← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9472

إحياء علوم الدين

أبو حامد الغزالي

Полный текст (1 706 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

بباعث الشهوة وذلك أمر لا يدخل في الاختيار وإنما المعلق باختيار العبد إحضار المحرك للشهوة وذلك متوقع في كل حال فمن عقد فقد أدى ما عليه وفعل ما إليه والباقي خارج عن اختياره ولذلك يستحب النكاح للعنين أيضاً فإن نهضات الشهوة خفية لا يطلع عليها حتى إن الممسوح الذي لا يتوقع له ولد لا ينقطع الاستحباب أيضاً في حقه على الوجه الذي يستحب للأصلع إمرار الموسى على رأسه إقتداءً بغيره وتشبهاً بالسلف الصالحين وكما يستحب الرمل والاضطباع في الحج الآن وقد كان المراد منه أولاً إظهار الجلد للكفار فصار الاقتداء والتشبه بالذين أظهروا الجلد سنة في حق من بعدهم ويضعف هذا الاستحباب بالإضافة إلى الاستحباب في حق القادر على الحرث وربما يزداد ضعفاً بما يقابله من كراهة تعطيل المرأة وتضييعها فيما يرجع إلى قضاء الوطر فإن ذلك لا يخلو عن نوع من الخطر فهذا المعنى هو الذي ينبه على شدة إنكارهم لترك النكاح مع فتور الشهوة الوجه الثاني السعي في محبة رسول الله ﷺ ورضاه بتكثير ما به مباهاته إذ قد صرح رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ ويدل على مراعاة أمر الولد جملة بالوجوه كلها ما روي عن عمر ﵁ أنه كان ينكح كثيراً ويقول إنما أنكح للولد وما روي من الأخبار في مذمة المرأة العقيم إذ قال ﵇ لحصير في ناحية البيت خير من امرأة لا تلد (١) وقال خير نسائكم الولود الودود (٢) وقال سوداء ولود خير من حسناء لا تلد (٣) وهذا يدل على أن طلب الولد أدخل في اقتضاء فضل النكاح من طلب دفع غائلة الشهوة لأن الحسناء أصلح للتحصين وغض البصر وقطع الشهوة الوجه الثالث أن يبقى بعده ولدا صالحاً يدعو له كما ورد في الخبر أن جميع عمل إبن آدم منقطع إلا ثلاثاً فذكر الولد الصالح وفي الخبر إن الأدعية تعرض على الموتى على أطباق من نور (٤) وقول القائل إن الولد ربما لم يكن صالحاً لا يؤثر فإنه مؤمن والصلاح هو الغالب على أولاد ذوي الدين لا سيما إذا عزم على تربيته وحمله على الصلاح وبالجملة دعاء المؤمن لأبويه مفيد براً كان أو فاجراً فهو مثاب على دعواته وحسناته فإنه من كسبه وغير مؤاخذ بسيئاته فإنه لا تزر وازرة وزر أخرى ولذلك قال تعالى ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء أي ما نقصناهم من أعمالهم وجعلنا أولادهم مزيداً في إحسانهم الوجه الرابع أن يموت الولد قبله فيكون له شفيعاً فقد روي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال إن الطفل يجر بأبويه إلى الجنة (٥) وفي بعض الأخبار يأخذ بثوبه كما أنا الآن آخذ بثوبك (٦) وقال أيضاً ﷺ إن المولود يقال ادخل الجنة فيقف على باب الجنة فيظل محبنطئا أي ممتلئاً غيظا وغضباً ويقول لا أدخل الجنة إلا وأبواي معي فيقال أدخلوا أبويه معه الجنة (٧) وفي خبر آخر إن الأطفال

стр. 387

يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب فيقال للملائكة اذهبوا بهؤلاء إلى الجنة فيقفون على باب الجنة فيقال لهم مرحباً بذراري المسلمين ادخلوا لا حساب عليكم فيقولون فأين آباؤنا وأمهاتنا فيقول الخزنة إن آباءكم وأمهاتكم ليسوا مثلكم إنه كانت لهم ذنوب وسيئات فهم يحاسبون عليها ويطالبون قال فيتضاغون ويضجون على أبواب الجنة ضجةً واحدةً فيقول الله سبحانه وهو أعلم بهم ما هذه الضجة فيقولون ربنا أطفال المسلمين قالوا لا ندخل الجنة إلا مع آبائنا فيقول الله تعالى تخللوا الجمع فخذوا بأيدي آبائهم فأدخلوهم الجنة (١) وقال ﷺ من مات له اثنان من الولد فقد احتظر بحظار من النار (٢) وقال ﷺ من مات له ثلاثة لم يبلغوا الحنث أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم قيل يا رسول الله واثنان قال واثنان (٣) وحكي أن بعض الصالحين كان يعرض عليه التزويج فيأبى برهةً من دهره قال فانتبه من نومه ذات يوم وقال زوجوني زوجوني فزوجوه فسئل عن ذلك فقال لعل الله يرزقني ولداً ويقبضه فيكون لي مقدمةً في الآخرة ثم قال رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وكأني في جملة الخلائق في الموقف وبي من العطش ما كاد أن يقطع عنقي وكذا الخلائق في شدة العطش والكرب فنحن كذلك إذ ولدان يتخللون الجمع عليهم مناديل من نور وبأيديهم أباريق من فضة وأكواب من ذهب وهم يسقون الواحد بعد الواحد يتخللون الجمع ويتجاوزون أكثر الناس فمددت يدي إلى أحدهم وقلت اسقني فقد أجهدني العطش فقال ليس لك فينا ولد إنما نسقي آباءنا فقلت ومن أنتم فقالوا نحن من مات من أطفال المسلمين وأحد المعاني المذكورة في قوله تعالى ﴿فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم﴾ تقديم الأطفال إلى الآخرة فقد ظهر بهذه الوجوه الأربعة أن أكثر فضل النكاح لأجل كونه سبباً للولد الفائدة الثانية التحصن من الشيطان وكسر التوقان ودفع غوائل الشهوة وغض البصر وحفظ الفرج وإليه الإشارة بقوله ﵇ من نكح فقد حصن نصف دينه فليتق الله في الشطر الآخر وإليه الإشارة بقوله عليكم بالباءة فمن لم يستطع فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء وأكثر ما نقلناه من الآثار والأخبار إشارةً إلى هذا المعنى وهذا المعنى دون الأول لأن الشهوة موكلة بتقاضي تحصيل الولد فالنكاح كاف لشغله دافع لجعله وصارف لشر سطوته وليس من يجيب مولاه رغبةً في تحصيل رضاه كمن يجيب لطلب الخلاص عن غائلة التوكيل فالشهوة والولد مقدران وبينهما ارتباط وليس يجوز أن يقال المقصود اللذة والولد لازم منها كما يلزم مثلاً قضاء الحاجة منالأكل وليس مقصوداً في ذاته بل الولد هو المقصود بالفطرة والحكمة والشهوة باعثة عليه ولعمري في الشهوة حكمة أخرى سوى الإرهاق إلى الإيلاد وهو ما في قضائها من اللذة التي لا توازيها لذة لو دامت فهي منبهه على اللذات الموعودة في الجنان إذ الترغيب في لذة لم يجد لها ذواقاً لا ينفع فلو رغب العنين في لذة الجماع أو الصبي في لذة

стр. 388

الملك والسلطنة لم ينفع الترغيب وإحدى فوائد لذات الدنيا الرغبة في دوامها في الجنة ليكون باعثاً على عبادة الله فانظر إلى الحكمة ثم إلى الرحمة ثم إلى التعبية الإلهية كيف عبيت تحت شهوة واحدة حياتان حياةً ظاهرةً وحياةً باطنةً فالحياة الظاهرة حياة المرء ببقاء نسله فإنه نوع من دوام الوجود والحياة الباطنة هي الحياة الأخروية فإن هذه اللذة الناقصة بسرعة الانصرام تحرك الرغبة في اللذة الكاملة بلذة الدوام فيستحث على العبادة الموصلة إليها فيستفيد العبد بشدة الرغبة فيها تيسر المواظبة على ما يوصله إلى نعيم الجنان وما من ذرة من ذرات بدن الإنسان باطناً وظاهراً بل ذرات ملكوت السموات والأرض إلا وتحتها من لطائف الحكمة وعجائبها ما تحار العقول فيها ولكن إنما ينكشف للقلوب الطاهرة بقدر صفائها بقدر رغبتها عن زهرة الدنيا وغرورها وغوائلها فالنكاح بسبب دفع غائلة الشهوة مهم في الدين لكل من لا يؤتى عن عجز وعنة وهم غالب الخلق فإن الشهوة إذا غلبت ولم يقاومها قوة التقوى جرت إلى اقتحام الفواحش وإليه أشار بقوله ﵊ عن الله تعالى ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كبير﴾ وإن كان ملجماً بلجام التقوى فغايته أن يكف الجوارح عن إجابة الشهوة فيغض البصر ويحفظ الفرج فأما حفظ القلب عن الوسواس والفكر فلا يدخل تحت اختياره بل لا تزال النفس تجاذبه وتحدثه بأمور الوقاع ولا يفتر عنه الشيطان الموسوس إليه في أكثر الأوقات وقد يعرض له ذلك في أثناء الصلاة حتى يجري على خاطره من أمور الوقاع ما لو صرح به بين يدي أخس الخلق لاستحى منه والله مطلع على قلبه والقلب في حق الله كاللسان في حق الخلق ورأس الأمور للمريد في سلوك طريق الآخرة قلبه والمواظبة على الصوم لا تقطع مادة الوسوسة في حق أكثر الخلق إلا أن ينضاف إليه ضعف في البدن وفساد في المزاج ولذلك قال ابن عباس ﵄ لا يتم نسك الناسك إلا بالنكاح وهذه محنة عامة قل من يتخلص منها قال قتادة في معنى قوله تعالى ﴿ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ هو الغلمة وعن عكرمة ومجاهد أنهما قالا في معنى قوله تعالى ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾ أنه لا يصبر عن النساء وقال فياض بن نجيح إذا قام ذكر الرجل ذهب ثلثا عقله وبعضهم يقول ذهب ثلث دينه وفي نوادر التفسير عن ابن عباس ﵄ ﴿ومن شر غاسق إذا وقب﴾ قال قيام الذكر وهذه يلية غالبة إذا هاجت لا يقاومها عقل ولا دين وهي مع أنها صالحة لأن تكون باعثة على الحياتين كما سبق فهي أقوى آلة الشيطان على بني آدم وإليه أشار ﷺ بقوله ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذوي الألباب منكن (١) وإنما ذلك لهيجان الشهوة وقال ﷺ في دعائه اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي وبصري وقلبي وشر مني (٢) وقال أسألك أن تطهر قلبي وتحفظ فرجي (٣) فما يستعيذ منه رسول الله ﷺ كيف يجوز التساهل فيه لغيره وكان بعض الصالحين يكثر النكاح حتى لا يكاد يخلو من اثنتين وثلاث فأنكر عليه بعض الصوفية فقال هل يعرف أحد منكم أنه جلس بين يدي الله تعالى جلسة أو وقف بين يديه موقفاً في معاملة فخطر على قلبه خاطر شهوة فقالوا يصيبنا من ذلك كثير فقال لو رضيت في عمري كله بمثل حالكم في وقت واحد لما تزوجت لكني ما خطر على قلبي خاطر يشغلني عن حالي إلا نفذته فأستريح وأرجع إلى شغلي ومنذ أربعين سنة ما خطر على قلبي معصية وأنكر بعض الناس حال الصوفية فقال له

стр. 389

بعض ذوي الدين ما الذي تنكر منهم قال يأكلون كثيراً قال وأنت أيضا لو جعت كما يجوعون لأكلت كما يأكلون قال ينكحون كثيراً قال وأنت أيضاً لو حفظت عينيك وفرجك كما يحفظون لنكحت كما ينكحون وكان الجنيد يقول أحتاج إلى الجماع كما أحتاج إلى القوت فالزوجة على التحقيق قوت وسبب لطهارة القلب ولذلك أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كل من وقع نظره على امرأة فتاقت إليها نفسه أن يجامع أهله (١) لأن ذلك يدفع الوسواس عن النفس وروى جابر ﵁ أن النبي ﷺ رأى إمرأة فدخل على زينب فقضى حاجته وخرج وقال ﷺ إن المرأة إذا أقبلت أقبلت بصورة شيطان فإذا رأى أحدكم امرأةً فأعجبته فليأت أهله معها مثل الذي معها (٢) وقال ﵇ لا تدخلوا على المغيبات وهي التي غاب زوجها عنها فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم قلنا ومنك قال ومني ولكن الله أعانني عليه فأسلم (٣) قال سفيان بن عيينة فأسلم معناه فأسلم أنا منه هذا معناه فإن الشيطان لا يسلم وكذلك حكى على ابن عمر ﵄ وكان من زهاد الصحابة وعلمائهم أنه كان يفطر من الصوم على الجماع قبل الأكل وربما أنه جامع ثلاثاً من جواريه في شهر رمضان قبل العشاء الأخير وقال ابن عباس خير هذه الأمة أكثرها نساءً (٤) ولما كانت الشهوة أغلب على مزاج العرب كان استكثار الصالحين منهم لنكاح أشد ولأجل فراغ القلب أبيح نكاح الأمة عند خوف العنت مع أن فيه إرقاق الولد وهو نوع إهلاك وهو محرم على كل من قدر على حرة ولكن إرقاق الولد أهون من إهلاك الدين وليس فيه إلا تنغيص الحياة على الولد مدة وفي اقتحام الفاحشة تفويت الحياة الأخروية التي تستحقر الأعمار الطويلة بالإضافة إلى يوم من أيامها وروي أنه انصرف الناس ذات يوم من مجلس ابن عباس وبقي شاب لم يبرح فقال له ابن عباس هل لك من حاجة قال نعم أردت أن اسأل مسألة فاستحييت من الناس وأنا الآن أهابك وأجلك فقال ابن عباس إن العالم بمنزلة الوالد فما كنت أفضيت به إلى أبيك فأفض إلي به فقال إني شاب لا زوجة لي وربما خشيت العنت على نفسي فربما استمنيت بيدي فهل في ذلك معصية فأعرض عنه ابن عباس ثم قال أف وتف نكاح الأمة خير منه وهو خير من الزنا فهذا تنبيه على أن العزب المغتلم مردد بين ثلاثة شرور أدناها نكاح الأمة وفيه إرقاق الولد وأشد منه الاستمناء باليد وأفحشه الزنا ولم يطلق ابن عباس الإباحة في شيء منه لأنهما محذوران يفزع إليهما حذراً من الوقوع في محذور أشد منه كما يفزع إلى تناول الميتة حذراً من هلاك النفس فليس ترجيح أهون الشرين في معنى الإباحة المطلقة ولا في معنى الخير المطلق وليس قطع اليد المتآكلة من الخيرات وإن كان يؤذن فيه عند إشراف النفس على الهلاك فإذاً في النكاح فضل من هذا الوجه ولكن هذا لا يعم الكل بل الأكثر فرب شخص فترت شهوته لكبر سن أو مرض أو غيره فينعدم هذا الباعث في حقه ويبقى ما سبق من أمر الولد فإن ذلك عام إلا للممسوح

стр. 390

وهو نادر ومن الطباع ما تغلب عليها الشهوة بحيث لا تحصنه المرأة الواحدة فيستحب لصاحبها الزيادة على الواحدة إلى الأربع فإن يسر الله له مودة ورحمة واطمأن قلبه بهن وإلا فيستحب له الاستبدال فقد نكح علي ﵁ بعد وفاة فاطمة ﵍ بسبع ليال ويقال إن الحسن بن علي كان منكاحاً حتى نكح زيادة على مائتي امرأة وكان ربما عقد على أربع في وقت واحد وربما طلق أربعاً في وقت واحد واستبدل بهن وقد قال ﷺ للحسن أشبهت خلقي وخلقي (١) وقال ﷺ حسن مني وحسين من علي (٢) فقال إن كثرة نكاحه أحد ما أشبه به خلق رسول الله ﷺ وتزوج المغيرة بن شعبة بثمانين امرأة وكان في الصحابة من له الثلاث والأربع ومن كان له اثنتان لا يحصى ومهما كان الباعث معلوماً فينبغي أن يكون العلاج بقدر العلة فالمراد تسكين النفس فلينظر إليه في الكثرة والقلة الفائدة الثالثة ترويح النفس وإيناسها بالمجالسة والنظر والملاعبة إراحة للقلب وتقوية له على العبادة فإن النفس ملول وهي عن الحق نفور لأنه على خلاف طبعها فلو كلفت المداومة بالإكراه على ما يخالفها جمحت وثابت وإذا روحت باللذات في بعض الأوقات قويت ونشطت وفي الاستئناس بالنساء من الاستراحة ما يزيل الكرب ويروح القلب وينبغي أن يكون لنفوس المتقين استراحات بالمباحات ولذلك قال الله تعالى ﴿ليسكن إليها﴾ وقال علي ﵁ روحوا القلوب ساعة فإنها إذا أكرهت عميت وفي الخبر على العاقل أن يكون له ثلاث ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يخلو فيها مطعمه ومشربه فإن في هذه الساعة عوناً على تلك الساعات (٣) ومثله بلفظ آخر لا يكون العاقل ظاعناً إلا في ثلاث تزود لمعاد أو مرمة لمعاش أو لذة في غير محرم (٤) وقال ﷺ لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى (٥) والشرة الجد والمكابدة بحدة وقوة وذلك في ابتداء الإرادة والفترة الوقوف للإستراحة وكان أبو الدرداء يقول إني لأستجم نفسي بشيء من اللهو لأتقوى بذلك فيما بعد على الحق وفي بعض الأخبار عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال شكوت إلى جبريل ﵇ ضعفي عن الوقاع فدلني على الهريسة حديث شكوت إلى جبريل ضعفي عن الوقاع فدلني على الهريسة أخرجه ابن عدي من حديث حذيفة وابن عباس والعقيلي من حديث معاذ وجابر بن سمرة وابن حبان في الضعفاء من حديث حذيفة والأزدي في الضعفاء من حديث أبي هريرة بطرق كلها ضعيفة قال ابن عدي موضوع وقال العقيلي باطل (٦) حديث حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء وقرة عيني في الصلاة رواه النسائي والحاكم من حديث أنس بإسناد جيد وضعفه العقيلي // فهذه أيضاً فائدة لا ينكرها من جرب إتعاب نفسه في الأفكار والأذكار وصنوف الأعمال وهي خارجة عن

стр. 391

الفائدتين السابقتين حتى إنها تطرد في حق الممسوح ومن لا شهوة له إلا أن هذه الفائدة تجعل للنكاح فضيلة بالإضافة إلى هذه النية وقل من يقصد بالنكاح ذلك وأما قصد الولد وقصد دفع الشهوة وأمثالها فهو مما يكثر ثم رب شخص يستأنس بالنظر إلى الماء الجاري والخضرة وأمثالها ولا يحتاج إلى ترويح النفس بمحادثة النساء وملاعبتهن فيختلف هذا باختلاف الأحوال والأشخاص فليتنبه له الفائدة الرابعة تفريغ القلب عن تدبير المنزل والتكفل بشغل الطبخ والكنس والفرش وتنظيف الأواني وتهيئة أسباب المعيشة فإن الإنسان لو لم يكن له شهوة الوقاع لتعذر عليه العيش في منزله وحده إذ لو تكفل بجميع أشغال المنزل لضاع أكثر أوقاته ولم يتفرغ للعلم والعمل فالمرأة الصالحة للمنزل عون على الدين بهذه الطريق واختلال هذه الأسباب شواغل ومشوشات للقلب ومنغصات للعيش ولذلك قال أبو سليمان الداراني ﵀ الزوجة الصالحة ليست من الدنيا فإنها تفرغك للآخرة وإنما تفريغها بتدبير المنزل وبقضاء الشهوة جميعاً وقال محمد بن كعب القرظي في معنى قوله تعالى ربنا آتنا في الدنيا حسنة قال المرأة الصالحة وقال ﷺ ليتخذ أحدكم قلباً شاكراً ولساناً ذاكراً وزوجة مؤمنة صالحة تعينه على آخرته (١) فانظر كيف جمع بينها وبين الذكر والشكر وفي بعض التفاسير في قوله تعالى فلنحيينه حياة طيبة قال الزوجة الصالحة وكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول ما أعطى العبد بعد الإيمان بالله خيراً من امرأة صالحة وإن منهن غنماً لا يحذى منه ومنهن غلالا يفدى منه وقوله لا يحذى أن يعتاض عنه بعطاء وقال ﷺ فضلت على آدم بخصلتين كانت زوجته عوناً له على المعصية وأزواجي أعوان لي على الطاعة وكان شيطانه كافراً وشيطاني مسلم لا يأمر إلا بخير (٢) فعد معاونتها على الطاعة فضيلة فهذه أيضاً من الفوائد التي يقصدها الصالحون إلا أنها تخص بعض الأشخاص الذين لا كافل لهم ولا مدبر ولا تدعو إلى امرأتين بل الجمع ربما ينغص المعيشة ويضطرب به أمور المنزل ويدخل في هذه الفائدة قصد الاستكثار بعشيرتها وما يحصل من القوة بسبب تداخل العشائر فإن ذلك مما يحتاج إليه في دفع الشرور وطلب السلامة ولذلك قيل ذل من لا ناصر له ومن وجد من يدفع عنه الشرور سلم حاله وفرغ قلبه للعبادة فإن الذل مشوش للقلب والعز بالكثرة دافع بالذل الفائدة الخامسة مجاهدة النفس ورياضتها بالرعاية والولاية والقيام بحقوق الأهل والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن والسعي في إصلاحهن وإرشادهن إلى طريق الدين والاجتهاد في كسب الحلال لأجلهن والقيام بتربيته لأولاده فكل هذه أعمال عظيمة الفضل فإنها رعاية وولاية والأهل والولد رعية وفضل الرعاية عظيم إنما يحترز منها من يحترز خيفة من القصور عن القيام بحقها وإلا فقد قال ﷺ يوم من وال عادل أفضل من عبادة سبعين سنة ﴿ثم قال﴾ ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣) وليس من اشتغل

стр. 392

بإصلاح نفسه وغيره كمن اشتغل بإصلاح نفسه فقط ولا من صبر على الأذى كمن رفه نفسه وأراحها فمقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد في سبيل الله ولذلك قال بشر فضل علي أحمد بن حنبل بثلاث إحداها أنه يطلب الحلال لنفسه ولغيره وقد قال ﷺ ما أنفقه الرجل على أهله فهو صدقة وإن الرجل ليؤجر في اللقمة يرفعها إلي في امرأته (١) وقال بعضهم لبعض العلماء من كل عمل أعطاني الله نصيباً حتى ذكر الحج والجهاد وغيرهما فقال له أين أنت من عمل الأبدان قال وما هو قال كسب الحلال والنفقة على العيال وقال ابن المبارك وهو مع إخوانه في الغزو تعلمون عملاً أفضل مما نحن فيه قالوا ما نعلم ذلك قال أنا أعلم قالوا فما هو قال رجل متعفف ذو عائلة قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياماً متكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه فعمله أفضل مما نحن فيه وقال ﷺ من حسنت صلاته وكثر عياله وقل ماله ولم يغتب المسلمين كان معي في الجنة كهاتين (٢) وفي حديث آخر إن الله يحب الفقير المتعفف أبا العيال (٣) وفي الحديث إذا كثرت ذنوب العبد ابتلاه الله بهم العيال ليكفرها عنه (٤) وقال بعض السلف من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الغم بالعيال وفيه أثر عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال من الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم بطلب المعيشة (٥) وَقَالَ ﷺ مَنْ كَانَ له ثلاث بنات فأنفق عليهن وأحسن إليهن حتى يغنيهن الله عنه أوجب الله له الجنة ألبتة ألبتة إلا أن يعمل عملاً لا يغفر له (٦) وكان ابن عباس إذا حدث بهذا قال والله هو من غرائب الحديث وغرره وروي أن بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته إلى أن ماتت فعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة أروح لقلبي وأجمع لهمي ثم قال رأيت في المنام بعد جمعة من وفاتها كأن أبواب السماء فتحت وكأن رجالاً ينزلون ويسيرون في الهواء يتبع بعضهم بعضاً فكلما نزل واحد نظر إلي وقال لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك ويقول الرابع نعم فخفت أن أسألهم هيبة من ذلك إلى أن مر بي آخرهم وكان غلاماً فقلت له يا هذا من هذا المشئوم الذي تؤمئون إليه فقال أنت فقلت ولم ذاك قال كنا نرفع عملك في أعمال المجاهدين في سبيل الله فمنذ جمعة أمرنا أن نضع عملك مع الخالفين فما ندري ما أحدثت فقال لإخوانه زوجوني زوجوني فلم يكن تفارقه زوجتان أو ثلاث وفي أخبار الأنبياء ﵈ أن قوماً دخلوا على يونس النبي ﵇ فأضافهم فكان يدخل ويخرج إلى منزله فتؤذيه امرأته وتستطيل عليه وهو ساكت فتعجبوا من ذلك فقال لا تعجبوا فإني سألت الله تعالى وقلت ما أنت معاقب لي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا فقال إن عقوبتك بنت فلان تتزوج بها فتزوجت بها وأنا صابر على ما ترون منها وفي الصبر على ذلك رياضة النفس وكسر الغضب

стр. 393

وتحسين الخلق فإن المنفرد بنفسه أو المشارك لمن حسن خلقه لا تترشح منه خبائث النفس الباطنة ولا تنكشف بواطن عيوبه فحق على سالك الطريق الآخرة أن يجرب نفسه بالتعرض لأمثال هذه المحركات واعتياد الصبر عليها لتعتدل أخلاقه وترتاض نفسه ويصفو عن الصفات الذميمة باطنه والصبر على العيال مع أنه رياضة ومجاهدة تكفل لهم وقيام بهم وعبادة في نفسها فهذه أيضاً من الفوائد ولكنه لا ينتفع بها إلا أحد رجلين إما رجل قصد المجاهدة والرياضة وتهذيب الأخلاق لكونه في بداية الطريق فلا يبعد أن يرى هذا طريقاً في المجاهدة وترتاض به نفسه وإما رجل من العابدين ليس له سير بالباطن وحركة بالفكر والقلب وإنما عمله عمل الجوارح بالصلاة أو حج أو غيره فعمله لأهله وأولاده بكسب الحلال لهم والقيام بتربيتهم أفضل له من العبادات اللازمة لبدنه التي لا يتعدى خيرها إلى غيرها فأما الرجل المهذب الأخلاق إما بكفاية في أصل الخلقة أو بمجاهدة سابقة إذا كان له سير في الباطن وحركة بفكر القلب في العلوم والمكاشفات فلا ينبغي أن يتزوج لهذا الغرض فإن الرياضة هو مكفي فيها وأما العبادة في العمل بالكسب لهم فالعلم أفضل من ذلك لأنه أيضاً عمل وفائدته أكثر من ذلك وأعم وأشمل لسائر الخلق من فائدة الكسب على العيال فهذه فوائد النكاح في الدين التي بها يحكم له بالفضيلة أما آفات النكاح فثلاث الأولى وهي أقواها العجز عن طلب الحلال فإن ذلك لا يتيسر لكل أحد لا سيما في هذه الأوقات مع اضطراب المعايش فيكون النكاح سبباً في التوسع للطلب والإطعام من الحرام وفيه هلاكه وهلاك أهله والمتعزب في أمن من ذلك وأما المتزوج ففي الأكثر يدخل في مداخل السوء فيتبع هوى زوجته ويبيع آخرته بدنياه وفي الخبر إن العبد ليوقف عند الميزان وله من الحسنات أمثال الجبال فيسأل عن رعاية عائلته والقيام بهم وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه حتى يستغرق بتلك المطالبات كل أعماله فلا تبقى له حسنة فتنادي الملائكة هذا الذي أكل عياله حسناته في الدنيا وارتهن اليوم بأعماله (١) ويقال إن أول ما يتعلق بالرجل في القيامة أهله وولده فيوقفونه بين يدي الله تعالى ويقولون يا ربنا خذ لنا بحقنا منه فإنه ما علمنا ما نجهل وكان يطعمنا الحرام ونحن لا نعلم فيقتص لهم منه وقال بعض السلف إذا أراد الله بعبد شراً سلط عليه في الدنيا أنياباً تنهشه يعني العيال وقال ﷺ لا يلقى الله أحد بذنب أعظم من جهالة أهله (٢) فهذه آفة عامة قل من يتخلص منها إلا من له مال موروث أو مكتسب من حلال يفي به وبأهله وكان له من القناعة ما يمنعه من الزيادة فإن ذاك يتخلص من هذه الآفة أو من هو محترف ومقتد على كسب حلال من المباحات باحتطاب أو اصطياد أو كان في صناعة لا تتعلق بالسلاطين ويقدر على أن يعامل به أهل الخير ومن ظاهره السلامة وغالب ماله الحلال وقال ابن سالم ﵀ وقد سئل عن التزويج فقال هو أفضل في زماننا هذا لمن أدركه شبق غالب مثل الحماريري الأتان فلا ينتهي عنها بالضرب ولا يملك نفسه فإن ملك نفسه فتركه أولى الآفة الثانية القصور عن القيام بحقهن والصبر على أخلاقهن واحتمال الأذى منهن وهذه دون الأولى في العموم فإن القدرة على هذا أيسر من القدرة على الأولى وتحسين الخلق مع النساء والقيام بحظوظهن أهون من طلب الحلال وفي هذا أيضاً خطر لأنه راع ومسئول عن رعيته وقال ﷺ كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يعول (٣)

стр. 394

وروي أن الهارب من عياله بمنزلة العبد الهارب الآبق لا تقبل له صلاة ولا صيام حتى يرجع إليهم ومن يقصر عن القيام بحقهن وإن كان حاضراً فهو بمنزلة هارب فقد قال تعالى ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ أمرنا أن نقيهم النار كما نقي أنفسنا والإنسان قد يعجز عن القيام بحق نفسه وإذا تزوج تضاعف عليه الحق وانضافت إلى نفسه نفس أخرى والنفس أمارة بالسوء إن كثرت عليها الحقوق كثر الأمر بالسوء غالباً ولذلك اعتذر بعضهم من التزويج وقال أنا مبتلي بنفسي وكيف أضيف إليها نفساً أخرى كما قيل لن يسع الفأرة جحرها ... علقت المكنس في دبرها وكذلك اعتذر إبراهيم بن أدهم ﵀ وقال لا أغر امرأة بنفسي ولا حاجة لي فيهن أي من القيام بحقهن وتحصينهن وإمتاعهن وأنا عاجز عنه وكذلك اعتذر بشر وقال يمنعني من النكاح قوله تعالى ﴿ولهن مثل الذي عليهن﴾ وكان يقول لو كنت أعول دجاجة لخفت أن أصير جلادا على الجسر ورؤي سفيان ابن عيينة ﵀ على باب السلطان فقيل له ما هذا موقفك فقال وهل رأيت ذا عيال أفلح وكان سفيان يقول يا حبذا العزبة والمفتاح ... ومسكن تخرقه الرياح ... لا صخب فيه ولا صياح فهذه آفة عامة أيضاً وإن كانت دون عموم الأولى لا يسلم منها إلا حكيم عاقل حسن الأخلاق بصير بعادات النساء صبور على لسانهن وقاف عن اتباع شهواتهن حريص على الوفاء بحقهن يتغافل عن زللهن ويداري بعقله أخلاقهن والأغلب على الناس السفه والفظاظة والحدة والطيش وسوء الخلق وعدم الإنصاف مع طلب تمام الإنصاف ومثل هذا يزداد بالنكاح فساداً من هذا الوجه لا محالة فالوحدة أسلم له الآفة الثالثة وهي دون الأولى والثانية أن يكون الأهل والولد شاغلاً له عن الله تعالى وجاذباً له إلى طلب الدنيا وحسن تدبير المعيشة للأولاد بكثرة جمع المال وادخاره لهم وطلب التفاخر والتكاثر بهم وكل ما شغل عن الله من أهل ومال وولد فهو مشئوم على صاحبه ولست أعني بهذا أن يدعو إلى محظور فإن ذلك مما اندرج تحت تحت الآفة الأولى والثانية بل أن يدعوه إلى التنعم بالمباح بل إلى الإغراق في ملاعبة النساء ومؤانستهن والإمعان في التمتع بهن ويثور من النكاح أنواع من الشواغل من هذا الجنس تستغرق القلب فينقضي الليل والنهار ولا يتفرغ المرء فيهما للتفكر في الآخرة والاستعداد لها ولذلك قال إبراهيم بن أدهم ﵀ من تعود أفخاد النساء لم يجيء منه شيء وقال أبو سليمان ﵀ من تزوج فقد ركن إلى الدنيا أي يدعوه ذلك إلى الركون إلى الدنيا فهذه مجامع الآفات والفوائد فالحكم على شخص واحد بأن الأفضل له النكاح أو العزوبة مطلقا قصور عن الإحاطة بمجامع هذه الأمور بل تتخذ هذه الفوائد والآفات معتبراً ومحكماً ويعرض المريد عليه نفسه فإن انتفت في حقه الآفات واجتمعت الفوائد بأن كان له مال حلال وخلق حسن وجد في الدين تام لا يشغله النكاح عن الله وهو مع ذلك شاب محتاج إلى تسكين الشهوة ومنفرد يحتاج إلى تدبير المنزل والتحصن بالعشيرة فلا يماري في أن النكاح أفضل له مع ما فيه من السعي في تحصيل الولد فإن انتفت الفوائد واجتمعت الآفات فالعزوبة أفضل له وإن تقابل الأمران وهو الغالب فينبغي أن يوزن بالميزان القسط حظ تلك الفائدة في الزيادة من دينه وحظ تلك الآفات في النقصان منه فإذا غلب على الظن رجحان أحدهما حكم به وأظهر الفوائد الولد وتسكين الشهوة وأظهر الآفات الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فلنفرض تقابل هذه الأمور فنقول من لم يكن في أذية من الشهوة وكانت فائدة نكاحه في السعي لتحصيل

стр. 395

الولد وكانت الآفة الحاجة إلى كسب الحرام والاشتغال عن الله فالعزوبة له أولى فلا خير فيما يشغل عن الله ولا خير في كسب الحرام ولا يفي بنقصان هذين الأمرين أمر الولد فإن النكاح للولد سعي في طلب حياة للولد موهومة وهذا نقصان في الدين ناجز فحفظه لحياة نفسه وصونها عن الهلاك أهم من السعي في الولد وذلك ربح والدين رأس مال وفي فساد الدين بطلان الحياة الأخروية وذهاب رأس المال ولا تقاوم هذه الفائدة إحدى هاتين الآفتين وأما إذا انضاف إلى أمر الولد حاجة كسر الشهوة لتوقان النفس إلى النكاح نظر فإن لم يقو لجام التقوى في رأسه وخاف على نفسه الزنا فالنكاح له أولى لأنه متردد بين أن يقتحم الزنا أو يأكل الحرام والكسب الحرام أهون الشرين وإن كان يثق بنفسه أنه لا يزني ولكن لا يقدر مع ذلك على غض البصر عن الحرام فترك النكاح أولى لأن النظر حرام والكسب من غير وجهه حرام والكسب يقع دائماً وفيه عصيانه وعصيان أهله والنظر يقع أحياناً وهو يخصه وينصرم على قرب والنظر زنا العين ولكن إذا لم يصدقه الفرج فهو إلى العفو أقرب من أكل الحرام إلا أن يخاف إفضاء النظر إلى معصية الفرج فيرجع ذلك إلى خوف العنت وإذا ثبت هذا فالحالة الثالثة وهو أن يقوى على غض البصر ولكن لا يقوى على دفع الأفكار الشاغلة للقلب فذلك أولى بترك النكاح لأن عمل القلب إلى العفو أقرب إنما يراد فراغ القلب للعبادة ولا تتم عبادة مع الكسب الحرام وأكله وإطعامه فهكذا ينبغي أن توزن هذه الآفات بالفوائد ويحكم بحسبها ومن أحاط بهذا لم يشكل عليه شيء مما نقلنا عن السلف من ترغيب في النكاح مرة ورغبة عنه أخرى إذ ذلك بحسب الأحوال صحيح فإن قلت فمن أمن الآفات فما الأفضل له التخلي لعبادة الله أو النكاح فأقول يجمع بينهما لأن النكاح ليس مانعاً من التخلي لعبادة الله من حيث إنه عقد ولكن من حيث الحاجة إلى الكسب فإن قدر على الكسب الحلال فالنكاح أيضاً أفضل لأن الليل وسائر أوقات النهار يمكن التخلي فيه للعبادة والمواظبة على العبادة من غير استراحة غير ممكن فإن فرض كونه مستغرقاً بالكسب حتى لا يبقى له وقت سوى أوقات المكتوبة والنوم والأكل وقضاء الحاجة فإن كان الرجل ممن لا يسلك سبيل الآخرة إلا بالصلاة النافلة أو الحج وما يجري مجراه من الأعمال البدنية فالنكاح له أفضل لأن في كسب الحلال والقيام بالأهل والسعي في تحصيل الولد والصبر على أخلاق النساء أنواعاً من العبادات لا يقصر فضلها عن نوافل العبادات وإن كان عبادته بالعلم والفكر وسير الباطن والكسب يشوش عليه ذلك فترك النكاح أفضل فإن قلت فلم ترك عيسى ﵇ النكاح مع فضله وإن كان الأفضل التخلي لعبادة الله فلم استكثر رسولنا ﷺ من الأزواج فاعلم أن الأفضل الجمع بينهما في حق من قدر ومن قويت منته وعلت همته فلا يشغله عن الله شاغل ورسولنا ﷺ أخذ بالقوة وجمع بين فضل العبادة والنكاح ولقد كان مع تسع من النسوة (١) متخلياً لعبادة الله وكان قضاء الوطر بالنكاح في حقه غير مانع كما لا يكون قضاء الحاجة في حق المشغولين بتدبيرات الدنيا مانعاً لهم عن التدبير حتى يشتغلون في الظاهر بقضاء الحاجة وقلوبهم مشغوفة بهممهم غير غافلة عن مهماتهم وكان رسول الله ﷺ لعلو درجته لا يمنعه أمر هذا العالم عن حضور القلب مع الله تعالى فكان ينزل عليه الوحي وهو في فراش امرأته (٢) ومتى سلم مثل هذا المنصب لغيره فلا يبعد أن يغير السواقي

стр. 396

ما لا يغير البحر الخضم فلا ينبغي أن يقاس عليه غيره وأما عيسى ﷺ فإنه أخذ بالحزم لا بالقوة واحتاط لنفسه ولعل حالته كانت حالة يؤثر فيها الاشتغال بالأهل أو يتعذر معها طلب الحلال أو لا يتيسر فيها الجمع بين النكاح والتخلي للعبادة فآثر التخلي للعبادة وهم أعلم بأسرار أحوالهم وأحكام أعصارهم في طيب المكاسب وأخلاق النساء وما على الناكح من غوائل النكاح وما له فيه ومهما كانت الأحوال منقسمة حتى يكون النكاح في بعضها أفضل وتركه في بعضها أفضل فحقنا أن ننزل أفعال الأنبياء على الأفضل في كل حال والله أعلم الباب الثاني فيما يراعى حالة العقد من أحوال المرأة وشروط العقد أما العقد فأركانه وشروطه لينعقد ويفيد الحل أربعة الأول إذن الولي فإن لم يكن فالسلطان الثاني رضا المرأة إن كانت ثيباً بالغاً أو كانت بكراً بالغاً ولكن يزوجها غير الأب والحد الثالث حضور شاهدين ظاهري العدالة فإن كانا مستورين حكمنا بالانعقاد للحاجة الرابع إيجاب وقبول متصل به بلفظ الإنكاح أو التزويج أو معناهما الخاص بكل لسان من شخصين مكلفين ليس فيهما امرأة سواء كان هو الزوج أو الولي أو وكيلهما وأما آدابه فتقديم الخطبة مع الولي لا في حال عدة المرأة بل بعد انقضائها إن كانت معتدة ولا في حال سبق غيره بالخطبة إذ نهى عن الخطبة على الخطبة (١) حديث عائشة تزوجني رسول الله ﷺ في شوال وبنى بي في شوال رواه مسلم // وأما المنكوحة فيعتبر فيها نوعان أحدهما للحل والثاني لطيب المعيشة وحصول المقاصد النوع الأول ما يعتبر فيها للحل وهو أن تكون خلية عن موانع النكاح والموانع تسعة عشر الأول أن تكون منكوحة للغير الثاني أن تكون معتدة للغير سواء كانت عدة وفاة أو طلاق أو وطء شبهة أو كانت في استبراء وطء عن ملك يمين الثالث أن تكون مرتدة عن الدين لجريان كلمة على لسانها من كلمات الكفر الرابع أن تكون مجوسية الخامس أن تكون وثنية أو زنديقة لا تنسب إلى نبي وكتاب ومنهن المعتقدات لمذهب الإباحة فلا يحل نكاحهن وكذلك كل معتقدة مذهباً فاسداً يحكم بكفر معتقده السادس أن تكون كتابية قد دانت بدينهم بعد التبديل أو بعد مبعث رسول الله ﷺ ومع ذلك فليست من نسب بني إسرائيل فإذا عدمت كلتا الخصلتين

стр. 397

لم يحل نكاحها وإن عدمت النسب فقط ففيه خلاف السابع أن تكون رقيقة والناكح حراً قادراً على طول الحرة أو غير خائف من العنت الثامن أن تكون كلها أو بعضها مملوكاً للناكح ملك يمين التاسع أن تكون قريبة للزوج بأن تكون من أصوله أو فصوله أو فصول أول أصوله أو من أول فصل من كل أصل بعده أصل وأعني بالأصول الأمهات والجدات وبفصوله الأولاد والأحفاد وبفصول أول أصوله الإخوة وأولادهم وبأول فصل من كل أصل بعده أصل العمات والخالات دون أولادهن العاشر أن تكون محرمة بالرضاع ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب من الأصول والفصول كما سبق ولكن المحرم خمس رضعات وما دون ذلك لا يحرم الحادي عشر المحرم بالمصاهرة وهو أن يكون الناكح قد نكح ابنتها أو جدتها أو ملك بعقد أو شبهة عقد من قبل أو وطئهن بالشبهة في عقد أو وطيء أمها أو إحدى جداتها بعقد أو شبهة عقد فمجرد العقد على المرأة يحرم أمهاتها ولا يحرم فروعها إلا بالوطء أو يكون قد نكحها أبوه أو ابنه قبل الثاني عشر أن تكون المنكوحة خامسة أي يكون تحت الناكح أربع سواها إما في نفس النكاح أو في عدة الرجعة فإن كانت في عدة بينونة لم تمنع الخامسة الثالث عشر أن يكون تحت الناكح أختها أو عمتها أو خالتها فيكون بالنكاح جامعاً بينهما وكل شخصين بينهما قرابة لو كان أحدهما ذكراً والآخرة أنثى لم يجز بينهما النكاح فلا يجوز أن يجمع بينهما الرابع عشر أن يكون هذا الناكح قد طلقها ثلاثاً فهي لا تحل له ما لم يطأها زوج غيره في نكاح صحيح الخامس عشر أن يكون الناكح قد لاعنها فإنها تحرم عليه أبداً بعد اللعان السادس عشر أن تكون محرمة بحج أو عمرة أو كان الزوج كذلك فلا ينعقد النكاح إلا بعد تمام التحلل السابع عشر أن تكون ثيباً صغيرة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ الثامن عشر أن تكون يتيمة فلا يصح نكاحها إلا بعد البلوغ التاسع عشر أن تكون من أزواج رسول الله ﷺ ممن توفى عنها أو دخل بها فإنهن أمهات المؤمنين وذلك لا يوجد في زماننا فهذه هي الموانع المحرمة أما الْخِصَالُ الْمُطَيِّبَةُ لِلْعَيْشِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ مُرَاعَاتِهَا فِي الْمَرْأَةِ لِيَدُومَ الْعَقْدُ وَتَتَوَفَّرَ مَقَاصِدُهُ ثمانية الدِّينُ وَالْخُلُقُ وَالْحُسْنُ وَخِفَّةُ الْمَهْرِ وَالْوِلَادَةُ وَالْبَكَارَةُ وَالنَّسَبُ وَأَنْ لَا تَكُونَ قَرَابَةٌ قَرِيبَةٌ الْأُولَى أَنْ تَكُونَ صَالِحَةً ذَاتَ دِينٍ فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ وَبِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الِاعْتِنَاءُ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةَ الدِّينِ فِي صِيَانَةِ نَفْسِهَا وَفَرْجِهَا أَزْرَتْ بِزَوْجِهَا وَسَوَّدَتْ بَيْنَ النَّاسِ وَجْهَهُ وشوشت بالغيرة قلبه وتتغص بِذَلِكَ عَيْشُهُ فَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ الْحَمِيَّةِ وَالْغَيْرَةِ لم يزل في بلاء ومحنة وَإِنْ سَلَكَ سَبِيلَ التَّسَاهُلِ كَانَ مُتَهَاوِنًا بِدِينِهِ وعرضه ومنسوبا إلى قلة الحمية والأنفة وإذا كانت مع الفساد جميلةً كان بلاؤها أشد إذ يشق على الزوج مفارقتها فلا يصبر عنها ولا يصبر عليها ويكون كالذي جاء إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقال يا رسول الله إن لي امرأة لا ترد يد لامس قال طلقها فقال إني أحبها قال أمسكها (١) وإنما أمره بإمساكها خوفاً عليه بأنه إذا طلقها أتبعها نفسه وفسد هو أيضاً معها فرأى ما في دوام نكاحه من دفع الفساد عنه من ضيق قلبه أولى وَإِنْ كَانَتْ فَاسِدَةَ الدِّينِ بِاسْتِهْلَاكِ مَالِهِ أَوْ بِوَجْهٍ آخَرَ لَمْ يَزَلِ الْعَيْشُ مُشَوَّشًا مَعَهُ فَإِنْ سَكَتَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ كَانَ شَرِيكًا فِي الْمَعْصِيَةِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَإِنْ أَنْكَرَ وَخَاصَمَ تَنَغَّصَ الْعُمْرُ وَلِهَذَا بَالَغَ رسول الله ﷺ في التَّحْرِيضِ عَلَى ذَاتِ الدِّينِ فَقَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لمالها وجمالها وحسبها

стр. 398

ودينها فعليك بذات الدين تربت يداك (١) وفي حديث آخر من نكح المرأة لمالها وجمالها حرم جمالها ومالها ومن نكحها لدينها رزقه الله مالها وجمالها (٢) وقال ﷺ لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديها ولا لمالها فلعل مالها يطغيها وانكح المرأة لدينها ٣ حديث لا تنكح المرأة لجمالها فلعل جمالها يرديهاأخرجه ابن ماجة من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف وإنما بالغ في الحث على الدين لأن مثل هذه المرأة تكون عوناً على الدين فأما إذا لم تكن متدينة كانت شاغلة عن الدين ومشوشة له الثانية حسن الخلق وذلك أصل مهم في طلب الفراغة والاستعانة على الدين فإنها إذا كانت سليطة بذية اللسان سيئة الخلق كَافِرَةً لِلنِّعَمِ كَانَ الضَّرَرُ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنَ النَّفْعِ وَالصَّبْرُ عَلَى لِسَانِ النِّسَاءِ مِمَّا يُمْتَحَنُ به الأولياء قال بعض العرب لا تنكحوا من النساء ستة لا أنانة ولا منانة ولا حنانة ولا تنكحوا حداقة ولا براقة ولا شداقة أما الأنانة فهي التي تكثر الأنين والتشكي وتعصب رأسها كل ساعة فنكاح الممراضة أو نكاح المتمارضة لا خير فيه والمنانة التي تمن على زوجها فتقول فعلت لأجلك كذا وكذا والحنانة التي تحن إلى زوج آخر أو ولدها من زوج آخر وهذا أيضا مما يجب اجتنابه والحداقة التي ترمي إلى كل شيء بحدقتها فتشتهيه وتكلف الزوج شراءه والبراقة تحتمل معنيين أحدهما أن تكون طول النهار في تصقيل وجهها وتزيينه ليكون لوجهها بريق محصل بالصنع والثاني أن تغضب على الطعام فلا تأكل إلا وحدها وتستقل نصيبها من كل شيء وهذه لغة يمانية يقولون برقت المرأة وبرق الصبي الطعام إذا غضب عنده والشداقة المتشدقة الكثيرة الكلام ومنه قَوْلَهُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين (٣) وحكي أن السائح الأزدي لقي إلياس ﵇ في سياحته فأمره بالتزوج ونهاه عن التبتل ثم قال لا تنكح أربعا المختلعة والمبارية والعاهرة والناشز فأما المختلعة فهي التي تطلب الخلع كل ساعة من غير سبب والمبارية المباهية بغيرها المفاخرة بأسباب الدنيا والعاهرة الفاسقة التي تعرف بخليل وخدن وهي التي قال الله تعالى ﴿ولا متخذات أخدان﴾ والناشز التي تعلو على زوجها بالفعال والمقال والنشز العالي من الأرض وكان علي ﵁ يقول شر خصال الرجال خير خصال النساء البخل والزهو والجبن فإن المرأة إذا كانت بخيلةً حفظت مالها ومال زوجها وإذا كانت مزهوة استنكفت أن تكلم كل أحد بكلام لين مريب وإذا كانت جبانة فرقت من كل شيء فلم تخرج من بيتها واتقت مواضع التهمة خيفةً من زوجها فهذه الحكايات ترشد إلى مجامع الأخلاق المطلوبة في النكاح الثَّالِثَةُ حُسْنُ الْوَجْهِ فَذَلِكَ أَيْضًا مَطْلُوبٌ إِذْ بِهِ يَحْصُلُ التَّحَصُّنُ وَالطَّبْعُ لَا يَكْتَفِي بِالدَّمِيمَةِ غالباً كيف والغالب أن حسن الخلق والخلق لا يفترقان وما نقلناه من الحث على الدين وأن المرأة لا تنكح لجمالها ليس زاجر عَنْ رِعَايَةِ الْجَمَالِ بَلْ هُوَ زَجْرٌ عَنِ النِّكَاحِ لِأَجْلِ الْجَمَالِ الْمَحْضِ مَعَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ فَإِنَّ الْجَمَالَ وَحْدَهُ فِي غَالِبِ الْأَمْرِ يُرَغِّبُ فِي النِّكَاحِ وَيُهَوِّنُ أَمْرَ الدِّينِ وَيَدُلُّ على الالتفات إلى معنى الجمال أن الألفة والمودة تحصل بِهِ غَالِبًا وَقَدْ نَدَبَ الشَّرْعُ إِلَى مُرَاعَاةِ أَسْبَابِ الْأُلْفَةِ وَلِذَلِكَ اسْتَحَبَّ النَّظَرَ فَقَالَ إِذَا أوقع الله في نفس

стр. 399

أَحَدِكُمْ مِنِ امْرَأَةٍ فَلْيَنْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أن يؤدم بينهما (١) أي يؤلف بينهما من وقوع الأدمة على الأدمة وهي الجلدة الباطنة والبشرة الجلدة الظاهرة وإنما ذكر ذلك للمبالغة في الائتلاف وَقَالَ ﷺ إِنَّ فِي أعين الأنصار شيئاً فإذا أراد أحدكم أن يتزوج منهن فلينظر إليهن (٢) قيل كان في أعينهن عمش وقيل صغر وَكَانَ بَعْضُ الْوَرِعِينَ لَا يَنْكِحُونَ كَرَائِمَهُمْ إِلَّا بعد النظر احترازاً من الغرور قال الْأَعْمَشُ كُلُّ تَزْوِيجٍ يَقَعُ عَلَى غَيْرِ نَظَرٍ فآخره هم وغم ومعلوم أن النظر لا يعرف الخلق والدين والمال وإنما يعرف الجمال من القبح وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ عَلَى عَهْدِ عمر ﵁ وَكَانَ قَدْ خَضَبَ فَنَصَلَ خِضَابُهُ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْمَرْأَةِ إِلَى عمر وَقَالُوا حَسِبْنَاهُ شَابًّا فَأَوْجَعَهُ عمر ضَرْبًا وَقَالَ غررت القوم وروي أن بلالاً وصهيباً أتيا أهل بيت من العرب فخطبا إليهم فقيل لهما من أنتما فقال بلال أنا بلال وهذا أخي صهيب كنا ضالين فهدانا الله وكنا مملوكين فأعتقنا الله وكنا عائلين فأغنانا الله فإن تزوجونا فالحمد لله وإن تردونا فسبحان الله فقالوا بل تزوجان والحمد لله فقال صهيب لو ذكرت مشاهدنا وسوابقنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال اسكت فقد صدقت فأنكحك الصدق وَالْغُرُورُ يَقَعُ فِي الْجَمَالِ وَالْخُلُقِ جَمِيعًا فَيُسْتَحَبُّ إِزَالَةُ الْغُرُورِ فِي الْجَمَالِ بِالنَّظَرِ وَفِي الْخُلُقِ بالوصف والإستيصاف فينبغي أن يقدم ذلك على النكاح وَلَا يَسْتَوْصِفُ فِي أَخْلَاقِهَا وَجَمَالِهَا إِلَّا مَنْ هو بصير صادق خبير بالظاهر والباطن ولا يَمِيلُ إِلَيْهَا فَيُفْرِطَ فِي الثَّنَاءِ وَلَا يَحْسُدُهَا فيقصر فالطباع مائلة في مبادي النكاح ووصف المنكوحات إلى الإفراط والتفريط وقل من يصدق فيه ويقتصد بَلِ الْخِدَاعُ وَالْإِغْرَاءُ أَغْلَبُ وَالِاحْتِيَاطُ فِيهِ مُهِمٌّ لمن يخشى على نفسه التشوف إلى غير زوجته فأما من أراد من الزوجة مجرد السنة أو الولد أو تدبير المنزل فلو رغب عن الجمال فهو إلى الزهد أقرب لأنه على الجملة باب من الدنيا وإن كان قد يعين على الدين في حق بعض الأشخاص قال أبو سليمان الداراني الزهد في كل شيء حتى في المرأة يتزوج الرجل العجوز إيثاراً للزهد في الدنيا وقد كان مالك بن دينار ﵀ يقول يترك أحدكم أن يتزوج يتيمة فيؤجر فيها إن أطعمها وكساها تكون خفيفة المؤنة ترضى باليسير ويتزوج بنت فلان وفلان يعني أبناء الدنيا فتشتهي عليه الشهوات وتقول اكسني كذا وكذا واختار أحمد بن حنبل عوراء على أختها وكانت أختها جميلة فسأل من أعقلهما فقيل العوراء فقال زوجوني إياها فهذا دأب من لم يقصد التمتع فأما من لا يأمن على دينه ما لم يكن له مستمتع فليطلب الجمال فالتلذذ بالمباح حصن للدين وقد قيل إذا كانت المرأة حسناء خيرة الأخلاق سوداء الحدقة والشعر كبيرة العين شديدة بيضاء اللون محبةً لزوجها قاصرة الطرف عليه فهي على صورة الحور العين فإن الله تعالى وصف نساء أهل الجنة بهذه الصفة في قوله ﴿خيرات حسان﴾ أراد بالخيرات حسنات الأخلاق وفي قوله ﴿قاصرات الطرف﴾ وفي قوله ﴿عرباً أتراباً﴾ العروب هي العاشقة لزوجها المشتهية للوقاع وبه تتم اللذة والحور البياض والحوراء شديدة بياض العين شديدة سوادها في سواد الشعر والعيناء الواسعة العين وقال ﷺ خير نسائكم من إذا نظر إليها زوجها سرته وإذا أمرها أطاعته وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله (٣) وإنما يسر بالنظر إليها إذا كانت محبة للزوج الرابعة أن تكون خفيفة المهر

стр. 400

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خير النساء أحسنهن وجوهاً وأرخصهن مهوراً (١) وقد نهى عن المغالاة في المهر (٢) تزوج رسول الله ﷺ بعض نسائه على عشرة دراهم وأثاث بيت وكان رحى يد وجرة ووسادة من أدم حشوها ليف (٣) وعلى وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير (٤) وعلى أخرى بمدين من تمر ومدين من سويق (٥) وكان عمر ﵁ ينهي عن المغالاة في الصداق ويقول ما تزوج رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَا زوج بناته بأكثر من أربعمائة درهم (٦) ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق إليها رسول الله ﷺ وقد تزوج بعض أصحاب رسول الله ﷺ على نواة من ذهب قِيمَتُهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (٧) وَزَوَّجَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ ابْنَتَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَلَى دِرْهَمَيْنِ ثُمَّ حَمَلَهَا هُوَ إِلَيْهِ لَيْلًا فأدخلها هو مِنَ الْبَابِ ثُمَّ انْصَرَفَ ثُمَّ جَاءَهَا بَعْدَ سبعة أيام فسلم عليها ولو تزوج على عشرة دراهم للخروج من خلاف العلماء فلا بأس به وفي الخبر مِنْ بَرَكَةِ الْمَرْأَةِ سُرْعَةُ تَزْوِيجِهَا وَسُرْعَةُ رَحِمِهَا أي الولادة ويسر مهرها (٨) وقال أيضاً أبركهن أقلهن مهراً (٩) وَكَمَا تُكْرَهُ الْمُغَالَاةُ فِي الْمَهْرِ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ فَيُكْرَهُ السُّؤَالُ عَنْ مَالِهَا مِنْ جِهَةِ الرَّجُلِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْكِحَ طَمَعًا فِي المال قال النوري إذا تزوج وقال أي شيء للمرأة فأعلم أنه لص وَإِذَا أَهْدَى إِلَيْهِمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُهْدِيَ لِيَضْطَرَّهُمْ إِلَى الْمُقَابَلَةِ بِأَكْثَرَ مِنْهُ وَكَذَلِكَ إِذَا أَهْدَوْا إِلَيْهِ فَنِيَّةُ طَلَبِ الزِّيَادَةِ نِيَّةٌ فَاسِدَةٌ فأما التهادي فمستحب وهو سبب المودة قال ﷺ تهادوا تحابوا (١٠) وأما طلب الزيادة فداخل في قوله تعالى ولا تمنن تستكثر أي تعطي لتطلب أكثر وتحت قوله تعالى وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فإن الربا هو الزيادة وهذا طلب زيادة على الجملة وإن لم يكن في الأموال الربوية فكل ذلك مكروه وبدعة في النكاح يشبه التجارة والقمار ويفسد مقاصد النكاح الْخَامِسَةُ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ وَلُودًا فَإِنْ عُرِفَتْ بالعقر فليمتنع عن تزوجها قال ﷺ عليكم

стр. 401

بالولود الودود (١) فإن لم يكن لها زوج ولم يعرف حالها فيراعي صحتها وشبابها فإنها تكون ولوداً في الغالب مع هذين الوصفين السادسة أن تكون بكرا قال ﷺ لجابر وَقَدْ نَكَحَ ثَيِّبًا هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وتلاعبك (٢) في البكارة ثلاث فوائد إحداها أن تحب الزوج وتألفه فيؤثر في معنى الود وقد قال ﷺ عليكم بالودود والطباع مجبولة على الأنس بأول مألوف وأما التي اختبرت الرجال ومارست الأحوال فربما لا ترضى بعض الأوصاف التي تخالف ما ألفته فتقلي الزوج الثانية أن ذلك أكمل في مودته لها فإن الطبع ينفر عن التي مسها غير الزوج نفرة ما وذلك يثقل على الطبع مهما يذكر وبعض الطباع في هذا أشد نفوراً الثالثة أنها لا تحن إلى الزوج الأول وآكد الحب ما يقع مع الحبيب الأول غالباً السَّابِعَةُ أَنْ تَكُونَ نَسِيبَةً أَعْنِي أَنْ تَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ فَإِنَّهَا سَتُرَبِّي بَنَاتِهَا وَبَنِيهَا فَإِذَا لَمْ تَكُنْ مُؤَدَّبَةً لَمْ تحسن التأديب والتربية ولذلك قال ﷺ إياكم وخضراء الدمن فقيل ما خضراء الدمن قال المرأة الحسناء في المنبت السوء (٣) وقال ﷺ تَخَيَّرُوا لِنُطَفِكُمْ فَإِنَّ الْعِرْقَ نَزَّاعٌ (٤) الثَّامِنَةُ أَنْ لَا تَكُونَ مِنَ الْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يقلل الشهوة قال ﷺ لا تنكحوا القرابة القريبة فإن الولد يخلق ضاوياً (٥) أي نحيفاً وذلك لتأثيره في تضعيف الشهوة فإن الشهوة إنما تنبعث بقوة الإحساس بالنظر واللمس وإنما يقوى الإحساس بالأمر الغريب الجديد فأما المعهود الذي دام النظر إليه مدة فإنه يضعف الحس عن تمام إدراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشَّهْوَةَ فَهَذِهِ هِيَ الْخِصَالُ الْمُرَغِّبَةُ فِي النِّسَاءِ وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَيْضًا أَنْ يُرَاعِيَ خِصَالَ الزَّوْجِ وَلْيَنْظُرْ لِكَرِيمَتِهِ فَلَا يُزَوِّجْهَا مِمَّنْ سَاءَ خُلُقُهُ أَوْ خَلْقُهُ أَوْ ضَعُفَ دَيْنُهُ أَوْ قَصَّرَ عَنِ الْقِيَامِ بِحَقِّهَا أَوْ كَانَ لَا يكافئها في نسبها قال ﷺ النكاح رق فلينظر أحدكم أين يضع كريمته (٦) والاحتياط في حقها أهم لأنها رقيقة بالنكاح لا مخلص لها والزوج قادر على الطلاق بكل حال وَمَهْمَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ ظَالِمًا أَوْ فَاسِقًا أَوْ مُبْتَدِعًا أَوْ شَارِبَ خَمْرٍ فَقَدْ جَنَى عَلَى دِينِهِ وَتَعَرَّضَ لِسُخْطِ اللَّهِ لِمَا قَطَعَ مِنْ حق الرحم وسوء الاختيار وقال رجل للحسن قد خطب ابنتي جماعة فمن أُزَوِّجُهَا قَالَ مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ فَإِنْ أَحَبَّهَا أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها وقال ﷺ من زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمها (٧)

стр. 402

الباب الثالث في آداب المعاشرة وما يجري في دوام النكاح والنظر فيما على الزوج وفيما على الزوجة أما الزوج فعليه مراعاة الاعتدال والأدب فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَمْرًا فِي الْوَلِيمَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالدُّعَابَةِ وَالسِّيَاسَةِ وَالْغَيْرَةِ وَالنَّفَقَةِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْقَسْمِ وَالتَّأْدِيبِ فِي النُّشُوزِ وَالْوِقَاعِ وَالْوِلَادَةِ وَالْمُفَارَقَةِ بِالطَّلَاقِ الْأَدَبُ الْأَوَّلُ الْوَلِيمَةُ وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ قَالَ أنس ﵁ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵁ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَقَالَ ﴿مَا هَذَا﴾ فَقَالَ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى وَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَقَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ (١) وَأَوْلَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على صفية بتمر وسويق (٢) وقال ﷺ طعام أول يوم حق وطعام الثاني سنة وطعام الثالث سمعة ومن سمع سمع الله به (٣) ولم يرفعه إلا زياد بن عبد الله وهو غريب وَتُسْتَحَبُّ تَهْنِئَتُهُ فَيَقُولُ مَنْ دَخَلَ عَلَى الزَّوْجِ بَارَكَ اللَّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا في خير (٤) وروى أبو هريرة ﵁ أنه ﷺ أمر بذلك ويستحب إظهار النكاح قال ﷺ فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ (٥) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف (٦) وعن الربيع بنت معوذ قالت جاء رسول الله ﷺ فدخل غداة بنى بي فجلس على فراشي وجويريات لنا يضربن بدفهن ويندبن من قتل من آبائي إلى أن قالت إحداهن وفينا نبي يعلم ما في غد فقال لها اسكتي عن هذه وقولي الذي كنت تقولين قبلها (٧) الْأَدَبُ الثَّانِي حُسْنُ الْخُلُقِ مَعَهُنَّ وَاحْتِمَالُ الْأَذَى منهن ترحماً عليهن لقصور عقلهن وقال الله تعالى وعاشروهن بالمعروف وَقَالَ فِي تَعْظِيمِ حَقِّهِنَّ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غليظاً ﴿وقال﴾ والصاحب بالجنب قيل هي المرأة وآخر ما وصى به رسول الله ﷺ ثلاث كان يتكلم بهم حتى تلجلج لسانه وخفي كلامه جعل يقول الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم لا تكلفوهم ما لا يطيقون الله الله فإنهن عوان في أيديكم يعني أسراء أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله (٨) وقال ﷺ من صبر على سوء خلق امرأته

стр. 403

أعطاه الله من الأجر مثل ما أعطى أيوب على بلائه ومن صبرت على سوء خلق زوجها أعطاها الله مثل ثواب آسية امرأة فرعون (١) حديث كان أزواجه ﷺ يراجعنه الحديث وتهجره الواحدة منهن يوماً إلى الليل متفق عليه من حديث عمر في الحديث الطويل في قوله تعالى فان تظاهرا عليه وراجعت امرأة عمر ﵁ عمر في الكلام فقال أتراجعيني يالكعاء فقالت إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وهو خير منك (٢) حديث دفعت إحداهن في صدر رسول الله ﷺ فزبرتها أمها فقال ﷺ دعيها فنهن يصنعن أكثر من ذلك لم اقف له على أصل (٣) حديث جرى بينه وبين عائشة كلام حتى أدخل بينهما أبا بكر حكماالحديث أخرجه الطبراني في الأوسط والخطيب في التاريخ من حديث عائشة بسند ضعيف (٤) حديث قالت له عائشة مرة غضبت عنده وأنت الذي تزعم أنك نبي فتبسم رسول الله ﷺ أخرجه أبو يعلى في مسنده وأبو الشيخ في كتاب الأمثال من حديث عائشة وفيه ابن اسحق وقد عنعنه (٥) حديث كان يقول لعائشة إني لأعرف غضبك من رضاك الحديث متفق عليه سن حديثها (٦) حديث أول حب وقع في الإسلام حب النبي ﷺ عائشة رواه الشيخان من حديث عمرو بن العاص أنه قال أي الناس أحب إليك يا رسول الله قال عائشة الحديث وأما كونه أول فرواه ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أنس ولعله أراد بالمدينة كما في الحديث الآخر أن ابن الزبير أول مولود ولد في الإسلام يريد بالمدينة وإلا فمحبة النبي ﷺ لخديجة أمر معروف تشهد له الأحاديث الصحيحة (٧) حديث كان يقول لعائشة كنت لك كأبي زرع لأم زرع غير أني لا أطلقك متفق عليه من حديث عائشة دون الاستثناء ورواه بهذه الزيادة الزبير بن بكار والخطيب (٨) حديث لا تؤذوني في عائشة فإنه والله ما أنزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها رواه البخاري من حديث عائشة (٩) حديث أنس كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أرحم الناس بالنساء والصبيان رواه مسلم بلفظ ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ زاد علي بن عبد العزيز والبغوي والصبيان //

стр. 404

الثَّالِثُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى احْتِمَالِ الْأَذَى بِالْمُدَاعَبَةِ وَالْمَزْحِ وَالْمُلَاعَبَةِ فَهِيَ الَّتِي تُطَيِّبُ قُلُوبَ النِّسَاءِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْزَحُ مَعَهُنَّ وَيَنْزِلُ إِلَى دَرَجَاتِ عُقُولِهِنَّ في الأعمال والأخلاق حتى روي أنه ﷺ كان يسابق عائشة في العدو فسبقته يوماً وسبقها في بعض الأيام فقال ﷺ هذه بتلك (١) وفي الخبر أنه كان ﷺ من أفكه الناس مع نسائه (٢) وقالت عائشة ﵂ سمعت أصوات أناس من الحبشة وغيرهم وهم يلعبون في يوم عاشوراء فقال لي رسول الله ﷺ أتحبين أن تري لعبهم قالت قلت نعم فأرسل إليهم فجاؤا وقام رسول الله ﷺ بين البابين فوضع كفه على الباب ومد يده ووضعت ذقني على يده وجعلوا يلعبون وأنظر وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول ﴿حسبك﴾ وأقول اسكت مرتين أو ثلاثاً ثم قال يا عائشة حسبك فقلت نعم فأشار إليهم فانصرفوا (٣) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وألطفهم بأهله (٤) وَقَالَ ﷺ خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لنسائه وأنا خيركم لنسائي (٥) وقال عمر ﵁ مع خشونته ينبغي للرجل أن يكون في أهله مثل الصبي فإذا التمسوا ما عنده وجد رجلاً وقال لقمان ﵀ ينبغي للعاقل أن يكون في أهله كالصبي وإذا كان في القوم وجد رجلاً وفي تفسير الخبر المروي إن الله يبغض الجعظري الجواظ (٦) قيل هو الشديد على أهله المتكبر في نفسه وهو أحد ما قيل في معنى قوله تعالى عتل قيل العتل هو اللفظ اللسان الغليظ القلب على أهله وَقَالَ ﷺ لجابر هَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ (٧) وَوَصَفَتْ أَعْرَابِيَّةٌ زَوْجَهَا وَقَدْ مَاتَ فَقَالَتْ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ ضَحُوكًا إِذَا وَلَجَ سِكِّيتًا إِذَا خَرَجَ آكِلًا مَا وَجَدَ غير مسائل عما فقد الرابع أن لا يتبسط فِي الدُّعَابَةِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ وَالْمُوَافَقَةِ بِاتِّبَاعِ هَوَاهَا إِلَى حَدٍّ يُفْسِدُ خُلُقَهَا وَيُسْقِطُ بِالْكُلِّيَّةِ هَيْبَتَهُ عِنْدَهَا بَلْ يُرَاعِي الِاعْتِدَالَ فِيهِ فَلَا يَدَعُ الْهَيْبَةَ وَالِانْقِبَاضَ مَهْمَا رَأَى مُنْكَرًا وَلَا يَفْتَحُ بَابَ الْمُسَاعَدَةِ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ الْبَتَّةَ بَلْ مَهْمَا رَأَى مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَالْمُرُوءَةَ تَنَمَّرَ وَامْتَعَضَ قال الحسن والله ما أصبح رجل يطيع امرأته فيما تهوى إلا كبه الله في النار وقال عمر ﵁ خالفوا النساء فإن في خلافهن البركة وقد قيل شاوروهن وخالفوهن وقد قَالَ ﷺ تَعِسَ عَبْدُ الزوجة (٨) وإنما قال ذلك لأنه إذا أطاعها في هواها فهو عبدها

стр. 405

وقد تعس فإن الله ملكه المرأة فملكها نفسه فقد عكس الأمر وقلب القضية وأطاع الشيطان لما قال ولآمرنهم فليغيرن خلق الله إذ حق الرجل أن يكون متبوعاً لا تابعاً وقد سمى الله الرجال قوامين على النساء وسمى الزوج سيداً فقال تعالى وألفيا سيدها لدى الباب فإذا انقلب السيد مسخراً فقد بدل نعمة الله كفراً ونفس المرأة على مثال نفسك إن أرسلت عنانها قليلاً جمحت بك طويلاً وإن أرخيت عذارها فتراً جذبتك ذراعاً وإن كبحتها وشددت يدك عليها في محل الشدة ملكتها قال الشافعي ﵁ ثلاثة إن أكرمتهم أهانوك وإن أهنتهم أكرموك المرأة والخادم والنبطي أراد به إن محضت الإكرام ولم تمزج غلظك بلينك وفظاظتك برفقك وكانت نساء العرب يعلمن بناتهن اختبار الأزواج وكانت المرأة تقول لابنتها اختبري زوجك قبل الإقدام والجراءة عليه انزعي زج رمحه فإن سكت فقطعي اللحم على ترسه فإن سكت فكسري العظام بسيفه فإن سكت فاجعلي الإكاف على ظهره وامتطيه فإنما هو حمارك وعلى الجملة فبالعدل قامت السموات وَالْأَرْضُ فَكُلُّ مَا جَاوَزَ حَدَّهُ انْعَكَسَ عَلَى ضده فينبغي أن تسلك سبيل الاقتصاد في المخالفة والموافقة وتتبع الحق في جميع ذلك لتسلم من شرهن فإن كيدهن عظيم وشرهن فاش والغالب عليهن سوء الخلق وركاكة العقل وَلَا يَعْتَدِلُ ذَلِكَ مِنْهُنَّ إِلَّا بِنَوْعِ لُطْفٍ ممزوج بسياسة وقال ﷺ مثل المرأة الصالحة في النساء كمثل الغراب الأعصم بين مائة غراب (١) والأعصم يعني الأبيض البطن وفي وصية لقمان لابنه يا بني اتق المرأة السوء فإنها تشيبك قبل الشيب واتق شرار النساء فإنهن لا يدعون إلى خير وكن من خيارهن على حذر وقال ﷺ استعيذوا من الفواقر الثلاث (٢) وعد منهن المرأة السوء فإنها المشيبة قبل الشيب وفي لفظ آخر إن دخلت عليها سبتك وإن غبت عنها خانتك وقد قال ﷺ في خيرات النساء إنكن صواحبات يوسف (٣) يعني إن صرفكن أبا بكر عن التقدم في الصلاة ميل منكن عن الحق إلى الهوى قال الله تعالى حين أفشين سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما أي مالت وقال ذلك في خير أزواجه (٤) وقال ﷺ لا يفلح قوم تملكهم امرأة (٥) حَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن تتبع عورات النساء رواه الطبراني في الأوسط من حديث جابر نهى أن تتطلب عثرات النساء والحديث عند مسلم بلفظ نهى أن يطرق الرجل أهله ليلا يخونهم أو يطلب عثراتهم واقتصر البخاري منه على ذكر النهي عن الطروق ليلا وفي لفظ آخر

стр. 406

أَنْ تُبْغَتَ النِّسَاءُ وَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ سَفَرِهِ قَالَ قَبْلَ دُخُولِ الْمَدِينَةِ لَا تَطْرُقُوا النِّسَاءَ لَيْلًا فَخَالَفَهُ رَجُلَانِ فَسَبَقَا فَرَأَى كُلُّ وَاحِدٍ فِي منزله ما يكره (١) وفي الخبر المشهور المرأة كالضلع إن قومته كسرته فدعه تستمتع به على عوج (٢) وهذا في تهذيب أخلاقها وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ الْغَيْرَةِ غَيْرَةً يُبْغِضُهَا اللَّهُ وَهِيَ غَيْرَةُ الرَّجُلِ عَلَى أَهْلِهِ مِنْ غَيْرِ رِيبَةٍ (٣) لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ الَّذِي نُهِينَا عنه فإن بعض الظن إثم وقال علي ﵁ لا تكثر الغيرة على أهلك فترمي بالسوء من أجلك وَأَمَّا الْغَيْرَةُ فِي مَحَلِّهَا فَلَا بُدَّ مِنْهَا وهي محمودة وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الله تعالى يغار والمؤمن يغار وغيرة الله تعالى أن يأتي الرجل المؤمن ما حرم الله عليه (٤) وقال ﷺ أتعجبون من غيرة سعد أنا والله أغير منه والله أغير مني (٥) ولأجل غيرة الله تعالى حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه العذر من الله ولذلك بعث المنذرين والمبشرين ولا أحد أحب إليه المدح من الله ولأجل ذلك وعد الجنة وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رأيت ليلةً أسري بي في الجنة قصراً وبفنائه جارية فقلت لمن هذا القصر فقيل لعمر فأردت أن أنظر إليها فذكرت غيرتك يا عمر فبكى عمر وقال أعليك أغار يا رسول الله (٦) وكان الحسن يقول أتدعون نساءكم ليزاحمن العلوج في الأسواق قبح الله من لا يغار وقال ﵊ إن من الغيرة ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله ومن الخيلاء ما يحبه الله ومنها ما يبغضه الله فأما الغيرة التي يحبها الله فالغيرة في الريبة والغيرة التي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة والاختيال الذي يحبه الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدمة والاختيال الذي يبغضه الله الاختيال في الباطل (٧) وقال ﷺ إني لغيور وما من امرئ لا يغار إلا منكوس القلب (٨) والطريق المغني عن الغيرة أن لا يدخل عليها الرجال وهي لا تخرج إلى الأسواق وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لابنته فاطمة ﵍ أي شيء خير للمرأة قالت أن لا ترى رجلا ولا يراها رجل فضمها إليه وقال ذرية بعضها من بعض (٩) فاستحسن قولها وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يسدون الكوى والثقب في الحيطان لئلا تطلع النسوان إلى الرجال ورأى معاذ امرأته تطلع في الكوة فضربها ورأى امرأته قد دفعت إلى غلامه تفاحة قد أكلت منها فضربها وقال عمر ﵁ أعروا النساء يلزمن الحجال وإنما قال ذلك لأنهن لا يرغبن في

стр. 407

الخروج في الهيئة الرثة وقال عودوا نساءكم لا وَكَانَ قَدْ أَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ للنساء في حضور المسجد (١) والصواب الآن المنع إلا العجائز بل استصوب ذلك في زمان الصحابة حتى قالت عائشة ﵂ لو علم النبي ﷺ ما أحدثت النساء بعده لمنعهن من الخروج (٢) ولما قال ابن عمر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لاتمنعوا إماء الله مساجد الله فقال بعض ولده بلى والله لنمنعهن فضربه وغضب عليه وقال تسمعني أقول قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تمنعوا فتقول بلى (٣) وإنما استجرأ على المخالفة لعلمه بتغير الزمان وإنما غضب عليه لإطلاقه اللفظ بالمخالفة ظاهراً من غير إظهار العذر وكذلك كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قد أذن لهن في الأعياد خاصة أن يخرجن (٤) ولكن لا يخرجن إلا برضا أزواجهن والخروج الآن مباح للمرأة العفيفة برضا زَوْجِهَا وَلَكِنَّ الْقُعُودَ أَسْلَمُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا لِمُهِمٍّ فَإِنَّ الْخُرُوجَ لِلنِّظَارَاتِ وَالْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مُهِمَّةً تَقْدَحُ فِي الْمُرُوءَةِ وَرُبَّمَا تُفْضِي إِلَى الْفَسَادِ فَإِذَا خَرَجَتْ فَيَنْبَغِي أَنْ تَغُضَّ بَصَرَهَا عَنِ الرِّجَالِ وَلَسْنَا نَقُولُ إِنَّ وَجْهَ الرَّجُلِ فِي حَقِّهَا عَوْرَةٌ كَوَجْهِ الْمَرْأَةِ فِي حَقِّهِ بَلْ هُوَ كَوَجْهِ الصَّبِيِّ الْأَمْرَدِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فَيَحْرُمُ النَّظَرُ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فَقَطْ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ فَلَا إِذْ لَمْ يَزَلِ الرِّجَالُ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ مكشوفي الوجوه والنساء يخرجن منتقبات وَلَوْ كَانَ وُجُوهُ الرِّجَالِ عَوْرَةً فِي حَقِّ النساء لأمروا بالتنقب أَوْ مُنِعْنَ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ السَّادِسُ الِاعْتِدَالُ فِي النَّفَقَةِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَتِّرَ عَلَيْهِنَّ فِي الْإِنْفَاقِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْرِفَ بَلْ يَقْتَصِدَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تسرفوا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عنقك ولا تبسطها كل البسط﴾ وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خيركم خيركم لأهله (٥) وقال ﷺ دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك (٦) وقيل كان لعلي ﵁ أربع نسوة فكان يشتري لكل واحدة في كل أربعة أيام لحماً بدرهم وقال الحسن ﵁ كانوا في الرجال مخاصيب والإناث والثياب مجاديب وقال ابْنُ سِيرِينَ يُسْتَحَبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْمَلَ لِأَهْلِهِ في كل جمعة فالوذجة وكأن الحلاوة وإن لم تكن من المهمات ولكن تركها بالكلية تقتير في العادة وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْمُرَهَا بِالتَّصَدُّقِ بِبَقَايَا الطَّعَامِ وَمَا يَفْسُدُ لَوْ تُرِكَ فَهَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِ الْخَيْرِ وَلِلْمَرْأَةِ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ بِحُكْمِ الْحَالِ مِنْ غير صريح إِذْنٍ مِنَ الزَّوْجِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَأْثِرَ عَنْ أَهْلِهِ بِمَأْكُولٍ طَيِّبٍ فَلَا يُطْعِمُهُمْ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُوغِرُ الصُّدُورَ وَيَبْعُدُ عَنِ المعاشرة بالمعروف فإن كان مزمعاً على ذلك فليأكله بخفية بحيث لا يعرف أهله وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَصِفَ عِنْدَهُمْ طَعَامًا لَيْسَ يُرِيدُ إِطْعَامَهُمْ إِيَّاهُ وَإِذَا أَكَلَ فَيُقْعِدُ الْعِيَالَ كلهم على مائدته فقد قال سفيان ﵁ بلغنا أن الله وملائكته يصلون على أهل بيت يأكلون جماعة وَأَهَمُّ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مُرَاعَاتُهُ فِي الْإِنْفَاقِ أَنْ يُطْعِمَهَا مِنَ الْحَلَالِ وَلَا يَدْخُلَ مَدَاخِلَ السُّوءِ لِأَجْلِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ جِنَايَةٌ عَلَيْهَا لَا مراعاة لها وقد أوردنا الأخبار الواردة في ذلك عند ذكر آفات النكاح

стр. 408

السَّابِعُ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْمُتَزَوِّجُ مِنْ عِلْمِ الْحَيْضِ وَأَحْكَامِهِ مَا يَحْتَرِزُ بِهِ الِاحْتِرَازَ الْوَاجِبَ وَيُعَلِّمَ زوجته أحكام الصلاة وما يقضى منها في الحيض وما لا يقضى فإنه أمر بأن يقيها النار بقوله تعالى ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ فعليه أن يلقنها اعتقاد أهل السنة ويزيل عن قلبها كل بدعة إن استمعت إليها ويخوفها في الله إن تساهلت في أمر الدين ويعلمها من أحكام الحيض والاستحاضة ما تحتاج إليه وعلم الاستحاضة يطول فأما الذي لا بد من إرشاد النساء إليه في أمر الحيض بيان الصلوات التي تقضيها فإنها مهما انقطع دمها قبيل المغرب بمقدار ركعة فعليها قضاء الظهر والعصر وإذا انقطع قبل الصبح بمقدار ركعة فعليها قضاء المغرب والعشاء وهذا أقل ما يراعيه النساء فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ قَائِمًا بِتَعْلِيمِهَا فَلَيْسَ لَهَا الْخُرُوجُ لِسُؤَالِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ قَصُرَ عِلْمُ الرَّجُلِ وَلَكِنْ نَابَ عَنْهَا فِي السُّؤَالِ فَأَخْبَرَهَا بِجَوَابِ المفتي فليس لها خروج فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَلَهَا الْخُرُوجُ لِلسُّؤَالِ بل عليها ذلك ويعصي الرجل بمنعها ومهما تعلمت ما هو من الفرائض عليها فليس لها أن تخرج إلى مجلس ذكر ولا إلى تعلم فضل إلا برضاه ومهما أهملت المرأة حكماً من أحكام الحيض والاستحاضة ولم يعلمها الرجل حرج الرجل معها وشاركها في الإثم الثَّامِنُ إِذَا كَانَ لَهُ نِسْوَةٌ فَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُنَّ وَلَا يَمِيلَ إِلَى بَعْضِهِنَّ فَإِنْ خَرَجَ إِلَى سَفَرٍ وَأَرَادَ اسْتِصْحَابَ وَاحِدَةٍ أَقْرَعَ بينهن (١) كذلك كان يفعل رسول الله ﷺ فَإِنْ ظَلَمَ امْرَأَةً بِلَيْلَتِهَا قَضَى لَهَا فَإِنَّ القضاء واجب عليه وعند ذلك يحتاج إلى معرفة أحكام القسم وذلك يطول ذكره وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من كان له امرأتان فمال إلى إحداهما دون الأخرى وفي لفظ ولم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وأحد شقيه مائل (٢) وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِي الْعَطَاءِ وَالْمَبِيتِ وَأَمَّا فِي الْحُبِّ وَالْوِقَاعِ فَذَلِكَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الاختيار قال الله تعالى ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾ أي أن تعدلوا في شهوة القلب وميل النفس ويتبع ذلك التفاوت في الوقاع وكان رسول الله ﷺ يعدل بينهن في العطاء والبيتوتة في الليالي ويقول اللهم هذا جهدي فيما أملك ولا طاقة لي فيما تملك ولا أملك (٣) يعني الحب وقد كانت عائشة ﵂ أحب نسائه إليه (٤) وسائر نسائه يعرفن ذلك وكان يُطَافُ بِهِ مَحْمُولًا فِي مَرَضِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَكُلِّ لَيْلَةٍ فَيَبِيتُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ منهن ويقول أين أنا غداً ففطنت لذلك امرأة منهن فقالت إنما يسأل عن يوم عائشة فقلن يا رسول الله قد أذنا لك أن تكون في بيت عائشة فإنه يشق عليك أن تحمل في كل ليلة فقال وقد رضيتن بذلك فقلن نعم قال فحولوني إلى بيت عائشة (٥) ومهما وهبت واحدة ليلتها لصاحبتها ورضي الزوج بذلك ثبت الحق لها كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقسم بين نسائه فقصد أن يطلق سودة بنت زمعة لما كبرت

стр. 409

فوهبت ليلتها لعائشة وسألته أن يقرها على الزوجية حتى تحشر في زمرة نسائه فتركها وكان لا يقسم لها ويقسم لعائشة ليلتين ولسائر أزواجه ليلةً ليلةً (١) ولكنه ﷺ عدله وقوته كان إذا تاقت نفسه إلى واحدة من النساء في غير نوبتها فجامعها طاف في يومه أو ليلته على سائر نسائه فمن ذلك ما روي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ طاف على نسائه في ليلة واحدة (٢) وعن أنس أنه ﷺ طاف على تسع نسوة في ضحوة نهار (٣) التاسع فِي النُّشُوزِ وَمَهْمَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا خِصَامٌ وَلَمْ يَلْتَئِمْ أَمْرُهُمَا فَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِهِمَا جَمِيعًا أَوْ مِنَ الرَّجُلِ فَلَا تُسَلِّطُ الزَّوْجَةُ عَلَى زَوْجِهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِهَا فَلَا بُدَّ مِنْ حَكَمَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنْ أَهْلِهِ وَالْآخَرُ مِنْ أَهْلِهَا لِيَنْظُرَا بَيْنَهُمَا وَيُصْلِحَا أَمْرَهُمَا ﴿إِنْ يُرِيدَا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ وقد بعث عمر ﵁ حكما إلى زوجين فعاد ولم يصلح أمرهما فعلاه بالدرة وقال إن الله تعالى يقول ﴿إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما﴾ فعاد الرجل وأحسن النية وتلطف بهما فأصلح بينهما وَأَمَّا إِذَا كَانَ النُّشُوزُ مِنَ الْمَرْأَةِ خَاصَّةً فالرجال قوامون على النِّسَاءِ فَلَهُ أَنْ يُؤَدِّبَهَا وَيَحْمِلَهَا عَلَى الطَّاعَةِ قهراً وكذا إذا كانت تاركة للصلاة فله حملها على الصلاة قَهْرًا وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَدَرَّجَ فِي تَأْدِيبِهَا وَهُوَ أَنْ يُقَدِّمَ أَوَّلًا الْوَعْظَ وَالتَّحْذِيرَ وَالتَّخْوِيفَ فَإِنْ لَمْ يَنْجَحْ وَلَّاهَا ظَهْرَهُ فِي الْمَضْجَعِ أَوِ انْفَرَدَ عَنْهَا بِالْفِرَاشِ وَهَجَرَهَا وَهُوَ فِي الْبَيْتِ مَعَهَا مِنْ لَيْلَةٍ إِلَى ثَلَاثِ لَيَالٍ فَإِنْ لَمْ يَنْجَحْ ذَلِكَ فِيهَا ضَرَبَهَا ضَرْبًا غير مبرح بحيث يؤلمها ولا يكسر لها عظماً ولا يدمي لها جسم ولا يضرب وجهها فذلك منهي عنه وقد قيل لرسول الله ﷺ ما حق المرأة على الرجل قال يطعمها إذا طعم ويكسوها إذا اكتسى ولا يقبح الوجه ولا يضرب إلا ضرباً غير مبرح ولا يهجرها إلا في المبيت (٤) وله أن يغضب عليها ويهجرها في أمر من أمور الدين إلى عشر وإلى عشرين وإلى شهر فعل ذلك رسول الله ﷺ إذ أرسل إلى زينب بهدية فردتها عليه فقالت له التي هو في بيتها لقد أقمأتك إذ ردت عليك هديتك (٥) أي أذلتك واستصغرتك فقال ﷺ أنتن أهون على الله أن تقمئنني ثم غضب عليهن كلهن شهراً إلى أن عاد إليهن العاشر في آداب الجماع ويستحب أن يبدأ باسم الله تعالى ويقرأ قل هو الله أحد أولاً ويكبر ويهلل ويقول بسم الله العلي العظيم اللهم اجعلها ذريةً طيبةً إن كنت قدرت أن تخرج ذلك من صلبي وقال ﷺ لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال اللهم جنبني الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإن كان بينهما ولد لم يضره

стр. 410

﴿الشيطان﴾ (١) وإذا قربت من الإنزال فقل في نفسك ولا تحرك شفتيك الحمد لله الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً وكان ربك قديراً وكان بعض أصحاب الحديث يكبر حتى يسمع أهل الدار صوته ثم ينحرف عن القبلة ولا يستقبل القبلة بالوقاع إكراماً للقبلة وليغط نفسه وأهله بثوب كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يغطي رأسه ويغض صوته ويقول للمرأة عليك بالسكينة (٢) وفي الخبر إذا جامع أحدكم أهله فلا يتجردان تجرد العيرين (٣) أي الحمارين وليقدم التلطف بالكلام والتقبيل قال ﷺ لا يقعن أحدكم على امرأته كما تقع البهيمة وليكن بينهما رسول قيل وما الرسول يا رسول الله قال القبلة والكلام (٤) وقال ﷺ ثلاث من العجز في الرجل أن يلقى من يحب معرفته فيفارقه قبل أن يعلم اسمه ونسبه والثاني أن يكرمه أحد فيرد عليه كرامته والثالث أن يقارب الرجل جاريته أو زوجته فيصيبها قبل أن يحدثها ويؤانسها ويضاجعها فيقضي حاجته منها قبل أن تقضي حاجتها منه (٥) ويكره له الجماع في ثلاث ليال من الشهر الأول والآخر والنصف يقال إن الشيطان يحضر الجماع في هذه الليالي ويقال إن الشياطين يجامعون فيها وروي كراهة ذلك عن علي ومعاوية وأبي هريرة ﵃ ومن العلماء من استحب الجماع يوم الجمعة وليلته تحقيقاً لأحد التأويلين من قوله ﷺ رحم الله من غسل واغتسل (٦) الحديث ثُمَّ إِذَا قَضَى وَطَرَهُ فَلْيَتَمَهَّلْ عَلَى أَهْلِهِ حتى تقضي هي أيضاً نهمتها فإن إنزالها ربما يتأخر فيهيج شهوتها ثم القعود عنها إيذاء لها والاختلاف في طبع الإنزال يوجب التنافر مهما كان الزوج سابقاً إلى الإنزال والتوافق في وقت الإنزال ألذ عندها ليشتغل الرجل بنفسه عنها فإنها ربما تستحي وينبغي أن يأتيها في كل أربع ليال مرة فهو أعدل إذ عدد النساء أربعة فجاز التأخير إلى هذا الحد نعم ينبغي أن يزيد أو ينقص بحسب حاجتها في التحصين فإن تحصينها واجب عليه وإن كان لا يثبت المطالبة بالوطء فذلك لعسر المطالبة والوفاء بها ولا يأتيها في المحيض ولا بعد انقضائه وقبل الغسل فهو محرم بنص الكتاب وقيل إن ذلك يورث الجذام في الولد وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْتِعَ بِجَمِيعِ بَدَنِ الْحَائِضِ وَلَا يَأْتِيَهَا فِي غَيْرِ الْمَأْتَى إِذْ حَرُمَ غَشَيَانُ الحائض لأجل الأذى والأذى غَيْرِ الْمَأْتَى دَائِمٌ فَهُوَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا مِنْ إِتْيَانِ الْحَائِضِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شئتم أي أَيِّ وَقْتٍ شِئْتُمْ وَلَهُ أَنْ يَسْتَمْنِيَ بِيَدِيهَا وَأَنْ يَسْتَمْتِعَ بِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ بِمَا يَشْتَهِي سوى الوقاع وينبغي أن تتزر المرأة بإزار من حقوها إلى فوق الركبة في حال الحيض فهذا من الأدب وَلَهُ أَنْ يُؤَاكِلَ الْحَائِضَ وَيُخَالِطَهَا فِي الْمُضَاجَعَةِ وغيرها وليس عليه اجتنابها وإن أراد أن يجامع ثانياً بعد أخرى فليغسل فرجه أولاً وإن احتلم فلا يجامع حتى يغسل فرجه أو يبول ويكره الجماع في أول الليل حتى لا ينام على غير طهارة فإن أراد النوم أو الأكل فليتوضأ أولا وضوء الصلاة فذلك سنة قال ابن عمر قلت للنبي ﷺ أينام أحدنا وهو جنب قال نعم إذا توضأ (٧) ولكن قد وردت فيه رخصة قالت عائشة رضي الله

стр. 411

عنها كان النبي ﷺ ينام جنباً لم يمس ماء (١) ومهما عاد إلى فراشه فليمسح وجه فراشه أو لينفضه فإنه لا يدري ما حدث عليه بعده ولا ينبغي أن يحلق أو يقلم أو يستحد أو يخرج الدم أو يبين من نفسه جزءاً وهو جنب إذ ترد إليه سائر أجزائه في الآخرة فيعود جنباً ويقال إن كل شعرة تطالبه بجنابتها ومن الآداب أن لا يعزل بل لا يسرح إلا إلى محل الحرث وهو الرحم فَمَا مِنْ نَسَمَةٍ قَدَّرَ اللَّهُ كَوْنَهَا إِلَّا وهي كائنة (٢) هكذا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فإن عزل فقد اختلف العلماء في إباحته وكراهته على أربع مذاهب فمن مبيح مطلقاً بكل حال ومن محرم بكل حال ومن قائل يحل برضاها ولا يحل دون رضاها وكأن هذا القائل يحرم الإيذاء دون العزل ومن قائل يباح في المملوكة دون الحرة والصحيح عندنا أن ذلك مباح وأما الكراهية فإنها تطلق لنهي التحريم ولنهي التنزيه ولترك الفضيلة فهو مكروه بالمعنى الثالث أي فيه ترك فضيلة كما يقال يكره للقاعد في المسجد أن يقعد فارغاً لا يشتغل بذكر أو صلاة ويكره للحاضر في مكة مقيماً بها أن لا يحج كل سنة والمراد بهذه الكراهية ترك الأولى والفضيلة فقط وهذا ثابت لما بيناه من الفضيلة في الولد ولما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إن الرجل ليجامع أهله فيكتب له بجماعه أجر ولد ذكر قاتل في سبيل الله فقتل (٣) وإنما قال ذلك لأنه لو ولد له مثل هذا الولد لكان له أجر التسبب إليه مع أن الله تعالى خالقه ومحييه ومقويه على الجهاد والذي إليه من التسبب فقد فعله وهو الوقاع وذلك عند الإمناء في الرحم وإنما قلنا لا كراهة بمعنى التحريم والتنزيه لأن إثبات النهي إنما يمكن بنص أو قياس على منصوص ولا نص ولا أصل يقاس عليه بل ههنا أصل يقاس عليه وهو ترك النكاح أصلاً أو ترك الجماع بعد النكاح أو ترك الإنزال بعد الإيلاج فكل ذلك ترك للأفضل وليس بارتكاب نهي ولا فرق إذ الولد يتكون بوقوع النطفة في الرحم ولها أربعة أسباب النكاح ثم الوقاع ثم الصبر إلى الإنزال بعد الجماع ثم الوقوف لينصب المني في الرحم وبعض هذه الأسباب أقرب من بعض فالامتناع عن الرابع كالامتناع عن الثالث وكذا الثالث كالثاني والثاني كالأول وليس هذا كالإجهاض والوأد لأن ذلك جناية على موجود حاصل وله أيضاً مراتب وأول مراتب الوجود أن تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وإفساد ذلك جناية فإن صارت مضغةً وعلقةً كانت الجناية أفحش وإن نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشاً ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الانفصال حياً وإنما قلنا مبدأ سبب الوجود من حيث وقوع المني في الرحم لا من حيث الخروج من الإحليل لأن الولد لا يخلق من مني الرجل وحده بل من الزوجين جميعاً إما من مائه ومائها أو من مائه ودم الحيض قال بعض أهل التشريح إن المضغة تخلق بتقدير الله من دم الحيض وإن الدم منها كاللبن من الرائب وإن النطفة من الرجل شرط في خثور دم الحيض وانعقاده كالأنفحة للبن إذ بها ينعقد الرائب وكيفما كان فماء المرأة ركن في الانعقاد فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانياً على العقد بالنقض والفسخ ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفعاً وفسخاً وقطعاً وكما أن النطفة في الفقار لا يتخلق منها الولد فكذا بعد الخروج من الإحليل ما لم يمتزج بماء المرأة ودمها فهذا هو القياس الجلي

стр. 412

فإن قلت فإن لم يكن العزل مكروهاً من حيث أنه دفع لوجود الولد فلا يبعد أن يكره لأجل النية الباعثة عليه إذ لا يبعث عليه إلا نية فاسدة فيها شيء من شوائب الشرك الخفي فأقول النيات الباعثة على العزل خمس الأولى في السراري وهو حفظ الملك عن الهلاك باستحقاق العتاق وقصد استبقاء الملك بترك الإعتاق ودفع أسبابه ليس بمنهي عنه الثانية اسْتِبْقَاءُ جَمَالِ الْمَرْأَةِ وَسِمَنِهَا لِدَوَامِ التَّمَتُّعِ وَاسْتِبْقَاءُ حياتها خوفاً من خطر الطلق وهذا أيضاً ليس منهياً عنه الثالثة الْخَوْفُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَجِ بِسَبَبِ كَثْرَةِ الْأَوْلَادِ وَالِاحْتِرَازُ مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى التَّعَبِ فِي الْكَسْبِ ودخول مداخل السوء وهذا أيضاً غير منهي عنه فإن قلة الحرج معين على الدين نعم الكمال والفضل في التوكل والثقة بضمان الله حيث قال ﴿وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها﴾ ولا جرم فيه سقوط عن ذروة الكمال وترك الأفضل ولكن النظر إلى العواقب وحفظ المال وادخاره مع كونه مناقضاً للتوكل لا نقول إنه منهي عنه الرابعة الخوف من الأولاد الإناث لما يعتقد في تزويجهن من المعرة كما كانت من عادة العرب في قتلهم الإناث فهذه نية فاسدة لو ترك بسببها أصل النكاح أو أصل الوقاع أثم بها لا بترك النكاح والوطء فكذا في العزل والفساد في اعتقاد المعرة في سنة رسول الله ﷺ أشد وينزل منزلة امرأة تركت النكاح استنكافاً من أن يعلوها رجل فكانت تتشبه بالرجال ولا ترجع الكراهة إلى عين ترك النكاح الخامسة أن تمتنع المرأة لتعززها ومبالغتها في النظافة والتحرز من الطلق والنفاس والرضاع وكان ذلك عادة نساء الخوارج لمبالغتهن في استعمال المياه حتى كن يقضين صلوات أيام الحيض ولا يدخلن الخلاء إلا عراة فهذه بدعة تخالف السنة فهي نية فاسدة واستأذنت واحدة منهن على عائشة ﵂ لما قدمت البصرة فلم تأذن لها فيكون القصد هو الفاسد دون منع الولادة فإن قلت فقد قال النبي ﷺ من ترك النكاح مخافة العيال فليس منا ثلاثاً (١) قلت فالعزل كترك النكاح وقوله ليس منا أي ليس موافقاً لنا على سنتنا وطريقتنا وسنتنا فعل الأفضل فإن قلت فقد قال ﷺ في العزل ذاك الوأد الخفي وقرأ وإذا الموءودة سئلت (٢) وهذا في الصحيح قلنا وفي الصحيح أيضا أخبار صحيحة (٣) في الإباحة وقوله الوأد الخفي كقوله الشرك الخفي وذلك يوجب كراهة لا تحريماً فإن قلت فقد قال ابن عباس العزل هو الوأد الأصغر فإن الممنوع وجوده به هو الموءودة الصغرى قلنا هذا قياس منه لدفع الوجود على قطعه وهو قياس ضعيف ولذلك أنكره عليه علي ﵁ لما سمعه قال ولا تكون موءودة إلا بعد سبع أي بعد الأخرى سبعة أطوار وتلا الآية الواردة في أطوار الخلقة وهي قوله تَعَالَى وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلى قوله ثم أنشأناه خلقاً آخر أي نفخنا فيه الروح ثم تلا قوله تعالى في الآية وإذا الموءودة سئلت وإذا نظرت إلى ما قدمناه في طريق القياس والاعتبار ظهر لك تفاوت منصب علي وابن عباس ﵄ في الغوص على المعاني ودرك

стр. 413

العلوم كيف وفي المتفق عليه في الصحيحين على جابر أَنَّهُ قَالَ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ كُنَّا نَعْزِلُ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ ينهنا (١) وفيه أيضاً عن جابر أنه قال إن رجلاً أتى رسول الله ﷺ فقال إن لي جارية خادمتنا وساقيتنا في النخل وأنا أطوف عليها وأكره أن تحمل فقال ﷺ اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها فلبث الرجل ما شاء الله ثم أتاه فقال إن الجارية قد حملت فقال قد قلت سيأتيها ما قدر لها (٢) كل ذلك في الصحيحين الْحَادِيَ عَشَرَ فِي آدَابِ الْوِلَادَةِ وَهِيَ خَمْسَةٌ الْأَوَّلُ أَنْ لَا يَكْثُرَ فَرَحُهُ بِالذَّكَرِ وَحُزْنُهُ بالأنثى فإنه لا يدري الخيرة فِي أَيِّهِمَا فَكَمْ مِنْ صَاحِبِ ابْنٍ يَتَمَنَّى أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَوْ يَتَمَنَّى أَنْ يكون بنتاً بل السلامة منهن أكثر والثواب فيهن اجزل قَالَ ﷺ مَنْ كَانَ له ابنة فأدبها فأحسن تأديبها وغذاها فأحسن غذائها وأسبغ عليها من النعمة التي أسبغ الله عليه كانت له ميمنة وميسرة من النار إلى الجنة (٣) وقال ابن عباس ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما من أحد يدرك ابنتين فيحسن إليهما ما صحبتاه إلا أدخلتاه الجنة (٤) وقال أنس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كَانَتْ لَهُ ابْنَتَانِ أَوْ أُخْتَانِ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ كُنْتُ أَنَا وَهُوَ في الجنة كهاتين (٥) وقال أنس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من خرج إلى سوق من أسواق المسلمين فاشترى شيئاً فحمله إلى بيته فخص به الإناث دون الذكور نظر الله إليه ومن نظر الله إليه لم يعذبه (٦) وعن أنس قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من حمل طرفة من السوق إلى عياله فكأنما حمل إليهم صدقة حتى يضعها فيهم وليبدأ بالإناث قبل الذكور فإنه من فرح أنثى فكأنما بكى من خشية الله ومن بكى من خشيته حرم الله بدنه على النار (٧) وقال أبو هريرة قال ﷺ مَنْ كَانَتْ لَهُ ثلاث بنات أو أخوات فصبر على لأوائهن وضرائهن أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهن فقال رجل وثنتان يا رسول الله قال وثنتان فقال رجل أو واحدة فقال وواحدة (٨) الأدب الثاني أن يؤذن في أذن الولد روى رافع عن أبيه قال رأيت النبي ﷺ قد أذن في أذن الحسين حين ولدته فاطمة ﵂ (٩) وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قال من ولد له مولود فأذن في أذنه اليمنى وأقام في أذنه اليسرى دفعت عنه أم الصبيان (١٠) ويستحب أن يلقنوه أول انطلاق لسانه

стр. 414

لا إله إلا الله ليكون أول حديثه والختان في اليوم السابع ورد به خبر (١) الأدب الثالث أن تسميه اسماً حسناً فذلك من حق الولد وقال ﷺ إذا سميتم فعبدوا (٢) وقال ﷺ أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن (٣) وقال سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي (٤) قال العلماء كان ذلك في عصره ﷺ إذ كان ينادى يا أبا القاسم والآن فلا بأس نعم لا يجمع بين اسمه وكنيته وَقَدْ قَالَ ﷺ لَا تجمعوا بين اسمي وكنيتي وقيل إن هذا أيضاً كان في حياته وتسمى رجل أبا عيسى فقال ﷺ إن عيسى لا أب له (٥) فيكره ذلك والسقط ينبغي أن يسمى قال عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية بلغني أن السقط يصرخ يوم القيامة وراء أبيه فيقول أنت ضيعتني وتركتني لا اسم لي فقال عمر بن عبد العزيز كيف وقد لا يدري إنه غلام أو جارية فقال عبد الرحمن من الأسماء ما يجمعهما كحمزة وعمارة وطلحة وعتبة وقال ﷺ إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم (٦) ومن كان له اسم يكره يستحب تبديله أبدل رسول الله ﷺ اسم العاص بعبد الله (٧) وكان اسم زينب برة فقال ﷺ تزكي نفسها فسماها زينب (٨) وكذلك ورد النهي في تسمية أفلح ويسار ونافع وبركة (٩) لأنه يقال أثم بركة فيقال لا الرَّابِعُ الْعَقِيقَةُ عَنِ الذَّكَرِ بِشَاتَيْنِ وَعَنِ الْأُنْثَى بشاة ذكراً كان أو أنثى وروت عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ أمر في الغلام أن يعق بشاتين مكافئتين وفي الجارية بشاة (١٠) وروي أنه عق عن الحسن بشاة (١١) وهذا رخصة في الاقتصار على واحدة وقال ﷺ مع الغلام عقيقته فأهريقوا عنه دماً وأميطوا عنه الأذى (١٢) ومن السنة أن يتصدق بوزن شعره ذهباً أو فضةً فقد ورد فيه خبر أنه ﷺ أمر فاطمة ﵂ يوم سابع حسين أن تحلق شعره وتتصدق بزنة شعره فضة (١٣)

стр. 415

قالت عائشة ﵄ لا يكسر للعقيقة عظم الخامس أن يحنكه بتمرة أو حلاوة وروي عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت ولدت عبد الله بن الزبير بقباء ثم أتيت به رسول الله ﷺ فوضعته في حجره ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه (١) فكان أول شيء دخل جوفه ربق رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ حنكه بتمرة ثم دعا له وبرك عليه وكان أول مولود ولد في الإسلام ففرحوا به فرحاً شديداً لأنهم قيل لهم إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم الثاني عشر في الطلاق وليعلم أنه مباح ولكنه أَبْغَضُ الْمُبَاحَاتِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا يَكُونُ مباحاً إذا لم يكن فيه إِيذَاءٌ بِالْبَاطِلِ وَمَهْمَا طَلَّقَهَا فَقَدْ آذَاهَا وَلَا يُبَاحُ إِيذَاءُ الْغَيْرِ إِلَّا بِجِنَايَةٍ مِنْ جَانِبِهَا أو بضرورة من جانبه قال الله تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أَيْ لَا تَطْلُبُوا حِيلَةً لِلْفِرَاقِ وَإِنْ كَرِهَهَا أبوه فليطلقها قال ابن عمر ﵄ كان تحتي امرأة أحبها وكان أبي يكرهها ويأمرني بطلاقها فراجعت رسول الله ﷺ فقال يا ابن عمر طلق امرأتك (٢) فهذا يدل على أن حق الوالد مقدم ولكن والد يكرهها لا لغرض فاسد مثل عمر وَمَهْمَا آذَتْ زَوْجَهَا وَبَذَتْ عَلَى أَهْلِهِ فَهِيَ جَانِيَةٌ وَكَذَلِكَ مَهْمَا كَانَتْ سَيِّئَةَ الْخُلُقِ أَوْ فاسدة الدين قال ابن مسعود في قوله تعالى ﴿ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ مهما بذت على أهله وآذت زوجها فهو فاحشة وهذا أريد به في العدة ولكنه تنبيه على المقصود وَإِنْ كَانَ الْأَذَى مِنَ الزَّوْجِ فَلَهَا أَنْ تفتدي ببذل مال يكره لِلرَّجُلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى فَإِنَّ ذَلِكَ إِجْحَافٌ بِهَا وَتَحَامُلٌ عَلَيْهَا وَتِجَارَةٌ عَلَى الْبُضْعِ قَالَ تَعَالَى ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فيما افتدت به﴾ فَرَدُّ مَا أَخَذَتْهُ فَمَا دُونَهُ لَائِقٌ بِالْفِدَاءِ فَإِنْ سَأَلَتِ الطَّلَاقَ بِغَيْرِ مَا بَأْسٍ فَهِيَ آثمة قَالَ ﷺ أَيُّمَا امْرَأَةٍ سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس لم ترح رائحة الجنة (٣) وفي لفظ آخر فالجنة عليها حرام وفي لفظ آخر أنه ﷺ قال المختلعات هن المنافقات (٤) ثُمَّ لِيُرَاعِ الزَّوْجُ فِي الطَّلَاقِ أَرْبَعَةَ أُمُورٍ الْأَوَّلُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوِ الطُّهْرِ الذي جامع يدعى حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ وَاقِعًا لِمَا فِيهِ مِنْ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُرَاجِعْهَا طلق ابن عمر زوجته في الحيض فقال ﷺ لعمر مره فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء (٥) وإنما أمره بالصبر بعد الرجعة طهرين لئلا يكون مقصود الرجعة الطلاق فقط الثاني أن يقتصر على طلقة واحدة فلا يجمع بين الثلاث لأن الطلقة الواحدة بعد العدة تُفِيدُ الْمَقْصُودَ وَيَسْتَفِيدُ بِهَا الرَّجْعَةَ إِنْ نَدِمَ في العدة وتجديد النكاح إن أراد بعد الْعِدَّةِ وَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا رُبَّمَا نَدِمَ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يَتَزَوَّجَهَا مُحَلِّلٌ وَإِلَى الصَّبْرِ مُدَّةً وَعَقْدُ الْمُحَلِّلِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَيَكُونُ هُوَ السَّاعِيَ فيه ثم يكون قلبه معلقاً بزوجة الغير وتطليقه أعني زوجة المحلل بعد أن زوج منه ثم يورث ذلك تنفيراً من الزوجة وكل ذلك ثمرة الجمع وفي الواحدة

стр. 416

كفاية في المقصود من غير محذور ولست أقول الجمع حرام لكنه مكروه بهذه المعاني وأعني بالكراهة تركه النظر لنفسه الثَّالِثُ أَنْ يَتَلَطَّفَ فِي التَّعَلُّلِ بِتَطْلِيقِهَا مِنْ غَيْرِ تَعْنِيفٍ وَاسْتِخْفَافٍ وَتَطْيِيبِ قَلْبِهَا بِهَدِيَّةٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِمْتَاعِ وَالْجَبْرِ لِمَا فَجَعَهَا بِهِ مِنْ أذى الفراق قال تعالى ﴿ومتعوهن﴾ وذلك واجب مهما لم يسم لها مهر في أصل النكاح كان الحسن بن علي ﵄ مطلاقاً ومنكاحاً ووجه ذات يوم بَعْضَ أَصْحَابِهِ لِطَلَاقِ امْرَأَتَيْنِ مِنْ نِسَائِهِ وَقَالَ قُلْ لَهُمَا اعْتَدَّا وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَى كل واحدةً عشرة آلاف درهم ففعل فلما رجع إليه قال ماذا فعلتا قال أما إحداهما فنكست رأسها وتنكست وأما الأخرى فبكت وانتحبت وسمعتها تقول متاع قليل من حبيب مفارق فأطرق الحسن وترحم لها وقال لو كنت مراجعاً امرأةً بعد ما فارقتها لراجعتها ودخل الحسن ذات يوم على عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقيه المدينة ورئيسها ولم يكن له بالمدينة نظير وبه ضربت المثل عائشة ﵂ حيث قالت لو لم أسر مسيري ذلك لكان أحب إلي من أن يكون لي ستة عشراً ذكراً من رسول الله ﷺ مثل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فدخل عليه الحسن في بيته فعظمه عبد الرحمن وأجلسه في مجلسه وقال ألا أرسلت إلي فكنت أجيئك فقال الحاجة لنا قال وما هي قال جئتك خاطباً ابنتك فأطرق عبد الرحمن ثم رفع رأسه وقال والله ما على وجه الأرض أحد يمشي عليها أعز علي منك ولكنك تعلم أن ابنتي بضعة مني يسوءني ما ساءها ويسرني ما سرها وأنت مطلاق فأخاف أن تطلقها وإن فعلت خشيت أن يتغير قلبي في محبتك وأكره أن يتغير قلبي عليك فأنت بضعة من رسول الله ﷺ فإن شرطت أن لا تطلقها زوجتك فسكت الحسن وقام وخرج وقال بعض أهل بيته سمعته وهو يمشي ويقول ما أراد عبد الرحمن إلا أن يجعل ابنته طوقاً في عنقي وكان علي ﵁ يضجر من كثرة تطليقه فكان يعتذر منه على المنبر ويقول في خطبته إن حسناً مطلاقاً فلا تنكحوه حتى قام رجل من همدان فقال والله يا أمير المؤمنين لننكحنه ما شاء فإن أحب أمسك وإن شاء ترك فسر ذلك علياً وقال لو كنت بواباً على باب جنة ... لقلت لهمدان ادخلي بسلام وهذا تنبيه على أن من طعن في حبيبه من أهل وولد بنوع حياء فلا ينبغي أن يوافق عليه فهذه الموافقة قبيحة بل الأدب المخالفة ما أمكن فإن ذلك أسر لقلبه وأوفق لباطن ذاته والقصد من هذا بيان أن الطلاق مباح وقد وعد الله الغنى في الفراق والنكاح جميعاً فقال ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ وقال ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته﴾ الرَّابِعُ أَنْ لَا يُفْشِيَ سِرَّهَا لَا فِي الطَّلَاقِ وَلَا عِنْدَ النِّكَاحِ فَقَدْ وَرَدَ فِي إفشاء سر النساء في الخبر الصحيح وعيد عظيم (١) ويروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأة فقيل له ما الذي يريبك فيها فقال العاقل لا يهتك ستر امرأته فلما طلقها قيل له لم طلقتها فقال مالي ولا مرأة غيري فهذا بيان ما على الزوج القسم الثاني من هذا الباب النظر في حقوق الزوج عليها والقول الشافي فيه أن النكاح نوع رق فهي رقيقة له فعليها طاعة الزوج مطلقاً في كل ما طلب منها في نفسها مما لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ فِي تَعْظِيمِ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَيْهَا أَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ قَالَ ﷺ أيما امرأة

стр. 417

ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة (١) وكان رجل قد خرج إلى سفر وعهد إلى امرأته أن لا تنزل من العلو إلى السفل وكان أبوها في الأسفل فمرض فأرسلت المرأة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تستأذن في النزول إلى أبيها فقال ﷺ أطيعي زوجك فمات فاستأمرته فقال أطيعي زوجك فدفن أبوها فأرسل رسول الله ﷺ إليها يخبرها أن الله قد غفر لأبيها بطاعتها لزوجها (٢) وَقَالَ ﷺ إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زوجها دخلت جنة ربها (٣) وأضاف طاعة الزوج إلى مباني الإسلام وذكر رسول الله ﷺ النساء فقال حاملات والدات مرضعات رحيمات بأولادهن لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتهن الجنة (٤) وقال ﷺ اطلعت في النار فإذا أكثر أهلها النساء فقلن لم يا رسول الله قال يكثرن اللعن ويكفرن العشير (٥) يعني الزوج المعاشر وفي خبر آخر اطلعت في الجنة فإذا أقل أهلها النساء فقلت أين النساء قال شغلهن الأحمران الذهب والزعفران (٦) يعني الحلي ومصبغات الثياب وقالت عائشة ﵂ أتت فتاة إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني فتاة أخطب فأكره التزويج فما حق الزوج على المرأة قال لو كان من فرقه إلى قدمه صديد فلحسته ما أدت شكره قالت أفلا أتزوج قال بلى تزوجي فإنه خير (٧) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالت إني امرأة أيم وأريد أن تزوج فَمَا حَقُّ الزَّوْجِ قَالَ إِنَّ مِنْ حَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ إِذَا أَرَادَهَا فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ بَعِيرٍ لَا تَمْنَعُهُ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا تُعْطِيَ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ ذَلِكَ كَانَ الْوِزْرُ عَلَيْهَا وَالْأَجْرُ لَهُ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ لَا تَصُومَ تَطَوُّعًا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ فَعَلَتْ جَاعَتْ وَعَطِشَتْ وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنْهَا وَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى ترجع إلى بيته أو تتوب (٨) وقال ﷺ لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها (٩) وَقَالَ ﷺ أَقْرَبُ مَا تكون المرأة من وجه ربها إذا كانت في قعر بيتها وإن صلاتها في صحن دارها أفضل من صلاتها في المسجد وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها وصلاتها

стр. 418

في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها (١) والمخدع بيت في بيت وذلك للستر ولذلك قال ﷺ والمرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان (٢) وقال أيضاً للمرأة عشر عورات فإذا تزوجت ستر الزوج عورة واحدة فإذا ماتت ستر القبر العشر عورات (٣) فَحُقُوقُ الزَّوْجِ عَلَى الزَّوْجَةِ كَثِيرَةٌ وَأَهَمُّهَا أَمْرَانِ أحدهما الصيانة والستر والآخر ترك المطالبة بما وَرَاءَ الْحَاجَةِ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ كَسْبِهِ إِذَا كَانَ حراماً وهكذا كانت عادة النساء في السلف كان الرجل إذا خرج من منزله تقول له امرأته أو ابنته إياك وكسب الحرام فإنا نصبر على الجوع والضر ولا نصبر على النار وهم رجل من السلف بالسفر فكره جيرانه سفره فقالوا لزوجته لم ترضين بسفره ولم يدع لك نفقة فقالت زوجي منذ عرفته عرفته أكالاً وما عرفته رزاقا ولي رب رزاق يذهب الأكال ويبقى الرزاق وخطبت رابعة بنت إسماعيل أحمد بن أبي الحواري فكره ذلك لما كان فيه من العبادة وقال لها والله مالي همة في النساء لشغلي بحالي فقالت إني لأشغل بحالي منك ومالي شهوة ولكن ورثت مالاً جزيلاً من زوجي فأردت أن تنفقه على إخوانك وأعرف بك الصالحين فيكون لي طريقاً إلى الله فقال حتى استأذن أستاذي فرجع إلى أبي سليمان الداراني قال وكان ينهاني عن التزويج ويقول ما تزوج أحد من أصحابنا إلا تغير فلما سمع كلامها قال تزوج بها فإنها ولية لله هذا كلام الصديقين قال فتزوجتها فكان في منزلنا كن من جص ففني من غسل أيدي المستعجلين للخروج بعد الأكل فضلاً عمن غسل بالأشنان قال وتزوجت عليها ثلاث نسوة فكانت تطعمني الطيبات وتطيبني وتقول اذهب بنشاطك وقوتك إلى أزواجك وكانت رابعة هذه تشبه في أهل الشام برابعة العدوية بالبصرة ومن الواجبات عليها أن لا تفرط في ماله بل تحفظه عليه قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يحل لها أن تطعم من بيته إلا بإذنه إلا الرطب من الطعام الذي يخاف فساده فإن أطعمت عن رضاه كان لها مثل أجره وإن أطعمت بغير إذنه كان له الأجر وعليها الوزر (٤) وَمِنْ حَقِّهَا عَلَى الْوَالِدَيْنِ تَعْلِيمُهَا حُسْنَ الْمُعَاشَرَةِ وَآدَابَ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ أسماء بنت خارجة الفزاري قالت لأبنتها عِنْدَ التَّزَوُّجِ إِنَّكِ خَرَجْتِ مِنَ الْعُشِّ الَّذِي فيه درجت فصرت إلى فراش لم تعرفيه وقرين لم تألفيه فَكُونِي لَهُ أَرْضًا يَكُنْ لَكِ سَمَاءً وَكُونِي لَهُ مِهَادًا يَكُنْ لَكِ عِمَادًا وَكُونِي لَهُ أَمَةً يَكُنْ لَكِ عَبْدًا لَا تُلْحِفِي بِهِ فَيَقْلَاكِ وَلَا تَبَاعَدِي عَنْهُ فَيَنْسَاكِ إِنْ دَنَا مِنْكِ فَاقْرَبِي مِنْهُ وَإِنْ نَأَى فَابْعُدِي عَنْهُ وَاحْفَظِي أَنْفَهُ وَسَمْعَهُ وَعَيْنَهُ فَلَا يَشُمَّنَّ مِنْكِ إِلَّا طَيِّبًا وَلَا يَسْمَعُ إِلَّا حُسْنًا وَلَا ينظر إلا جميلاً وقال رجل لزوجته خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

стр. 419

ولا تنقريني نقرك الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب ولا تكثري الشكوى فتذهب بالهوى ... ويأباك قلبي والقلوب تقلب فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب فَالْقَوْلُ الْجَامِعُ فِي آدَابِ الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ أَنْ تَكُونَ قَاعِدَةً فِي قَعْرِ بَيْتِهَا لَازِمَةً لِمِغْزَلِهَا لَا يَكْثُرَ صُعُودُهَا وَاطِّلَاعُهَا قَلِيلَةَ الْكَلَامِ لِجِيرَانِهَا لَا تَدْخُلَ عَلَيْهِمْ إِلَّا فِي حَالٍ يُوجِبُ الدُّخُولَ تَحْفَظَ بَعْلَهَا فِي غَيْبَتِهِ وَتَطْلُبَ مَسَرَّتَهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهَا وَلَا تَخُونَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ وَلَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِنْ خَرَجَتْ بِإِذْنِهِ فَمُخْتَفِيَةً فِي هيئة رئة تَطْلُبُ الْمَوَاضِعَ الْخَالِيَةَ دُونَ الشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ مُحْتَرِزَةً مِنْ أَنْ يَسْمَعَ غَرِيبٌ صَوْتَهَا أَوْ يَعْرِفَهَا بِشَخْصِهَا لَا تَتَعَرَّفَ إِلَى صَدِيقِ بَعْلِهَا فِي حَاجَاتِهَا بَلْ تَتَنَكَّرَ عَلَى مَنْ تَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهَا أَوْ تَعْرِفُهُ هَمُّهَا صَلَاحُ شَأْنِهَا وَتَدْبِيرُ بَيْتِهَا مُقْبِلَةٌ عَلَى صَلَاتِهَا وَصِيَامِهَا وَإِذَا اسْتَأْذَنَ صَدِيقٌ لِبَعْلِهَا عَلَى الْبَابِ وَلَيْسَ الْبَعْلُ حَاضِرًا لَمْ تَسْتَفْهِمْ وَلَمْ تُعَاوِدْهُ فِي الْكَلَامِ غَيْرَةً عَلَى نَفْسِهَا وَبَعْلِهَا وَتَكُونَ قَانِعَةً مِنْ زَوْجِهَا بِمَا رَزَقَ اللَّهُ وَتُقَدِّمَ حَقَّهُ عَلَى حَقِّ نفسها وحق سائر أقاربها منتظفة فِي نَفْسِهَا مُسْتَعِدَّةً فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا لِلتَّمَتُّعِ بها إِنْ شَاءَ مُشْفِقَةً عَلَى أَوْلَادِهَا حَافِظَةً لِلسِّتْرِ عَلَيْهِمْ قَصِيرَةَ اللِّسَانِ عَنْ سَبِّ الْأَوْلَادِ وَمُرَاجَعَةِ الزوج وقد قال ﷺ أنا وامرأة سفعاء الخدين كهاتين في الجنة امرأة آمت من زوجها وحبست نفسها على بناتها حتى ثابوا أو ماتوا (١) وقال ﷺ حرم الله على كل آدمي الجنة يدخلها قبلي غير أني أنظر عن يميني فإذا امرأة تبادرني إلى باب الجنة فأقول ما لهذه تبادرني فيقال لي يا محمد هذه امرأة كانت حسناء جميلة وكان عندها يتامى لها فصبرت عليهن حتى بلغ أمرهن الذي بلغ فشكر الله لها ذلك (٢) وَمِنْ آدَابِهَا أَنْ لَا تَتَفَاخَرَ عَلَى الزَّوْجِ بجمالها ولا تزدري زوجها لقبحه فقد روي أن الأصمعي قال دخلت البادية فإذا أنا بامرأة من أحسن الناس وجهاً تحت رجل من أقبح الناس وجهاً فقلت لها يا هذه أترضين لنفسك أن تكوني تحت مثله فقالت يا هذا اسكت فقد أسأت في قولك لعله أحسن فيما بينه وبين خالقه فجعلني ثوابه أو لعلي أسأت فيما بيني وبين خالقي فجعله عقوبتي أفلا أرضى بما رضي الله لي فأسكتتني وقال الأصمعي رأيت في البادية امرأة عليها قميص أحمر وهي مختضبة وبيدها سبحة فقلت ما أبعد هذا من هذا فقالت ولله مني جانب لا أضيعه ... وللهو مني والبطالة جانب فعلمت أنها امرأة صالحة لها زوج تتزين له ومن آداب المرأة مُلَازَمَةُ الصَّلَاحِ وَالِانْقِبَاضِ فِي غَيْبَةِ زَوْجِهَا وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّعِبِ وَالِانْبِسَاطِ وَأَسْبَابِ اللَّذَّةِ فِي حُضُورِ زوجها ولا ينبغي أن تؤذي زوجها بحال روي عن معاذ ابن جبل قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين لا تؤذيه قاتلك الله فإنما هو عندك دخيل يوشك أن يفارقك إلينا (٣) وَمِمَّا يَجِبُ عَلَيْهَا مِنْ حُقُوقِ النِّكَاحِ إِذَا مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ لَا تُحِدَّ عَلَيْهِ أكثر من أربعة أشهر وعشر وتتجنب الطيب والزينة في هذه المدة قالت زينب بنت أبي سلمة دخلت على أم حبيبة زوج النبي ﷺ حين توفى أبوها أبو سفيان بن حرب

стр. 420

فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره فدهنت به جارية ثم مست بعارضيها ثم قالت والله ما لي بالطيب من حاجة غير إني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (١) وَيَلْزَمُهَا لُزُومُ مَسْكَنِ النِّكَاحِ إِلَى آخِرِ الْعِدَّةِ وَلَيْسَ لَهَا الِانْتِقَالُ إِلَى أَهْلِهَا وَلَا الْخُرُوجُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَمِنْ آدَابِهَا أَنْ تَقُومَ بِكُلِّ خدمة في الدار تقدر عليها فقد روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ أنها قالت تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل إلى أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني (٢) ولقيني رسول الله ﷺ يوماً ومعه أصحابه والنوى على رأسي فقال ﷺ أخ أخ لينيخ ناقته ويحملني خلفه فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله ﷺ إني قد استحييت فجئت الزبير فحكيت له ما جرى فقال والله لحملك النوى على رأسك أشد علي من ركوبك معه تم كتاب آداب النكاح بحمد الله ومنه وصلى الله على كل عبد مصطفى كتاب آداب الكسب والمعاش وهو الكتاب الثالث من ربع العادات من كتاب إحياء علوم الدين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ نحمد الله حمد موحد انمحق في توحيده ما سوى الواحد الحق وتلاشر ونمجده تمجيد من يصرح بأن كل شيء ما سوى الله باطل ولا يتحاشى وأن كل من في السموات والأرض لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ولا فراشا ونشكره إذ رفع السماء لعباده سقفاً مبنيا ومهد الأرض بساطا لهم وفراشا وكور الليل على النهار فجعل الليل لباسا والنهار معاشا لينتشروا في إبتغاء فضله وينتعشوا به عن ضراعة الحاجات انتعاشا ونصلي على رسوله الذي يصدر المؤمنون عن حوضه رواء بعد ورودهم عليه عطاشاً وعلى آله وأصحابه الذين لم يدعوا في نصرة دينه تشمراً وانكماشاً وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فإن رب الأرباب ومسبب الأسباب جعل الآخرة دار الثواب والعقاب والدنيا دار التمحل والاضطراب والتشمر والاكتساب وليس التشمر في الدنيا مقصوراً على المعاد دون المعاش بل المعاش ذريعة إلى المعاد ومعين عليه فالدنيا مزرعة الآخرة ومدرجة إليها والناس ثلاثة رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الفائزين والأقرب إلى الاعتدال هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المفتصدين ولن ينال رتبة

стр. 421

الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد ولن ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة وها نحن نورد آداب التجارات والصناعات وضروب الاكتسابات وسننها ونشرحها في خمسة أبواب الباب الأول فضل الكسب والحث عليه الباب الثاني في علم صحيح البيع والشراء والمعاملات الباب الثالث في بيان العدل في المعاملة الباب الرابع في بيان الإحسان فيها الباب الخامس في شفقة التاجر على نفسه ودينه الباب الأول في فَضْلُ الْكَسْبِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فقوله تعالى وجعلنا النهار معاشاً فَذَكَرَهُ فِي مَعْرِضِ الِامْتِنَانِ وَقَالَ تَعَالَى وَجَعَلْنَا لكم فيها معايش قليلاً ما تشكرون فَجَعَلَهَا رَبُّكَ نِعْمَةً وَطَلَبَ الشُّكْرَ عَلَيْهَا وَقَالَ تعالى ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم وقال تعالى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وَقَالَ تَعَالَى فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فضل الله وأما الأخبار فَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ الذنوب ذنوب لا يكفرها إلا الهم في طلب المعيشة (١) وقال ﷺ التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع الصديقين والشهداء (٢) وقال ﷺ من طلب الدنيا حلالا وتعففا عن المسئلة وسعياً على عياله وتعطفاً على جاره لقي الله ووجهه كالقمر ليلة البدر (٣) وَكَانَ ﷺ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَظَرُوا إِلَى شَابٍّ ذِي جَلَدٍ وَقُوَّةٍ وَقَدْ بَكَّرَ يَسْعَى فَقَالُوا وَيْحَ هَذَا لَوْ كَانَ شَبَابُهُ وَجَلَدُهُ فِي سَبِيلِ الله فَقَالَ ﷺ لَا تَقُولُوا هذا فإنه إن كان يسعى على نفسه ليكفها عن المسئلة ويغنيها عن الناس فهو في سبيل الله وإن كان يسعى على أبوين ضعيفين أو ذرية ضعاف ليغنيهم ويكفيهم فهو في سبيل الله وإن كان يسعى تفاخراً وتكاثراً فهو في سبيل الشيطان (٤) وَقَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يحب العبد يتخذ المهنة ليستغني بها عن الناس ويبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة (٥) وفي الخبر إن الله تعالى يحب المؤمن المحترف (٦) وقال ﷺ أحل ما أكل الرجل من كسبه وكل بيع مبرور (٧)

стр. 422

وفي خبر آخر أحل ما أكل العبد كسب يد الصانع إذا نصح (١) وقال ﷺ عليكم بالتجارة فإن فيها تسعة أعشار الرزق (٢) وروي أن عيسى ﵇ رأى رجلاً فقال ما تصنع قال أتعبد قال من يعولك قال أخي قال أخوك أعبد منك وقال نبينا ﷺ إني لا أعلم شيئاً يقربكم من الجنة ويبعدكم من النار إلا أمرتكم به وإني لا أعلم شيئاً يبعدكم من الجنة ويقربكم من النار إلا نهيتكم عنه وإن الروح الأمين نفث في روعى إن نفساً لن تموت حتى تستوفي رزقها وإن أبطأ عنها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أمر بالإجمال في الطلب ولم يقل اتركوا الطلب ثم قال في آخره ولا يحملنكم استبطاء شيء من الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله تعالى فإن الله لا ينال ما عنده بمعصيته (٣) وقال ﷺ الأسواق موائد الله تعالى فمن أتاها أصاب منها (٤) وقال ﷺ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ له أعطاه أو منعه (٥) وقال من فتح على نفسه باباً من السؤال فتح الله عليه سبعين باباً من الفقر (٦) وأما الآثار فقد قال لقمان الحكيم لابنه يا بني استغن بالكسب الحلال عن الفقر فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال رقة في دينه وضعف في عقله وذهاب مروءته وأعظم من هذه الثلاث استخفاف الناس به وَقَالَ عمر ﵁ لَا يَقْعُدُ أحدكم عن طلب الرزق يقول اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي فَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ السَّمَاءَ لَا تمطر ذهباً ولا فضة وكان زيد بن مسلمة يغرس في أرضه فقال له عمر ﵁ أصبت استغن عن الناس يكن أصون لدينك وأكرم لك عليهم كما قال صاحبكم أحيحة فلن أزال على الزوراء أغمرها ... إن الكريم على الإخوان ذو المال وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁ إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرَى الرَّجُلَ فَارِغًا لَا فِي أمر دنياه ولا في أمر آخرته وسئل إبراهيم عن التاجر الصدوق أهو أحب إليك أم المتفرغ للعبادة قال التاجر الصدوق أحب إلي لأنه في جهاد يأتيه الشيطان من طريق المكيال والميزان ومن قبل الأخذ والعطاء فيجاهده وخالفه الحسن البصري في هذا وقال عمر ﵁ ما من موضع يأتيني الموت فيه أحب إلي من موطن أتسوق فيه لأهلي أبيع وأشتري وقال الهيثم ربما يبلغني عن الرجل يقع في فأذكر استغنائي عنه فيهون ذلك علي وقال أيوب كسب فيه شيء أحب إلي من سؤال الناس وجاءت ريح عاصفة في البحر فقال أهل السفينة لإبراهيم بن أدهم ﵀ وكان معهم فيها أما ترى هذه الشدة فقال ما هذه الشدة وإنما الشدة الحاجة إلى الناس وقال أيوب قال لي أبو قلابة الزم السوق فإن الغنى من العافية يعني الغنى عن الناس وقيل لأحمد ما تقول فيمن جلس في بيته

стр. 423

أَوْ مَسْجِدِهِ وَقَالَ لَا أَعْمَلُ شَيْئًا حَتَّى يَأْتِيَنِي رِزْقِي فَقَالَ أحمد هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ الْعِلْمَ أَمَا سَمِعَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ اللَّهَ جَعَلَ رِزْقِي تَحْتَ ظل رمحي (١) وقوله ﷺ حين ذكر الطير فقال تغذو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا (٢) فَذَكَرَ أَنَّهَا تَغْدُو فِي طَلَبِ الرِّزْقِ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَتَّجِرُونَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ويعملون في نخيلهم والقدوة بهم وقال أبو قلابة لرجل لأن أراك تطلب معاشك أحب إلي من أن أراك في زاوية المسجد وروي أن الأوزاعي لقي إبراهيم بن أدهم ﵏ وعلى عنقه حزمة حطب فقال له يا أبا إسحق إلى متى هذا إخوانك يكفونك فقال دعني عن هذا يا أبا عمرو فإنه بلغني أنه من وقف موقف مذلة في طلب الحلال وجبت له الجنة وقال أبو سليمان الداراني ليس العبادة عندنا أن تصف قدميك وغيرك يقوت لك ولكن ابدأ برغيفيك فأحرزهما ثم تعبد وقال معاذ بن جبل ﵁ ينادي مناد يوم القيامة أين بغضاء الله في أرضه فيقوم سؤال المساجد فهذه مذمة الشرع للسؤال والاتكال على كفاية الأغيار وَمَنْ لَيْسَ لَهُ مَالٌ مَوْرُوثٌ فَلَا يُنْجِيهِ من ذلك إلا الكسب والتجارة فإن قلت فقد قال ﷺ ما أوحي إلي أن أجمع المال وكن من التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (٣) وقيل لسلمان الفارسي أوصنا فقال من استطاع منكم أن يموت حاجاً أو غازياً أو عامراً لمسجد ربه فليفعل ولا يموتن تاجرا ولا خائناً فالجواب أن وجه الجمع بين هذه الأخبار تفصيل الأحوال فنقول لسنا نقول التجارة أفضل مطلقاً من كل شيء ولكن التجارة إما أن تطلب بها الكفاية أو الثروة أو الزيادة على الكفاية فإن طلب منها الزيادة على الكفاية لاستكثار المال وادخاره لا ليصرف إلى الخيرات والصدقات فهي مذمومة لأنه إقبال على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة فإن كان مع ذلك ظالماً خائناً فهو ظلم وفسق وهذا ما أراده سلمان بقوله لا تمت تاجراً ولا خائناً وأراد بالتاجر طالب الزيادة فأما إذا طلب بها الكفاية لنفسه وأولاده وكان يقدر على كفايتهم بالسؤال فالتجارة تعففاً عن السؤال أفضل وإن كان لا يحتاج إلى السؤال وكان يعطى عن غير سؤال فالكسب أفضل لأنه إنما يعطى لأنه سائل بلسان حاله ومناد بين الناس بفقره فالتعفف والتستر أوفى من البطالة بل من الاشتغال بالعبادات البدنية وترك الكسب أفضل لأربعة عابد بالعبادات البدنية أو رجل له سير بالباطن وعمل بالقلب في علوم الأحوال والمكاشفات أو عالم مُشْتَغِلٍ بِتَرْبِيَةِ عِلْمِ الظَّاهِرِ مِمَّا يَنْتَفِعُ النَّاسُ به في دينهم كالمفتي وَالْمُفَسِّرِ وَالْمُحَدِّثِ وَأَمْثَالِهِمْ أَوْ رَجُلٍ مُشْتَغِلٍ بِمَصَالِحِ المسلمين وقد تكفل بأمورهم كالسلطان والقاضي والشاهد فهؤلاء إذا كانوا يُكْفَوْنَ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُرْصَدَةِ لِلْمَصَالِحِ أَوِ الْأَوْقَافِ الْمُسْبَلَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوِ الْعُلَمَاءِ فَإِقْبَالُهُمْ عَلَى مَا هُمْ فِيهِ أَفْضَلُ مِنِ اشْتِغَالِهِمْ بِالْكَسْبِ ولهذا أوحي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين ولم يوح إليه أن كن من التاجرين لأنه كان جامعاً لهذه المعاني الأربعة إلى زيادات لا يحيط بها الوصف وَلِهَذَا أَشَارَ الصَّحَابَةُ عَلَى أبي بكر ﵃ بِتَرْكِ التِّجَارَةِ لَمَّا وَلِيَ الْخِلَافَةَ إِذْ كَانَ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ الْمَصَالِحِ وَكَانَ يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ مِنْ مَالِ الْمَصَالِحِ وَرَأَى ذَلِكَ أَوْلَى ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَ أَوْصَى بِرَدِّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَلَكِنَّهُ رَآهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَوْلَى ولهؤلاء الأربعة حالتان أخريان أحداهما

стр. 424

أن تكون كفايتهم عند ترك المكسب من أيدي الناس وما يتصدق به عليهم من زكاة أو صدقة من غير حاجة إلى سؤال فترك الكسب والاشتغال بما هم فيه أولى إذ فيه إعانة الناس على الخيرات وقبول منهم لما هو حق عليهم وأفضل لهم الحالة الثانية الحاجة إلى السؤال وهذا في محل النظر والتشديدات التي رويناها في السؤال وذمه تدل ظاهراً على أن التعفف عن السؤال أولى وإطلاق القول فيه من غير ملاحظة الأحوال والأشخاص عسير بل هو موكول إلى اجتهاد العبد ونظره لنفسه بأن يقابل ما يلقي في السؤال من المذلة وهتك المروءة والحاجة إلى التثقيل والإلحاح بما يحصل من اشتغاله بالعلم والعمل من الفائدة له ولغيره فرب شخصٍ تكثر فائدة الخلق وفائدته في اشتغاله بالعلم أو العمل ويهون عليه بأدنى تعريض في السؤال تحصيل الكفاية وربما يكون بالعكس وربما يتقابل المطلوب والمحذور فينبغي أن يستفتي المريد فيه قلبه وإن أفتاه المفتون فإن الفتاوى لا تحيط بتفاصيل الصور ودقائق الأحوال ولقد كان في السلف من له ثلثمائة وستون صديقا ينزل على كل واحد منهم ليلة ومنهم من له ثلاثون وكانوا يشتغلون بالعبادة لعملهم بأن المتكلفين بهم يتقلدون منة من قبولهم لمبراتهم فكان قبولهم لمبراتهم خيراً مضافاً لهم إلى عباداتهم فينبغي أن يدقق النظر في هذه الأمور فإن أجر الآخذ كأجر المعطي مهما كان الآخذ يستعين به على الدين والمعطي يعطيه عن طيب قلب ومن اطلع على هذه المعاني أمكنه أن يتعرف حال نفسه ويستوضح من قلبه ما هو الأفضل له بالإضافة إلى حاله ووقته فهذه فضيلة الكسب وليكن العقد الذي به الاكتساب جامعاً لأربعة أمور الصحة والعدل والإحسان والشفقة على الدين ونحن نعقد في كل واحد باباً ونبتدئ بذكر أسباب الصحة في الباب الثاني الباب الثاني في علم الكسب بطريق البيع والربا والسلم والإجارة والقراض والشركة وبيان شروط الشرع في صحة هذه التصرفات التي هي مدار المكاسب في الشرع اعلم أن تحصيل علم هذا الباب واجب على كل مسلم مكتسب لأن طلب العلم فريضة على كل مسلم وإنما هو طلب العلم المحتاج إليه والمكتسب يحتاج إلى علم الكسب ومهما حصل علم هذا الباب وقف على مفسدات المعاملة فيتقيها وما شذ عنه من الفروع المشكلة فيقع على سبب إشكالها فيتوقف فيها إلى أن يسأل فإنه إذا لم يعلم أسباب الفساد بعلم جملي فلا يدري متى يجب عليه التوقف والسؤال ولو قال لا أقدم العلم ولكني أصبر إلى أن تقع لي الواقعة فعندها أتعلم وأستفتي فيقال له وبم تعلم وقوع الواقعة مهما لم تعلم جمل مفسدات العقود فإنه يستمر في التصرفات ويظنها صحيحة مباحة فلا بد له من هذا القدر من علم التجارة ليتميز له المباح عن المحظور وموضع الإشكال عن موضع الوضوح ولذلك روي عن عمر ﵁ أنه كان يطوف السوق ويضرب بعض التجار بالدرة ويقول لا يبيع في سوقنا إلا من يفقه وإلا أكل الربا شاء أم أبى وعلم العقود كثير ولكن هذه العقود الستة لا تنفك المكاسب عنها وهي البيع والربا والسلم والإجارة والشركة والقراض فلنشرح شروطها العقد الأول البيع وقد أحله الله تعالى وله ثلاثة أركان العاقد والمعقود عليه واللفظ الركن الأول العاقد ينبغي للتاجر أن لا يعامل بالبيع أربعة الصبي والمجنون والعبد والأعمى لأن الصبي غير مكلف وكذا المجنون وبيعهما باطل فلا يصح بيع الصبي وإن أذن له فيه الولي عند الشافعي وما أخذه منهما مضمون عليه لهما

стр. 425

وما سلمه في المعاملة إليهما فضاع في أيديهما فهو المضيع له وأما العبد العاقل فلا يصح بيعه وشراؤه إلا بإذن سيده فعلى البقال والخباز والقصاب وغيرهم أن لا يعاملوا العبيد ما لم تأذن لهم السادة في معاملتهم وذلك بأن يسمعه صريحاً أو ينتشر في البلد أنه مأذون له في الشراء لسيده وفي البيع له فيعول على الاستفاضة أو على قول عدل يخبره بذلك فإن عامله بغير إذن السيد فعقده باطل وما أخذه منه مضمون عليه لسيده وما تسلمه إن ضاع في يد العبد لا يتعلق برقبته ولا يضمنه سيده بل ليس له إلا المطالبة إذا عتق وأما الأعمى فإنه يبيع ويشتري ما لا يرى فلا يصح ذلك فليأمره بأن يوكل وكيلاً بصيراً ليشتري له أو يبيع فيصح توكيله ويصح بيع وكيله فإن عامله التاجر بنفسه فالمعاملة فاسدة وما أخذه منه مضمون عليه بقيمته وما سلمه إليه أيضاً مضمون له بقيمته وأما الكافر فتجوز معاملته لكن لا يباع منه المصحف ولا العبد المسلم ولا يباع منه السلاح إن كان من أهل الحرب فإن فعل فهي معاملات مردودة وهو عاص بها ربه وأما الجندية من الأتراك والتركمانية والعرب والأكراد والسراق والخونة وأكلة الربا والظلمة وكل من أكثر ماله حرام فلا ينبغي أن يتملك مما في أيديهم شيئاً لأجل أنها حرام إلا إذا عرف شيئاً بعينه أنه حلال وسيأتي تفصيل ذلك في كتاب الحلال والحرام الركن الثاني في المعقود عليه وهو المال المقصود نقله من أحد العاقدين إلى الآخر ثمناً كان أو مثمناً فيعتبر فيه ستة شروط الأول أن لا يكون نجساً في عينه فلا يصح بيع كلب وخنزير ولا بيع زبل وعذرة ولا بيع العاج والأواني المتخذة منه فإن العظم ينجس بالموت ولا يطهر الفيل بالدبح ولا يطهر عظمه بالتذكية ولا يجوز بيع الخمر ولا بيع الودك النجس المستخرج من الحيوانات التي لا تؤكل وإن كان يصلح للاستصباح أو طلاء السفن ولا بأس ببيع الدهن الطاهر في عينه الذي نجس بوقوع نجاسة أو موت فأرة فيه فإنه يجوز الانتفاع به في غير الأكل وهو في عينه ليس بنجس وكذلك لا أرى بأساً ببيع بزر القز فإنه أصل حيوان ينتفع به تشبيهه بالبيض وهو أصل حيوان أولى من تشبيهه بالروث ويجوز بيع فأرة المسك ويقضى بطهارتها إذا انفصلت من الظبية في حالة الحياة الثاني أن يكون منتفعاً به فلا يجوز بيع الحشرات ولا الفأرة ولا الحية ولا التفات إلى انتفاع المشعبذ بالحية وكذا لاالتفات إلى انتفاع أصحاب الحلق بإخراجها من السلة وعرضها على الناس ويجوز بيع الهرة والنحل وبيع الفهد والأسد وما يصلح لصيد أو ينتفع بجلده ويجوز بيع الفيل لأجل الحمل ويجوز بيع الطوطي وهي الببغاء والطاوس والطيور المليحة الصور وإن كانت لا تؤكل فإن التفرج بأصواتها والنظر إليها غرض مقصود مباح وإنما الكلب هو الذي لا يجوز أن يقتني إعجاباً بصورته لنهي رسول الله ﷺ عنه (١) ولا يجوز بيع العود والصنج والمزامير والملاهي فإنه لا منفعة لها شرعاً وكذا بيع الصور المصنوعة من الطين كالحيوانات التي تباع في الأعياد للعب الصبيان فإن كسرها واجب شرعاً وصور الأشجار متسامح بها وأما الثياب والأطباق وعليها صور الحيوانات فيصح بيعها وكذا الستور وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لعائشة ﵂ اتخذي منها نمارق (٢) ولا يجوز استعمالها منصوبة ويجوز موضوعة وإذا جاز الانتفاع من وجه صح البيع لذلك الوجه الثالث أن يكون المتصرف فيه مملوكاً للعاقد أو مأذوناً من جهة المالك ولا يجوز أن يشتري من غير المالك انتظاراً للإذن من المالك بل لو رضي بعد ذلك وجب استئناف العقد ولا ينبغي أن يشتري من الزوجة مال
следующие страницы →