رسول الله ﷺ أولاهن إذا كبر وهي الطولى منهن مقدار ما يقرأ من خلفه فاتحة الكتاب وذلك وقت قراءته لدعاء الاستفتاح فإنه إن لم يسكت يفوتهم الاستماع فيكون عليه ما نقص من صلاتهم فإن لم يقرءوا الفاتحة في سكوته واشتغلوا بغيرها فذلك علية لا عليهم
السكتة الثانية إذا فرغ من الفاتحة ليتم من يقرأ الفاتحة في السكتة الأولى فاتحته وهي كنصف السكتة الأولى
السكتة الثَّالِثَةُ إِذَا فَرَغَ مِنَ السُّورَةِ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَهِيَ أَخَفُّهَا وَذَلِكَ بِقَدْرِ مَا تَنْفَصِلُ القراءة عن التكبير فقد نهى عن الوصل فِيهِ
وَلَا يَقْرَأُ الْمَأْمُومُ وَرَاءَ الْإِمَامِ إِلَّا الفاتحة فإن لم يسكت الإمام قرأ فاتحة الكتاب معه والمقصر هو الإمام
وَإِنْ لَمْ يَسْمَعِ الْمَأْمُومُ فِي الْجَهْرِيَّةِ لِبُعْدِهِ أو كان في السرية فلا بأس بقراءة السورة
الوظيفة الثالثة أن يقرأ في الصبح سورتين من المثاني ما دون المائة فإن الإطالة في قراءة الفجر والتغليس بها سنة ولا يضره الخروج منها مع الإسفار ولا بأس بأن يقرأ في الثانية بأواخر السور نحو الثلاثين أو العشرين إلى أن يختمها لأن ذلك لا يتكرر على الأسماع كثيراً فيكون أبلغ في الوعظ وأدعى إلى التفكر وإنما كره بعض العلماء قراءة بعض أول السور وقطعها
وقد روي أنه ﷺ قرأ بعض سورة يونس فلما انتهى إلى ذكر موسى وفرعون قطع فركع (١) وروي أنه ﷺ قرأ في الفجر آية من البقرة (٢) وهي قوله قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وفي الثانية ربنا آمنا بما أنزلت وسمع بلالاً يقرأ من ههنا وههنا فسأله عن ذلك فقال أخلط الطيب بالطيب فقال أحسنت (٣) ويقرأ في الظهر بطوال المفصل إلى ثلاثين آية وفي العصر بنصف ذلك وفي المغرب بأواخر المفصل
وآخر صلاة صلاها رسول الله ﷺ المغرب قرأ فيها سورة المرسلات ما صلى بعدها حتى قبض (٤)
وبالجملة التخفيف أولى لا سيما إذا كثر الجمع قال ﷺ في هذه الرخصة إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَذَا الْحَاجَةِ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فليطول ما شاء (٥) وقد كان معاذ بن جبل يصلي بقوم العشاء فقرأ البقرة فخرج رجل من الصلاة وأتم لنفسه فقالوا نافق الرجل فتشاكيا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فزجر رسول الله ﷺ معاذاً فقال أفتان أنت يا معاذ اقرأ سورة سبح والسماء والطارق والشمس وَضُحَاهَا (٦)
وَأَمَّا وَظَائِفُ الْأَرْكَانِ فَثَلَاثَةٌ
أَوَّلُهَا أَنْ يُخَفِّفَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَلَا يَزِيدُ فِي التَّسْبِيحَاتِ على ثلاث فقد روي عن أنس أنه قال ما رأيت أخف صلاة من رسول الله ﷺ في تمام (٧) نعم روي أيضا أن أنس بن مالك لما صلى خلف عمر بن عبد العزيز وكان أميراً بالمدينة قال ما صليت وراء أحد أشبه صلاة بصلاة رسول الله ﷺ
стр. 177
من هذا الشاب قال وكنا نسبح وراءه عشراً عشراً (١) وروي مجملاً أنهم قالوا كنا نسبح وراء رسول الله ﷺ في الركوع والسجود عشراً عشراً (٢) وذلك حسن ولكن الثلاث إذا كثر الجمع أحسن
فإذا لم يحضر إلا المتجردون للدين فلا بأس بالعشر هذا وجه الجمع بين الروايات
وينبغي أن يقول الإمام عند رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده
الثانية في المأموم ينبغي أن لا يساوي الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بَلْ يَتَأَخَّرُ فَلَا يَهْوِي لِلسُّجُودِ إِلَّا إِذَا وَصَلَتْ جَبْهَةُ الْإِمَامِ إلى المسجد هكذا كان اقتداء الصحابة برسول الله ﷺ (٣) وَلَا يَهْوِي لِلرُّكُوعِ حَتَّى يَسْتَوِيَ الْإِمَامُ رَاكِعًا
وقد قيل إن الناس يخرجون من الصلاة على ثلاثة أقسام طائفة بخمس وعشرين صلاة وهم الذين يكبرون ويركعون بعد الإمام وطائفة بصلاة واحدة وهم الذين يساوونه وطائفة بلا صلاة وهم الذين يسابقون الإمام
وقد اختلف في أن الإمام في الركوع هل ينتظر لحوق من يدخل لينال فضل الجماعة وإدراكهم لتلك الركعة ولعل الأولى أن ذلك مع الإخلاص لا بأس به إذا لم يظهر تفاوت ظاهر للحاضرين فإن حقهم مرعي في ترك التطويل عليهم
الثَّالِثَةُ لَا يَزِيدُ فِي دُعَاءِ التَّشَهُّدِ عَلَى مِقْدَارِ التَّشَهُّدِ حَذَرًا مِنَ التَّطْوِيلِ وَلَا يَخُصُّ نفسه في الدعاء بَلْ يَأْتِي بِصِيغَةِ الْجَمْعِ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا ولا يقول ﴿اغفر لي﴾ فقد كره للإمام أن يخص نفسه ولا بأس أن يستعيذ في التشهد بالكلمات الخمس المأثورة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فيقول نعوذ بك من عذاب جهنم وعذاب القبر ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة المسيح الدجال وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضنا إليك غير مفتونين (٤) وقيل سمي مسيحاً لأنه يمسح الأرض بطولها وقيل لأنه ممسوح العين أي مطموسها وأما وظائف التحلل فثلاثة أَوَّلُهَا أَنْ يَنْوِيَ بَالتَّسْلِيمَتَيْنِ السَّلَامَ عَلَى الْقَوْمِ والملائكة
الثانية أن يثبت عقيب السلام كذلك فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بكر وعمر ﵄ فيصلي النافلة في موضع آخر
فإن كان خلفه نسوة لم يقم حتى ينصرفن (٥) وفي الخبر المشهور أنه ﷺ لم يكن يقعد إلا قدر قوله اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام (٦)
الثَّالِثَةُ إِذَا وَثَبَ فَيَنْبَغِي أَنْ يُقْبِلَ بِوَجْهِهِ على الناس ويكره للمأموم القيام قبل انتقال الإمام
فقد روي عن طلحة والزبير ﵄ أنهما صليا خلف إمام فلما سلما قالا للإمام ما أحسن صلاتك وأتمها إلا شيئاً واحداً أنك لما سلمت لم تتفتل بوجهك
ثم قالا للناس ما أحسن صلاتكم إلا أنكم انصرفتم قبل أن ينفتل إمامكم
ثم ينصرف الإمام حيث شاء من يمينه وشماله واليمين أحب هذه وظيفة الصلوات وأما الصبح فزيد فيها القنوت فيقول اللهم اهدنا ولا يقول اللهم اهدني ويؤمن المأموم فإذا انتهى إلى قوله إنك تقضي ولا يقضى عليك فلا يليق به التأمين وهو ثناء فيقرأ معه فيقول مثل قوله أو يقول بلى وأنا على ذلك من الشاهدين أو صدقت وبررت وما أشبه ذلك
وقد روي حديث في رفع اليدين في القنوت (٧) فإذا صح
стр. 178
الحديث استحب ذلك وإن كان على خلاف الدعوات في آخر التشهد إذ لا يرفع بسببها اليد بل التعويل على التوقيف وبينهما أيضاً فرق أن للأيدي وظيفة في التشهد وهو الوضع على الفخذين على هيئة مخصوصة ولا وظيفة لهما ههنا فلا يبعد أن يكون رفع اليدين هو الوظيفة في القنوت فإنه لائق بالدعاء والله أعلم
فهذه جمل آداب القدوة والإمامة والله الموفق
الباب الخامس فضل الجمعة وآدابها وسننها وشروطها
فضيلة الجمعة
اعْلَمْ أَنَّ هَذَا يَوْمٌ عَظِيمٌ عَظَّمَ اللَّهُ به الإسلام وخصص بِهِ الْمُسْلِمِينَ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله وذروا البيع﴾ فَحَرَّمَ الِاشْتِغَالَ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَبِكُلِّ صَارِفٍ عَنِ السَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ
وَقَالَ ﷺ إن الله فرض عليكم الجمعة في يومي هذا في مقامي هذا (١) وَقَالَ ﷺ مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ ثَلَاثًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ طَبَعَ اللَّهُ على قلبه (٢) وفي لفظ آخر فقد نبذ الإسلام وراء ظهره (٣) واختلف رجل إلى ابن عباس يسأله عن رجل مات لم يكن يشهد جمعة ولا جماعة فقال في النار فلم يزل يتردد إليه شهراً يسأله عن ذلك وهو يقول في النار وفي الخبر إن أهل الكتابين أعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصرفوا عنه وهدانا الله تعالى له وأخره لهذه الأمة وجعله عيداً لهم فهم أولى الناس به سبقاً وأهل الكتابين لهم تبع (٤) وفي حديث أنس عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال أتاني جبريل ﵇ في كفه مرآة بيضاء وقال هذه الجمعة يفرضها عليك ربك لتكون لك عيداً ولأمتك من بعدك قلت فما لنا فيها قال لكم فيها خير ساعة من دعا فيها بخير قسم له أعطاه الله سبحانه إياه أو ليس له قسم ذخر له ما هو أعظم منه أو تعوذ من شر مكتوب عليه إلا أعاذه الله من أعظم منه وهو سيد الأيام عندنا ونحن ندعوه في الآخرة يوم المزيد قلت ولم قال إن ربك اتخذ في الجنة وادياً أفيح من المسك أبيض فإذا كان يوم الجمعة نزل تعالى من عليين على كرسيه فيتجلى لهم حتى ينظروا إلى وجهه الكريم (٥) وَقَالَ ﷺ خَيْرُ يَوْمٍ طلعت عليه الشمس يوم الجمعة فيه خلق آدم ﵇ وفيه أدخل الجنة وفيه أهبط إلى الأرض وفيه تيب عليه وفيه مات وفيه تقوم الساعة وهو عند الله يوم المزيد كذلك تسميه الملائكة في السماء وهو يوم النظر إلى الله تعالى في الجنة (٦) وفي الخبر إن لله في كل جمعة ستمائة ألف عتيق من النار (٧) وفي حديث أنس ﵁ أنه ﷺ
стр. 179
قال إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام (١) وقال ﷺ إن الجحيم تسعر في كل يوم قبل الزوال عند استواء الشمس في كبد السماء فلا تصلوا في هذه الساعة إلا يوم الجمعة فإنه صلاة كله وإن جهنم لا تسعر فيه (٢) وقال كعب إن الله فضل من البلدان مكة ومن الشهور رمضان ومن الأيام الجمعة ومن الليالي ليلة القدر ويقال إن الطير والهوام يلقى بعضها بعضاً في يوم الجمعة فتقول سلام سلام يوم صالح وقال ﷺ من مات يوم الجمعة أو ليلة الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر // حديث من مات يوم الجمعة كتب الله له أجر شهيد ووقي فتنة القبر أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث جابر روى الزندي نحوه مختصرا من حديث عبد الله بن عمر وقال غريب ليس إسناده بمتصل قلت وصله الترمذي الحكيم في النوادر
بيان شروط الجمعة
اعلم أنها تشارك جميع الصلوات في الشروط وتتميز عنها بستة شروط
﴿الأول﴾ الوقت فإن وقعت تسليمة الإمام في وقت العصر فاتت الجمعة وعليه أن يتمها ظهراً أربعاً والمسبوق إذا وقعت ركعته الأخيرة خارجاً من الوقت ففيه خلاف
الثاني المكان فلا تصح في الصحاري والبراري وبين الخيام بل لا بد من بقعة جامعة لأبنية لا تنقل يجمع أربعين ممن تلزمهم الجمعة والقرية فيه كالبلد ولا يشترط فيه حضور السلطان ولا إذنه ولكن الأحب استئذانه
الثالث العدد فلا تنعقد بأقل من أربعين ذكوراً مكلفين أحراراً مقيمين لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفاً فإن انفضوا حتى نقص العدد إما في الخطبة أو في الصلاة لم تصح الجمعة بل لا بد منهم من الأول إلى الآخر
الرابع الجماعة فلو صلى أربعون في قرية أو في بلد متفرقين لم تصح جمعتهم
ولكن المسبوق إذا أدرك الركعة الثانية جاز له الانفراد بالركعة الثانية
وإن لم يدرك ركوع الركعة الثانية اقتدى ونوى الظهر وإذا سلم الإمام تممها ظهراً
الخامس أن لا تكون الجمعة مسبوقة بأخرى في ذلك البلد
فإن تعذر اجتماعهم في جامع واحد جاز في جامعين وثلاثة وأربعة بقدر الحاجة وإن لم تكن حاجة فالصحيح الجمعة التي يقع بها التحريم أولاً وإذا تحققت الحاجة فالأفضل الصلاة خلف الأفضل من الإمامين فإن تساويا فالمسجد الأقدم فإن تساويا ففي الأقرب ولكثرة الناس أيضاً فضل يراعى
السادس الخطبتان فهما فريضتان والقيام فيهما فريضة والجلسة بينهما فريضة
وفي الأولى أربع فرائض التحميد وأقله الحمد لله
والثانية الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ
والثالثة الوصية بتقوى الله
والرابعة قراءة آية من القرآن
وكذا فرائض الثانية أربعة إلا أنه يجب فيها الدعاء بدل القراءة
واستماع الخطبتين واجب من الأربعين
وأما السنن فإذا زالت الشمس وأذن المؤذن وجلس الإمام على المنبر انقطعت الصلاة سوى التحية والكلام لا ينقطع إلا بافتتاح الخطبة
ويسلم الخطيب على الناس إذا أقبل عليهم بوجهه ويردون ﵇ فإذا فرغ المؤذن قام مقبلاً على الناس بوجهه لا يلتفت يميناً ولا شمالاً ويشغل يديه بقائم السيف أو العنزة والمنبر كي لا يعبث بهما أو يضع إحداهما على الأخرى
ويخطب خطبتين بينهما جلسة خفيفة
ولا يستعمل غريب اللغة ولا يمطط ولا يتغنى
وتكون الخطبة قصيرة بليغة جامعة
ويستحب أن يقرأ آية في الثانية أيضاً ولا يسلم من دخل والخطيب يخطب فإن سلم لم يستحق جواباً والإشارة بالجواب حسن ولا يشمت العاطسين أيضاً
هذه شروط الصحة
فأما شروط الوجوب فلا تجب الجمعة إلا على ذكر بالغ عاقل مسلم حر مقيم في قرية تشتمل على أربعين جامعين
стр. 180
لهذه الصفات أو في قرية من سواد البلد يبلغها نداء البلد من طرف بابها والأصوات ساكنة والمؤذن رفيع الصوت لقوله تَعَالَى ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ ويرخص لهؤلاء في ترك الجمعة لعذر الْمَطَرِ وَالْوَحْلِ وَالْفَزَعِ وَالْمَرَضِ وَالتَّمْرِيضِ إِذَا لَمْ يكن للمريض قيم غيره
ثم يستحب لهم أعني أصحاب الأعذار تأخير الظهر إلى أن يفرغ الناس من الجمعة فإن حضر الجمعة مريض أو مسافر أو عبد أو امرأة صحت جمعتهم وأجزأت عن الظهر والله أعلم
بيان آداب الجمعة على ترتيب العادة وهي عشر جمل
﴿الأول﴾ أن يستعد لها يوم الخميس عزماً عليها واستقبالاً لفضلها فيشتغل بالدعاء والاستغفار والتسبيح بعد العصر يوم الخميس لأنها ساعة قوبلت بالساعة المبهمة في يوم الجمعة
قال بعض السلف إن لله فضلاً سوى أرزاق العباد لا يعطى من ذلك الفضل إلا من سأله عشية الخميس ويوم الجمعة ويغسل في هذا اليوم ثيابه ويبيضها ويعد الطيب إن لم يكن عنده ويفرغ قلبه من الأشغال التي تمنعه من البكور إلى الجمعة وينوي في هذه الليلة صوم يوم الجمعة فإن له فضلاً وليكن مضموماً إلى يوم الخميس أو السبت لا مفرداً فإنه مكروه ويشتغل بإحياء هذه الليلة بالصلاة وختم القرآن فلها فضل كثير وينسحب عليها فضل يوم الجمعة
ويجامع أهله في هذه الليلة أو في يوم الجمعة فقد استحب ذلك قوم حملوا عليه قوله ﷺ رحم الله من بكر وابتكر وغسل واغتسل (١) وهو حمل الأهل على الغسل وقيل معناه غسل ثيابه فروي بالتخفيف واغتسل لجسده وبهذا تتم آداب الاستقبال ويخرج من زمرة الغافلين الذين إذا أصبحوا قالوا ما هذا اليوم قال بعض السلف أوفى الناس نصيباً من الجمعة من انتظرها ورعاها من الأمس وأخفهم نصيباً من إذا أصبح يقول أيش اليوم وكان بعضهم يبيت ليلة الجمعة في الجامع لأجلها
الثاني إذا أصبح ابتدأ بالغسل بعد طلوع الفجر وإن كان لا يبكر فأقربه إلى الرواح أحب ليكون أقرب عهداً بالنظافة فالغسل مستحب استحباباً مؤكداً وذهب بعض العلماء إلى وجوبه قال ﷺ غسل الجمعة واجب على كل محتلم (٢) والمشهور من حديث نافع عن ابن عمر ﵄ من أتى الجمعة فليغتسل (٣) وقال ﷺ من شهد الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل (٤) وكان أهل المدينة إذا تساب المتسابان يقول أحدهما للآخر لأنت أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة
وقال عمر لعثمان ﵄ لما دخل وهو يخطب أهذه الساعة منكراً عليه ترك البكور فقال ما زدت بعد أن سمعت الأذان على أن توضأت وخرجت فقال والوضوء أيضا وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمرنا بالغسل (٥) وقد عرف جواز ترك الغسل بوضوء عثمان رضي الله تعالى عنه وبما روي أنه ﷺ قال من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل (٦) ومن اغتسل للجنابة فليفض الماء على بدنه مرة أخرى
стр. 181
على نية غسل الجمعة فإن اكتفى بغسل واحد أجزأه وحصل له الفضل إذا نوى كليهما ودخل غسل الجمعة في غسل الجنابة وقد دخل بعض الصحابة على ولده وقد اغتسل فقال له أللجمعة فقال بل عن الجنابة فقال أعد غسلاً ثانياً وروى الحديث في غسل الجمعة على كل محتلم
وإنما أمره به لأنه لم يكن نواه
وكان لا يبعد أن يقال المقصود النظافة وقد حصلت دون النية ولكن هذا ينقدح في الوضوء أيضاً وقد جعل في الشرع قربة فلا بد من طلب فضلها
ومن اغتسل ثم أحدث توضأ ولم يبطل غسله والأحب أن يحترز عن ذلك
﴿الثالثة﴾ الزينة وهي مستحبة في هذا اليوم وهي ثلاثة الكسوة والنظافة وتطييب الرائحة
أما النظافة فبالسواك وحلق الشعر وقلم الظفر وقص الشارب وسائر ما سبق في كتاب الطهارة
قال ابن مسعود من قلم أظفاره يوم الجمعة أخرج الله منه داء وأدخل فيه شفاء فإن كان قد دخل الحمام في الخميس أو الأربعاء فقد حصل المقصود فليتطيب في هذا اليوم بأطيب طيب عنده ليغلب بها الروائح الكريهة ويوصل بها الروح والرائحة إلى مشام الحاضرين في جواره وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه وخفي لونه وطيب النساء ما ظهر لونه وخفي ريحه (١) وروي ذلك في الأثر
وقال الشافعي ﵁ من نظف ثوبه قل همه ومن طاب ريحه زاد عقله
وأما الكسوة فأحبها البياض من الثياب إذ أحب الثياب إلى الله تعالى البيض ولا يلبس ما فيه شهرة
ولبس السواد ليس من السنة ولا فيه فضل بل كره جماعة النظر إليه لأنه بدعة محدثة بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والعمامة مستحبة في هذا اليوم
وروى واثلة بن الأسقع أن رسول الله ﷺ قال إن الله وملائكته يصلون على أصحاب العمائم يوم الجمعة (٢) فإن أكربه الحر فلا بأس بنزعها قبل الصلاة وبعدها ولكن لا ينزع في وقت السعي من المنزل إلى الجمعة ولا في وقت الصلاة ولا عند صعود الإمام المنبر وفي خطبته
الرابع البكور إلى الجامع ويستحب أن يقصد الجامع من فرسخين وثلاث وليبكر ويدخل وقت البكور بطلوع الفجر وفضل البكور عظيم
وينبغي أن يكون في سعيه إلى الجمعة خاشعاً متواضعاً ناوياً للاعتكاف في المسجد إلى وقت الصلاة قاصداً للمبادرة إلى جواب نداء الله إلى الجمعة إياه والمسارعة إلى مغفرته ورضوانه وَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما أهدى دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما أهدى بيضة فإذا خرج الإمام طويت الصحف ورفعت الأقلام واجتمعت الملائكة عند المنبر يستمعون الذكر فمن جاء بعد ذلك فأنما جاء لحق الصلاة ليس له من الفضل شيء (٣) والساعة الأولى طلوع الشمس والثانية إلى ارتفاعها والثالثة إلى انبساطها حين ترمض الأقدام والرابعة والخامسة بعد الضحى الأعلى إلى الزوال وفضلها قليل ووقت الزوال حق الصلاة ولا فضل فِيهِ
وَقَالَ ﷺ ثَلَاثٌ لو يعلم الناس ما فيهن لركضوا ركض الإبل في طلبهن الأذان والصف الأول والغدو إلى الجمعة (٤) وقال أحمد بن حنبل ﵁ أفضلهن الغدو إلى الجمعة
وفي الخبر
стр. 182
إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد بأيديهم صحف من فضة وأقلام من ذهب يكتبون الأول فالأول على مراتبهم (١) وجاء في الخبر إن الملائكة يتفقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة فيسأل بعضهم بعضاً عنه ما فعل فلان وما الذي أخره عن وقته فيقولون اللهم إن كان أخره فقر فأغنه وإن كان أخره مرض فاشفه وإن كان أخره شغل ففرغه لعبادتك وإن كان أخره لهو فأقبل بقلبه إلى طاعتك (٢) وكان يرى في القرن الأول سحراً وبعد الفجر الطرقات مملوءة من الناس يمشون في السرج ويزدحمون بها إلى الجامع كأيام العيد حتى اندرس ذلك فقيل أول بدعة حدثت في الإسلام ترك البكور إلى الجامع
وكيف لا يستحي المسلمون من اليهود والنصارى وهم يبكرون إلى البيع والكنائس يوم السبت والأحد وطلاب الدنيا كيف يبكرون إلى رحاب الأسواق للبيع والشراء والربح فلم لا يسابقهم طلاب الآخرة ويقال إن الناس يكونون في قربهم عند النظر إلى وجه الله على قدر بكورهم إلى الجمعة
ودخل ابن مسعود ﵁ بكرة الجامع فرأى ثلاثة نفر قد سبقوه بالبكور فاغتم لذلك وجعل يقول في نفسه معاتباً لها رابع أربعة وما رابع أربعة من البكور ببعيد
الخامس في هيئة الدخول ينبغي أَنْ لَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ وَلَا يَمُرَّ بين أيديهم والبكور يسهل ذلك عليه فَقَدْ وَرَدَ وَعِيدٌ شَدِيدٌ فِي تَخَطِّي الرِّقَابِ وهو أنه يجعل جسرا يوم القيامة يتخطاه الناس (٣) وروى ابن جريج مرسلاً أن رسول الله ﷺ بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ رأى رجلاً يتخطى رقاب الناس حتى تقدم فجلس فلما قضى النبي ﷺ صلاته عارض الرجل حتى لقيه فقال يا فلان ما منعك أن تجمع اليوم معنا قال يا نبي الله قد جمعت معكم فقال النبي ﷺ ألم نرك تتخطى رقاب الناس (٤) أشار به إلى أنه أحبط عمله
وفي حديث مسند أنه قال ما منعك أن تصلي معنا قال أو لم ترني يا رسول الله فقال ﷺ رأيتك تأنيت وآذيت (٥) أي تأخرت عن البكور وآذيت الحضور
وَمَهْمَا كَانَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ مَتْرُوكًا خَالِيًا فَلَهُ أَنْ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ لِأَنَّهُمْ ضَيَّعُوا حَقَّهُمْ وتركوا موضع الفضيلة
قال الحسن تخطوا رقاب الناس الذين يقعدون على أبواب الجوامع يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَإِنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُمْ
وَإِذَا لم يكن في المسجد إلا من يصلي فينبغي أن لا يسلم لأنه تكليف جواب في غير محله
السادس أن لا يمر بين يدي الناس ويجلس حيث هو إلى قرب أُسْطُوَانَةٍ أَوْ حَائِطٍ حَتَّى لَا يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ أَعْنِي بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي فَإِنَّ ذَلِكَ لا يقطع الصلاة ولكنه مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ ﷺ لأن يقف أربعين عاماً خير له من أن يمر بين يدي المصلي (٦) وقال ﷺ لأن يكون الرجل رماداً أو رميماً
стр. 183
تذروه الرياح خير من أن يمر بين يدي المصلي (١) وقد روي في حديث آخر في المار والمصلي حيث صلى على الطريق أو قصر في الدفع فقال لو يعلم المار بين يدي المصلى والمصلي ما عليهما في ذلك لكان أن يقف أربعين سنة خيراً له من أن يمر بين يديه (٢) والأسطوانة والحائط والمصلى المفروش حد للمصلي فمن اجتاز به فينبغي أن يدفعه قال ﷺ ليدفعه فإن أبى فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنه شيطان (٣) وكان أبو سعيد الخدري ﵁ يدفع من يمر بين يديه حتى يصرعه فربما تعلق به الرجل فاستعدى عليه عند مروان فيخبره أن النبي ﷺ أمره بذلك فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أُسْطُوَانَةً فَلْيَنْصِبْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْئًا طُولُهُ قَدْرَ ذِرَاعٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً لحدة
السابع أن يطلب الصف الأول فإن فضله كثير كما رويناه وفي الحديث من غسل واغتسل وبكر وابتكر ودنا من الإمام واستمع كان ذلك له كفارة لما بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام (٤) وفي لفظ آخر غفر الله له إلى الجمعة الأخرى وقد اشترط في بعضها ولم يتخط رقاب الناس (٥) ولا يغفل في طلب الصف الأول عن ثلاثة أمور أولها أنه إذا كان يرى بقرب الخطيب منكراً يعجز عن تغييره من لبس حرير من الإمام أو غيره أو صلى في سلاح كثير ثقيل شاغل أو سلاح مذهب أو غير ذلك مما يجب فيه الإنكار فالتأخر له أسلم وأجمع للهم فعل ذلك جماعة من العلماء طلباً للسلامة
قيل لبشر بن الحرث نراك تبكر وتصلي في آخر الصفوف فقال إنما يراد قرب القلوب قرب الأجساد
وأشار به إلى أن ذلك أقرب لسلامة قلبه
ونظر سفيان الثوري إلى شعيب بن حرب عند المنبر يسمع إلى الخطبة من أبي جعفر المنصور فلما فرغ من الصلاة قال شغل قلبي قربك من هذا هل أمنت أن تسمع كلاما يجب عليك إنكاره فلا تقوم به ثم ذكر ما أحدثوا من لبس السواد فقال يا أبا عبد الله أليس في الخبر أدن واستمع (٦) فقال ويحك ذاك للخلفاء الراشدين المهديين فأما هؤلاء فكلما بعدت عنهم ولم تنظر إليهم كان أقرب إلى الله
وقال سعيد بن عامر صليت إلى جنب أبي الدرداء فجعل يتأخر في الصفوف حتى كنا في آخر صف فلما صلينا قلت له أليس يقال خير الصفوف أولها قال نعلم إلا أن هذه الأمة مرحومة منظور إليها من بين الأمم (٧) فإن الله تعالى إذا نظر إلى عبد في الصلاة غفر له ولمن وراءه من الناس فإنما تأخرت رجاء أن يغفر لي بواحد منهم ينظر الله إليه
وروى بعض الرواة أنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال ذلك فمن تأخر على هذه النية إيثاراً وإظهاراً لحسن الخلق فلا بأس وعند هذا يقال الأعمال بالنيات ثانيها إن لم تكن مقصورة عند الخطيب مقتطعة عن المسجد للسلاطين فالصف الأول محبوب وإلا فقد كره بعض العلماء دخول المقصورة
كان الحسن وبكر المزني لا يصليان في المقصورة ورأيا أنها قصرت على السلاطين وهي بدعة أحدثت بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المساجد
والمسجد مطلق لجميع الناس وقد اقتطع ذلك على خلافة
وصلى أنس بن مالك
стр. 184
وعمران بن حصين في المقصورة ولم يكرها ذلك لطلب القرب
ولعل الكراهية تختص بحالة التخصيص والمنع فأما مجرد المقصورة إذا لم يكن منع فلا يوجد كراهة وثالثها أن المنبر يقطع بعض الصفوف وإنما الصف الأول الواحد المتصل الذي في فناء المنبر وما على طرفيه مقطوع
وكان الثوري يقول الصف الأول هو الخارج بين يدي المنبر وهو متجه لأنه متصل ولأن الجالس فيه يقابل الخطيب ويسمع منه
ولا يبعد أن يقال الأقرب إلى القبلة هو الصف الأول ولا يراعى هذا المعنى
وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي الْأَسْوَاقِ وَالرِّحَابِ الْخَارِجَةِ عَنِ المسجد وكان بعض الصحابة يضرب الناس ويقيمهم من الرحاب
الثامن أن يقطع الصلاة عند خروج الإمام ويقطع الكلام أيضاً بَلْ يَشْتَغِلُ بِجَوَابِ الْمُؤَذِّنِ ثُمَّ بِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ
وقد جرت عادة بعض العوام بالسجود عند قيام المؤذنين ولم يثبت له أصل في أثر ولا خبر ولكنه إن وافق سجود تلاوة فلا بأس بها للدعاء لأنه وقت فاضل ولا يحكم بتحريم هذا السجود فإنه لا سبب لتحريمه وقد روي عن علي وعثمان ﵄ أنهما قالا من استمع وأنصت فله أجران ومن لم يستمع وأنصت فله أجر ومن سمع ولغا فعليه وزران ومن لم يستمع ولغا فعليه وزر واحد
وَقَالَ ﷺ مَنْ قَالَ لصاحبه والإمام يخطب أنصت أو مه فَقَدْ لَغَا وَمَنْ لَغَا وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ (١) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْإِسْكَاتَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِإِشَارَةٍ أَوْ رَمْيِ حَصَاةٍ لا بالنطق
وفي حديث أبي ذر أنه لما سأل أبياً والنبي ﷺ يخطب فقال متى أنزلت هذه السورة فأومأ إليه أن أسكت فلما نزل رسول الله ﷺ قال له أبي اذهب فلا جمعة لك فشكاه أبو ذر إلى النبي ﷺ فقال صدق أبي (٢) وإن كان بعيداً من الإمام فلا ينبغي أن يتكلم في العلم وغيره بل يسكت لأن كل ذلك يتسلل ويفضي إلى هينمة حتى ينتهي إلى المستمعين ولا يجلس في حلقة من يتكلم فمن عجز عن الاستماع بالبعد فلينصت فهو المستحب
وإذا كان تكره الصلاة في وقت خطبة الإمام فالكلام أولى بالكراهية
وقال علي كرم الله وجهه تكره الصلاة في أربع ساعات بعد الفجر وبعد العصر ونصف النهار والصلاة والإمام يخطب
التاسع أن يراعي في قدوة الجمعة ما ذكرناه في غيرها فإذا سمع قراءة الإمام لم يقرأ سوى الفاتحة
فإذا فرغ من الجمعة قرأ الحمد لله سبع مرات قبل أن يتكلم وقل هو الله أحد والمعوذتين سبعاً سبعاً وروى بعض السلف أن من فعله عصم من الجمعة إلى الجمعة وكان حرزاً له من الشيطان ويستحب أن يقول بعد الجمعة اللهم يا غني يا حميد يا مبدىء يا معيد يا رحيم يا ودود أغنني بحلالك عن حرامك وبفضلك عمن سواك يقال من داوم على هذا الدعاء أغناه الله سبحانه عن خلقه ورزقه من حيث لا يحتسب ثم يصلي بعد الجمعة ست ركعات فقد روى ابن عمر ﵄ أنه ﷺ كان يصلي بعد الجمعة ركعتين (٣) وروى أبو هريرة أربعاً (٤) وروى علي وعبد الله ابن عباس ﵃ ستاً (٥) والكل صحيح في أحوال مختلفة والأكمل أفضل
стр. 185
العاشر: أن يلازم المسجد حتى يصلي العصر فإن أقام إلى المغرب فهو الأفضل يقال من صلى العصر في الجامع كان له ثواب الحج ومن صلى المغرب فله ثواب حجة وعمرة فإن لم يأمن التصبع ودخول الآفة عليه من نظر الخلق إلى اعتكافه أو خاف الخوض فيما لا يعني فالأفضل أن يرجع إلى بيته ذَاكِرًا اللَّهَ مُفَكِّرًا فِي آلَائِهِ شاكر اللَّهَ تَعَالَى عَلَى تَوْفِيقِهِ خَائِفًا مِنْ تَقْصِيرِهِ مراقباً لقلبه ولسانه إلى غروب الشمس حتى لا تفوته الساعة الشريفة ولا ينبغي أن يتكلم في الجامع وغيره من المساجد بحديث الدنيا قال ﷺ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زمان يكون حديثهم في مساجدهم أمر دنياهم ليس لله تعالى فيهم حاجة فلا تجالسوهم (١)
بيان الآداب والسنن الخارجة عن الترتيب السابق الذي يعم جميع النهار وهي سبعة أمور
الأول: أن يحضر مجالس العلم بكرة أو بعد العصر ولا يحضر مجالس القصاص فلا خير في كلامهم
ولا ينبغي أن يخلو المريد في جميع يوم الجمعة عن الخيرات والدعوات حتى توافيه الساعة الشريفة وهو في خير ولا ينبغي أن يحضر الحلق قبل الصلاة وروى عبد الله بن عمر ﵄ إن النبي ﷺ نهى عن التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة (٢)
إلا أن يكون عالماً بالله يذكر بأيام الله ويفقه في دين الله يتكلم في الجامع بالغداة فيجلس إليه فيكون جامعاً بين البكور وبين الاستماع واستماع العلم النافع في الآخرة أفضل من اشتغاله بالنوافل فقد روى أبو ذر إن حضور مجلس علم أفضل من صلاة ألف ركعة (٣)
قال أنس بن مالك في قوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ أما إنه ليس بطلب دنيا لكن عيادة مريض وشهود جنازة وتعلم علم وزيارة أخ في الله
وقد سمى الله العلم فضلاً في مواضع قال تعالى وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيماً وقال تعالى ولقد آتينا داود منا فضلاً يعني العلم فتعلم العلم في هذا اليوم وتعليمه من أفضل القربات
والصلاة أفضل من مجالس القصاص إذ كانوا يرونه بدعة ويخرجون القصاص من الجامع بكر ابن عمر ﵄ إلى مجلسه في المسجد الجامع فإذا قاص في موضعه فقال قم عن مجلسي فقال لا أقوم وقد جلست وسبقتك إليه فأرسل ابن عمر إلى صاحب الشرطة فأقامه، فلو كان ذلك من السنة لما جازت إقامته فَقَدْ قَالَ ﷺ لَا يقيمن أحدكم أخاه من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا (٤)
وكان ابن عمر إذا قام الرجل له من مجلسه لم يجلس فيه حتى يعود إليه
وروى أن قاصا كان يجلس بفناء حجرة عائشة ﵂ فأرسلت إلى ابن عمر إن هذا قد آذاني بقصصه وشغلني عن سبحتي فضربه ابن عمر حتى كسر عصاه على ظهره ثم طرده
الثاني: أن يكون حسن المراقبة للساعة الشريفة ففي الخبر المشهور إن في الجمعة ساعة لايوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها شيئا إلا أعطاه (٥) وفي خبر آخر لا يصادفها عبد يصلي (٦)
واختلف فيها فقيل إنها عند طلوع الشمس وقيل عند الزوال وقيل مع الأذان وقيل إذا صعد الإمام المنبر وأخذ في الخطبة وقيل إذا قام
стр. 186
الناس إلى الصلاة وقيل آخر وقت العصر أعني وقت الاختيار وقيل قبل غروب الشمس وكانت فاطمة ﵂ تراعي ذلك الوقت وتأمر خادمتها أن تنظر إلى الشمس فتؤذنها بسقوطها فتأخذ في الدعاء والاستغفار إلى أن تغرب الشمس وتخبر بأن تلك الساعة هي المنتظرة وتؤثره عن أبيها ﷺ وعليها (١) وقال بعض العلماء هي مبهمة في جميع اليوم مثل ليلة القدر تتوفر الدواعي على مراقبتها
وقيل إنها تنتقل في ساعات يوم الجمعة كتنقل ليلة القدر وهذا هو الأشبه وله سر لا يليق بعلم المعاملة ذكره ولكن ينبغي أن يصدق بما قال ﷺ إن لربكم في أيام دهركم نفحات ألا فتعرضوا لها (٢) ويوم الجمعة من جملة تلك الأيام فينبغي أن يكون العبد في جميع نهاره متعرضاً لها بإحضار القلب وملازمة الذكر والنزوع عن وساوس الدنيا فعساه يحطى بشيء من تلك النفحات
وقد قال كعب الأحبار إنها في آخر ساعة من يوم الجمعة وذلك عند الغروب فقال أبو هريرة وكيف تكون آخر ساعة وقد سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول لا يوافقها عبد يصلي ولات حين صلاة فقال كعب ألم يقل رسول الله ﷺ من قعد ينتظر الصلاة فهو في الصلاة (٣) قال بلى قال فذلك صلاة فسكت أبو هريرة
وكان كعب مائلاً إلى أنها رحمة من الله سبحانه للقائمين بحق هذا اليوم وأوان إرسالها عند الفراغ من تمام العمل
وبالجملة هذا وقت شريف مع وقت صعود الإمام المنبر فليكثر الدعاء فيهما
الثالث يستحب أَنَّ يُكْثِرَ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في هذا اليوم فَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ صلى علي في يوم الجمعة ثمانين مرة غفر الله له ذنوب ثمانين سنة قيل يا رسول الله كيف الصلاة عليك قال تقول اللهم صل على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وتعقد واحدة وإن قلت اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء ولحقه أداء وأعطه الوسيلة وابعثه المقام المحمود الذي وعدته واجزه عنا ما هو أهله واجزه أفضل ما جازيت نبياً عن أمته وصل عليه وعلى جميع إخوانه من النبيين والصالحين يا أرحم الراحمين (٤) تقول هذا سبع مرات فقد قيل من قالها في سبع جمع في كل جمعة سبع مرات وجبت له شفاعته ﷺ
وإن أراد أن يزيد أتى بالصلاة المأثورة فقال اللهم اجعل فضائل صلواتك ونوامي بركاتك وشرائف زكواتك ورأفتك ورحمتك وتحيتك على محمد سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين ورسول رب العالمين قائد الخير وفاتح البر ونبي الرحمة وسيد الأمة اللهم ابعثه مقاماً محموداً تزلف به قربه وتقر به عينه يغبطه به الأولون وألاخرون اللهم أعطه الفضل والفضيلة والشرف والوسيلة والدرجة الرفيعة والمنزلة الشامخة المنيفة اللهم أعط محمداً سؤله وبلغه مأموله واجعله أول شافع وأول مشفع اللهم عظم برهانه وثقل ميزانه وأبلج حجته وارفع في أعلى المقربين درجته اللهم احشرنا في زمرته واجعلنا من أهل شفاعته وأحينا على سنته وتوفنا على ملته
стр. 187
وأوردنا حوضه واسقنا بكأسه غير خزايا ولا نادمين ولا شاكين ولا مبدلين ولا فاتنين ولا مفتونين آمين يا رب العالمين (١)
وعلى الجملة فكل ما أتى به من ألفاظ الصلاة ولو بالمشهورة في التشهد كان مصلياً
وينبغي أن يضيف إليه الاستغفار فإن ذلك أيضاً مستحب في هذا اليوم
الرابع قراءة القرآن فليكثر منه وليقرأ سورة الكهف خاصة
فقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة ﵄ إن من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أو ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أعطي نوراً من حيث يقرؤها إلى مكة وغفر له إلى يوم الجمعة الأخرى وفضل ثلاثة أيام وصلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصح وعوفي من الداء والدبيلة وذات الجنب والبرص والجذام وفتنة الدجال (٢) ويستحب أن يختم القرآن في يوم الجمعة وليلتها إن قدر وليكن ختمه للقرآن في ركعتي الفجر إن قرأ بالليل أو في ركعتي المغرب أو بين الإذان والإقامة للجمعة فله فضل عظيم
وكان العابدون يستحبون أن يقرءوا يوم الجمعة قل هو الله أحد ألف مرة
ويقال إن من قرأها في عشر ركعات أو عشرين فهو أفضل من ختمة وكانوا يصلون على النبي ﷺ ألف مرة وكانوا يقولون سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر ألف مرة وإن قرأ المسبعات الست في يوم الجمعة أو ليلتها فحسن
وليس يروى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كان يقرأ سوراً بأعيانها إلا في يوم الجمعة وليلتها كان يقرأ في صلاة المغرب ليلة الجمعة قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد وكان يقرأ في صلاة العشاء الآخرة ليلة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين (٣) وروي أنه ﷺ كان يقرؤهما في ركعتي الجمعة
وكان يقرأ في الصبح يوم الجمعة سورة سجدة لقمان وسورة هل أتى على الإنسان (٤)
الخامس الصلوات يستحب إذا دخل الجامع أن لا يجلس حتى يصلي أربع ركعات يقرأ فيهن قل هو الله أحد مائتي مرة في كل ركعة خمسين مرة (٥) فقد نقل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إن من فعله لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له ولا يدع ركعتي التحية وإن كان الإمام يخطب ولكن يخفف
أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بذلك (٦) وفي حديث غريب أنه ﷺ سكت للداخل حتى صلاهما (٧) فقال الكوفيون إن سكت له الإمام صلاهما
ويستحب في هذا اليوم أو في ليلته أن يصلي أربع ركعات بأربع سور الأنعام والكهف وطه ويس
فإن لم يحسن قرأ يس وسورة سجدة لقمان وسورة الدخان وسورة الملك
ولا يدع قراءة هذه الأربع سور في ليلة الجمعة ففيها فضل كثير
ومن لا يحسن القرآن قرأ ما يحسن فهو له بمنزلة الختمة
ويكثر من قراءة سورة الإخلاص
ويستحب أن يصلي صلاة التسبيح كما سيأتي في باب التطوعات كيفيتها لأنه ﷺ قال لعمه العباس صلها في كل جمعة (٨) وكان ابن عباس ﵄ لا يدع هذه الصلاة يوم الجمعة بعد الزوال
стр. 188
وكان يخبر عن جلالة فضلها
والأحسن أن يجعل وقته إلى الزوال للصلاة وبعد صلاة الجمعة إلى العصر لاستماع العلم وبعد العصر إلى المغرب للتسبيح والاستغفار
السادس الصدقة مستحبة في هذا اليوم خاصة فإنها تتضاعف إلا على من سأل والإمام يخطب وكان يتكلم في كلام الإمام فهذا مكروه
وقال صالح بن محمد سأل مسكين يوم الجمعة والإمام يخطب وكان إلى جانب أبي فأعطى رجل أبي قطعة ليناوله إياها فلم يأخذها منه أبي
وقال ابْنُ مَسْعُودٍ إِذَا سَأَلَ الرَّجُلُ فِي الْمَسْجِدِ فقد استحق أن لا يعطى وإذا سأل على القرآن فلا تعطوه
ومن العلماء من كره الصدقة على السُّؤَّالَ فِي الْجَامِعِ الَّذِينَ يَتَخَطَّوْنَ رِقَابَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَسْأَلَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا فِي مكانه من غير تخط
وقال كعب الأحبار من شهد الجمعة ثم انصرف فتصدق بشيئين مختلفين من الصدقة ثم رجع فركع ركعتين يتم ركوعهما وسجودهما وخشوعهما ثم يقول اللهم إني أسألك باسمك بسم الله الرحمن الرحيم وباسمك الذي لا إله إلا الله هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم لم يسأل الله تعالى شيئاً إلا أعطاه
وقال بعض السلف
من أطعم مسكيناً يوم الجمعة ثم غدا وابتكر ولم يؤذ أحداً ثم قال حين يسلم الإمام بسم الله الرحمن الرحيم الحي القيوم أسألك أن تغفر لي وترحمني وتعافيني من النار ثم دعا بما بدا له استجيب له
السابع أن يجعل يوم الجمعة للآخرة فيكف فيه عن جميع أشغال الدنيا ويكثر فيه الأوراد ولا يبتدىء فيه السفر فقد روي أنه من سافر في ليلة الجمعة دعا عليه ملكاه (١) وهو بعد طلوع الفجر حرام إلا إذا كانت الرفقة تفوت
وَكَرِهَ بَعْضُ السَّلَفِ شِرَاءَ الْمَاءِ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ السَّقَّاءِ لِيَشْرَبَهُ أَوْ يُسَبِّلَهُ حَتَّى لَا يَكُونَ مُبْتَاعًا فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمَسْجِدِ مَكْرُوهٌ
وَقَالُوا لَا بَأْسَ لَوْ أعطى القطعة خَارِجَ الْمَسْجِدِ ثُمَّ شَرِبَ أَوْ سَبَّلَ فِي المسجد
وبالجملة ينبغي أن يزيد في الجمعة في أوراده وأنواع خَيْرَاتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا استعمله في الأوقات الفاضلة بفواضل الأعمال وإذا مقته استعمله في الأوقات الفاضلة بسيء الأعمال ليكون ذلك أوجع في عقابه وأشد لمقته لحرمانه بركة الوقت وانتهاكه حرمة الوقت
ويستحب في الجمعة دعوات وسيأتي ذكرها في كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى
وصلى الله على كل عبد مصطفى
الباب السادس في مسائل متفرقة تعم بها البلوى ويحتاج المريد إلى معرفتها
فأما المسائل التي تقع نادرة فقد استقصيناها في كتب الفقه
مَسْأَلَةٌ الْفِعْلُ الْقَلِيلُ وَإِنْ كَانَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ فَهُوَ مَكْرُوهٌ إِلَّا لِحَاجَةٍ وَذَلِكَ فِي دفع المار وقتل العقرب التي تخاف ويمكن قتلها بضربة أو ضربتين فإذا صارت ثلاثة فقد كثرت وبطلت الصلاة وكذلك القملة والبرغوث مهما تأذى بهما كان له دفعهما وكذلك حاجته إلى الحك الذي يشوش عليه الخشوع
كان معاذ يأخذ القملة والبرغوث في الصلاة
وابن عمر كان يقتل القملة في الصلاة حتى يظهر الدم على يده
وقال النخعي يأخذها ويوهنها ولا شيء عليه إن قتلها
وقال ابن المسيب يأخذها ويخدرها ثم يطرحها
وقال مجاهد الأحب إلى أن يدعها إلا أن تؤذيه فتشغله عن صلاته فيوهنها قدر ما لا تؤذي ثم يلقيها
وهذه رخصة وإلا فالكمال الاحتراز عن الفعل وإن قل
ولذلك كان بعضهم لا يطرد الذباب وقال لا أعود نفسي ذلك فأفسد على صلاتي
وقد سمعت أن الفساق بين يدي
стр. 189
الملوك يصبرون على أذى كثير ولا يتحركون
وَمَهْمَا تَثَاءَبَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ على فيه وهو الأولى
وَإِنْ عَطَسَ حَمِدَ اللَّهَ فِي نفسه ولا يُحَرِّكْ لِسَانَهُ
وَإِنْ تَجَشَّأَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يرفع رأسه إلى السماء وإن سقط رداؤه فلا ينبغي أن يسويه وكذلك أطراف عمامته فكل ذلك مكروه إلا لضرورة
مسألة الصلاة في النعلين جائزة وإن كان نزع النعلين سهلاً وليست الرخصة في الخف لعسر النزع بل هذه النجاسة معفو عنها
وفي معناها المداس صلى رسول الله ﷺ في نعليه ثم نزع فنزع الناس نعالهم فقال لم خلعتم نعالكم قالوا رأيناك خلعت فخلعنا قال ﷺ أن جبرائيل ﵇ أتاني فأخبرني أن بهما خبثاً فإذا أراد أحدكم المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهما فإن رأى خبثاً فليمسحه بالأرض وليصل فيهما (١) وقال بعضهم الصلاة في النعلين أفضل لأنه ﷺ قال لم خلعتم نعالكم وهذه مبالغة فإنه ﷺ سألهم ليبين لهم سبب خلعه إذ علم أنهم خلعوا على موافقته
وقد روى عبد الله بن السائب أن النبي ﷺ خلع نعليه (٢) فإذن قد فعل كليهما فمن خلع فلا ينبغي أن يضعهما عن يمينه ويساره فيضيق الموضع ويقطع الصف بل يضعهما بين يديه ولا يتركهما وراءه فيكون قلبه ملتفتاً إليهما
ولعل من رأى الصلاة فيهما أفضل راعي هذا المعنى وهو التفات القلب إليهما
روى أبو هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليه (٣) وقال أبو هريرة لغيره اجعلهما بين رجليك ولا تؤذ بهما مسلماً
ووضعهما رسول الله ﷺ على يساره وكان إماماً (٤) فللإمام أن يفعل ذلك إذ لا يقف أحد على يساره
والأولى أن لا يضعهما بين قدميه فتشغلانه ولكن قدام قدميه ولعله المراد بالحديث
وقد قال جبير بن مطعم وضع الرجل نعليه بين قدميه بدعة
مسألة إذا بزق في صلاته لم تبطل صلاته لأنه فعل قليل
وما لا يحصل به صوت لا يعد كلاماً وليس على شكل حروف الكلام إلا أنه مكروه فينبغي أن يحترز منه إلا كما أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيه إذ روى بعض الصحابة أن رسول الله ﷺ رأى في القبلة نخامة فغضب غضباً شديداً ثم حكها بعرجون كان في يده وقال ائتوني بعبير فلطخ أثرها بزعفران ثم التفت إلينا وقال أيكم يحب أن يبزق في وجهه فقلنا لا أحد قال فإن أحدكم إذا دخل في الصلاة فإن الله بينه وبين القبلة (٥) وفي لفظ آخر واجهه الله تعالى فلا يبزقن أحدكم تلقاء وجهه ولا عن يمينه ولكن عن شماله أو تحت قدمه اليسرى فإن بدرته بادرة فليبصق في ثوبه وليقل به هكذا ودلك بعضه ببعض
مسألة لوقوف المقتدى سنة وفرض أما السنة فأن يَقِفَ الْوَاحِدُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ قَلِيلًا وَالْمَرْأَةُ الْوَاحِدَةُ تَقِفُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَإِنْ وقفت بجنب الإمام لم يضر ذلك ولكن خالفت السنة
فإن كان معها رجل
стр. 190
وَقَفَ الرَّجُلُ عَنْ يَمِينِ الْإِمَامِ وَهِيَ خَلْفَ الرجل
ولا يقف أحد خلف الصف منفرداً بل يدخل في الصف أو يجر إلى نفسه واحداً من الصف
فإن وقف منفرداً صحت صلاته مع الكراهية
وأما الفرض
فاتصال الصف وهو أن يكون بين المقتدي والإمام رابطة جامعة فإنهما في جماعة فإن كانا في مسجد كفى ذلك جامعاً لأنه بنى له فلا يحتاج إلى اتصال صف بل إلى أن يعرف أفعال الإمام صلى أبو هريرة ﵁ على ظهر المسجد بصلاة الإمام
وإذا كان الماموم على فناء المسجد في طريق أو صحراء مشتركة وليس بينهما اختلاف بناء مفرق فيكفي القرب بقدر غلوة سهم وكفى بها رابطة إذ يصل فعل أحدهما إلى الآخر
وإنما يشترط إذا وقف في صحن دار على يمين المسجد أو يساره وبابها لاطىء في المسجد فالشرط أن يمد صف المسجد في دهليزها من غير انقطاع إلى الصحن
ثم تصح صلاة من في ذلك الصف ومن خلفه دون من تقدم عليه وهكذا حكم الأبنية المختلفة فأما البناء الواحد والعرصة الواحدة فكالصحراء
مَسْأَلَةٌ الْمَسْبُوقُ إِذَا أَدْرَكَ آخِرَ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَلْيُوَافِقِ الْإِمَامَ وَلْيَبْنِ عَلَيْهِ وَلْيَقْنُتْ فِي الصُّبْحِ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ
وَإِنْ قَنَتَ مَعَ الْإِمَامِ وَإِنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ بَعْضَ الْقِيَامِ فَلَا يَشْتَغِلْ بِالدُّعَاءِ وَلْيَبْدَأْ بِالْفَاتِحَةِ وَلْيُخَفِّفْهَا
فَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ قَبْلَ تَمَامِهَا وقدر على لحوقه في اعتداله من الرُّكُوعِ فَلْيُتِمَّ
فَإِنْ عَجَزَ وَافَقَ الْإِمَامَ وَرَكَعَ وَكَانَ لِبَعْضِ الْفَاتِحَةِ حُكْمُ جَمِيعِهَا فَتَسْقُطُ عَنْهُ بِالسَّبْقِ
وَإِنْ رَكَعَ الْإِمَامُ وَهُوَ فِي السُّورَةِ فَلْيَقْطَعْهَا
وَإِنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي السُّجُودِ أَوِ التَّشَهُّدِ كَبَّرَ لِلْإِحْرَامِ ثُمَّ جَلَسَ وَلَمْ يُكَبِّرْ بِخِلَافِ مَا إِذَا أَدْرَكَهُ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يُكَبِّرُ ثَانِيًا فِي الْهُوِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ انْتِقَالٌ محسوب له
والتكبيرات للانتقالات الأصلية في الصلاة لا للعوارض بسبب القدوة
ولا يكون مدركا الركعة مَا لَمْ يَطَمَئِنَّ رَاكِعًا فِي الرُّكُوعِ وَالْإِمَامُ بَعْدُ فِي حَدِّ الرَّاكِعِينَ
فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ طُمَأْنِينَتَهُ إِلَّا بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْإِمَامِ حَدَّ الرَّاكِعِينَ فاتته تلك الركعة
مسألة من فاتته صلاة الظُّهْرُ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ فَلْيُصَلِّ الظُّهْرَ أَوَّلًا ثم العصر فإن ابتدأ بالعصر أجزأه ولكن ترك الأولى واقتحم شبهة الخلاف
فإن وجد إماماً فَلْيُصَلِّ الْعَصْرَ ثُمَّ لِيُصَلِّ الظُّهْرَ بَعْدَهُ فَإِنَّ الجماعة بالأداء أولى
فإن صلى منفرداً في أول الوقت ثم أدرك جماعة صلى في الجماعة ونوى صلاة الوقت والله يحتسب أيهما شاء
فإن نوى فائتة أو تطوعا جاز
وإن كان قد صلى في الجماعة فأدرك جماعة أخرى فلينو الفائتة أو النافلة فإعادة المؤداة بالجماعة مرة أخرى لا وجه له وإنما احتمل ذلك لدرك فضيلة الجماعة
مَسْأَلَةٌ مَنْ صَلَّى ثُمَّ رَأَى عَلَى ثَوْبِهِ نَجَاسَةً فَالْأَحَبُّ قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَلَا يَلْزَمُهُ
وَلَوْ رَأَى النَّجَاسَةَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ رَمَى بِالثَّوْبِ وأتم والأحب الاستئناف
وأصل هذا قصة خلع النعلين حين أخبر جبرائيل ﵇ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بأن عليهما نجاسة فإنه ﷺ لَمْ يَسْتَأْنِفِ الصَّلَاةَ
مَسْأَلَةٌ مَنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الأول أو القنوت أو ترك الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التشهد الأول أو فعل فعلاً سهواً وكانت تبطل الصلاة بتعمده أو شك فلا يَدْرِ أَصَلَّى ثَلَاثًا أَوْ أَرْبَعًا أَخَذَ بِالْيَقِينِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ قَبْلَ السَّلَامِ
فَإِنْ نَسِيَ فبعد السلام مهما تذكر على القرب
فإن سجد بعد السلام وبعد أن أحدث بطلت صلاته
فإنه لما دخل في السجود كأنه جعل سلامه نسياناً في غير محله فلا يحصل التحلل به وعاد إلى الصلاة فلذلك يستأنف السلام بعد السجود
فإن تذكر سجود السهو بعد خروجه من المسجد أو بعد طول الفصل فقد فات
مَسْأَلَةٌ الْوَسْوَسَةُ فِي نِيَّةِ الصَّلَاةِ سَبَبُهَا خَبَلٌ فِي الْعَقْلِ أَوْ جَهْلٌ بِالشَّرْعِ لِأَنَّ امْتِثَالَ أَمْرِ اللَّهِ مِثْلُ
стр. 191
امْتِثَالِ أَمْرِ غَيْرِهِ وَتَعْظِيمَهُ كَتَعْظِيمِ غَيْرِهِ فِي حَقِّ الْقَصْدِ
وَمَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ عَالِمٌ فَقَامَ لَهُ فَلَوْ قَالَ نَوَيْتُ أَنْ أَنْتَصِبَ قَائِمًا تعظيماً لدخول زيد الفاضل لأجل فضله مقبلاً عليه بوجهي كان سفهاً في عقله بل كما يَرَاهُ وَيَعْلَمُ فَضْلَهُ تَنْبَعِثُ دَاعِيَةُ التَّعْظِيمِ فَتُقِيمُهُ وَيَكُونُ مُعَظِّمًا إِلَّا إِذَا قَامَ لِشُغْلٍ آخَرَ أَوْ فِي غَفْلَةٍ
وَاشْتِرَاطَ كَوْنِ الصَّلَاةِ ظُهْرًا أَدَاءَ فَرْضًا فِي كَوْنِهِ امْتِثَالًا كَاشْتِرَاطِ كَوْنِ الْقِيَامِ مَقْرُونًا بِالدُّخُولِ مَعَ الْإِقْبَالِ بِالْوَجْهِ عَلَى الدَّاخِلِ وَانْتِفَاءِ بَاعِثٍ آخَرَ سِوَاهُ
وَقَصَدَ التَّعْظِيمَ بِهِ لِيَكُونَ تَعْظِيمًا
فَإِنَّهُ لَوْ قَامَ مُدْبِرًا عَنْهُ أَوْ صَبَرَ فَقَامَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ لَمْ يَكُنْ مُعَظِّمًا
ثُمَّ هَذِهِ الصِّفَاتُ لَا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ مَعْلُومَةً وَأَنْ تَكُونَ مَقْصُودَةً ثُمَّ لَا يَطُولُ حُضُورُهَا فِي النَّفْسِ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنَّمَا يَطُولُ نَظْمُ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَيْهَا إِمَّا تَلَفُّظًا بِاللِّسَانِ وَإِمَّا تَفَكُّرًا بِالْقَلْبِ
فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ نِيَّةَ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَفْهَمِ النِّيَّةَ
فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّكَ دُعِيتَ إِلَى أَنْ تُصَلِّيَ فِي وقت فأجبت وقمت فالوسوسة محض الجهل
فإن هذه القصود وهذه العلوم تجتمع في النفس في حالة واحدة ولا تكون مفصلة الآحاد في الذهن بحيث تطالعها النفس وتتأملها
وفرق بين حضور الشيء في النفس وبين تفصيله بالفكر
والحضور مضاد للعزوب والغفلة وإن لم يكن مفصلاً
فإن من علم الحادث مثلاً فيعلمه بعلم واحد في حالة واحدة وهذا العلم يتضمن علوماً هي حاضرة وإن لم تكن مفصلة فإن من علم الحادث فقد علم الموجود والمعدوم والتقدم والتأخر والزمان وأن التقدم للعدم وأن التأخر للوجود فهذه العلوم منطوية تحت العلم بالحادث بدليل أن العالم بالحادث إذا لم يعلم غيره لو قيل له هل علمت التقدم فقط أو التأخر أو العدم أو تقدم العدم أو تأخر الوجود أو الزمان المنقسم إلى المتقدم والمتأخر فقال ما عرفته قط كان كاذباً وكان قوله مناقضاً لقوله إني أعلم الحادث
ومن الجهل بهذه الدقيقة يثور الوسواس فإن الموسوس يكلف نفسه أن يحضر في قلبه الظهرية والأدائية والفرضية في حالة واحدة مفصلة بألفاظها وهو يطالعها وذلك محال
ولو كلف نفسه ذلك في القيام لأجل العالم لتعذر عليه
فبهذه المعرفة يندفع الوسواس وهو أن امتثال أمر الله سبحانه في النية كامتثال أمر غيره ثم أزيد على سبيل التسهيل والترخص
وأقول لو لم يفهم الموسوس النية إلا بإحضار هذه الأمور مفصلة ولم يمثل في نفسه الامتثال دفعة واحدة وأحضر جملة ذلك في أثناء التكبير من أوله إلى آخره بحيث لا يفرغ من التكبير إلا وقد حصلت النية كفاه ذلك ولا نكلفه أن يقرن الجميع بأول التكبير أو آخره فإن ذلك تكليف شطط
ولو كان مأموراً به لوقع للأولين سؤال عنه ولوسوس واحد من الصحابة في النية فعدم وقوع ذلك دليل على أن الأمر على التساهل فكيفما تيسرت النية للموسوس ينبغي أن يقنع به حتى يتعود ذلك وتفارقه الوسوسة ولا يطالب نفسه بتحقيق ذلك فإن التحقيق يزيد في الوسوسة
وقد ذكرنا في الفتاوي وجوهاً من التحقيق في تحقيق العلوم
والقصود المتعلقة بالنية تفتقر العلماء إلى معرفتها أما العامة فربما ضرها سماعها ويهيج عليها الوسواس فلذلك تركناها
مسألة ينبغي أن لا يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالرَّفْعِ مِنْهُمَا وَلَا فِي سَائِرِ الْأَعْمَالِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَاوِيَهُ بَلْ يَتْبَعُهُ وَيَقْفُو أَثَرَهُ فهذا معنى الاقتداء فإن ساواه عمداً لم تبطل صلاته كما لو وقف بجنيه غير متأخر عنه
فَإِنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَفِي بُطْلَانِ صَلَاتِهِ خِلَافٌ ولا يبعد أن يقضي بالبطلان تشبيهاً بما لو تقدم في الموقف على الإمام بل هذا أولى لأن الجماعة اقتداء في الفعل لا في الموقف فالتبعية في الفعل أهم
وإنما شرط ترك التقدم في الموقف تسهيلاً للمتابعة في الفعل وتحصيلاً لصورة التبعية إذ اللائق بالمقتدى به أن يتقدم فالتقدم عليه في الفعل لا وجه له إلا أن يكون سهواً
ولذلك شَدَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النكير فيه فقال أما يخشى
стр. 192
الَّذِي يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَنْ يُحَوِّلَ الله رأسه رأس حمار (١) وأما التاخر عنه بركن واحد فلا يبطل الصلاة وذلك بأن يعتدل الإمام عن ركوعه وهو بعد لم يركع ولكن التأخر إلى هذا الحد مكروه فإن وضع الإمام جبهته على الأرض وهو بعد لم ينته إلى حد الراكعين بطلت صلاته
وكذا إن وضع الإمام جبهته للسجود الثاني وهو بعد لم يسجد السجود الأول
مَسْأَلَةٌ حَقٌّ عَلَى مَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ إِذَا رَأَى مِنْ غَيْرِهِ إِسَاءَةً فِي صَلَاتِهِ أَنْ يُغَيِّرَهُ وَيُنْكِرَ عَلَيْهِ
وَإِنْ صَدَرَ مِنْ جَاهِلٍ رَفِقَ بِالْجَاهِلِ وَعَلَّمَهُ
فَمِنْ ذَلِكَ الْأَمْرُ بِتَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ وَمَنْعُ الْمُنْفَرِدِ بِالْوُقُوفِ خَارِجَ الصَّفِّ وَالْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَبْلَ الْإِمَامِ إِلَى غير ذلك من الأمور
فقد قال ﷺ ويل للعالم من الجاهل حيث لا يعلمه (٢) وقال ابن مسعود ﵁ من رأى من يسيء صلاته فلم ينهه فهو شريكه في وزرها
وعن بلال بن سعد أنه قال الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها فإذا أظهرت فلم تغير أضرت بالعامة
وجاء في الحديث أن بلالاً كان يسوي الصفوف ويضرب عراقيبهم بالدرة (٣) وَعَنْ عمر ﵁ قَالَ تَفَقَّدُوا إِخْوَانَكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا فَقَدْتُمُوهُمْ فَإِنْ كَانُوا مَرْضَى فَعُودُوهُمْ وَإِنْ كَانُوا أَصِحَّاءَ فَعَاتِبُوهُمْ
وَالْعِتَابُ إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ تَرَكَ الْجَمَاعَةَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَسَاهَلَ فِيهِ
وَقَدْ كَانَ الْأَوَّلُونَ يُبَالِغُونَ فيه حتى كان بعضهم يحمل الجنازة إلى بعض من تخلف عن الجماعة إشارة إلى أن الميت هو الذي يتأخر عن الجماعة دون الحي
ومن دخل المسجد ينبغي أن يقصد يمين الصف ولذلك تزاحم الناس عليه في زمن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى قيل له تعطلت الميسرة فقال ﷺ من عمر ميسرة المسجد كان له كفلان من الأجر (٤) ومهما وجد غلاماً في الصف ولم يجد لنفسه مكاناً فله أن يخرجه إلى خلف ويدخل فيه أعني إذا لم يكن بالغاً وهذا ما أردنا أن نذكره من المسائل التي تعم بها البلوى
وسيأتي أحكام الصلوات المتفرقة في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى
الباب السابع في النوافل من الصلوات
اعْلَمْ أَنَّ مَا عَدَا الْفَرَائِضِ
مِنَ الصَّلَوَاتِ ينقسم إلى ثلاثة أقسام سنن ومستحبات وتطوعات
ونعني بالسنن ما نقل عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المواظبة عليه كالرواتب عقيب الصلوات وصلاة الضحى والوتر والتهجد وغيرها لأن السنة عبارة عن الطريق المسلوكة
ونعني بالمستحبات ما ورد الخبر بفضله ولم ينقل المواظبة عليه كما سننقله في صلوات الأيام والليالي في الأسبوع وكالصلاة عند الخروج من المنزل والدخول فيه وأمثاله
ونعني بالتطوعات ما وراء ذلك مما لم يرد في عينه أثر ولكنه تطوع به العبد من حيث رغب في مناجاة الله بالصلاة التي ورد الشرع بفضلها مطلقاً فكأنه متبرع به إذا لم يندب إلى تلك الصلاة بعينها وإن ندب إلى الصلاة مطلقاً والتطوع عبارة عن التبرع
وسميت الأقسام الثلاثة نوافل من حيث إن النفل هو الزيادة وجملتها زائد على الفرائض
فلفظ النافلة والسنة والمستحب والتطوع أردنا الاصطلاح عليه لتعريف هذه المقاصد
ولا حرج على من يغير هذا الاصطلاح فلا مشاحة في الألفاظ بعد فهم المقاصد
وكل قسم من هذه الأقاسم تتفاوت درجاته في
стр. 193
الفضل بحسب ما ورد فيها من الأخبار والآثار المعرفة لفضلها وبحسب طول مواظبة رسول الله ﷺ عليها وبحسب صحة الأخبار الواردة فيها واشتهارها ولذلك يقال سنن الجماعات أفضل من سنن الانفراد
وأفضل سنن الجماعات صلاة العيد ثم الكسوف ثم الاستسقاء
وأفضل سنن الانفراد الوتر ثم ركعتا الفجر ثم ما بعدهما من الرواتب على تفاوتها
واعلم أن النوافل باعتبار الإضافة إلى معلقاتها تنقسم إلى ما يتعلق بأسباب كالكسوف والاستسقاء وإلى ما يتعلق بأوقات والمتعلق بالأوقات ينقسم إلى ما يتكرر بتكرر اليوم والليلة أو بتكرر الأسبوع أو بتكرر السنة فالجملة أربعة أقسام
القسم الأول ما يتكرر بتكرر الأيام والليالي
وهي ثمانية خمسة هي رواتب الصلوات الخمس وثلاثة وراءها وهي صلاة الضحى وإحياء ما بين العشاءين والتهجد
الأولى راتبة الصبح وهي ركعتان قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها (١) ويدخل وقتها بطلوع الفجر الصادق وهو المستطير دون المستطيل
وإدراك ذلك بالمشاهدة عسير في أوله إلا أن يتعلم منازل القمر أو يعلم اقتراع طلوعه بالكواكب الظاهرة للبصر فيستدل بالكواكب عليه ويعرف بالقمر في ليلتين من الشهر فإن القمر يطلع مع الفجر في ليلة ست وعشرين ويطلع الصبح مع غروب القمر ليلة اثني عشر من الشهر هذا هو الغالب ويتطرق إليه تفاوت في بعض البروج وشرح ذلك يطول
وتعلم منازل القمر من المهمات للمريد حتى يطلع به على مقادير الأوقات بالليل وعلى الصبح ويفوت وقت ركعتي الفجر بفوات وقت فريضة الصبح وهو طلوع الشمس ولكن السنة أداؤهما قبل الفرض فَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ فَلْيَشْتَغِلْ بالمكتوبة فإنه ﷺ قَالَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إِلَّا الْمَكْتُوبَةُ (٢) ثُمَّ إِذَا فرغ من المكتوبة قام إليهما وصلاهما
والصحيح أنهما أداء ما وقعتا قبل طلوع الشمس لأنهما تابعتان للفرض في وقته وإنما الترتيب بينهما سنة في التقديم والتأخير إذا لم يصادف جماعة فإذا صادف جماعة انقلب الترتيب وبقيتا أداء
والمستحب أن يصليهما في المنزل ويخففهما ثم يدخل المسجد ويصلي ركعتين تحية المسجد ثم يجلس ولا يصلي إلى أن يصلي المكتوبة وفيما بين الصبح إلى طلوع الشمس الأحب فيه الذكر والفكر والاقتصار على ركعتي الفجر والفريضة
الثانية راتبة الظهر وهي ست ركعات ركعتان بعدها وهي أيضاً سنة مؤكدة وأربع قبلها وهي أيضاً سنة وإن كانت دون الركعتين الأخيرتين روى أبو هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال من صلى أربع ركعات بعد زوال الشمس يحسن قراءتهن وركوعهن وسجودهن صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى الليل (٣) من حديث أبي مسعود ولم أره من حديث أبي هريرة وكان ﷺ لا يدع أربعاً بعد الزوال يطيلهن ويقول إن أبواب السماء تفتح في هذه الساعة فأحب أن يرفع لي فيها عمل (٤) رواه أبو أيوب الأنصاري وتفرد به ودل عليه أيضاً ما روت أم حبيبة زوج النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ من صلى في كل يوم اثنتي عشرة ركعة غير المكتوبة بني له بيت في الجنة
стр. 194
ركعتين قبل الفجر وأربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين قبل العصر وركعتين بعد المغرب (١) وقال ابن عمر ﵄ حفظت من رسول الله ﷺ في كل يوم عشر ركعات (٢) فذكر ما ذكرته أم حبيبة ﵂ إلا ركعتي الفجر فإنه قال تلك ساعة لم يكن يدخل فيها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولكن حدثتني أختي حفصة ﵂ أنه ﷺ كان يصلي ركعتين في بيتها ثم يخرج
وقال في حديثه ركعتين قبل الظهر وركعتين بعد العشاء فصارت الركعتان قبل الظهر آكد من جملة الأربعة
ويدخل وقت ذلك بالزوال
والزوال يعرف بزيادة ظل الأشخاص المنتصبة مائلة إلى جهة الشرق إذ يقع للشخص ظل عند الطلوع في جانب المغرب يستطيل فلا تزال الشمس ترتفع والظل ينقص وينحرف عن جهة المغرب إلى أن تبلغ الشمس منتهى ارتفاعها وهو قوس نصف النهار فيكون ذلك منتهى نقصان الظل
فإذا زالت الشمس عن منتهى الارتفاع أخذ الظل في الزيادة فمن حيث صارت الزيادة مدركة بالحس دخل وقت الظهر
ويعلم قطعاً أن الزوال في علم الله سبحانه وقع قبله ولكن التكاليف لا ترتبط إلا بما يدخل تحت الحس
والقدر الباقي من الظل الذي منه يأخذ في الزيادة يطول في الشتاء ويقصر في الصيف ومنتهى طوله بلوغ الشمس أول الجدي ومنتهى قصره بلوغها أول السرطان
ويعرف ذلك بالأقدام والموازين
ومن الطرق القريبة من التحقيق لمن أحسن مراعاته أن يلاحظ القطب الشمالي بالليل ويضع على الأرض لوحاً مربعاً وضعاً مستوياً بحيث يكون أحد أضلاعه من جانب القطب بحيث لو توهمت سقوط حجر من القطب إلى الأرض ثم توههمت خطاً من مسقط الحجر إلى الضلع الذي يليه من اللوح لقام الخط على الضلع على زاويتين قائمتين أي لا يكون الخط مائلاً إلى أحد الضلعين ثم تنصب عموداً على اللوح نصباً مستوياً في موضع علامة ٥ وهو بإزاء القطب فيقع ظله على اللوح في أول النهار مائلاً إلى جهة المغرب في صوب خط أثم لا يزال يميل على أن ينطبق على خط ب بحيث لو مد رأسه لانتهى على الاستقامة إلى مسقط الحجر ويكون موازياً للضلع الشرقي والغربي غير مائل إلى أحدهما فإذا بطل ميله إلى الجانب الغربي فالشمس في منتهى الارتفاع فإذا انحرف الظل عن الخط الذي على اللوح إلى جانب الشرق فقد زالت الشمس
وهذا يدرك بالحس تحقيقاً في وقت هو قريب من أول الزوال في علم الله تعالى ثم يعلم على رأس الظل عند انحرافه علامة فإذا صار الظل من تلك العلامة مثل العمود دخل وقت العصر فهذا القدر لا بأس بمعرفته في علم الزوال وهذه صورته
الثالثة راتبة العصر وهي أربع ركعات قبل العصر
روى أبو هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال رحم الله عبداً صلى قبل العصر أربعاً (٣) ففعل ذلك على رجاء الدخول في دعوة رسول الله ﷺ مستحب استحباباً مؤكداً فإن دعوته تستجاب لا محالة له ولم تكن مواظبته على السنة قبل العصر كمواظبته على ركعتين قبل الظهر
الرابعة راتبة المغرب وهما ركعتان بعد الفريضة لم
стр. 195
تختلف الرواية فيهما وأما ركعتان قبلهما بين أذان المؤذن وإقامة المؤذن على سبيل المبادرة فقد نقل عن جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعبادة بن الصامت وأبي ذر وزيد بن ثابت وغيرهم قال عبادة أو غيره كان المؤذن إذا أذن لصلاة المغرب ابتدر أصحاب رسول الله ﷺ السواري يصلون ركعتين (١) وقال بعضهم كنا نصلي الركعتين قبل المغرب حتى يدخل الداخل فيحسب أنا صلينا فيسأل أصليتم المغرب (٢) وذلك يدخل في عموم قوله ﷺ بين كل أذانين صلاة لمن شاء (٣) وكان أحمد بن حنبل يصليهما فعابه الناس فتركهما فقيل له في ذلك فقال لم أر الناس يصلونهما فتركتهما وقال لئن صلاهما الرجل في بيته أو حيث لا يراه الناس فحسن
ويدخل وقت المغرب بغيبوبة الشمس عن الأبصار في الأراضي المستوية التي ليست محفوفة بالجبال فإن كانت محفوفة بها في جهة المغرب فيتوقف إلى أن يرى إقبال السواد من جانب المشرق قال ﷺ إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم (٤) والأحب المبادرة في صلاة المغرب خاصة وإن أخرت وصليت قبل غيبوبة الشفق الأحمر وقعت أداء ولكنه مكروه
وأخر عمر ﵁ صلاة المغرب ليلة حتى طلع نجم فأعتق رقبة وأخرها ابن عمر حتى طلع كوكبان فأعتق رقبتين
الخامسة راتبة العشاء الآخرة أربع ركعات بعد الفريضة
قالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يصلي بعد العشاء الآخرة أربع ركعات ثم ينام (٥) واختار بعض العلماء من مجموع الأخبار أن يكون عدد الرواتب سبع عشرة كعدد المكتوبة ركعتان قبل الصبح وأربع قبل الظهر وركعتان بعدها وأربع قبل العصر وركعتان بعد المغرب وثلاث بعد العشاء الآخرة وهي الوتر (٦) ومهما عرفت الأحاديث الواردة فيه فلا معنى للتقدير فقد قال ﷺ الصلاة خير موضع فمن شاء أكثر ومن شاء أقل (٧) فإذاً اختيار كل مريد من هذه الصلاة بقدر رغبته في الخير فقد ظهر فيما ذكرناه أن بعضها آكد من بعض وترك الآكد أبعد لا سيما والفرائض تكمل بالنوافل فمن لم يستكثر منها يوشك أن لا تسلم له فريضة من غير جابر
السادسة الوتر قال أنس بن مالك كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يوتر بعد العشاء بثلاث ركعات يقرأ في الأولى سبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية قل يا أيها الكافرون وفي الثالثة قل هو الله أحد (٨) وجاء في الخبر أنه ﷺ كان يصلي بعد الوتر ركعتين جالساً وفي بعضها متربعاً (٩) وفي بعض الأخبار إذا أراد أن يدخل فراشه زحف إليه وصلى فوقه ركعتين قبل أن يرقد يقراء فيهما إذا زلزلت الأرض وسورة التكاثر (١٠) وفي رواية أخرى قل يا أيها الكافرون ويجوز الوتر مفصولاً وموصولا بتسليمة واحدة
стр. 196
وتسليمتين وقد أوتر رسول الله ﷺ بركعة (١) وثلاث (٢) وخمس (٣) وهكذا بالأوتار (٤) إلى إحدى عشرة ركعة (٥) والرواية مترددة في ثلاث عشرة (٦) وفي حديث شاذ سبع عشرة ركعة (٧) وكانت هذه الركعات أعني ما سمينا جملتها وتراً صلاة بالليل وهو التهجد والتهجد بالليل سنة مؤكدة وسيأتي ذكر فضائلها في كتاب الأوراد وفي الأفضل خلاف فقيل إن الإيتار بركعة فردة أفضل إذ صح أنه ﷺ كان يواظب على الإيتار بركعة فردة وقيل الموصولة أفضل للخروج عن شبهة الخلاف لا سيما الإمام إذ قد يقتدي به من لا يرى الركعة الفردة صلاة فإن صلى موصولاً نوى بالجميع الوتر وإن اقتصر على ركعة واحدة بعد ركعتي العشاء أو بعد فرض العشاء نوى الوتر وصح
لأن شرط الوتر أن يكون في نفسه وتراً وأن يكون موتراً لغيره مما سبق قبله وقد أوتر الفرض ولو أوتر قبل العشاء لم يصح أي لا ينال فضيلة الوتر الذي هو خير له من حمر النعم (٨) كما ورد به الخبر
وإلا فركعة فردة صحيحة في أي وقت كان وإنما لم يصح قبل العشاء لأنه خرق إجماع الخلق في الفعل ولأنه لم يتقدم ما يصير به وتراً
فأما إذا أراد أن يوتر بثلاث مفصولة ففي نيته في الركعتين نظر
فإنه إن نوى بهما التهجد أو سنة العشاء لم يكن هو من الوتر
وإن نوى الوتر لم يكن هو في نفسه وتراً وإنما الوتر ما بعده ولكن الأظهر أن ينوي الوتر كما ينوي في الثلاث الموصولة الوتر ولكن للوتر معنيان أحدهما أن يكون في نفسه وتراً والآخر أن ينشأليجعل وتراً بما بعده فيكون مجموع الثلاثة وتراً والركعتان من جملة الثلاث إلا أن وتريته موقوفة على الركعة الثالثة
وإذا كان هو على عزم أن يوترهما بثالثة كان له أن ينوي بهما الوتر
والركعة الثالثة وتر بنفسها وموترة لغيرها
والركعتان لا يوتران غيرهما وليستا وتراً بأنفسهما ولكنهما موترتان بغيرهما
والوتر ينبغي أن يكون آخر صلاة الليل فيقع بعد التهجد
وسيأتي فضائل الوتر والتهجد وكيفية الترتيب بينهما في كتاب ترتيب الأوراد
السابعة صلاة الضحى فالمواظبة عليها من عزائم الأفعال وفواضلها أما عدد ركعاتها فأكثر ما نقل فيه ثمان ركعات
روت أم هانىء أخت علي بن أبي طالب ﵄ أنه ﷺ صلى الضحى ثماني ركعات أطالهن وحسنهن (٩) ولم ينقل هذا القدر غيرها
فأما عائشة ﵂ فإنها ذكرت أنه ﷺ كان يصلي الضحى أربعاً ويزيد ما شاء الله سبحانه (١٠) فلم تحد الزيادة إلى أنه كان يواظب على الأربعة ولا ينقص منها وقد يزيد زيادات
وروي في حديث مفرد أن النبي ﷺ كان يصلي الضحى ست ركعات (١١) وأما وقتها فقد روى علي ﵁ أنه
стр. 197
صلى الله عليه وسلم كان يصلي الضحى ستاً في وقتين إذا أشرقت الشمس وارتفعت قام وصلى ركعتين وهو أول الورد الثاني من أوراد النهار كما سيأتي وإذا انبسطت الشمس وكانت في ربع السماء من جانب الشرق صلى أربعاً (١) فالأول إنما يكون إذا ارتفعت الشمس قيد نصف رمح والثاني إذا مضى من النهار ربعه بإزاء صلاة العصر فإن وقته أن يبقى من النهار ربعه والظهر على منتصف النهار ويكون الضحى على منتصف ما بين طلوع الشمس إلى الزوال كما أن العصر على منتصف ما بين الزوال إلى
الغروب وهذا أفضل الأوقات
ومن وقت ارتفاع الشمس إلى ما قبل الزوال وقت للضحى على الجملة
الثامنة إحياء ما بين العشاءين وهي سنة مؤكدة ومما نقل عدده من فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بين العشاءين ست ركعات (٢) ولهذه الصلاة فضل عظيم
وقيل إنها المراد بقوله تتجافى جنوبهم عن المضاجع وقد رُوِيَ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قال من صلى بين المغرب والعشاء فإنها من صلاة الأوابين (٣) وقال ﷺ من عكف نفسه فيما بين المغرب والعشاء في مسجد جماعة لم يتكلم إلا بصلاة أو بقرآن كان حقاً على الله أن يبني له قصرين في الجنة مسيرة كل قصر منهما مائة عام ويغرس له بينهما غراسا لوطافة أهل الأرض لوسعهم (٤) وسيأتي بقية فضائلها في كتاب الأوراد إن شاء الله تعالى
القسم الثاني ما يتكرر بتكرر الأسابيع
وهي صلاة أيام الأسبوع ولياليه لكل يوم ولكل ليلة
أما الأيام فنبدأ فيها بيوم الأحد
يوم الأحد روى أبو هريرة ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال من صلى يوم الأحد أربع ركعات يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وآمن الرسول مرة كتب الله له بعدد كل نصراني ونصرانية حسنات وأعطاه الله ثواب نبي وكتب له حجة وعمرة وكتب له بكل ركعة ألف صلاة وأعطاه الله في الجنة بكل حرف مدينة من مسك أذفر (٥) وروي عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال وحدوا الله بكثرة الصلاة يوم الأحد فإنه سبحانه واحد لا شريك له فمن صلى يوم الأحد بعد صلاة الظهر أربع ركعات بعد الفريضة والسنة يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وتنزيل السجدة وفي الثانية فاتحة الكتاب وتبارك الملك ثم تشهد وسلم ثم قام فصلى ركعتين أخريين يقرأ فيهما فاتحة الكتاب وسورة الجمعة وسأل الله سبحانه حاجته كان حقاً على الله أن يقضي حاجته (٦)
يوم الاثنين روى جابر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال من صلى يوم الاثنين عند ارتفاع النهار ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد والمعوذتين مرة مرة فإذا سلم
стр. 198
استغفر الله عشر مرات وصلى على النبي ﷺ عشر مرات غفر الله تعالى له ذنوبه كلها (١) وروى أنس بن مالك عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال من صلى يوم الاثنين ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة فإذا فرغ قرأ قل هو الله أحد اثنتي عشرة واستغفر اثنتي عشرة مرة ينادى به يوم القيامة أين فلان بن فلان ليقم فليأخذ ثوابه من الله فأول ما يعطى من الثواب ألف حلة ويتوج ويقال له ادخل الجنة فيستقبله مائة ألف ملك مع كل ملك هدية يشيعونه حتى يدور على ألف قصر من نور يتلألأ (٢)
يوم الثلاثاء روى يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك قال قَالَ ﷺ مَنْ صَلَّى يوم الثلاثاء عشر ركعات عند انتصاف النهار (٣) وفي حديث آخر عند ارتفاع النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات لم تكتب عليه خطيئة إلى سبعين يوماً فإن مات إلى سبعين يوماً مات شهيداً وغفر له ذنوب سبعين سنة
يوم الأربعاء روى أبو إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صلى يوم الأربعاء ثنتي عشرة ركعة عند ارتفاع النهار يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات والمعوذتين ثلاث مرات نادى مناد عند العرش يا عبد الله استأنف العمل فقد غفر لك ما تقدم من ذنبك ورفع الله سبحانه عنك عذاب القبر وضيقه وظلمته ورفع عنك شدائد القيامة ورفع له من يومه عمل نبي (٤)
يوم الخميس عن عكرمة عن ابن عباس قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صلى يوم الخميس بين الظهر والعصر ركعتين يقرأ في الأولى فاتحة الكتاب وآية الكرسي مائة مرة وفي الثانية فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد مائة مرة ويصلي على محمد مائة مرة أعطاه الله ثواب من صام رجب وشعبان ورمضان وكان له من الثواب مثل حاج البيت وكتب له بعدد كل من آمن بالله سبحانه وتوكل عليه حسنه (٥)
يوم الجمعة روي عن عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال يوم الجمعة صلاة كله ما من عبد مؤمن قام إذا استقلت الشمس وارتفعت قدر رمح أو أكثر من ذلك فتوضأ ثم أسبغ الوضوء فصلى سبحة الضحى ركعتين إيماناً واحتساباً إلا كتب الله له مائتي حسنة ومحا عنه مائتي سيئة ومن صلى أربع ركعات رفع الله سبحانه له في الجنة أربعمائة درجة ومن صلى ثماني ركعات رفع الله تعالى له في الجنة ثمانمائة درجة وغفر له ذنوبه كلها ومن صلى ثنتي عشرة ركعة كتب الله له ألفين ومائتي حسنة ومحا عنه ألفين ومائتي سيئة ورفع له في الجنة ألفين ومائتي درجة (٦) وعن نافع عن ابن عمر ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال من دخل الجامع
стр. 199
يوم الجمعة فصلى أربع ركعات قبل صلاة الجمعة يقرأ في كل ركعة الحمد لله وقل هو الله أحد خمسين مرة لم يمت حتى يرى مقعده من الجنة أو يرى له (١)
يوم السبت روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال من صلى يوم السبت أربع ركعات يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد ثلاث مرات فإذا فرغ قرأ آية الكرسي كتب الله له بكل حرف حجة وعمرة ورفع له بكل حرف أجر سنة صيام نهارها وقيام ليلها وأعطاه الله بكل حرف ثواب شهيد وكان تحت ظل عرش الله مع النبيين والشهداء (٢)
وأما الليالي
ليلة الأحد روى أنس بن مالك في ليلة الأحد أنه ﷺ قال من صلى ليلة الأحد عشرين ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد خمسين مرة والمعوذتين مرة مرة واستغفر الله مائة مرة واستغفر لنفسه ولوالديه مائة مرة وصلى على النبي ﷺ مائة مرة وتبرأ من حوله وقوته والتجأ الله إلى ثم قال أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أن آدم صفوة الله وفطرته وإبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله ومحمداً حبيب الله كان له من الثواب بعدد من دعا لله ولداً ومن لم يدع لله ولداً وبعثه الله يوم القيامة مع الآمنين وكان حقاً على الله تعالى أن يدخله الجنة مع النبيين (٣)
ليلة الإثنين روى الأعمش عن أنس قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صلى ليلة الإثنين أربع ركعات يقرأ في الركعة الأولى الحمد لله وقل هو الله أحد عشر مرات وفي الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشر مرات وفي الركعة الثانية الحمد لله وقل هو الله أحد عشرين مرة وفي الثالثة الحمد لله وقل هو الله أحد ثلاثين مرة وفي الرابعة الحمد لله وقل هو الله أحد أربعين مرة ثم يسلم ويقرأ قل هو الله أحد خمساً وسبعين مرة واستغفر الله لنفسه ولوالديه خمساً وسبعين مرة ثم سأل الله حاجته كان حقاً على الله أن يعطيه سؤله ما سأل (٤) وهي صلاة الحاجة
ليلة الثلاثاء من صلى ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد والمعوذتين خمس عشرة مرة ويقرأ بعد التسليم خمس عشرة مرة آية الكرسي واستغفر الله تعالى خمس عشرة مرة كان له ثواب عظيم وأجر جسيم
وروي عن عمر ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال من صلى ليلة الثلاثاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وإنا أنزلناه وقل هو الله أحد سبع مرات أعتق الله رقبته من النار ويكون له يوم القيامة قائده ودليله إلى الجنة (٥)
ليلة الأربعاء روت فاطمة ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال من صلى ليلة الأربعاء ركعتين يقرأ في الأول فاتحة الكتاب وقل أعوذ برب الفلق عشر مرات وفي الثانية بعد الفاتحة قل أعوذ برب الناس عشر مرات
стр. 200
ثم إذا سلم استغفر الله عشر مرات ثم يصلي على محمد ﷺ عشر مرات نزل من كل سماء سبعون ألف ملك يكتبون ثوابه إلى يوم القيامة (١) وفي حديث آخر ست عشرة ركعة يقرأ بعد الفاتحة ما شاء الله ويقرأ في آخر الركعتين آية الكرسي ثلاثين مرة وفي الأوليين ثلاثين مرة قل هو الله أحد يشفع في عشرة من أهل بيته كلهم وجبت عليهم النار وروت فاطمة ﵂ أنها قالت قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صلى ليلة الأربعاء ست ركعات قرأ في ركعة بعد الفاتحة قل اللهم مالك الملك إلى آخر الآية فإذا فرغ من صلاته يقول جزى الله محمداً عنا ما هو أهله غفر له ذنوب سبعين سنة وكتب له براءة من النار (٢)
ليلة الخميس قال أبو هريرة ﵁ قال النبي ﷺ من صلى ليلة الخميس ما بين المغرب والعشاء ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وآية الكرسي خمس مرات وقل هو الله أحد خمس مرات والمعوذتين خمس مرات فإذا فرغ من صلاته استغفر الله تعالى خمس عشرة مرة وجعل ثوابه لوالديه فقد أدى حق والديه عليه وإن كان عاقاً لهما وأعطاه الله تعالى ما يعطي الصديقين والشهداء (٣)
ليلة الجمعة قال جابر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صلى ليلة الجمعة بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة وقل هو الله أحد إحدى عشرة مرة فكأنما عبد الله تعالى اثنتي عشرة سنة صيام نهارها وقيام ليلها (٤) وقال أنس قال النبي ﷺ من صلى ليلى الجمعة صلاة العشاء الآخرة في جماعة وصلى ركعتي السنة ثم صلى بعدهما عشر ركعات قرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وقل هو الله أحد والمعوذتين مرة مرة ثم أوتر بثلاث ركعات ونام على جنبه الأيمن وجهه إلى القبلة فكأنما أحيا ليلة القدر (٥) وقال ﷺ أكثروا من الصلاة علي في الليلة الغراء واليوم الأزهر ليلة الجمعة ويوم الجمعة (٦)
ليلة السبت قَالَ أنس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من صلى ليلة السبت بين المغرب والعشاء اثنتي عشرة ركعة بنى له قصر في الجنة وكأنما تصدق على كل مؤمن ومؤمنة وتبرا من اليهود وكان حقاً على الله أن يغفر له (٧)
القسم الثالث ما يتكرر بتكرر السنين
وهي أربعة صلاة العيدين والتراويح وصلاة رجب وشعبان
الأولى صلاة العيدين وهي سنة مؤكدة وشعار من شعائر الدين وينبغي أن يراعى فيها سبعة أمور الأول التكبير ثلاثاً نسقاً فيقول الله أكبر الله أكبر
стр. 201
اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا وَسُبْحَانَ الله بكرة وأصيلاً لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له مخلصين له الدين ولو كره الكافرون يفتتح بالتكبير ليلة الفطر إلى الشروع في صلاة العيد وفي العيد الثاني يفتتح التكبير عقيب الصبح يوم عرفة إلى آخر النهار يوم الثالث عشر وهذا أكمل الأقاويل
ويكبر عقيب الصلوات المفروضة وعقيب النوافل وهو عقيب الفرائض آكد
الثاني إذا أصبح يوم العيد يغتسل ويتزين ويتطيب كما ذكرناه في الجمعة والرداء والعمامة هو الأفضل للرجال وليجنب الصبيان الحرير والعجائز التزين عند الخروج
الثالث أن يخرج من طريق ويرجع من طريق آخر (١) هكذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكان ﷺ يأمر بإخراج العواتق وذوات الخدور (٢)
الرابع المستحب الخروج إلى الصحراء إلا بمكة وبيت المقدس فإن كان يوم مطر فلا بأس بالصلاة في المسجد ويجوز في يوم الصحو أن يأمر الإمام رجلاً يصلي بالضعفة في المسجد ويخرج بالأقوياء مكبرين
الخامس يراعي الوقت فوقت صلاة العيد ما بين طلوع الشمس إلى الزوال
ووقت الذبح للضحايا ما بين ارتفاع الشمس بقدر خطبتين وركعتين إلى آخر اليوم الثالث عشر
ويستحب تعجيل صلاة الأضحى لأجل الذبح وتأخير صلاة الفطر لأجل تفريق صدقة الفطر قبلها
هذه سنة رسول الله (٣)
السادس في كيفية الصلاة فليخرج الناس مكبرين في الطريق
وإذا بلغ الإمام المصلى لم يجلس ولم يتنفل ويقطع الناس التنفل
ثم ينادي مناد الصلاة جامعة
ويصلي الإمام بهم ركعتين يكبر في الأولى سوى تكبيرة الإحرام والركوع سبع تكبيرات يقول بين كل تكبيرتين سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر ويقول وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض عقيب تكبيرة الافتتاح ويؤخر الاستعاذة إلى ما وراء الثامنة ويقرأ سورة ق في الأولى بعد الفاتحة واقتربت في الثانية
والتكبيرات الزائدة في الثانية خمس سوى تكبيرتي القيام والركوع
وبين كل تكبيرتين ما ذكرناه
ثم يخطب خطبتين بينهما جلسة ومن فاتته صلاة العيد قضاها
السابع أن يضحي بكبش ضحى رسول الله ﷺ بكبشين أملحين وذبح بيده وقال بسم الله والله أكبر هذا عني وعمن لم يضح من أمتي (٤) وقال ﷺ من رأى هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئاً (٥) قال أبو أيوب الأنصاري كان الرجل يضحي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بالشاة عن أهل بيته ويأكلون ويطعمون (٦)
وله أن يأكل من الضحية بعد ثلاثة أيام فما فوق وردت فيه الرخصة بعد النهي عنه
وقال سفيان الثوري يستحب أن يصلي بعد عيد الفطر اثنتي عشرة ركعة وبعد عيد الأضحى ست ركعات (٧) وقال هو من السنة
الثانية التراويح وهي عشرون ركعة
стр. 202
وكيفيتها مشهورة وهي سنة مؤكدة وإن كانت دون العيدين واختلفوا في أن الجماعة فيها أفضل أم الانفراد وقد خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيها ليلتين أو ثلاثاً للجماعة ثم لم يخرج وقال أخاف أن توجب عليكم (١) وجمع عمر ﵁ الناس عليها في الجماعة حيث أمن من الوجوب بانقطاع الوحي فقيل إن الجماعة أفضل لفعل عمر ﵁ ولأن الاجتماع بركة وله فضيلة بدليل الفرائض ولأنه ربما يكسل في الانفراد وينشط عند مشاهدة الجمع
وقيل الانفراد أفضل لأن هذه سنة ليست من الشعائر كالعيدين فإلحاقها بصلاة الضحى وتحية المسجد أولى ولم تشرع فيها جماعة
وقد جرت العادة بأن يدخل المسجد جمع معاً ثم لم يصلوا التحية بالجماعة ولقوله ﷺ فضل صلاة التطوع في بيته على صلاته في المسجد كفضل صلاة المكتوبة في المسجد على صلاته في البيت (٢) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ صلاة في مسجدي هذا أفضل من مائة صلاة في غيره من المساجد وصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجدي وأفضل من ذلك كله رجل يصلي في زاوية بيته ركعتين لا يعلمهما إلا الله (٣) وهذا لأن الرياء والتصنع ربما يتطرق إليه في الجمع ويأمن منه في الوحدة فهذا ما قيل فيه
والمختار أن الجماعة أفضل كما رآه عمر ﵁
فإن بعض النوافل قد شرعت فيها الجماعة وهذا جدير بأن يكون من الشعائر التي تظهر
وأما الالتفات إلى الرياء في الجمع والكسل في الإنفراد عدول عن مقصود النظر في فضيلة الجمع من حيث إنه جماعة وكأن قائله يقول الصلاة خير من تركها بالكسل والإخلاص خير من الرياء
فلنفرض المسألة فيمن يثق بنفسه أنه لا يكسل لو انفرد ولا يرائي لو حضر الجمع فأيهما أفضل له فيدور النظر بين بركة الجمع وبين مزيد قوة الإخلاص وحضور القلب في الوحدة فيجوز أن يكون في تفضيل أحدهما على الآخر تردد ومما يستحب القنوت في الوتر في النصف الأخير من رمضان
أما صلاة رجب فقد روي بإسناد عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال ما من أحد يصوم أول خميس من رجب ثم يصلي فيما بين العشاء والعتمة اثنتي عشرة ركعة يفصل بين كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة وإنا أنزلناه في ليلة القدر ثلاث مرات وقل هو الله أحد اثنتي عشرة مرة فإذا فرغ من صلاته صلى علي سبعين مرة يقول اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آله ثم يسجد ويقول في سجوده سبعين مرة سبوح قدوس رب الملائكة والروح ثم يرفع رأسه ويقول سبعين مرة رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم إنك أنت الأعز الأكرم ثم يسجد سجدة أخرى ويقول فيها مثل ما قال في السجدة الأولى ثم يسأل حاجته في سجوده فإنها تقضى (٤) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يصلي أحد هذه الصلاة إلا غفر
стр. 203
الله تعالى له جميع ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر وعدد الرمل ووزن الجبال وورق الأشجار ويشفع يوم القيامة في سبعمائة من أهل بيته ممن قد استوجب النار فهذه صلاة مستحبة وإنما أوردناها في هذا القسم لأنها تتكرر بتكرر السنين وإن كانت رتبتها لا تبلغ رتبة التراويح وصلاة العيد لأن هذه الصلاة نقلها الآحاد ولكني رأيت أهل القدس بأجمعهم يواظبون عليها ولا يسمحون بتركها فأحببت إيرادها
وأما صلاة شعبان فليلة الخامس عشر منه يصلي مائة ركعة كل ركعتين بتسليمة يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة قل هو الله أحد إحدى عشرة مرة وإن شاء صلى عشر ركعات يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة مائة مرة قل هو الله أحد فهذا أيضاً مروي في جملة الصلوات كان السلف يصلون هذه الصلاة ويسمونها صلاة الخير ويجتمعون فيها وربما صلوها جماعة
روي عن الحسن أنه قال حدثني ثلاثون من أصحاب النبي ﷺ إن من صلى هذه الصلاة في هذه الليلة نظر الله إليه سبعين نظرة وقضى له بكل نظرة سبعين حاجة أدناها المغفرة (١)
القسم الرابع من النوافل ما يتعلق بأسباب عارضة ولا يتعلق بالمواقيت
وهي تسعة: صلاة الخسوف والكسوف والاستسقاء وتحية المسجد وركعتي الوضوء وركعتين بين الأذان والإقامة وركعتين عند الخروج من المنزل والدخول فيه
ونظائر ذلك فنذكر منها ما يحضرنا الآن
الأولى صلاة الخسوف قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله والصلاة (٢) قال ذلك لما مات ولده إبراهيم ﷺ وكسفت الشمس فقال الناس إنما كسفت لموته
والنظر في كيفيتها ووقتها أما الكيفية فإذا كسفت الشمس في وقت الصلاة فيه مكروهة أو غير مكروهة نودي الصلاة جامعة وصلى الإمام بالناس في المسجد ركعتين وركع في كل ركعة ركوعين أوائلهما أطول من أواخرهما
ولا يجهر فيقرأ في الأولى من قيام الركعة الأولى الفاتحة والبقرة وفي الثانية الفاتحة وآل عمران وفي الثالثة الفاتحة وسورة النساء وفي الرابعة الفاتحة وسورة المائدة أو مقدار ذلك من القرآن من حيث أراد ولو اقتصر على الفاتحة في كل قيام أجزأه ولو اقتصر على سور قصار فلا بأس
ومقصود التطويل دوام الصلاة إلى الإنجلاء
ويسبح في الركوع الأول قدر مائة آية وفي الثاني قدر ثمانين وفي الثالث قدر سبعين وفي الرابع قدر خمسين
وليكن السجود على قدر الركوع في كل ركعة
ثم يخطب خطبتين بعد الصلاة بينهما جلسة ويأمر الناس بالصدقة والعتق والتوبة
وكذلك يفعل بخسوف القمر إلا أنه يجر فيها لأنها ليلية
فأما وقتها فعند ابتداء الكسوف إلى تمام الإنجلاء ويخرج وقتها بأن تغرب الشمس كاسفة
وتفوت صلاة خسوف القمر بأن يطلع قرص الشمس إذ يبطل سلطان الليل ولا تفوت بغروب القمر خاسفاً لأن الليل كله سلطان القمر فإن انجلى في أثناء الصلاة أتمها مخففة
ومن أدرك الركوع الثاني مع الإمام فقد فاتته تلك الركعة لأن الأصل هو الركوع الأول
الثانية صَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَإِذَا غَارَتِ الْأَنْهَارُ وَانْقَطَعَتِ الْأَمْطَارُ أو إنهارت قناة فَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ أَوَّلًا بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَمَا أَطَاقُوا مِنَ الصَّدَقَةِ وَالْخُرُوجِ مِنَ الْمَظَالِمِ وَالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِي ثُمَّ يَخْرُجُ بهم في اليوم الرابع وبالعجائز والصبيان متنظفين في ثياب بذلة واستكانة متواضعين بخلاف العيد وقيل يستحب
стр. 204
إخراج الدواب لمشاركتها في الحاجة ولقوله ﷺ لولا صبيان رضع ومشايخ ركع وبهائم رتع لصب عليكم العذاب صباً (١) وَلَوْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَيْضًا مُتَمَيِّزِينَ لَمْ يمنعوا فإذا اجتمعوا في المصلى الواصل مِنَ الصَّحْرَاءِ نُودِيَ الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ فَصَلَّى بِهِمُ الْإِمَامُ رَكْعَتَيْنِ مِثْلَ صَلَاةِ الْعِيدِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ ثم يخطب خطبتين وبينهما جلسة خفيفة وليكن الاستغفار معظم الخطبتين وينبغي في وسط الخطبة الثانية أن يستدبر الناس ويستقبل القبلة ويحول رداءه في هذه الساعة تفاؤلاً بتحويل الحال (٢) هكذا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فيجعل أعلاه أسفله وما على اليمين على الشمال وما على الشمال وما على اليمين
وكذلك يفعل الناس ويدعون في هذه الساعة سراً ثم يستقبلهم فيختم الخطبة ويدعون أرديتهم محولة كما هي حتى ينزعوها متى نزعوا الثياب
ويقول في الدعاء اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك فقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا وإجابتك في سقيانا وسعة أرزاقنا
ولا بأس بالدعاء أدبار الصلوات في الأيام الثلاثة قبل الخروج ولهذا الدعاء آداب وشروط باطنة من التوبة ورد المظالم وغيرها وسيأتي ذلك في كتاب الدعوات
الثالثة صلاة الجنائز وكيفيتها مشهورة وأجمع دعاء مأثور ما روي في الصحيح عن عوف بن مالك قال رأيت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى على جنازة فحفظت من دعائه اللهم اغفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله داراً خيراً من داره وأهلاً خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار (٣) حتى قال عوف تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت
ومن أدرك التكبيرة الثانية فينبغي أن يراعي ترتيب الصلاة في نفسه ويكبر مع تكبيرات الإمام فإذا سلم الإمام قضى تكبيرة الذي فات كفعل المسبوق فإنه لو بادر التكبيرات لم تبق للقدوة في هذه الصلاة معنى فالتكبيرات هي الأركان الظاهرة وجدير بأن تقام مقام الركعات في سائر الصلوات هذا هو الأوجه عندي وإن كان غيره محتملاً
والأخبار الواردة في فضل صلاة الجنازة وتشييعها مشهورة فلا نطيل بإيرادها وكيف لا يعظم فضلها وَهِيَ مِنْ فَرَائِضِ الْكِفَايَاتِ وَإِنَّمَا تَصِيرُ نَفْلًا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ تَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ بِحُضُورِ غيره ثم ينال بها فضل فرض الكفاية وإن لم يتعين لأنهم بجملتهم قاموا بما هو فرض الكفاية وأسقطوا الحرج عن غيرهم فلا يكون ذلك كنفل لا يسقط به فرض عن أحد ويستحب طلب كثرة الجمع تبركاً بكثرة الهمم والأدعية واشتماله على ذي دعوة مستجابة لما روى كريب عن ابن عباس أنه مات له ابن فقال يا كريب انظر ما اجتمع له من الناس قال فخرجت فإذا ناس قد اجتمعوا له فأخبرته فقال تقول هم أربعون قلت نعم قال أخرجوه فإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه (٤) وإذا شيع الجنازة فوصل المقابر أو دخلها ابتداء قال السلام عليكم أهل هذه الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون
والأولى أن لا ينصرف حتى يدفن الميت فإذا سوي على الميت قبره قام عليه وقال اللهم عبدك رد إليك فارأف به وارحمه اللهم جاف الأرض عن جنبيه وافتح أبواب السماء لروحه وتقبله منك بقول حسن اللهم
стр. 205
إن كان محسناً فضاعف له في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه
الرابعة تحية المسجد ركعتان فصاعداً سنة مؤكدة حتى أنها لا تسقط وإن كان الإمام يخطب يوم الجمعة مع تؤكد وجوب الإصغاء إلى الخطيب
وَإِنِ اشْتَغَلَ بِفَرْضٍ أَوْ قَضَاءٍ تَأَدَّى بِهِ التَّحِيَّةُ وَحَصَلَ الْفَضْلُ إِذِ الْمَقْصُودُ أَنْ لَا يَخْلُوَ ابْتِدَاءُ دُخُولِهِ عَنِ الْعِبَادَةِ الْخَاصَّةِ بِالْمَسْجِدِ قياماً بحق المسجد
ولهذا يكره أن يدخل المسجد على غير وضوء فإن دخل لعبور أو جلوس فليقل سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر يقولها أربع مرات يقال إنها عدل ركعتين في الفضل
ومذهب الشافعي ﵀ أنه لا تكره التحية في أوقات الكراهية وهي بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَوَقْتَ الزَّوَالِ وَوَقْتَ الطلوع والغروب لما روي أنه ﷺ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقِيلَ لَهُ أَمَا نَهَيْتِنَا عَنْ هَذَا فَقَالَ هُمَا رَكْعَتَانِ كُنْتُ أُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فشغلني عنهما الوفد (١) فأفاد هذا الحديث فائدتين إحداهما أن الكراهية مقصورة على صلاة لا سبب لها ومن أضعف الأسباب قضاء النوافل إذ اختلف العلماء في أن النوافل هل تقضى وإذا فعل مثل ما فاته هل يكون قضاء وإذا انتفت الكراهية بأضعف الأسباب فبأحرى أن تنتفي بدخول المسجد وهو سبب قوي
ولذلك لا تكره صلاة الجنازة إذا حضرت ولا صلاة الخسوف والاستسقاء في هذه الأوقات لأن لها أسباباً
الفائدة الثانية قضاء النوافل إذ قضى رسول الله ﷺ ذلك ولنا فيه أسوة حسنة
وقالت عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ رسول الله ﷺ إذا غَلَبَهُ نَوْمٌ أَوْ مَرَضٌ فَلَمْ يَقُمْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ صَلَّى مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ركعة (٢) وقد قال العلماء من كان في الصلاة ففاته جواب المؤذن فإذا سلم قضى وأجاب وإن كان المؤذن سكت ولا معنى الآن لقول من يقول إن ذلك مثل الأول وليس يقضي إذ لو كان كذلك لما صلاها رسول الله ﷺ في وقت الكراهة
نعم من كَانَ لَهُ وِرْدٌ فَعَاقَهُ عَنْ ذَلِكَ عُذْرٌ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُرَخِّصَ لِنَفْسِهِ فِي تَرْكِهِ بَلْ يَتَدَارَكُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ حَتَّى لَا تميل نفسه إلى الدعة والرفاهية
وتداركه حسن على سبيل مجاهدة النفس ولأنه ﷺ قال أحب الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن قل (٣) فَيُقْصَدُ بِهِ أَنْ لَا يَفْتُرَ فِي دَوَامِ عمله وروت عائشة ﵂ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال من عبد الله بعبادة ثم تركها ملالة مقته الله (٤) فليحذر أن يدخل تحت الوعيد
وتحقيق هذا الخبر
أنه مقته الله تعالى بتركها ملالة فلولا المقت والإبعاد لما سلطت الملالة عليه
الخامسة ركعتان بعد الوضوء مستحبتان لأن الوضوء قربة ومقصودها الصلاة والأحداث عارضة فربما يطرأ الحدث قبل صلاة فينتقض الوضوء ويضيع السعي فالمبادرة إلى ركعتين استيفاء المقصود الوضوء قبل الفوات
وعرف ذلك بحديث بلال إذ قال ﷺ دخلت الجنة فرأيت بلالاً فيها فقلت لبلال بم سبقتني إلى الجنة فقال بلال لا أعرف شيئا إلا أني لا أحدث وضوءاً إلا أصلي عقيبه ركعتين (٥)
السادسة ركعتان عند دخول المنزل وعند الخروج منه روى أبو هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا خرجت من منزلك فصل ركعتين يمنعانك مخرج السوء وإذا دخلت إلى منزلك فصل ركعتين
стр. 206
يمنعانك مدخل السوء (١) وفي معنى هذا كل أمر يبتدأ به مما له وقع ولذلك ورد ركعتان عند الإحرام (٢) وركعتان عند ابتداء السفر (٣) وركعتان عند الرجوع من السفر (٤) في المسجد قبل دخول البيت فكل ذلك مأثور من فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وكان بعض الصالحين إذا أكل أكلة صلى ركعتين وإذا شرب شربة صلى ركعتين وكذلك في كل أمر يحدثه
وبداية الأمور ينبغي أن يتبرك فيها بذكر الله وهي على ثلاث مراتب بعضها يتكرر مراراً كالأكل والشرب فيبدأ فيه باسم اللَّهِ وَقَالَ ﷺ كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أبتر (٥)
الثانية ما لا يكثر تكرره وله وقع كعقد النكاح وابتداء النصيحة والمشورة فالمستحب فيها أن يصدر بحمد الله فيقول المزوج الحمد لله والصلاة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زوجتك ابنتي ويقول القابل الحمد لله والصلاة عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قبلت النكاح وكانت عادة الصحابة ﵃ في ابتداء أداء الرسالة والنصيحة والمشورة تقديم التحميد
الثالثة ما لا يتكرر كثيراً وإذا وقع دام وكان له وقع كالسفر وشراء دار جديدة والإحرام وما يجري مجراه فيستحب تقديم ركعتين عليه وأدناه الخروج من المنزل والدخول إليه فإنه نوع سفر قريب
السابعة صلاة الاستخارة فمن هم بأمر وكان لا يدري عاقبته ولا يعرف أن الخير في تركه أو في الإقدام عليه فقد أمره رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وقل يا أيها الكافرون وفي الثانية الفاتحة وقل هو الله أحد فَإِذَا فَرَغَ دَعَا وَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي ودنياي وعاقبة أمري وعاجله وآجله فاقدره لِي وَبَارِكْ لِي فِيهِ ثُمَّ يَسِّرْهُ لِي وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَعَاقِبَةِ أَمْرِي وَعَاجِلِهِ وآجله فاصرفني عنه واصرفه عني واقدر لي الخير أينما كان إنك على كل شيء قدير (٦) رواه جابر بن عبد الله قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن وقال ﷺ إذا هم أحدكم بأمر فليصل ركعتين ثم ليسم الأمر ويدعو بما ذكرناه وقال بعض الحكماء من أعطي أربعاً لم يمنع أربعا من أعطي الشكر لم يمنع المزيد ومن أعطي التوبة لم يمنع القبول ومن أعطي الاستخارة لم يمنع الخيرة ومن أعطي المشورة لم يمنع الصواب
الثامنة صلاة الحاجة (٧) فمن ضاق عليه الأمر ومسته حاجة في صلاح دينه ودنياه إلى أمر تعذر عليه فليصل هذه الصلاة فقد روي عن وهيب بن الورد أنه قال إن من الدعاء الذي لا يرد أن يصلي العبد ثنتي عشرة ركعة يقرأ في كل ركعة
стр. 207
بأم الكتاب وآية الكرسي وقل هو الله أحد فإذا فرغ خر ساجداً ثم قال سبحان الذي لبس العز وقال به سبحان الذي تعطف بالمجد وتكرم به سبحان الذي أحصى كل شيء بعلمه سبحان الذي لا ينبغي التسبيح إلا له سبحان ذي المن والفضل سبحان ذي العز والكرم سبحان ذي الطول أسألك بمعاقد العز من عرشك ومنتهى الرحمة من كتابك وباسمك الأعظم وجدك الأعلى وكلماتك التامات العامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر أن تصلي على محمد وعلى آل محمد ثم يسال حاجته التي لا معصية فيها فيجاب إن شاء الله
قال وهيب بلغنا أنه كان يقال لا تعلموها لسفهائكم فيتعاونون بها على معصية الله
التاسعة صلاة التسبيح وهذه الصلاة مأثورة على وجها ولا تختص بوقت ولا بسبب ويستحب أن لا يخلو الأسبوع عنها مرة واحدة أو الشهر مرة
فقد روى عكرمة عن ابن عباس رضي الله منها أنه ﷺ قال للعباس بن عبد المطلب ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك بشيء إذا أنت فعلته غفر الله لك ذنبك أوله وآخره قديمه وحديثه خطأه وعمده سره وعلانيته تصلي أربع ركعات تقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب وسورة فإذا فرغت من القراءة في أول ركعة وأنت قائم تقول سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلَا إِلَهَ إِلَّا الله والله أكبر
خمس عشرة مرة ثم تركع فتقولها وأنت راكع عشر مرات ثم ترفع من الركوع فتقولها قائما عشرا ثم تسجد فتقولها عشراً ثم ترفع من السجود فتقولها جالسا عشرا ثم تسجد فتقولها وأنت ساجد عشراً ثم ترفع من السجود فتقولها عشراً فذلك خمس وسبعون في كل ركعة تفعل ذلك في أربع ركعات إن استطعت أن تصليها في كل يوم مرة فافعل فإن لم تفعل ففي كل جمعة مرة فإن لم تفعل ففي كل شهر مرة فإن لم تفعل ففي السنة مرة (١) وفي رواية أخرى أنه يقول في أول الصلاة سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ وَتَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وتقدست أسماؤك ولا إله غيرك ثم يسبح خمس عشرة تسبيحة قبل القراءة وعشراً بعد القراءة والباقي كما سبق عشراً عشراً ولا يسبح بعد السجود الأخير قاعدا وهذا هو الأحسن وهو اختيار ابن المبارك
والمجموع من الروايتين ثلثمائة تسبيحة فإن صلاها نهاراً فبتسليمة واحدة وإن صلاها ليلاً فبتسليمتين أحسن إذ ورد
أن صلاة الليل مثنى مثنى (٢) وإن زاد بعد التسبيح قوله لا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ فهو حسن فقد ورد ذلك في بعض الروايات فهذه الصلوات المأثورة
ولا يستحب شيء من هذه النوافل في الأوقات المكروهة إلا تحية المسجد وما أوردناه بعد التحية من ركعتي الوضوء وصلاة السفر والخروج من المنزل والاستخارة فلا لأن النهي مؤكد وهذه الأسباب ضعيفة فلا تبلغ درجة الخسوف والاستسقاء والتحية
وقد رأيت بعض المتصوفة يصلي في الأوقات المكروهة ركعتي الوضوء وهو في غاية البعد لأن الوضوء لا يكون سببا الصلاة بل الصلاة سبب الوضوء
فينبغي أن يتوضأ ليصلي لا أنه يصلي لأنه توضأ
وكل محدث يريد أن يصلي في وقت الكراهية فلا سبيل له إلا أن يتوضأ ويصلي فلا يبقى للكراهية معنى
ولا ينبغي أن ينوي ركعتي الوضوء كما ينوي ركعتي التحية بل إذا توضأ صلى ركعتين تطوعاً كيلا يتعطل وضوءه كما كان يفعله بلال فهو تطوع محض يقع عقيب الوضوء
وحديث بلال لم يدل على أن الوضوء سبب كالخسوف والتحية حتى ينوي ركعتي الوضوء فيستحيل أن ينوي بالصلاة الوضوء بل ينبغي أن ينوي بالوضوء الصلاة
وكيف ينتظم أن يقول في وضوئه أتوضأ لصلاتي وفي صلاته يقول أصلي لوضوئي بل من أراد أن يحرس وضوءه عن التعطيل في وقت الكراهية فلينو قضاء إن كان يجوز أن يكون في ذمته صلاة تطرق إليها خلل لسبب من الأسباب فإن قضاء الصلوات في أوقات الكراهية غير مكروه فأمانية التطوع فلا وجه لها
ففي النهي في أوقات الكراهية مهمات ثلاثة
стр. 208
أحدها التوقي من مضاهاة عبدة الشمس
والثاني الاحتراز من انتشار الشياطين إذ قال ﷺ إن الشمس لتطلع ومعها قرن الشيطان فإذا طلعت قارنها وإذا ارتفعت فارقها فإن استوت قارنها فإذا زالت فارقها فإذا تضيفت للغروب قارنها فإذا غربت فارقها (١) ونهى عن الصلوات في هذه الأوقات ونبه به على العلة
والثالث أن سالكي طريق الآخرة لا يزالون يواظبون على الصلوات في جميع الأوقات
والمواظبة على نمط واحد من العبادات يورث الملل
ومهما منع منها ساعة زاد النشاط وانبعثت الدواعي والإنسان حريص على ما منع منه فَفِي تَعْطِيلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ زِيَادَةُ تَحْرِيضٍ وَبَعْثٍ على انتظار انقضاء الوقت فخصصت هذه الأوقات بالتسبيح والاستغفار حذراً من الملل بالمداومة وتفرجاً بالانتقال من نوع عبادة إلى نوع آخر
ففي الاستطراف والاستجداد لذة ونشاط وفي الاستمرار على شيء واحد استثقال وملالا ولذلك لم تكن الصلاة سجوداً مجرداً ولا ركوعاً مجرداً ولا قياماً مجرداً بل رتبت العبادات من أعمال مختلفة وأذكار متباينة فإن القلب يدرك من كل عمل منهما لذة جديدة عند الانتقال إليها ولو واظب على الشيء الواحد لتسارع إليه الملل
فإذا كانت هذه أموراً مهمة في النهي عن ارتكاب أوقات الكراهة إلى غير ذلك من أسرار أخرى ليس في قوة البشر الاطلاع عليها والله ورسوله أعلم بها
فهذه المهمات لا تترك إلا بأسباب مهمة في الشرع مثل قضاء الصلوات وصلاة الاستسقاء والخسوف وتحية المسجد
فأما ما ضعف عنها فلا ينبغي أن يصادم به مقصود النهي
هذا هو الأوجه عندنا والله أعلم
كمل كتاب أسرار الصلاة من كتاب إحياء علوم الدين
يتلوه إن شاء الله كتاب أسرار الزكاة بحمد الله وعونه وحسن توفيقه
والحمد لله وحده وصلاته على خير خلقه محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً
كتاب أسرار الزكاة
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أسعد وأشقى وأمات وأحيا وأضحك وأبكى وأوجد وأفنى وأفقر وأغنى وأضر وأقنى الذي خلق الحيوان من نطفة تمنى ثم تفرد عن الخلق بوصف الغنى ثم خصص بعض عباده بالحسنى فأفاض عليهم من نعمة ما أيسر به من شاء واستغنى وأحوج إليه من أخفق في رزقه وأكدى إظهاراً للامتحان والابتلا
ثم جعل الزكاة للدين أساساً ومبنى وبين أن بفضله تزكى من عباده من تزكى ومن غناه زكى ماله من زكى والصلاة على محمد المصطفى سيد الورى وشمس الهدى وعلى آله واصحابه المخصوصين بالعلم والتقى
أما بعد فإن الله تعالى جعل الزكاة إحدى مَبَانِي الْإِسْلَامِ وَأَرْدَفَ بِذِكْرِهَا الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ أَعْلَى الْأَعْلَامِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزكاة﴾ وَقَالَ ﷺ بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وإيتاء الزكاة (٢) وَشَدَّدَ الْوَعِيدَ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ فِيهَا فَقَالَ ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ ومعنى الإنفاق في سبيل الله إخراج حق الزكاة قال
стр. 209
الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ كُنْتُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَمَرَّ أبو ذر فَقَالَ بَشِّرِ الْكَانِزِينَ بِكَيٍّ فِي ظُهُورِهِمْ يَخْرُجُ مِنْ جُنُوبِهِمْ وَبِكَيٍّ في أقفائهم يخرج من جباههم
وفي رواية أنه يوضع على حلمة ثدي أحدهم فيخرج من نغض كتفيه ويوضع على نغض كتفيه حتى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل وقال أبو ذر انتهيت إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال هم الأخسرون ورب الكعبة فقلت ومن هم قال الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدي زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها حتى يقضى بين الناس (١) وإذا كان هذا التشديد مخرجاً في الصحيحين فقد صَارَ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ الْكَشْفُ عَنْ أَسْرَارِ الزكاة وشروطها الجلية والخفية ومعانيها الظاهرة والباطنة مع الاقتصار على ما لا يستغنى عن معرفته مؤدي الزكاة وقابضها وينكشف ذلك في أربعة فصول
الفصل الأول في أنواع الزكاة وأسباب وجوبها
الثاني آدابها وشروطها الباطنة والظاهرة
الثالث في القابض وشروط استحقاقه وآداب قبضه
الرابع في صدقة التطوع وفضلها
الفصل الأول في أنواع الزكاة وأسباب وجوبها والزكوات باعتبار متعلقاتها ستة أنواع زكاة النعم والنقدين والتجارة وزكاة الركاز والمعادن وزكاة المعشرات وزكاة الفطر
النوع الأول زكاة النعم
ولا تجب هذه الزكاة وغيرها إلا على حر مسلم
ولا يشترط البلوغ بل تجب في مال الصبي والمجنون هذا شرط من عليه
وأما المال فشروطه خمسة أن يكون نعماً سائمة باقية حولاً نصاباً كاملاً مملوكاً على الكمال
الشرط الأول كونه نعماً فلا زكاة إلا في الإبل والبقر والغنم
أما الخيل والبغال والحمير والمتولد من بين الظباء والغنم فلا زكاة فيها
الثاني السوم فلا زكاة في معلوفة وإذا أسيمت في وقت وعلفت في وقت تظهر بذلك مؤنتها فلا زكاة فيها
الثالث الحول قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (٢) ويستثنى من هذا نتاج الحول
الرابع كمال الملك والتصرف فتجب الزكاة في الماشية المرهونة لأنه الذي حجر على نفسه فيه ولا تجب في الضال والمغصوب إلا إذا عاد بجميع نمائه فيجب زكاة ما مضى عند عوده ولو كان عليه دين يستغرق ماله فلا زكاة عليه فإنه ليس غنياً به إذ الغنى ما يفضل عن الحاجة
الخامس كمال النصاب
أما الإبل فلا شيء فيها حتى تبلغ خمساً ففيها جذعة من الضأن والجذعة هي التي تكون في السنة الثانية أو ثنية من المعز وهي التي تكون في السنة الثالثة
وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه
وفي عشرين أربع شياه
وفي خمس وعشرين بنت مخاض وهي التي في السنة الثانية فإن لم يكن في ماله بنت مخاض فابن لبون ذكر وهو الذي في السنة الثالثة يؤخذ إن كان قادراً على شرائها وفي ست وثلاثين ابنة لبون
ثم إذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة وهي التي في السنة الرابعة
فإذا صارت إحدى وستين ففيها جذعة وهي التي في السنة الخامسة
فإذا صارت ستاً وسبعين ففيها بنتا لبون
فإذا صارت إحدى وتسعين ففيها حقتان
فإذا صارت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون
فإذا صارت مائة وثلاثين فقد استقر الحساب ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون
стр. 210
وأما البقر فلا شيء فيها حتى تبلغ ثلاثين ففيها تبيع وهو الذي في السنة الثانية
ثم في أربعين مسنة وهي التي في السنة الثالثة
ثم في ستين تبيعان
واستقر الحساب بعد ذلك
ففي كل أربعين مسنة
وفي كل ثلاثين تبيع
وأما الغنم فلا زكاة فيها حتى تبلغ أربعين ففيها شاة جذعة من الضأن أو ثنية من المعز
ثم لا شيء فيها حتى تبلغ مائة وعشرين وواحدة ففيها شاتان
إلى مائتي شاة وواحدة فيها ثلاث شياه إلى أربعمائة ففيها أربع شياه
ثم استقر الحساب في كل مائة شاة
وصدقة الخليطين كصدقة المالك الواحد في النصاب فإذا كان بين رجلين أربعون من الغنم ففيها شاة
وإن كان بين ثلاثة نفر مائة شاة وعشرون ففيها شاة واحدة
على جميعهم
وخلطة الجوار كخلطة الشيوع ولكن يشترط أن يريحا معاً ويسقيا معاً ويحلبا معاً ويسرحا معاً ويكون المرعى معاً ويكون إنزاء الفحل معاً
وأن يكونا جميعاً من أهل الزكاة ولا حكم للخلطة مع الذمي والمكاتب
ومهما نزل في واجب الإبل عن سن إلى سن فهو جائز ما لم يجاوز بنت مخاض في النزول
ولكن تضم إليه جبران السن لسنة واحدة شاتين أو عشرين درهماً
ولسنتين أربع شياه أو أربعين درهماً
وله أن يصعد في السن ما لم يجاوز الجذعة في الصعود ويأخذ الجبران من الساعين من بيت المال
ولا تؤخذ في الزكاة مريضة إذا كان بعض المال صحيحاً ولو واحدة
ويؤخذ من الكرائم كريمة ومن اللئام لئيمة
ولا يؤخذ من المال الأكولة ولا الماخض ولا الربا ولا الفحل ولا غراء المال
النوع الثاني زكاة المعشرات
فيجب العشر في كل مستنبت مقتات بلغ ثمانمائة من ولا شيء فيما دونها ولا في الفواكه والقطن ولكن في الحبوب التي تقتات وفي التمر والزبيب
ويعتبر أن تكون ثمانمائة من تمراً أو زبيباً لا رطباً وعنباً ويخرج ذلك بعد التجفيف
ويكمل مال أحد الخليطين بمال الآخر في خلطة الشيوع كالبستان المشترك بين ورثة لجميعهم ثمانمائة من من زبيب فيجب على جميعهم ثمانون مناً من زبيب بقدر حصصهم
ولا يعتبر خلطة الجوار فيه
ولا يكمل نصاب الحنطة بالشعير
ويكمل نصاب الشعير بالسلت فإنه نوع منه هذا قدر الواجب إن كان يسقى بسيح أو قناة فإن كان يسقى بنضح أو دالية فيجب نصف العشر فإن اجتمعا فالأغلب يعتبر
وأما صفة الواجب فالتمر والزبيب اليابس والحب اليابس بعد التنقية
ولا يؤخذ عنب ولا رطب إلا إذا حلت بالأشجار آفة وكانت المصلحة في قطعها قبل تمام الإدراك فيؤخذ الرطب فيكال تسعة للمالك وواحد للفقير
ولا يمنع من هذه القسمة قولنا إن القسمة بيع بل يرخص في مثل هذا للحاجة
ووقت الوجوب أن يبدو الصلاح في الثمار وأن يشتد الحب
ووقت الأداء بعد الجفاف
النوع الثالث زكاة النقدين
فإذا تم الحول على وزن مائتي درهم بوزن مكة نقرة خالصة ففيها خمسة دراهم وهو ربع العشر وما زاد فبحسابه ولو درهماً
ونصاب الذهب عشرون مثقالاً خالصاً بوزن مكة ففيها ربع العشر وما زاد فبحسابه وإن نقص من النصاب حبة فلا زكاة
وتجب على من معه دراهم مغشوشة إذا كان فيها هذا المقدار من النقرة الخالصة
وتجب الزكاة في التبر وفي الحلي المحظور كأواني الذهب والفضة ومراكب الذهب للرجال
ولا تجب في الحلي المباح
وتجب في الدين الذي هو على ملىء ولكن تجب عند الاستيفاء وإن كان مؤجلاً فلا تجب إلا عند حلول الأجل
стр. 211
النوع الرابع زكاة التجارة
وهي كزكاة النقدين وإنما ينعقد الحول من وقت ملك النقد الذي به اشترى البضاعة إن كان النقد نصاباً فإن كان ناقصاً أو اشترى بعرض على نية التجارة فالحول من وقت الشراء
وتؤدى الزكاة من نقد البلد وبه يقوم
فإن كان ما به الشراء نقداً وكان نصاباً كاملاً كان التقويم به أولى من نقد البلد
ومن نوى التجارة من مال قنية فلا ينعقد الحول بمجرد نيته حتى يشتري به شيئاً ومهما قطع نية التجارة قبل تمام الحول سقطت الزكاة
والأولى أن تؤدى زكاة تلك السنة وما كان من ربح في السلعة في آخر الحول وجبت الزكاة فيه بحول رأس المال ولم يستأنف له حولاً كما في النتاج
وأموال الصيارفة لا ينقطع حولها بالمبادلة الجارية بينهم كسائر التجارات وزكاة ربح مال القراض على العامل وإن كان قبل القسمة هذا هو الأقيس
النوع الخامس الركاز والمعدن
والركاز مال دفن في الجاهلية ووجد في أرض لم يجر عليها في الإسلام ملك فعلى واجده في الذهب والفضة منه الخمس والحول غير معتبر
والأولى أن لا يعتبر النصاب أيضاً لأن إيجاب الخمس يؤكد شبهه بالغنيمة واعتباره أيضاً ليس ببعيد لأن مصرف الزكاة ولذلك يخصص على الصحيح بالنقدين
وأما المعادن فلا زكاة فيما استخرج منها سوى الذهب والفضة ففيها بعد الطحن والتخليص ربع العشر على أصح القولين وعلى هذا يعتبر النصاب
وفي الحول قولان وفي قول يجب الخمس فعلى هذا لا يعتبر
وفي النصاب قولان والأشبه والعلم عند الله تعالى أن يلحق في قدر الواجب بزكاة التجارة فإنه نوع اكتساب
وفي الحول بالمعشرات فلا يعتبر لأنه عين الرفق ويعتبر النصاب كالمعشرات والاحتياط أن يخرج الخمس من القليل والكثير ومن عين النقدين أيضاً خروجاً عن شبهة هذه الاختلافات فإنها ظنون قريبة من التعارض وجزم الفتوى فيها خطر لتعارض الاشتباه
النوع السادس في صدقة الفطر
وهي واجبة على لسان رسول الله ﷺ على كل مسلم فضل عن قوته وقوت من يقوته يوم الفطر وليلته صاع مما يقتات (١) بصاع رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ منوان وثلثا من يخرجه من جنس قوته أو من أفضل منه
فإن اقتات بالحنطة لم يجز الشعير
وإن اقتات حبوباً مختلفة اختار خيرها ومن أيها أخرج أجزأه
وقسمتها كقسمة زكاة الأموال فيجب فيها استيعاب الأصناف ولا يجوز إخراج الدقيق والسويق
ويجب على الرجل المسلم فطرة زوجته ومماليكه وأولاده وكل قريب هو في نفقته أعني من تجب عليه نفقته من الآباء والأمهات والأولاد قال ﷺ أدوا صدقة الفطر عمن تمونون (٢) وتجب صدقة العبد المشترك على الشريكين ولا تجب صدقة العبد الكافر
وإن تبرعت الزوجة بالإخراج عن نفسها أجزأها وللزوج الإخراج عنها دون إذنها
وإن فضل عنه ما يؤدى عن بعضهم أدى عن بعضهم وأولاهم بالتقديم من كانت نفقته آكد
وقد
стр. 212
قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نفقة الولد على نفقة الزوجة ونفقتها على نفقة الخادم (١) فهذه أحكام فقهية لا بد للغني من معرفتها وقد تعرض له وقائع نادرة خارجة عن هذا فله أن يتكل فيها على الاستفتاء عند نزول الواقعة بعد إحاطته بهذا المقدار
الفصل الثاني في الأداء وشروطه الباطنة والظاهرة
اعلم أنه يجب على مؤدى الزكاة خمسة أمور
الأول النية وهو أن ينوي بقلبه زكاة الفرض ويسن عليه تعيين الأموال
فإن كان له مال غائب فقال هذا عن مالي الغائب إن كان سالماً وإلا فهو نافلة جاز لأنه إن لم يصرح به فكذلك يكون عند إطلاقه
ونية الولي تقوم مقام نية المجنون والصبي
ونية السلطان تقوم مقام نية المالك الممتنع عن الزكاة ولكن في ظاهر حكم الدنيا أعني في قطع المطالبة عنه أما في الآخرة فلا بل تبقى ذمته مشغولة إلى أن يستأنف الزكاة وإذا وكل بأداء الزكاة ونوى عند التوكيل أو وكل الوكيل بالنية كفاه لأن توكيله بالنية نية
الثاني الْبِدَارُ عَقِيبَ الْحَوْلِ وَفِي زَكَاةِ الْفِطْرِ لَا يُؤَخِّرُهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ
وَيَدْخُلُ وَقْتُ وُجُوبِهَا بغروب الشمس من آخر يوم من شهر رَمَضَانَ وَوَقْتُ تَعْجِيلِهَا شَهْرُ رَمَضَانَ كُلُّهِ
وَمَنْ أخر زكاة ماله مع التَّمَكُّنِ عَصَى وَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ بِتَلَفِ مَالِهِ وتمكنه بمصادقة المستحق
وإن أخر لعدم المستحق فتلف ماله سقطت الزكاة عنه
وتعجيل الزكاة جائز بشرط أن يقع بعد كمال النصاب وانعقاد الحول
ويجوز تعجيل زكاة حولين
ومهما عجل فمات المسكين قبل الحول أو ارتد أو صار غنياً بغير ما عجل إليه أو تلف مال المالك أو مات فالمدفوع ليس بزكاة واسترجاعه غير ممكن إلا إذا قيد الدفع بالاسترجاع فليكن المعجل مراقباً آخر الأمور وسلامة العاقبة
الثالث أن لا يخرج بدلاً باعتبار القيمة بل يخرج المنصوص عليه فلا يجزىء ورق عن ذهب ولا ذهب عن ورق وإن زاد عليه في القيمة
ولعل بعض من لا يدرك غرض الشافعي ﵁ يتساهل في ذلك ويلاحظ المقصود من سد الخلة وما أبعده عن التحصيل فإن سد الخلة مقصود وليس هو كل المقصود بل واجبات الشرع ثلاثة أقسام قسم هو تعبد محض لا مدخل للحظوظ والأغراض فيه
وذلك كرمي الجمرات مثلاً إذ لا حظ للجمرة في وصول الحصى إليها فمقصود الشرع فيه الابتلاء بالعمل ليظهر العبد رقه وعبودته بفعل ما لا يعقل له معنى لأن ما يعقل معناه فقد يساعده الطبع عليه ويدعوه إليه فلا يظهر به خلوص الرق والعبودية إذ العبودية تظهر بأن تكون الحركة لحق أمر المعبود فقط لا لمعنى آخر وأكثر أعمال الحج كذلك ولذلك قال ﷺ في إحرامه لبيك بحجة حقاً تعبداً ورقاً (٢) تنبيهاً على أن ذلك إظهار للعبودية بالانقياد لمجرد الأمر وامتثاله كما أمر من غير استئناس العقل منه بما يميل إليه ويحث عليه
القسم الثاني من واجبات الشرع ما المقصود منه حظ معقول وليس يقصد منه التعبد كقضاء دين الآدميين ورد المغصوب فلا جرم لا يعتبر فيه فعله ونيته
ومهما وصل الحق إلى مستحقه بأخذ المستحق أو ببدل عنه عند رضاه تأدى الوجوب وسقط خطاب الشرع
فهذان قسمان لا تركيب فيهما يشترك في دركهما جميع الناس
والقسم الثالث هو المركب الذي يقصد منه الأمران جميعاً وهو حظ العباد وامتحان المكلف بالاستعباد فيجتمع فيه تعبد رمي الجمار وحظ رد الحقوق فهذا قسم في نفسه معقول فإن ورد الشرع به وجب الجمع بين المعنيين ولا ينبغي أن
стр. 213
ينسى أدق المعنيين وهو التعبد والاسترقاق بسبب أجلاهما ولعل الأدق هو الأهم والزكاة من هذا القبيل ولم ينتبه له غير الشافعي ﵁ فحظ الفقير مقصود في سد الخلة وهو جلي سابق إلى الأفهام وحق التعبد في اتباع التفاصيل مقصود للشرع
وباعتباره صارت الزكاة قرينة للصلاة والحج في كونها من مباني الإسلام
ولا شك في أن على المكلف تعباً في تمييز أجناس ماله وإخراج حصة كل مال من نوعه وجنسه وصفته ثم توزيعه على الأصناف الثمانية كما سيأتي والتساهل فيه غير قادح في حظ الفقير لكنه قادح في التعبد
ويدل على أن التعبد مقصود بتعيين الأنواع أمور ذكرناها في كتب الخلاف من الفقهيات
ومن أوضحها أن الشرع أوجب في خمس من الإبل شاة فعدل من الإبل إلى الشاة ولم يعدل إلى النقدين والتقويم وإن قدر أن ذلك لقلة النقود في أيدي العرب بطل بذكره عشرين درهماً في الجبران مع الشاتين فلم يذكر في الجبران قدر النقصان من القيمة ولمقدر بعشرين درهماً وشاتين وإن كانت الثياب والأمتعة كلها في معناها
فهذا وأمثاله من التخصيصات يدل على أن الزكاة لم تترك خالية عن التعبدات كما في الحج ولكن جمع بين المعنيين والأذهان الضعيفة تقصر عن درك المركبات فهذا شأن الغلط فيه
الرابع أَنْ لَا يَنْقُلَ الصَّدَقَةَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ فَإِنَّ أَعْيُنَ الْمَسَاكِينِ فِي كُلِّ بَلْدَةٍ تَمْتَدُّ إِلَى أَمْوَالِهَا وَفِي النَّقْلِ تَخْيِيبٌ لِلظُّنُونِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْزَأَهُ فِي قَوْلٍ وَلَكِنَّ الْخُرُوجَ عَنْ شُبْهَةِ الْخِلَافِ أَوْلَى فَلْيُخْرِجْ زَكَاةَ كُلِّ مَالٍ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ ثُمَّ لَا بَأْسَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى الْغُرَبَاءِ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ
الخامس أن يقسم ماله بعدد الأصناف الموجودين في بلده فإن استيعاب الأصناف واجب وعليه يدل ظاهر قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين الآية فإنه يشبه قول المريض إنما ثلث مال للفقراء والمساكين وذلك يقتضي التشريك في التمليك
والعبادات ينبغي أن يتوقى عن الهجوم فيها على الظواهر
وقد عدم من الثمانية صنفان في أكثر البلاد وهم المؤلفة قلوبهم والعاملون على الزكاة
وَيُوجَدُ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ الْفُقَرَاءُ والمساكين والغارمون والمسافرون أعني أبناء السبيل وصنفان يوجدان في بعض البلاد دون البعض وهم الغزاة والمكاتبون
فإن وجد خمسة أصناف مثلاً قسم بينهم زكاة ماله بخمسة أقسام متساوية أو متقاربة وعين لكل صنف قسم ثم قسم كل قسم ثلاثة أسهم فما فوقه إما متساوية أو متفاوتة وليس عليه التسوية بين آحاد الصنف فإن له أن يقسمه على عشرة وعشرين فينقص نصيب كل واحد
وأما الأصناف فلا تقبل الزيادة والنقصان فلاينبغي أن ينقص في كل صنف عن ثلاثة إن وجد ثم لو لم يجب إلا صاع للفطرة ووجد خمسة أصناف فعليه أن يوصله إلى خمسة عشر نفراً ولو نقص منهم واحد مع الإمكان غرم نصيب ذلك الواحد فإن عسر عليه ذلك لقلة الواجب فليتشارك جماعة ممن عليهم الزكاة وليخلط مال نفسه بمالهم وليجمع المستحقين وليسلم إليهم حتى يتساهموا فيه فإن ذلك لا بد منه
بيان دقائق الآداب الباطنة في الزكاة
اعلم أن على مريد طريق الآخرة بزكاته وظائف الوظيفة الأولى فهم وجوب الزكاة ومعناها ووجه الامتحان فيها وأنها لم جعلت من مباني الإسلام مع أنها تصرف مالي وليست من عبادة الأبدان وفيه ثلاث معان الْأَوَّلُ أَنَّ التَّلَفُّظَ بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ الْتِزَامٌ لِلتَّوْحِيدِ وَشَهَادَةٌ بِإِفْرَادِ الْمَعْبُودِ وَشَرْطُ تَمَامِ الْوَفَاءِ بِهِ أَنْ لَا يُبْقَى لِلْمُوَحِّدِ مَحْبُوبٌ سِوَى الْوَاحِدِ الْفَرْدِ فَإِنَّ الْمَحَبَّةَ لَا تَقْبَلُ الشَّرِكَةَ وَالتَّوْحِيدُ بِاللِّسَانِ قَلِيلُ الْجَدْوَى وَإِنَّمَا يُمْتَحَنُ بِهِ دَرَجَةُ المحب بِمُفَارَقَةِ الْمَحْبُوبِ وَالْأَمْوَالُ مَحْبُوبَةٌ عِنْدَ الْخَلَائِقِ لِأَنَّهَا آلة تمتعهم بالدنيا وبسببها يأنسون بهذا العالم وينفرون عَنِ الْمَوْتِ مَعَ أَنَّ فِيهِ لِقَاءَ الْمَحْبُوبِ فَامْتُحِنُوا بِتَصْدِيقِ دَعْوَاهُمْ فِي الْمَحْبُوبِ وَاسْتَنْزَلُوا عَنِ الْمَالِ الَّذِي هُوَ مَرْمُوقُهُمْ وَمَعْشُوقُهُمْ وَلِذَلِكَ قَالَ
стр. 214
﴿اللَّهُ تَعَالَى﴾ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وَذَلِكَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مُسَامَحَةٌ بِالْمُهْجَةِ شَوْقًا إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ وَالْمُسَامَحَةُ بِالْمَالِ أَهْوَنُ
وَلَمَّا فُهِمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي بَذْلِ الْأَمْوَالِ انْقَسَمَ النَّاسُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ قِسْمٌ صَدَقُوا التوحيد ووفوا بعهدهم وَنَزَلُوا عَنْ جَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ فَلَمْ يَدَّخِرُوا دِينَارًا ولا درهماً فأبوا أن يتعرضوا لوجوب الزكاة عليهم حتى قيل لبعضهم كم يجب من الزكاة في مائتي درهم فقال أما على العوام بحكم الشرع فخمسة دراهم وأما نحن فيجب علينا بذل الجميع ولهذا تصدق أبو بكر ﵁ بجميع ماله وعمر ﵁ بشطر ماله فقال ﷺ ما أبقيت لأهلك فقال مثله وقال لأبي بكر ﵁ ما أبقيت لأهلك قال الله ورسوله فقال ﷺ بينكما ما بين كلمتيكما (١) فالصديق وفي بتمام الصدق فلم يمسك سوى المحبوب عنده وهو الله ورسوله
القسم الثاني درجتهم دون درجة هذا وَهُمُ الْمُمْسِكُونَ أَمْوَالَهُمُ الْمُرَاقِبُونَ لِمَوَاقِيتِ الْحَاجَاتِ وَمَوَاسِمِ الْخَيْرَاتِ فَيَكُونُ قَصْدُهُمْ فِي الِادِّخَارِ الْإِنْفَاقَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ دُونَ التَّنَعُّمِ وَصَرْفَ الْفَاضِلِ عَنِ الْحَاجَةِ إِلَى وُجُوهِ الْبِرِّ مَهْمَا ظَهَرَ وُجُوهُهَا وَهَؤُلَاءِ لَا يَقْتَصِرُونَ عَلَى مِقْدَارِ الزَّكَاةِ
وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّ فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ كالنخعي وَالشَّعْبِيِّ وعطاء ومجاهد قَالَ الشَّعْبِيُّ بَعْدَ أَنْ قِيلَ لَهُ هَلْ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ قَالَ نَعَمْ أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ وَآتَى المال على حبه ذوي القربى الْآيَةَ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفقون وبقوله تعالى وأنفقوا مما رزقناكم وزعموا أن ذلك غير منسوخ بآية الزكاة بل هو دَاخِلٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمُوسِرِ مَهْمَا وَجَدَ مُحْتَاجًا أن يزيل حاجته فضلاً عن مال الزكاة والذي يصح في الفقه من هذا الباب أنه مهما أرهقته حاجته كانت إزالتها فرض كفاية إذ لا يجوز تضييع مسلم ولكن يحتمل أن يقال ليس على الموسر إلا تسليم ما يزيل الحاجة فرضا ولا يلزمه بذله بعد أن أسقط الزكاة عن نفسه ويحتمل أن يقال يلزمه بذله في الحال ولا يجوز له الاقتراض أي لا يجوز له تكليف الفقير قبول القرض وهذا مختلف فيه والاقتراض نزول إلى الدرجة الأخيرة من درجات العوام وهي درجة القسم الثالث الذين يقتصرون على أداء الواجب فلا يزيدون عليه ولا ينقصون عنه وَهِيَ أَقَلُّ الرُّتَبِ وَقَدِ اقْتَصَرَ جَمِيعُ الْعَوَامِّ عَلَيْهِ لِبُخْلِهِمْ بِالْمَالِ وَمَيْلِهِمْ إِلَيْهِ وَضَعْفِ حُبِّهِمْ للآخرة قال الله تعالى إن يسألكموها فيحفكم تبخلوا يحفكم أي يستقص عليكم فكم بين عبد اشترى منه ماله ونفسه بأن له الجنة وبين عبد لا يستقصي عليه لبخله فهذا أحد معاني أمر الله سبحانه عباده ببذل الأموال
الْمَعْنَى الثَّانِي التَّطْهِيرُ مِنْ صِفَةِ الْبُخْلِ فَإِنَّهُ من المهلكات قال ﷺ ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَهَوًى مُتَّبَعٌ وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ (٢) وَقَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المفلحون وسيأتي في ربع المهلكات وجه كونه مهلكاً وكيفية التقصي منه وَإِنَّمَا تَزُولُ صِفَةُ الْبُخْلِ بِأَنْ تَتَعَوَّدَ بَذْلَ الْمَالِ فَحُبُّ الشَّيْءِ لَا يَنْقَطِعُ إِلَّا بِقَهْرِ النفس على مفارقته حتى يصير ذلك اعتياداً فالزكاة بِهَذَا الْمَعْنَى طُهْرَةٌ أَيْ تُطَهِّرُ صَاحِبَهَا عَنْ خَبَثِ الْبُخْلِ الْمُهْلِكِ وَإِنَّمَا طَهَارَتُهُ بِقَدْرِ بَذْلِهِ وَبِقَدْرِ فَرَحِهِ بِإِخْرَاجِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ بِصَرْفِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى
الْمَعْنَى الثَّالِثُ شُكْرُ النِّعْمَةِ فَإِنَّ لِلَّهِ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً فِي نَفْسِهِ وفي ماله فَالْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ الْبَدَنِ وَالْمَالِيَّةُ شُكْرٌ لِنِعْمَةِ الْمَالِ وَمَا أَخَسَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى الْفَقِيرِ وَقَدْ ضُيِّقَ عَلَيْهِ الرِّزْقُ وَأُحْوِجَ إِلَيْهِ ثُمَّ لَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِأَنْ يُؤَدِّيَ شُكْرَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى إِغْنَائِهِ عَنِ السُّؤَالِ وَإِحْوَاجِ غَيْرِهِ إِلَيْهِ بِرُبْعِ الْعُشْرِ أَوِ الْعُشْرِ مِنْ ماله
стр. 215
الوظيفة الثانية في وقت الأداء ومن آداب ذوي الدين التَّعْجِيلُ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ إِظْهَارًا لِلرَّغْبَةِ فِي الِامْتِثَالِ بِإِيصَالِ السُّرُورِ إِلَى قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَمُبَادَرَةً لعوائق الزمان أن تعوقه عَنِ الْخَيْرَاتِ وَعِلْمًا بِأَنَّ فِي التَّأْخِيرِ آفَاتٌ مَعَ مَا يَتَعَرَّضُ الْعَبْدُ لَهُ مِنَ الْعِصْيَانِ لَوْ أَخَّرَ عَنْ وَقْتِ الْوُجُوبِ
وَمَهْمَا ظَهَرَتْ دَاعِيَةُ الْخَيْرِ مِنَ الْبَاطِنِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَغْتَنِمَ فإن ذلك لمة الملك وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ فما أسرع تقلبه والشيطان يعد الفقر ويأمر بالفحشاء وَالْمُنْكَرُ وَلَهُ لِمَّةٌ عَقِيبَ لِمَّةِ الْمَلَكِ فَلْيَغْتَنِمِ الفرصة فيه وليعين لزكاتها إن كان يؤديها جميعاً شهراً معلوماً وليجتهد أن يكون من أفضل الأوقات ليكون ذلك سبباً لنماء قريته وتضاعف زكاته وذلك كشهر المحرم فإنه أول السنة وهو من الأشهر الحرم أو رمضان فقد كان ﷺ أجود الخلق وكان في رمضان كالريح المرسلة لا يمسك فيه شيئاً (١) ولرمضان فضيلة ليلة القدر وأنه أنزل فيه القرآن
وكان مجاهد يقول لا تقولوا رمضان فإنه اسم من أسماء الله تعالى ولكن قولوا شهر رمضان
وذو الحجة أيضاً من الشهور الكثيرة الفضل فإنه شهر حرام وفيه الحج الأكبر وفيه الأيام المعلومات وهي العشر الأول والأيام المعدودات وهي أيام التشريق وأفضل أيام شهر رمضان العشر الأواخر وأفضل أيام ذي الحجة العشر الأول
الوظيفة الثَّالِثَةُ الْإِسْرَارُ فَإِنَّ ذَلِكَ أَبْعَدُ عَنِ الرِّيَاءِ والسمعة قَالَ ﷺ أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ جهد المقل إلى فقير في سر (٢) وقال بعض العلماء ثلاث من كنوز البر منها إخفاء الصدقة (٣) وقد روي أيضاً مسنداً
وقال ﷺ إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله له سراً فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب رياء (٤) وفي الحديث المشهور سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله أحدهم رجل تصدق بصدقة فلم تعلم شماله بما أعطت يمينه (٥) وفي الخبر صدقة السر تطفىء غضب الرب (٦) وقال تَعَالَى وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكم وفائدة الإخفاء الخلاص من آفات الرياء والسمعة فَقَدْ قَالَ ﷺ لَا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان والمتحدث بصدقته يطلب السمعة والمعطي في ملأ من الناس يبغي الرياء والإخفاء والسكوت هو المخلص منه (٧) وَقَدْ بَالَغَ فِي فَضْلِ الْإِخْفَاءِ جَمَاعَةٌ حَتَّى اجْتَهَدُوا أَنْ لَا يَعْرِفَ الْقَابِضُ الْمُعْطِي فَكَانَ بعضهم يلقيه في يد أعمى وبعضهم يلقيه في طريق الفقير وفي موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطي وبعضهم كان يصره في ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يُوصِلُ إِلَى يَدِ الْفَقِيرِ عَلَى يَدِ غَيْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَعْرِفُ الْمُعْطِيَ وَكَانَ يَسْتَكْتِمُ الْمُتَوَسِّطَ شَأْنَهُ وَيُوصِيهِ بِأَنْ لَا يُفْشِيهِ كُلُّ ذَلِكَ توصلاً إلى إطفاء غضب الرب سبحانه واحترازاً من الرياء والسمعة
ومهما لم يتمكن إلا بأن يعرفه شخص واحد فتسليمه إلى وكيل ليسلم إلى المسكين والمسكين لا يعرف أولى إذ في معرفة المسكين الرياء والمنة جميعاً وليس في معرفة المتوسط إلا الرياء ومهما كانت الشهرة مقصودة له