع، وإنما نهى عن التصديق والتكذيب، ولا ريب أن النهي عنه هو التصديق المبني على حسن الظن بصحفهم، والتكذيب المبني على غير حجة، فلو قامت حجة صحيحة وجب العمل بها قال «وروى البخاري ... عن ابن عباس أنه قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم الذي أنزل الله على رسول الله أحدث الكتب تقرؤنه محضاً لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه الخ» أقول: هذا من قول ابن عباس، وقد علمنا أنه كان يسمع ممن أسلم من أهل الكتاب وقد روي أنه سأل بعضهم، وأبو رية يسرف في هذا حتى يرمي ابن عباس بأنه «تلميذ لكعب» ، وبالتدبير يظهر مقصوده، ففي بقية عبارته «لا والله ما رأينا رجلاً منهم يسألكم عن الذي أنزل إليكم» فدل هذا أن كلامه في أهل الكتاب الذين لم يسلموا، فأما الذي أسلموا فعمل ابن عباس يقتضي أنه لا بأس للعالم المحقق مثله أن يسأل أحدهم قال (ص١٢٥) : وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود قال «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. إما أن تكذبوا بحق أو تصدقوا بباطل» أقول: في سنده نظر، فإن صح فقد تقدم معناه في حديث جابر وأثر ابن عباس قال «ولكن ما لبث الأمر أن انقلب بعد أن اغتر بعض المسلمين بمن أسلم من أحبار اليهود خدعة (؟) فظهرت أحاديث رفعوها إلى النبي تبيح الأخذ وتنسخ ما نهى عنه، فقد روى أبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهما أن رسول الله ﷺ قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» أقول: صح هذا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وأبي سعيد الخدري، وليس بمخالف لما تقدم، كيف والحجة مما تقدم إنما هي في حديث أبي

стр. 123

هريرة، فأما حديث جابر فلم يصح، وأثر ابن عباس من قوله. وقد بينه سياقه وفعله، وأثر ابن مسعود إن صح فقد تقدم حمله، ولو كان مخالفاً لكان رأى صحابي قد خالفه غيره، فالحجة في حديث أبي هريرة فقط، وهو بين في الإذن بالسماع والاستماع، ولم ينه إلا عن التصديق أو التكذيب بلا حجة، والرواية إما في معنى السماع والاستماع فيدل الحديث على الإذن فيها، وإما مسكوت عنها فتبين أن حديث «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» غير مخالف لحجة، ولو كان مخالفاً فإيما أولى أن يؤخذ به؟ أدلة المنع قد عرفت حالها، أما أدلة الجواز فصنيع القرآن والسنن الثابتة، وحديث صحيح صريح يرويه جماعة من الصحابة، وعمل عمر وعثمان وجماعة من الصحابة قال «وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الأحبار» . أقول لما يتعلما من كعب شيئاً وأنما سمعا منه شيئاً من الحكايات ظناً أو جوزا صحتها فنقلاها، والذي يصح عنها من ذلك شيء يسير، وكأن أبا رية يريد أنهما لما سمعا من كعب أحبا أن يرويا عنه فخافا أن ينكر الناس عليهما فافتريا- والعياذ بالله - على النبي ﷺ ذاك الحديث يدفعان به إنكار الناس، وساعدهما على ذلك غيرهما من الصحابة كأبي سعيد الخدري. كأن أصحاب محمد ﷺ جماعة من اللصوص لا يزعهم دين ولا حياء وكأن صحبتهم له ومجالستهم وحفظهم للقرآن والسنن ومحافظتهم على الطاعة طول عمرهم لم تفدهم في دينهم وأخلاقهم شيئاً بل زادتهم وبالا، فقد كانوا في جاهليتهم يتحاشون من الكذب. ولا ريب أن مثل هذا لا يقوله مسلم عاقل يعرف محمداً ﷺ ويؤمن بالقرآن وما فيه من الثناء البالغ على الصحابة ويعرف الصحابة أنفسهم. ولو أريد من ثلاثة معروفين من أصحاب السيد رشيد رضا أن يتفقوا على الكذب عليه لغرض من الأغراض لعز ذلك مع الفارق العظيم بين هذا وذاك من وجوه عديدة، ذا وسبيل المؤمنين الذي جرى عليه العمل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 124

وفي عهد أصحابه قبول خبر الصحابي الواحد، فإن عرض احتمال خطأ أو نحو فقام صحابي آخر فأخبر بمثل ذاك لم يبق إلا القبول، كما يروى في خبر محمد بن مسلمة بمثل ماأخبره به المغيرة في ميراث الجدة فأمضاه أبو بكر، وكشهادة أبي هريرة لحسان بانشاده الشعر في المسجد في حياة النبي ﷺ فأقره عمر، وكخبر أبي سعيد الخدري بمثل خبر أبي موسى في الاستئذان فاطمأن إليه عمر، وقد قال الله ﵎ (١١٤:٤ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) قال أبو رية (وقد جاءت الأخبار بأن الثاني وهو عبد الله بن عمرو بن العاص أصاب يوم اليرموك زاملتين من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منها بأشياء كثيرة من الاسرائيليات، وقد قال فيهما الحافظ ابن كثير: إن منها المعروف والمشهور، والمنكور والمردود» أقول: هو نفسه ﵁ لم يكن يثق بها، ولهذا كان يسمى صحيفته عن النبي ﷺ «الصادقة» تميزا لها على تلك الصحف وإنما كان يحكي من تلك الصحف، ماقام دليل على صدقة كصفة النبي ﷺ ، أو كان محتملاً فيحكيه على الاحتمال قال «رواية بعض الصحابة عن أحبار اليهود، كان من أثر وثوق الصحابة بمسلمة أهل الكتاب واغترارهم بهم أن صدقوهم فيما يقولون ويروون عنهم ما يفترون» أقول: إن أراد بالتصديق أن كعباً مثلاً كان إذا قال إني أجد في التوارة كيت وكيت، صدقوه في أن ذلك في التوراة التي بأيدي أهل الكتاب حينئذ وقد عرفوا أن فيها كثيراً من التحريف والتبديل، فهذا محتمل، لأن كعباً أسلم ثم تعلم الإسلام وبقي محافظاً على الإسلام مجتنباً للكبائر متمسكاً بالعبادة والتقوى، فكان عدلاً عندهم فيما يظهر، فعاملوه بحسب ذلك، وهذا هو الحق عليهم

стр. 125

وإن أراد بالتصديق أن كعباً مثلاً كان لو قال: إن من صفة الله تعالى كذا، لاعتقدوا – بناء على قوله أو صحفه – أن تلك صفة الله تعالى حقاً، فهذا كذب عليهم (راجع ص٦٨) أما أن مسلمي أهل الكتاب كانوا يفترون، فهذه دعوى يعرف حالما مما مر ويأتي قال «وقد نص رجال الحديث في كتبهم أن العبادلة الثلاثة وأبا هريرة ومعاوية وأنس وغيرهم قد رووا عن كعب الأحبار وإخوانه» أقول: أما الرواية عن كعب فقد ذكرت لهؤلاء ولعمر ولعلي ولابن مسعود كما في فتح المغيث للسخاوي ص٤٠٥، وعادة أهل الحديث أن يقولوا «روى عنه فلان، روى عنه فلان» ولو لم يكن المروي إلا حكاية واحدة، وهذا هو الحال هنا تقريباً، فأنك لا تجد لهؤلاء عن كعب إلا الحرف والحرفين ونحوها، وكثير من ذلك يأتي ذكر كعب فيه عرضا، راجع ص٦٩. وأما روايتهم عن إخوانه فمن هم؟ راجع ص٧٠ قال ص ١٢٦ «وكان أبو هريرة الخ» أقول ستأتي ترجمة أبي هريرة ﵁ وتعلم براءته قال: «وقد استطاع أن يدس من الخرافات والأوهام والأكاذيب في الدين ما امتلأت به كتب التفسير والحديث والتاريخ فشوهها وأدخلت الشك إليها» أقول: إنما كعب يخبر عن صحف أهل الكتاب، وقد عرف المسلمون قاطبة أنها مغيرة مبدلة، فكل ما نسب إليه في الكتب فحكمه حكم تلك الصحف، فإن كان بعض الآخذين عنه ربما يحكي قوله ولا يسميه فغايته أن يعد قولاً للحاكي نفسه وقوله غير حجة، وماجاوز هذا من شطحات أبي رية زيفته في غير هذا الموضع (راجع ص ٧٣) قال تكذيب الصحابة لكعب ... نهى عمر كعباً عن التحديث ... وقال له:

стр. 126

لتتركن الحديث [عن الأول] أو لألحقنك بأرض القردة» أقول: مر ما فيه ص٤٧ وقد أسقط أبو رية هنا كلمة «عن الأول» لحاجة في نفس إبليس (١) سيأتي شرحها في الكلام على ص١٦٣ قال «وكان علي يقول إنه لكذاب» . أقول: لم يعز أبو رية هذا إلى كتاب، ولا عثرت عليه، ولو كان له أصل لذكر في ترجمة كعب من كتب الجرح والتعديل / وذكر عن معاوية أنه «ذكر كعباً فقال: إنه من أصدق هؤلاء المحدثين عن أهل الكتاب، وأن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب» وعلق على كلمة «أصدق» أن في رواية أمثل وإنما وقع بلفظ «أمثل» في عبارة نقلها ص١٢٨ عن اقتضاء الصراط المستقيم وعلق هناك أنها هي الرواية الصحيحة، أما رواية «أصدق» «فيبدو أنها محرفة» كذا يجازف هذا المسكين، وصاحب الاقتضاء يورد في مؤلفاته الأحايث من حفظه، وإنما الرواية «أصدق» كما في صحيح البخاري وغيره. هذا وقد بين أهل العلم أن مقصود معاوية بالكذب الخطأ. راجع فتح الباري ٢٨٢:١٣ وتهذيب التهذيب، والسياق يوضح ذلك، فالكلام إنما هو في التحديث عن أهل الكتاب، أي عن كتبهم، ولم يكن معاوية ينظر في كتبهم، وإنما كان كعب وغيره يحكون تنبؤات عما يستقبل من الأمور فيعلم الصدق أو الكذب بوقوعها وعدمه، والظاهر أنه كان عند كعب صحف فيها تنبؤات من غيره، ومن أعجب ما جاء في ذلك ما جرى له مع ابن الزبير، والذي يصح عنه من ذلك قليل، غير أن الوضاعين بعده استغلوا شهرته بذلك فكذبوا عليه كثيراً لأغراضهم، وكان الكذب عليه أيسر عليهم من الكذب على النبي ﷺ قال «قصة الصخرة بين عمر وكعب الخ»

стр. 127

أقول: قد تقدم النظر فيها ص٧٥ قال ص١٢٧ «.. روى بعضهم عن كعب الأحبار أنه ذكر عند عبد الملك بن مروان وعروة بن الزبير حاضر أن الله قال للصخرة: أنت عرشي الأدنى» أقول: واضع هذا جاهل، فإن قوله «عند عبد الملك بن مروان» يعني في خلافته، وإنما ولى سنة ٦٥ بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة قال ص١٢٨ «وفي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي:. . . وكان - أي عمر - يضربه بالدرة ويقول له: دعنا من يهوديتك أقول: لم يسند السبط هذه الحكاية، وهو معروف بالمجازفة قال «الاسرائيليات في فضل بيت المقدس» ذكر أخبار عن كعب منها خبر «أنت عرشي الأدنى» المار قريباً ونسبها إلى بعض كتب الأدب وقد قال هو نفسه ص١٢٩ «بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى» وإنما/ بنيت قبة الصخرة بعد وفاة كعب ببضع وثلاثين سنة. وفي كتاب (فضائل الشام) للربعي سبع عشرة حكاية عن كعب قال فيها مخرجه الشيخ ناصر الدين الأرناؤط «كل الأسانيد لا تصح» وفي هذا تصديق لما قلته مراراً أن غالب ما يروى عن كعب مكذوب عليه. وبعد فلو صح شيء من ذلك فإنما كان كعب يخبر عن صحف اليهود، ومعقول أن يكون فيها أمثال ذلك قال «وعن أبي هريرة الخ» أقول هذا كذب مفترى على أبي هريرة ﵁، وقد قال أبو رية ص١٢٩ «بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث الخ» وإنما بنيت بعد وفاة أبي هريرة بعدة سنين. وقوله «تلميذ كعب الأحبار» يطلقها ظالماً على أبي هريرة

стр. 128

وابن عباس وابن عمرو وغيرهم من الصحابة الذين قال الله تعالى فيهم «ليغيظ بهم الكفار» قال ص١٢٩ «وفي حديث: أن الطائفة من أمته.. إنهم في بيت المقدس وأكنافه» أقول: روى هذا من حديث أبي أمامة بسند ضعيف، وعلى فرض صحته فليس المراد أنهم هناك دائماً، كيف ولم يكن هناك في عهد النبي ﷺ أحد من المسلمين، وإنما المعنى أنهم يكونون هناك في آخر الزمان حين يأتي أمر الله وقال «ما قيل في المسجد الأقصى: كانت الأحاديث الصحيحة أول الأمر في فضل المسجد الحرام ومسجد رسول الله، ولكن بعد بناء قبة الصخرة ظهرت أحاديث في فضلها وفضل المسجد الأقصى» أقول: أما الصخرة فنعم لا يثبت في فضلها نص، وأما المسجد ففضله ثابت بالكتاب والسنة والإجماع قال «وقد روى أبو هريرة [مرفوعاً] : لا تشد الرحال إلى إلا ثلاثة مساجد الخ» أقول الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأبي بصرة الغفاري، وجاء من حديث ابن عمر ﵃ وذكر قول ميمونة لامرأة نذرت أن تصلي في بيت المقدس «اجلسي وصلي في مسجد رسول الله، فإني سمعت رسول الله يقول: صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد الكعبة» قال أبو رية «ولو أن المسجد الأقصى كان قد ورد فيه تلك الأحاديث لما منعت ميمونة هذه المرأة من أن توفي نذرها» /

стр. 129

أقول رأت ميمونة أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل فلم تر فائدة لسفر وعناء لأجل صلاة يمكن أداء أفضل منها بدونها. وهذا لا ينفى أن يكون للمسجد الأقصى فضل في الجملة كما هو ثابت، وأن يكون للصلاة فيه فضل دون فضل الصلاة في مسجد المدينة. وهذا واضح قال ص١٣٠ «اليد اليهودية في تفضيل الشام:.. إن الشام ما كان لينال من الإشادة بذكره والثناء عليه إلا لقيام دولة بني أمية فيه.. فكان جديراً بكهنة اليهود أن ينتهزوا الفرصة ... وكان من هذه الأكاذيب أن بالغوا في مدح الشام» أقو: أما فضل الشام فقد ثبت بكتاب الله كما مر ص٦٥، والعقل يتقبل ذلك لأنها كانت منشأ غالب الأنبياء والمرسلين، كما يتقبل أن ينوه النبي ﷺ بفضلها تبياناً للواقع وترغبياً للمسلمين في فتحها والرباط فيها، أما الأخبار الكثيرة الواهية في فضل الشام وبيت المقدس والصخرة فانتظر في أسانيدها يبين أنها إنما اختلقت بعد كعب بزمان لأغراض أخرى غير اليهودية قال «مر بك ذرو مما قال الكهنة في أن ملك النبي سيكون بالشام» أقول: جاء هذا عن كعب، فإن صح فالظاهر أنه كذلك كان في صحف أهل الكتاب، فقد أثبت القرآن ذكر النبي ﷺ فيها، ومن أبرز الأمور في شأنه ظهور ملك أصحابه بالشام. وراجع ص٧١ قال «وأن معاوية قد زعم الخ» أقول: هذا باطل. راجع ص٦٤. قال: ص١٣١ «في الصحيحين: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» ثم قال «روى البخاري: هم بالشام» . أقول: الذي في صحيح البخاري ذكر الحديث من طريق عمير عن معاوية

стр. 130

مرفوعاً ثم قال «قال عمير فقال مالك بن يخامر قال معاذ: وهم بالشام» وليس لمالك بن يخامر في الصحيح سوى هذا، وجعله من قول معاذ فيما يظهر لا من الحديث، والواو فيه هي واو الحال أي أنه يأتي أمر الله وهم بالشام، وإتيان أمر الله يكون آخر الزمان وليس المراد أنهم يكونون دائماً بالشام، كيف ولم يكن بها في عهد النبي ﷺ . والبخاري يحمل الطائفة على أهل العلم، ومعلوم أن معظمهم لم يكونوا بالشام في عصره ولا قبله / قال «وفي مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: لا يزال أهل الغرب ظاهرين [على الحق] حتى تقوم الساعة» أقول: إنما هو في صحيح مسلم عن سعد بن أبي وقاص، وليس عن أبي هريرة، والظاهر أن أبا رية تعمد خلاف الرواية، ولا أدري لماذا أسقط «على الحق» . قال «قال أحمد وغيره: هم أهل الشام» أقول: قد قيل وقيل، وأقرب الأقوال أن المراد بالغرب الحدة والشوكة في الجهاد، ففي حديث جابر بن سمرة «لا يزال هذا الدين قائماً تقاتل عليه عصابة الخ» وفي حديث جابر بن عبد الله « ... طائفة من أمتي يقاتلون» ونحوه في حديث معاوية وحديث عقبة بن عامر. أما ما يحكى أن بعضهم قال «المغرب» فخطأ محض. قال «وفي كشف الخفا الخ» أقول قد تقدم أن كعباً توفي وسط خلافة عثمان، وأنه لم يصح عنه ما نسب إليه في «فضائل الشام» شيء قال «ومن أحاديث الجامع الصغير للسيوطي التي أشير عليها بالصحة» أقول ليست تلك الإشارة معتمدة دائماً وذكر حديث «الشام صفوة الله الخ، وهو في المستدرك ٥٠٩:٤ قال الحاكم

стр. 131

«صحيح الإسناد» تعقبه الذهبي فقال «كلا وعفير هالك» يعني أحد رجال سنده. وذكر حديث «طوبى للشام الخ» وهذا جاء من حديث زيد بن ثابت وصححه الحاكم وغيره من المتأخرين، وفي صحته نظر وذكر حديث «ليبعثن الله من مدينة الشام الخ» وهذا روي من حديث عمر، وفي سنده أبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف مختلط وقال في حاشية ص١٣٢ «هذا هو الحديث الصحيح الخ» أقول: راجع ص٨٦ وذكر ص١٣٤ فصلا لصاحب المنار في الحط على كعب ووهب، وقد تقدم ما يكفي وفيه ص١٣٥ « ... فمن المعتاد المعهود من طباع البشر أن يصدقوا كل خبر لا يظهر لهم دليل على تهمة قائله فيه ولا بطلانه في نفسه، فإذا صدق بعض الصحابة كعب الأحبار في بعض مفترياته التي كان يوهمهم/ أنه أخذها من التوراة أو من غيرها من كتب أنبياء بني إسرائيل وهو من أحبارهم أو في غير ذلك فلا يستلزم هذا إساءة الظن بهم» أقول: أما من أسلم من أهل الكتاب وظهر حسن إسلامه وصلاحه فأخبر عن صحف أهل الكتاب بشيء فلا إشكال في تصديق بعض الصحابة له في ذلك بمعنى ظن أن معنى ذاك الخبر موجود في صحف أهل الكتاب، وإنما المدفوع تصديق الصحابة ما في صحف أهل الكتاب حينئذ مع علمهم بأنها قد غيرت وبدلت وقول النبي ﷺ : «لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم» وقد مر كلام ابن عباس وغيره في ذلك (راجع ص٦٨و ٨٩) فالحق أنهم لم يكونوا يصدقونها إلا أن يوجد دليل على صدقها، وذلك كخبر عبد الله بن عمرو عن صفة النبي ﷺ في التوراة ولذلك أقسم عليه (راجع ص٧١) ، فأما ماعدا ذلك فغاية الأمر أنهم

стр. 132

إذا وجدوا الخبر لا يدفعه العقل ولا الشرع ولا هو من مظنة اختلاف أهل الكتاب وتحريفهم أنسوا به، فإن كان مع ذلك مناسباً في الجملة لآية من القرآن أو حديث عن النبي ﷺ مالوا إلى تصديقه، وإخبار الإنسان عما يعلم السامعون أنه لم يدركه لا يعطي أنه جازم تصديقه، لأن مثل هذا الخبر كالمتضمن لقوله «بلغني ... » قال أبو رية ص١٣٧ «الكيد السياسي الخ» ثم ذكر قصة عبد الله بن سبأ، وقد نقدها الدكتور طه حسين في «الفتنة الكبرى» فأجاد وقال ص١٣٨ «وقد وضع كعب يده في يد ابن سبأ الخ» أقول: هذا تخيل صرف قال «فقد روى وكيع عن الأعمش عن أبي صالح الخ» أقول: ينظر السند إلى وكيع، والأعمش مدلس، وأبو صالح لم يتبين إدراكه للقصة، ولو صحت لما دلت إلا على أحد أمرين: إما أن كعباً وجد ذلك في صحفه كما يشهد له ما أخبر به ابن الزبير، وإما أنه كان عميق النظر وبعيده قال ص١٣٩ «وصفوة القول في هؤلاء اليهود الخ» أقول: الكيد اليهودي المحقق كيد جولدزيهر وإخوانه المستشرقين المحاولين تصوير الصحابة في صورة مغفلين خرافيين يتلاعب بهم كعب، وأبو رية ممن سقط فريسة لهذا الكيد ثم عاد فارساً من فرسانه المسيحيات / وذكر ص١٤٠ «المسيحيات في الحديث الخ» وذكر تميما الداري ﵁ فافترى عليه، وعلق في الحاشية أن تحوله

стр. 133

إلى الشام بعد قتل عثمان كان لتمكين الفتنة، والناس يعرفون أنه إنما أتاها لأنها وطنه وذكر ص١٤١ حديث الجساسة وكلام صاحب المنار فيه وقوله «النبي ﷺ ماكان يعلم الغيب ... وكثيراً ما صدق المنافقين والكفار الخ» أقول: قد مر ص١٩٩ أنه لم يثبت أن النبي ﷺ صدق كاذباً، وإنما كان إذا احتمل عنده خبر إنسان أن يكون صادقاً وأن يكون كاذباً ينبي على احتمال صدقه مالا يرى ببنائه عليه بأساً، والفرق بين القضايا التي تقدمت هناك وبين خبر الجساسة عظيم جداً، والأحاديث الثابتة في شأن الدجال كثيرة، ويعلم منها أن كثيراً من شأنه خارج عن العادة، وكما أن الملائكة قد يأذن الله تعالى لهم فيتمثلون بشراً يراهم من حضر، ثبت ذلك بالقرآن في قصى الملائكة مع إبراهيم ومع لوط وفي تمثل الملك لمريم وغير ذلك، وثبت في السنة في عدة أحاديث، فكذلك قد يأذن الله تعالى للشياطين- لحكمة خاصة- فيتمثلون في صور يراها من حضر، فأما الجساسة فشيطان وأما الدجال فقد قال بعضهم إنه شيطان، وعلى هذا فلا إشكال، كشف الله تعالى لتميم وأصحابه فرأوا الدجال وجساسته وخاطبوهما ثم عاد حالهما إلى طبيعة الشياطين من الإستتار، وإن كان الدجال إنساناً فلا أرى ذلك إلا شيطاناً مثل في صورة الدجال لأن النبي ﷺ قال في أواخر حياته «أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد» انظر فتح الباري ٦١:٢ والحكمة في كشف الله تعالى لتميم وأصحابه عما كشف لهم عنه أن يخبروا بذلك فيكون موافقاً لماكان النبي ﷺ يخبر به فيزداد المسلمون وثوقاً به وهذا بين في الحديث إذ قال النبي ﷺ بعد ذكره لتميم «وحدثني حديثاً وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال» ثم قال «ألا هل كنت حدثتكم ذلك» ؟ فقال الناس: نعم. فقال «فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة ومكة»

стр. 134

وقال ص١٤٤ «ومن المسيحيات في الحديث مارواه البخاري عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: كل بني آدم يطعن الشيطان في جنبه حين يولد غير عيسى ابن مريم، ذهب يطعن فطعن / في الحجاب. وفي رواية.. إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً، غير مريم وابنها» ثم قال «وفقه هذا الحديث الذي سمعه الصحابي الجليل ... حتى الرسل نوح وإبراهيم وموسى وغيرهم وخاتمهم محمد صلوات الله عليهم وعلى جميع النبيين. فانظر وأعجب» أقول أما المؤمن فيعجب من جرأة أبي رية وتحكمه بجهله على رب العالمين أحكم الحاكمين عالم الغيب والشهادة. إن هؤلاء الرسل نبئوا بعد أن بلغ كل منهم أربعين سنة، وقد آتى الله تعالى يحيى وعيسى النبوة في صباهما، وقال الله تعالى في مريم وعيسى (٢٩:١٩- فأشارت إليه، قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً، قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا، وجعلني مباركاً أينما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا، وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقيا. والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا) هل يجحد أبو رية هذا؟ أم يجحد قول الله تعالى (٧٥:٦ وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من المؤمنين، فلما جن عليه الليل رأى كوكباً -) الآيات؟ وقول الله تعالى لخاتم النبيين صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين (٥٢:٤٢ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا، وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) ونحوها من الآيات؟ أما المؤمنون فيؤمنون بهذا كله، ويؤمنون بأنبياء الله كلهم، لا يفرقون بين أحد منهم ولا يخوضون في المفاضلة بينهم اتباعاً للهوى، وأرجو أن لا يكون من ذلك ما يلجئ إليه مقتضى الحال هنا مما يأتي: إن الفضل الذي يعتد كمالاً تاماً للإنسان هو ما كان بسعيه واجتهاده، ومن هنا

стр. 135

كان فضل الخليلين إبراهيم ومحمد عليهما وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام. أما طعن الشيطان بيده فليس من شأنه أن يثاب العبد على سلامته منه ولا أن يعاقب على وقوعه له، بل إن كان من شأنه أن يورث في نفس الإنسان استعداداً ما لو سوسته فالذي يناله ذلك ثم يجاهد بسعيه ويخالف الشيطان ويتغلب علىه أولى بالفضل ممن لم ينله ثم ذهب قاتله الله يسخر من حديث شق صدره ﷺ ، قال «ولم يقفوا عند ذلك / بل كان من رواياتهم أن النبي لم ينج من نخسة الشيطان إلا بعد أن نفذت إلى قلبه، وكا ن ذلك بعملية جراحية ... وكأن العملية الأولى لم تنجح فأعيد شق صدره ... » أقول: لم يكن شق الصدر لا زالة أثر النخسة كما زعم، وإنما كان لتطهير القلب من شيء يخلق لكل إنسان بمقضتى أنه خلق ليبتلى، أما تكراره فقد أنكره بعضهم كما في الفتح حملاً لما ورد من ذلك على خطأ بعض الرواة، وفي صحيح مسلم ذكر وقوعه في الطفولة وعند الإسراء وقال في الأول «أتاه جبريل ... فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله ... » وقال في حديث الإسراء «فنزل جبريل ففتح صدري ثم غسله ... ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري» فليس في الثاني ذكر إخراج القلب ولا إخراج علقة منه، ولا ذكر حظ الشيطان، وإنما فيه ذكر الصدر وزيادة ذكر إفراغ الحكمة والإيمان فيه، فتبين أن المقصود ثانياً غير المقصود أولاً، وأن كلا من المقصودين مناسب لوقت وقوعه، وفي الفتح «قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيماناً وحكمة بدون شق: الزيادة في قوة اليقين، لأنه أعطى برؤية شق بطنه وعدم تأثره بذلك ما أمن معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس وأعلاهم حالاً ومقالاً، ولذلك وصف بقوله

стр. 136

تعالى «ما زاغ البصر وما طغى» أقول: وحكمة عالم الغيب والشهادة أدق وأخفى من أن يحيط بها البشر قال أبو رية ص١٤٦ «وإن هذه العملية الجراحية لتشبه من بعض الوجوه عملية صلب السيد المسيح ﵇، وهو لم يرتكب ذنباً يستوجب هذا الصلب، وإنما ذكروا ذلك ليغفر الله خطيئة آدم ... » أقول شق الصدر لم يؤلمه ﷺ البتة، وليس هو تكفير ذنبه ولا ذنب غيره فأين هو – قاتلك الله – من خرافة الصلب؟ قال «ولئن قال المسلمون ... ولم لا يغفر الله لآدم خطيئته بغير هذه الوسيلة القاسية ... ، قيل لهم: ولم لا يخلق الله قلب رسوله الذي اصطفاه كما خلق قلوب إخوانه المرسلين؟ أقول: أما المسلمون فلا يقولون ما زعمت، وإنما يقولون: كيف يذنب آدم وهو عبد من عبيد الله فيعاقب الله عيسى، وهو عند زاعمي ذلك «ابن الله الوحيد» بتلك العقوبة القاسية التي تألم / لها عيسى بزعمهم أبلغ الآلم وصرخ بأعلى صوته «إيلي إيلي، لم شبقتني» أي إلهي إلهي لم تركتني؟ ثم من أين علمت أن قلوب سائر المسلمين لم تخلق كما خلق قلب محمد؟ قفد تكون خلقت سواه وخص محمد بهذا التطهير أو طهرت أيضاً بهذه الوسيلة أو غيرها (والله يعلم وأنتم لا تعلمون) وعلق ص١١٤٤بحكاية شيء من هذه القسوس، وفيما تقدم كفاية وقال ص١٤٧ «ولا أدري والله أين ذهبوا مما جاء في سورة الحجر الخ» أقول: فأين يذهب أبو رية من تدلية الشيطان لآدم إلى أن كان ما ذكره الله تعالى بقوله «وعصى آدم ربه فغوى» ومن قول موسى بعد قتله القبطي

стр. 137

(١٥:٢٨ قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين، قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر فتغفر له إنه هو الغفور الرحيم) ومن قول أيوب (٤١:٣٨ مسن الشيطان بنصب وعذاب) وقول الله تعالى لمحمد ﷺ (١٩٨:٧ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم، إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) أما الآية الحجر فعلى المهشور أن المراد بقوله (إن عبادي) عباده المخلصون خاصة، فقوله (ليس لك عليهم سلطان) معناه والله أعلم: لن تسلط على إغوائهم الإغواء اللازم، لأن الكلام فيه لتقدم قوله (لأغوينهم أجمعين) وهذا لا ينافي أن يسلط على بعضهم لإغواء عارض، أو لإلحاق ضرر لا يضر الدين ثم ذكر ص١٤٧- عن الزاري وغيره - ألأن الخبر على خلاف الدليل لوجوه «أحدهما أن الشيطان إنما يدعوا إلى الشر من يعرف الخير والشر، والصبي ليس كذلك» أقول: ومن قال إن النخسة دعاء إلى الشر؟ بل إن كانت للايلام فقط فذلك من خبث الشيطان مكن منها كمنا مكن مما أصاب أيوب، وكما يمكن الكفار من قتل المسلمين- حتى الأنبياء - وذبح أطفالهم. وإن كانت لإحداث أمر الخير والشر في الحال، والتمكين من هذا كالتمكين من الوسوسة والتزيين، وذلك من تمام أصل الابتلاء / قال «الثاني أن الشيطان لو تمكن من هذا النخس لفعل أكثر من ذلك من إ هلاك الصالحين وإفساد أحوالهم» أقول من أني يلزم من التمكن من حمل رجل، التمكن من حمل جبل؟

стр. 138

والشيطان لا يتمكن إلا إن مكنه الله تعالى فإذا مكنه الله تعالى من أمر خاص فمن أين يلزم تمكنه من غيره؟ قال «والثالث لم خص بهذا الاستثناء مريم وعيسى ... » ؟ أقول: قد تقدم الجواب عن هذا. قال «الرابع أن ذلك النخس لو حيد لبقي أثره، ولو بقي أثره لدام الصراخ والبكاء» أقول: رأيت إذا عركت أذن الطفل فألم وبكى، أيستمر الألم والبكاء؟ ثم ذكر عن الشيخ محمد عبده كلاماً فيه «فهو من الأخبار الظنية لأنها من رواية الآحاد، ولما كان موضوعها عالم الغيب، والإيمان بالغيب من قسم العقائد وهي لا يؤخذ فيها بالظن لقوله تعالى «إن الظن لا يغني من الحق شيئا» كنا غير مكلفين الإيمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا» أقول: لا نراع أن الدليل الظني لا يوجب الإيمان القاطع، لكنه يوجب التصديق الظني، وكيف لا وظن ثبوت الدليل يوجب ضرورة ظن ثبوب المدلول. أما قوله تعالى (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) فلي فيه بحث طويل حاصله أن تدبر مواقع (يغني) في القرآن وغيره، وتدبر سياق الآية، يقضي بأن المعنى: إن الظن لا يدفع شيئاً من الحق، وبعبارة أهل الأصول: الظني لا يعارض القطعي (١) . قال ص١٤٨ «ابن جريج الخ» أقول: راجع ص٦٨ ثم قال «ومن شاء أن يستزيد من معرفة الاسرائيليات والمسيحيات وغيرها

стр. 139

في الدين الإسلامي فليرجع إلى التفسير والحديث والتاريخ، وإلى كتب المستشرقين أمثال جولدبهز وفرون كريمر وغيرهما» أقول: هذا موضع المثل «صدقني من بكره» وقوله «في الدين الإسلامي» لما مغزاها، فأبو رية - كما تعطيه هذه الكلمة والله أعلم - يرى في القرآن نحو ماجهر به من الحديث، وتقديمه لجولدبهز اليهودي يؤيد ما قدمته ص٩٤، وكتب جلدزيهر في الطعن في الإسلام والقرآن والنبي ﷺ معرفة، وقد أحالك أبو رية عليها، والله المستعان / أبو هريرة وقال أبو رية ص١٥١ «أبو هريرة: لو كانت أحاديث رسول الله كلها من الدين العام كالقرآن لا يقوم إلا عليها ولا يؤخذ إلا منها، وأنه يجب على كل مسلم أن يعرفها ويتبع ما فيها، وكان النبي ﷺ قد أمر أصحابه أن يحفظوا هذه الأحاديث لكي تؤثر بعده، لكان أكثر الصحابة رواية لها أعلام درجة في الدين ... » أقول: قدمنا الكلام في نظرية «دين عام ودين خاص» ص١١٧-١٤، وص ٣١-٣٥. ولم يوجب الله تعالى علىكل مسلم معرفة القرآن نفسه سوى الفاتحة لوجوبها في الصلاة، وأما الاتباع فطريقته أن العلماء يعرفون ويجتهدون، والعلامة تسألهم عند الحاجة فيفتونهم بما علموا من الكتاب والسنة وكان الصحابة مأمورين بأن يبلغ كل منهم عند الحاجة ما حفظه، والذين حفظوا القرآن كله في عهد النبي ﷺ ليسوا من أكابر الصحابة، وقد مات أبو بكر وعمر قبل أن يستوفي كل منهما القرآن حفظاً، وكان هناك عملا، الأول التلقي من النبي ﷺ ، الثاني الأداء، فأما التلقي فلم يكن في وسع الصحابة أن يلازموا النبي صلى الله علي وسلم ملازمة مستمرة، وإذ كان أنس وأبو هريرة ملازمين للنبي ﷺ لخدمته فلابد أن

стр. 140

يتلقيا من الأحاديث أكثر مما تلقاه المشتغلون بالتجارة والزراعة، على أن أبا هريرة لحرصه على العلم تلقي ممن سبقه إلى الصحابة ما عندهم من الأحاديث، فربما رواها عنهم وربما قال فيها «النبي ﷺ ... » كما شاركه غيره منهم في مثل هذا الأرسال لكمال وثوق بعضهم ببعض، وقد ثبت أنه سأل النبي ﷺ عن أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة فقال «لقد ظننت يا أبا هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، ... » أخرجه البخاري في صحيحه، تأتي أخباراً كثيرة لاثبات هذا المعنى، وأما الأداء فإنما عاش أبو بكر زمن الأداء نحو سنتين مشغولاً عند المسلمين بتدبير أمور المسلمين، وعاش عمر مدة أبي بكر مشغولاً بالوزارة والتجارة، وبعده مشغولاً بتدبير أمور المسلمين. وفي المستدرك ٩٨:١ أن معاذ بن جبل أوصى أصحابه أن يطلبوا العلم وسمى لهم أبا الدرداء وسلمان وابن مسعود وعبد الله بن سلام، فقال يزيد بن عميرة: وعند عمر بن الخطاب؟ فقال معاذ «لا تسأله عن شيء، فإنه عنك مشغول» وعشا عثمان وعلي مشغولين بالوزارة وغيرهما ثم الخلافة / ومصارعة الفتن، وكان الراغبون في طب العلم يتهيبون هؤلاء ونظراءهم، ويرون أن جميع الصحابة ثقات أمناء، فيكتفون بن دون أولئك وكان هؤلاء الأكابر يرون أنه لا يتحم عليهم التبليغ إلا عندما تدعوا الحاجة، ويرون أنه إذا جرى العلم على ذلك فلين يضيع شيء من السنة، لأن الصحابة كثير، ومدة بقائهم ستطول، وعروض المناسبات التي تدعوا الحاجة فيها إلى التبليغ كثير، وفوق ذلك فقد تكفل الله بحفظ شريعته، وكانوا مع ذلك يشددون على أنفسهم خشية الغلط، ويرون أنه إذا كان من أحد منهم خطأ وقت وجوب التبليغ فهو معذور قطعاً، بخلاف من حدثوا قبل الحاجة فأخطأ، وكانوا مع ذلك يحبون أن يكفيهم غيرهم، ومع هذا فقد حدثوا بأحاديث عديدة، وبلغهم عن بعض أنه يكثر من التحديث فلم يزعموا أنه أتى منكراً، وإنما حكى عن بعضهم ما يدل أنه يرى الإكثار خلاف

стр. 141

الأولى. فأما زعم أبي رية أنهم كانوا «يرغبون عن رواية الحديث وينهون إخوانهم عنا..» فقد تقدم تقنيده ص ٣٠ وذكر أبو رية كثيرة حديث أبي هريرة وقال ص١٥٢ «على حين أنه كان من عامة الصحابة، وكان ينبهم لا في العير ولا في النفير» وسيبسط هذا ص١٨٤ وننظر فيه وقال ص١٥٢ «الاختلاف في اسمه الخ» أقول: وماذا يضره ذلك؟ إنما المقصود من الاسم المعرفة وقد عرف بأبي هريرة، وأصح ما قيل في اسمه عبد الله أو عبد الرحمن، وهو على ما نسبه ابن الكلبي وغيره، ابن عامر بن عبد ذي الشرى بن طريف بن عتاب بن أبي صعب ابن منبه وابن سعد بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبد الله ابن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد ابن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قجطان الأزدي ثم الدوسي، وأمه أميمة بنت صفيح بن الحارث بن سابي بن أبي صعب الخ قال ص١٥٣ «نشأته وأصله ... لم يعرفوا شيئاً عن نشأته ولا عن تاريخه قبل اسلامه غير ما ذكر هو عن نفسه....: نشأت يتيماً وهاجرت مسكيناً وكنت أجيراً لبسرة بنت غزوان بطعام بطني وعقبه رجل، فكنت أخدم إذا نزلوا وأحدوا إذا ركبوا، وكنيت بأبي هريرة بهرة صغيرة كنت ألعب بها» / أقول: أما أصله فقد تقدم، وهو من قبيلة شريفة كريمة عزيزة، وأما نشأته فما أكثر الصحابة الذين لا تعرف نشأتهم حتى من خيارهم وكبارهم، وأما قوله: نشأت يتيماً الخ فهذه القصة رويت من أوجه في إسناد كل منها يقال، ومجموعها يثبت أصل القصة، فأما الألفاظ التي تنفرد بعض الروايات فلا، وفي

стр. 142

الاصابة أن بسرة هذه أخت عتبة بن غزوان السلمي، وبلاد دوس بعيدة جداً عن بلاد بني سليم فيظهر أن أبا هريرة في هجرته إلى النبي ﷺ مر ببلاد بني سليم أو قريباً منها، فوجد رفقة راحلين نحو المدينة وفيهم بسرة فصحبهم على أن يخدمهم في الطريق ويطعموه ويعقبوه. ولا يدفع هذا ما ثبت في صحيح البخاري من قوله «لما قدمت على النبي ﷺ قلت في الطريق: يا ليلة من طولها وعنائها ... على أنها من دارة الكفر نجت قال: وأبقى لي غلام في الطريق، فلما قدمت على رسول الله صىل الله عليه وسلم فبايعته، فبنينا أنا عنده إذ طلع الغلام، فقال: يا أبا هريرة هذا غلامك، فقلت هو حر لوجه الله. فأعتقه» انظر فتح الباري ٧٩:٨ فقد يكون الغلام أبق منه قبل صحبته المرفقة، وبهذا تبين أن في القصة منقبتين له ن الأولى أن إخدامه لنفسه إنما كان ليبلغ إلى النبي ﷺ ودار الإسلام، والثانية أنه مع قد ذات يده أعتق غلامه، شكراً لله تعالى على إبلاغه مقصدة، وفي القصة عبرة بالغة، فإنه لما أذل نفسه بخدمة تلك المرأة استعانة على الهجرة في سبيل الله عوضه الله تعالى بأن زوجه إياها تخدمه فوق ما خدمها، ثم كان على طريقته في التواضع والتحديث بالنعمة والاعتبار مع الميل إلى المزاح يذكر هذه القصة ويشير إلى تكليف امرأته بخدمته على نحو ما كانت تكلفه. وقد يكون وقع منه ذلك مرة أو مرتين على سبيل المزاح ومداعبة الأهل وتحقيق العبرة، وقد ثبت عن أبي المتوكل الناجي وهو ثقة «أن أبا هريرة كانت له أمة زنجية قد غمتهم بعملها، فرفع عليها السوط يوماً ثم قال: لولا القصاص يوم القيامة لأغشيتك به، ولكني سأبيعك ممن يوفيني ثمنك أحوج ما أكون إليه (يعني الله اذهبي فأنت حرة لله » انظر البداية ١١٢:٨. فمن كانت هذه حاله مع أمة مهينة، فما عسى أن تكون حاله مع امرأته الحرة الشريفة؟ ولكن أبا رية ذكر ص١٨٧ بعض الألفاظ التي انفردت بها

стр. 143

بعض الروايات (١) ، ثم راح يسب أبا هريرة ﵁ ويرميه بما هو من أبعد الناس عنه / وهذا مما يوضح أن أبا رية ليس بصدد بحث علمي، إنما صدره محشو براكين من الغيظ والغل والحقد يحاول أن يخلق المناسبات للترويح عن نفسه منها، كأنه لا يؤمن بقول الله في أصحاب نبيه (ليغيظ بهم الكفار) ولا يصدق بدعاء النبي ﷺ لأبي هريرة، وأمه أن يحببها الله إلى عباده المؤمنين كما في ترجمته في فضائل الصحابة من صحيح مسلم وقال ص١٥٣ «إسلامه. قدم أبو هريرة بعد أن تخطى الثلاثين من عمره» أقول كذا زعم الواقدي عن كثير بن يزيد عن الوليد بن أبي رباح عن أبي هريرة، والواقدي متروك، وكثير ضعيف، وقد قال الواقدي نفسه: إن أبا هريرة مات سنة ٥٩ وعمره ٧٨، ومقتضى هذا أن يكون عمره عند قدومه سنة نحو ست وعشرين سنة، وهذا أشبه والله أعلم وفي الصحابة الطفيل بن عمرو الدوسي وهو من رهط أبي هريرة بني ثعلبة بن سليم بن فهم، أسلم قبل الهجرة وقصته مطولة في السيرة وغيرها، وفي ترجمته من الإصابة أنه لما عاد بعد إسلامه إلى قومه - وذلك قبل الهجرة بمدة- دعا قومه إلى الإسلام فلم يجبه إلا أبوه وأبو هريرة، فعلى هذا يكون إسلام أبي هريرة قبل الهجرة، وإنما تأخرت هجرته إلى زمن خبير

стр. 144

وذكر أبو رية ص١٥٣ مقاولة أبي هريرة وأبان بن سعيد بن العاص وقول أبان «واعجبا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن» وعلق في الحاشية «الوبر دابة والمعنى أن أبا هريرة ملتصق في قريش وشبهه بما يتعلق بوبر الشاة» وهذا من تحقيق أبي رية! وليس أبو هريرة من قريش من شيء لا ملصق ولا غير ملصق، وقوله «وشبهه» يقتضي أن الرواية «وبر» بالتحريك ولو كان كذلك لما بقي لقوله «الوبر دابة» معنى، وعلق أيضاً «ومما يلفت النظر أن النبي ﷺ لم يؤاخذ أبانا بما أغلظ لأبي هريرة» وأقول: ليس ذاك باغلاط مع أنه إنما كان جواباً ومكافأة. وقال ص١٥٤ «ولفقره اتخذ سبيله إلى الصفة، فكان أشهر من أمها، ثم صار عريفاً لمن كان يسكنونها» وعلق عليها عن أبي الفداء تعريفاً لأهل الصفة كما توهم، وقد عرفهم أبو هريرة ﵁ التعريف الحق فقال كما في الصحيحين وغيرهما «وأهل الصفة أضياف الإسلام / لا يأوون على أهل ولا مال الخ» وقد قال الله ﵎ (٢٧٣:٢ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض» الآية. كان للأنصار حوائط فيعملون فيها ويأكلون من غلتها، وكان كثير من المهاجرين يتأجرون، ومن الواضح أن التجارة في المدينة وهي محوطة المشركين من كل جانب لم تكن لتتسع للمهاجرين كلهم، فبقي بعضهم بالصفة، وكان أهل الصفة يقومون بفروض عظيمة، منها تلقى القرآن والسنة، فكانت الصفة مدرسة للإسلام، فكانت نفقتهم على سائر المسلمين وإن سميت صدقة، وكانوا بجوار النبي ﷺ يؤثرهم على نفسه وأهل بيتة، وقد حدث علي ﵁ أنه قال لفاطمة ﵍ يوماً «والله لقد سنوتُ حتى لقد اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت:

стр. 145

وأنا والله لقد طحنت حتى مجليت يداي ... » الحديث، وفيه أنهما أنيا النبي ﷺ فذكرا له ذلك فقال «والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم ... » الحديث، انظر مسند أحمد الحديث ٨٣٨. وكان أبو هريرة من بين أهل الصفة يخدم النبي ﷺ ويدور معه، فلم يكن ليجوع إلا والنبي ﷺ وأهل بيته جياع، فهل في ذلك الجوع من عيب؟ وأما تعرضه لبعض الصحابة رجاء أن يطعمه فإنما فعل ذلك مرة أو مرتين لشدة الضرورة، ولم يكن في تعرضه سؤال ولا ذكر لجوعه، وقد نقل الله تعالى في كتابه أن موسى والخضر مرا بأهل قرية فاستطعماهم، وانظر تفسير سورة التكاثر من تفسير ابن كثير هذا وقد عد أهل العلم - كما في الحلية - جماعة من المشاهير في أهل الصفة، منهم سعد بن أبي وقاص وأبو عبيدة وزيد بن الخطاب وعبد الله بن مسعود وصهيب وسليمان والمقداد وغيرهم. ثم قال أبو رية ص١٥٤ «سبب صحبته للنبي ﷺ . كان أبو هريرة صريحاً صادقاً في الابانة عن سبب صحبته للنبي ﷺ ... فلم يقل إنه صاحبه للصحبة والهدايا كما كان يصاحبه غيره من سائر المسلمين، وإنما قال: إنه قد صاحبه على ملء بطنه، ففي حديث رواه أحمد والشيخان عن سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج قال سمعت أبا هريرة يقول: إني كنت امرءا مسكينا أصحب رسول الله على ملء بطني» ورواية مسلم «أخدم رسول الله» وفي رواية «لشبع بطني» أقول: حاصل هذا أن الواقع في رواية الإمام أحمد والبخاري «أصحب» وهذا خلاف الواقع، فرواية أحمد وهو الحديث ٧٢٧٣ «حدثنا سفيان عن الزهري عن عبد الرحمن الأعرج، قال سمعت أبا هريرة يقول: إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله عليه وسلم، والله الموعد، إني كنت امرءا مسكيناً
следующие страницы →