← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9472

إحياء علوم الدين

أبو حامد الغزالي

Полный текст (1 706 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

حاملاً فولدت بنتاً فكان قد عرف قبل الولادة أنها بنت وقال عمر ﵁ في أثناء خطبته يا سارية الجبل الجبل إذ انكشف له أن العدو قد أشرف عليه فحذره لمعرفته ذلك ثم بلوغ صوته إليه من جملة الكرامات العظيمة وعن أنس بن مالك ﵁ قال دخلت على عثمان ﵁ وكنت قد لقيت امرأة في طريقي فنظرت إليها شزراً وتأملت محاسنها فقال عثمان ﵁ لما دخلت يدخل علي أحدكم وأثر الزنا ظاهر على عينيه أما علمت أن زنا العينين النظر لتتوبن أولأعزرنك فقلت أوحي بعد النبي فقال لا ولكن بصيرة وبرهان وفراسة صادقة وعن أبي سعيد الخراز قال دخلت المسجد الحرام فرأيت فقيراً عليه خرقتان فقلت في نفسي هذا وأشباهه كل على الناس فناداني وقال والله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه فاستغفرت الله في سري فناداني وقال ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ ثم غاب عني ولم أره وقال زكريا بن داود دخل أبو العباس بن مسروق على أبي الفضل الهاشمي وهو عليل وكان ذا عيال ولم يعرف له سبب يعيش به قال فلما قمت قلت في نفسي من أين يأكل هذا الرجل قال فصاح بي يا أبا العباس رد هذه الهمة الدنية فإن لله تعالى ألطافاً خفية وقال أحمد النقيب دخلت على الشبلي فقال مفتوناً يا أحمد فقلت ما الخبر قال كنت جالسا فجرى بخاطري أنك بخيل فقلت ما أنا بخيل فعاد مني خاطري وقال بل أنت بخيل فقلت ما فتح اليوم علي بشيء إلا دفعته إلى أول فقير يلقاني قال فما استتم الخاطر حتى دخل علي صاحب لمؤنس الخادم ومعه خمسون ديناراً فقال اجعلها في مصالحك قال وقمت فأخذتها وخرجت وإذا بفقير مكفوف بين يدي مزين يحلق رأسه فتقدمت إليه وناولته الدنانير فقال أعطها المزين فقلت إن جملتها كذا وكذا قال أو ليس قد قلنا لك إنك بخيل قال فناولتها المزين فقال المزين قد عقدنا لما جلس هذا الفقير بين أيدينا أن لا نأخذ عليه أجراً قال فرميت بها في دجلة وقلت ما أعزك أحد إلا أذله الله وقال حمزة بن عبد الله العلوي دخلت على أبي الخير النيناني واعتقدت في نفسي أن أسلم عليه ولا آكل في داره طعاماً فلما خرجت من عنده إذا به قد لحقني وقد حمل طبقاً فيه طعام وقال يا فتى كل فقد خرجت الساعة من اعتقادك وكان أبو الخير النيناني هذا مشهوراً بالكرامات وقال إبراهيم الرقي قصدته مسلماً عليه فحضرت صلاة المغرب فلم يكد يقرأ الفاتحة مستوياً فقلت في نفسي ضاعت سفرتي فلما سلم خرجت إلى الطهارة فقصدني سبع فعدت إلى أبي الخير وقلت قصدني سبع فخرج وصاح به وقال ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني فتنحى الأسد فتطهرت فلما رجعت قال لي اشتغلتم بتقويم الظاهر فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم البواطن فخافنا الأسد وما حكي من تفرس المشايخ وإخبارهم عن اعتقادات الناس وضمائرهم يخرج عن الحصر بل ما حكي عنهم من مشاهدة الخضر ﵇ والسؤال منه ومن سماع صوت الهاتف ومن فنون الكرامات خارج عن الحصر والحكاية لا تنفع الجاحد ما لم يشاهد ذلك من نفسه ومن أنكر الأصل أنكر التفصيل والدليل القاطع الذي لا يقدر أحد على جحده أمران أحدهما عجائب الرؤيا الصادقة فإنه ينكشف بها الغيب وإذا جاز ذلك في النوم فلا يستحيل أيضاً في اليقظة فلم يفارق النوم اليقظة إلا في ركود الحواس وعدم اشتغالها بالمحسوسات فكم من مستيقظ غائص لا يسمع ولا يبصر لاشتغاله بنفسه والثاني أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عن الغيب وأمور في المستقبل كما اشتمل عليه القرآن وإذا جاز ذلك للنبي ﷺ جاز لغيره إذ النبي عبارة عن شخص كوشف بحقائق الأمور وشغل بإصلاح الخلق فلا يستحيل أن يكون في الوجود شخص مكاشف بالحقائق ولا يشتغل بإصلاح الخلق وهذا

стр. 772

لا يسمى نبياً بل يسمى ولياً فمن آمن بالأنبياء وصدق بالرؤيا الصحيحة لزمه لا محالة أن يقر بأن القلب له بابان باب إلى خارج وهو الحواس وباب إلى الملكوت من داخل القلب وهو باب الإلهام والنفث في الروع والوحي فإذا أقربهما جميعاً لم يمكنه أن يحصر العلوم في التعلم ومباشرة الأسباب المألوفة بل يجوز أن تكون المجاهدة سبيل إليه فهذا ما ينبه على حقيقة ما ذكرناه من عجيب تردد القلب بين عالم الشهادة وعالم الملكوت وأما السبب في انكشاف الأمر في المنام بالمثال المحوج إلى التعبير وكذلك تمثل الملائكة للأنبياء والأولياء بصور مختلفة فذلك أيضاً من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذلك إلا بعلم المكاشفة فلنقتصر على ما ذكرناه فإنه كاف للاستحثاث على المجاهدة وطلب الكشف منها فقد قال بعض المكاشفين ظهر لي الملك فسألني أملي عليه شيئاً من ذكري الخفي عن مشاهدتي من التوحيد وقال ما نكتب لك عملاً ونحن نحب أن نصعد لك بعمل تتقرب به إلى الله فقلت ألستما تكتبان الفرائض قالا بلى قلت فيكفيكما ذلك وهذه إشارة إلى أن الكرام الكاتبين لا يطلعون على أسرار القلب وإنما يطلعون على الأعمال الظاهرة وقال بعض العارفين سألت بعض الأبدال عن مسألة من مشاهدة اليقين فالتفت إلى شماله فقال ما تقول رحمك الله ثم التفت إلى يمينه فقال ما تقول رحمك الله ثم أطرق إلى صدره وقال ما تقول رحمك الله ثم أجاب بأغرب جواب سمعته فسألته عن التفاته فقال لم يكن عندي في المسألة جواب عتيد فسألت صاحب الشمال فقال لا أدري فسألت صاحب اليمين وهو أعلم منه فقال لا أدري فنظرت إلى قلبي وسألته فحدثني بما أجبتك فإذا هو أعلم منهما وكأن هذا هو معنى قوله ﷺ إن في أمتي محدثين وإن عمر منهم وفي الأثر إن الله تعالى يقول أيما عبد اطلعت على قلبه فرأيت الغالب عليه التمسك بذكرى توليت سياسته وكنت جليسه ومحادثه وأنيسه وقال أبو سليمان الداراني رحمة الله عليه القلب بمنزلة القبة المضروبة حولها أبواب مغلقة فأي باب فتح له عمل فيه فقد ظهر انفتاح باب من أبواب القلب إلى جهة الملكوت والملأ الأعلى وينفتح ذلك الباب بالمجاهدة والورع والإعراض عن شهوات الدنيا ولذلك كتب عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد احفظوا ما تسمعون من المطيعين فإنهم ينجلي لهم أمور صادقة وقال بعض العلماء يد الله على أفواه الحكماء لا ينطقون إلا بما هيأ الله لهم من الحق وقال آخر لو شئت لقلت إن الله تعالى يطلع الخاشعين على بعض سره بيان تسلط الشيطان على القلب بالوساوس ومعنى الوسوسة وسبب غلبتها اعلم أن القلب كما ذكرناه مثل قبة مضروبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من كل باب ومثاله أيضاً مثال هدف تنصب إليه السهام من الجوانب أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة ولا تخلو عنها أو مثال حوض تنصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه وإنما مداخل هذه الآثار المتجددة في القلب في كل حال أما من الظاهر فالحواس الخمس وأما من الباطن فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان فإنه إذا أدرك بالحواس شيئاً حصل منه أثر في القلب وكذلك إذا هاجت الشهوة مثلاً بسبب كثرة الأكل وبسبب قوة في المزاج حصل منها في القلب أثر وإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر والمقصود أن القلب في التغير والتأثر دائماً من هذه الأسباب وأخص الآثار الحاصلة في القلب هو الخواطر وأعني بالخواطر ما يحصل فيه من الأفكار والأذكار وأعني به إدراكاته علوماً إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر فإنها تسمى خواطر من حيث أنها تخطر بعد أن كان القلب غافلاً عنها والخواطر هي المحركات للإرادات

стр. 773

فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوى بالبال لا محالة فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الأعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني إلى ما يضر في العاقبة وإلى ما يدعو إلى الخير أعني إلى ما ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فافتقرا إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاماً والخاطر المذموم أعنى الداعي إلى الشر يسمى وسواساً ثم إنك تعلم أن هذه الخواطر حادثة ثم إن كل حادث فلا بد له من محدث ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى في ترتيب المسببات على الأسباب فمهما استنارت حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكاً وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطانا واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلاناً فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة والملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والأمر بالمعروف وقد خلقه وسخره لذلك والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير بالفقر فالوسوسة في مقابلة الإلهام والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في مقابلة الخذلان وإليه الإشارة بقوله تعالى ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين﴾ فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة إلا الله تعالى فإنه فرد لا مقابل له بل هو الواحد الحق الخالق للأزواج كلها فالقلب متجاذب بين الشيطان والملك وقد قال ﷺ في القلب لمتان لمة من الملك إيعاد بالخير وتصديق بالحق فمن وجد ذلك فليعلم أنه من الله سبحانه وليحمد الله ولمة من العدو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهي عن الخير فمن وجد ذلك فليستعذ بالله من الشيطان الرجيم ثم تلا قوله تعالى الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (١) أخرجه الترمذي والنسائي (٢) حديث قلب المؤمن بين إصبعين الحديث تقدم فالله يتعالى عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم ودم وعصب منقسمة بالأنامل ولكن روح الإصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير فإنك لا تريد إصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك والله تعالى يفعل ما يفعل باستسخار الملك والشيطان وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ولقبول آثار الشيطان صلاحاً متساوياً ليس يترجح أحدهما على الآخر وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها فإن اتبع الإنسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسلط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ومعدنه لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه وتشبه بأخلاق الملائكة ﵈ صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ولما كان لا يخلو قلب عن شهوة وغضب وحرص وطمع وطول أمل إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة ولذلك قال ﷺ ما منكم

стр. 774

من أحد إلا وله شيطان قالوا وأنت يا رسول الله قال وأنا إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمر إلا بخير (١) أخرجه مسلم (٢) حديث ابن أبي العاص إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي الحديث أخرجه مسلم من حديث ابن أبي العاص (٣) وفي الخبر إن للوضوء شيطاناً يقال له الولهان فاستعيذوا بالله منه (٤) أخرجه ابن ماجه والترمذي غريب وليس اسناده بالقوي (٥) حديث أنس إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب مكايد الشيطان وأبو يعلى الموصلي وابن عدي في الكامل وضعفه وقال ابن وضاح في حديث ذكره إذا بلغ الرجل أربعين سنة ولم يتب ولم يتب مسح الشيطان وجهه بيده

стр. 775

وقال بأبى وجه من لا يفلح (١) حديث إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم تقدم وذلك لأن الجوع يكسر الشهوة ومجرى الشيطان الشهوات ولأجل اكتناف الشهوات للقلب من جوانبه قال الله تعالى إخباراً عن إبليس لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وقال ﷺ إن الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتترك دينك ودين آبائك فعصاه وأسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر أتدع أرضك وسمائك فعصاه وهاجر هو قعد له بطريق الجهاد فقال أتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه وجاهد (٢) حديث ما من أحد إلا له شيطان الحديث تقدم فقد اتضح بهذا النوع من الاستبصار معنى الوسوسة والإلهام والملك والشيطان والتوفيق والخذلان فبعد هذا نظر من ينظر في ذات الشيطان أنه جسم لطيف أو ليس بجسم وإن كان جسماً فكيف يدخل بدن الإنسان ما هو جسم فهذا الآن غير محتاج إليه في علم المعاملة بل مثال الباحث عن هذا مثال من دخلت في ثيابه حية وهو محتاج إلى إزالتها ودفع ضررها فاشتغل بالبحث عن لونها وشكلها وطولها وعرضها وذلك عين الجهل فمصادمة الخواطر الباعثة على الشر قد علمت ودل ذلك على أنه عن سبب لا محالة وعلم أن الداعي إلى الشر المحذور في المستقبل عدو فقد عرف العدو لا محال فينبغي أن يشتغل بمجاهدته وقد عرف الله سبحانه عداوته في مواضع كثيرة من كتابه ليؤمن به ويحترز عنه فقال تعالى إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير وقال تعالى ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين فينبغي للعبد أن يشتغل بدفع العدو عن نفسه لا بالسؤال عن أصله ونسبه ومسكنه نعم ينبغي أن يسأل عن سلاحه ليدفعه عن نفسه وسلاح الشيطان الهوى والشهوات وذلك كاف للعالمين فأما معرفة ذاته وصفاته وحقيقته نعوذ بالله منه وحقيقة الملائكة فذلك ميدان العارفين المتغلغلين في علوم المكاشفات فلا يحتاج في علم المعاملة إلى معرفته نعم ينبغي أن يعلم أن الخواطر تنقسم إلى ما يعلم قطعاً أنه داع إلى الشر فلا يخفى كونه وسوسة وإلى ما يعلم أنه داع إلى الخير فلا يشك في كونه إلهاماً وإلى ما يتردد فيه فلا يدري أنه من لمة الملك أو من لمة الشيطان فإن من مكايد الشيطان أن يعرض الشر في معرض الخير والتمييز في ذلك غامض وأكثر العباد به يهلكون فإن الشيطان لا يقدر على دعائهم إلى الشر الصريح فيصور الشر بصورة الخير كما يقول للعالم بطريق الوعظ أما تنظر إلى الخلق وهم موتى من الجهل هلكى من الغفلة قد أشرفوا على النار

стр. 776

أما لك رحمة على عباد الله تنقذهم من المعاطب بنصحك ووعظك وقد أنعم الله عليك بقلب بصير ولسان ذلق ولهجة مقبولة فكيف تكفر نعمة الله تعالى وتتعرض لسخطه وتسكت عن إشاعة العلم ودعوة الخلق إلى الصراط المستقيم وهو لا يزال يقرر ذلك في نفسه ويستجره بلطيف الحيل إلى أن يشتغل بوعظ الناس ثم يدعوه بعد ذلك إلى أن يتزين لهم ويتصنع بتحسين اللفظ وإظهار الخير ويقول له إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك من قلوبهم ولم يهتدوا إلى الحق ولا يزال يقرر ذلك عنده وهو في أثنائه يؤكد فيه شوائب الرياء وقبول الخلق ولذة الجاه والتعزز بكثرة الأتباع والعلم والنظر إلى الخلق بعين الاحتقار فيستدرج المسكين بالنصح إلى الهلاك فيتكلم وهو يظن أن قصده الخير وإنما قصده الجاه والقبول فيهلك بسببه وهو يظن أنه عند الله بمكان وهو من الذين قال فيهم رسول الله ﷺ أن الله ليؤيد هذا الدين بقوم لا خلاق لهم (١) حديث إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم في العلم ولذلك روي أن إبليس لعنه الله تمثل لعيسى ابن مريم ﷺ فقال له قل لا إله إلا الله فقال كلمة حق ولا أقولها بقولك لأن له أيضاً تحت الخير تلبيسات وتلبيسات الشيطان من هذا الجنس لا تتناهى وبها يهلك العلماء والعباد والزهاد والفقراء والأغنياء وأصناف الخلق ممن يكرهون ظاهر الشر ولا يرضون لأنفسهم الخوض في المعاصي المكشوفة وسنذكر جملة من مكايد الشيطان في كتاب الغرور في آخر هذا الربع ولعلنا إن أمهل الزمان صنفنا فيه كتاباً على الخصوص نسميه تلبيس إبليس فإنه قد انتشر الآن تلبيسه في البلاد والعباد لا سيما في المذاهب والاعتقادات حتى لم يبق من الخيرات إلا رسمها كل ذلك إذعاناً لتلبيسات الشيطان ومكايده فحق على العبد أن يقف عند كل هم يخطر له ليعلم أنه من لمة الملك أو من لمة الشيطان وأن يمعن النظر فيه بعين البصيرة لا بهوى من الطبع ولا يطلع عليه إلا بنور التقوى والبصيرة وغزارة العلم كما قال تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ من الشيطان تذكروا أي رجعوا إلى نور العلم فإذا هم مبصرون أي ينكشف لهم الإشكال فأما من لم يرض نفسه بالتقوى فيميل طبعه إلى الإذعان بتلبيسه بمتابعة الهوى فيكثر فيه غلطه ويتعجل فيه هلاكه وهو لا يشعر وفي مثلهم قال وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون قيل هي أعمال ظنوها حسنات فإذا هي سيئات وأغمض أنواع علوم المعاملة الوقوف على خدع النفس ومكايد الشيطان وذلك فرض عين على كل عبد وقد أهمله الخلق واشتغلوا بعلوم تستجر إليهم الوسواس وتسلط عليهم الشيطان وتنسيهم عداوته وطريق الاحتراز عنه ولا ينجى من كثرة الوسواس إلا سد أبواب الخواطر وأبوابها الحواس الخمس وأبوابها من داخل الشهوات وعلائق الدنيا والخلوة في بيت مظلم تسد باب الحواس والتجرد عن الأهل والمال يقلل مداخل الوسواس من الباطن ويبقى مع ذلك مداخل باطنة في التخيلات الجارية في القلب وذلك لا يدفع إلا بشغل القلب بذكر الله تعالى ثم أنه لا يزال يجاذب القلب وينازعه ويلهيه عن ذكر الله تعالى فلا بد من مجاهدته وهذه مجاهدة لا آخر لها إلا الموت إذ لا يتخلص أحد من الشيطان ما دام حياً نعم قد يقوى بحيث لا ينقاد له ويدفع عن نفسه شره بالجهاد ولكن لا يستغنى قط عن الجهاد والمدافعة ما دام الدم يجري في بدنه فإذا ما دام حياً فأبواب الشيطان مفتوحة إلى قلبه لا تنغلق وهي الشهوة والغضب والحسد والطمع والشره وغيرها كما سيأتي شرحها ومهما كان الباب مفتوحاً والعدو غير غافل لم يدفع إلا بالحراسة والمجاهدة

стр. 777

قال رجل للحسن يا أبا سعيد أينام الشيطان فتبسم وقال لو نام لاسترحنا فإذن لا خلاص للمؤمن منه نعم له سبيل إلى دفعه وتضعيف قوته قال ﷺ إن المؤمن ينضى شيطانه كما ينضى أحدكم بعيره في سفره (١) حديث ابن مسعود خط لنا رسول الله ﷺ خطا فقال هذا سبيل الله الحديث أخرجه النسائي في الكبرى والحاكم وقال صحيح الإسناد فبين ﷺ كثرة طرقه وقد ذكرنا مثالاً للطريق الغامض من طرقه وهو الذي يخدع به العلماء والعباد المالكين لشهواتهم الكافين عن المعاصي الظاهرة فلنذكر مثالاً لطريقه الواضح الذي لا يخفى إلا أن يضطر الآدمي إلى سلوكه وذلك كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال كان راهب في بني إسرائيل فعمد الشيطان إلى جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب فأتوا بها إليه فأبى أن يقبلها فلم يزالوا به حتى قبلها فلما كانت عنده ليعالجها أتاه الشيطان فزين له مقاربتها ولم يزل به حتى واقعها فحملت منه فوسوس إليه وقال الآن تفتضح يأتيك أهلها فاقتلها فإن سألوك فقل ماتت فقتلها ودفنها فأتي الشيطان أهلها فوسوس إليهم وألقى في قلوبهم أنه أحبلها ثم قتلها ودفنها فأتاه أهلها فسألوه عنها فقال ماتت فأخذوه ليقتلوه بها فأتاه الشيطان فقال أنا الذي خنقتها وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها فأطعني تنج وأخلصك منهم قال بماذا قال اسجد لي سجدتين فسجد له سجدتين فقال له الشيطان إني بريء منك فهو الذي قال الله تعالى فيه ﴿كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك﴾ (٢) حديث من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه متفق عليه من حديث النعمان ابن بشير من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه لفظ البخاري

стр. 778

بيان تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب اعلم أن مثال القلب مثال حصن والشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن فيملكه ويستولي عليه ولا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن ومداخله ومواضع ثلمه ولا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدري أبوابه فحماية القلب عن وسواس الشيطان واجبة وهو فرض عين على كل عبد مكلف وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو أيضاً واجب ولا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله فصارت معرفة مداخله واجبة ومداخل الشيطان وأبوابه صفات العبد وهي كثيرة ولكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان فمن أبوابه العظيمة الغضب والشهوة فإن الغضب هو غول العقل وإذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبي بالكرة فقد روي أن موسى ﵇ لقيه إبليس فقال له يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وكلمك تكليما وأنا خلق من خلق الله أذنبت وأريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علي فقال موسى نعم فلما صعد موسى الجبل وكلم ربه وأراد النزول قال له ربه أد الأمانة فقال موسى يا رب عبدك إبليس يريد أن تتوب عليه فأوحى الله تعالى إلى موسى يا موسى قد قضيت حاجتك مرة أن يسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه فلقي موسى إبليس فقال له قد قضيت حاجتك أمرت أن تسجد لقبر آدم حتى يتاب عليك فغضب واستكبر وقال لم أسجد له حياً أسجد له ميتاً ثم قال له يا موسى إن لك علي حقاً بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن اذكرني حين تغضب فإن روحي في قلبك وعيني في عينك وأجري منك مجرى الدم اذكرني إذا غضبت فإنه إذا غضب الإنسان نفخت فيه أنفه فما يدري ما يصنع واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتي ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره زوجته وولده وأهله حتى يولى وإياك أن تجلس إلى امرأة ليست بذات محرم فإني رسولها إليك ورسولك إليها فلا أزال حتى أفتنك بها وأفتنها بك فقد أشار بهذا إلى الشهوة والغضب والحرص فإن الفرار من الزحف حرص على الدنيا وامتناعه من السجود لآدم ميتاً هو الحسد وهو أعظم مداخله وقد ذكر أن بعض الأولياء قال لإبليس أرني كيف تغلب ابن آدم فقال آخذه عند الغضب وعند الهوى فقد حكي أن إبليس ظهر لراهب فقال له الراهب أي أخلاق بني آدم أعون لك قال الحدة فإن العبد إذا كان حديداً قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة وقيل إن الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه ومن أبوابه العظيمة الحسد والحرص فمهما كان العبد حريصاً على كل شيء أعماه حرصه وأصمه إذ قال ﷺ حبك للشيء يعمي ويصم // حديث حبك للشيء يعمي ويصم أخرجه أبو داود من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان فإذا غطاء الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ يجد الشيطان فرصة فيحسن عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكراً وفاحشاً فقد روي أن نوحاً ﵇ لما ركب السفينة حمل فيها من كل زوجين اثنين كما أمره الله تعالى فرأى في السفينة شيخاً لم يعرفه فقال له نوح ما أدخلك فقال دخلت لأصيب قلوب أصحابك فتكون قلوبهم معي وأبدانهم معك فقال له نوح أخرج منها يا عدو الله فإنك لعين فقال له إبليس خمس أهلك بهن الناس وسأحدثك منهم بثلاث ولا أحدثك باثنتين فأوحى الله تعالى إلى نوح أنه لا حاجة لك بالثلاث فليحدثك بالاثنين فقال له نوح

стр. 779

ما الاثنتان فقال هما اللتان لا تكذباني هما اللتان لا تخلفاني بهما أهلك الناس الحرص والحسد فبالحسد لعنت وجعلت شيطاناً رجيماً وأما الحرص فإنه أبيح لآدم الجنة كلها إلا الشجرة فأصبت حاجتي منه بالحرص ومن أبوابه العظيمة الشبع من الطعام وإن كان حلالاً صافياً فإن الشبع يقوي الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان فقد روي أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉ فرأى عليه معاليق من كل شيء فقال له يا إبليس ما هذه المعاليق قال هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم فقال فهل فيها من شيء قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر قال فهل غير ذلك قال لا قال لله على أن لا أملأ بطني من الطعام أبداً فقال له إبليس ولله على أن لا أنصح مسلماً أبداً ويقال في كثرة الأكل ست خصال مذمومة أولها أن يذهب خوف الله من قلبه الثاني أن يذهب رحمة الخلق من قلبه لأنه يظن أنهم كلهم شباع والثالث أنه يثقل عن الطاعة والرابع أنه إذا سمع كلام الحكمة لا يجد له رقة والخامس أنه إذا تكلم بالموعظة والحكمة لا يقع في قلوب الناس والسادس أن يهيج فيه الأمراض ومن أبوابه حب التزين من الأثاث والثياب والدار فإن الشيطان إذا رأى ذلك غالباً على قلب الإنسان باض فيه وفرخ فلا يزال يدعوه إلى عمارة الدار وتزيين سقوفها وحيطانها وتوسيع أبنيتها ويدعوه إلى التزين بالثياب والدواب ويستسخره فيها طول عمره وإذا أوقعه في ذلك فقد استغنى أن يعود إليه ثانية فإن بعض ذلك يجره إلى البعض فلا يزال يؤديه من شيء إلى شيء إلى أن يساق إليه أجله فيموت وهو في سبيل الشيطان واتباع الهوى ويخشى من ذلك سوء العاقبة بالكفر نعوذ بالله منه ومن أبوابه العظيمة الطمع في الناس لأنه إذا غلب الطمع على القلب لم يزل الشيطان يحبب إليه التصنع والتزين لمن طمع فيه بأنواع الرياء والتلبيس حتى المطموع فيه كأنه معبوده فلا يزال يتفكر في حيلة التودد والتحبب إليه ويدخل كل مدخل للوصول إلى ذلك وأقل أحواله الثناء عليه بما ليس فيه والمداهنة له بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد روى صفوان بن سليم أن إبليس تمثل لعبد الله بن حنظلة فقال له يا ابن حنظلة احفظ عني شيئاً أعلمك به فقال لا حاجة لي به قال انظر فإن كان خيراً أخذت وإن كان شراً رددت يا ابن حنظلة لا تسأل أحداً غير الله سؤال رغبة وانظر كيف تكون إذا غضبت فإني أملكك إذا غضبت ومن أبوابه العظيمة العجلة وترك التثبت في الأمور وقال ﷺ العجلة من الشيطان والتأني من الله تعالى // حديث العجلة من الشيطان والتأني من الله أخرجه الترمذي من حديث سهل بن سعد بلفظ الأناة وقال حسن وقال ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ وقال تعالى ﴿وكان الإنسان عجولاً﴾ وقال لنبيه ﷺ ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليك وحيه﴾ وهذا لأن الأعمال ينبغي أن تكون بعد التبصرة والمعرفة والتبصرة تحتاج إلى تأمل وتمهل والعجلة تمنع من ذلك وعند الاستعجال يروج الشيطان شره على الإنسان من حيث لا يدري فقد روي أنه لما ولد عيسى بن مريم ﵇ أتت الشياطين إبليس فقالوا أصبحت الأصنام قد نكست رءوسها فقال هذا حادث مكانكم فطار حتى أتي خافقي الأرض فلم يجد شيئاً ثم وجد عيسى ﵇ قد ولد وإذا الملائكة حافين به فرجع إليهم فقال إن نبياً قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا فأيسوا من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة ومن أبوابه العظيمة الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار فإن كل ما يزيد

стр. 780

على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان فإن من معه قوته فهو فارغ القلب فلو وجد مائة دينار مثلاً على طريق انبعث من قلبه شهوات تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى وقد كان قبل وجود المائة مستغنياً فالآن لما وجد مائة ظن أنه صار بها غنياً وقد صار محتاجاً إلى تسعمائة ليشتري داراً يعمرها وليشتري جارية وليشتري أثاث البيت ويشتري الثياب الفاخرة وكل شيء من ذلك يستدعي شيئاً آخر يليق به وذلك لا آخر له فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم فلا آخر لها سواهقال ثابت البناني لما بعث رسول الله ﷺ قال إبليس لشياطينه لقد حدث أمر فانظروا ما هو فانطلقوا حتى أعيوا ثم جاءوا وقالوا ما ندري قال أنا آتيكم بالخبر فذهب ثم جاء وقال قد بعث الله محمداً ﷺ قال فجعل يرسل شياطينه إلى أصحاب النبي ﷺ فينصرفون خائبين ويقولون ما صحبنا قوماً قط مثل هؤلاء نصيب منهم ثم يقومون إلى صلاتهم فيمحى ذلك فقال لهم إبليس رويداً بهم عسى الله أن يفتح لهم الدنيا فنصيب منهم حاجتنا (١) حديث أبي أمامة إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال يارب أنزلتني إلى الأرض وجعلتني رجيماً فاجعل لي بيتاً قال الحمام الحديث أخرجه الطبراني في الكبير وإسناده ضعيف جدا ورواه بنحوه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف أيضا ومن أبوابه العظيمة التوصل التعصب للمذاهب والأهواء والحقد على الخصوم والنظر إليهم بعين الازدراء والاستحقار وذلك مما يهلك العباد والفساق جميعاً فإن الطعن في الناس والاشتغال بذكر نقصهم صفة مجبولة في

стр. 781

الطبع من الصفات السبعية فإذا خيل إليه الشيطان أن ذلك هو الحق وكان موافقاً لطبعه غلبت حلاوته على قلبه فاشتغل به بكل همته وهو بذلك فرحان مسرور يظن أنه يسعى في الدين وهو ساع في اتباع الشياطين فترى الواحد منهم يتعصب لأبي بكر الصديق ﵁ وهو آكل الحرام ومطلق اللسان بالفضول والكذب ومتعاط لأنواع الفساد ولو رآه أبو بكر لكان أول عدو له إذ موالي أبي بكر من أخذ سبيله وسار بسيرته وحفظ ما بين لحييه وكان من سيرته ﵁ أن يضع حصاة في فمه ليكف لسانه عن الكلام فيما لا يعنيه فأنى لهذا الفضولي أن يدعي ولاءه وحبه ولا يسير بسيرته وترى فضولياً آخر يتعصب لعلي ﵁ وكان من زهد علي وسيرته أنه لبس في خلافته ثوباً اشتراه بثلاثة دراهم وقطع رأس الكمين إلى الرسغ ونرى الفاسق لابساً الثياب الحرير ومتجملاً بأموال اكتسبها من حرام وهو يتعاطى حب علي ﵁ ويدعيه وهو أول خصمائه يوم القيامة وليت شعري من أخذ ولداً عزيزاً لإنسان هو قرة عينه وحياة قلبه فأخذ يضربه ويمزقه وينتف شعره ويقطعه بالمقراض وهو مع ذلك يدعي حب أبيه وولاءه فكيف يكون حاله عنده ومعلوم أن الدين والشرع كانا أحب إلا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة ﵃ من الأهل والولد بل من أنفسهم والمقتحمون لمعاصي الشرع هم الذين يمزقون الشرع ويقطعونه بمقاريض الشهوات ويتوددون به إلى عدو الله إبليس وعدو أوليائه فترى كيف يكون حالهم يوم القيامة عند الصحابة وعند أولياء الله تعالى لا بل لو كشف الغطاء وعرف هؤلاء ما تحبه الصحابة في أمة رسول الله ﷺ لاستحيوا أن يجروا على اللسان ذكرهم مع قبح أفعالهم ثم إن الشيطان يخيل إليهم أن من مات محباً لأبي بكر وعمر فالنار لا تحوم حوله ويخيل إلى الآخر أنه إذا مات محباً لعلي لم يكن عليه خوف وهذا رسول الله ﷺ يقول لفاطمة ﵂ وهي بضعة منه (١) اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئاً // حديث إني لا أغني عنك من الله شيئاً قاله لفاطمة متفق عليه من حديث أبي هريرة وهذا مثال أوردناه من جملة الأهواء وهكذا حكم المتعصبين للشافعي وأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم من الأئمة فكل من ادعى مذهب إمام وهو ليس يسير بسيرته فذلك الإمام هو خصمه يوم القيامة إذ يقول له كان مذهبي العمل دون الحديث باللسان وكان الحديث باللسان لأجل العمل لا لأجل الهذيان فما بالك خالفتني في العمل والسيرة التي هي مذهبي ومسلكي الذي سلكته وذهبت فيه إلى الله تعالى ثم ادعيت مذهبي كاذباً وهذا مدخل عظيم من مداخل الشيطان قد أهلك به أكثر العالم وقد سلمت المدارس لأقوام قل من الله خوفهم وضعفت في الدين بصيرتهم وقويت في الدنيا رغبتهم واشتد على الاستتباع حرصهم ولم يتمكنوا من الاستتباع وإقامة الجاه إلا بالتعصب فحبسوا ذلك في صدورهم ولم ينبهوهم على مكايد الشيطان فيه بل نابوا عن الشيطان في تنفيذ مكيدته فاستمر الناس عليه ونسوا أمهات دينهم فقد هلكوا وأهلكوا فالله تعالى يتوب علينا وعليهم وقال الحسن بلغنا أن إبليس قال سولت لأمة محمد ﷺ المعاصي فقصموا ظهري بالاستغفار فسولت لهم ذنوباً لا يستغفرون الله تعالى منها وهي الأهواء وقد صدق الملعون فإنهم لا يعلمون أن ذلك من الأسباب التي تجر إلى المعاصي فكيف يستغفرون منها ومن عظيم حيل الشيطان أن يشغل الإنسان عن نفسه بالاختلافات الواقعة بين الناس في المذاهب والخصومات قال عبد الله بن مسعود جلس قوم يذكرون الله تعالى فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم ويفرق بينهم فلم يستطع فأتى رفقة أخرى يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتتلون وليس إياهم يريد فقام الذين يذكرون الله تعالى

стр. 782

فاشتغلوا بهم يفصلون بينهم فتفرقوا عن مجلسهم وذلك مراد الشيطان منهم ومن أبوابه حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم ولم يتبحروا فيه على التفكر في ذات الله تعالى وصفاته وفي أمور لا يبلغها حد عقولهم حتى يشككهم في أصل الدين أو يخيل إليهم في الله تعالى خيالات يتعالى الله عنها يصير أحدهم بها كافراً أو مبتدعاً وهو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره يظن ذلك هو المعرفة والبصيرة وأنه انكشف له ذلك بذكائه وزيادة عقله فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقاداً في عقل نفسه وأثبت الناس عقلاً أشدهم اتهاماً لنفسه وأكثرهم سؤالاً من العلماء قالت عائشة ﵂ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول من خلقك فيقول الله ﵎ فيقول فمن خلق الله فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت بالله ورسوله فإن ذلك يذهب عنه (١) والنبي ﷺ لم يأمر بالبحث في علاج هذا الوسواس فإن هذا وسواس يجده عوام الناس دون العلماء وإنما حق العوام أن يؤمنوا ويسلموا ويشتغلوا بعبادتهم ومعايشهم ويتركوا العلم للعلماء فالعامي لو يزني ويسرق كان خيراً له من أن يتكلم في العلم فإنه من تكلم في الله وفي دينه من غير إتقان العلم وقع في الكفر من حيث لا يدري كمن يركب لجة البحر وهو لا يعرف السباحة ومكايد الشيطان فيما يتعلق بالعقائد والمذاهب لا تحصر وإنما أردنا بما أوردناه المثال ومن أبوابه سوء الظن بالمسلمين قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثم﴾ فمن يحكم بشر على غيره بالظن بعثه الشيطان على أن يطول فيه اللسان بالغيبة فيهلك أو يقصر في القيام بحقوقه أو يتوانى في إكرامه وينظر إليه بعين الاحتقار ويرى نفسه خيراً منه وكل ذلك من المهلكات ولأجل ذلك منع الشرع من التعرض للتهم فقال ﷺ اتقوا مواضع التهم (٢) حديث صفية بنت حيى أن النبي ﷺ كان معتكفاً فأتيته فتحدثت عنده الحديث وفيه أن الشطيان يجري من ابن آدم مجرى الدم متفق عليه فانظر كيف أشفق ﷺ على دينهما فحرسهما وكيف أشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التهمة حتى لا يتساهل العالم الورع المعروف بالدين في أحواله فيقول مثلي لا يظن به إلا الخير إعجابا منه بنفسه فإن أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا ينظر الناس كلهم إليه بعين واحدة بل بعين الرضا بعضهم وبعين السخط بعضهم ولذلك قال الشاعر وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا فيجب الاحتراز عن ظن السوء وعن تهمة الأشرار فإن الأشرار لا يظنون بالناس كلهم إلا الشر فمهما رأيت إنساناً يسيء الظن بالناس طالباً للعيوب فاعلم أنه خبيث الباطن وأن ذلك خبثه يترشح منه وإنما رأى غيره من حيث هو فإن المؤمن يطلب المعاذير والمنافق يطلب العيوب والمؤمن سليم الصدر في حق كافة الخلق فهذه بعض مداخل الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها لم أقدر عليه وفي هذا القدر ما ينبه على غيره فليس في الآدمي صفة

стр. 783

مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان ومدخل من مداخله فإن قلت فما العلاج في دفع الشيطان وهل يكفي في ذلك ذكر الله تعالى وقول الإنسان لا حول ولا قوة إلا بالله فاعلم أن علاج القلب في ذلك سد هذه المداخل بتطهير القلب من هذه الصفات المذمومة وذلك مما يطول ذكره وغرضنا في هذا الربع من الكتاب بيان علاج الصفات المهلكات وتحتاج كل صفة إلى كتاب منفرد على ما سيأتي شرحه نعم إذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ولم يكن له استقرار ويمنعه من الاجتياز ذكر الله تعالى لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارة القلب بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا سلطان له على القلب فلا يدفع سلطان الشيطان ولذلك قال الله تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾ خصص بذلك المتقي فمثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم فإنه ينزجر بأن تقول له اخسأ فمجرد الصوت يدفعه فإن كان بين يديك لحم وهو جائع فإنه يهجم على اللحم ولا يندفع بمجرد الكلام فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب فلم يتمكن من سويدائه فيستقر الشيطان في سويداء القلب وأما قلوب المتقين الخالية من الهوى والصفات المذمومة فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات بل لخلوها بالغفلة عن الذكر فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان ودليل ذلك قوله تعالى ﴿فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ وسائر الأخبار والآيات الواردة في الذكر قال أبو هريرة التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر دهين سمين كاس وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن مالك مهزول قال أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل جائعاً وإذا شرب سمى الله فأظل عطشاناً وإذا لبس سمى الله فأظل عريانا وإذا ادهن سمى الله فأظل شعثاً فقال لكني مع رجل لا يفعل شيئاً من ذلك فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه وكان محمد بن واسع يقول كل يوم بعد صلاة الصبح اللهم إنك سلطت علينا عدوا بصيرا بعيوبنا يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم اللهم فآيسه منا كما آيسته من رحمتك وقنطه منا كما قنطته من عفوك وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين رحمتك إنك على كل شيء قدير قال فتمثل له إبليس يوماً في طريق المسجد فقال له يا ابن واسع هل تعرفني قال ومن أنت قال أنا إبليس فقال وما تريد قال أريد أن لا تعلم أحد هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك قال والله لا أمنعها ممن أراد فاصنع ما شئت وعن عبد الرحمن ابن أبي ليلى قال كان شيطان يأتي النبي ﷺ بيده شعلة من نار فيقوم بين يديه وهو يصلي فيقرأ ويتعوذ فلا يذهب فأتاه جبرائيل ﵇ فقال له قل أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن فقال ذلك فطفئت شعلته وخر على وجهه (١) وقال الحسن نبئت أن جبرائيل ﵇ أتى النبي ﷺ فقال إن عفريتاً من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي // حديث الحسن نبئت أن جبريل أتى النبي ﷺ فقال إن عفريتاً من الجن يكيدك الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان هكذا مرسلا وقال ﷺ أتاني الشيطان فنازعني ثم نازعني فأخذت

стр. 784

بحلقه فوالذي بعثني بالحق ما أرسلته حتى وجدت برد ماء لسانه على يدي ولولا دعوة أخي سليمان ﵇ لأصبح طريحا فِي الْمَسْجِدِ (١) وَقَالَ ﷺ ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير الذي سلكه عمر (٢) وهذا لأن القلوب كانت مطهرة عن مرعى الشيطان وقوته وهي الشهوات فمهما طمعت في أن يندفع الشيطان عنك بمجرد الذكر كما اندفع عن عمر ﵁ كان محالاً وكنت كمن يطمع أن يشرب دواء قبل الاحتماء والمعدة مشغولة بغليظ الأطعمة ويطمع أن ينفعه كما نفع الذي شربه بعد الاحتماء وتخلية المعدة والذكر الدواء والتقوى احتماء وهي تخلي القلب عن الشهوات فإذا نزل الذكر قلباً فارغاً عن غير الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء في المعدة الخالية عن الأطعمة قال الله تعالى ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب﴾ وقال تعالى ﴿كتب عليه أنه من تولاه فإنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير﴾ ومن ساعد الشيطان بعمله فهو مواليه وإن ذكر الله بلسانه وإن كنت تقول الحديث قد ورد مطلقاً بأن الذكر يطرد الشيطان (٣) ولم تفهم أن أكثر عمومات الشرع مخصوصة بشروط نقلها علماء الدين فانظر إلى نفسك فليس الخبر كالعيان وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك الصلاة فراقب قلبك إذا كنت في صلاتك كيف يجاذبه الشيطان إلى الأسواق وحساب العالمين وجواب المعاندين وكيف يمر بك في أودية الدنيا ومهالكها حتى إنك لا تذكر ما قد نسيته من فضول الدنيا إلا في صلاتك ولا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت فالصلاة محك القلوب فبها يظهر محاسنها ومساويها فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا فلا جرم لا ينطرد عنك الشيطان بل ربما يزيد عليك الوسواس كما أن الدواء قبل الاحتماء ربما يزيد عليك الضرر فإن أردت الخلاص من الشيطان فقدم الاحتماء بالتقوى ثم أردفه بدواء الذكر يفر الشيطان منك كما فر من عمر ﵁ ولذلك قال وهب بن منبه اتق الله ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر أي أنت مطيع له وقال بعضهم يا عجبا لمن يعصى المحسن بعد معرفته بإحسانه ويطيع اللعين بعد معرفته بطغيانه وكما إن الله تعالى قال ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ وأنت تدعوه ولا يستجيب لك فكذلك تذكر الله ولا يهرب الشيطان منك لفقد شروط الذكر والدعاء قيل لإبراهيم بن أدهم ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا وقد قال تعالى ﴿ادعوني أستجب لكم﴾ قال لأن قلوبكم ميتة قيل وما الذي أماتها قال ثمان خصال عرفتم حق الله ولم تقوموا بحقه وقرأتم القرآن ولم تعملوا بحدوده وقلتم نحب رسول الله ﷺ ولم تعملوا بسنته وقلتم نخشى الموت ولم تستعدوا له وقال تعالى إن الشيطان لكم عدواً فاتخذوه عدواً فواطأتموه على المعاصي وقلتم نخاف النار وأرهقتم أبدانكم فيها وقلتم نحب الجنة ولم تعملوا لها وإذا قمتم من فرشكم رميتم عيوبكم وراء ظهوركم وافترشتم عيوب الناس أمامكم فأسخطتم ربكم فكيف يستجيب لكم فإن قلت فالداعي إلى المعاصي المختلفة شيطان واحد أو شياطين مختلفون فاعلم أنه لا حاجة لك إلى معرفة ذلك في المعاملة فاشتغل بدفع العدو ولا تسأل عن صفته كل البقل من حيث يؤتى ولا تسأل عن المبقلة ولكن الذي

стр. 785

يتضح بنور الاستبصار في شواهد الأخبار أنهم جنود مجندة وأن لكل نوع من المعاصي شيطاناً يخصه ويدعو إليه فأما طريق الاستبصار فذكره يطول ويكفيك القدر الذي ذكرناه وهو أن اختلاف المسببات يدل على اختلاف الأسباب كما ذكرناه في نور النار وسواد الدخان وأما الأخبار فقد قال مجاهد لإبليس خمسة من الأولاد قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره ثبر والأعور ومبسوط وداسم وزلنبور فأما ثبر فهو صاحب المصائب الذي يأمر بالثبور وشق الجيوب ولطم الخدود ودعوى الجاهلية وأما الأعور فإنه صاحب الزنا يأمر به ويزينه وأما مبسوط فهو صاحب الكذب وأما داسم فإنه يدخل مع الرجل إلى أهله يرميهم بالعيب عنده ويغضبه عليهم وأما زلنبور فهو صاحب السوق فبسببه لا يزالون متظلمين وشيطان الصلاة يسمى خنزب (١) وشيطان الوضوء يسمى الولهان (٢) حديث أبي أمامة وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان والطبراني في المعجم الكبير بإسناد ضعيف (٣) حديث أبي الدرداء خلق الله الجن ثلاثة أصناف صنف حيات وعقارب الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان وابن حبان في الضعفاء في ترجمة يزيد بن سنان وضعفه والحاكم نحوه مختصرا في الجن فقط ثلاثة أصناف من حديث أبي ثعلبة الخشني وقال صحيح الإسناد وقال وهيب بن الورد بلغنا أن إبليس تمثل ليحيى بن زكريا ﵉ وقال إني أريد أن أنصحك قال لا حاجة لي في نصحك ولكن أخبرني عن بني آدم قال هم عندنا ثلاثة أصناف أما صنف منهم وهم أشد الأصناف علينا نقبل على أحدهم حتى نفتنه ونتمكن منه

стр. 786

فيفزع إلى الاستغفار والتوبة فيفسد علينا كل شيء أدركنا منه ثم نعود إليه فيعود فلا نحن نيأس منه ولا نحن ندرك منه حاجتنا فنحن منه في عناء وأما الصنف الآخر فهم في أيدينا بمنزل الكرة في أيدي صبيانكم نقلبهم كيف شئنا قد كفونا أنفسهم وأما الصنف الثالث فهم مثلك معصومون لا نقدر منهم على شيء فإن قلت فكيف يتمثل الشيطان لبعض الناس دون البعض وإذا رأى صورة فهل هي صورته الحقيقية أو هو مثال يمثل له به فإن كان على صورته الحقيقية فكيف يرى بصور مختلفة وكيف يرى في وقت واحد في مكانين وعلى صورتين حتى يراه شخصان بصورتين مختلفتين فاعلم أن الملك والشيطان لهما صورتان هي حقيقة صورتهما ولا تدرك حقيقة صورتهما بالمشاهدة إلا بأنوار النبوة فما رأى النبي ﷺ جبرائيل ﵇ في صورته إلا مرتين (١) وذلك أنه سأله أن يريه نفسه على صورته فواعده بالبقيع وظهر له بحراء فسد الأفق من المشرق إلى المغرب ورآه مرة أخرى على صورته ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وإنما كان يراه في صورة الآدمي غالباً (٢) فكان يراه في صورة دحية الكلبي (٣) وكان رجلاً حسن الوجه والأكثر أنه يكاشف أهل المكاشفة من أرباب القلوب بمثال صورته فيتمثل الشيطان له في اليقظة فيراه بعينه ويسمع كلامه بأذنه فيقوم ذلك مقام حقيقة صورته كما ينكشف في المنام لأكثر الصالحين وإنما المكاشف في اليقظة هو الذي انتهى إلى رتبة لا يمنعه اشتغال الحواس بالدنيا عن المكاشفة التي تكون في المنام فيرى في اليقظة ما يراه غيره في المنام كما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀ أن رجلاً سأل ربه أن يريه موضع الشيطان من قلب ابن آدم فرأى في النوم جسد رجل شبه البلور يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع قاعد على منكبه الأيسر بين منكبه وأذنه له خرطوم طويل دقيق قد أدخله من منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه فإذا ذكر الله تعالى خنس ومثل هذا قد يشاهد بعينه في اليقظة فقد رآه بعض المكاشفين في صورة كلب جاثم على جيفة يدعو الناس إليها وكانت الجيفة مثال الدنيا وهذا يجري مجرى مشاهدة صورته الحقيقية فإن القلب لا بد وأن تظهر فيه حقيقة من الوجه الذي يقابل عالم الملكوت وعند ذلك يشرق أثره على وجهه الذي يقابل عالم الملك والشهادة لأن أحدهما متصل بالآخر وقد بينا أن القلب له وجهان وجه إلى عالم الغيب وهو مدخل الإلهام والوحي ووجه إلى عالم الشهادة فالذي يظهر منه في الوجه الذي يلي جانب عالم الشهادة لا يكون إلا صورة متخيلة لأن عالم الشهادة كله متخيلات إلا أن الخيال تارة يحصل من النظر إلى ظاهر عالم الشهادة بالحس فيجوز أن لا تكون الصورة على وفق المعنى حتى يرى شخصاً جميل الصورة وهو خبيث الباطن قبيح السر لأن عالم الشهادة عالم كثير التلبيس أما الصورة التي تحصل في الخيال من إشراق عالم الملكوت على باطن سر القلوب فلا تكون إلا محاكية للصفة وموافقة لها لأن الشيطان في صورة كلب وضفدع للصفة وموافقة لها فلا جرم لا يرى المعنى القبيح إلا بصورة قبيحة فيرى الشيطان في صورة كلب وضفدع وخنزير وغيرها ويرى الملك في صورة جميلة فتكون تلك الصورة عنوان المعاني ومحاكية لها بالصدق ولذلك يدل القرد والخنزير في النوم على إنسان خبيث وتدل الشاة على إنسان سليم الصدر وهكذا جميع أبواب الرؤيا والتعبير وهذه أسرار عجيبة وهي من أسرار عجائب القلب ولا يليق ذكرها بعلم المعاملة وإنما المقصود أن تصدق

стр. 787

بأن الشيطان ينكشف لأرباب القلوب وكذلك الملك تارة بطريق التمثيل والمحاكاة كما يكون ذلك في النوم وتارة بطريق الحقيقة والأكثر هو التمثيل بصورة محاكية للمعنى هو مثال المعنى لا عين المعنى إلا أنه يشاهد بالعين مشاهدة محققة وينفرد بمشاهدته المكاشف دون من حوله كالنائم بيان ما يؤاخذ به العبد من وساوس القلوب وهمها وخواطرها وقصودها وما يعفى عنه ولا يؤاخذ به اعلم أن هذا أمر غامض وقد وردت فيه آيات وأخبار متعارضة يلتبس طريق الجمع بينها إلا على سماسرة العلماء بالشرع فقد رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها ما لم تتكلم به أو تعمل به (١) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ للحفظة إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها فإن عملها فاكتبوها سيئة وإذا هم بحسنة لم يعملها فاكتبوها حسنة فإن عملها فاكتبوها عشراً (٢) وقد خرجه البخاري ومسلم في الصحيحين وهو دليل على العفو عن عمل القلب وهمه بالسيئة وفي لفظ آخر من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن هم بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ضعف ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه وإن عملها كتبت وفي لفظ آخر وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها وكل ذلك يدل على العفو فأما ما يدل على المؤاخذة فقوله سبحانه إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وقوله تعالى ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع والبصر فلا يعفى عنه وقوله تعالى ﴿ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه﴾ وقوله تعالى ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾ والحق عندنا في هذه المسألة لا يوقف عليه ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب من مبدأ ظهورها إلى أن يظهر العمل على الجوارح فنقول أول ما يرد على القلب الخاطر كما لو خطر له مثلاً صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت إليها لرآها والثاني هيجان الرغبة إلى النظر وهو حركة الشهوة في الطبع وهذا يتولد من الخاطر الأول ونسميه ميل الطبع ويسمى الأول حديث النفس والثالث حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل أي ينبغي أن ينظر إليها فإن الطبع إذا مال لم تنبعث الهمة والنية ما لم تندفع الصوارف فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات وعدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل وهو على كل حال حكم من جهة العقل ويسمى هذا اعتقاداً وهو يتبع الخاطر والميل الرابع تصميم العزم على الالتفات وجزم النية فيه وهذا نسميه هما بالفعل ونية وقصداً وهذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس تأكد هذا الهم وصار إرادة مجزومة فإذا انجزمت الإرادة فربما يندم بعد الجزم فيترك العمل وربما يغفل بعارض فلا يعمل به ولا يلتفت إليه وربما يعوقه عائق فيتعذر عليه العمل فههنا أربع أحوال للقلب قبل العمل بالجارحة الخاطر وهو حديث النفس ثم الميل ثم الاعتقاد ثم الهم فنقول أما الخاطر فلا يؤاخذ به لأنه لا يدخل تحت الاختيار وكذلك الميل وهيجان الشهوة لأنهما لا يدخلان

стр. 788

أيضاً تحت الاختيار وهما المرادان بقوله ﷺ ﷺ عفى عن أمتي ما حدثت به نفوسها فحديث النفس عبارة عن الخواطر التي تهجس في النفس ولا يتبعها عزم على الفعل فأما الهم والعزم فلا يسمى حديث النفس بل حديث النفس كما روي عن عثمان بن مظعون حيث قال للنبي ﷺ يا رسول الله نفسي تحدثني أن أطلق خولة قال مهلاً إن من سنتي النكاح قال نفسي تحدثني أن أجب نفسي قال مهلاً خصاء أمتي دءوب الصيام قال نفسي تحدثني أن أترهب قال مهلاً رهبانية أمتي الجهاد والحج قال نفسي تحدثني أن أترك اللحم قال مهلاً فإني أحبه ولو أصبته لأكلته ولو سألت الله لأطعمنيه (١) حديث قالت الملائكة رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر الحديث قال المصنف إنه في الصحيح وهو كما قال في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (٢) حديث إنما يحشر الناس على نياتهم أخرجه ابن ماجة من حديث جابر دون قوله ﴿إنما﴾ وله من حديث أبي هريرة إنما يبعث الناس على نياتهم وإسنادهما حسن ومسلم من حديث عائشة يبعثهم الله على نياتهم وله من حديث أم سلمة يبعثون على نياتهم ونحن نعلم أن من عزم ليلاً على أن يصبح ليقتل مسلماً أو يزني بامرأة فمات تلك

стр. 789

الليلة مات مصراً ويحشر على نيته وقد هم بسيئة ولم يعملها والدليل القاطع فيه ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار فقيل يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول قال لأنه أراد قتل صاحبه (١) حديث لما نزل قوله تعالى ﴿وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ جاء ناس من الصحابة إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقالوا كلفنا ما لا نطيق الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وابن عباس نحوه فأنزل الله الفرج بعد سنة بقوله ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها﴾ فظهر به أن كل ما لا يدخل تحت الوسع من أعمال القلب هو الذي لا يؤاخذ به فهذا هو كشف الغطاء عن هذا الالتباس وكل من يظن أن كل ما يجري على القلب يسمى حديث النفس ولم يفرق بين هذه الأقسام الثلاثة فلا بد وأن يغلط وكيف لا يؤاخذ بأعمال القلب من الكبر والعجب والرياء والنفاق والحسد وجملة الخبائث من أعمال القلب بل السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا أي ما يدخل تحت الاختيار فلو وقع البصر بغير اختيار على غير ذي محرم لم يؤاخذ به فإن أتبعها نظرة ثانية كان مؤاخذاً به لأنه مختار فكذا خواطر القلب تجري هذا المجرى بل القلب أولى بمؤاخذته لأنه الأصل قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ التقوى ههنا وأشار إلى القلب (٢) وقال الله تعالى ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يناله التقوى منكم﴾ وقال ﷺ الإثم حواز القلوب (٣) وقال البر ما اطمأن إليه القلب وإن أفتوك وأفتوك (٤) حتى إنا نقول إذا حكم القلب المفتى بإيجاب شيء وكان مخطئاً فيه صار مثاباً عليه بل من قد ظن أنه تطهر فعليه أن يصلي فإن صلى ثم تذكر أنه لم يتوضأ كان له ثواب بفعله فإن تذكر ثم تركه كان معاقباً عليه ومن وجد على فراشه امرأة فظن أنها زوجته لم يعص بوطئها وإن كانت أجنبية فإن ظن أنها أجنبية ثم وطئها عصى بوطئها وإن كانت زوجته وكل ذلك نظر إلى القلب دون الجوارح بيان أن الوسواس هل يتصور أن ينقطع بالكلية عند الذكر أم لا اعلم أن العلماء المراقبين للقلوب الناظرين في صفاتها وعجائبها اختلفوا في هذه المسألة على خمس فرق فقالت فرقة الوسوسة تنقطع بذكر الله لأنه ﷺ قال فإذا ذكر الله خنس // حديث إذا ذكر الله خنس أخرجه ابن أبي الدنيا وابن عدي من حديث أنس في أثناء حديث إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم الحديث وقد تقدم قريبا والخنس هو السكوت فكأنه يسكت

стр. 790

وقالت فرقة لا ينعدم أصله ولكن يجري في القلب ولا يكون له أثر لأن القلب إذا صار مستوعباً بالذكر كان محجوباً عن التأثر بالوسوسة كالمشغول بهمه فإنه قد يتكلم ولا يفهم وإن كان الصوت يمر على سمعه وقالت فرقة لا تسقط الوسوسة ولا أثرها أيضاً ولكن تسقط غلبتها للقلب فكأنه يوسوس من بعد وعلى ضعف وقالت فرقة ينعدم عند الذكر في لحظة وينعدم الذكر في لحظه ويتعاقبان في أزمنة متقاربة يظن لتقاربها أنها متساوقة وهي كالكرة التي عليها نقط متفرقة فإنك إذا أدرتها بسرعة تواصلها بالحركة واستدل هؤلاء بأن الخنس قد ورد ونحن نشاهد الوسوسة مع الذكر ولا وجه له إلا هذا وقالت فرقة الوسوسة والذكر يتساوقان في الدوام على القلب تساوقاً لا ينقطع وكما أن الإنسان قد يرى بعينيه شيئين في حالة واحدة فكذلك القلب قد يكون مجرى لشيئين فقد قال ﷺ ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه // حديث ما من عبد إلا وله أربعة أعين عينان في رأسه يبصر بهما أمر دنياه وعينان في قلبه يبصر بهما أمر دينه أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بلفظ الآخرة مكان دينه وفيه الحسين بن أحمد بن محمد الهروي السماخي الحافظ كذبه الحاكم والآفة منه وإلى هذا ذهب المحاسبي والصحيح عندنا أن كل هذه المذاهب صحيحة ولكن كلها قاصرة عن الإحاطة بأصناف الوسواس وإنما نظر كل واحد منهم إلى صنف واحد من الوسواس فأخبر عنه والوسواس أصناف الأول أن يكون من جهة التلبيس بالحق فإن الشطيان قد يلبس بالحق فيقول للإنسان تترك التنعم باللذات فإن العمر طويل والصبر عن الشهوات طول العمر ألمه عظيم فعند هذا إذا ذكر العبد عظيم حق الله تعالى وعظيم ثوابه وعقابه وقال لنفسه الصبر عن الشهوات شديد ولكن الصبر على النار أشد منه ولا بد من أحدهما فإذا ذكر العبد وعد الله تعالى ووعيده وجدد إيمانه ويقينه خنس الشيطان وهرب إذ لا يستطيع أن يقول له النار أيسر من الصبر على المعاصي ولا يمكنه أن يقول المعصية لا تفضي إلى النار فإن إيمانه بكتاب الله يدفعه عن ذلك فينقطع وسواسه وكذلك يوسوس إليه بالعجب بعمله فيقول أي عبد يعرف الله كما تعرفه ويعبده كما تعبده فما أعظم مكانك عند الله تعالى فيتذكر العبد حينئذ أن معرفته وقلبه وأعضاءه التي بها عمله وعلمه كل ذلك من خلق الله تعالى فمن أين يعجب به فيخنس الشيطان إذ لا يمكنه أن يقول ليس هذا من الله فإن المعرفة والإيمان يدفعه فهذا نوع من الوسواس ينقطع بالكلية عن العارفين المستبصرين بنور الإيمان والمعرفة الصنف الثاني أن يكون وسواسه بتحريك الشهوة وهيجانها وهذا ينقسم إلى ما يعلم العبد يقيناً أنه معصية وإلى ما يظنه بغالب الظن فإن علمه يقيناً خنس الشيطان عن تهييج يؤثر في تحريك الشهوة ولم يخنس عن التهييج وإن كان مظنوناً فربما يبقى مؤثراً بحيث يحتاج إلى مجاهدة في دفعه فتكون الوسوسة موجودة ولكنها مدفوعة غير غالبة الصنف الثالث أن تكون وسوسة بمجرد الخواطر وتذكر الأحوال الغالبة والتفكر في غير الصلاة مثلاً فإذا أقبل على الذكر تصور أن يندفع ساعة ويعود ويندفع ويعود فيتعاقب الذكر والوسوسة ويتصور أن يتساوقا جميعاً حتى يكون الفهم مشتملاً على فهم معنى القراءة وعلى تلك الخواطر كأنهما في موضعين من القلب وبعيد جداً أن يندفع هذا الخنس بالكلية بحيث لا يخطر ولكنه ليس محالاً إذا قَالَ ﷺ مَنْ صَلَّى ركعتين لم يحدث فيهما

стр. 791

نفسه بشيء من أمر الدنيا غفر له ما تقدم من ذنبه (١) فلولا أنه متصور لما ذكره إلا أنه لا يتصور ذلك إلا في قلب استولى عليه الحب حتى صار كالمستهتر فإنا قد نرى المستوعب القلب بعدو تأذى به قد يتفكر بمقدار ركعتين وركعات في مجادلة عدوه بحيث لا يخطر بباله غير حديث عدوه وكذلك المستغرق في الحب قد يتفكر في محادثة محبوبه بقلبه ويغوص في فكره بحيث لا يخطر بباله غير حديث محبوبه ولو كلمه غيره لم يسمع ولو اجتاز بين يد أحد لكان كأن لا يراه وإذا تصور هذا في خوف من عدو وعند الحرص على مال وجاه فكيف لا يتصور من خوف النار والحرص على الجنة ولكن ذلك عزيز لضعف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر وإذا تأملت جملة هذه الأقسام وأصناف الوسواس علمت أن لكل مذهب من المذاهب وجهاً في محل مخصوص وبالجملة فالخلاص من الشيطان في لحظة أو ساعة غير بعيد ولكن الخلاص منه عمرا طويلا بعيد جداً ومحال في الوجود ولو تخلص أحد من وساوس الشيطان بالخواطر وتهييج الرغبة لتخلص رسول الله ﷺ فقد روي أنه نظر إلى علم ثوبه في الصلاة فلما سلم رمى بذلك الثوب وقال شغلني عن الصلاة ﴿وقال﴾ اذهبوا به إلى أبي جهم وائتوني بأنبجانيته (٢) وكان في يده خاتم من ذهب فنظر إليه وهو على المنبر ثم رمى به قال نظرة إليه ونظرة إليكم // حديث كان في يده خاتم من ذهب فنظر إليه على المنبر فرماه فقال نظرة إليكم أخرجه النسائي من حديث ابن عباس وتقدم في الصلاة وكان ذلك لوسوسة الشيطان بتحريك لذة النظر إلى خاتم الذهب وعلم الثوب وكان ذلك قبل تحريم الذهب فلذلك لبسه ثم رمى به فلا تنقطع وسوسة عروض الدنيا ونقدها إلا بالرمي والمفارقة فما دام يملك شيئاً وراء حاجته ولو ديناراً واحداً لا يدعه الشيطان في صلاته من الوسوسة في الفكر في ديناره وأنه كيف يحفظه وفيماذا ينفقه وكيف يخفيه حتى لا يعلم به أحد وكيف يظهره حتى يتباهى به إلى غير ذلك من الوساوس فمن أنشب مخالبه في الدنيا وطمع في أن يتخلص من الشطيان كان كمن انغمس في العسل وظن أن الذباب لا يقع عليه فهو محال فالدنيا باب عظيم لوسوسة الشيطان وليس له باب واحد بل أبواب كثيرة قال حكيم من الحكماء الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة فإن أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرم ما ليس بحرام فإن أبى شككه في وضوئه وصلاته حتى يخرجه عن العلم فإن أبى خفف عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابراً عفيفاً فتميل قلوبهم إليه فيعجب نفسه وبه يهلكه وعند ذلك يشتد إلحاحه فإنها آخر درجة ويعلم أنه لو جاوزها أفلت منه إلى الجنة بيان سرعة تقلب القلب وانقسام القلوب في التغير والثبات اعلم أن القلب كما ذكرناه تكتنفه الصفات التي ذكرناها وتنصب إليه الآثار والأحوال من الأبواب التي وصفناها فكأنه هدف يصاب على الدوام من كل جانب فإذا أصابه شيء يتأثر به أصابه من جانب آخر ما يضاده فتتغير صفته فإن نزل به الشيطان فدعاه إلى الهوى نزل به الملك وصرفه عنه وإن جذبه شيطان إلى شر جذبه شيطان آخر إلى غيره وإن جذبه ملك إلى خير جذبه آخر إلى غيره فتارة يكون متنازعاً بين ملكين وتارة بين شيطانين وتارة بين ملك وشيطان لا يكون قط مهملا وإليه الإشارة بقوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم ولاطلاع رسول الله ﷺ على عجيب صنع الله تعالى في عجائب القلب وتقلبه كان يحلف

стр. 792

به فيقول لا ومقلب القلوب (١) وكان كثيراً ما يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك قالوا أو تخاف يا رسول الله قال وما يؤمنني والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء (٢) وفي لفظ آخر إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه أزاغه وضرب له ﷺ ثلاثة أمثلة فقال مثل القلب مثل العصفور يتقلب في كل ساعة (٣) وقال ﷺ مثل القلب في تقلبه كالقدر إذا استجمعت غليانا (٤) وقال مثل القلب كمثل ريشة في أرض فلاة تقلبها الرياح ظهراً لبطن (٥) وهذه التقلبات وعجائب صنع الله تعالى في تقلبها من حيث لا تهدى إليه المعرفة لا يعرفها إلا المراقبون والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى والقلوب في الثبات على الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر عن خبائث الأخلاق تنقدح فيه خواطر الخير من خزائن الغيب ومداخل الملكوت فينصرف العقل إلى التفكر فيما خطر له ليعرف دقائق الخير فيه ويطلع على أسرار فوائده فينكشف له بنور البصيرة وجهه فيحكم بأنه لا بد من فعله فيستحثه عليه ويدعوه إلى العمل به وينظر الملك إلى القلب فيجده طيباً في جوهره طاهراً بتقواه مستنيراً بضياء العقل معموراً بأنوار المعرفة فيراه صالحاً لأن يكون له مستقراً ومهبطا فعند ذلك يمده بجنود لا ترى ويهديه إلى خيرات أخرى حتى ينجر الخير إلى الخير وكذلك على الدوام ولا يتناهى إمداده بالترغيب بالخير وتيسير الأمر عليه وإليه الإشارة بقوله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وفي مثل هذا القلب يشرق نور المصباح من مكشاة الربوبية حتى لا يخفي فيه الشرك الخفي الذي هو أخفى من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء فلا يخفى على هذا النور خافية ولا يروج عليه شيء من مكايد الشيطان بل يقف الشيطان ويوحي زخرف القول غروراً فلا يلتفت إليه وهذا القلب بعد طهارته من المهلكات يصير على القرب معموراً بالمنجيات التي سنذكرها من الشكر والصبر والخوف والرجاء والفقر والزهد والمحبة والرضا والشوق والتوكل والتفكر والمحاسبة وغير ذلك وهو القلب الذي أقبل الله بوجهه عليه وهو القلب المطمئن المراد بقوله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب وبقوله يا أيتها النفس المطمئنة القلب الثاني القلب المخذول المشحون بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة والخبائث المفتوح فيه أبواب الشياطين المسدود عنه أبواب الملائكة ومبدأ الشر فيه أن ينقدح فيه خاطر من الهوى ويهجس فيه فينظر القلب إلى حاكم العقل ليستفتي منه ويستكشف وجه الصواب فيه فيكون العقل قد ألف خدمة الهوى وأنس به واستمر على استنباط الحيل له وعلى مساعدة الهوى فتستولي النفس وتساعد عليه فينشرح الصدر بالهوى وتنبسط فيه

стр. 793

ظلماته لانحباس جند العقل عن مدافعته فيقوى سلطان الشيطان لاتساع مكانه بسبب انتشار الهوى فيقبل عليه بالتزيين والغرور والأماني ويوحي بذلك زخرفاً من القول غروراً فيضعف سلطان الإيمان بالوعد والوعيد ويخبو نور اليقين لخوف الآخرة إذ يتصاعد عن الهوى دخان مظلم إلى القلب يملأ جوانبه حتى تنطفيء أنواره فيصير العقل كالعين التي ملأ الدخان أجفانها فلا يقدر على أن ينظر وهكذا تفعل غلبة الشهوة بالقلب حتى لا يبقى للقلب إمكان التوقف والاستبصار ولو بصره واعظ وأسمعه ما هو الحق فيه عمى عن الفهم وصم عن السمع وهاجت الشهوة فيه وسطا الشيطان وتحركت الجوارح على وفق الهوى فظهرت المعصية إلى عالم الشهادة من عالم الغيب بقضاء من الله تعالى وقدره وإلى مثل هذا القلب الإشارة بقوله تعالى أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلاً أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا وبقوله لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون وبقوله سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون ورب قلب هذا حاله بالإضافة إلى بعض الشهوات كالذي يتورع عن بعض الأشياء ولكنه إذا رأى وجهاً حسناً لم يملك عينه وقلبه وطاش عقله وسقط مساك قلبه أو كالذي لا يملك نفسه فيما فيه الجاه والرياسة والكبر ولا يبقى معه مسكة للتثبت عند ظهور أسبابه أو كالذي لا يملك نفسه عند الغضب مهما استحقر وذكر عيب من عيوبه أو كالذي لا يملك نفسه عند القدرة على أخذ درهم أو دينار بل يتهالك عليه تهالك الواله المستهتر فينسى فيه المروءة والتقوى فكل ذلك لتصاعد دخان الهوى إلى القلب حتى يظلم وتنطفيء منه أنواره فينطفيء نور الحياء والمروءة والإيمان ويسعى في تحصيل مراد الشيطان القلب الثالث قلب تبدو فيه خواطر الهوى فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان فيدعوه إلى الخير فتنبعث النفس بشهوتها إلى نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة وتحسن التمتع والتنعم فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب فتميل النفس إلى نصح العقل فيحمل الشيطان حملة على العقل فيقوي داعي الهوى ويقول ما هذا التحرج البارد ولم تمتنع عن هواك فتؤذي نفسك وهل ترى أحداً من أهل عصرك يخالف هواه أو يترك غرضه أفتترك لهم ملاذ الدنيا يتمتعون بها وتحجر على نفسك حتى تبقى محروماً شقياً متعوباً يضحك عليك أهل الزمان أفتريد أن يزيد منصبك على فلان وفلان وقد فعلوا مثل ما اشتهيت ولم يمتنعوا أما ترى العالم الفلاني ليس يحترز من مثل ذلك ولو كان ذلك شرا لامتنع منه فتميل النفس إلى الشيطان وتنقلب إليه فيحمل الملك حملة على الشيطان ويقول هل لك إلا من اتبع لذة الحال ونسى العاقبة أفتقنع بلذة يسيرة وتترك لذة الجنة ونعيمها أبد الآباد أم تستثقل ألم الصبر عن شهوتك ولا تستثقل ألم النار أتغتر بغفلة الناس عن أنفسهم واتباعهم هواهم ومساعدتهم الشيطان مع أن عذاب النار لا يخففه عنك معصية غيرك أرأيت لو كنت في يوم صائف شديد الحر ووقف الناس كلهم في الشمس وكان لك بيت بارد أكنت تساعد الناس أو تطلب لنفسك الخلاص فكيف تخالف الناس خوفاً من حر الشمس ولا تخالفهم خوفاً من حر النار فعند ذلك تمتثل النفس إلى قول الملك فلا يزال يتردد بين الجندين متجاذباً بين الحزبين إلى أن يغلب على القلب ما هو أولى به فإن كانت الصفات التي في القلب الغالب عليها الصفات الشيطانية التي ذكرناها غلب الشيطان ومال القلب إلى جنسه من أحزاب الشيطان معرضاً عن حزب الله تعالى وأوليائه ومساعداً لحزب الشيطان وأعدائه وجرى على جوارحه بسابق القدر ما هو سبب بعده عن الله تعالى وإن كان الأغلب على القلب الصفات الملكية لم يصغ القلب إلى إغواء الشيطان

стр. 794

وتحريضه إياه على العاجلة وتهوينه أمر الآخرة بل مال إلى حزب الله تعالى وظهرت الطاعة بموجب ما سبق من القضاء على جوارحه فقلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن أي بين تجاذب هذين الجندين وهو الغالب أعني التقليب والانتقال من حزب إلى حزب أما الثبات على الدوام مع حزب الملائكة أو مع حزب الشيطان فنادر من الجانبين وهذه الطاعات والمعاصي تظهر من خزائن الغيب إلى عالم الشهادة بواسطة خزانة القلب فإنه من خزائن الملكوت وهي أيضاً إذا ظهرت كانت علامات تعرف أرباب القلوب سابق القضاء فمن خلق للجنة يسرت له أسباب الطاعات ومن خلق للنار يسرت له أسباب المعاصي وسلط عليه أقران السوء وألقي في قلبه حكم الشيطان فإنه بأنواع الحكم يغر الحمقى بقوله إن الله رحيم فلا تبال وإن الناس كلهم ما يخافون الله فلا تخالفهم وإن العمر طويل فاصبر حتى تتوب غداً يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غروراً يعدهم التوبة ويمنيهم المغفرة فيهلكهم بإذن الله تعالى بهذه الحيل وما يجري مجراها فيوسع قلبه لقبول الغرور ويضيقه عن قبول الحق وكل ذلك بقضاء من الله وقدر فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده فهو الهادي والمضل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا راد لحكمه ولا معقب لقضائه خلق الجنة وخلق لها أهلاً فاستعملهم بالطاعة وخلق النار وخلق لها أهلا فاستعمله بالمعاصي وعرف الخلق علامة أهل الجنة وأهل النار فقال إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جحيم ثم قال تعالى فيما روى عن نبيه ﷺ هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي (١) فتعالى الله الملك الحق لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون ولنقتصر على هذا القدر اليسير من ذكر عجائب القلب فإن استقصاءه لا يليق بعلم المعاملة وإنما ذكرنا منه ما يحتاج إليه لمعرفة أغوار علوم المعاملة وأسرارها لينتفع بها من لا يقنع بالظواهر ولا يجتزئ بالقشر عن اللباب بل يتشوق إلى معرفة دقائق حقائق الأسباب وفيما ذكرناه كفاية له ومقنع إن شاء الله تعالى والله ولي التوفيق تم كتاب عجائب القلب ولله الحمد والمنة ويتلوه كتاب رياضة النفس وتهذيب الأخلاق والحمد لله وحده وصلى الله على كل عبد مصطفى كِتَابُ رِيَاضَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَمُعَالَجَةِ أَمْرَاضِ القلب وهو الكتاب الثاني من ربع المهلكات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي صرف الأمور بتدبيره وعدل تركيب الخلق فأحسن في تصويره وزين صورة الإنسان بحسن تقويمه وتقديره وحرسه من الزيادة والنقصان في شكله ومقاديره وَفَوَّضَ تَحْسِينَ الْأَخْلَاقِ إِلَى اجْتِهَادِ الْعَبْدِ وَتَشْمِيرِهِ وَاسْتَحَثَّهُ عَلَى تَهْذِيبِهَا بِتَخْوِيفِهِ وَتَحْذِيرِهِ وَسَهَّلَ عَلَى خواص عباده تهذيب الأخلاق بتوفيقه وتيسيره وامتن عليهم

стр. 795

بتسهيل صعبه وعسيرة وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَنَبِيِّهِ وحبيبه وصفيه وبشيره ونذيره الذي كان يلوح أنوار النبوة من بين أساريره ويستشرف حَقِيقَةُ الْحَقِّ مِنْ مَخَايِلِهِ وَتَبَاشِيرِهِ وَعَلَى آلِهِ وأصحابه الذين طهروا وجه الإسلام من ظلمة الكفر ودياجيره وحسموا مَادَّةَ الْبَاطِلِ فَلَمْ يَتَدَنَّسُوا بِقَلِيلِهِ وَلَا بِكَثِيرِهِ أَمَّا بَعْدُ فَالْخُلُقُ الْحَسَنُ صِفَةُ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ وَأَفْضَلُ أَعْمَالِ الصِّدِّيقِينَ وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ شَطْرُ الدِّينِ وَثَمَرَةُ مُجَاهَدَةِ الْمُتَّقِينَ وَرِيَاضَةُ الْمُتَعَبِّدِينَ وَالْأَخْلَاقُ السيئة هي السموم القاتلة والمهلكات الدامغة وَالْمَخَازِي الْفَاضِحَةُ وَالرَّذَائِلُ الْوَاضِحَةُ وَالْخَبَائِثُ الْمُبْعِدَةُ عَنْ جِوَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الْمُنْخَرِطَةُ بِصَاحِبِهَا فِي سِلْكِ الشَّيَاطِينِ وَهِيَ الْأَبْوَابُ الْمَفْتُوحَةُ إِلَى نَارِ اللَّهِ تعالى الْمُوقَدَةِ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ كَمَا أَنَّ الْأَخْلَاقَ الْجَمِيلَةَ هِيَ الْأَبْوَابُ الْمَفْتُوحَةُ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى نَعِيمِ الْجِنَانِ وَجِوَارِ الرَّحْمَنِ وَالْأَخْلَاقُ الْخَبِيثَةُ أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ وَأَسْقَامُ النُّفُوسِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَضٌ يُفَوِّتُ حَيَاةَ الْأَبَدِ وَأَيْنَ مِنْهُ الْمَرَضُ الَّذِي لَا يُفَوِّتُ إِلَّا حَيَاةَ الْجَسَدِ وَمَهْمَا اشْتَدَّتْ عِنَايَةُ الْأَطِبَّاءِ بِضَبْطِ قَوَانِينِ الْعِلَاجِ لِلْأَبْدَانِ وَلَيْسَ فِي مَرَضِهَا إِلَّا فَوْتُ الْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ فَالْعِنَايَةُ بضبط قوانين العلاج لأمراض القلوب وفي مرضها فوت حَيَاةٍ بَاقِيَةٍ أَوْلَى وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ الطِّبِّ وَاجِبٌ تَعَلُّمُهُ عَلَى كُلِّ ذِي لُبٍّ إِذْ لَا يَخْلُو قَلْبٌ مِنَ الْقُلُوبِ عَنْ أَسْقَامٍ لَوْ أُهْمِلَتْ تَرَاكَمَتْ وَتَرَادَفَتِ الْعِلَلُ وَتَظَاهَرَتْ فَيَحْتَاجُ العبد إلى تأنق في معرفة علمها وَأَسْبَابِهَا ثُمَّ إِلَى تَشْمِيرٍ فِي عِلَاجِهَا وَإِصْلَاحِهَا فَمُعَالَجَتُهَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قَدْ أَفْلَحَ من زكاها وَإِهْمَالُهَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَقَدْ خَابَ مَنْ دساها وَنَحْنُ نُشِيرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَى جُمَلٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَكَيْفِيَّةِ الْقَوْلِ فِي مُعَالَجَتِهَا على الجملة من غير تفصيل لعلاج خصوص الأمراض فإن ذلك يأتي في بقية الكتب من هذا الربع وغرضنا الآن النظر الكلي في تهذيب الأخلاق وتمهيد منهاجها ونحن نذكر ذلك ونجعل علاج البدن مثالاً له ليقرب من الأفهام دركه ويتضح ذلك ببيان فضيلة حسن الخلق ثم بيان حقيقة حسن الخلق ثم بيان قبول الأخلاق للتغير بالرياضة ثم بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يُنَالُ حُسْنُ الْخُلُقِ ثم بيان الطرق التي بها يعرف تفصيل الطرق إلى تهذيب الأخلاق ورياضة النفوس ثم بيان العلامات التي بها يعرف مرض القلب ثم بيان الطرق التي بها يعرف الإنسان عيوب نفسه ثم بيان شواهد النقل على أن طريق المعالجة للقلوب بترك الشهوات لا غير ثم بيان علامات حسن الخلق ثم بَيَانُ الطَّرِيقِ فِي رِيَاضَةِ الصِّبْيَانِ فِي أَوَّلِ النشو ثم بيان شروط الإرادة ومقدمات المجاهدة فهي أحد عشر فصلاً يجمع مقاصدها هذا الكتاب إن شاء الله تَعَالَى بَيَانُ فَضِيلَةِ حُسْنِ الْخُلُقِ وَمَذَمَّةِ سُوءِ الخلق قال الله تعالى لنبيه وحبيبه مُثْنِيًا عَلَيْهِ وَمُظْهِرًا نِعْمَتَهُ لَدَيْهِ وَإِنَّكَ لَعَلى خلق عظيم وقالت عائشة ﵂ كان رسول اللَّهِ ﷺ خُلُقُهُ الْقُرْآنُ (١) وسأل رجل رسول الله ﷺ عن حسن الخلق فتلا قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عن الجاهلين﴾ ثم قال ﷺ هو أن تَصِلَ مَنْ قَطَعَكَ وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَكَ وَتَعْفُوَ عمن ظلمك (٢) حديث بعثت لأتمم مكارم الأخلاق أخرجه أحمد والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة وتقدم في آداب الصحبة وقال ﷺ أثقل ما يوضع في الميزان يوم القيامة تقوى الله وحسن الخلق // حديث أثقل ما يوضع في الميزان خلق حسن أخرجه أبو داود والترمذي وصححه من حديث أبي الدرداء وجاء رجل إلى رسول الله

стр. 796

صلى الله عليه وسلم من بين يديه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق فأتاه من قبل يمينه فقال يا رسول الله ما الدين قال حسن الخلق ثم أتاه من قبل شماله فقال ما الدين فقال حسن الخلق ثم أتاه من ورائه فقال يا رسول الله ما الدين فالتفت إليه وقال أما تفقه هو أَنْ لَا تَغْضَبَ (١) وَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ما الشؤم قال سوء الخلق (٢) وقال رجل لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْصِنِي فقال اتق الله حيثما كنت قال زدني قال أتبع السيئة الحسنة تمحها قال زدني قال خالق الناس بخلق حسن (٣) حديث ما حسن الله خلق امرئ وخلقه فتطعمه النار تقدم في آداب الصحبة (٤) حديث أبي الدرداء أول ما يوضع في الميزان حسن الخلق الحديث لم أقف له على أصل هكذا ولأبي داود والترمذي من حديث أبي الدرداء ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق وقال غريب وقال في بعض طرقه حسن صحيح وَقَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ اسْتَخْلَصَ هَذَا الدِّينَ لِنَفْسِهِ وَلَا يَصْلُحُ لِدِينِكُمْ إِلَّا السَّخَاءُ وَحُسْنُ الْخُلُقِ أَلَا فَزَيِّنُوا دِينَكُمْ بهما (٥) حديث حسن الخلق خلق الله الأعظم أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عمار ابن ياسر بسند ضعيف وقيل يا رسول الله أي المؤمنين أفضل إيماناً قال أحسنهم خلقا (٦) حديث إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ فَسَعُوهُمْ بِبَسْطِ الوجه وحسن الخلق أخرجه البزار وأبو يعلى والطبراني في مكارم الأخلاق من حديث أبي هريرة وبعض طرق البزار رجاله ثقات (٧) حديث سوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل أخرجه ابن حبان في الضعفاء من حديث أبي هريرة والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وأبي هريرة أيضا وضعفهما ابن جرير (٨) حديث إنك امرؤ قد حسن الله خلقك فأحسن خلقك أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق وأبو العباس الدغولي في كتاب الآداب وفيه ضعف وعن البراء بن عازب قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خلقاً (٩) وعن أبي مسعود البدري قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يقول في دعائه اللهم حسنت خلقي فحسن خلقي (١٠) وعن عبد الله بن عمر ﵄ قال كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يكثر الدعاء فيقول اللهم إني أسألك

стр. 797

الصحة والعافية وحسن الخلق (١) حديث أبي هريرة كرم المرء دينه ومروءته عقله وحسن خلقه أخرجه ابن حبان والحاكم وصححه على شرط مسلم والبيهقي قلت فيه مسلم بن خالد الزنجي وقد تكلم فيه قال البيهقي وروى من وجهين آخرين ضعيفين ثم رواه موقوفا على عمر وقال إسناد صحيح (٢) حديث أسامة بن شريك شهدت الأعاريب يسألون رسول الله ﷺ ما خير ما أعطى العبد قال خلق الحسن أخرجه ابن ماجه وتقدم في آداب الصحبة (٣) حديث إن أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا أخرجه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي هريرة إن أحبكم إلى الله أحاسنكم أخلاقا وللطبراني في مكارم الأخلاق من حديث جابر إن أقربكم مني مجلساً أحاسنكم أخلاقا وقد تقدم الحديثان في آداب الصحبة (٤) حديث ابن عباس ثلاث من لم يكن فيه أو واحدة منهم فلا يعتد بشيء من عمله الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بإسناد ضعيف ورواه الطبراني في الكبير وفي مكارم الأخلاق من حديث أم سلمة وكان من دعائه ﷺ في افتتاح الصلاة اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت (٥) حديث أنس إن حسن الخلق ليذيب الخطيئة كما تذيب الشمس الجليد أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف ورواه الطبراني والطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث ابن عباس وضعفه وكذا رواه من حديث أبي هريرة وضعفه أيضاً وقال ﷺ من سعادة المرء حسن الخلق (٦) حديث اليمن حسن الخلق أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق من حديث علي بإسناد ضعيف وقال ﷺ لأبي ذر يَا أَبَا ذَرٍّ لَا عَقْلَ كَالتَّدْبِيرِ وَلَا حسب كحسن الخلق (٧) وعن أنس قال قالت أم حبيبة لرسول الله ﷺ أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدنيا فتموت ويموتان ويدخلون الجنة لأيهما هي تكون قال لأحسنهما خلقاً كان عندها في الدنيا يا أم حبيبة ذهب حسن الخلق بخيري الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (٨) وَقَالَ ﷺ إن المسلم المسدد ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه وكرم مرتبته (٩) حديث عبد الرحمن بن سمرة إني رأيت البارحة عجباً الحديث أخرجه الخرايطي في مكارم الأخلاق بسند ضعيف (١٠) حديث إن العبد ليبلغ بحسن خلقه عظيم درجات الآخرة الحديث أخرجه الطبراني والخرايطي في مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب مكارم الأخلاق وأبو الشيخ في كتاب طبقات الأصبهانيين من حديث أنس بإسناد جيد // وروى أن عمر ﵁ استأذن عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَعِنْدَهُ

стр. 798

نساء من نساء قريش يكلمنه ويستكثرنه عالية أصواتهن على صوته فلما استأذن عمر ﵁ تبادرن الحجاب فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك فقال عمر ﵁ مم تضحك بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال عجبت لهؤلاء اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب فقال عمر أنت كنت أحق أن يهبنك يا رسول الله ثم أقبل عليهن عمر فقال يا عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله ﷺ قلن نعم أنت أغلظ وأفظ من رسول الله ﷺ فقال ﷺ إيهاً يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجا إلا سلك فجا غير فجك (١) وقال ﷺ سوء الخلق ذنب لا يغفر وسوء الظن خطيئة تفوح (٢) وقال ﷺ إن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم (٣) الآثار قال ابن لقمان الحكيم لأبيه يا أبت أي الخصال من الإنسان خير قال الدين قال فإذا كانت اثنتين قال الدين والمال قال فإذا كانت ثلاثاً قال الدين والمال والحياء قال فإذا كانت أربعاً قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق قال فإذا كانت خمساً قال الدين والمال والحياء وحسن الخلق والسخاء قال فإذا كانت ستاً قال يا بني إذا اجتمعت فيه الخمس خصال فهو نقي تقي والله ولي ومن الشيطان يري وقال الحسن مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ عَذَّبَ نَفْسَهُ وَقَالَ أنس بن مالك إن العبد ليبلغ بحسن خلقه أعلى درجة في الجنة وهو غير عابد ويبلغ بسوء خلقه أسفل درك في جهنم وهو عابد وقال يحيى بن معاذ في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق وقال وهب ابن منبه مثل السيء الْخُلُقِ كَمَثَلِ الْفَخَّارَةِ الْمَكْسُورَةِ لَا تُرَقَّعُ وَلَا تُعَادُ طِينًا وَقَالَ الفضيل لَأَنْ يَصْحَبَنِي فَاجِرٌ حسن الخلق أحب إلي من أن يصحبني عابد سيي الخلق وصحب ابن المبارك رجلا سيي الخلق في سفر فكان يحتمل منه ويداريه فلما فارقه بكى فقيل له في ذلك فقال بكيته رحمة له فارقته وخلقه معه لم يفارقه وقال الجنيد أربع ترفع العبد إلى أعلى الدرجات وإن قل عمله وعلمه الحلم والتواضع والسخاء وحسن الخلق وهو كمال الإيمان وقال الكناني التصوف خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في التصوف وقال عمر ﵁ خالطوا الناس بالأخلاق وزايلوهم بالأعمال وقال يحيى بن معاذ سوء الخلق سيئة لا تنفع معها كثرة الحسنات وحسن الخلق حسنة لا تضر معها كثرة السيئات وسئل ابن عباس ما الكرم فقال هو ما بين الله في كتابه العزيز إن أكرمكم عند الله أتقاكم قيل فما الحسب قال أحسنكم خلقاً أفضلكم حسباً وقال لكل بنيان أساس وأساس الإسلام حسن الخلق وقال عطاء ما ارتفع من ارتفع إلا بالخلق الحسن ولم ينل أحد كماله إلا المصطفى ﷺ فأقرب الخلق إلى الله السالكون آثاره بحسن الخلق بيان حقيقة حسن الخلق وسوء الخلق اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة حسن الخلق وأنه ما هو وما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضراً في ذهنه ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب وذلك كقول الحسن حسن الخلق بسط الوجه

стр. 799

وبذل الندى وكف الأذى وقال الواسطي هو أَنْ لَا يُخَاصِمَ وَلَا يُخَاصَمَ مِنْ شِدَّةِ معرفته بالله تعالى وقال شاه الكرماني هو كف الأذى واحتمال المؤن وقال بعضهم هو أن يكون من الناس قريباً وفيما بينهم غريباً وقال الواسطي مرة هو إرضاء الخلق في السراء والضراء وقال أبو عثمان هو الرضا عن الله تعالى وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه وقال مرة أن لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبينه وفيما بينه وبين الناس وقال علي ﵁ حسن الخلق في ثلاث خصال اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال وقال الحسين بن منصور هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق وقال أبو سعيد الخراز هو أن لا يكون لك هم غير الله تعالى فهذا وأمثاله كثير وهو تعرض لثمرات حسن الخلق لا لنفسه ثم ليس هو محيطاً بجميع الثمرات أيضاوكشف الغطاء عن الحقيقة أولى من نقل الأقاويل المختلفة فنقول الخلق والخلق عبارتان مستعملتان معاً يقال فلان حسن الخلق والخلق أي حسن الباطن والظاهر فيراد بالخلق الصورة الظاهرة ويراد بالخلق الصورة الباطنة وذلك لأن الإنسان مركب من جسد مدرك بالبصر ومن روح ونفس مدرك بالبصيرة ولكل واحد منهما هيئة وصورة إما قبيحة وإما جميلة فالنفس المدركة بالبصيرة أعظم قدراً من الجسد المدرك بالبصر ولذلك عظم الله أمره بإضافته إليه إذ قال تعالى إني خالق بشراً من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فنبه على أن الجسد منسوب إلى الطين والروح إلى رب العالمين والمراد بالروح والنفس في هذا المقام واحد فالخلق عبارة عن هَيْئَةٌ فِي النَّفْسِ رَاسِخَةٌ عَنْهَا تُصْدِرُ الْأَفْعَالَ بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى فِكْرٍ وَرَوِيَّةٍ فَإِنْ كَانَتِ الْهَيْئَةُ بِحَيْثُ تَصْدُرُ عَنْهَا الْأَفْعَالُ الْجَمِيلَةُ الْمَحْمُودَةُ عَقْلًا وَشَرْعًا سُمِّيَتْ تِلْكَ الْهَيْئَةُ خُلُقًا حَسَنًا وَإِنْ كَانَ الصَّادِرُ عَنْهَا الْأَفْعَالَ الْقَبِيحَةَ سُمِّيَتِ الْهَيْئَةُ الَّتِي هِيَ الْمَصْدَرُ خُلُقًا سَيِّئًا وَإِنَّمَا قُلْنَا إِنَّهَا هَيْئَةٌ رَاسِخَةٌ لأن من يصدر منه بَذْلُ الْمَالِ عَلَى النُّدُورِ لِحَاجَةٍ عَارِضَةٍ لَا يُقَالُ خُلُقُهُ السَّخَاءُ مَا لَمْ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي نَفْسِهِ ثُبُوتَ رُسُوخٍ وَإِنَّمَا اشْتَرَطْنَا أَنْ تَصْدُرَ مِنْهُ الْأَفْعَالُ بِسُهُولَةٍ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ لِأَنَّ مَنْ تَكَلَّفَ بَذْلَ الْمَالِ أَوِ السُّكُوتَ عِنْدَ الْغَضَبِ بِجُهْدٍ وَرَوِيَّةٍ لَا يُقَالُ خُلُقُهُ السخاء والحلم فههنا أربعة أمور أحدها فعل الجميل والقبيح والثاني القدرة عليهما والثالث المعرفة بهما والرابع هيئة للنفس بها تميل إلى أحد الجانبين ويتيسر عليها أحد الأمرين إما الحسن وإما القبيح وليس الخلق عبارة عن الفعل فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو لمانع وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء وليس هو عبارة عن القوة لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدين واحد وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق السخاء وليس هو عبارة عن المعرفة فإن المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعاً على وجه واحد بل هو عبارة عن المعنى الرابع وهو الهيئة التي بها تستعد النفس لأن يصدر منها الإمساك أو البذل فالخلق إذا عبارة عن هيئة النفس وصورتها الباطنة وكما أن حسن الصورة الظاهرة مطلقاً لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق وهو قوة العلم وقوة الغضب وقوة الشهوة وقوة العدل بين هذه القوى الثلاث

стр. 800

أما قوة العلم فحسنها وصلاحها في أن تصير بحيث يسهل بها درك الفرق بين الصدق والكذب في الأقوال وبين الحق والباطل في الاعتقادات وبين الجميل والقبيح في الأفعال فإذا صلحت هذه القوة حصل منها ثمرة الحكمة والحكمة رأس الأخلاق الحسنة وهي التي قال الله فيها ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا وأما قوة الغضب فحسنها في أن يصير انقباضها وانبساطها على حد ما تقتضيه الحكمة وكذلك الشهوة حسنها وصلاحها في أن تكون تحت إشارة الحكمة أعني إشارة العقل والشرع وأما قوة العدل فهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع فالعقل مثاله مثال الناصح المشير وقوة العدل هي القدرة ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل والغضب هو الذي تنفد فيه الإشارة ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروضاً مؤدباً وتارة يكون جموحاً فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقاً ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض وحسن القوة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة وحسن قوة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة فإن مالت قوة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهوراً وإن مالت إلى الضعف والنقضان تسمى جبناً وخوراً وإن مالت قوة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرهاً وإن مالت إلى النقصان تسمى جموداً والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة والطرفان رذيلتان مذمومتان والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضد واحد ومقابل وهو الجور وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثاً وجربزة ويسمى تفريطها بلهاً والوسط هو الذي يختص باسم الحكمة فإذن أمهات الْأَخْلَاقِ وَأُصُولُهَا أَرْبَعَةٌ الْحِكْمَةُ وَالشَّجَاعَةُ وَالْعِفَّةُ وَالْعَدْلُ وَنَعْنِي بِالْحِكْمَةِ حَالَةً لِلنَّفْسِ بِهَا يُدْرَكُ الصَّوَابُ من الخطأ في جميع الأفعال الِاخْتِيَارِيَّةِ وَنَعْنِي بِالْعَدْلِ حَالَةً لِلنَّفْسِ وَقُوَّةً بِهَا تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما فِي الِاسْتِرْسَالِ وَالِانْقِبَاضِ عَلَى حَسَبِ مُقْتَضَاهَا وَنَعْنِي بِالشَّجَاعَةِ كَوْنَ قُوَّةِ الْغَضَبِ مُنْقَادَةً لِلْعَقْلِ فِي إِقْدَامِهَا وَإِحْجَامِهَا وَنَعْنِي بِالْعِفَّةِ تَأَدُّبَ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ بِتَأْدِيبِ الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ فَمِنِ اعْتِدَالِ هَذِهِ الْأُصُولِ الأربعة تصدر الأخلاق الجميلة كلها إذ من اعتدال قوة العقل يحصل حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس ومن إفراطها تصدر الجربزة والمكر والخداع والدهاء ومن تفريطها يصدر البله والغمارة والحمق والجنون وأعني بالغمارة قلة التجربة في الأمور مع سلامة التخيل فقد يكون الإنسان غمراً في شيء دون شيء والفرق بين الحمق الجنون أن الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق فاسد فلا تكون له روية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرض وأما المجنون فإنه يحتار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره وإيثاره فاسداً وأما خلق الشجاعة فيصدر منه الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها وهي أخلاق محمودة وأما إفراطها وهو التهور فيصدر منه الصلف والبذخ

стр. 801

والاستشاطة والتكبر والعجب وأما تفريطها فيصدر منه المهانة والذلة والجزع والخساسة وصغر النفس والانقباض عن تناول الحق الواجب وأما خلق العفة فيصدر منه السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلة الطمع وأما ميلها إلى الإفراط أو التفريط فيحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك فأمهات محاسن الأخلاق هذه الفضائل الأربعة وهي الحكمة والشجاعة والعفة والعدل والباقي فروعها ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله ﷺ والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه فكل من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله ﷺ وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن يكون بين الخلق ملكاً مطاعاً يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد فينبغي أن يبعد كما أن الأول قريب من الملك المقرب فينبغي أن يقتدى به ويتقرب إليه فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لم يبعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق كما قال (١) وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إِلَى هَذِهِ الْأَخْلَاقِ فِي أَوْصَافِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ تَعَالَى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصادقون فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو قوة اليقين وهو ثَمَرَةُ الْعَقْلِ وَمُنْتَهَى الْحِكْمَةِ وَالْمُجَاهَدَةُ بِالْمَالِ هُوَ السَّخَاءُ الَّذِي يَرْجِعُ إِلَى ضَبْطِ قُوَّةِ الشَّهْوَةِ وَالْمُجَاهَدَةُ بِالنَّفْسِ هِيَ الشَّجَاعَةُ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى اسْتِعْمَالِ قُوَّةِ الْغَضَبِ عَلَى شَرْطِ الْعَقْلِ وَحَدِّ الِاعْتِدَالِ فَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّحَابَةَ فَقَالَ أشداء على الكفار رحماء بينهم إِشَارَةً إِلَى أَنَّ لِلشِّدَّةِ مَوْضِعًا وَلِلرَّحْمَةِ مَوْضِعًا فَلَيْسَ الْكَمَالُ فِي الشِّدَّةِ بِكُلِّ حَالٍ وَلَا في الرحمة بكل حال فهذا بيان معنى الخلق وحسنه وقبحه وبيان أركانه وثمراته وفروعه بَيَانُ قَبُولِ الْأَخْلَاقِ لِلتَّغْيِيرِ بِطَرِيقِ الرِّيَاضَةِ اعْلَمْ أن بعض من غلبت البطالة عليه اسْتَثْقَلَ الْمُجَاهَدَةَ وَالرِّيَاضَةَ وَالِاشْتِغَالَ بِتَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ فَلَمْ تَسْمَحْ نَفْسُهُ بِأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِقُصُورِهِ وَنَقْصِهِ وَخُبْثِ دُخْلَتِهِ فَزَعَمَ أَنَّ الْأَخْلَاقَ لَا يُتَصَوَّرُ تَغْيِيرُهَا فَإِنَّ الطِّبَاعَ لَا تَتَغَيَّرُ واستدل فيه بأمرين أحدهما أن الخلق هو صورة الباطن كما أن الخلق هو صورة الظاهر فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلاً ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيراً ولا القبيح يقدر على تحسين صورته فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى والثاني أنهم قالوا حسن الخلق يقمع الشهوة والغضب وقد جربنا ذلك بطول المجاهدة وعرفنا أن ذلك من مقتضى المزاج والطبع فإنه قط لا ينقطع عن الآدمي فاشتغاله به تضييع زمان بغير فائدة فإن المطلوب هو قطع التفات القلب إلى الحظوظ العاجلة وذلك محال وجوده فَنَقُولُ لَوْ كَانَتِ الْأَخْلَاقُ لَا تَقْبَلُ التَّغْيِيرَ لَبَطَلَتِ الْوَصَايَا وَالْمَوَاعِظُ وَالتَّأْدِيبَاتُ وَلَمَا قَالَ رَسُولُ الله

стр. 802

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسِّنُوا أَخْلَاقَكُمْ (١) وَكَيْفَ يُنْكَرُ هَذَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ وَتَغْيِيرُ خُلُقِ الْبَهِيمَةِ مُمْكِنٌ إِذْ يُنْقَلُ الْبَازِي مِنَ الِاسْتِيحَاشِ إلى الأنس والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية وَالْفَرَسُ مِنَ الْجِمَاحِ إِلَى السَّلَاسَةِ وَالِانْقِيَادِ وَكُلُّ ذَلِكَ تَغْيِيرٌ لِلْأَخْلَاقِ وَالْقَوْلُ الْكَاشِفُ لِلْغِطَاءِ عَنْ ذَلِكَ أَنْ نَقُولَ الْمَوْجُودَاتُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى مَا لَا مَدْخَلَ لِلْآدَمِيِّ وَاخْتِيَارِهِ فِي أَصْلِهِ وَتَفْصِيلِهِ كَالسَّمَاءِ وَالْكَوَاكِبِ بَلْ أَعْضَاءُ الْبَدَنِ دَاخِلًا وَخَارِجًا وَسَائِرُ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانَاتِ وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَا هُوَ حَاصِلٌ كَامِلٌ وَقَعَ الْفَرَاغُ مِنْ وُجُودِهِ وَكَمَالِهِ وَإِلَى مَا وُجِدَ وُجُودًا نَاقِصًا وَجُعِلَ فِيهِ قُوَّةٌ لِقَبُولِ الْكَمَالِ بَعْدَ أَنْ وُجِدَ شَرْطُهُ وَشَرْطُهُ قَدْ يَرْتَبِطُ بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ فَإِنَّ النَّوَاةَ ليست بِتُفَّاحٍ وَلَا نَخْلٍ إِلَّا أَنَّهَا خُلِقَتْ خِلْقَةً يُمْكِنُ أَنْ تَصِيرَ نَخْلَةً إِذَا انْضَافَ التَّرْبِيَةُ إِلَيْهَا وَلَا تَصِيرُ تُفَّاحًا أَصْلًا وَلَا بِالتَّرْبِيَةِ فَإِذَا صَارَتِ النَّوَاةُ مُتَأَثِّرَةً بِالِاخْتِيَارِ حَتَّى تَقْبَلَ بَعْضَ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الْغَضَبُ وَالشَّهْوَةُ لَوْ أَرَدْنَا قَمْعَهُمَا وَقَهْرَهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ حَتَّى لَا يَبْقَى لَهُمَا أَثَرٌ لَمْ نَقْدِرْ عَلَيْهِ أَصْلًا وَلَوْ أَرَدْنَا سَلَاسَتَهُمَا وَقَوْدَهُمَا بِالرِّيَاضَةِ وَالْمُجَاهَدَةِ قَدَرْنَا عَلَيْهِ وَقَدْ أُمِرْنَا بِذَلِكَ وَصَارَ ذَلِكَ سَبَبَ نَجَاتِنَا وَوُصُولِنَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى نَعَمْ الْجِبِلَّاتُ مُخْتَلِفَةٌ بَعْضُهَا سَرِيعَةُ الْقَبُولِ وَبَعْضُهَا بَطِيئَةُ الْقَبُولِ ولاختلافها سببان أحدهما قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداد مدة الوجود فإن قوة الشهوة والغضب والتكبر موجودة في الإنسان ولكن أصعبها أمراً وأعصاها على التغيير قوة الشهوة فإنها أقدم وجوداً إذ الصبي في مبدإ الفطرة تخلق له الشهوة ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له الغضب وبعد ذلك يخلق له قوة التمييز والسبب الثاني أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له وباعتقاد كونه حسناً ومرضياً والناس فيه على أربع مراتب الأولى وهو الإنسان الغفل الذي لا يميز بين الحق والباطل والجميل والقبيح بل بقي كما فطر عليه خالياً عن جميع الاعتقادات ولم تستتم شهوته أيضاً باتباع اللذات فهذا سريع القبول للعلاج جداً فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد وإلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة فيحسن خلقه في أقرب زمان والثانية أن يكون قد عرف قبح القبيح ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له سوء عمله فتعاطاه انقياداً لشهواته وإعراضاً عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه ولكن علم تقصيره في عمله فأمره أصعب من الأول إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أولاً من كثرة الاعتياد للفساد والآخر أن يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح ولكنه بالجملة محل قابل للرياضة إن انتهض لها بجد وتشمير وحزم والثالثة أن يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة وأنها حق وجميل وتربى عليها فهذا يكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على الندور وذلك لتضاعف أسباب الضلال والرابعة أن يكون مع نشئه على الرأي الفاسد وتربيته على العمل به يرى الفضيلة في كثرة الشر واستهلاك النفوس ويباهي به ويظن أن ذلك يرفع قدره وهذا هو أصعب المراتب وفي مثله قيل ومن العناء رياضة الهرم ومن التعذيب تهذيب الذيب والأول من هؤلاء جاهل فقط والثاني جاهل وضال والثالث جاهل وضال وفاسق والرابع جاهل وضال وفاسق وشرير وأما الخيال الآخر الذي استدلوا به وهو قولهم إن الآدمي ما دام حياً فلا تنقطع عنه الشهوة والغضب وحب الدنيا وسائر هذه الأخلاق فهذا غلط وقع لطائفة ظنوا أن الْمَقْصُودُ مِنَ الْمُجَاهَدَةِ قَمْعَ هَذِهِ الصِّفَاتِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَحْوَهَا وَهَيْهَاتَ فَإِنَّ الشَّهْوَةَ خُلِقَتْ لِفَائِدَةٍ وَهِيَ ضَرُورِيَّةٌ فِي الْجِبِلَّةِ فَلَوِ انْقَطَعَتْ شَهْوَةُ الطَّعَامِ لهلك الإنسان ولو انقطعت

стр. 803

شهوة الوقاع لانقطع النسل ولو انعدم الْغَضَبُ بِالْكُلِّيَّةِ لَمْ يَدْفَعِ الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ مَا يُهْلِكُهُ وَلَهَلَكَ وَمَهْمَا بَقِيَ أَصْلُ الشَّهْوَةِ فَيَبْقَى لَا مَحَالَةَ حُبُّ الْمَالِ الَّذِي يُوصِلُهُ إِلَى الشَّهْوَةِ حَتَّى يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى إِمْسَاكِ الْمَالِ وَلَيْسَ الْمَطْلُوبُ إِمَاطَةَ ذَلِكَ بِالْكُلِّيَّةِ بَلِ الْمَطْلُوبُ رَدُّهَا إِلَى الِاعْتِدَالِ الَّذِي هُوَ وَسَطٌ بَيْنِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ وَالْمَطْلُوبُ فِي صِفَةِ الْغَضَبِ حُسْنُ الْحَمِيَّةِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَخْلُوَ عَنِ التَّهَوُّرِ وَعَنِ الْجُبْنِ جَمِيعًا وَبِالْجُمْلَةِ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِهِ قَوِيًّا وَمَعَ قُوَّتِهِ مُنْقَادًا لِلْعَقْلِ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بينهم وَصَفَهُمْ بِالشِّدَّةِ وَإِنَّمَا تَصْدُرُ الشِّدَّةُ عَنِ الْغَضَبِ وَلَوْ بَطَلَ الْغَضَبُ لَبَطَلَ الْجِهَادُ وَكَيْفَ يُقْصَدُ قَلْعُ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ بِالْكُلِّيَّةِ وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ لَمْ يَنْفَكُّوا عَنْ ذَلِكَ إِذْ قَالَ ﷺ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كما يغضب البشر (١) حديث أنه كان يتكلم بين يديه بما يكرهه فيغضب حَتَّى تَحْمَرَّ وَجْنَتَاهُ وَلَكِنْ لَا يَقُولُ إِلَّا حقاً فكان الغضب لا يخرجه عن الحق أخرجه الشيخان من حديث عبد الله بن الزبير في قصة شراج الحرة فقال لأن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ولهما من حديث أبي سعيد الخدري وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه ولهما من حديث عائشة وما انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ولمسلم ما ينال منه شيء قط فينتقم من صاحبه الحديث (٢) حديث خير الأمور أوساطها أخرجه البيهقي في شعب الإيمان من رواية مطرف بن عبد الله معضلا وهذا له سر وتحقيق وهو أن السعادة منوطة بسلامة القلب عن عوارض هذا العالم قال الله تَعَالَى إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بقلبٍ سَلِيمٍ والبخل من عوارض الدنيا والتبذير أيضاً من عوارض الدنيا وشرط القلب أن يكون سليماً منهما أي لا يكون ملتفتاً إلى المال ولا يكون حريصاً على إنفاقه ولا على إمساكه فإن الحريص على الإنفاق مصروف القلب إلى الإنفاق كما أن الحريص على الإمساك مصروف القلب إلى الإمساك فكان كمال القلب أن يصفو عن الوصفين جميعاً وإذا لم يكن ذلك في الدنيا طلبنا ما هو الأشبه لعدم الوصفين وأبعد عن الطرفين وهو الوسط فإن الفاتر لا حار ولا بارد بل هو وسط بينهما فكأنه خال عن الوصفين فكذلك السخاء بين التبذير والتقتير والشجاعة بين الجبن التهور والعفة بين الشره والجمود وكذلك سائر الأخلاق فكلا طرفي الأمور ذميم هذا هو المطلوب وهو ممكن نعم يجب على الشيخ المرشد للمريد أن يقبح عنده الغضب رأساً ويذم إمساك المال رأساً ولا يرخص له في شيء منه لأنه لو رخص له في أدنى شيء اتخذ ذلك عذراً في استبقاء بخله وغضبه وظن أنه القدر المرخص فيه فإذا قصد الأصل وبالغ فيه ولم يتيسر له إلا كسر

стр. 804

سورته بحيث يعود إلى الاعتدال فالصواب له أن يقصد قلع الأصل حتى يتيسر له القدر المقصود فلا يكشف هذا السر للمريد فإنه موضع غرور الحمقى إذ يظن بنفسه أن غضبه بحق وأن إمساكه بحق بَيَانُ السَّبَبِ الَّذِي بِهِ يُنَالُ حُسْنُ الْخُلُقِ عَلَى الْجُمْلَةِ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ حُسْنَ الْخُلُقِ يَرْجِعُ إِلَى اعْتِدَالِ قُوَّةِ الْعَقْلِ وَكَمَالِ الْحِكْمَةِ وَإِلَى اعْتِدَالِ قُوَّةِ الْغَضَبِ وَالشَّهْوَةِ وَكَوْنِهَا لِلْعَقْلِ مُطِيعَةً وَلِلشَّرْعِ أَيْضًا وَهَذَا الِاعْتِدَالُ يَحْصُلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا بِجُودٍ إِلَهِيٍّ وَكَمَالٍ فِطْرِيٍّ بِحَيْثُ يُخْلَقُ الْإِنْسَانُ وَيُولَدُ كَامِلَ الْعَقْلِ حَسَنَ الْخُلُقِ قَدْ كُفِيَ سُلْطَانَ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ بَلْ خُلِقَتَا معتدلتين منقادتين للعقل والشرع فيصير عالماً بغير تعليم ومؤدباً بغير تأديب كعيسى بن مريم ويحيى بن زكريا ﵉ وكذا سائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ولا يبعد أن يكون في الطبع والفطرة ما قد ينال بالاكتساب فرب صبي خلق صادق اللهجة سخياً جرياً وربما يخلق بخلافه فيحصل ذلك فيه بالاعتياد ومخالطة المتخلقين بهذه الأخلاق وربما يحصل بالتعلم وَالْوَجْهُ الثَّانِي اكْتِسَابُ هَذِهِ الْأَخْلَاقِ بِالْمُجَاهَدَةِ وَالرِّيَاضَةِ وَأَعْنِي بِهِ حَمْلَ النَّفْسِ عَلَى الْأَعْمَالِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْخُلُقُ الْمَطْلُوبُ فَمَنْ أَرَادَ مَثَلًا أَنْ يُحَصِّلَ لِنَفْسِهِ خُلُقَ الْجُودِ فَطَرِيقُهُ أَنْ يَتَكَلَّفَ تعاطي فعل الجواد وَهُوَ بَذْلُ الْمَالِ فَلَا يَزَالُ يُطَالِبُ نَفْسَهُ وَيُوَاظِبُ عَلَيْهِ تَكَلُّفًا مُجَاهِدًا نَفْسَهُ فِيهِ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ طَبْعًا لَهُ وَيَتَيَسَّرُ عَلَيْهِ فَيَصِيرَ بِهِ جَوَادًا وَكَذَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحَصِّلَ لِنَفْسِهِ خُلُقَ التَّوَاضُعِ وَقَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْكِبْرُ فَطَرِيقُهُ أَنْ يُوَاظِبَ عَلَى أَفْعَالِ الْمُتَوَاضِعِينَ مُدَّةً مَدِيدَةً وَهُوَ فِيهَا مُجَاهِدٌ نَفْسَهُ وَمُتَكَلِّفٌ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ خُلُقًا لَهُ وَطَبْعًا فَيَتَيَسَّرَ عَلَيْهِ وَجَمِيعُ الْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ شَرْعًا تَحْصُلُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَغَايَتُهُ أَنْ يَصِيرَ الْفِعْلُ الصَّادِرُ مِنْهُ لَذِيذًا فَالسَّخِيُّ هُوَ الَّذِي يَسْتَلِذُّ بَذْلَ الْمَالِ الذي يبذله دُونَ الَّذِي يَبْذُلُهُ عَنْ كَرَاهَةٍ وَالْمُتَوَاضِعُ هُوَ الَّذِي يَسْتَلِذُّ التَّوَاضُعَ وَلَنْ تَرْسَخَ الْأَخْلَاقُ الدِّينِيَّةُ فِي النَّفْسِ مَا لَمْ تَتَعَوَّدِ النَّفْسُ جَمِيعَ الْعَادَاتِ الْحَسَنَةِ وَمَا لَمْ تَتْرُكْ جَمِيعَ الْأَفْعَالِ السيئة وما لم تواظب عليه مُوَاظَبَةَ مَنْ يَشْتَاقُ إِلَى الْأَفْعَالِ الْجَمِيلَةِ وَيَتَنَعَّمُ بِهَا وَيَكْرَهُ الْأَفْعَالَ الْقَبِيحَةَ وَيَتَأَلَّمُ بِهَا كَمَا قَالَ ﷺ وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ (١) وَمَهْمَا كَانَتِ الْعِبَادَاتُ وَتَرْكُ الْمَحْظُورَاتِ مَعَ كَرَاهَةٍ وَاسْتِثْقَالٍ فَهُوَ النُّقْصَانُ وَلَا ينال كمال السعادة به نعم المواظبة عليها بالمجاهدة خير ولكن بالإضافة إلى تركها لا بالإضافة إلى فعلها عن طوع وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا على الخاشعين وقال ﷺ اعبد الله في الرضا فإن لم تستطع ففي الصبر على ما تكره خير كثير (٢) ثم لا يكن فِي نَيْلِ السَّعَادَةِ الْمَوْعُودَةِ عَلَى حُسْنِ الْخُلُقِ استلذاذ الطاعة واستكراه المعصية في زمان دُونَ زَمَانٍ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ على الدوام وفي جملة العمر وكلما كان العمر أطول كانت الفضيلة ارسخ وأكمل ولذلك لما سئل ﷺ عن السعادة فقال طول العمر في طاعة الله تعالى (٣) ولذلك كره الأنبياء والأولياء الموت فإن الدنيا مزرعة الآخرة وكلما كانت العبادات أكثر بطول العمر كان الثواب أجزل والنفس أزكى وأطهر والأخلاق أقوى وأرسخ وإنما مقصود العبادات تأثيرها في القلب وإنما يتأكد تأثيرها بكثرة المواظبة على العبادات وغاية هذه الأخلاق أن ينقطع عن النفس حب الدنيا ويرسخ فيها حب الله تعالى فلا يكون

стр. 805

شيء أحب إليه من لقاء الله تعالى فلا يستعمل جميع ماله إلا على الوجه الذي يوصله إليه وغضبه وشهوته من المسخرات له فلا يستعملهما إلا على الوجه الذي يوصله إلى الله تعالى وذلك بأن يكون موزوناً بميزان الشرع والعقل ثم يكون بعد ذلك فرحاً به مستلذاً له وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَبْعِدَ مَصِيرَ الصَّلَاةِ إِلَى حَدٍّ تَصِيرُ هِيَ قُرَّةَ الْعَيْنِ وَمَصِيرَ الْعِبَادَاتِ لَذِيذَةً فَإِنَّ الْعَادَةَ تَقْتَضِي فِي النَّفْسِ عَجَائِبَ أغرب من ذلك فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة ونرى المقامر قَدْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَرَحِ وَاللَّذَّةِ بِقِمَارِهِ وَمَا هُوَ فِيهِ مَا يَسْتَثْقِلُ مَعَهُ فَرَحَ النَّاسِ بِغَيْرِ قِمَارٍ مَعَ أَنَّ الْقِمَارَ رُبَّمَا سَلَبَهُ مَالَهُ وَخَرَّبَ بَيْتَهُ وَتَرَكَهُ مُفْلِسًا وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ يُحِبُّهُ وَيَلْتَذُّ بِهِ وَذَلِكَ لِطُولِ إِلْفِهِ لَهُ وَصَرْفِ نَفْسِهِ إِلَيْهِ مُدَّةً وَكَذَلِكَ اللَّاعِبُ بِالْحَمَامِ قَدْ يَقِفُ طُولَ النَّهَارِ فِي حَرِّ الشَّمْسِ قَائِمًا عَلَى رِجْلَيْهِ وَهُوَ لَا يحس بألمها لفرحه بالطيور وحركاتها وطيرانها وتحليقها في جو السماء بل نرى الفاجر العيار يفتخر بما يلقاه من الضرب والقطع والصبر على السياط وعلى أن يتقدم به للصلب وهو مع ذلك متبجح بنفسه وبقوته بالصبر على ذلك حتى يرى ذلك فخراً لنفسه ويقطع الواحد منهم إرباً إربا على أن يقر بما تعاطاه أو تعاطاه غيره فيصر على الإنكار ولا يبالي بالعقوبات فرحاً بما يعتقده كمالاً وشجاعة ورجولية فقد صارت أحواله مع ما فيها من النكال قرة عينه وسبب افتخاره بل لا حالة أخس وأقبح من حال المخنث في تشبهه بالإناث في نتف الشعر ووشم الوجه ومخالطة النساء فترى المخنث في فرح بحاله وافتخار بكماله في تخنثه يتباهى به مع المخنثين حتى يجري بين الحجامين والكناسين التفاخر والمباهاة كما يجري بين الملوك والعلماء فَكُلُّ ذَلِكَ نَتِيجَةُ الْعَادَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى نَمَطٍ وَاحِدٍ عَلَى الدَّوَامِ مُدَّةً مَدِيدَةً وَمُشَاهِدَةِ ذَلِكَ في المخالطين والمعارف فإذا كَانَتِ النَّفْسُ بِالْعَادَةِ تَسْتَلِذُّ الْبَاطِلَ وَتَمِيلُ إِلَيْهِ وإلى المقابح فَكَيْفَ لَا تَسْتَلِذُّ الْحَقَّ لَوْ رُدَّتْ إِلَيْهِ مُدَّةً وَالْتَزَمَتِ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهِ بَلْ مَيْلُ النَّفْسِ إِلَى هَذِهِ الْأُمُورِ الشَّنِيعَةِ خَارِجٌ عَنِ الطَّبْعِ يُضَاهِي الْمَيْلَ إِلَى أَكْلِ الطِّينِ فَقَدْ يَغْلِبُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ ذَلِكَ بِالْعَادَةِ فَأَمَّا مَيْلُهُ إِلَى الْحِكْمَةِ وَحُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْرِفَتِهِ وَعِبَادَتِهِ فَهُوَ كَالْمَيْلِ إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّهُ مُقْتَضَى طَبْعِ الْقَلْبِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ رَبَّانِيٌّ وَمَيْلُهُ إِلَى مُقْتَضَيَاتِ الشَّهْوَةِ غَرِيبٌ مِنْ ذَاتِهِ وَعَارِضٌ عَلَى طَبْعِهِ وَإِنَّمَا غِذَاءُ الْقَلْبِ الْحِكْمَةُ وَالْمَعْرِفَةُ وَحُبُّ اللَّهِ وَلَكِنِ انْصَرَفَ عَنْ مُقْتَضَى طَبْعِهِ لِمَرَضٍ قَدْ حَلَّ بِهِ كَمَا قَدْ يَحِلُّ الْمَرَضُ بِالْمَعِدَةِ فَلَا تَشْتَهِي الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَهُمَا سَبَبَانِ لِحَيَاتِهَا فَكُلُّ قَلْبٍ مَالَ إِلَى حُبِّ شَيْءٍ سِوَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يَنْفَكُّ عَنْ مَرَضٍ بِقَدْرِ مَيْلِهِ إِلَّا إِذَا كَانَ أَحَبَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لِكَوْنِهِ مُعِينًا لَهُ عَلَى حُبِّ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى دِينِهِ فَعِنْدَ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَرَضِ فَإِذَنْ قَدْ عَرَفْتَ بِهَذَا قَطْعًا أَنَّ هَذِهِ الْأَخْلَاقَ الْجَمِيلَةَ يُمْكِنُ اكْتِسَابُهَا بِالرِّيَاضَةِ وَهِيَ تَكَلُّفُ الْأَفْعَالِ الصَّادِرَةِ عنها ابتداء لتصير طبعاً انتهاء وَهَذَا مِنْ عَجِيبِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْجَوَارِحِ أعني النفس والبدن فإن كل صِفَةً تَظْهَرُ فِي الْقَلْبِ يَفِيضُ أَثَرُهَا عَلَى الْجَوَارِحِ حَتَّى لَا تَتَحَرَّكَ إِلَّا عَلَى وَفْقِهَا لَا مَحَالَةَ وَكُلُّ فِعْلٍ يَجْرِي عَلَى الْجَوَارِحِ فَإِنَّهُ قَدْ يَرْتَفِعُ مِنْهُ أَثَرٌ إِلَى الْقَلْبِ والأمر فيه دور ويعرف ذلك بمثال وهو أن من أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية حتى يصير كاتباً بالطبع فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفاً ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعاً كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفاً فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسناً ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع

стр. 806

وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس وكذلك من أراد أن يصير سخياً عفيف النفس حليماً متواضعاً فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفاً حتى يصير ذلك طبعاً له فلا علاج له إلا ذلك وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها بتكرار ليلة فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم وهو معنى قولنا أن الكبيرة الواحدة لا توجب الشقاء المؤبد ولكن العطلة في يوم واحد تدعو إلى مثلها ثم تتداعى قليلاً قليلاً حتى تأنس النفس بالكسل وتهجر التحصيل رأساً فيفوتها فضيلة الفقه وكذلك صغائر المعاصي يجر بعضها إلى بعض حتى يفوت أصل السعادة بهدم أصل الإيمان عند الخاتمة وكما أن تكرار ليلة لا يحس تأثيره في فقه النفس بل يظهر فقه النفس شيئاً فشيئاً على التدريج مثل نمو البدن وارتفاع القامة فكذلك الطاعة الواحدة لا يحس تأثيرها في تزكية النفس وتطهيرها في الحال ولكن لا ينبغي أن يستهان بقليل الطاعة فإن الجملة الكثيرة منها مؤثرة وإنما اجتمعت الجملة من الآحاد فلكل واحد منها تأثير فما من طاعة إلا ولها أثر وإن خفي فله ثواب لا محالة فإن الثواب بإزاء الأثر وكذلك المعصية وكم من فقيه يستهين بتعطيل يوم وليلة وهكذا على التوالي يسوف نفسه يوماً فيوماً إلى أن يخرج طبعه عن قبول الفقه فكذا من يستهين صغائر المعاصي ويسوف نفسه بالتوبة على التوالي إلى أن يختطفه الموت بغتة أو تتراكم ظلمة الذنوب على قلبه وتتعذر عليه التوبة إذ القليل يدعو إلى الكثير فيصير القلب مقيداً بسلاسل شهوات لا يمكن تخليصه من مخالبها وهو المعنى بانسداد باب التوبة وهو المراد بقوله تعالى وجعلنا من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً الآية ولذلك قال رضي الله تعالى عنه إن الإيمان ليبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل العبد الإيمان أبيض القلب كله وإن النفاق ليبدو في القلب نكتة سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد فإذا استكمل النفاق أسود القلب كله فإذا عرفت أَنَّ الْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ تَارَةً تَكُونُ بِالطَّبْعِ وَالْفِطْرَةِ وَتَارَةً تَكُونُ بِاعْتِيَادِ الْأَفْعَالِ الْجَمِيلَةِ وَتَارَةً بِمُشَاهَدَةِ أَرْبَابِ الْفِعَالِ الْجَمِيلَةِ وَمُصَاحَبَتِهِمْ وَهُمْ قُرَنَاءُ الْخَيْرِ وإخوان الصَّلَاحِ إِذِ الطَّبْعُ يَسْرِقُ مِنَ الطَّبْعِ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ جَمِيعًا فَمَنْ تَظَاهَرَتْ فِي حَقِّهِ الْجِهَاتُ الثلاثة حَتَّى صَارَ ذَا فَضِيلَةٍ طَبْعًا وَاعْتِيَادًا وَتَعَلُّمًا فهو في غَايَةُ الْفَضِيلَةِ وَمَنْ كَانَ رَذْلًا بِالطَّبْعِ وَاتَّفَقَ لَهُ قُرَنَاءُ السُّوءِ فَتَعَلَّمَ مِنْهُمْ وَتَيَسَّرَتْ لَهُ أَسْبَابُ الشَّرِّ حَتَّى اعْتَادَهَا فَهُوَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ من اختلفت فيه من هَذِهِ الْجِهَاتُ وَلِكُلِّ دَرَجَةٍ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ بحسب ما تقتضيه صورته وَحَالَتُهُ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون بَيَانُ تَفْصِيلِ الطَّرِيقِ إِلَى تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ قَدْ عَرَفْتَ مِنْ قَبْلُ أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي الْأَخْلَاقِ هُوَ صِحَّةُ النَّفْسِ وَالْمِيلُ عَنِ الِاعْتِدَالِ سَقَمٌ وَمَرَضٌ فِيهَا كَمَا أَنَّ الِاعْتِدَالَ فِي مِزَاجِ الْبَدَنِ هُوَ صِحَّةٌ لَهُ وَالْمَيْلُ عَنِ الِاعْتِدَالِ مَرَضٌ فِيهِ فَلْنَتَّخِذِ الْبَدَنَ مِثَالًا فَنَقُولُ مِثَالُ النَّفْسِ فِي عِلَاجِهَا بِمَحْوِ الرَّذَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ عَنْهَا وَجَلْبِ الْفَضَائِلِ وَالْأَخْلَاقِ الْجَمِيلَةِ إِلَيْهَا مِثَالُ الْبَدَنِ فِي عِلَاجِهِ بِمَحْوِ الْعِلَلِ عَنْهُ وَكَسْبِ الصِّحَّةِ لَهُ وَجَلْبِهَا إِلَيْهِ وَكَمَا أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى أَصْلِ الْمِزَاجِ الِاعْتِدَالُ وَإِنَّمَا تَعْتَرِي الْمَعِدَةَ الْمَضَرَّةُ بِعَوَارِضِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَهْوِيَةِ وَالْأَحْوَالِ فَكَذَلِكَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُعْتَدِلًا صَحِيحَ الْفِطْرَةِ

стр. 807

وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ أَيْ بِالِاعْتِيَادِ وَالتَّعْلِيمِ تُكْتَسَبُ الرَّذَائِلُ وَكَمَا أَنَّ الْبَدَنَ فِي الِابْتِدَاءِ لَا يُخْلَقُ كَامِلًا وَإِنَّمَا يكمل ويقوى بالنشو وَالتَّرْبِيَةِ بِالْغِذَاءِ فَكَذَلِكَ النَّفْسُ تُخْلَقُ نَاقِصَةً قَابِلَةً لِلْكَمَالِ وَإِنَّمَا تُكْمَلُ بِالتَّرْبِيَةِ وَتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَالتَّغْذِيَةِ بِالْعِلْمِ وَكَمَا أَنَّ الْبَدَنَ إِنْ كَانَ صَحِيحًا فَشَأْنُ الطَّبِيبِ تَمْهِيدُ الْقَانُونِ الْحَافِظِ لِلصِّحَّةِ وَإِنْ كَانَ مَرِيضًا فَشَأْنُهُ جَلْبُ الصِّحَّةِ إِلَيْهِ فَكَذَلِكَ النَّفْسُ مِنْكَ إِنْ كَانَتْ زَكِيَّةً طَاهِرَةً مُهَذَّبَةً فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوة إِلَيْهَا وَاكْتِسَابِ زِيَادَةِ صَفَائِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَدِيمَةَ الْكَمَالِ وَالصَّفَاءِ فَيَنْبَغِي أَنْ تَسْعَى لِجَلْبِ ذَلِكَ إليها وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة المرض لَا تُعَالَجُ إِلَّا بِضِدِّهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ حرارة فبالبرودة وإن كانت من برودة فبالحرارة فَكَذَلِكَ الرَّذِيلَةُ الَّتِي هِيَ مَرَضُ الْقَلْبِ عِلَاجُهَا بِضِدِّهَا فَيُعَالَجُ مَرَضُ الْجَهْلِ بِالتَّعَلُّمِ وَمَرَضُ الْبُخْلِ بِالتَّسَخِّي وَمَرَضُ الْكِبْرِ بِالتَّوَاضُعِ وَمَرَضُ الشَّرَهِ بِالْكَفِّ عَنِ الْمُشْتَهَى تَكَلُّفًا وَكَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن الْمُشْتَهَيَاتِ لِعِلَاجِ الْأَبْدَانِ الْمَرِيضَةِ فَكَذَلِكَ لَا بُدَّ مِنِ احْتِمَالِ مَرَارَةِ الْمُجَاهَدَةِ وَالصَّبْرِ لِمُدَاوَاةِ مَرَضِ الْقَلْبِ بَلْ أَوْلَى فَإِنَّ مَرَضَ الْبَدَنِ يَخْلُصُ مِنْهُ بِالْمَوْتِ وَمَرَضُ الْقَلْبِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ تَعَالَى مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص ويختلف ذلك بالشدة والضعف والدوام وعدمه وبالكثرة والقلة ولا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار وكما أن معيار الدواء مأخوذ من معيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها أهي ضعيفة أم قوية فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان وصناعة المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم بل ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته فإن كان المريد مبتدئاً جاهلاً بحدود الشرع فيعلمه أولاً الطهارة والصلاة وظواهر العبادات وإن كان مشغولاً بمال حرام أو مقارفاً لمعصية فيأمره أولاً بتركها فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه فإن رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال فإن عزة النفس والرياسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذل أعظم من ذل السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك الرعونة وإن رأى الغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلاً إلى ذلك فرحاً به ملتفتاً إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنماً فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله ومن راعى في ثوبه شيئاً سوى كونه حلالاً وطاهراً مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه

стр. 808

ومن لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يخسو بترك الرعونة رأساً أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعة فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه كالذي يغسل الدم بالبول ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة فلينقل إلى جاه أخف منه وكذلك سائر الصفات وكذلك إذا رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام ثم يكلفه أن يهيءالأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوي بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه وكذلك إذا رآه شاباً متشوقاً إلى النكاح وهو عاجز عن الطول فيأمره بالصوم وربما لا تسكن شهوته بذلك فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم والأدم رأساً حتى تذل نفسه وتنكسر شهوته فلا علاج في مبدأ الإرادة أنفع من الجوع وإن رأى الغضب غالباً عليه ألزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصبحه ممن فيه سوء خلق ويلزمه خدمة من ساء خلقه حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه كما حكي عن بعضهم أنه كان يعود نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب فكان يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل وبعضهم كان يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج وعباد الهند يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على نصبة واحدة وبعض الشيوخ في ابتداء إرادته كان يكسل عن القيام فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل ليسمح بالقيام على الرجل عن طوع وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورمى به في البحر إذ خاف من تفرقته على الناس رعونة الجود والرياء بالبذل فهذه الأمثلة تعرفك طريق معالجة القلوب وليس غرضنا ذكر دواء كل مرض فإن ذلك سيأتي في بقية الكتب وإنما غرضنا الآن التنبيه على أن الطريق الكلي فيه سلوك مسلك المضاد لِكُلِّ مَا تَهْوَاهُ النَّفْسُ وَتَمِيلُ إِلَيْهِ وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ في كملة وَاحِدَةٍ فَقَالَ تَعَالَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هي المأوى وَالْأَصْلُ الْمُهِمُّ فِي الْمُجَاهَدَةِ الْوَفَاءُ بِالْعَزْمِ فَإِذَا عَزَمَ عَلَى تَرْكِ شَهْوَةٍ فَقَدْ تَيَسَّرَتْ أَسْبَابُهَا وَيَكُونُ ذَلِكَ ابْتِلَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَاخْتِبَارًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْبِرَ وَيَسْتَمِرَّ فَإِنَّهُ إِنْ عَوَّدَ نفسه ترك العزم ألفت ذلك ففسدت وإذا اتفق منه نقض عزم فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه كما ذكرناه في معاقبة النفس في كتاب المحاسبة والمراقبة وإذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته وحسنت عنده تناول الشهوة فتفسد بها الرياضة بالكلية بيان علامات أمراض القلوب وعلامات عودها إلى الصحة اعلم أن كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به وإنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خلق له حتى لا يصدر منه أصلاً أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش ومرض العين أن يتعذر عليها الإبصار وكذلك مرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به الذي خلق لأجله وهو العلم والحكمة والمعرفة وحب الله تعالى وعبادته والتلذذ بذكره وإيثاره ذلك على كل شهوة سواه والاستعانة بجميع الشهوات والأعضاء عليه قال الله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ففي كل عضو فائدة وفائدة القلب الحكمة والمعرفة وخاصة

стр. 809

النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم فإنه لم يتميز عنها بالقوة على الأكل والوقاع والإبصار أو غيرها بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه وأصل الأشياء وموجدها ومخترعها هو الله الذي جعلها أشياء فلو عرف كل شيء ولم يعرف الله فكأنه لم يعرف شيئاً وعلامة المعرفة المحبة فمن عرف الله تعالى أحبه وعلامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا ولا غيرها من المحبوبات كما قال الله تعالى قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم إلى قوله أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره فمن عنده شيء أحب إليه من الله فقلبه مريض كما أن كل معدة صار الطين أحب إليها من الخبز والماء أو سقطت شهوتها عن الخبز والماء فهي مريضة فهذه علامات المرض وبهذا يعرف أن القلوب كلها مريضة إلا ما شاء الله إلا أن من الأمراض ما لا يعرفها صاحبها ومرض القلب مما لا يعرفه صاحبه فلذلك يغفل عنه وإن عرفه صعب عليه الصبر على مرارة دوائه فإن دواءه مخالفة الشهوات وهو نزع الروح فإن وجد من نفسه قوة الصبر عليه لم يجد طبيباً حاذقاً يعالجه فإن الأطباء هم العلماء وقد استولى عليهم المرض فالطبيب المريض قلما يلتفت إلى علاجه فلهذا صار الداء عضالاً والمرض مزمناً واندرس هذا العلم وأنكر بالكلية طب القلوب وأنكر مرضها وأقبل الخلق على حب الدنيا وعلى أعمال ظاهرها عبادات وباطنها عادات ومراءات فهذه علامات أصول الأمراض وأما علامات عودها إلى الصحة بعد المعالجة فهو أن ينظر في العلة التي يعالجها فإن كان يعالج داء البخل فهو المهلك المبعد عن الله وإنما علاجه ببذل المال وإنفاقه ولكنه قد يبذل المال إلى حد يصير به مبذراً فيكون التبذير أيضاً داء فكان كمن يعالج البرودة بالحرارة حتى تغلب الحرارة فهو أيضاً داء بل المطلوب الاعتدال بين الحرارة والبرودة وكذلك المطلوب الاعتدال بين التبذير والتقتير حتى يكون على الوسط وفي غاية من البعد عن الطرفين إن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتيسير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج ولا يترجح عندك البذل على الإمساك فكل قلب صار كذلك فقد أتى الله سليماً عن هذا المقام خاصة ويجب أن يكون سليماً عن سائر الأخلاق حتى لا يكون له علاقة بشيء مما يتعلق بالدنيا حتى ترتحل النفس عن الدنيا منقطعة العلائق منها غير ملتفتة إليها ولا متشوقة إلى أسبابها فعند ذلك ترجع إلى ربها رجوع النفس المطمئنة راضية مرضية داخلة في زمرة عباد الله المقربين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض بل هو أدق من الشعر وأحد من السيف فلا جرم أن من استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة وقلما ينفك العبد عن ميل عن الصراط المستقيم أعني الوسط حتى لا يميل إلى أحد الجانبين فيكون قلبه معلقاً بالجانب الذي مال إليه

стр. 810

ولذلك لا ينفك عن عذاب ما واجتياز على النار وإن كان مثل البرق قال الله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حتماً مقضياً ثم ننجي الذين اتقوا أي الذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه ولأجل عسر الاستقامة وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في قوله اهدنا الصراط المستقيم إذ وجب قراءة الفاتحة في كل ركعة فقد روي أن بعضهم رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في المنام فقال قد قلت يا رسول الله شيبتني هود فلم قلت ذلك فقال ﵇ لقوله تعالى فاستقم كما أمرت فالاستقامة على سواء السبيل في غاية الغموض ولكن ينبغي أن يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقتها فكل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه وليعددها وليشتغل بعلاج واحد واحد فيها على الترتيب فنسأل الله الكريم أن يجعلنا من المتقين بَيَانُ الطَّرِيقِ الَّذِي يَعْرِفُ بِهِ الْإِنْسَانُ عُيُوبَ نَفْسِهِ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا بَصَّرَهُ بِعُيُوبِ نَفْسِهِ فَمَنْ كَانَتْ بَصِيرَتُهُ نَافِذَةً لَمْ تَخْفَ عَلَيْهِ عُيُوبُهُ فَإِذَا عَرَفَ الْعُيُوبَ أَمْكَنَهُ الْعِلَاجُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ الْخَلْقِ جَاهِلُونَ بِعُيُوبِ أَنْفُسِهِمْ يَرَى أَحَدُهُمُ الْقَذَى فِي عَيْنِ أَخِيهِ وَلَا يَرَى الْجِذْعَ فِي عَيْنِ نَفْسِهِ فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْرِفَ عُيُوبَ نفسه فله أربعة طرق الْأَوَّلُ أَنْ يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيْ شَيْخٍ بَصِيرٍ بعيوب النفس مطلع على خفايا الآفات ويحكمه في نفسه ويتبع إشارته في مجاهدته وهذا شأن المريد مع شيخه والتلميذ مع أستاذه فيعرفه أستاذه وشيخه عيوب نفسه ويعرفه طريق علاجه وهذا قد عز في الزمان وجوده الثَّانِي أَنْ يَطْلُبَ صَدِيقًا صَدُوقًا بَصِيرًا مُتَدَيِّنًا فينصبه رقيباً على نفسه ليلاحظ أَحْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ فَمَا كَرِهَ مِنْ أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وعيوبه الباطنة والظاهرة ينبهه عليه فهكذا كان يفعل الأكياس والأكابر مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ كَانَ عمر ﵁ يَقُولُ رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً أَهْدَى إِلَيَّ عيوبي وكان يسأل سلمان عن عيوبه فلما قدم عليه قال له ما الذي بلغك عني مما تكرهه فاستعفى فألح عليه فقال بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة وأن لك حلتين حلة بالنهار وحلة بالليل قال وهل بلغك غير هذا قال لا فقال أما هذان فقد كفيتهما وَكَانَ يَسْأَلُ حذيفة وَيَقُولُ لَهُ أَنْتَ صَاحِبُ سِرِّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْمُنَافِقِينَ فَهَلْ تَرَى عَلَيَّ شَيْئًا مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ فَهُوَ عَلَى جَلَالَةِ قَدْرِهِ وَعُلُوِّ مَنْصِبِهِ هَكَذَا كَانَتْ تُهْمَتُهُ لِنَفْسِهِ ﵁ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَوْفَرَ عَقْلًا وَأَعْلَى مَنْصِبًا كَانَ أَقَلَّ إِعْجَابًا وَأَعْظَمَ اتِّهَامًا لِنَفْسِهِ إلا أن هذا أيضاً قد عز فقل في الأصدقاء من يترك المداهنة فيخبر بالعيب أو يترك الحسد فلا يزيد على قدر الواجب فلا تخلو في أصدقائك عن حسود أو صاحب غرض يرى ما ليس بعيب عيباً أو عن مداهن يخفي عنك بعض عيوبك ولهذا كان داود الطائي قد اعتزل الناس فقيل له لم لا تخالط الناس فقال وماذا أصنع بأقوام يخفون عني عيوبي فكانت شهوة ذوي الدين أن يتنبهوا لعيوبهم بتنبيه غيرهم وَقَدْ آلَ الْأَمْرُ فِي أَمْثَالِنَا إِلَى أَنَّ أَبْغَضَ الْخَلْقِ إِلَيْنَا مَنْ يَنْصَحُنَا وَيُعَرِّفُنَا عُيُوبَنَا وَيَكَادُ هَذَا أَنْ يَكُونَ مُفْصِحًا عَنْ ضَعْفِ الْإِيمَانِ فَإِنَّ الْأَخْلَاقَ السَّيِّئَةَ حَيَّاتٌ وَعَقَارِبُ لَدَّاغَةٌ فَلَوْ نَبَّهَنَا مُنَبِّهٌ عَلَى أَنَّ تَحْتَ ثَوْبِنَا عَقْرَبًا لَتَقَلَّدْنَا مِنْهُ مِنَّةً وَفَرِحْنَا بِهِ وَاشْتَغَلْنَا بإزالة العقرب وإبعادها وقتلها وإنما نكايتها على البدن ويدوم أَلَمُهَا يَوْمًا فَمَا دُونَهُ وَنِكَايَةُ الْأَخْلَاقِ الرَّدِيئَةِ عَلَى صَمِيمِ الْقَلْبِ أَخْشَى أَنْ تَدُومَ
следующие страницы →