← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9472

إحياء علوم الدين

أبو حامد الغزالي

Полный текст (1 706 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

ما أخذته ولا دعوت له أحداً حتى يكون معي غيري وقال بعضهم كنت قاعداً مع عبد الله بن مسعود ﵁ إذ جاءه رجل بآخر فقال هذا نشوان فقال عبد الله بن مسعود استنكهوه فاستنكهوه فوجده نشواناً فحبسه حتى ذهب سكره ثم دعا بسوط فكسر ثمره ثم قال للجلاد اجلد وارفع يدك وأعط كل عضو حقه فجلده وعليه قباء أو مرط فلما فرغ قال للذي جاء به ما أنت منه قال عمه قال عبد الله ما أدبت فأحسنت الأدب ولا سترت الحرمة إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن يقيمه وإن الله عفو يحب العفو ثم قرأ ﴿وليعفوا وليصفحوا﴾ ثم قال إني لأذكر أول رجل قطعه النبي ﷺ أتي بسارق فقطعه فكأنما أسف وجهه فقالوا يا رسول الله كأنك كرهت قطعه فقال وما يمنعني لا تكونوا عوناً للشياطين على أخيكم فقالوا ألا عفوت عنه فقال إنه ينبغي للسلطان إذا انتهى إليه حد أن يقيمه إن الله عفو يجب العفو وقرأ ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لكم والله غفور رحيم﴾ (١) وفي رواية فكأنما سفي في وجه رسول الله ﷺ رماد لشدة تغيره وروى أن عمر ﵁ كان يعس بالمدينة مِنَ اللَّيْلِ فَسَمِعَ صَوْتَ رَجُلٍ فِي بَيْتٍ يتغنى فتسور عليه فوجده عِنْدَهُ امْرَأَةً وَعِنْدَهُ خَمْرٌ فَقَالَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَظْنَنْتَ أَنَّ اللَّهَ يَسْتُرُكَ وَأَنْتَ عَلَى معصيته فقال وأنت يا أمير المؤمنين فلا تعجل فإن كنت قد عَصَيْتُ اللَّهَ وَاحِدَةً فَقَدْ عَصَيْتَ اللَّهَ فِيَّ ثلاثا قال الله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ وَقَدْ تَجَسَّسْتَ وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بأن تأتوا البيوت من ظهورها﴾ وَقَدْ تَسَوَّرْتَ عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم﴾ الْآيَةَ وَقَدْ دَخَلْتَ بَيْتِي بِغَيْرِ إِذْنٍ وَلَا سلام فقال عمر ﵁ هَلْ عِنْدَكَ مِنْ خَيْرٍ إِنْ عَفَوْتُ عَنْكَ قال نعم والله يا أمير المؤمنين لَئِنْ عَفَوْتَ عَنِّي لَا أَعُودُ إِلَى مِثْلِهَا أبداً فعفا عنه وخرج وتركه وقال رجل لعبد الله بن عمر يا أبا عبد الرحمن كيف سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول في النجوى يوم القيامة قال سمعته يقول إن الله ليدني منه المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس فيقول أتعرف ذنب كذا أتعرف ذنب كذا فيقول نعم يارب حتى إذا قرره بذنوبه فرأى في نفسه أنه قد هلك قال له يا عبدي إني لم أسترها عليك في الدنيا إلا وأنا أريد أن أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته وأما الكافرون والمنافقون فتقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين (٢) وقال ﷺ كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ (٣) وَإِنَّ مِنَ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ السُّوءَ سِرًّا ثُمَّ يُخْبِرُ بِهِ وَقَالَ ﷺ من استمع خَبَرَ قَوْمٍ وَهُمْ لَهُ كَارِهُونَ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٤) وَمِنْهَا أَنْ يَتَّقِيَ مَوَاضِعَ التُّهَمِ صِيَانَةً لِقُلُوبِ النَّاسِ عَنْ سُوءِ الظن ولألسنتهم عن العيبة فَإِنَّهُمْ إِذَا عَصَوُا اللَّهَ بِذِكْرِهِ وَكَانَ هُوَ السَّبَبَ فِيهِ كَانَ شَرِيكًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ولا تسبوا الذي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بغير علم وَقَالَ ﷺ كَيْفَ تَرَوْنَ من يسب أَبَوَيْهِ فَقَالُوا وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ فَقَالَ نَعَمْ يَسُبُّ أَبَوَيْ غَيْرِهِ فَيَسُبُّونَ أَبَوَيْهِ (٥) وقد روي عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ كلم إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ يا فلان هذه زوجتي صفية ﴿فقال﴾

стр. 562

يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لم أكن أظن فيك فقال إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم (١) وزاد في رواية إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً وكانا رجلين فقال على رسلكما إنها صفية الحديث (٢) وكانت قد زارته في العشر الأواخر من رمضان وَقَالَ عمر ﵁ مَنْ أَقَامَ نَفْسَهُ مَقَامَ التُّهَمِ فَلَا يَلُومَنَّ مَنْ أَسَاءَ به الظن ومر برجل يكلم امرأة على ظهر الطريق فعلاه بالدرة فقال يا أمير المؤمنين إنها امرأتي فقال هلا حيث لا يراك أحد من الناس وَمِنْهَا أَنْ يَشْفَعَ لِكُلِّ مِنْ لَهُ حَاجَةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مَنْ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةٌ ويسعى في قضاء حاجته بما يقدر عليه قال ﷺ إني أوتى وأسأل وتطلب إلي الحاجة وأنتم عندي فاشفعوا لتؤجروا ويقضى الله على يدي نبيه ما أحب (٣) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشفعوا إلي لتؤجروا إني أريد الأمر وأؤخره كي تشفعوا إلي فتؤجروا وَقَالَ ﷺ مَا مِنْ صدقة أفضل من صدقة اللسان قيل وكيف ذلك قال الشفاعة يحقن بها الدم وتجر بها المنفعة إلى آخر ويدفع بها المكروه عن آخر (٤) وروى عكرمة عن ابن عباس ﵄ أن زوج بريرة كان عبداً يقال له مغيث كأني أنظر إليه خلفها وهو يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال ﷺ للعباس ألا تعجب من شدة حب مغيث لبريرة وشدة بغضها له فقال النبي ﷺ لو راجعته فإنه أبو ولدك فقالت يا رسول الله أتأمرني فأفعل فقال لا إنما أنا شافع (٥) ومنها أن يبدأ كل مسلم منهم بِالسَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ وَيُصَافِحَهُ عِنْدَ السَّلَامِ قَالَ ﷺ من بدأ بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه حتى يبدأ بالسلام (٦) وقال بعضهم دخلت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولم أسلم ولم أستأذن فقال النبي ﷺ ارجع فقل السلام عليكم أأدخل (٧) وروى جابر ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها فإن الشيطان إذا سلم أحدكم لم يدخل بيته (٨) حديث أنس خدمت النبي ﷺ ثماني حجج فقال لي يا أنس أسبغ الوضوء يزد من عمرك وسلم على من لقيته من أمتي تكثر حسناتك وإذا دخلت بيتك فسلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق واللفظ له والبيهقي في الشعب وإسناده ضعيف وللترمذي وصححه إذا دخلت على أهلك فسلم يكون بركة عليك وعلى أهل بيتك وقال أنس قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا التقى المؤمنان فتصافحا قسمت بينهما سبعون مغفرة تسع وستون لأحسنهما بشراً وقال تَعَالَى ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أو ردوها﴾ وَقَالَ ﷺ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أَدُلُّكُمْ عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ قَالُوا بلى يا رسول الله

стр. 563

قال أفشوا السلام بينكم (١) وقال أيضاً إذا سلم المسلم على المسلم فرد عليه صلت عليه الملائكة سبعين مرة (٢) وقال ﷺ إن الملائكة تعجب من المسلم يمر على المسلم ولا يسلم عليه (٣) حديث يسلم الراكب على الماشي وإذا سلم من القوم أحد أجزأ عنهم رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا ولأبي داود من حديث علي يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدهم وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يسلم الراكب على الماشي الحديث وسيأتي في بقية الباب (٤) حديث جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال سلام عليك فقال ﷺ عشر حسنات الحديث أخرجه أبو داود والترمذي من حديث عمران ابن حصين قال الترمذي حسن غريب وقال البيهقي في الشعب إسناده حسن (٥) حديث أنس كان يمر على الصبيان فيسلم عليهم ورفعه متفق عليه وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه فعل ذلك وروى عبد الحميد ابن بهرام أَنَّهُ ﷺ مَرَّ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا وَعُصْبَةٌ مِنَ النَّاسِ قُعُودٌ فَأَوْمَأَ بيده بالسلام وأشار عبد الحميد بيده إلى الحكاية (٦) فقال ﷺ لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام وإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه (٧) وعن أبي هريرة ﵁ قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تصافحوا أهل الذمة ولا تبدءوهم بالسلام فإذا لقيتموهم في الطريق فاضطروهم إلى أضيق الطرق قالت عائشة ﵂ إن رهطاً من اليهود دخلوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالوا السام عليك فقال النبي ﷺ ﴿عليكم﴾ قالت عائشة ﵂ فقلت بل عليكم السام واللعنة فقال ﵇ يا عائشة إن الله يحب الرفق في كل شيء قالت عائشة ألم تسمع ما قالوا قال فقد قلت عليكم (٨) وقال ﷺ يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير والصغير على الكبير (٩) حديث لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف أخرجه الترمذي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وقال إسناده ضعيف // قال أبو عيسى إسناده ضعيف وَقَالَ ﷺ إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى مَجْلِسٍ فَلْيُسَلِّمْ فَإِنْ بَدَا لَهُ أَنْ يَجْلِسَ فَلْيَجْلِسْ ثُمَّ إِذَا قَامَ فَلْيُسَلِّمْ فليست

стр. 564

الأولى بأحق من الأخيرة (١) وقال أنس ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا التقى المؤمنان فتصافحا قسمت بينهما سبعون مغفرة تسعة وستون لأحسنهما بشراً (٢) وقال عمر ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول إذا التقى المسلمان وسلم كل واحد منهما على صاحبه وتصافحا نزلت بينهما مائة رحمة للبادئ تسعون وللمصافح عشرة (٣) وقال الحسن المصافحة تزيد في الود وقال أبو هريرة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تمام تحياتكم المصافحة (٤) وقال ﷺ قبلة المسلم أخاه المصافحة (٥) وَلَا بَأْسَ بِقُبْلَةِ يَدِ الْمُعَظَّمِ فِي الدِّينِ تبركاً به وتوقيراً له وروي عن ابن عمر ﵄ قال قبلنا يد النبي ﷺ (٦) وعن كعب بن مالك قال لما نزلت توبتي أتيت النبي ﷺ فقبلت يده (٧) وروي أن أعرابياً قال يا رسول الله ائذن لي فأقبل رأسك ويدك قال فأذن له ففعل (٨) ولقي أبو عبيدة عمر بن الخطاب ﵄ فصافحه وقبل يده وتنحيا يبكيان وعن البراء بن عازب ﵁ أنه سلم عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه ومد يده إليه فصافحه فقال يا رسول الله ما كنت أرى هذا إلا من أخلاق الأعاجم فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن المسلمين إذا التقيا فتصافحا تحاتت ذنوبهما (٩) وعن النبي ﷺ قال إذا مر الرجل بالقوم فسلم عليهم فردوا عليه كان له عليهم فضل درجة لأنه ذكرهم السلام وإن لم يردوا عليه رد عليه ملأ خير منهم وأطيب أو قال وأفضل (١٠) والانحناء عند السلام منهي عنه قال أنس ﵁ قلنا يا رسول الله أينحني بعضنا لبعض قال ﴿لا﴾ قال فيقبل بعضنا بعضاً قال ﴿لا﴾ قال فيصافح بعضنا بعضاً قال ﴿نعم﴾ (١١) والالتزام والتقبيل قد ورد به الخبر عند القدوم من السفر (١٢) وقال أبو ذر ﵁ ما لقيته ﷺ إلا صافحني وطلبني يوماً فلم أكن في البيت فلما أخبرت جئت وهو على سرير فالتزمني فكانت أجود وأجود (١٣)

стр. 565

وَالْأَخْذُ بِالرِّكَابِ فِي تَوْقِيرِ الْعُلَمَاءِ وَرَدَ بِهِ الأثر فعل ابن عباس ذلك بركاب زيد بن ثابت (١) وأخذ عمر يغرز زيد حتى رفعه وقال هكذا فافعلوا بزيد وأصحاب زيد والقيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام قال أنس ما كان شخص أحب إلينا من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك (٢) وَرُوِيَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ مرة إذا رأيتموني فلا تقوموا كما تصنع الأعاجم (٣) وقال ﷺ من سره أن يمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار (٤) وَقَالَ ﷺ لَا يُقِمِ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ يَجْلِسُ فِيهِ ولكن توسعوا وتفسحوا (٥) وكانوا يحترزون عن ذلك لهذا النهي وقال ﷺ إذا أخذ القوم مجالسهم فإن دعا أحد أخاه فأوسع له فليأته فإنما هي كرامة أكرمه بها أخوه فإن لم يوسع له فلينظر إلى أوسع مكان يجده فيجلس فيه (٦) وروي أنه سلم رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يبول فلم يجب (٧) فيكره السلام على من يقضي حاجته ويكره أن يقول ابتداء عليك السلام فإنه قاله رجل لرسول الله ﷺ فقال ﷺ إن عليك السلام تحية الموتى قالها ثلاثاً ثم قال إذا لقي أحدكم أخاه فليقل السلام عليكم ورحمة الله (٨) وَيُسْتَحَبُّ لِلدَّاخِلِ إِذَا سَلَّمَ وَلَمْ يَجِدْ مَجْلِسًا أَنْ لَا يَنْصَرِفَ بَلْ يَقْعُدُ وَرَاءَ الصَّفِّ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَوَجَدَ فُرْجَةً فَجَلَسَ فيها وأما الثاني فجلس خلفهم وأما الثالث فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قال أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَعْرَضَ فأعرض الله عنه (٩) وَقَالَ ﷺ مَا مِنْ مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا (١٠) وَسَلَّمَتْ أم هانئ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ ﴿مَنْ هَذِهِ﴾ فَقِيلَ لَهُ أم هانئ فقال ﷺ مرحبا بأم هانئ (١١) ومنها أن يصون عرض أخيه المسلم وَنَفْسِهِ وَمَالِهِ عَنْ ظُلْمِ غَيْرِهِ مَهْمَا قَدَرَ وَيَرُدَّ عَنْهُ وَيُنَاضِلَ دُونَهُ وَيَنْصُرَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ يجب عليه بمقتضى أخوة الإسلام روى أبو الدرداء أن رجلاً نال من رجل عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ

стр. 566

فرد عنه رجل فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ رد عن عرض أخيه كان له حجابا من النار (١) وَقَالَ ﷺ مَا مِنْ امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقاً على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة (٢) وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال من ذكر عنده أخوه المسلم وهو يستطيع نصره فلم ينصره أذله الله بها في الدنيا والآخرة ومن ذكر عنده أخوه المسلم فنصره نصره اللَّهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (٣) وَقَالَ ﷺ من حمى عن عرض أخيه المسلم في الدنيا بعث الله تعالى له ملكاً يحميه يوم القيامة من النار (٤) وقال جابر وأبو طلحة سمعنا رسول الله ﷺ يقول مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي موضع ينتهك فيه عرضه ويستحل حُرْمَتُهُ إِلَّا نَصَرَهُ اللَّهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نَصْرَهُ وَمَا مِنِ امْرِئٍ خَذَلَ مُسْلِمًا في موطن ينتهك فِيهِ حُرْمَتُهُ إِلَّا خَذَلَهُ اللَّهُ فِي مَوْضِعٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ (٥) وَمِنْهَا تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ قَالَ ﷺ فِي الْعَاطِسِ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَيَقُولُ الَّذِي يُشَمِّتُهُ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْعَاطِسُ فَيَقُولُ يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ (٦) وعن ابن مسعود ﵁ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يعلمنا يقول إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله رب العالمين فإذا قال ذلك فليقل من عنده يرحمك الله فإذا قالوا ذلك فليقل يغفر الله لي ولكم (٧) وشمت رسول الله ﷺ عاطساً ولم يشمت آخر فسأله عن ذلك فقال إنه حمد الله وأنت سكت (٨) وقال ﷺ يشمت العاطس المسلم إذا عطس ثلاثاً فإن زاد فهو زكام (٩) وروي أنه شمت عاطساً ثلاثاً فعطس أخرى فقال إنك مزكوم (١٠) وقال أبو هريرة كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا عطس غض صوته واستتر بثوبه أو يده (١١) وروي خمر وجهه وقال أبو موسى الأشعري كان اليهود يتعاطسون عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رجاء أن يقول يرحمكم الله فكان يقول يهديكم الله (١٢) وروى عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه أن رجلاً عطس خلف النبي ﷺ في الصلاة فقال الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يرضى ربنا ويرضى والحمد لله على كل حال

стр. 567

فلما سلم النبي ﷺ قال من صاحب الكلمات فقال أنا يا رسول الله ما أردت بهن إلا خيراً فقال لقد رأيت اثنى عشر ملكا كلهم يبتدرونها أيهم يكتبها (١) وقال ﷺ من عطس عنده فسبق إلى الحمد لم يشتك خاصرته (٢) وقال ﷺ العطاس من الله والتثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليضع يده على فيه فإذا قال ها ها فإن الشيطان يضحك من جوفه (٣) وقال إبراهيم النخعي إذا عطس في قضاء الحاجة فلا بأس بأن يذكر الله وقال الحسن يحمد الله في نفسه وقال كعب قال موسى ﵇ يا رب أقريب أنت فأناجيك إم بعيد فأناديك فقال أنا جليس من ذكرني فقال فإنا نكون على حال نجلك أن نذكرك عليها كالجنابة والغائط فقال اذكرني على كل حال وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا بُلِيَ بِذِي شَرٍّ فَيَنْبَغِي أن يتحمله وَيَتَّقِيَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ خَالِصِ الْمُؤْمِنَ مُخَالَصَةً وَخَالِقِ الفاجر مخالفة فَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرْضَى بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ فِي الظَّاهِرِ وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ إِنَّا لَنَبَشُّ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَهَذَا مَعْنَى الْمُدَارَاةِ وهي مَعَ مَنْ يُخَافُ شَرُّهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة﴾ قال ابن عباس في معنى قوله ﴿ويدرؤون بالحسنة السيئة﴾ أي الفحش والأذى بالسلام والمداراة وَقَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ الناس بعضهم ببعض﴾ قَالَ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ وَالْحَيَاءِ وَالْمُدَارَاةِ وَقَالَتْ عائشة ﵂ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ الله ﷺ قال ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ هُوَ فَلَمَّا دخل ألان له القول حتى أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ لَهُ لَمَّا دَخَلَ قُلْتَ الَّذِي قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ فَقَالَ يَا عائشة إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ (٤) وَفِي الْخَبَرِ مَا وَقَى الرَّجُلُ بِهِ عِرْضَهُ فَهُوَ لَهُ صدقة (٥) وفي الأثر خالطوا الناس بأعمالكم وزايلوهم بالقلوب وقال محمد بن الحنفية ﵁ ليس بحكيم من لم يُعَاشِرُ بِالْمَعْرُوفِ مَنْ لَا يَجِدُ مِنْ مُعَاشَرَتِهِ بداً حتى يجعل الله له منه فرجاً ومنها أن يجتنب مخالطة الأغنياء ويختلط بِالْمَسَاكِينِ وَيُحْسِنَ إِلَى الْأَيْتَامِ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مِسْكِينًا وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين (٦) وقال كعب الأحبار كان سليمان ﵇ في ملكه إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى مِسْكِينًا جَلَسَ إِلَيْهِ وقال مسكين جالس مسكيناً وقيل ما كان من كلمة تقال لعيسى ﵇ أحب إليه من أن يقال له يا مسكين وقال كعب الأحبار ما في القرآن من ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ فهو في التوراة يا أيها المساكين وقال عبادة بن الصامت إن للنار سبعة أبواب ثلاثة للأغنياء وثلاثة للنساء وواحد للفقراء والمساكين وقال الفضيل بلغني أن نبياً من الأنبياء قال يا رب كيف لي أن أعلم رضاك عني قال انظر كيف رضا المساكين عنك وقال ﷺ إياكم ومجالسة الموتى قيل ومن الموتى يا رسول الله قال الأغنياء (٧) وقال موسى إلهي أين أبغيك قال عند المكسرة قلوبهم وقال ﷺ لا تغبطن فاجرا

стр. 568

بنعمة فإنك لا تدري إلى ما يَصِيرُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِهِ طَالِبًا حَثِيثًا (١) وَأَمَّا الْيَتِيمُ فَقَالَ ﷺ من ضم يتيماً من أبوين مسلمين حتى يستغني فقد وجبت له الجنة ألبتة (٢) وَقَالَ ﷺ أَنَا وَكَافِلُ اليتيم في الجنة كَهَاتَيْنِ وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ (٣) وَقَالَ ﷺ مَنْ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ تَرَحُّمًا كَانَتْ لَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهَا يَدُهُ حَسَنَةٌ (٤) وَقَالَ ﷺ خَيْرُ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِلَيْهِ وَشَرُّ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِلَيْهِ (٥) وَمِنْهَا النَّصِيحَةُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ وَالْجُهْدُ فِي إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى قلبه قال ﷺ المؤمن يحب للمؤمن كما يحب لنفسه (٦) وَقَالَ ﷺ لَا يُؤْمِنْ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ وقال ﷺ إن أحدكم مرآة أخيه فإذا رأى فيه شيئاً فليمطه عنه (٧) وقال ﷺ من قضى حاجة لأخيه فكأنما خدم الله عمره (٨) وقال ﷺ مَنْ أَقَرَّ عَيْنَ مُؤْمِنٍ أَقَرَّ اللَّهُ عَيْنَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ﷺ من مشى في حاجة أخيه ساعة من ليل أو نهار قضاها أو لم يقضها كان خيراً له من اعتكاف شهرين (٩) وقال ﷺ مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ مَغْمُومٍ أَوْ أَعَانَ مظلوماً غفر الله له ثلاثاً وسبعين مغفرة (١٠) وقال ﷺ انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقيل كيف ينصره ظالماً قال يمنعه من الظلم (١١) وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَى قلب المؤمن أو أن يُفَرِّجَ عَنْهُ غَمًّا أَوْ يَقْضِيَ عَنْهُ دَيْنًا أو يطعمه من جوع (١٢) وقال ﷺ من حمى مؤمناً من منافق يعنته بعث الله إليه ملكاً يوم القيامة يحمي لحمه من نار جهنم وقال ﷺ خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر الشرك بالله والضر لعباد الله وخصلتان ليس فوقهما شيء من البر الإيمان بالله والنفع لعباد الله (١٣) وقال ﷺ من لم يهتم للمسلمين فليس منهم (١٤) وقال معروف الكرخي من قال كل يوم اللهم ارحم أمة محمد كتبه الله من الأبدال وفي رواية

стр. 569

أخرى اللهم أصلح أمة محمد اللهم فرج عن أمة محمد كل يوم ثلاث مرات كتبه الله من الأبدال وبكى علي بن الفضيل يوماً فقيل له ما يبكيك قال أبكي على من ظلمني إذا وقف غداً بين يدي الله تعالى وسئل عن ظلمه ولم تكن له حجة ومنها أن يعود مرضاهم فالمعرفة والإسلام كافيان في إثبات هذا الحق ونيل فضله وَأَدَبُ الْعَائِدِ خِفَّةُ الْجِلْسَةِ وَقِلَّةُ السُّؤَالِ وَإِظْهَارُ الرِّقَّةِ وَالدُّعَاءُ بِالْعَافِيَةِ وَغَضُّ الْبَصَرِ عَنْ عَوْرَاتِ الْمَوْضِعِ وَعِنْدَ الِاسْتِئْذَانِ لَا يُقَابِلُ الْبَابَ وَيَدُقُّ بِرِفْقٍ وَلَا يَقُولُ أَنَا إِذَا قِيلَ لَهُ من ولا يقول يا غلام ولكن يحمد ويسبح وقال ﷺ تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده ويسأله كيف هو وتمام تحياتكم المصافحة وقال ﷺ من عاد مريضاً قعد في مخارف الجنة حتى إذا قام وكل به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى الليل (١) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا عاد الرجل المريض خاض في الرحمة فإذا قعد عنده قرت فيه (٢) وقال ﷺ إِذَا عَادَ الْمُسْلِمُ أخاه أوزاره قَالَ اللَّهُ تَعَالَى طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ وَتَبَوَّأْتَ منزلاً فِي الْجَنَّةِ (٣) وَقَالَ ﷺ إذا مرض العبد بعث الله ﵎ إليه ملكين فقال انظرا ماذا يقول لعواده فإن هو إذا جاءوه حمد الله وأثنى عليه رفعا ذلك إلى الله وهو أعلم فيقول لعبدي علي إن توفيته أن أدخله الجنة وإن أنا شفيته أن أبدل له لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وأن أكفر عنه سيئاته (٤) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من يرد الله به خيراً يصب منه (٥) وقال عثمان ﵁ مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أُعِيذُكَ بِاللَّهِ الْأَحَدِ الصَّمَدِ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ مِنْ شر ما تجد قالها مراراً (٦) ودخل ﷺ على عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وهو مريض فقال له قل اللهم إني أسألك تعجيل عافيتك أو صبراً على بليتك أو خروجاً من الدنيا إلى رحمتك فإنك ستعطي إحداهن (٧) وَيُسْتَحَبُّ لِلْعَلِيلِ أَيْضًا أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِعِزَّةِ الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر وقال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إذا شكا أحدكم بطنه فليسأل امرأته شيئاً من صداقها ويشتري به عسلاً ويشربه بماء السماء فيجتمع له الهنيء والمريء والشفاء

стр. 570

والمبارك وَقَالَ ﷺ يَا أَبَا هريرة ألا أخبرك بأمر هو حق من تكلم به في أول مضجعه من مرضه نجاه الله من النار قلت بلى يا رسول الله قال يقول لا إله إلا الله يحيي ويميت وهو حي لا يموت سبحان الله رب العباد والبلاد والحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه على كل حال الله أكبر كبيراً إن كبرياء ربنا وجلاله وقدرته بكل مكان اللهم إن أنت أمرضتني لتقبض روحي في مرضي هذا فاجعل روحي في أرواح من سبقت لهم منك الحسنى وباعدني من النار كما باعدت أولياءك الذين سبقت لهم منك الحسنى (١) وروي أنه قال ﷺ عيادة المريض بعد ثلاث فواق ناقة (٢) وقال طاوس أفضل العيادة أخفها وقال ابن عباس ﵄ عيادة المريض مرة سنة فما ازدادت فنافلة وقال بعضهم عيادة المريض بعد ثلاث وقال ﷺ أغبوا في العيادة وأربعوا فيها (٣) وَجُمْلَةُ أَدَبِ الْمَرِيضِ حُسْنُ الصَّبْرِ وَقِلَّةُ الشَّكْوَى وَالضَّجَرِ وَالْفَزَعُ إِلَى الدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلُ بَعْدَ الدَّوَاءِ عَلَى خَالِقِ الدَّوَاءِ وَمِنْهَا أَنْ يُشَيِّعَ جَنَائِزَهُمْ قَالَ ﷺ مَنْ شَيَّعَ جِنَازَةً فَلَهُ قِيرَاطٌ مِنَ الْأَجْرِ فَإِنْ وَقَفَ حتى تدفن فله قيراطان (٤) وفي الخبر القيراط مثل أحد (٥) ولما روى أبو هريرة هذا الحديث وسمعه ابن عمر قال لقد فرطنا إلى الآن في قراريط كثيرة وَالْقَصْدُ مِنَ التَّشْيِيعِ قَضَاءُ حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالِاعْتِبَارُ وكان مكحول الدمشقي إذا رأى جنازة قال اغدوا فإنا رائحون موعظة بليغة وغفلة سريعة يذهب الأول والآخر لا عقل له وخرج مالك بن دينار خلف جنازة أخيه وهو يبكي ويقول والله لا تقر عيني حتى أعلم إلى ما صرت ولا والله لا أعلم ما دمت حياً وقال الأعمش كنا نشهد الجنائز فلا ندري لمن نعزي لحزن القوم كلهم ونظر إبراهيم الزيات إلى قوم يترحمون على ميت فقال لو ترحمون أنفسكم لكان أولى إنه نجا من أهوال ثلاث وجه ملك الموت قد رأى ومرارة الموت قد ذاق وخوف الخاتمة قد أمن وقال ﷺ يتبع الميت ثلاث فيرجع اثنان ويبقى واحد يتبعه أهله وماله وعمله فيرجع أهله وماله ويبقى عمله (٦) وَمِنْهَا أَنْ يَزُورَ قُبُورَهُمْ وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالِاعْتِبَارُ وَتَرْقِيقُ الْقَلْبِ قَالَ ﷺ مَا رَأَيْتُ مَنْظَرًا إِلَّا وَالْقَبْرُ أفظع منه (٧) وقال عمر ﵁ خرجنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأتى المقابر فجلس إلى قبر وكنت أدنى القوم منه فبكى وبكينا فقال ما يبكيكم قلنا بكينا لبكائك قال هذا قبر آمنة بنت وهب استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في أن أستغفر لها فأبى علي فأدركني ما يدرك الولد من الرقة (٨) وكان عمر ﵁ إذا وقف على قبر بكى حتى تبتل لحيته ويقول سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه صاحبه فما بعده أيسر وإن لم ينج منه فما بعده أشد (٩) وقال مجاهد أول

стр. 571

ما يكلم ابن آدم حفرته فتقول أنا بيت الدود وبيت الوحدة وبيت الغربة وبيت الظلمة فهذا ما أعددت لك فما أعددت لي وقال أبو ذر ألا أخبركم بيوم فقري يوم أوضع في قبري كان أبو الدرداء يقعد إلى القبور فقيل له في ذلك فقال أجلس إلى قوم يذكرونني معادي وإن قمت عنهم لم يغتابوني وقال حَاتِمٍ الْأَصَمِّ مَنْ مَرَّ بِالْمَقَابِرِ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ لِنَفْسِهِ وَلَمْ يَدْعُ لَهُمْ فَقَدْ خَانَ نَفْسَهُ وخانهم وَقَالَ ﷺ مَا مِنْ ليلة إلا وينادي مناد يا أهل القبور من تغبطون قالوا نغبط أهل المساجد لأنهم يصومون ولا نصوم ويصلون ولا نصلي ويذكرون الله ولا نذكره (١) وقال سفيان من أكثر ذكر القبر وجده روضة من رياض الجنة ومن غفل عن ذكره وجده حفرة من حفر النار وكان الربيع بين خيثم قد حفر في داره قبرا فكان إذا وجد في قلبه قساوة دخل فيه فاضطجع فيه ومكث ساعة ثم قال ﴿رب أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت﴾ ثم يقول يا ربيع قد أرجعت فاعمل الآن قبل أن لا ترجع وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى الْقُبُورِ بَكَى وَقَالَ يَا ميمون هَذِهِ قبور آبائي بني أمية كَأَنَّهُمْ لَمْ يُشَارِكُوا أَهْلَ الدُّنْيَا فِي لَذَّاتِهِمْ أما تراهم صرعى قد خلت بِهِمُ الْمَثُلَاتُ وَأَصَابَ الْهَوَامُ مِنْ أَبْدَانِهِمْ ثُمَّ بَكَى وَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَنْعَمَ مِمَّنْ صَارَ إِلَى هَذِهِ الْقُبُورِ وَقَدْ أَمِنَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَآدَابُ الْمُعَزِّي خَفْضُ الْجَنَاحِ وَإِظْهَارُ الْحُزْنِ وَقِلَّةُ الْحَدِيثِ وَتَرْكُ التَّبَسُّمِ وَآدَابُ تَشْيِيعِ الْجِنَازَةِ لُزُومُ الْخُشُوعِ وَتَرْكُ الْحَدِيثِ وَمُلَاحَظَةُ الميت والتفكر في الموت والاستعداد له وأن يمشي أمام الجنازة بقربها وَالْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ سُنَّةٌ (٢) فَهَذِهِ جُمَلُ آدَابٍ تُنَبِّهُ عَلَى آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ عُمُومِ الْخَلْقِ وَالْجُمْلَةُ الْجَامِعَةُ فِيهِ أَنْ لَا تَسْتَصْغِرَ مِنْهُمْ أَحَدًا حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا فَتَهْلِكَ لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي لَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا فَلَعَلَّهُ يُخْتَمُ لَكَ بِمِثْلِ حَالِهِ وَيُخْتَمُ له بالصلاح ولا تنظر إليهم بعين التعظيم لهم في حال دنياهم فَإِنَّ الدُّنْيَا صَغِيرَةٌ عِنْدَ اللَّهِ صَغِيرٌ مَا فيها ومهما عظم أهل الدنيا في نفسك فقد عظمت الدنيا فتسقط من عين الله وَلَا تَبْذُلْ لَهُمْ دِينَكَ لِتَنَالَ مِنْ دُنْيَاهُمْ فتصغر في أعينهم ثم تحرم دنياهم فإن لم تحرم كنت قد استبدلت الذي هو أدنى بالذي هو خير ولا تعادهم بحيث تظهر العداوة فيطول الأمر عليك في المعاداة ويذهب دينك ودنياك فيهم ويذهب دينهم فيك إِلَّا إِذَا رَأَيْتَ مُنْكَرًا فِي الدِّينِ فَتُعَادِي أفعالهم القبيحة وتنظر إليهم بعين الرحمة لهم لتعرضهم لمقت الله وعقوبته بعصيانهم فحسبهم جهنم يصلونها فمالك تحقد عليهم ولا تسكن إليهم في مودتهم لك وثنائهم عليك في وجهك وحسن بشرهم لك فإنك إن طلبت حقيقة ذلك لم تجد في المائة إلا واحداً وربما لا تجده وَلَا تَشْكُ إِلَيْهِمْ أَحْوَالَكَ فَيَكِلَكَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ وَلَا تَطْمَعْ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْغَيْبِ وَالسِّرِّ كَمَا فِي الْعَلَانِيَةِ فَذَلِكَ طَمَعٌ كَاذِبٌ وأنى تظفر به وَلَا تَطْمَعْ فِيمَا فِي أَيْدِيهِمْ فَتَسْتَعْجِلَ الذُّلَّ ولا تنال الغرض ولا تعل عليهم تكبراً لاستغنائك عنهم فإن الله يلجئك إليهم عقوبة على التكبر بإظهار الاستغناء وإذا سألت أخاً منهم حاجة فقضاها فَهُوَ أَخٌ مُسْتَفَادٌ وَإِنْ لَمْ يَقْضِ فَلَا تُعَاتِبْهُ فَيَصِيرَ عَدُوًّا تَطُولُ عَلَيْكَ مُقَاسَاتُهُ وَلَا تَشْتَغِلْ بِوَعْظِ مَنْ لَا تَرَى فِيهِ مَخَايِلَ القبول فلا يسمع منك ويعاديك وليكن وعظك عَرَضًا وَاسْتِرْسَالًا مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ عَلَى الشَّخْصِ ومهما رأيت منهم كرامة وخيراً فاشكر الله الذي سخرهم لك واستعذ بالله أن يكلك إليهم وإذا بلغك عنهم غيبة أو رأيت منهم شراً أو أصابك منهم ما يسوءك فَكِلْ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ وَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِمْ وَلَا تَشْغَلْ نَفْسَكَ بِالْمُكَافَأَةِ فَيَزِيدَ الضَّرَرُ ويضيع العمر بشغله ولا تقل لهم لم تعرفوا موضعي

стр. 572

وأعتقد أنك لو استحقيت ذلك لجعل الله لك موضعاً في قلوبهم فالله المحبب والمبغض إلى القلوب وَكُنْ فِيهِمْ سَمِيعًا لِحَقِّهِمْ أَصَمَّ عَنْ بَاطِلِهِمْ نطوقاً بحقهم صموتاً عن باطلهم وَاحْذَرْ صُحْبَةَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ لَا يُقِيلُونَ عَثْرَةً وَلَا يَغْفِرُونَ زَلَّةً وَلَا يَسْتُرُونَ عَوْرَةً وَيُحَاسِبُونَ عَلَى النَّقِيرِ وَالْقِطْمِيرِ وَيَحْسُدُونَ عَلَى الْقَلِيلِ والكثير ينتصفون ولا ينصفون ويؤاخذون على الخطأ والنسيان ولا يعفون يغرون الإخوان على الإخوان بالنميمة والبهتان فصحبة أكثرهم خسران وقطيعتهم رجحان إن رضوا فظاهرهم الملق وإن سخطوا فباطنهم الحنق لا يؤمنون في حنقهم ولا يرجون في ملقهم ظاهرهم ثياب وباطنهم ذئاب يقطعون بالظنون ويتغامزون وراءك بالعيون ويتربصون بصديقهم من الحسد ريب المنون يحصون عليك العثرات في صحبتهم ليواجهوك بها في غضبهم ووحشتهم وَلَا تُعَوِّلْ عَلَى مَوَدَّةِ مَنْ لَمْ تَخْبَرْهُ حق الخبرة بأن تصحبه مدة في دار أو موضع واحد فتجربه في عزله وولايته وغناه وفقره أو تسافر معه أو تعامله في الدينار وَالدِّرْهَمِ أَوْ تَقَعَ فِي شِدَّةٍ فَتَحْتَاجَ إِلَيْهِ فإن رضيته في الْأَحْوَالِ فَاتَّخِذْهُ أَبًا لَكَ إِنْ كَانَ كَبِيرًا أو ابناً لك إن كان صغيراً أو أخاك إن كان مثلك فَهَذِهِ جُمْلَةُ آدَابِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ أَصْنَافِ الْخَلْقِ حقوق الجوار اعلم أن الجوار يقضي حَقًّا وَرَاءَ مَا تَقْتَضِيهِ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ فَيَسْتَحِقُّ الجار المسلم ما يستحقه كُلُّ مُسْلِمٍ وَزِيَادَةٌ إِذْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ فَالْجَارُ الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ الْجَارُ الْمُسْلِمُ ذُو الرَّحِمِ فَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الرَّحِمِ وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ حَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَالْجَارُ الْمُشْرِكُ (١) فَانْظُرْ كَيْفَ أَثْبَتَ لِلْمُشْرِكِ حَقًّا بِمُجَرَّدِ الجوار وقد قال ﷺ أَحْسِنْ مُجَاوَرَةَ مَنْ جاورك تكن مسلماً (٢) وقال النبي ﷺ مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ (٣) وَقَالَ ﷺ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ (٤) وَقَالَ ﷺ لَا يُؤْمِنْ عَبْدٌ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ (٥) وَقَالَ ﷺ أول خصمين يوم القيامة جاران (٦) وقال ﷺ إذا أنت رميت كلب جارك فقد آذيته (٧) ويروى أن رجلاً جاء إلى ابن مسعود ﵁ فقال له إن لي جاراً يؤذيني ويشتمني ويضيق علي فقال اذهب فإن هو عصى الله فيك فأطع الله فيه وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِنَّ فُلَانَةَ تَصُومُ النَّهَارَ وَتَقُومُ اللَّيْلَ وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا فَقَالَ ﷺ هِيَ في النار (٨) وجاء رجل إليه ﷺ يشكو جاره فقال له النبي ﷺ ﴿اصبر﴾ ثم قال له في الثالثة أو الرابعة اطرح متاعك في الطريق قال فجعل الناس يمرون به ويقولون مالك فيقال آذاه جاره قال فجعلوا يقولون لعنه الله فجاءه جاره فقال له رد متاعك فوالله لا أعود (٩)

стр. 573

وروى الزهري أن رجلاً أتى النبي ﷺ فجعل يشكو جاره فأمره النبي ﷺ أن ينادي على باب المسجد ألا إن أربعين داراً جار (١) قال الزهري أربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأربعون هكذا وأومأ إلى أربع جهات وقال ﷺ اليمن والشؤم في المرأة والمسكن والفرس فيمن المرأة خفة مهرها ويسر نكاحها وحسن خلقها وشؤمها غلاء مهرها وعسر نكاحها وسوء خلقها ويمن المسكن سعته وحسن جوار أهله وشؤمه ضيقه وسوء جوار أهله ويمن الفرس ذله وحسن خلقه وشؤمه صعوبته وسوء خلقه (٢) وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ حَقُّ الْجِوَارِ كَفَّ الْأَذَى فقط بل احتمال الأذى فإن الجار أيضاً قد كف أذاه فليس في ذلك قضاء حق ولا يكفي احتمال الأذى بل لابد من الرفق وإسداء الخير والمعروف إذ يقال إن الجار الفقير يتعلق بجاره الغني يوم القيامة فيقول يارب سل هذا لم منعني معروفه وسد بابه دوني وبلغ ابن المقفع أَنَّ جَارًا لَهُ يَبِيعُ دَارَهُ فِي دَيْنٍ رَكِبَهُ وَكَانَ يَجْلِسُ فِي ظِلِّ دَارِهِ فَقَالَ مَا قُمْتُ إِذًا بِحُرْمَةِ ظِلِّ دَارِهِ إِنْ بَاعَهَا مُعْدَمًا فَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَ الدَّارِ وَقَالَ لا تبعها وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره فقيل له لو اقتنيت هراً فقال أخشى أن يسمع الفأر صوت الهر فيهرب إلى دور الجيران فأكون قد أحببت لهم ما لا أحب لنفسي وجملة حق الجار أن يبدأه بالسلام ولا يطيل معه الكلام وَلَا يُكْثَرَ عَنْ حَالِهِ السُّؤَالُ وَيَعُودَهُ فِي الْمَرَضِ وَيُعَزِّيَهُ فِي الْمُصِيبَةِ وَيَقُومَ مَعَهُ فِي الْعَزَاءِ وَيُهَنِّئَهُ فِي الْفَرَحِ وَيُظْهِرَ الشَّرِكَةَ فِي السرور معه ويصفح عن زلاته ولا يتطلع مِنَ السَّطْحِ إِلَى عَوْرَاتِهِ وَلَا يُضَايِقُهُ فِي وضع الجذع على جداره ولا في مصب الماء في ميزابه ولا في مطرح التراب في فنائه ولا يضيق طرقه إِلَى الدَّارِ وَلَا يُتْبِعُهُ النَّظَرَ فِيمَا يَحْمِلُهُ إِلَى دَارِهِ وَيَسْتُرُ مَا يَنْكَشِفُ لَهُ مِنْ عَوْرَاتِهِ وَيُنْعِشُهُ مِنْ صَرْعَتِهِ إِذَا نَابَتْهُ نَائِبَةٌ وَلَا يَغْفُلُ عَنْ مُلَاحَظَةِ دَارِهِ عِنْدَ غَيْبَتِهِ وَلَا يَسْمَعُ عَلَيْهِ كَلَامًا وَيَغُضُّ بَصَرَهُ عَنْ حُرْمَتِهِ وَلَا يُدِيمُ النَّظَرَ إِلَى خَادِمَتِهِ وَيَتَلَطَّفُ بولده فِي كَلِمَتِهِ وَيُرْشِدُهُ إِلَى مَا يَجْهَلُهُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ هَذَا إِلَى جُمْلَةِ الْحُقُوقِ التي ذكرناها لعامة المسلمين وقد قال ﷺ أتدرون ما حق الجار إن استعان بك أعنته وإن استنصرك نصرته وإن استقرضك أقرضته وإن افتقر عدت عليه وإن مرض عدته وإن مات تبعت جنازته وإن أصابه خير هنأته وإن أصابته مصيبة عزيته ولا تستعل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه وإذا اشتريت فاكهة فاهد له فإن لم تفعل فأدخلها سراً ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ثم قال أتدرون ما حق الجار والذي نفسي بيده لا يبلغ حق الجار إلا من

стр. 574

رحمه الله (١) هكذا رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال مجاهد كنت عند عبد الله بن عمر وغلام له يسلخ شاة فقال يا غلام إذا سلخت فابدأ بجارنا اليهودي حتى قال ذلك مرارا فقال له كم تقول هذا فقال أن رسول الله ﷺ لم يزل يوصينا بالجار حتى خشينا أنه سيورثه (٢) وقال هشام كان الحسن لا يرى بأساً أن تطعم الجار اليهودي والنصراني من أضحيتك وقال أبو ذر ﵁ أوصاني خليلي ﷺ وقال إذا طبخت قدراً فأكثر ماءها ثم انظر بعض أهل بيت في جيرانك فاغرف لهم منها (٣) وقالت عائشة ﵂ قلت يا رسول الله إن لي جارين أحدهما مقبل على بابه والآخر ناء ببابه عني وربما كان الذي عندي لا يسعهما فأيهما أعظم حقاً فقال المقبل عليك ببابه (٤) ورأى الصديق ولده عبد الرحمن وهو يناصي جاراً له فقال لا تناص جارك فإن هذا يبقى والناس يذهبون وقال الحسن بن عيسى النيسابوري سألت عبد الله بن المبارك فقلت الرجل المجاور يأتيني فيشكو غلامي أنه أتى إليه أمراً والغلام ينكره فأكره أن أضربه ولعله بريء وأكره أن أدعه فيجد علي جاري فكيف أصنع قال إن غلامك لعله أن يحدث حدثاً يستوجب فيه الأدب فاحفظه عليه فإذا شكاه جارك فأدبه على ذلك الحدث فتكون قد أرضيت جارك وأدبته على ذلك الحدث وهذا تلطف في الجمع بين الحقين وقالت عائشة ﵂ خلال المكارم عشر تكون في الرجل ولا تكون في أبيه وتكون في العبد ولا تكون في سيده يقسمها الله تعالى لمن أحب صدق الحديث وصدق الناس وإعطاء السائل والمكافأة بالصنائع وصلة الرحم وحفظ الأمانة والتذمم للجار والتذمم للصاحب وقرى الضيف ورأسهن الحياء وقال أبو هريرة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يا معشر المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة (٥) قال ﷺ إن من سعادة المرء المسلم المسكن الواسع والجار الصالح والمركب الهني (٦) وقال عبد الله قال رجل يا رسول الله كيف لي أن أعلم إذا أحسنت أو أسأت قال إذا سمعت جيرانك يقولون قد أحسنت فقد أحسنت وإذا سمعتهم يقولون قد أسأت فقد أسأت (٧) وقال جابر ﵁ قال النبي ﷺ من كان له جار في حائط أو شريك فلا يبعه حتى يعرضه عليه (٨) وقال أبو هريرة ﵁ قضى رسول الله ﷺ أن الجار يضع جذعه في حائط جاره شاء أم أبى // حديث أبي هريرة قضى رسول الله ﷺ أن الجار يضع جذعه في حائط جاره شاء أم أبى رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق هكذا وهو متفق عليه بلفظ لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً في حائطه رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف واتفق عليه الشيخان من حديث أبي هريرة وقال

стр. 575

ابن عباس ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يمنعن أحدكم جاره أن يضع خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ يقول مالي أراكم عنها معرضين والله لأرمينها بين أكنافكم وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَقَالَ ﷺ مَنْ أَرَادَ الله به خيراً عسله قيل وما عسله قال يحببه إلى جيرانه (١) حُقُوقُ الْأَقَارِبِ وَالرَّحِمِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا الرَّحْمَنُ وَهَذِهِ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا اسْمًا مِنِ اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته (٢) وقال ﷺ من سره أن ينسأ له في أثره ويوسع عليه في رزقه فليصل رحمه (٣) وفي رواية أخرى من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه فليتق الله وليصل رحمه وَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قَالَ أَتْقَاهُمْ لِلَّهِ وَأَوْصَلُهُمْ لِرَحِمِهِ وَآمَرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ (٤) وَقَالَ أبو ذر ﵁ أوصاني خليلي ﵇ بصلة الرحم وإن أدبرت وأمرني أن أقول الحق وإن كان مراً (٥) وقال ﷺ إن الرحم معلقة بالعرش وليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا انقطعت رحمه وصلها (٦) وقال ﷺ إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم حتى إن أهل البيت ليكونون فجاراً فتنموا أموالهم ويكثر عددهم إذا وصلوا أرحامهم (٧) وقال زيد بن أسلم لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مكة عرض له رجل فقال إن كنت تريد النساء البيض والنوق الأدم فعليك ببني مدلج فقال ﷺ إن الله قد منعني من بني مدلج بصلتهم الرحم (٨) وقالت أسماء بنت أبي بكر ﵄ قدمت علي أمي فقلت يا رسول الله إن أمي قدمت علي وهي مشركة أفأصلها قال ﴿نعم﴾ (٩) وفي رواية أفأعطيها قال نعم صليها وَقَالَ ﷺ الصَّدَقَةُ عَلَى المساكين صدقة وعلى ذي الرحم ثنتان (١٠) وَلَمَّا أَرَادَ أبو طلحة أَنْ يَتَصَدَّقَ بِحَائِطٍ كَانَ لَهُ يُعْجِبُهُ عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَنْ تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون﴾ (١١) قال

стр. 576

يا رسول الله هو في سبيل الله وللفقراء والمساكين فقال ﷺ وجب أجرك على الله قسمه في أقاربك وقال ﷺ أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح (١) وهو في معنى قوله أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتصفح عمن ظلمك (٢) وروى أن عمر ﵁ كتب إلى عماله مروا الأقارب أن يتزاوروا ولا يتجاوروا وإنما قال ذلك لأن التجاور يورث التزاحم على الحقوق وربما يورث الوحشة وقطيعة الرحم حُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَالْوَلَدِ لَا يَخْفَى أَنَّهُ إِذَا تأكد حق الْقَرَابَةُ وَالرَّحِمُ فَأَخَصُّ الْأَرْحَامِ وَأَمَسُّهَا الْوِلَادَةُ فَيَتَضَاعَفُ تأكد الحق فيها وقد قال ﷺ لن يجزي ولد والده حتى يجده مملوكاً فيشتريه فيعتقه (٣) وقد قال ﷺ بر الوالدين أفضل من الصلاة والصدقة والصوم والحج والعمرة والجهاد في سبيل الله (٤) وَقَدْ قَالَ ﷺ مَنْ أصبح مرضيا لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى الجنة ومن أمسى فمثل ذلك وإن كان واحداً فواحداً وإن ظلماً وإن ظلماً وإن ظلماً ومن أصبح مسخطاً لأبويه أصبح له بابان مفتوحان إلى النار ومن أمسى مثل ذلك وإن كان واحداً فواحداً وإن ظلماً وإن ظلماً وإن ظلماً (٥) وقال ﷺ إن الجنة يوجد ريحها من مسيرة خمسمائة عام ولا يجد ريحها عاق ولا قاطع رحم (٦) وقال ﷺ بِرَّ أُمَّكَ وَأَبَاكَ وأختك وأخاك ثم أدناك فأدناك (٧) ويروى أن الله تعالى قال لموسى ﵇ يا موسى إنه من بر والديه وعقني كتبته باراً ومن برني وعق والديه كتبته عاقاً وقيل لما دخل يعقوب على يوسف ﵉ لم يقم له فأوحى الله إليه أتتعاظم أن تقوم لأبيك وعزتي وجلالي لا أخرجت من صلبك نبياً وقال ﷺ ما على أحد إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء (٨) وقال مالك بن ربيعة بينما نحن

стр. 577

عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرِّ أَبَوَيَّ شَيْءٌ أَبَرُّهُمَا بِهِ بَعْدَ وَفَاتِهِمَا قَالَ نَعَمْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمَا وَإِنْفَاذُ عَهْدِهِمَا وَإِكْرَامُ صَدِيقِهِمَا وَصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لَا تُوصَلُ إِلَّا بِهِمَا (١) وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ بَعْدَ أَنْ يُوَلِّيَ الأب (٢) وقال ﷺ بر الوالدة على الولد ضعفان (٣) وقال ﷺ دعوة الوالدة أسرع إجابة قيل يا رسول الله ولم ذاك قال هي أرحم من الأب ودعوة الرحم لا تسقط (٤) وسأله رجل فقال يا رسول الله من أبر فقال بر والديك فقال ليس لي والدان فقال بر ولدك كما أن لوالديك عليك حقاً كذلك لولدك عليك حق (٥) وقال ﷺ رَحِمَ اللَّهُ وَالِدًا أَعَانَ وَلَدَهُ عَلَى بِرِّهِ (٦) أَيْ لَمْ يَحْمِلْهُ على العقوق بسوء عمله وقال ﷺ سَاوُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ في العطية وقد قيل ولدك ريحانتك تشمها سبعاً وخادمك سبعاً ثم هو عدوك أو شريكك وقال أنس ﵁ قال النبي ﷺ الغلام يعق عنه يوم السابع ويسمى ويماط عنه الأذى فإذا بلغ ست سنين أدب فإذا بلغ تسع سنين عزل فراشه فإذا بلغ ثلاث عشرة سنة ضرب على الصلاة فإذا بلغ ست عشرة سنة زوجه أبوه ثم أخذ بيده وقال قد أدبتك وعلمتك وأنكحتك أعوذ بالله من فتنتك في الدنيا وعذابك في الآخرة (٧) وقال ﷺ من حق الوالد على الولد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه (٨) وقال ﷺ كل غلام رهين أو رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم السابع ويحلق رأسه (٩) وقال قتادة إذا ذبحت العقيقة أخذت صوفة منها فاستقبلت بها أوداجها ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل عنه مثل الخيط ثم يغسل رأسه ويحلق بعد وجاء رجل إلى عبد الله بن المبارك فشكا إليه بعض ولده فقال هل دعوت عليه قال نعم قال أنت أفسدته وَيُسْتَحَبُّ الرِّفْقُ بِالْوَلَدِ رَأَى الأقرع بن حابس النبي ﷺ وَهُوَ يُقَبِّلُ وَلَدَهُ الحسن فقال إن لي

стр. 578

عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ فَقَالَ ﷺ إِنَّ مَنْ لا يرحم لا يرحم (١) وقالت عائشة ﵂ قال لي رسول الله ﷺ يوماً اغسلي وجه أسامة فجعلت أغسله وأنا أنفة فضرب يدي ثم أخذه فغسل وجهه ثم قبله ثم قال قد أحسن بنا إذ لم يكن جارية (٢) وتعثر الحسن والنبي ﷺ على منبره فنزل فحمله وقرأ قوله ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٣) وقال عبد الله بن شداد بينما رسول الله ﷺ يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر فلما قضى صلاته قالوا قد أطلت السجود يا رسول الله حتى ظننا أنه قد حدث أمر فقال إن ابني قد ارتحلني فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته (٤) وفي ذلك فوائد إحداها القرب من الله تعالى فإن العبد أقرب ما يكون من الله تعالى إذا كان ساجداً وفيه الرفق بالولد والبر وتعليم لأمته وقال ﷺ ريح الولد من ريح الجنة (٥) وقال يزيد بن معاوية أرسل أبي إلى الأحنف بن قيس فلما وصل إليه قال له يا أبا بحر مَا تَقُولُ فِي الْوَلَدِ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ثِمَارُ قُلُوبِنَا وَعِمَادُ ظُهُورِنَا وَنَحْنُ لَهُمْ أَرْضٌ ذَلِيلَةٌ وَسَمَاءٌ ظَلِيلَةٌ وَبِهِمْ نَصُولُ عَلَى كُلِّ جَلِيلَةٍ فَإِنْ طَلَبُوا فَأَعْطِهِمْ وَإِنْ غَضِبُوا فَأَرْضِهِمْ يَمْنَحُوكَ وُدَّهُمْ وَيُحِبُّوكَ جُهْدَهُمْ وَلَا تَكُنْ عليهم ثقلاً ثَقِيلًا فَيَمَلُّوا حَيَاتَكَ وَيَوَدُّوا وَفَاتَكَ وَيَكْرَهُوا قُرْبَكَ فقال له معاوية لله أنت يا أحنف لقد دخلت علي وأنا مملوء غضباً وغيظاً على يزيد فلما خرج الأحنف من عنده رضي عن يزيد وبعث إليه بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب فأرسل يزيد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب فقاسمه إياها على الشطر فهذه هي الأخبار الدالة على تأكد حق الوالدين وكيفية القيام بحقهما تعرف مما ذكرناه في حق الأخوة فإن هذه الرابطة آكد من الأخوة بل يزيد ههنا أمران أحدهما أن أكثر العلماء على أن طاعة الأبوين وَاجِبَةٌ فِي الشُّبُهَاتِ وَإِنْ لَمْ تَجِبْ فِي الحرام المحض حتى إذا كانا يتنغصان بانفرادك عنهما بالطعام فعليك أن تأكل معهما لأن ترك الشبهة ورع ورضا الوالدين حتم وكذلك ليس لك أن تسافر في مباح أو نافلة إلا بإذنهما والمبادرة إلى الحج الذي هو فرض الإسلام نفل لأنه على التأخير والخروج لطلب العلم نفل إلا إذا كنت تطلب علم الفرض من الصلاة والصوم ولم يكن في بلدك من يعلمك وذلك كمن يسلم ابتداء في بلد ليس فيها من يعلمه شرع الإسلام فعليه الهجرة ولا يتقيد بحق الوالدين قال أبو سعيد الخدري هاجر رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من اليمن وأراد الجهاد فقال ﷺ هل باليمن أبواك قال نعم قال هل أذنا لك قال لا فقال ﷺ فارجع إلى أبويك

стр. 579

فاستأذنهما فإن فعلا فجاهد وإلا فبرهما ما استطعت فإن ذلك خير ما تلقى الله به بعد التوحيد (١) وجاء آخر إليه ﷺ ليستشيره في الغزو فقال ألك والدة قال نعم قال فألزمها فإن الجنة عند رجليها (٢) وجاء آخر يطلب البيعة على الهجرة وقال ما جئتك حتى أبكيت والدي فقال ارجع إليهما فأضحكهما كما أبكيتهما (٣) وَقَالَ ﷺ حُقُّ كَبِيرِ الإخوة على صغيرهم كحق الوالد عن ولده (٤) وقال ﷺ إذا استصعبت على أحدكم دابته أو ساء خلق زوجته أو أحد من أهل بيته فليؤذن في أذنه (٥) حقوق المملوك اعلم أن ملك النكاح قد سبقت حقوقه في آداب النكاح فأما ملك اليمين فهو أيضاً يقتضي حقوقاً في المعاشرة لا بد من مراعاتها فقد كان من آخر ما أوصى به رسول الله ﷺ أن قال اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم أطعموهم مما تأكلون واكسوهم مما تلبسون ولا تكلفوهم من العمل ما لا يطيقون فما أحببتم فأمسكوا وما كرهتم فبيعوا ولا تعذبوا خلق الله فإن الله ملككم إياهم ولو شاء لملكهم إياكم (٦) وقال ﷺ للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق (٧) وَقَالَ ﷺ لَا يَدْخُلُ الجنة خب ولا متكبر ولا خائن ولا سيئ الملكة (٨) وقال عبد الله بن عمر ﵄ جاء رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال يا رسول الله كم نعفو عن الخادم فصمت عنه رسول الله ﷺ

стр. 580

﴿ثم قال﴾ اعف عنه في كل يوم سبعين مرة (١) وكان عمر ﵁ يذهب إلى العوالي في كل يوم سبت فإذا وجد عبداً في عمل لا يطيقه وضع عنه منه ويروى عن أبي هريرة ﵁ أنه رأى رجلاً على دابته وغلامه يسعى خلفه فقال له يا عبد الله احمله خلفك فإنما هو أخوك روحه مثل روحك فحمله ثم قال لا يزال العبد يزداد من الله بعداً ما مشى خلفه وقالت جارية لأبي الدرداء إني سممتك منذ سنة فما عمل فيك شيئاً فقال لم فعلت ذلك فقالت أردت الراحة منك فقال اذهبي فأنت حرة لوجه الله وقال الزهري متى قلت للمملوك أخزاك الله فهو حر وقيل للأحنف بن قيس ممن تعلمت الحلم قال من قيس بن عاصم قيل فما بلغ من حِلْمُهُ قَالَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي دَارِهِ إذا أتته خادمة له بسفود عليه شواء فسقط السفود من يدها على ابن له فعقره فمات فدهشت الجارية فقال ليس يسكن روع هذه الجارية إلا العتق فقال لها أنت حرة لا بأس عليك وكان عون ابن عبد الله إذا عصاه غلامه قال ما أشبهك بمولاك مولاك يعصي مولاه وأنت تعصي مولاك فأغضبه يوماً فقال إنما تريد أن أضربك اذهب فأنت حر وكان عند ميمون بن مهران ضيف فاستعجل على جاريته بالعشاء فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة فعثرت وأراقتها على رأس سيدها ميمون فقال يا جارية أحرقتني قالت يا معلم الخير ومؤدب الناس ارجع إلى ما قال الله تعالى قال وما قال الله تعالى قالت قال والكاظمين الغيظ قال قد كظمت غيظي قالت والعافين عن الناس قال قد عفوت عنك قالت زد فإن الله تعالى يقول والله يحب المحسنين قال أنت حرة لوجه الله تعالى وقال ابن المنكدر أن رجلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضرب عبداً له فجعل العبد يقول أسألك بالله أسألك بوجه الله فلم يعفه فسمع رسول الله ﷺ صياح العبد فانطلق إليه فلما رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمسك يده فقال رسول الله سألك بوجه الله فلم تعفه فلما رأيتني أمسكت يدك قال فإنه حر لوجه الله يا رسول الله فقال لو لم تفعل لسفعت وجهك النار (٢) وقال ﷺ العبد إذا نصح لسيده وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين (٣) ولما أعتق أبو رافع بكى وقال كان لي أجران فذهب أحدهما وقال ﷺ عرض علي أول ثلاثة يدخلون الجنة وأول ثلاثة يدخلون النار فأما أول ثلاثة يدخلون الجنة فالشهيد وعبد مملوك أحسن عبادة ربه ونصح لسيده وعفيف متعفف ذو عيال وأول ثلاثة يدخلون النار أمير مسلط وذو ثروة لا يعطي حق الله وفقير فخور (٤) وعن أبي مسعود الأنصاري قال بينا أنا أضرب غلاما لي إذ سمعت صوتاً من خلفي اعلم يا أبا مسعود مرتين فالتفت فإذا رسول الله ﷺ فألقيت السوط من يدي فقال والله لله أقدر عليك منك على هذا (٥) وقال ﷺ إذا ابتاع أحدكم الخادم فليكن أول شيء يطعمه الحلو فإنه أطيب لنفسه (٦) رواه معاذ

стр. 581

وقال أبو هريرة ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فليجلسه وليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله لقمة (١) وفي رواية إذا كفى أحدكم مملوكه صنعة طعامه فكفاه حره ومؤنته وقربه إليه فليجلسه وليأكل معه فإن لم يفعل فليناوله أو ليأخذ أكلة فليروغها وأشار بيده وليضعها في يده وليقل كل هذه ودخل على سلمان رجل وهو يعجن فقال يا أبا عبد الله ما هذا فقال بعثنا الخادم في شغل فكرهنا أن نجمع عليه عملين وقال ﷺ من كانت عنده جارية فصانها وأحسن إليها ثم أعتقها وتزوجها فذلك له أجران (٢) وقد قال ﷺ كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته (٣) فجملة حق المملوك أن يشركه في طعمته وكسوته ولا يكلفه فوق طاقته ولا ينظر إليه بعين الكبر والازدراء وأن يعفو عن زلته ويتفكر عند غضبه عليه بهفوته أو بجنايته في معاصيه وجنايته على حق الله تعالى وتقصيره في طاعته مع أن قدرة الله عليه فوق قدرته وروى فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ قَالَ ثَلَاثَةٌ لَا يسئل عنهم رجل فارق الجماعة ورجل عصى إمامه فمات عاصياً فلا يسأل عنهما وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فتبرجت بعده فلا يسأل عنها وثلاثة لا يسأل عنهم رجل ينازع الله رداءه ورداؤه الكبرياء وإزاره العز ورجل في شك من الله وقنوط من رحمة الله (٤) تم كتاب آداب الصحبة والمعاشرة مع أصناف الخلق كتاب آداب العزلة وهو الكتاب السادس من ربع العادات من كتب إحياء علوم الدين بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي أعظم النعمة على خيرة خلقه وصفوته بأن صرف هممهم إلى مؤانسته وأجزل حظهم من التلذذ بمشاهدة آلائه وعظمته ورّوح أسرارهم بمناجاته وملاطفته وحقر في قلوبهم النظر الى متاع الدنيا وزهرتها حتى اغتبط بعزلته كل من طويت الحجب عن مجاري فكرته فاستأنس بمطالعة سبحات وجهه تعالى في خلوته واستوحش بذلك عن الأنس بالأنس وإن كان من أخص خاصته والصلاة على سيدنا محمد سيد أنبيائه وخيرته وعلى آله وصحابته سادة الحق وأئمته أما بعد فإن للناس اختلافاً كثيراً في العزلة والمخالطة وتفضيل إحداهما على الأخرى ومع أن كل واحدة منهما لا تنفك عن غوائل تنفر عنها وفوائد تدعو الى إليها وميل أكثر العباد والزهاد الى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة وما ذكرناه في كتاب الصحبة من فضيلة المخالطة والمؤاخاة والمؤالفة يكاد يناقض ما مال إليه الأكثرون من اختيار الإستيحاش والخلوة فكشف الغطاء عن الحق في ذلك مهم ويحصل ذلك برسم بابين الباب الأول في نقل المذاهب والحجج فيها الباب الثاني في كشف الغطاء عن الحق بحصر الفوائد والغوائل

стр. 582

الباب الأول في نقل المذاهب والأقاويل وذكر حجج الفريقين في ذلك أما المذاهب فقد اختلف فيها وظهر هذا الاختلاف بين التابعين فذهب الى اختيار العزلة وتفضيلها على المخالطة سفيان الثوري وابراهيم بن أدهم وداود الطائي وفضيل بن عياض وسليمان الخوّاص ويوسف بن أسباط وحذيفة المرعشي وبشر الحافي وقال أكثر التابعين باستحباب الْمُخَالَطَةِ وَاسْتِكْثَارِ الْمَعَارِفِ وَالْإِخْوَانِ وَالتَّآلُفِ وَالتَّحَبُّبِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِمْ فِي الدِّينِ تَعَاوُنًا عَلَى البر والتقوى ومال الى هذا سعيد بن المسيب والشعبي وابن أبي ليلى وهشام بن عروة وابن شبرمة وشريح وشريك بن عبد الله وابن عيينة وابن المبارك والشافعي وأحمد بن حنبل وجماعة والمأثور عن العلماء من الكلمات ينقسم الى كلمات مطلقة تدل على الميل إلى أحد الرأيين والى كلمات مقرونة بما يشير إلى علة الميل فلننقل الآن مطلقات تلك الكلمات لنبين المذاهب فيها وما هو مقرون بذكر العلة نورده عند التعرض للغوائل والفوائد فنقول قد روي عن عمر ﵁ أنه قال خذوا بحظكم من العزلة وقال ابن سيرين العزلة عبادة وقال الفضيل كفى بالله محباً وبالقرآن مؤنساً وبالموت واعظاً وقيل اتخذ الله صاحباً ودع الناس جانباً وقال أبو الربيع الزاهد لداود الطائي عظني قال صم عن الدنيا واجعل فطرك الآخرة وفرّ من الناس فرارك من الأسد وقال الحسن ﵀ كلمات أحفظهن من التوراة قنع ابن آدم فاستغنى اعتزل الناس فسلم ترك الشهوات فصار حراً وترك الحسد فظهرت مروءته صبر قليلاً فتمتع طويلاً وقال وهيب ابن الورد بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار ما أصبرك على الوحدة وقد كان لزم البيت فقال كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا كنت أجالس الناس ولا أكلمهم وقال سفيان الثوري هذا وقت السكوت وملازمة البيوت وقال بعضهم كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية فمكث معنا سبعاً لا نسمع له كلاماً فقلنا له يا هذا قد جمعنا الله وإياك منذ سبع ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا فأنشأ يقول قليل الهم لا ولد يموت ... ولا أمر يحاذره يفوت قضى وطر الصبا وأفاد علماً ... فغايته التفرّد والسكوت وقال إبراهيم النخعي لرجل تفقه ثم اعتزل وكذا قال الربيع بن خثيم وقيل كان مالك بن أنس يشهد الجنائز ويعود المرضى ويعطي الإخوان حقوقهم فترك ذلك واحداً واحداً حتى تركها كلها وكان يقول لا يتهيأ للمرء أن يحبر كل عذر له وقيل لعمر بن عبد العزيز لو تفرغت لنا فقال ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله تعالى وقال الفضيل إني لأجد للرجل عندي يداً إذا لقيني أن لا يسلم علي وإذا مرضت أن لا يعودني وقال أبو سليمان الداراني بينما الربيع ابن خثيم جالس على باب داره إذ جاءه حجر فصك جبهته فشجه فجعل يمسح الدم ويقول لقد وعظت يا ربيع فقام ودخل داره فما جلس بعد ذلك على باب داره حتى أخرجت جنازته وكان سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد لزما بيوتهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة لجمعة ولا غيرها حتى ماتا بالعقيق وقال يوسف بن أسباط سمعت سفيان الثوري يقول والله الذي لا إله إلا هو لقد حلت العزلة وقال بشر بن عبد الله أقل من معرفة الناس فإنك لا تدري ما يكون يوم القيامة فإن تكن

стр. 583

فضيحة كان من يعرفك قليلاً ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم فقال له ألك حاجة قال نعم قال وما هي قال أن لا تراني ولا أراك ولا تعرفني وقال رجل لسهل أريد أن اصحبك فقال إذا مات أحدنا فمن يصحب الآخر قال الله قال فليصحبه الآن وقيل للفضيل إن علياً ابنك يقول لوددت أني في مكان أرى الناس ولا يروني فبكى الفضيل وقال يا ويح على أفلاً أتمها فقال لا أراهم ولا يروني وقال الفضيل أيضاً من سخافة عقل الرجل كثرة معارفه وقال ابن عباس ﵄ أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى ولا ترى فهذه أقاويل المائلين الى العزلة ذكر حجج المائلين إلى المخالطة ووجه ضعفها احتج هؤلاء بقوله تعالى ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ الآية وبقوله تعالى ﴿فألف بين قلوبكم﴾ أمتن على الناس بالسبب المؤلف وهذا ضعيف لأن المراد به تفرّق الآراء واختلاف المذاهب في معاني كتاب الله وأصول الشريعة والمراد بالألفة نزع الغوائل من الصدور وهي الأسباب المثيرة للفتن المحركة للخصومات والعزلة لا تنافى ذلك واحتجوا بقوله ﷺ الْمُؤْمِنُ آلِفٌ مَأْلُوفٌ وَلَا خَيْرَ فِيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ (١) وهذا ضعيف لأنه إشارة إلى مذمة سوء الخلق تمتنع بسببه المؤالفة ولا يدخل تحته الحسن الخلق الذي إن خالط ألف وألف ولكنه ترك المخالطة اشتغالا بنفسه وطلبا للسلامة من غيره واحتجوا بقوله ﷺ من فارق الجماعة شبرا خلع ربقة الإسلام من عنقه وقال من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية (٢) وبقوله ﷺ من شق عصا المسلمين والمسلمون في إسلام دامج فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه (٣) وهذا ضعيف لأن المراد به الجماعة التي اتفقت آراؤهم على إمام بعقد البيعة فالخروج عليهم بغى وذلك مخالفة بالرأي وخروج عليهم وذلك محظور لاضطرار الخلق إلى إمام مطاع يجمع رأيهم ولا يكون ذلك إلا بالبيعة من الأكثر فالمخالفة تشويش مثير للفتنة فليس في هذا تعرض للعزلة واحتجوا بنهيه ﷺ عن الهجر فوق ثلاث إذ قال من هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار (٤) وقال ﷺ لا يحل لامرئ مسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث والسابق بالصلح يدخل الجنة (٥) وقال من هجر أخاه سنة فهو كسافك دمه (٦) قالوا والعزلة هجره بالكلية وهذا ضعيف لأن المراد به الغضب على الناس واللجاج فيه بقطع الكلام والسلام والمخالطة المعتادة فلا يدخل فيه ترك المخالطة أصلا من غير غضب مع أن الهجر فوق ثلاث جائز في موضعين أحدهما أن يرى فيه إصلاحا للمهجور في الزيادة الثاني أن يرى لنفسه سلامة فيه

стр. 584

والنهي وان كان عاما فهو محمول على ما وراء الموضعين المخصوصين بدليل ما روي عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ هجرها ذا الحجة والمحرّم وبعض صفر (١) وروى عن عمر أنه ﷺ اعتزل نساءه وآلى منهن شهرا وصعد إلى غرفة له وهى خزانته فلبث تسعا وعشرين يوما فلما نزل قيل له إنك كنت فيها تسعا وعشرين فقال الشهر قد يكون تسعا وعشرين (٢) وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثلاثة أيام إلا أن يكون ممن لا تؤمن بوائقه (٣) فهذا صريح في التخصيص وعلى هذا ينزل قول الحسن ﵀ حيث قال هجران الأحمق قربة إلى الله فإن ذلك يدوم إلى الموت إذ الحماقة لا ينتظر علاجها وذكر عند محمد بن عمر الواقدي رجل هجر رجلا حتى مات فقال هذا شيء قدم تقدّم فيه قوم سعد بن أبي وقاص كان مهاجرا لعمار بن ياسر حتى مات وعثمان بن عفان كان مهاجرا لعبد الرحمن بن عوف وعائشة كانت مهاجرة لحفصة وكان طاوس مهاجرا لوهب بن منبه حتى ماتا وكل ذلك يحمل على رؤيتهم سلامتهم في المهاجرة واحتجوا بما روى أن رجلا أتى الجبل ليتعبد فيه فجيء به إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال لا تفعل أنت ولا أحد منكم لصبر أحدكم في بعض مواطن الإسلام خير له من عبادة أحدكم وحده أربعين عاما (٤) والظاهر أنّ هذا إنما كان لما فيه من ترك الجهاد مع شدة وجوبة في ابتداء الإسلام بدليل ما روي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال غزونا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فمررنا بشعب فيه عيينة طيبة الماء فقال واحد من القوم لو اعتزلت الناس في هذا الشعب ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله ﷺ فقال ﷺ لا تفعل فان مقام أحدكم في سبيل الله خير من صلاته في أهله ستين عاما ألا تحبون أن يغفر الله لكم وتدخلون الجنة اغزوا في سبيل الله فانه من قاتل في سبيل الله فواق ناقة أدخله الله الجنة (٥) واحتجوا بما روى معاذ بن جبل أنه ﷺ قال ان الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ القاصية والناحية والشاردة وإياكم والشعاب وعليكم بالعامة والجماعة والمساجد (٦) وهذا إنما أراد به من اعتزل قبل تمام الغلم وسيأتي بيان ذلك وأن ذلك ينهى عنه إلا لضرورة ذكر حجج المائلين إلى تفضيل العزلة احتجوا بقوله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇ ﴿وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي﴾ الآية ثم قال تعالى فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلاً جعلنا نبياً إشارة إلى أن ذلك ببركة العزلة وهذا ضعيف لأن مخالطة الكفار لا فائدة فيها إلا دعوتهم الى الدين وعند اليأس من إجابتهم فلا وجه

стр. 585

إلا هجرهم وإنما الكلام في مخالطة المسلمين وما فيها من البركة لما روي أنه قيل يا رسول الله الوضوء من جر مخمر أحب إليك أو من هذه المطاهر التي يتطهر منها الناس فقال بل من هذه المطاهر التماساً لبركة أيدي المسلمين (١) وروي أنه ﷺ لما طاف بالبيت عدل الى زمزم ليشرب منها فإذا التمر المنقع في حياض الأدم وقد مغثه الناس بأيديهم وهم يتناولون منه ويشربون فاستسقى منه وقال أسقوني فقال العباس إن هذا النبيذ شراب قد مغث وخيض بالأيدي أفلا آتيك بشراب أنظف من هذا من جر مخمر في البيت فقال أسقوني من هذا الذي يشرب منه الناس ألتمس بركة أيدي المسلمين فشرب منه (٢) فإذن كيف يستدل باعتزال الكفار والأصنام على اعتزال المسلمين مع كثرة البركة فيهم واحتجوا أيضاً بقول موسى ﵇ ﴿وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون﴾ وأنه فزع إلى العزلة عند اليأس منهم وقال تعالى في أصحاب الكهف وإذا اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته أمرهم بالعزلة وقد اعتزل نبينا ﷺ قريشاً لما آذوه وجفوه ودخل الشعب وامر أصحابه باعتزالهم والهجرة الى أرض الحبشة (٣) ثم تلاحقوا به الى المدينة بعد أن أعلى الله كلمته وهذا أيضاً اعتزال عن الكفار بعد اليأس منهم فإنه ﷺ لم يعتزل المسلمين ولا من توقع إسلامه من الكفار وأهل الكهف لم يعتزل بعضهم بعضاً وهم مؤمنون وإنما اعتزلوا الكفار وإنما النظر في العزلة من المسلمين واحتجوا بقوله ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامر الجهني لما قال يا رسول الله ما النجاة قال ليسعك بيتك وأمسك عليك لسانك وآبك على خطيئتك وروي أنه قيل له ﷺ أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ قال مؤمن مجاهد بنفسه وماله في سبيل الله تعالى قيل ثم من قال رجل معتزل في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شرّه وَقَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ يحب العبد التقي النقي الخفي (٤) وفي الإحتجاج بهذه الأحاديث نظر فأما قوله لعبد الله بن عامر فلا يمكن تنزيله إلا على ما عرفه ﷺ بنور النبوة من حاله وإن لزوم البيت كان أليق به وأسلم له من المخالطة فإنه لم يأمر جميع الصحابة بذلك ورب شخص تكون سلامته في العزلة لا في المخالطة كما قد تكون سلامته في القعود في البيت وأن لا يخرج الى الجهاد

стр. 586

وذلك لا يدل على أن ترك الجهاد أفضل وفي مخالطة الناس مجاهدة ومقاساة ولذلك قال ﷺ الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم (١) وعلى هذا ينزل قوله ﷺ رجل معتزل يعبد ربه ويدع الناس من شره فهذا إشارة الى شرير بطبعه تتأذى الناس بمخالطته وقوله إن الله يحب التقي الخفي إشارة الى إيثار الخمول وتوقي الشهرة وذلك لا يتعلق بالعزلة فكم من راهب معتزل تعرفه كافة الناس وكم من مخالط خامل لا ذكر له ولا شهرة فهذا تعرض لأمر لا يتعلق بالعزلة واحتجوا بما روي أنه ﷺ قال لأصحابه ألا أنبئكم بخير الناس قالوا بلى يا رسول الله فأشار بيده نحو المغرب وقال رجل آخذ بعنان فرسه في سبيل الله ينتظر أن يغير أو يغار عليه ألا أنبئكم بخير الناس بعده وأشار بيده نحو الحجاز وقال رجل في غنمه يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعلم حق الله في ماله اعتزل شرور الناس (٢) فإذا ظهر أن هذه الأدلة لا شفاء فيها من الجانبين فلا بد من كشف الغطاء بالتصريح بفوائد العزلة وغوائلها ومقايسة بعضها بالبعض ليتبين الحق فيها الباب الثاني في فوائد العزلة وغوائلها وكشف الحق في فضلها اعلم أن اختلاف الناس في هذا يضاهي اختلافهم في فضيلة النكاح والعزوبة وقد ذكرنا أن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص بحسب ما فصلناه من آفات النكاح وفوائده فكذلك القول فيما نحن فيه فلنذكر أولا فوائد العزلة وهي تنقسم الى فوائد دينية ودنيوية والدينية تنقسم إلى ما يمكن من تحصيل الطاعات في الخلوة والمواظبة على العبادة والفكر وتربية العلم وإلى تخلص مِنِ ارْتِكَابِ الْمَنَاهِي الَّتِي يَتَعَرَّضُ الْإِنْسَانُ لَهَا بِالْمُخَالَطَةِ كَالرِّيَاءِ وَالْغِيبَةِ وَالسُّكُوتِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ والنهي عن المنكر ومسارقة الطبع من الْأَخْلَاقَ الرَّدِيئَةَ وَالْأَعْمَالَ الْخَبِيثَةَ مِنْ جُلَسَاءِ السُّوءِ وأما الدنيوية فتنقسم إلى ما يمكن من التحصيل بالخلوة كتمكن المحترف في خلوته إلى ما يخلص من محذورات يتعرض لها بالمخالطة كالنظر إلى زهرة الدنيا وإقبال الخلق عليها وطمعه في الناس وطمع الناس فيه وانكشاف ستر مروءته بالمخالطة والتأذي بسوء خلق الجليس في مرائه أو سوء ظنه أو نميمته أو محاسدته أو التأذي بثقله وتشويه خلقته وإلى هذا ترجع مجامع فوائد العزلة فلنحصرها في ست فوائد الفائدة الأولى التفرّغ للعبادة والفكر والإستئناس بمناجاة الله تعالى عن مناجاة الخلق والإشتغال باستكشاف أسرار الله تعالى في أمر الدنيا والآخرة وملكوت السموات والأرض فإن ذلك يستدعي فراغاً ولا فراغ مع المخالطة فالعزلة وسيلة اليه ولهذا قال بعض الحكماء لا يتمكن أحد من الخلوة إلا بالتمسك بكتاب الله تعالى والمتمسكون بكتاب الله تعالى هم الذين استراحوا من الدنيا بذكر الله الذاكرون الله بالله عاشوا بذكر الله وماتوا بذكر الله ولقوا الله

стр. 587

بذكر الله ولا شك في أن هؤلاء تمنعهم المخالطة عن الفكر والذكر فالعزلة أولى بهم ولذلك كان ﷺ في ابتداء أمره يتبتل في جبل حراء وينعزل إليه حتى قوي فيه نور النبوة (١) فكان الخلق لا يحجبونه عن الله فكان ببدنه مع الخلق وبقلبه مقبلاً على الله تعالى حتى كان الناس يظنون أن أبا بكر خليله فأخبر النبي ﷺ عن استغراق همه بالله فقال لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً ولكن صاحبكم خليل الله (٢) ولن يسع الجمع بين مخالطة الناس ظاهراً والإقبال على الله سراً إلا قوة النبوة فلا ينبغي أن يغتر كل ضعيف بنفسه فيطمع في ذلك ولا يبعد أن تنتهي درجة بعض الأولياء إليه فقد نقل عن الجنيد أنه قال أنا أكلم الله منذ ثلاثين سنة والناس يظنون أني أكلمهم وهذا إنما يتيسر للمستغرق بحب الله استغراقاً لا يبقي لغيره فيه متسع وذلك غير منكر ففي المشتهرين بحب الخلق من يخالط الناس ببدنه وهو لا يدري ما يقول ولا ما يقال له لفرط عشقه لمحبوبه بل الذي دهاه ملم يشوّش عليه أمراً من أمور دنياه فقد يستغرقه الهم بحيث يخالط الناس ولا يحس بهم ولا يسمع أصواتهم لشدة استغراقه وأمر الآخرة أعظم عند العقلاء فلا تستحيل ذلك فيه ولكن الأولى بالأكثرين الاستعانة بالعزلة ولذلك قيل لبعض الحكماء ما الذي أرادوا بالخلوة واختيار العزلة فقال يستدعون بذلك دوام الفكرة وتثبت العلوم في قلوبهم ليحيوا حياة طيبة ويذوقوا حلاوة المعرفة وقيل لبعض الرهبان ما أصبرك على الوحدة فقال ما أنا وحدي أنا جليس الله تعالى إذا شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإذا شئت أن أناجيه صليت وقيل لبعض الحكماء إلى أي شيء أفضى بكم الزهد والخلوة فقال إلى الأنس بالله وقال سفيان بن عيينة لقيت إبراهيم ابن أدهم ﵀ في بلاد الشام فقلت له يا إبراهيم تركت خراسان فقال ما تهنأت بالعيش إلا ههنا أفرّ بديني من شاهق الى شاهق فمن يراني يقول موسوس أو حمال أو ملاح وقيل لغزوان الرقاشي هبك لا تضحك فما يمنعك من مجالسة إخوانك قال إني أصيب راحة قلبي في مجالسة من عنده حاجتي وقيل للحسن يا أبا سعيد ههنا رجل لم تره قط جالساً إلا وحده خلف سارية فقال الحسن إذا رأيتموه فأخبروني به فنظروا إليه ذات يوم فقالوا للحسن هذا الرجل الذي أخبرناك به وأشاروا إليه فمضى إليه الحسن وقال له يا عبد الله أراك قد حببت إليك العزلة فما يمنعك من مجالسة الناس فقال أمر شغلني عن الناس قال فما يمنعك أن تأتي هذا الرجل الذي يقال له الحسن فتجلس إليه فقال أمر شغلني عن الناس وعن الحسن فقال له الحسن وما ذاك الشغل يرحمك الله فقال إني أصبح وأمسي بين نعمة وذنب فرأيت أن أشغل نفسي بشكر الله تعالى على النعمة والإستغفار من الذنب فقال له الحسن أنت يا عبد الله أفقه عندي من الحسن فالزم ما أنت عليه وقيل بينما أويس القرني جالس إذ أتاه هرم بن حيان فقال له أويس ما جاء بك قال جئت لآنس بك فقال أويس ما كنت أرى أن أحداً يعرف ربه فيأنس بغيره وقال الفضيل إذا رأيت الليل مقبلاً فرحت به وقلت أخلو بربي وإذا رأيت الصبح أدركني استرجعت كراهية لقاء الناس وأن يجيئني من يشغلني عن ربي وقال عبد الله بن زيد طوبى لمن عاش في الدنيا وعاش في الآخرة قيل له وكيف ذلك قال يناجي الله في الدنيا ويجاوره في الآخرة وقال ذو النون المصري سرور المؤمن ولذته في الخلوة بمناجاة ربه وقال مالك بن دينار من لم يأنس بمحادثة الله عن محادثة المخلوقين فقد قل علمه وعمى

стр. 588

قلبه وضيع عمره وقال ابن المبارك ما أحب حال من انقطع إلى الله تعالى ويروى عن بعض الصالحين أنه قال بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذا أنا بعابد خارج من بعض تلك الجبال فلما نظر إلي تنحى الى أصل شجرة وتستر بها فقلت سبحان الله تبخل علي بالنظر إليك فقال هذا إني أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبي وفني فيه عمري فسألت الله تعالى أن لا يجعل حظي من أيامي في مجاهدة قلبي فسكنه الله عن الإضطراب وألفه الوحدة والإنفراد فلما نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأول فإليك عني فإني أعوذ من شرك برب العارفين وحبيب القانتين ثم صاح واغماه من طول المكث في الدنيا ثم حوّل وجهه عني ثم نفض يديه وقال إليك عني يا دنيا لغيري فتزيني وأهلك فغري ثم قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذة الخدمة وحلاوة الإنقطاع إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان وجمع همهم في ذكره فلا شيء ألذ عندهم من مناجاته ثم مضى وهو يقول قدوس قدوس فإذاً في الخلوة أنس بذكر الله واستكثار من معرفة الله وفي مثل ذلك قيل وإني لأستغشى وما بي غشوة ... لعل خيالاً منك يلقى خياليا وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث عنك النفس بالسر خاليا ولذلك قال بعض الحكماء إنما يستوحش الإنسان من نفسه لخلو ذاته عن الفضيلة فيكثر حينئذ ملاقاة الناس ويطرد الوحشة عن نفسه بالكون معهم فإذا كانت ذاته فاضلة طلب الوحدة ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم والحكمة وقد قيل الإستئناس من علامات الإفلاس فإذاً هذه فائدة جزيلة ولكن في حق بعض الخواص ومن يتيسر له بدوام الذكر الأنس بالله أو بدوام الفكر التحقق في معرفة الله فالتجرد له أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة فإن غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الإنسان محباً لله عارفاً بالله ولا محبة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر ولا معرفة إلا بدوام الفكر وفراغ القلب شرط في كل واحد منهما ولا فراغ مع المخالطة الفائدة الثانية التخلص بالعزلة عن المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة ويسلم منها في الخلوة وهي أربعة الغيبة والنميمة والرياء وَالسُّكُوتِ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ومسارقة الطبع من الأخلاق الرديئة والأعمال الخبيثة التي يوجبها الحرص على الدنيا أما الغيبة فإذا عرفت من كتاب آفات اللسان من ربع المهلكات وجوهها عرفت أن التحرز عنها مع المخالطة عظيم لا ينجو منها إلا الصدّيقون فإن عادة الناس كافة التمضمض بأعراض الناس والتفكه بها والتنفل بحلاوتها وهي طعمتهم ولذتهم وإليها يستروحون من وحشتهم في الخلوة فإن خالطتهم ووافقتهم أثمت وتعرضت لسخط الله تعالى وإن سكت كنت شريكا والمستمع أحد المغتابين وإن أنكرت أبغضوك وتركوا ذلك المغتاب واغتابوك فازدادوا غيبة إلى غيبة وربما زادوا على الغيبة وانتهوا إلى الإستخفاف والشتم وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو من أصول الدين وهو واجب كما سيأتي بيانه في آخر هذا الربع ومن خالط الناس فلا يخلو عن مشاهدة المنكرات فإن سكت عصى الله به وإن أنكر تعرض لأنواع من الضرر إذ ربما يجره طلب الخلاص عنها إلى معاص هي أكبر مما نهى عنه ابتداء وفي العزلة خلاص من هذا فإن الأمر في إهماله شديد والقيام به شاق وقدم قام أبو بكر رضي الله عند خطيبا وقال أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية

стр. 589

﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾ وإنكم تضعونها في غير موضعها وإني سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يقول إذا رأى الناس المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب (١) وقد قَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ ليسأل العبد حتى يقول له ما منعك إذا رأيت المنكر أن تنكره فإذا لقن الله لعبد حجته قال يا رب رجوتك وخفت الناس (٢) وهذا إذا خاف من ضرب أو أمر لا يطاق ومعرفة حدود ذلك مشكلة وفيه خطر وفي العزلة خلاص وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إثارة للخصومات وتحريك لغوائل الصدور كما قيل وكم سقت في آثاركم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح ومن جرب الأمر بالمعروف ندم عليه غالباً فإنه كجدار مائل يريد الإنسان أن يقيمه فيوشك أن يسقط عليه فإذا سقط عليه يقول يا ليتني تركته مائلاً نعم لو وجد أعواناً أمسكوا الحائط حتى يحكمه بدعامة لاستقام وأنت اليوم لا تجد الأعوان فدعهم وانج بنفسك وأما الرياء فهو الداء العضال الذي يعسر على الأبدال والأوتاد الاحتراز عنه وكل من خالط الناس داراهم ومن داراهم راءاهم ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فيه وهلك كما هلكوا وأقل ما يلزم فيه النفاق فإنك إن خالطت متعاديين ولم تلق كل واحد منهما بوجه يوافقه صرت بغيضاً إليهما جميعاً وإن جاملتهما كنت من شرار الناس وقال ﷺ تجدون من شرار الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه (٣) وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ شر الناس ذا الوجهين يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه (٤) وأقل ما يجب في مخالطة الناس إظهار الشوق والمبالغة فيه ولا يخلو ذلك عن كذب إما في الأصل وإما في الزيادة وإظهار الشفقة بالسؤال عن الأحوال بقولك كيف أنت وكيف أهلك وأنت في الباطن فارغ القلب من همومه وهذا نفاق محض قال سرى لو دخل أخ لي فسويت لحيتي بيدي لدخوله لخشيت أن أكتب في جريدة المنافقين وكان الفضيل جالسا وحده في المسجد الحرام فجاء إليه أخ له فقال له ما جاء بك قال المؤانسة يا أبا علي فقال هي والله بالمواحشة أشبه هل تريد إلا أن تتزين لي وأتزين لك وتكذب لي وأكذب لك إما أن تقوم عني أو أقوم عنك وقال بعض العلماء ما أحب الله عبداً إلا أحب أن لا يشعر به ودخل طاوس على الخليفة هشام فقال كيف أنت يا هشام فغضب عليه وقال لم لم تخاطبني بأمير المؤمنين فقال لأن جميع المسلمين ما اتفقوا على خلافتك فخشيت أن أكون كاذباً فمن أمكنه أن يحترز هذا الإحتراز فليخالط الناس وإلا فليرض بإثبات اسمه في جريدة المنافقين فقد كان السلف يتلاقون ويحترزون في قولهم كيف أصبحت وكيف أمسيت وكيف أنت وكيف حالك وفي الجواب عنه فكان سؤالهم عن أحوال الدين لا عن أحوال الدنيا قال حاتم الأصم لحامد اللفاف كيف أنت في نفسك قال سالم معافى فكره حاتم جوابه وقال يا حامد السلامة من وراء الصراط والعافية في الجنة وكان إذا قيل لعيسى ﷺ كيف أصبحت قال أصبحت لا أملك تقديم ما أرجو ولا أستطيع دفع ما أحاذر وأصبحت مرتهناً بعملي والخير كله في يد غيري ولا فقير أفقر مني

стр. 590

وكان الربيع بن خثيم إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت من ضعفاء مذنبين نستوفي أرزاقنا وننتظر آجالنا وكان أبو الدرداء إذا قيل له كيف أصبحت قال أصبحت بخير إن نجوت من النار وكان سفيان الثوري إذا قيل له كيف أصبحت يقول أصبحت أشكر ذا الى ذا وأذم ذا الى ذا وأفر من ذا الى ذا وقيل لأويس القرني كيف أصبحت قال كيف يصبح رجل إذا أمسى لا يدري أنه يصبح وإذا أصبح لا يدري أنه يمسي وقيل لمالك بن دينار كيف أصبحت قال أصبحت في عمر ينقص وذنوب تزيد وقيل لبعض الحكماء كيف أصبحت قال أصبحت لا أرضى حياتي لمماتي ولا نفسي لربي وقيل لحكيم كيف أصبحت قال أصبحت آكل رزق ربي وأطيع عدوه إبليس وقيل لمحمد بن واسع كيف أصبحت قال ما ظنك برجل يرتحل كل يوم إلى الآخرة مرحلة وقيل لحامد اللفاف كيف أصبحت قال أصبحت أشتهي عافية يوم الى الليل فقيل له ألست في عافية في كل الأيام فقال العافية يوم لا أعصى الله تعالى فيه وقيل لرجل وهو يجود بنفسه ما حالك فقال وما حال من يريد سفراً بعيداً بلا زاد ويدخل قبراً موحشاً بلا مؤنس وينطلق إلى ملك عدل بلا حجة وقيل لحسان ابن أبي سنان ما حالك قال ما حال من يموت ثم يبعث ثم يحاسب وقال ابن سيرين لرجل كيف حالك فقال وما حال من عليه خمسمائة درهم ديناً وهو معيل فدخل ابن سيرين منزله فأخرج له ألف درهم فدفعها إليه وقال خمسمائة اقض بها دينك وخمسمائة عد بها على نفسك وعيالك ولم يكن عنده غيرها ثم قال والله لا أسأل أحداً عن حاله أبداً وإنما فعل ذلك لأنه خشي أن يكون سؤاله من غير اهتمام بأمره فيكون بذلك مرائياً منافقاً فقد كان سؤالهم عن أمور الدين وأحوال القلب في معاملة الله وإن سألوا عن أمور الدنيا فعن اهتمام وعزم على القيام بما يظهر لهم من الحاجة وقال بعضهم إني لأعرف أقواماً كانوا لا يتلاقون ولو حكم أحدهم على صاحبه بجميع ما يملكه لم يمنعه وأرى الآن أقواما يتلاقون ويتساءلون حتى عن الدجاجة في البيت ولو انبسط أحدهم لحبة من مال صاحبه لمنعه فهل هذا إلا مجرد الرياء والنفاق وآية ذلك أنك ترى هذا يقول كيف أنت ويقول الآخر كيف أنت فالسائل لا ينتظر الجواب والمسئول يشتغل بالسؤال ولا يجيب وذلك لمعرفتهم بأن ذلك عن رياء وتكلف ولعل القلوب لا تخلو عن ضغائن وأحقاد والألسنة تنطق بالسؤال قال الحسن إنما كانوا يقولون السلام عليكم إذا سلمت والله القلوب وأما الآن فكيف أصبحت عافاك الله كيف أنت أصلحك الله فإن أخذنا بقولهم كانت بدعة لا كرامة فإن شاءوا غضبوا علينا وإن شاءوا لا وإنما قال ذلك لأن البداية بقولك كيف أصبحت بدعة وقال رجل لأبي بكر بن عياش كيف أصبحت فما أجابه وقال دعونا من هذه البدعة وقال إنما حدث هذا في زمان الطاعون الذي كان يدعى طاعون عمواس بالشام من الموت الذريع كان الرجل يلقاه أخوه غدوة فيقول كيف أصبحت من الطاعون ويلقاه عشية فيقول كيف أمسيت والمقصود أن الالتقاء في غالب العادات ليس يخلو عن أنواع من التصنع والرياء والنفاق وكل ذلك مذموم بعضه محظور وبعضه مكروه وفي العزلة الخلاص من ذلك فإن من لقي الخلق ولم يخالقهم بأخلاقهم مقتوه واستثقلوه واغتابوه وتشمروا لإيذائه فيذهب دينهم فيه ويذهب دينه ودنياه في الإنتقام منهم وأما مسارقة الطبع مما يشاهده من أخلاق الناس وأعمالهم فهو داء دفين قلما يتنبه له العقلاء فضلا عن الغافلين فلا يجالس الإنسان فاسقا مدة مع كونه منكرا عليه في باطنه إلا ولو قاس نفسه إلى ما قبل مجالسته لأدرك بينهما تفرقة في النفرة عن الفساد واستثقاله إذ يصير للفساد بكثرة المشاهدة هينا على الطبع فيسقط وقعه واستعظامه له

стр. 591

وإنما الوازع عنه شدّة وقعه في القلب فإذا صار مستصغرا بطول المشاهدة أوشك أن تنحل القوّة الوازعة ويذعن الطبع للميل إليه أو لما دونه ومهما طالت مشاهدته للكبائر من غيره استحقر الصغائر من نفسه ولذلك يزدري الناظر إلى الأغنياء نعمة الله عليه فتؤثر مجالستهم في أن يستصغر ما عنده وتؤثر مجالسة الفقراء في استعظام ما أتيح له من النعم وكذلك النظر إلى المطيعين والعصاة هذا تأثيره في الطبع من يقصر نظره على ملاحظة أحوال الصحابة والتابعين في العبادة والتنزه عن الدنيا فلا يزال ينظر إلى نفسه بعين الإستصغار وإلى عبادته بعين الإستحقار وما دام يرى نفسه مقصراً فلا يخلو عن داعية الاجتهاد رغبة في الاستكمال واستتماماً للاقتداء ومن نظر الى الأحوال الغالبة على أهل الزمان وإعراضهم عن الله وإقبالهم على الدنيا واعتيادهم المعاصي استعظم أمر نفسه بأدنى رغبة في الخير يصادفها في قلبه وذلك هو الهلاك ويكفي في تغيير الطبع مجرد سماع الخير والشر فضلاً عن مشاهدته وبهذه الدقيقة يعرف سر قوله ﷺ عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة (١) وإنما الرحمة دخول الجنة ولقاء الله وليس ينزل عند الذكر عين ذلك ولكن سببه وهو انبعاث الرغبة من القلب وحركة الحرص على الإقتداء بهم والاستنكاف عما هو ملابس له من القصور والتقصير ومبدأ الرحمة فعل الخير ومبدأ فعل الخير الرغبة ومبدأ الرغبة ذكر أحوال الصالحين فهذا معنى نزول الرحمة والمفهوم من فحوى هذا الكلام عند الفطن كالمفهوم من عكسه وهو أن عند ذكر الفاسقين تنزل اللعنة لأن كثرة ذكرهم تهوّن على الطبع أمر المعاصي واللعنة هي البعد ومبدأ البعد من الله هو المعاصي والإعراض عن الله بالإقبال على الحظوظ العاجلة والشهوات الحاضرة لا على الوجه المشروع ومبدأ المعاصي سقوط ثقلها وتفاحشها عن القلب ومبدأ سقوط الثقل وقوع الأنس بها بكثرة السماع إذا كان هذا حال ذكر الصالحين والفاسقين فما ظنك بمشاهدتهم بل قد صرح بذلك رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ قال مثل الجليس السوء كمثل الكير إن لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه (٢) فكما أن الريح يعلق بالثوب ولا يشعر به فكذلك يسهل الفساد على القلب وهو لا يشعر به وقال مثل الجليس الصالح مثل صاحب المسك إن لم يهب لك منه تجد ريحه ولهذا أقول من عرف من عالم زلة حرم عليه حكايتها لعلتين إحداهما أنها غيبة والثانية وهي أعظمهما أن حكايتها تهون على المستمعين أمر تلك الزلّة ويسقط من قلوبهم استعظامهم الإقدام عليها فيكون ذلك سبباً لتهوين تلك المعصية فإنه مهما وقع فيها فاستنكر ذلك دفع الاستنكار وقال كيف يستبعد هذا منا وكلنا مضطرون الى مثله حتى العلماء والعباد ولو اعتقد أن مثل ذلك لا يقدم عليه عالم ولا يتعاطاه موفق معتبر لشق عليه الإقدام فكم من شخص يتكالب على الدنيا ويحرص عل جمعها ويتهالك على حب الرياسة وتزيينها ويهوّن على نفسه قبحها ويزعم أن الصحابة ﵃ لم ينزهوا أنفسهم عن حب الرياسة وربما يستشهد عليه بقتال علي ومعاوية ويخمن في نفسه أن ذلك لم يكن لطلب الحق بل لطلب الرياسة فهذا الاعتقاد خطأ يهون عليه أمر الرياسة ولوازمها من المعاصي والطبع اللئيم يميل إلى اتباع الهفوات والإعراض عن الحسنات بل الى تقدير الهفوة فيما لا هفوة فيه بالتنزيل على مقتضى الشهوة ليتعلل به وهو من دقائق مكايد الشيطان ولذلك وصف الله المراغمين للشيطان فيها بقوله ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ وضرب ﷺ لذلك مثلاً وقال مثل الذي يجلس يستمع الحكمة ثم لا يعمل إلا بشر ما يستمع كمثل رجل أتى راعياً فقال له يا راعي اجرر لي شاة من غنمك فقال اذهب فخذ خير شاة فيها فذهب

стр. 592

عليه السلام فأخذ بأذن كلب الغنم (١) وكل من ينقل هفوات الأئمة فهذا مثاله أيضاً ومما يدل على سقوط وقع الشيء عن القلب بسبب تكرره ومشاهدته أن أكثر الناس إذا رأوا مسلماً أفطر في نهار رمضان استبعدوا ذلك منه استبعاداً يكاد يفضي الى اعتقادهم كفره وقد يشاهدون من يخرج الصلوات عن أوقاتها ولا تنفر عنه طباعهم كنفرتهم عن تأخير الصوم مع أن صلاة واحدة يقتضى تركها الكفر عند قوم وحز الرقبة عند قوم وترك صوم رمضان كله لا يقتضيه ولا سبب له إلا أن الصلاة تتكرر والتساهل فيها مما يكثر فيسقط وقعها بالمشاهدة عن القلب ولذلك لو لبس الفقيه ثوباً من حرير أو خاتماً من ذهب أو شرب من إناء فضة استبعدته النفوس واشتد إنكارها وقد يشاهد في مجلس طويل لا يتكلم إلا بما هو اغتياب للناس ولا يستبعد منه ذلك والغيبة أشد من الزنا فكيف لا تكون أشد من لبس الحرير ولكن كثرة سماع الغيبة ومشاهدة المغتابين أسقط وقعها عن القلوب وهون على النفس أمرها فتفطن لهذه الدقائق وفرّ من الناس فرارك من الأسد لأنك لا تشاهد منهم إلا ما يزيد في حرصك على الدنيا وغفلتك عن الآخرة ويهون عليك المعصية ويضعف رغبتك في الطاعة فإن وجدت جليساً يذكرك الله رؤيته وسيرته فالزمه ولا تفارقه واغتنمه ولا تستحقره فإنها غنيمة العاقل وضالة المؤمن وتحقق أن الجليس الصالح خير من الوحدة وأن الوحدة خير من الجليس السوء ومهما فهمت هذه المعاني ولاحظت طبعك والتفت إلى حال من أردت مخالطته لم يخف عليك أن الأولى التباعد بالعزلة أو التقرب إليه بالخلطة وإياك أن تحكم مطلقاً على العزلة أو الخلطة بأن إحداهما أولى إذ كل مفصل فإطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف من القول محض ولا حق في المفصل إلا التفصيل الفائدة الثالثة الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرض لأخطارها وقلما تخلو البلاد عن تعصبات وفتن وخصومات فالمعتزل عنهم في سلامة منها قال عبد الله بن عمرو بن العاص لما ذكر رسول الله ﷺ الفتن ووصفها وقال إذا رأيت الناس مرجت عهودهم وخفت أماناتهم وكانوا هكذا وشبك بين أصابعه قلت فما تأمرني فقال الزم بيتك واملك عليك لسانك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر وعليك بأمر الخاصة ودع عنك أمر العامة (٢) وروى أبو سعيد الخدري أنه ﷺ قال يوشك أن يكون خير مال المسلم غنماً يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر يفر بدينه من الفتن من شاهق الى شاهق (٣) وروى عبد الله ابن مسعود أنه ﷺ قال سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فرّ بدينه من قرية الى قرية ومن شاهق الى شاهق ومن جحر الى جحر كالثعلب الذي يروغ قيل له ومتى ذلك يا رسول الله قال إذا لم تنل المعيشة إلا بمعاصي الله تعالى فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة قالوا وكيف يا رسول الله وقد أمرتنا بالتزويج قال إذا كان ذلك الزمان كان هلاك الرجل على يد أبويه فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجته وولده فإن لم يكن فعلى يدي قرابته قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال يعيرونه بضيق اليد فيتكلف ما لا يطيق حتى يورده ذلك موارد الهلكة (٤) وهذا الحديث وإن كان في العزوبة فالعزلة مفهومة منه إذ لا يستغني المتأهل عن

стр. 593

المعيشة والمخالطة ثم لا ينال المعيشة إلا بمعصية الله تعالى ولست أقول هذا أو أن ذلك الزمان فلقد كان هذا بإعصار قبل هذا العصر ولأجله قال سفيان والله لقد حلت العزلة وقال ابن مسعود ﵁ ذكر رسول الله ﷺ أيام الفتنة وأيام الهرج قلت وما الهرج قال حين لا يأمن الرجل جليسه قلت فبم تأمرني إن أدركت ذلك الزمان قال كف نفسك ويدك وادخل دارك قال قلت يا رسول الله أرأيت إن دخل على داري قال فادخل بيتك قلت فإن دخل على بيتي قال فادخل مسجدك واصنع هكذا وقبض على الكوع وقل ربي الله حتى تموت (١) وقال سعد لما دعي الى الخروج أيام معاوية لا إلا أن تعطوني سيفاً له عينان بصيرتان ولسان ينطق بالكافر فأقتله وبالمؤمن فأكف عنه وقال مثلنا ومثلكم كمثل قوم كانوا على محجة بيضاء فبينما هم كذلك يسيرون إذ هاجت ريح عجاجة فضلوا الطريق فالتبس عليهم فقال بعضهم الطريق ذات اليمين فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وقال بعضهم ذات الشمال فأخذوا فيها فتاهوا وضلوا وأناخ آخرون وتوقفوا حتى ذهبت الريح وتبينت الطريق فسافروا فاعتزل سعد وجماعة معه فارقوا الفتن ولم يخالطوا إلا بعد زوال الفتن وعن ابن عمر ﵄ أنه لما بلغه أن الحسين ﵁ توجه الى العراق تبعه فلحقه على مسيرة ثلاثة أيام فقال له أين تريد فقال العراق فإذا معه طوامير وكتب فقال هذه كتبهم وبيعتهم فقال لا تنظر الى كتبهم ولا تأتهم فأبى فقال إني أحدثك حديثاً جبريل أتى النبي ﷺ فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة على الدنيا وإنك بضعة من رسول الله ﷺ والله لا يليها أحد منكم أبداً وما صرفها عنكم إلا للذي هو خير لكم فأبى أن يرجع فاعتنقه ابن عمر وبكى وقال استودعك الله من قتيل أو أسير (٢) وكان في الصحابة عشرة آلاف فما خف أيام الفتنة أكثر من أربعين رجلاً وجلس طاوس في بيته فقيل له في ذلك فقال فساد الزمان وحيف الأئمة ولما بنى عروة قصره بالعقيق ولزمه قيل له لزمت القصر وتركت مسجد رسول الله ﷺ فقال رأيت مساجدكم لاهية وأسواقكم لاغية والفاحشة في فجاجكم عالية وفيما هناك عما أنتم فيه عافية فإذن الحذر من الخصومات ومثارات الفتن إحدى فوائد العزلة الفائدة الرابعة الخلاص من شر الناس فإنهم يؤذونك مرة بالغيبة ومرة بسوء الظن والتهمة بالاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها وتارة بالنميمة أو الكذب فربما يرون منك من الأعمال أو الأقوال ما لا تبلغ عقولهم كنهه فيتخذون ذلك ذخيرة عندهم يدخرونها لوقت تظهر فرصة للشر فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفظ عن جميع ذلك ولذلك قال بعض الحكماء لغيره أعلمك بيتين خير من عشرة آلاف درهم ما هما قال اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل المقال ليس للقول رجعة حين يبدو ... بقبيح يكون أو بجمال ولا شك أن من اختلط بالناس وشاركهم في أعمالهم لا ينفك من حاسد وعدو يسيء الظن به ويتوهم أنه يستعد

стр. 594

لمعاداته ونصب المكيدة عليه وتدسيس غائلة وراءه فالناس مهما اشتد حرصهم على أمر ﴿يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم﴾ وقد اشتد حرصهم على الدنيا فلا يظنون بغيرهم إلا الحرص عليها قال المتنبي إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه ... وصدق ما يعتاده من توهم وعادى محبيه بقول عداته ... فأصبح في ليل من الشك مظلم وقد قيل معاشرة الأشرار تورث سوء الظن بالأبرار وأنواع الشر الذي يلقاه الإنسان من معارفه وممن يختلط به كثيرة ولسنا نطول بتفصيلها ففيما ذكرناه إشارة إلى مجامعها وفي العزلة خلاص من جميعها والى هذا أشار الأكثر ممن اختار العزلة فقال أبو الدرداء أخبر تقله يروى مرفوعا وقال الشاعر من حمد الناس ولم يبلهم ... ثم بلاهم ذم من يحمد وصار بالوحدة مستأنساً ... يوحشه الأقرب والأبعد وقال عمر ﵁ في العزلة راحة من القرين السوء وقيل لعبد الله بن الزبير ألا تأتي المدينة فقال ما بقي فيها إلا حاسد نعمة أو فرح بنقمة وقال ابن السماك كتب صاحب لنا أما بعد فإن الناس كانوا دواء يتداوى به فصاروا داء لا دواء له ففرّ منهم فرارك من الأسد وكان بعض الأعراب يلازم شجرا ويقول هو نديم فيه ثلاث خصال إن سمع مني لم ينم علي وإن تفلت في وجهه احتمل مني وإن عربدت عليه لم يغضب فسمع الرشيد ذلك فقال زهدنى في الندماء وكان بعضهم قد لزم الدفاتر والمقابر فقيل له ذلك فقال لم أر أسلم من وحدة ولا أوعظ من قبر ولا جليسا أمتع من دفتر وقال الحسن ﵁ أردت الحج فسمع ثابت البناني بذلك وكان أيضا من أولياء الله فقال بلغني أنك تريد الحج فأحببت أن أصحبك فقال له الحسن ويحك دعنا نتعاشر بستر الله علينا إني أخاف أن نصطحب فيرى بعضنا من بعض ما نتماقت عليه وهذه إشارة إلى فائدة أخرى في العزلة وهو بقاء الستر على الدين والمروءة والأخلاق والفقر وسائر العورات وقد مدح الله سبحانه المتسترين فقال ﴿يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف﴾ وقال الشاعر ولا عار إن زالت عن الحر نعمة ... ولكن عارا أن يزول التجمل ولا يخلو الإنسان في دينه ودنياه وأخلاقه وأفعاله عن عورات الأولى في الدين والدنيا سترها ولا تبقى السلامة مع انكشافها وقال أبو الدرداء كان الناس ورقا لا شوك فيه فالناس اليوم شوكاً لا ورق فيه إذا كان هذا حكم زمانه وهو في أواخر القرن الأول فلا ينبغي أن يشك في أن الأخير شر وقال سفيان بن عيينة قال لي سفيان الثوري في اليقظة في حياته وفي المنام بعد وفاته أقلل من معرفة الناس فإن التخلص منهم شديد ولا أحسب أني رأيت ما أكره إلا ممن عرفت وقال بعضهم جئت الى مالك بن دينار وهو قاعد وحده وإذا كلب قد وضع حنكه على ركبته فذهب أطرده فقال دعه يا هذا هذا لا يضر ولا يؤذي وهو خير من جليس السوء وقيل لبعضهم ما حملك على أن تعتزل الناس قال خشيت أن أسلب ديني ولا أشعر وهذه إشارة إلى مسارقة الطبع من أخلاق القرين السوء وقال أبو الدرداء اتقوا الله واحذروا الناس فإنهم ما ركبوا ظهر بعير إلا أدبروه ولا ظهر جواد إلا عقروه ولا قلب مؤمن إلا خربوه وقال بعضهم أقلل المعارف فإنه أسلم لدينك وقلبك وأخف لسقوط الحقوق عنك لأنه كلما كثرت المعارف كبرت الحقوق وعسر القيام بالجميع وقال بعضهم أنكر من تعرف ولا تتعرف الى من لا تعرف

стр. 595

الفائدة الخامسة أن ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عن الناس فأما انقطاع طمع الناس عنك ففيه فوائد فإن رضا الناس غاية لا تدرك فاشتغال المرء بإصلاح نفسه أولى ومن أهون الحقوق وأيسرها حضور الجنازة وعيادة المريض وحضور الولائم والإملاكات وفيها تضييع الأوقات وتعرض للآفات ثم قد تعوق عن بعضها العوائق وتستقبل فيها المعاذير ولا يمكن إظهار كل الأعذار فيقولون له قمت بحق فلان وقصرت في حقنا ويصير ذلك سبب عداوة فقد قيل من لم يعد مريضاً في وقت العيادة اشتهى موته خيفة من تخجيله إذا صح على تقصيره ومن عمم الناس كلهم بالحرمان رضوا عنه كلهم ولو خصص استوحشوا وتعميمهم بجميع الحقوق لا يقدر عليه المتجرد له طول الليل والنهار فكيف من له مهم يشغله في دين أو دنيا قال عمرو بن العاص كثرة الأصدقاء كثرة الغرماء وقال ابن الرومي عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب وقال الشافعي ﵀ أصل كل عداوة اصطناع المعروف الى اللئام وأما انقطاع طمعك عنهم فهو أيضاً فائدة جزيلة فإن من نظر الى زهرة الدنيا وزينتها تحرك حرصه وانبعث بقوّة الحرص طمعه ولا يرى إلا الخيبة في أكثر الأحوال فيتأذى بذلك ومهما اعتزل لم يشاهد وإذا لم يشاهد لم يشته ولم يطمع ولذلك قال الله تَعَالَى ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا به أزواجاً منهم﴾ وقال ﷺ انظروا الى من هو دونكم ولا تنظروا الى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم (١) وقال عون بن عبد الله كنت أجالس الأغنياء فلم أزل مغموماً كنت أرى ثوباً أحسن من ثوبي ودابة أفره من دابتي فجالست الفقراء فاسترحت وحكى أن المزني ﵀ خرج من باب جامع الفسطاط وقد أقبل ابن عبد الحكم في موكبه فبهره ما رأى من حسن حاله وحسن هيئته فتلا قوله تعالى ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون﴾ ثم قال بلى أصبر وأرضى وكان فقيراً مقلاً فالذي هو في بيته لا يبتلى بمثل هذه الفتن فإن من شاهد زينة الدنيا فأما أن يقوى دينه ويقينه فيصبر الى أن يتجرع مرارة الصبر وهو أمر من الصبر أو تنبعث رغبته فيحتال في طلب الدنيا فيهلك هلاكاً مؤبداً أما في الدنيا فبالطمع الذي يخيب في أكثر الأوقات فليس كل من يطلب الدنيا تتيسر له وأما في الآخرة فإيثاره متاع الدنيا على ذكر الله تعالى والتقرب إليه ولذلك قال ابن الإعرابي إذا كان باب الذل من جانب الغنى ... سموت الى العلياء من جانب الفقر أشار الى أن الطمع يوجب في الحال ذلاً الفائدة السادسة الخلاص من مشاهدة الثقلاء والحمقى ومقاساة حمقهم وأخلاقهم فإن رؤية الثقيل هي العمى الأصغر قيل للأعمش مم عمشت عيناك قال من النظر الى الثقلاء ويحكى أنه دخل عليه أبو حنيفة فقال في الخبر ﴿أن من﴾

стр. 596

سلب الله كريمتيه عوضه الله عنهما ما هو خير منهما (١) فما الذي عوضك فقال في معرض المطايبة عوضني الله منهما أنه كفاني رؤية الثقلاء وأنت منهم وقال ابن سيرين سمعت رجلاً يقول نظرت الى ثقيل مرة فغشى علي وقال جالينوس لكل شيء حمى وحمى الروح النظر الى الثقلاء وقال الشافعي ﵀ ما جالست ثقيلاً إلا وجدت الجانب الذي يليه من بدني كأنه أثقل علي من الجانب الآخر وهذه الفوائد ما سوى الأوليين متعلقة بالمقاصد الدنيوية الحاضرة ولكنها أيضاً تتعلق بالدين فإن الإنسان مهما تأذى برؤية ثقيل لم يأمن أن يغتابه وأن يستنكر ما هو صنع الله فإذا تأذى من غيره بغيبة أو سوء ظن أو محاسدة أو نميمة أو غير ذلك لم يصبر عن مكافأته وكل ذلك يجر الى فساد الدين وفي العزلة سلامة عن جميع ذلك فليفهم آفات العزلة اعلم أن من المقاصد الدينية والدنيوية ما يستفاد بالاستعانة بالغير ولا يحصل ذلك إلا بالمخالطة فكل ما يستفاد من المخالطة يفوت بالعزلة وفواته من آفات العزلة فانظر الى فوائد المخالطة والدواعي اليها ما هي وهي التعليم والتعلم والنفع والانتفاع والتأديب والتأدب والاستيناس وَالْإِينَاسُ وَنَيْلُ الثَّوَابِ وَإِنَالَتُهُ فِي الْقِيَامِ بِالْحُقُوقِ واعتياد التواضع واستفادة التجارب من مشاهدة الأحوال والاعتبار بها فلنفصل ذلك فإنها من فوائد المخالطة وهي سبع الفائدة الأولى التعليم والتعلم وقد ذكرنا فضلهما في كتاب العلم وهما أَعْظَمُ الْعِبَادَاتِ فِي الدُّنْيَا وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلا بالمخالطة إلا أن العلوم كثيرة وعن بعضها مندوحة وبعضها ضروري في الدنيا فالمحتاج إِلَى التَّعَلُّمِ لِمَا هُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ عَاصٍ بالعزلة وإن تعلم الفرض وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم ورأى الإشتغال بالعبادة فليعتزل وإن كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّبَرُّزِ فِي عُلُومِ الشَّرْعِ وَالْعَقْلِ فَالْعُزْلَةُ فِي حَقِّهِ قَبْلَ التَّعَلُّمِ غَايَةُ الْخُسْرَانِ وَلِهَذَا قَالَ النخعي وَغَيْرُهُ تَفَقَّهْ ثُمَّ اعتزل فمن اعْتَزَلَ قَبْلَ التَّعَلُّمِ فَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ مُضَيِّعٌ أَوْقَاتَهُ بِنَوْمٍ أَوْ فِكْرٍ فِي هَوَسٍ وَغَايَتُهُ أن يستغرق الْأَوْقَاتِ بِأَوْرَادٍ يَسْتَوْعِبُهَا وَلَا يَنْفَكُّ فِي أَعْمَالِهِ بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور يخيب سعيه ويبطل عمله بحيث لا يدري ولا ينفك اعتقاده في الله وصفاته عن أوهام يتوهمها ويأنس بها وعن خواطر فاسدة تعتريه فيها فيكون فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ ضُحْكَةٌ لِلشَّيْطَانِ وَهُوَ يَرَى نَفْسَهُ مِنَ الْعُبَّادِ فَالْعِلْمُ هُوَ أَصْلُ الدِّينِ فلا خير في عزلة العوام والجهال أعني من لا يحسن العبادة في الخلوة ولا يعرف جميع ما يلزم فيها فمثال النفس مثال مريض يحتاج الى طبيب متلطف يعالجه فالمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب تضاعف لا محالة مرضه فلا تليق العزلة إلا بالعالم وَأَمَّا التَّعْلِيمُ فَفِيهِ ثَوَابٌ عَظِيمٌ مَهْمَا صَحَّتْ نية المعلم والمتعلم ومهما كان القصد إقامة الجاه والاستكثار بالأصحاب والأتباع فهو هلاك الدين وقد ذكرنا وجه ذلك في كتاب العلم وحكم في العالم في هذا الزمان إن يعتزل إن أراد سلامة دينه فإنه لا يرى مستفيداً يطلب فائدة لدينه بل لا طالب إلا لكلام مزخرف يستميل به العوام في معرض الوعظ أو الجدل معقد يتوصل به الى إفحام الأقران ويتقرب به الى السلطان ويستعمل في معرض المنافسة والمباهاة وأقرب علم مرغوب فيه المذهب ولا يطلب غالباً إلا للتوصل الى التقدم على الأمثال وتولي الولايات واجتلاب الأموال فهؤلاء كلهم يقتضي الدين والحزم الإعتزال عنهم

стр. 597

فإن صودف طالب لله ومتقرب بالعلم الى الله فأكبر الكبائر الإعتزال عنه وكتمان العلم منه وهذا لا يصادف في بلدة كبيرة أكثر من واحد أو اثنين إن صودف ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بقول سفيان تعلمنا العلم لغير الله فأبى العلم أن يكون إلا لله فإن الفقهاء يتعلمون لغير الله ثم يرجعون الى الله وانظر الى أواخر أعمار الأكثرين منهم واعتبرهم أنهم ماتوا وهم هلكى على طلب الدنيا ومتكالبون عليها أو راغبون عنها وزاهدون فيها وليس الخبر كالمعاينة واعلم أن العلم الذي أشار اليه سفيان هو علم الحديث وتفسير القرآن ومعرفة سير الأنبياء والصحابة فإن فيها التخويف والتحذير وهو سبب لإثارة الخوف من الله فإن لم يؤثر في الحال أثر في المآل وأما الكلام والفقه المجرّد الذي يتعلق بفتاوى المعاملات وفصل الخصومات المذهب منه والخلاف لا يرد الراغب فيه للدنيا الى الله بل لا يزال متمادياً في حرصه الى آخر عمره ولعل ما أودعناه هذا الكتاب إن تعلمه المتعلم رغبة في الدنيا فيجوز أن يرخص فيه إذ يرجى أن ينزجر به في آخر عمره فإنه مشحون بالتخويف بالله والترغيب في الآخرة والتحذير من الدنيا وذلك مما يصادف في الأحاديث وتفسير القرآن ولا يصادف في كلام ولا في خلاف ولا في مذهب فلا ينبغي أن يخادع الإنسان نفسه فإن المقصر العالم بتقصيره أسعد حالاً من الجاهل المغرور أو المتجاهل المغبون وكل عالم اشتد حرصه على التعليم يوشك أن يكون غرضه القبول والجاه وحظه تلذذ النفس في الحال باستشعار الإدلال على الجهال والتكبر عليهم فآفة العلم الخيلاء (١) كما قال ﷺ ولذلك حكي عن بشر أنه دفن سبعة عشر قمطراّ من كتب الأحاديث التي سمعها وكان لا يحدث ويقول أني أشتهي أن أحدث فلذلك لا أحدث ولو اشتهيت أن لا أحدث لحدثت ولذلك قال حدثنا باب من أبواب الدنيا وإذا قال الرجل حدثنا فإنما يقول أوسعوا لي وقالت رابعة العدوية لسفيان الثوري نعم الرجل أنت لولا رغبتك في الدنيا قال وفيماذا رغبت قالت في الحديث ولذلك قال أبو سليمان الداراني من تزوج أو طلب الحديث أو اشتغل بالسفر فقد ركن إلى الدنيا فهذه آفات قد نبهنا عليها في كتاب العلم والحزم الاحتراز بالعزلة وترك الاستكثار من الأصحاب ما أمكن بل الذي يطلب الدنيا بتدريسه وتعليمه فالصواب له إن كان غافلاً في مثل هذا الزمان أن يتركه فلقد صدق أبو سليمان الخطابي حيث قال دع الراغبين في صحبتك والتعلم منك فليس لك منهم مال ولا جمال إخوان العلانية أعداء السر إذا لقوك تملقوك وإذا غبت عنهم سلقوك من أتاك منهم كان عليك رقيباً وإذا خرج كان عليك خطيباً أهل نفاق ونميمة وغل وخديعة فلا تغتر باجتماعهم عليك فما غرضهم العلم بل الجاه والمال وأن يتخذوك سلماً الى أوطارهم وأغراضهم وحمارا في حاجاتهم إن قصرت في غرض من أغراضهم كانوا أشد أعدائك ثم يعدون ترددهم إليك دالة عليك ويرونه حقاً واجباً لديك ويفرضون عليك أن تبذل عرضك وجاهك ودينك لهم فتعادي عدوهم وتنصر قريبهم وخادمهم ووليهم وتنتهض لهم سفيهاً وقد كنت فقيهاً وتكون لهم تابعاً خسيساً بعد أن كنت متبوعاً رئيساً ولذلك قيل اعتزال العامة مروءة تامة فهذا معنى كلامه وإن خالف بعض ألفاظه وهو حق وصدق فإنك ترى المدرسين في رق دائم وتحت حق لازم ومنة ثقيلة ممن يتردد اليهم فكأنه يهدي تحفة اليهم ويرى حقه واجباً عليهم وربما لا يختلف اليه ما لم يتكفل برزق له على الإدرار ثم إن المدرس المسكين قد يعجز عن القيام بذلك من ماله فلا يزال متردداً الى أبواب السلاطين ويقاسي الذل والشدائد مقاساة الذليل

стр. 598

المهين حتى يكتب له على بعض وجوه السحت مال حرام ثم لا يزال العامل يسترقه ويستخدمه ويمتهنه ويستذله الى أن يسلم إليه ما يقدره نعمة مستأنفة من عنده عليه ثم يبقى في مقاساة القسمة على أصحابه إن سوّى بينهم مقته المميزون ونسبوه الى الحمق وقلة التمييز والقصور عن درك مصارفات الفضل والقيام بمقادير الحقوق بالعدل وإن فاوت بينهم سلقه السفهاء بألسن حداد وثاروا عليه ثوران الأساود والآساد فلا يزال في مقاساتهم في الدنيا وفي مطالبة ما يأخذه ويفرقه عليهم في العقبى والعجب أنه مع هذا البلاء كله يمني نفسه بالأباطيل ويدليها بحبل الغرور ويقول لها لا تفتري عن صنيعك فإنما أنت بما تفعلينه مريدة وجه الله تعالى ومذيعة شرع رسول الله ﷺ وناشرة علم دين الله وقائمة بكفاية طلاب العلم من عباد الله وأموال السلاطين لا مالك لها وهي مرصدة للمصالح وأي مصلحة أكبر من تكثير أهل العلم فبهم يظهر الدين ويتقوى أهله ولو لم يكن ضحكة للشيطان لعلم بأدنى تأمل أن فساد الزمان لا سبب له إلا كثرة أمثال أولئك الفقهاء الذين يأكلون ما يجدون ولا يميزون بين الحلال والحرام فتلحظهم أعين الجهال ويستجرئون على المعاصي باستجرائهم اقتداء بهم واقتفاء لآثارهم ولذلك قيل ما فسدت الرعية إلا بفساد الملوك وما فسدت الملوك إلا بفساد العلماء فنعوذ بالله من الغرور والعمى فإنه الداء الذي ليس له دواء الفائدة الثانية النفع والإنتفاع أما الإنتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة وذلك لا يتأتى إلا بالمخالطة والمحتاج إليه مضطر الى ترك العزلة فيقع في جهاد من المخالطة أن طلب موافقة الشرع فيه كما ذكرناه في كتاب الكسب فإن كان معه مال لو اكتفى به قانعاً لأقنعه فالعزلة أفضل له إذا انسدت طرق المكاسب في الأكثر إلى من المعاصي إلا أن يكون غرضه الكسب للصدقة فإذا اكتسب من وجهه وتصدق به فهو أفضل من العزلة للاشتغال بالنافلة وليس بأفضل من العزلة للاشتغال بالتحقق في معرفة الله ومعرفة علوم الشرع ولا من الإقبال بكنه الهمة على الله تعالى والتجرد بها لذكر الله أعني من حصل له أنس بمناجاة الله عن كشف وبصيرة لا عن أوهام وخيالات فاسدة وَأَمَّا النَّفْعُ فَهُوَ أَنْ يَنْفَعَ النَّاسَ إِمَّا بِمَالِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ فَيَقُومُ بِحَاجَاتِهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْحِسْبَةِ فَفِي النُّهُوضِ بِقَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ ثَوَابٌ وَذَلِكَ لَا يُنَالُ إِلَّا بِالْمُخَالَطَةِ وَمَنْ قَدَرَ عليها مع القيام بحدود الشرع فهي أفضل له من العزلة إن كان لا يشتغل في عزلته إلا بنوافل الصلوات والأعمال البدنية وإن كان ممن انفتح له طريق العمل بالقلب بدوام ذكر أو فكر فذلك لا يعدل به غيره ألبتة الفائدة الثالثة التأديب وَالتَّأَدُّبِ وَنَعْنِي بِهِ الِارْتِيَاضَ بِمُقَاسَاةِ النَّاسِ وَالْمُجَاهَدَةِ فِي تَحَمُّلِ أَذَاهُمْ كَسْرًا لِلنَّفْسِ وَقَهْرًا لِلشَّهَوَاتِ وهي من الفوائد التي تستفاد بالمخالطة وهي أفضل من العزلة في حق من لم تتهذب أخلاقه ولم تذعن لحدود الشرع شهواته ولهذا انتدب خدام الصوفية في الرباطات فيخالطون الناس بخدمتهم وأهل السوق للسؤال منهم كبرا لرعونة النفس واستمدادا من بركة دعاء الصوفية المنصرفين بهممهم الى الله سبحانه وكان هذا هو المبدأ في الأعصار الخالية والآن قد خالطته الأغراض الفاسدة ومال ذلك عن القانون كما مالت سائر شعائر الدين فصار يطلب من التواضع بالخدمة التكثير بالاستتباع والتذرّع الى جمع المال والاستظهار بكثرة الأتباع فإن كانت النية هذه فالعزلة خير من ذلك ولو الى القبر وإن كانت النية رياضة النفس فهي خير من العزلة في حق المحتاج الى الرياضة وذلك مما يحتاج إليه في بداية الإرادة فبعد حصول الارتياض ينبغي أن يفهم أن الدابة لا يطلب من رياضتها عين رياضتها بل المراد منها أن تتخذ

стр. 599

مركباً يقطع به المراحل ويطوى على ظهره الطريق والبدن مطية للقلب يركبها ليسلك بها طريق الآخرة وفيها شهوات إن لم يكسرها جمحت به في الطريق فمن اشتغل طول العمر بالرياضة كان كمن اشتغل طول عمر الدابة برياضتها ولم يركبها فلا يستفيد منها إلا الخلاص في الحال في عضها ورفسها ورمحها وهي لعمري فائدة مقصودة ولكن مثلها حاصل في البهيمة الميتة وإنما ترد الدابة لفائدة تحصل من حياتها فكذلك الخلاص من ألم الشهوات في الحال يحصل بالنوم والموت ولا ينبغي أن يقنع به كالراهب الذي قيل له يا راهب فقال ما أنا راهب إنما أنا كلب عقور حبست نفسي حتى لا أعقر الناس وهذا حسن بالإضافة الى من يعقر الناس ولكن لا ينبغي أن يقتصر عليه فإن من قتل نفسه أيضاً لم يعقر الناس بل ينبغي أن يتشوف إلى الغاية المقصودة بها ومن فهم ذلك واهتدى الى الطريق وقدر على السلوك استبان له أن العزلة أعون له من المخالطة فأفضل لمثل هذا الشخص المخالطة أولاً والعزلة آخراً وأما التأديب فإنما نعني به أن يروض غيره وهو حال شيخ الصوفية معهم فإنه لا يقدر على تهذيبهم إلا بمخالطتهم وحاله حال المعلم وحكمه ويتطرق اليه من دقائق الآفات والرياء ما يتطرّق الى نشر العلم إلا أن مخايل طلب الدنيا من المريدين الطالبين للارتياض أبعد منها من طلبه العلم ولذلك يرى فيهم قلة وفي طلبة العلم كثرة فينبغي أن يقيس ما تيسر له من الخلوة بما تيسر له من المخالطة وتهذيب القوم وليقابل أحدهما بالآخر وليؤثر الأفضل وذلك يدرك بدقيق الاجتهاد ويختلف بالأحوال والأشخاص فلا يمكن الحكم عليه مطلقاً بنفي ولا إثبات الفائدة الرابعة الاستئناس والإيناس وهو غرض من يحضر الولائم والدعوات ومواضع المعاشرة والأنس وهذا يرجع الى حظ النفس في الحال وقد يكون ذلك على وجه حرام بمؤانسة من لا تجوز مؤانسته أو على وجه مباح وقد يستحب ذلك الأمر الدين وذلك فيمن تستأنس بمشاهدة أحواله وأقواله في الدين كالأنس بالمشايخ الملازمين لسمت التقوى وَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِحَظِّ النَّفْسِ وَيُسْتَحَبُّ إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنْهُ تَرْوِيحَ الْقَلْبِ لِتَهْيِيجِ دَوَاعِي النَّشَاطِ في العبادة فإن القلوب إذا أكرهت عميت ومهما كان في الوحدة وحشة وفي المجالسة أنس يروح القلب فهي أولى إذ الوفق في العبادة من حزم العبادة ولذلك قَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ لا يمل حتى تملوا (١) وهذا أمر لا يستغنى عنه فإن النفس لَا تَأْلَفُ الْحَقَّ عَلَى الدَّوَامِ مَا لَمْ تروّح وفي تكليفها الملازمة داعية للفترة وهذا عني بقوله ﷺ إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق والإيغال فيه برفق دأب المستبصرين ولذلك قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَوْلَا مَخَافَةُ الْوَسْوَاسِ لَمْ أجالس الناس وقال مرة لدخلت بلادا لا أنيس بها وهل يفسد الناس إلا الناس فلا يستغني المعتزل إذا عَنْ رَفِيقٍ يَسْتَأْنِسُ بِمُشَاهَدَتِهِ وَمُحَادَثَتِهِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ سَاعَةً فَلْيَجْتَهِدْ فِي طَلَبِ مَنْ لَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ فِي سَاعَتِهِ تِلْكَ سَائِرَ سَاعَاتِهِ فَقَدْ قَالَ ﷺ الْمَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ (٢) وَلْيَحْرِصْ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُهُ عِنْدَ اللِّقَاءِ فِي أمور الدين وحكاية أحوال القلب وشكواه وقصوره عن الثبات على الحق والاهتداء الى الرشد ففي ذلك متنفس ومتروّح للنفس فيه مجال رحب لكل مشغول بإصلاح نفسه فإنه لا تنقطع شكواه ولو عمر أعماراً طويلة والراضي عن نفسه مغرور قطعا فهذا النوع من الاستئناس في بعض أوقات النهار ربما يكون أفضل من العزلة في حق بعض الأشخاص

стр. 600

فليتفقد فيه أحوال القلب وأحوال الجليس أوّلاً ثم ليجالس الفائدة الخامسة في نيل الثواب وإنالته أما النيل فبحضور الجنائز وعيادة المريض وحضور العيدين وأما حضور الجمعة فلا بد منه وَحُضُورِ الْجَمَاعَةِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ أَيْضًا لَا رُخْصَةَ فِي تَرْكِهِ إِلَّا لِخَوْفِ ضَرَرٍ ظَاهِرٍ يُقَاوِمُ مَا يَفُوتُ مِنْ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَيَزِيدُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَا يَتَّفِقُ إِلَّا نَادِرًا وَكَذَلِكَ فِي حُضُورِ الْإِمْلَاكَاتِ وَالدَّعَوَاتِ ثَوَابٌ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِدْخَالُ سُرُورٍ عَلَى قَلْبِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا إنالته فهو أن يفتح الباب لتعوده الناس أو ليعزوه في المصائب أو يهنوه على النعم فإنهم ينالون بذلك ثواباً وكذلك إذا كان من العلماء وإذن لهم في الزيارة نالوا ثواب الزيارة وكان هو بالتمكين سبباً فيه فَيَنْبَغِي أَنَّ يَزِنَ ثَوَابَ هَذِهِ الْمُخَالَطَاتِ بِآفَاتِهَا الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَعِنْدَ ذَلِكَ قَدْ تُرَجَّحُ الْعُزْلَةُ وقد ترجح المخالطة فقد حكي عن جماعة من السلف مثل مالك وغيره ترك إجابة الدعوات وعيادة المرضى وحضور الجنائز بل كانوا أحلاس بيوتهم لا يخرجون إلا الى الجمعة أو زيارة القبور وبعضهم فارق الأمصار وانحاز الى قلل الجبال تفرغاً للعبادة وفراراً من الشواغل الفائدة السادسة من المخالطة التَّوَاضُعُ فَإِنَّهُ مِنْ أَفْضَلِ الْمَقَامَاتِ وَلَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ فِي الْوَحْدَةِ وَقَدْ يَكُونُ الْكِبْرُ سَبَبًا في اختيار العزلة فقد روي في الإسرائيليات أن حكيماً من الحكماء صنف ثلثمائة وستين مصحفاً في الحكمة حتى ظن أنه قد نال عند الله منزلة فأوحى الله الى نبيه قل لفلان إنك قد ملأت الأرض نفاقاً وإني لا أقبل من نفاقك شيئاً قال فتخلى وانفرد في سرب تحت الأرض وقال الآن قد بلغت رضا ربي فأوحى اللًه الى نبيه قل له إنك لن تبلغ رضاي حتى تخالط الناس وتصبر على أذاهم فخرج فدخل الأسواق وخالط الناس وجالسهم وواكلهم وأكل الطعام بينهم ومشى في الأسواق معهم فأوحى الله تعالى إلى نبيه الآن قد بلغ رضاي فكم من معتزل في بيته وباعثه الكبر ومانعه عن المحافل أن لا يوقر أَوْ لَا يُقَدَّمَ أَوْ يَرَى التَّرَفُّعَ عَنْ مخالطتهم أرفع لمحله وأتقى لطراوة ذكره بين الناس وقد يعتزل خيفة من أن تظهر مقابحه لو خالط فلا يعتقد فيه الزهد والإشتغال بالعبادة فيتخذ البيت ستراً على مقابحه إبقاء على اعتقاد الناس في زهده وتعبده من غير استغراق وقت الخلوة بذكر أو فكر وَعَلَامَةُ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُزَارُوا وَلَا يحبون أن يزوروا ويفرحون بتقرب العوام والسلاطين إليهم واجتماعهم على بابهم وطرقهم وتقبيلهم أيديهم على سبيل التبرك وَلَوْ كَانَ الِاشْتِغَالُ بِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يُبَغِّضُ إِلَيْهِ الْمُخَالَطَةَ وَزِيَارَةَ النَّاسِ لَبُغِّضَ إِلَيْهِ زِيَارَاتُهُمْ له كما حكيناه عن الفضيل حيث قال وهل جئتني إلا لأتزين لك وتتزين لي وعن حاتم الأصم أنه قال للأمير الذي زاره حاجتي أن لا أراك ولا تراني فمن ليس مشغولاً مع نفسه بذكر الله فاعتزاله عن الناس سَبَبُهُ شِدَّةُ اشْتِغَالِهِ بِالنَّاسِ لِأَنَّ قَلْبَهُ مُتَجَرِّدٌ لِلِالْتِفَاتِ إِلَى نَظَرِهِمْ إِلَيْهِ بِعَيْنِ الْوَقَارِ وَالِاحْتِرَامِ والعزلة بهذا السبب جهل من وجوه أحدها أن التواضع والمخالطة لا تنقص من مَنْصِبِ مَنْ هُوَ مُتَكَبِّرٌ بِعِلْمِهِ أَوْ دِينِهِ إذ كان علي ﵁ يحمل التمر والملح في ثوبه ويده ويقول لا ينقص الكامل من كماله ... ما جر من نفع إلى عياله وكان أبو هريرة وحذيفة وأبي وابن مسعود ﵃ يحملون حزم الحطب وجرب الدقيق على أكتافهم
следующие страницы →