← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 9472

إحياء علوم الدين

أبو حامد الغزالي

Полный текст (1 706 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

بِيَدِي مِنَ الصَّحْفَةِ شَيْئًا مِنْهُ فَلَطَّخْتُ بِهِ وجههاً ورسول الله ﷺ جالس بيني وبينها فخفض لها رسول الله ركبتيه لتستقيد مني فَتَنَاوَلَتْ مِنَ الصَّحْفَةِ شَيْئًا فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يضحك (١) وروي أن الضحاك بن سفيان الكلابي كان رجلاً دميماً قبيحاً فلما بايعه النبي ﷺ قال إن عندي امرأتين أحسن من هذه الحميراء وذلك قبل أن تنزل آية الحجاب أفلا أنزل لك عن إحداهما فتتزوجها وعائشة جالسة تسمع فقالت أهي أحسن أم أنت فقال بل أنا أحسن منها وأكرم فضحك رسول الله ﷺ من سؤالها إياه لأنه كان دميماً (٢) وروى علقمة عن أبي سلمة أَنَّهُ كَانَ ﷺ يدلع لسانه للحسن ابن علي ﵉ فيرى الصبي لسانه فيهش له فقال له عيينة بن بدر الفزاري وَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِيَ الِابْنُ قَدْ تَزَوَّجَ وَبَقَلَ وَجْهُهُ وَمَا قَبَّلْتُهُ قَطُّ فَقَالَ ﷺ إِنَّ مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ (٣) فَأَكْثَرُ هَذِهِ الْمُطَايَبَاتِ مَنْقُولَةٌ مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ ﷺ مُعَالَجَةً لِضَعْفِ قُلُوبِهِمْ مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إِلَى هَزْلٍ وَقَالَ ﷺ مَرَّةً لصهيب وَبِهِ رَمَدٌ وَهُوَ يَأْكُلُ تَمْرًا أَتَأْكُلُ التَّمْرَ وَأَنْتَ رَمِدٌ فَقَالَ إِنَّمَا آكُلُ بِالشِّقِّ الْآخَرِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَبَسَّمَ ﷺ (٤) قَالَ بَعْضُ الرُّوَاةِ حتى نظرت إلى نواجذه وروي أن خوات ابن جبير الأنصاري كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه رسول الله ﷺ فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود قال فمضى رسول الله ﷺ لحاجته ثم عاد فقال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت وكنت بعد ذلك أتفرر منه كلما رأيته حياء منه حتى قدمت المدينة وبعد ما قدمت المدينة قال فرآني في المسجد يوماً أصلي فجلس إلي فطولت ﴿فقال﴾ لا تطول فإني أنتظرك فلما سلمت قال يا أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد قال فسكت واستحييت فقام وكنت بعد ذلك أتفرر منه حتى لحقني يوماً وهو على حمار وقد جعل رجليه في شق واحد فقال أبا عبد الله أما ترك ذلك الجمل الشراد بعد فقلت والذي بعثك بالحق ما شرد منذ أسلمت فقال الله أكبر الله أكبر اللهم اهد أبا عبد الله قال فحسن إسلامه وهداه الله // حديث إن خوات بن جبير كان جالساً إلى نسوة من بني كعب بطريق مكة فطلع عليه النبي ﷺ فقال يا أبا عبد الله مالك مع النسوة فقال يفتلن ضغيرا لجمل لي شرود الحديث أخرجه الطبراني في الكبير من رواية زيد بن أسلم عن خوات بن جبير مع اختلاف ورجاله ثقات وأدخل بعضهم بين زيد وبين خوات ربيعة بن عمرو وكان نعيمان الأنصاري رجلاً مزاحاً فكان يشرب الخمر في المدينة فيؤتي بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم فلما كثر ذلك منه

стр. 877

قال له رجل من الصحابة لعنك الله فقال النبي ﷺ لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله وكان لا يدخل المدينة رسل ولا طرفة إلا اشترى منها ثم أتى النَّبِيَّ ﷺ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا قَدِ اشْتَرَيْتُهُ لَكَ وَأَهْدَيْتُهُ لَكَ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا يَتَقَاضَاهُ بِالثَّمَنِ جَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِهِ ثَمَنَ مَتَاعِهِ فيقول له ﷺ أو لم تُهْدِهِ لَنَا فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدِي ثَمَنُهُ وَأَحْبَبْتُ أَنْ تَأْكُلَ مِنْهُ فَيَضْحَكُ النَّبِيُّ ﷺ وَيَأْمُرُ لِصَاحِبِهِ بِثَمَنِهِ (١) فَهَذِهِ مُطَايَبَاتٌ يُبَاحُ مِثْلُهَا على الندور لا على الدوام والمواظبة عليها هزل مذموم وسبب للضحك المميت للقلب الآفة الحادية عشر السخرية والاستهزاء وهذا محرم مهما كان مؤذياً كما قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أن يكن خيراً منهن وَمَعْنَى السُّخْرِيَةِ الِاسْتِهَانَةُ وَالتَّحْقِيرُ وَالتَّنْبِيهُ عَلَى الْعُيُوبِ والنقائص عَلَى وَجْهٍ يُضْحَكُ مِنْهُ وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ بالمحاكاة في الفعل والقول وقد يكون بالإشارة والإيماء وإذا كان بحضرة المستهزأ به لم يسم ذلك غيبة وفيه معنى الغيبة قالت عائشة ﵂ حاكيت إنساناً فقال لي النبي ﷺ والله ما أحب أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا (٢) وقال ابن عباس في قوله تعالى يا ويلتنا ما لهذا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أحصاها إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن والكبيرة القهقهة بذلك وهذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب والكبائر وعن عبد الله بن زمعة أنه قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يخطب فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال علام يضحك أحدكم مما يفعل (٣) وقال ﷺ إن المستهزئين بالناس يفتح لأحدهم باب من الجنة فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه ثم يفتح له باب آخر فيقال هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له الباب فيقال له هلم هلم فلا يأتيه (٤) وقال معاذ بن جبل قال النبي ﷺ من عير أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتى يعمله (٥) وكل هذا يرجع إلى استحقار الغير والضحك عليه استهانة به واستصغاراً لَهُ وَعَلَيْهِ نَبَّهَ قَوْلُهُ تَعَالَى عَسَى أَنْ يكونوا خيراً منهم أَيْ لَا تَسْتَحْقِرْهُ اسْتِصْغَارًا فَلَعَلَّهُ خَيْرٌ مِنْكَ وهذا إنما يحرم في حَقُّ مَنْ يَتَأَذَّى بِهِ فَأَمَّا مَنْ جَعَلَ نَفْسَهُ مَسْخَرَةً وَرُبَّمَا فَرِحَ مِنْ أَنْ يُسْخَرَ بِهِ كَانَتِ السُّخْرِيَةُ فِي حَقِّهِ مِنْ جُمْلَةِ المزاح وَقَدْ سَبَقَ مَا يُذَمُّ مِنْهُ وَمَا يُمْدَحُ وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمُ اسْتِصْغَارٌ يَتَأَذَّى بِهِ الْمُسْتَهْزَأُ بِهِ لما

стр. 878

فِيهِ مِنَ التَّحْقِيرِ وَالتَّهَاوُنِ وَذَلِكَ تَارَةً بِأَنْ يَضْحَكَ عَلَى كَلَامِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ وَلَمْ ينتظم أو على أفعاله إذا كنت مشوشة كالضحك على خطه وعلى صنعته أو على صورته وخلقته إذا كان قصيراً أو ناقصاً لعيب من العيوب فَالضَّحِكُ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي السُّخْرِيَةِ المنهي عنها الآفة الثانية عشر إِفْشَاءُ السِّرِّ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيذَاءِ وَالتَّهَاوُنِ بِحَقِّ الْمَعَارِفِ وَالْأَصْدِقَاءِ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا حَدَّثَ الرجل ثم التفت فهي أمانة (١) وقال مطلقاً الحديث بينكم أمانة (٢) حديث العدة عطية أخرجه الطبراني في الأوسط من حديث قباث بن أشيم بسند ضعيف وأبو نعيم في الحلية من حديث ابن مسعود ورواه ابن أبي الدنيا في الصمت والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث الحسن مرسلا (٣) حديث الوأي مثل الدين أو أفضل أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت من رواية ابن لهيعة مرسلا وقال الوأي يعني الوعد ورواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث علي بسند ضعيف (٤) حديث عبد الله بن أبي الخنساء بايعت النبي ﷺ فوعدته أَنْ آتِيَهُ بِهَا فِي مَكَانِهِ ذَلِكَ فَنَسِيتُ يومي والغد فأتيه الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَهُوَ فِي مَكَانِهِ فَقَالَ يَا بني قد شققت علي أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك رواه أبو داود واختلف في إسناده وقال ابن مهدي ما أظن إبراهيم بن طهمان إلا أخطأ فيه // وقيل

стр. 879

لإبراهيم الرجل يواعد الرجل الميعاد فلا يجيء قال ينتظره إلى أن يدخل وقت الصلاة التي تجيء وكان رسول الله ﷺ إذا وعد وعداً قال ﴿عسى﴾ (١) وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَا يَعِدُ وَعْدًا إِلَّا وَيَقُولُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَهُوَ الْأَوْلَى ثُمَّ إِذَا فَهِمَ مَعَ ذَلِكَ الْجَزْمِ فِي الْوَعْدِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْوَفَاءِ إِلَّا أَنْ يُتَعَذَّرَ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْوَعْدِ عَازِمًا عَلَى أَنْ لا يفي فهذا هو النفاق وقال أبو هريرة قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ فَهُوَ مُنَافِقٌ وَإِنْ صَامَ وَصَلَّى وَزَعَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان (٢) وقال عبد الله بن عمرو ﵄ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خُلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَ فِيهِ خُلَّةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خاصم فجر (٣) وهذا ينزل على عَزَمَ الْخُلْفَ أَوْ تَرَكَ الْوَفَاءَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَأَمَّا مَنْ عَزَمَ عَلَى الْوَفَاءِ فَعَنَّ لَهُ عُذْرٌ مَنَعَهُ مِنَ الْوَفَاءِ لَمْ يَكُنْ مُنَافِقًا وَإِنْ جَرَى عَلَيْهِ مَا هُوَ صُورَةُ النِّفَاقِ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَحْتَرِزَ مِنْ صُورَةِ النفاق أيضاً كما يتحرز مِنْ حَقِيقَتِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ معذوراً من غير ضرورة حاجزة فَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان وعد أبا الهيثم بن التيهان خادماً فأتى بثلاثة من السبى فأعطى اثنين وبقي واحداً فَأَتَتْ فاطمة ﵂ تَطْلُبُ مِنْهُ خَادِمًا وَتَقُولُ أَلَا تَرَى أَثَرَ الرَّحَى بِيَدِي فَذَكَرَ مَوْعِدَهُ لأبي الهيثم فَجَعَلَ يَقُولُ كَيْفَ بموعدي لأبي الهيثم (٤) فآثره به عَلَى فاطمة لِمَا كَانَ قَدْ سَبَقَ مِنْ مَوْعِدِهِ لَهُ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تُدِيرُ الرَّحَى بِيَدِهَا الضَّعِيفَةِ وَلَقَدْ كَانَ ﷺ جَالِسًا يُقَسِّمُ غَنَائِمَ هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فَوَقَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ إِنَّ لِي عِنْدَكَ مَوْعِدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ صَدَقْتَ فَاحْتَكِمْ مَا شِئْتَ فَقَالَ أَحْتَكِمُ ثَمَانِينَ ضَائِنَةً وَرَاعِيَهَا قَالَ هِيَ لَكَ وَقَالَ احْتَكَمْتَ يَسِيرًا (٥) ولصاحبه موسى ﵇ التي دلته على عظام يوسف كانت أحزم منك وأجزل حكماً منك حين حكمها موسى ﵇ فقال حكمي أن تردني شابة وأدخل معك الجنة قيل فكان الناس يضعفون ما احتكم به حتى جعلا مثلاً فقيل أشح من صاحب الثمانين والراعي وقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ليس الخلف أن يعد الرجل الرجل وفي نيته أن يفي (٦) وفي لفظ آخر إذا وعد الرجل أخاه وفي نيته أن يفي فلم يجد فلا إثم عليه الْآفَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ وَالْيَمِينِ وَهُوَ مِنْ قَبَائِحَ الذُّنُوبِ وَفَوَاحِشِ الْعُيُوبِ قَالَ إسماعيل بن واسط سمعت أبا بكر الصديق ﵁ يخطب بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال قام فينا رسول الله ﷺ مقامي هذا عام أول ثم بكى

стр. 880

وقال إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّهُ مَعَ الْفُجُورِ وَهُمَا فِي النار (١) وقال أبو أمامة قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الكذب باب من أبواب النفاق (٢) حديث كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لك به مصدق وأنت له به كاذب أخرجه البخاري في كتاب الأدب المفرد وأبو داود من حديث سفيان بن أسيد وضعفه ابن عدي ورواه أحمد والطبراني من حديث النواس بن سمعان بإسناد جيد (٣) حديث ابن مسعود لا يزال العبد يكذب حتى يكتب عند الله كذابا متفق عليه (٤) حديث مر برجلين يتبايعان شاة ويتحالفان الحديث وفيه فقال أوجب أحدهما بالإثم والكفارة أخرجه أبو الفتح الأزدي في كتاب الأسماء المفردة من حديث ناسخ الحضرمي وهكذا رويناها في أمالي ابن سمعون وناسخ ذكره البخاري هكذا في التاريخ وقال أبو حاتم هو عبد الله ابن ناسخ (٥) حديث الكذب ينقص الرزق أخرجه أبو الشيخ في طبقات الأصبهانيين من حديث أبي هريرة ورويناه كذلك في مشيخة القاضي أبو بكر وإسناده ضعيف (٦) حديث إن التجار هم الفجار الحديث وفيه ويحدثون فيكذبون أخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن شبل وقال ﷺ ثلاثة نفر لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ الْمَنَّانُ بِعَطِيَّتِهِ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْفَاجِرِ والمسبل إزاره (٧) وقال ﷺ من حلف حالف بالله فأدخل فيها مثل جناح بعوضة إلا كانت نكتة في قلبه إلى يوم القيامة (٨) حديث أبي ذر ثلاثة يحبهم الله الحديث وفيه وثلاثة يشنؤهم الله التاجر أو البائع الحلاف أخرجه أحمد واللفظ له وفيه ابن الأحمس ولا يعرف حاله ورواه هو والنسائي بلفظ آخر بإسناد جيد وللنسائي من حديث أبي هريرة أربعة يبغضهم الله البياع الحلاف الحديث وإسناده جيد (٩) حديث ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم ويل له ويل له أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي في الكبرى من رواية يهز بن حكيم عن أبيه عن جده

стр. 881

وقال ﷺ رأيت كأن رجلاً جاءني فقال لي قم فقمت معه فإذا أنا برجلين أحدهما قائم والآخر جالس بيد القائم كلوب من حديد يلقمه في شدق الجالس فيجذبه حتى يبلغ كاهله ثم يجذبه فيلقمه الجانب الآخر فيمده فإذا مده رجع الآخر كما كان فقلت للذي أقامني ما هذا فقال هذا رجل كذاب يعذب في قبره إلى يوم القيامة (١) وعن عبد الله بن جراد قال سألت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله هل يزني المؤمن قال قد يكون ذلك قال يا نبي الله هل يكذب المؤمن قال ﴿لا﴾ ثم أتبعها ﷺ بقول الله تعالى ﴿إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله﴾ (٢) وقال أبو سعيد الخدري سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يدعو فيقول في دعائه اللهم طهر قلبي من النفاق وفرجي من الزنا ولساني من الكذب (٣) وقال ﷺ ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر (٤) حديث عبد الله بن عامر جاء رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى بيتنا وأنا صبي صغير فذهبت لألعب فقالت أمي يا عبد الله تعال أعطيك فقال وما أردت أن تعطيه قالت تمرا فقال إن لم تفعلي كتبت عليك كذبة رواه أبو داود وفيه من لم يسم وقال الحاكم أن عبد الله بن عامر ولد في حياته ﷺ ولم يسمع منه قلت وله شاهد من حديث أبي هريرة وابن مسعود ورجالهما ثقات إلا أن الزهري لم يسمع من أبي هريرة وقال ﷺ لو أفاء الله على نعماً عدد هذا الحصى لَقَسَمْتُهَا بَيْنَكُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا كذاباً ولا جباناً (٥) وقال ﷺ وكان متكئاً ألا أنبئكم بأكبر الكبائر الإشراك بالله وعقوق الوالدين ثم قعد وقال إلا وقول الزور (٦) وقال ابن عمر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن العبد ليكذب الكذبة ليتباعد الملك عنه مسيرة ميل من نتن ما جاء به (٧) وقال أنس قال النبي ﷺ تقبلوا إلي بست أتقبل لكم بالجنة فقالوا وما هن قال إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا وعد فلا يخلف وإذا ائتمن فلا يخن وغضوا أبصاركم واحفظوا فروجكم وكفوا أيديكم (٨) وقال ﷺ إن للشيطان كحلاً ولعوقاً ونشوقاً أما لعوقه فالكذب وأما نشوقه فالغضب وأما كحله فالنوم (٩) وخطب عمر ﵁ يوماً فقال قام فينا رسول الله ﷺ كقيامي هذا فيكم فقال أحسنوا إلي أصحابي

стр. 882

ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل على اليمين ولم يستحلف ويشهد ولم يستشهد (١) وقال النبي ﷺ من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين (٢) وقال ﷺ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِإِثْمٍ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عليه غضبان (٣) وروي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ رد شهادة رجل في كذبة كذبها (٤) وقال ﷺ كل خصلة يطبع أو يطوى عليها المسلم إلا الخيانة والكذب (٥) حديث ما كان من خلق الله شيء أشد عند أصحاب رسول الله ﷺ من الكذب ولقد كان يطلع على الرجل من أصحابه على الكذب فما ينجلي من صدره حتى يعلم أنه قد أحدث لله منها توبة أخرجه أحمد من حديث عائشة ورجاله ثقات إلا أنه قال عن ابن أبي مليكة أو غيره وقد رواه أبو الشيخ في الطبقات فقال ابن أبي مليكة ولم يشك وهو صحيح (٦) حديث أربع إذا كن فيك فلا يضرك ما فاتك من الدنيا صدق الحديث الحديث أخرجه الحاكم والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عبد الله بن عمرو وفيه ابن لهيعة (٧) حديث أبي بكر عليكم بالصدق فإنه مع البر وهما في الجنة أخرجه ابن ماجه والنسائي في اليوم والليلة وقد تقدم بعضه في أول هذا النوع (٨) حديث معاذ أوصيك بتقوى الله وصدق الحديث أخرجه أبو نعيم في الحلية وقد تقدم // وأما الآثار فقد قال علي ﵁ أعظم الخطايا عند الله اللسان الكذوب وشر الندامة ندامة يوم القيامة وقال عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه ما كذبت كذبة منذ شددت علي إزاري وقال عمر ﵁ أحبكم إلينا ما لم نركم أحسنكم اسماً فإذا رأيناكم فأحبكم إلينا أحسنكم خلقاً فإذا اختبرناكم فأحبكم إلينا أصدقكم حديثاً وأعظمكم أمانة وعن ميمون بن أبي شبيب قال جلست أكتب كتاباً فأتيت على حرف إن أنا كتبته زينت الكتاب وكنت قد كذبت فعزمت على تركه فنوديت من جانب البيت يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة وقال الشعبي ما أدري أيهما أبعد غور في النار الكذاب أو البخيل وقال ابن السماك ما أراني أوجر على ترك الكذب لأني إنما أدعه أنفه وقيل الخالدين صبيح أيسمى الرجل كاذباً بكذبة واحدة قال نعم وقال مالك بن دينار قرأت في بعض الكتب ما من خطيب إلا وتعرض خطبته على عمله فإن كان صادقاً صدق وإن

стр. 883

كان كاذباً قرضت شفتاه بمقاريض من نار كلما قرضتا نبتتا وقال مالك بن دينار الصدق والكذب يعتركان في القلب حتى يخرج أحدهما صاحبه وكلم عمر بن عبد العزيز الوليد بن عبد الملك في شيء فقال له كذبت فقال عمر والله ما كذبت منذ علمت أن الكذب يشين صاحبه بَيَانُ مَا رُخِّصَ فِيهِ مِنَ الْكَذِبِ اعْلَمْ أن الكذب ليس حراماً لعينه بل لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُخَاطَبِ أَوْ على غيره فإن أقل درجاته أن يعتقد المخبر الشيء على خلاف ما هو عليه فيكون جاهلاً وقد يتعلق به ضرر غيره ورب جهل فيه منفعة ومصلحة فالكذب محصل لذلك الجهل فيكون مأذوناً فيه وربما كان واجباً قال ميمون بن مهران الكذب في بعض المواطن خير من الصدق أرأيت لو أن رجلاً سعى خلف إنسان بالسيف ليقتله فدخل داراً فانتهى إليك فقال أرأيت فلاناً ما كنت قائلاً ألست تقول لم أره وما تصدق به وهذا الكذب واجب فنقول الكلام وسيلة إلى المقاصد فكل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعاً فالكذب فيه حرام وإن أمكن التوصل إليه بالكذب دون الصدق فالكذب فيه مباح إن كان تحصيل ذلك القصد مباحاً وواجب إن كان المقصود واجباً كما أن عصمة دم المسلم واجبة فمهما كان في الصدق سفك دم أمرىء مسلم قَدِ اخْتَفَى مِنْ ظَالِمٍ فَالْكَذِبُ فِيهِ وَاجِبٌ ومهما كَانَ لَا يَتِمُّ مَقْصُودُ الْحَرْبِ أَوْ إِصْلَاحُ ذات البين أن استمالة قلب المجني عليه إلا بكذب فالكذب مباح إلا أنه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن لأنه إذا فتح باب الكذب على نفسه فيخشى أن يتداعى إلى ما يستغنى عنه وإلى ما لا يقتصر على حد الضرورة فيكون الكذب حراماً في الأصل إلا لضرورة والذي يدل على الاستثناء ما روي عن أم كلثوم قالت ما سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يرخص في شيء من الكذب إلا في ثلاث الرجل يقول القول يريد به الإصلاح والرجل يقول القول في الحرب والرجل يحدث امرأته والمرأة تحدث زوجها (١) وقالت أيضاً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ بِكَذَّابٍ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خيراً أو نمى خيرا (٢) حديث أسماء بنت يزيد كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب بين رجلين يصلح بينهما أخرجه أحمد بزيادة فيه وهو عند الترمذي مختصرا وحسنه وروي عن أبي كامل قال وقع بين اثنين من أصحاب النبي ﷺ كلام حتى تصارما فلقيت أحدهما فقلت مالك ولفلان فقد سمعته يحسن عليك الثناء ثم لقيت الآخر فقلت له مثل ذلك حتى اصطلحا ثم قلت أهلكت نفسي وأصلحت بين هذين فأخبرت النبي ﷺ فقال يا أبا كاهل أصلح بين الناس (٣) أي ولو بالكذب وقال عطاء بن يسار قال رجل للنبي ﷺ أكذب على أهلي قال لا خير في الكذب قال أعدها وأقول لها قال لا جناح عليك (٤)

стр. 884

وروي أن ابن أبي عذرة الدؤلي وكان في خلافة عمر ﵁ كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن فطارت له في الناس من ذلك أحدوثة يكرهها فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته أنشدك بالله هل تبغضيني قالت لا تنشدني قال فإني أنشدك الله قالت نعم فقال لابن الأرقم أتسمع ثم انطلقا حتى أتيا عمر ﵁ فقال إنكم لتحدثون إني أظلم النساء وأخلعهن فأسأل ابن الأرقم فسأله فأخبره فأرسل إلى امرأة ابن أبي عذرة فجاءت هي وعمتها فقال أنت التي تحدثين لزوجك أنك تبغضينه فقالت إني أول من تاب وراجع أمر الله تعالى إنه ناشدني فتحرجت أن أكذب أفأكذب يا أمير المؤمنين قال نعم فاكذبي فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك فإن أقل البيوت الذي يبنى على الحب ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب وعن النواس بن سمعان الكلابي قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالي أراكم تتهافتون في الكذب تهافت الفراش في النار كل الكذب يكتب على ابن آدم لا محالة إِلَّا أَنْ يَكْذِبَ الرَّجُلُ فِي الْحَرْبِ فَإِنَّ الحرب خدعة أو يكون بين الرجلين شحناء فيصلح بينهما أو يحدث امرأته يرضيها (١) وقال ثَوْبَانُ الْكَذِبُ كُلُّهُ إِثْمٌ إِلَّا مَا نَفَعَ به مسلماً أو دفع عنه ضرراً وقال علي ﵁ إذا حدثتكم عن النبي ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فالحرب خدعة فهذه الثلاث ورد فيها صريح الاستثناء وفي معناها ما عداها إذا ارتبط به مقصود صحيح له أو لغيره أما ماله فمثل أن يأخذه ظالم ويسأله عن ماله فله أن ينكره أو يأخذه سلطان فيسأله عن فاحشة بينه وبين الله تعالى ارتكبها فله أن ينكر ذلك فيقول ما زنيت وما سرقت وقال ﷺ من ارتكب شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله (٢) وذلك أن إظهار الفاحشة فاحشة أخرى فللرجل أن يحفظ دمه وماله الذي يؤخذ ظلماً وعرضه بلسانه وإن كان كاذباً وأما عرض غيره فبأن يسأله عن سر أخيه فله أن ينكره وأن يصلح بين اثنين وأن يصلح بين الضرات من نسائه بأن يظهر لكل واحدة أنها أحب إليه وإن كانت امرأته لا تطاوعه إلا بوعد لا يقدر عليه فيعدها في الحال تطييباً لقلبها أو يعتذر إلى إنسان وكان لا يطيب قلبه إلا بإنكار ذنب وزيادة تودد فلا بأس به ولكن الحد فيه أن الكذب محذور ولو صدق في هذه المواضع تولد منه محذور فينبغي أن يقابل أحدهما بالآخر ويزن بالميزان القسط فإذا علم أن المحذور الذي يحصل بالصدق أشد وقعاً في الشرع من الكذب فله الكذب وإن كان ذلك المقصود أهون من مقصود الصدق فيجب الصدق وقد يتقابل الأمران بحيث يتردد فيهما وعند ذلك الميل إلى الصدق أولى لأن الكذب يباح لضرورة أو حاجة مهمة فإن شك في كون الحاجة مهمة فالأصل التحريم فيرجع إليه ولأجل غموض إدراك مراتب المقاصد ينبغي أن يحترز الإنسان من الكذب ما أمكنه وكذلك مهما كانت الحاجة له فيستحب له أن يترك أغراضه ويهجر الكذب فأما إذا تعلق بغرض غيره فلا تجوز المسامحة لحق الغير والإضرار به وأكثر كذب الناس إنما هو لحظوظ أنفسهم ثم هو لزيادات المال والجاه ولأمور ليس فواتها

стр. 885

محذوراً حتى إن المرأة لتحكي عن زوجها ما تفخر به وتكذب لأجل مراغمة الضرات وذلك حرام وقالت أسماء سمعت امرأة سألت رسول الله ﷺ قالت إن لي ضرة وإني أتكثر من زوجي بما لم يفعل أضارها بذلك فهل على شيء فيه فقال ﷺ المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور (١) وقال ﷺ من تطعم بما لا يطعم أو قال لي وليس له أو أعطيت ولم يعط فهو كلابس ثوبي زور يوم القيامة (٢) ويدخل في هذا فنرى العالم لما لا يتحققه وروايته الحديث الذي لا يتثبته إذ غرضه أن يظهر فضل نفسه فهو لذلك يستنكف من أن يقال لا أدري وهذا حرم ومما يلتحق بالنساء الصبيان فإن الصبي إذا كان لا يرغب في المكتب إلا وعد أو عيد أو تخويف كاذب كان ذلك مباحاً نعم روينا في الأخبار أن ذلك يكتب كذباً ولكن الكذب المباح أيضاً قد يكتب ويحاسب عليه ويطالب بتصحيح قصده فيه ثم يعفى عنه لأنه إنما أبيح بقصد الإصلاح ويتطرق إليه غرور كبير فإنه قد يكون الباعث له حظه وغرضه الذي هو مستغن عنه وإنما يتعلل ظاهراً بالإصلاح فلهذا يكتب وكل من أتي بكذبة فقد وقع في خطر الاجتهاد ليعلم أن المقصود الذي كذب لأجله هل هو أهم في الشرع من الصدق أم لا وذلك غامض جداً والحزم تركه إلا أن يصير واجباً بحيث لا يجوز تركه كما لو أدى إلى سفك دم أو ارتكاب معصية كيف كان وقد ظن ظانون أنه يجوز وضع الأحاديث في فضائل الأعمال وفي التشديد في المعاصي وزعموا أن القصد منه صحيح وهو خطأ محض إذ قال ﷺ من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار (٣) وهذا لا يرتكب إلا لضرورة ولا ضرورة إذ في الصدق مندوحة عن الكذب ففيما ورد من الآيات والأخبار كفاية عن غيرها وقول القائل إن ذلك قد تكرر على الأسماع وسقط وقعه وما هو جديد فوقعه أعظم فهذا هوس إذ ليس هذا من الأغراض التي تقاوم محذور الكذب عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعلى الله تعالى ويؤدي فتح بابه إلى أمور تشوش الشريعة فلا يقاوم خير هذا شره أصلى والكذب عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ من الكبائر التي لا يقاومها شيء نسأل الله العفو عنا وعن جميع المسلمين بَيَانُ الْحَذَرِ مِنَ الْكَذِبِ بِالْمَعَارِيضِ قَدْ نُقِلَ عَنِ السَّلَفِ إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الكذب قال عمر ﵁ أما في المعاريض ما يكفي الرجل عن الكذب وروى ذلك عن ابن عباس وغيره وإنما أرادوا بذلك إِذَا اضْطَرَّ الْإِنْسَانُ إِلَى الْكَذِبِ فَأَمَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَاجَةٌ وَضَرُورَةٌ فَلَا يَجُوزُ التَّعْرِيضُ وَلَا التَّصْرِيحُ جَمِيعًا وَلَكِنَّ التَّعْرِيضَ أَهْوَنُ وَمِثَالُ التَّعْرِيضِ مَا رُوِيَ أَنَّ مطرفا دَخَلَ عَلَى زياد فَاسْتَبْطَأَهُ فَتَعَلَّلَ بِمَرَضٍ وَقَالَ مَا رَفَعْتُ جَنْبِي مُذْ فَارَقْتُ الْأَمِيرَ إِلَّا مَا رَفَعَنِي الله وقال إبراهيم إذا بلغ الرجل عنك شيء فكرهت أن تكذب فقل إن الله تعالى ليعلم ما قلت من ذلك من شيء فيكون قوله ما حرف نفي عند المستمع وعنده الإبهام وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ عَامِلًا لعمر ﵁ فَلَمَّا رَجَعَ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَا جِئْتَ بِهِ مِمَّا يَأْتِي بِهِ الْعُمَّالُ إِلَى أَهْلِهِمْ وَمَا كَانَ قَدْ أَتَاهَا بِشَيْءٍ فَقَالَ كَانَ عِنْدِي ضَاغِطٌ قَالَتْ كُنْتَ أَمِينًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعند أبي بكر ﵁ فبعث عمر

стр. 886

مَعَكَ ضَاغِطًا وَقَامَتْ بِذَلِكَ بَيْنَ نِسَائِهَا وَاشْتَكَتْ عمر فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ دَعَا معاذا وَقَالَ بعثت معك ضاغطاً قال لم أَجِدُ مَا أَعْتَذِرُ بِهِ إِلَيْهَا إِلَّا ذَلِكَ فضحك عمر ﵁ وَأَعْطَاهُ شَيْئًا فَقَالَ أَرْضِهَا بِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ضاغطاً يعني رَقِيبًا وَأَرَادَ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى وَكَانَ النخعي لا يقول لابنته أشتري لك سكراً بل يقول أرأيت لو اشتريت لك سكراً فإنه ربما لا يتفق له ذلك وكان إبراهيم إِذَا طَلَبَهُ مَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الدَّارِ قَالَ لِلْجَارِيَةِ قَوْلِي لَهُ أطلبه في المسجد ولا تقولي له ليس ههنا كيلا يكون كذباً وكان الشعبي إذا طلب في المنزل هو يكرهه خط دائرة وقال للجارية ضعي الأصبع فيها وقولي ليس ههنا وهذا كله في موضع الحاجة فأما في غير موضع الحاجة فلا لأن هذا تفهيم للكذب وإن لم يكن اللفظ كذباً فهو مكروه على الجملة كما روى عبد الله بن عتبة قال دخلت مع أبي على عمر بن عبد العزيز ﵀ عليه فخرجت وعلى ثوب فجعل الناس يقولون هذا كساكه أمير المؤمنين فكنت أقول جزى الله أمير المؤمنين خيراً فقال لي أبي يا بني اتق الكذب وما أشبهه فنهاه عن ذلك لأن فيه تقريراً لهم عن ظن كاذب لأجل غرض المفاخرة وهذا غرض باطل لا فائدة فيه نعم المعاريض تباح لغرض خفيف كتطييب قَلْبِ الْغَيْرِ بِالْمِزَاحِ كَقَوْلِهِ ﷺ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوزٌ (١) وَقَوْلِهِ لِلْأُخْرَى الذي في عين زوجك بياض وللأخرى نحملك على ولد البعير وما أشبهه وأما الكذب الصريح كما فعله نعمان الأنصاري مع عثمان في قصة الضرير إذ قال له إنه نعيمان وكما يعتاده الناس من ملاعبة الحمقى بتغريرهم بأن امرأة قد رغبت في تزويجك فإن كان فيه ضرر يؤدي إلى إيذاء قلب فهو حرام وإن لم يكن إلا لمطايبته فلا يوصف صاحبها بالفسق ولكن ينقص ذلك من درجة إيمانه قال ﷺ لا يكمل للمرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه وحتى يجتنب الكذب في مزاحه (٢) وأما قوله ﷺ إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بالكلمة ليضحك بها الناس يهوى بها في النار أبعد من الثريا (٣) أراد به ما فيه غيبة مسلم أو إيذاء قلب دون محض المزاح ومن الكذب الذي لا يوجب الفسق مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِهِ طلبتك كذا وكذا مرة وقلت لَكَ كَذَا مِائَةَ مَرَّةٍ فَإِنَّهُ لَا يُرِيدُ بِهِ تَفْهِيمَ الْمَرَّاتِ بِعَدَدِهَا بَلْ تَفْهِيمَ الْمُبَالَغَةِ فإن لم يكن طلبه إلا مرة واحدة كان كاذباً وإن كان طلبه مرات لا يعتاد مثلها في الكثرة لا يأثم وإن لم تبلغ مائة وبينهما درجات يتعرض مطلق اللسان بالمبالغة فيها لخطر الكذب ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل به أَنْ يُقَالَ كُلِ الطَّعَامَ فَيَقُولُ لَا أَشْتَهِيهِ وذلك منهى عنه وهو حرام وإن لم يكن فيه غرض صحيح قال مجاهد قالت أسماء بنت عميس كنت صاحبة عائشة في الليلة التي هيأتها وأدخلتها عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومعي نسوة قالت فوالله ما وجدنا عنده قرى إلا قدحاً من لبن فشرب ثم ناوله عائشة قالت فاستحيت الجارية فقلت لا تردي يد رسول الله ﷺ خذي منه قالت فأخذت منه على حياء فشربت منه ثم قال ناولي صواحبك فقلن لا نشتهيه فقال لا تجمعن جوعاً وكذباً قالت فقلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه لا أشتهيه أيعد ذلك كذبا قال

стр. 887

إن الكذب ليكتب كذباً حتى تكتب الكذبة كذيبة (١) وقد كان أهل الورع يحترزون عن التسامح بمثل هذا الكذب قال الليث بن سعد كانت عينا سعد بن المسيب ترمص حتى يبلغ الرمص خارج عينيه فيقال له لو مسحت عينيك فيقول وأين قول الطبيب لا تمس عينيك فأقول لا أفعل وهذه مراقبة أهل الورع ومن تركه انسل لسانه في الكذب عند حد اختياره فيكذب ولا يشعر وعن خوات التيمي قال جاءت أخت الربيع بن خثيم عائدة لابن له فانكبت عليه فقالت كيف أنت يا بني فجلس الربيع وقال أرضعتيه قالت لا قال ما عليك لو قلت يا ابن أخي فصدقت ومن العادة أَنْ يَقُولَ يَعْلَمُ اللَّهُ فِيمَا لَا يَعْلَمُهُ قال عيسى ﵇ إن من عظم الذنوب عند الله أن يقول العبد إن الله يعلم لما لا يعلم وربما يكذب في حكاية المنام والإثم فيه عظيم إذ قال ﷺ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْفِرْيَةِ أَنْ يَدَّعِيَ الرَّجُلُ إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ أَوْ يُرِيَ عَيْنَيْهِ فِي الْمَنَامِ مَا لَمْ يَرَ أَوْ يَقُولَ عَلَيَّ ما لم أقل (٢) حديث من كذب في حلمه كلف يوم القيامة أن يعقد بين شعيرة أخرجه البخاري من حديث ابن عباس (٣) حديث كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وعرضه أخرجه مسلم من حديث أي هريرة (٤) حديث لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا يغتب بعضكم بعضاً وكونوا عباد الله إخواناً متفق عليه من حديث أبي هريرة دون قوله ولا يغتب بعضكم بعضاً وقد تقدم في آداب الصحبة (٥) حديث جابر وأبي سعيد إياكم والغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا الحديث أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت وابن حبان في الضعفاء وابن مردويه في التفسير (٦) حديث أنس مررت ليلة أسري بي على قوم يخمشون وجوههم بأظفارهم الحديث أخرجه أبو داود مسندا ومرسلا والمسند أصح // وقال سليم بن جابر أتيت النبي ﷺ فقلت علمني خيراً أنتفع به فقال لا تحقرن

стр. 888

من المعروف شيئاً ولو أن تصب من دلوك في إناء المستقى وأن تلقى أخاك ببشر حسن وإن أدبر فلا تغتابنه (١) وقال البراء خطبنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتَّى أسمع العوانق في بيوتهن فقال يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عورته ومن تتبع الله عورته يفضحه في جوف بيته (٢) وقيل أوحي الله إلى موسى ﵇ من مات تائباً من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة ومن مات مصراً عليها فهو أول من يدخل النار وقال أنس أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الناس بصوم يوم فقال لا يفطرن أحد حتى آذن له فصام الناس حتى إذا أمسوا جعل الرجل يجيء فيقول يا رسول الله ظللت صائماً فائذن لي لأفطر فيأذن له والرجل والرجل حتى جاء رجل فقال يا رسول الله فتاتان من أهلك ظلتا صائمتين وإنهما يستحيان أن يأتياك فائذن لهما أن يفطرا فأعرض عنه ﷺ ثم عاوده فأعرض عنه ثم عاوده فقال إنهما لم يصوما وكيف يصوم من ظل نهاره يأكل لحم الناس اذهب فمرهما إن كانتا صائمتين أن تستقيئا فرجع إليهما فأخبرهما فاستقاءتا فقاءت كل واحدة منهما علقة من دم فرجع إلى النبي ﷺ فأخبره فقال والذي نفسي بيده لو بقيتا في بطونهما لأكلتهما النار (٣) وفي رواية أنه لما أعرض عنه جاء بعد ذلك وقال يا رسول الله والله إنهما قد ماتتا أو كادتا أن تموتا فقال ﷺ ائتوني بهما فجاءتا فدعا رسول الله ﷺ بقدح فقال لإحداهما قيئي فقاءت من قيح ودم وصديد حتى ملأت القدح وقال للأخرى قيئي فقاءت كذلك فقال إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا تأكلان لحوم الناس (٤) وقال أنس خطبنا رسول الله ﷺ فذكر الربا وعظم شأنه فقال إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل وأربى الربا عرض المسلم (٥) وقال جابر كنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مسير فأتى على قبرين يعذب صاحباهما فقال إنهما يعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان يغتاب الناس وأما الآخر فكان لا يستنزه من بوله فدعا بجريدة رطبة أو جريدتين فكسرهما ثم أمر بكل كسرة فغرست على قبر وقال أما إنه سيهون من عذابهما ما كانتا رطبتين أو ما لم ييبسا (٦) ولما رجم رسول الله ﷺ ماعزاً في الزنا قال رجل لصاحبه هذا أقعص كما يقعص الكلب فمر ﷺ وهما معه بجيفة فقال انهشا منها فقالا يا رسول الله ننهش

стр. 889

جيفة فقال ما أصبتما من أخيكما أنتن من هذه (١) وكان الصحابة ﵃ يتلاقون بالبشر ولا يغتابون عند الغيبة ويرون ذلك أفضل الأعمال ويرون خلافه عادة المنافقين وقال أبو هريرة من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة وقيل له كله ميتاً كما أكلته حياً فيأكله فينضج ويكلح // حديث أبي هريرة من أكل لحم أخيه في الدنيا قرب إليه لحمه في الآخرة فيقال له كله ميتاً كما أكلته حياً الحديث أخرجه ابن مردويه في التفسير مرفوعا وموقوفا وفيه محمد بن إسحاق رواه بالعنعنة وروي مرفوعاً كذلك وروي أن رجلين كانا قاعدين عند باب من أبواب المسجد فمر بهما رجل كان مخنثاً فترك ذلك فقالا لقد بقي فيه منه شيء وأقيمت الصلاة فدخلا فصليا مع الناس فحاك في أنفسهما ما قالا فأتيا عطاء فسألاه فأمرهما أن يعيدا الوضوء والصلاة وأمرهما أن يقضيا الصيام إن كانا صائمين وعن مجاهد أنه قال في ويل لكل همزة لمزة الْهُمَزَةُ الطَّعَّانُ فِي النَّاسِ وَاللُّمَزَةُ الَّذِي يَأْكُلُ لحوم الناس وقال قيادة ذكر لنا أن عذاب القبر ثلاثة أثلاث ثلث من الغيبة وثلث من النميمة وثلث من البول وقال الحسن والله للغيبة أسرع في دين الرجل المؤمن من الأكله في الجسد وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَدْرَكْنَا السَّلَفَ وَهُمْ لَا يَرَوْنَ الْعِبَادَةَ فِي الصَّوْمِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَكِنْ فِي الْكَفِّ عَنْ أَعْرَاضِ النَّاسِ وَقَالَ ابْنُ عباس إذا أَرَدْتَ أَنْ تَذْكُرَ عُيُوبَ صَاحِبِكَ فَاذْكُرْ عُيُوبَكَ وقال أبو هريرة يبصر أحدكم القذى في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عين نفسه وكان الحسن يقول ابن آدم إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تغيب الناس بعيب هو فيك وحتى تبدأ بصلاح ذلك الغيب فتصلحه من فإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصة نفسك وأحب العباد إلى الله من كان هكذا وقال مالك بن دينار مر عيسى ﵇ ومعه الحواريون بجيفة كلب فقال الحواريون ما أنتن ريح هذا الكلب فقال ﵊ ما أشد بياض أسنانه كأنه ﵄ رجلاً يغتاب آخر فقال له إياك والغيبة فإنها إدام كلاب الناس وقال عمر ﵁ عليكم بذكر الله تعالى فإنه شفاء وإياكم وذكر الناس فإنه داء نسأل الله حسن التوفيق لطاعته بَيَانُ مَعْنَى الْغِيبَةِ وَحُدُودِهَا اعْلَمْ أَنَّ حَدَّ الْغِيبَةِ أَنْ تَذْكُرَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُهُ لَوْ بلغه سواه ذَكَرْتَهُ بِنَقْصٍ فِي بَدَنِهِ أَوْ نَسَبِهِ أَوْ فِي خُلُقِهِ أَوْ فِي فِعْلِهِ أَوْ فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي دِينِهِ أَوْ فِي دُنْيَاهُ حَتَّى فِي ثَوْبِهِ وَدَارِهِ وَدَابَّتِهِ أَمَّا الْبَدَنُ فكذكرك الْعَمَشَ وَالْحَوَلَ وَالْقَرَعَ وَالْقِصَرَ وَالطُّولَ وَالسَّوَادَ وَالصُّفْرَةَ وَجَمِيعَ مَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ مِمَّا يَكْرَهُهُ كَيْفَمَا كَانَ وَأَمَّا النَّسَبُ فَبِأَنْ تَقُولَ أبوه نبطي أو هندي أو فاسق أو خسيس أو إسكاف أو زبال أو شيء مما يكرهه كيفما كان وأما الخلق فبأن تقول هو سيء الخلق بخيل متكبر مراء شديد الغضب جبال عاجز ضعيف القلب مُتَهَوِّرٌ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ وَأَمَّا فِي أَفْعَالِهِ المتعلقة بالدين فكقولك هو سارق أو كذاب أو شارب خمر أو خائن أو ظالم أو متهاون بالصلاة أو الزكاة أو لا يحسن الركوع أو السجود أو لا يحترز من النجاسات أو ليس باراً بوالديه أو لا يضع الزكاة موضعها أو لا يحسن قسمها أو لا يحرس صومه عن الرفث والغيبة والتعرض لأعراض الناس وأما فعله المتعلق بالدنيا فكقولك إنه قليل الأدب متهاون بالناس أو لا يرى لأحد

стр. 890

على نفسه حقاً أو يرى لنفسه الحق على الناس أو أنه كثير الكلام كثير الأكل نئوم ينام في غير وقت النوم ويجلس فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَأَمَّا فِي ثَوْبِهِ فَكَقَوْلِكَ إِنَّهُ وَاسِعُ الْكُمِّ طَوِيلُ الذَّيْلِ وَسِخُ الثِّيَابِ وقال قوم لا غيبة في الدين لأنه ذم ما ذمه الله تعالى فذكره بالمعاصي وذمه بها يجوز بدليل ما رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذكرت له امرأة وكثرة صلاحها وصومها ولكنها تؤذي جيرانها بلسانها فقال هي في النار (١) حديث ذكر امرأة أخرى بأنها بخيلة قال فما خيرها إذن أخرجه الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلا ورويناه في أمالي ابن شمعون هكذا (٢) حديث هل تدرون ما الغيبة قالوا الله ورسوله أعلم قال ذكرك أخاك بما يكره الحديث أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة (٣) حديث معاذ ذكر رجل عقد رسول الله ﷺ فقالوا ما أعجزه الحديث أخرجه الطبراني بسند ضعيف (٤) حديث عائشة أنها ذكرت امرأة فقال إنها قصيرة فقال اغتبتيها رواه أحمد وأصله عند أبي داود والترمذي وصححه بلفظ آخر ووقع عند المصنف عن حذيفة عن عائشة وكذا هو في الصمت لابن أبي الدنيا والصواب عن أبي حذيفة كما عند أحمد وأبي داود والترمذي واسم أبي حذيفة سلمة بن صهيب (٥) حديث عائشة قلت لامرأة وإن هذه طويلة الذيل فقال ﷺ الفظي فلفظت بضعة من لحم أخرجه ابن أبي الدنيا وابن مردويه في التفسير وفي إسناده امرأة لا أعرفها // بيان أن الغيبة لا تقتصر على اللسان اعلم أن الذكر باللسان إنما حرم لأن فيه تفهيم الغير نقصان أخيك وتعريفه بما يكرهه فالتعريض بِهِ كَالتَّصْرِيحِ وَالْفِعْلُ فِيهِ كَالْقَوْلِ وَالْإِشَارَةِ وَالْإِيمَاءِ وَالْغَمْزِ وَالْهَمْزِ وَالْكِتَابَةِ وَالْحَرَكَةِ وَكُلُّ مَا يُفْهِمُ الْمَقْصُودَ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْغِيبَةِ وَهُوَ حَرَامٌ فمن ذلك قول عائشة ﵂ دخلت علينا امرأة فلما ولت أومأت بيدي أنها قصيرة فقال ﷺ

стр. 891

اغتبتيها (١) ومن ذلك المحاكاة يمشي متعارجاً أو كما يمشي فهو غيبة بل هو أشد من الغيبة لأنه أعظم في التصوير والتفهيم ولما رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عائشة حاكت امرأة قال ما يسرني أني حاكيت إنساناً ولي كذا وكذا (٢) وكذلك الغيبة بالكتابة فإن القلم أحد اللسانين وذكر المصنف شخصاً معيناً وتهجين كلامه في الكتاب غيبة إلا أن يقترن به شيء من الأعذار المحوجة إلى ذكره كما سيأتي بيانه وأما قوله قال قوم كذا فليس ذلك غيبة وإنما الغيبة التعرض لشخص معين إما حي وإما ميت ومن الغيبة أن تقول بعض من مر بنا اليوم أو بعض من رأيناه إذا كان المخاطب يفهم منه شخصاً معيناً لأن المحذور تفهيمه دون ما به التفهيم فأما إذا لم يفهم عينه جاز كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كره من إنسان شيئاً قال ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا (٣) فكان لا يعين وقولك بعض مَنْ قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ أَوْ بَعْضُ مَنْ يدعي العلم إن كان معه قرينة تفهم عين الشخص فهي غيبة وأخبث أنواع الغيبة غيبة القراء المرائين فإنهم يفهمون المقصود على صيغة أهل الصلاح ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة ويفهمون المقصود ولا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتين الغيبة والرياء وذلك مثل أن يذكر عنده إنسان فيقول الحمد لله الذي لم يبتلنا بالدخول على السلطان والتبذل في طلب الحطام أو يقول نعوذ بالله من قلة الحياء نسأل الله أن يعصمنا منها وإنما قصده أن يفهم عيب الغير فيذكره بصيغة الدعاء وَكَذَلِكَ قَدْ يُقَدِّمُ مَدْحَ مَنْ يُرِيدُ غِيبَتَهُ فيقول ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات ولكن قد اعتراه فتور وابتلي بما يبتلي به كلنا وهو قلة الصبر فَيَذْكُرُ نَفْسَهُ وَمَقْصُودُهُ أَنْ يَذُمَّ غَيْرَهُ فِي ضمن ذلك ويمدح نفسه بالتشبه بالصالحين بأن يذم نفسه فيكون مغتاباً ومرائياً ومزكياً نفسه فيجمع بين ثلاث فواحش وهو بجهله يظن أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة ولذلك يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعبادة من غير علم فإنه يتبعهم ويحبط بمكايده عملهم ويضحك عليهم ويسخر منهم وَمِنْ ذَلِكَ أَنْ يَذْكُرَ عَيْبَ إِنْسَانٍ فَلَا يَتَنَبَّهُ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ فَيَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَعْجَبَ هَذَا حَتَّى يُصْغَى إِلَيْهِ وَيُعْلَمَ ما يقول فيذكر الله تعالى ويستعمل الاسم آلة في تحقيق خبثه وهو يمتن على الله بذكره جهلاً منه وغروراً وَكَذَلِكَ يَقُولُ سَاءَنِي مَا جَرَى عَلَى صَدِيقِنَا من الاستخفاف به نسأل الله أن يروح نفسه فيكون كاذباً في دعوى الاغتمام وفي إظهار الدعاء له بل لو قصد الدعاء لأخفاه في خلوته عقيب صلاته ولو كان يغتم به لاغتم أيضاً بِإِظْهَارِ مَا يَكْرَهُهُ وَكَذَلِكَ يَقُولُ ذَلِكَ الْمِسْكِينُ قَدْ بُلِيَ بِآفَةٍ عَظِيمَةٍ تَابَ اللَّهُ عَلَيْنَا وعليه فهو فِي كُلِّ ذَلِكَ يُظْهِرُ الدُّعَاءَ وَاللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَى خُبْثِ ضَمِيرِهِ وَخَفِيِّ قَصْدِهِ وَهُوَ لِجَهْلِهِ لا يدري أنه قد تعرض لمقت أعظم مما تعرض له الجهال إذا جاهروا وَمِنْ ذَلِكَ الْإِصْغَاءُ إِلَى الْغِيبَةِ عَلَى سَبِيلِ التعجب فإنه إنما تظهر التَّعَجُّبَ لِيَزِيدَ نَشَاطُ الْمُغْتَابِ فِي الْغِيبَةِ فَيَنْدَفِعُ فيها وكأنه يستخرج الغيبة منه بهذا الطريق فيقول عجب ما علمت أنه كذلك ما عرفته إلى الآن إلا بالخير وكنت أَحْسَبُ فِيهِ غَيْرَ هَذَا عَافَانَا اللَّهُ مِنْ بَلَائِهِ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ تَصْدِيقٌ لِلْمُغْتَابِ وَالتَّصْدِيقُ بالغيبة غيبة بل الساكت شريك

стр. 892

المغتاب قال ﷺ المستمع أحد المغتابين (١) وقد روي عن أبي بكر وعمر ﵄ أن أحدهما قال لصاحبه إن فلاناً لنئوم ثم إنهما طلبا أدماً من رسول الله ﷺ ليأكلا به الخبز فقال ﷺ قد ائتدمتما فقالا ما نعلمه قال بلى إنكما أكلتما من لحم أخيكما (٢) فانظر كيف جمعهما وكان القائل أحدهما والآخر مستمعاً وقال للرجلين اللذين قال أحدهما أقعص الرجل كما يقعص الكلب انهشا من هذه الجيفة (٣) فجمع بينهما فالمستمع لا يخرج من إثم الغيبة إِلَّا أَنْ يُنْكِرَ بِلِسَانِهِ أَوْ بِقَلْبِهِ إِنْ خاف وإن قدر على القيام أو قطع الكلام بكلام آخر فلم يفعل لزمه وإن قال بلسانه اسكت وهو مشته لذلك بقلبه فذلك نفاق ولا يخرجه من الإثم ما لم يكرهه بقلبه ولا يكفي في ذلك أن يشير باليد أي اسكت أو يشير بحاجبه وجبينه فإن ذلك استحقار للمذكور بل ينبغي أن يعظم ذلك فيذب عنه صريحاً وقال ﷺ مَنْ أُذِلَّ عِنْدَهُ مُؤْمِنٌ فَلَمْ يَنْصُرْهُ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نَصْرِهِ أَذَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على رؤوس الخلائق (٤) وقال أبو الدرداء قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَرُدَّ عَنْ عِرْضِهِ يوم القيامة (٥) وقال أيضاً من ذب عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ بِالْغَيْبِ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أن يعتقه من النار (٦) وقد ورد في نصرة المسلم في الغيبة وفي فضل ذلك أخبار كثيرة أوردناها في كتاب آداب الصحبة وحقوق المسلمين فلا نطول بإعادتها بيان الأسباب الباعثة على الغيبة اعلم أن البواعث على الغيبة كثيرة ولكن يجمعها أحد عشر سبباً ثمانية منها تطرد في حق العامة وثلاثة تختص بأهل الدين والخاصة أما الثمانية فالأول أن يشفى الغيظ وَذَلِكَ إِذَا جَرَى سَبَبٌ غَضِبَ بِهِ عَلَيْهِ فإنه إذا هاج غضبه يشتفى بذكر مساوية فيسبق اللِّسَانُ إِلَيْهِ بِالطَّبْعِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ دِينٌ وَازِعٌ وَقَدْ يَمْتَنِعُ تَشَفِّي الْغَيْظِ عِنْدَ الغضب فيحتقن الغضب فِي الْبَاطِنِ فَيَصِيرُ حِقْدًا ثَابِتًا فَيَكُونُ سَبَبًا دائماً لذكر المساوي فَالْحِقْدُ وَالْغَضَبُ مِنَ الْبَوَاعِثِ الْعَظِيمَةِ عَلَى الْغِيبَةِ الثاني موافقة الأقران ومجاملة الرُّفَقَاءِ وَمُسَاعَدَتُهُمْ عَلَى الْكَلَامِ فَإِنَّهُمْ إِذَا كَانُوا يَتَفَكَّهُونَ بِذِكْرِ الْأَعْرَاضِ فَيَرَى أَنَّهُ لَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ أَوْ قَطَعَ الْمَجْلِسَ اسْتَثْقَلُوهُ وَنَفَرُوا عَنْهُ فيساعدهم ويرى ذلك من حسن المعاشرة ويظن أنه مجاملة في الصحبة وقد يغضب رفقاؤه فيحتاج إِلَى أَنْ يَغْضَبَ لِغَضَبِهِمْ إِظْهَارًا لِلْمُسَاهَمَةِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ فَيَخُوضُ مَعَهُمْ فِي ذِكْرِ الْعُيُوبِ والمساوي الثالث أن يستشعر من إنسان أنه سيقصده ويطول لسانه عليه أو يقبح حاله عند محتشم أو يشهد عليه بشهادة

стр. 893

فيبادره قبل أن يقبح هو حاله ويطعن فيه ليسقط أثر شهادته أو يبتديء بذكر ما فيه صادقاً ليكذب عليه بعده فيروج كذبه بالصدق الأول ويستشهد ويقول ما من عادتي الكذب فإني أخبرتكم بكذا وكذا من أحواله فكان كما قلت الرابع أن ينسب إلى شيء فيريد أن يتبرأ منه فيذكر الذي فعله وكان من حقه أن يبريءنفسه ولا يذكر الذي فعل فلا ينسب غيره إليه أو يذكر غيره بأنه كان مشاركاً له في الفعل ليمهد بذلك عذر نفسه في فعله الخامس إِرَادَةُ التَّصَنُّعِ وَالْمُبَاهَاةِ وَهُوَ أَنْ يَرْفَعَ نَفْسَهُ بتنقيص غيره فيقول فلان جاهل وفهمه ركيك وكلامه ضعيف وغرضه أن يثبت في ضمن ذلك فضل نفسه ويريهم أنه أعلم منه أو يحذر أن يعظم مثل تعظيمه فيقدح فيه لذلك السادس الحسد وهو أنه ربما يَحْسُدُ مَنْ يُثْنِي النَّاسُ عَلَيْهِ وَيُحِبُّونَهُ وَيُكْرِمُونَهُ فَيُرِيدُ زَوَالَ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنْهُ فَلَا يَجِدُ سبيلاً إليه إلا بالقدح فيه فيريد أن يسقط ماء وجهه عند الناس حتى يكفوا عن كرامته والثناء عليه لأنه يثقل عليه أن يسمع كلام الناس وثناءهم عليه وإكرامهم له وهذا هو عين الحسد وهو غير الغضب والحقد فإن ذلك يستدعي جناية من المغضوب عليه والحسد قد يكون مع الصديق المحسن والرفيق الموافق السابع اللعب والهزل والمطايبة وَتَزْجِيَةُ الْوَقْتِ بِالضَّحِكِ فَيَذْكُرُ عُيُوبَ غَيْرِهِ بِمَا يضحك الناس على سبيل المحاكاة ومنشؤه التكبر والعجب الثامن السخرية والاستهزاء استحقاراً له فإن ذلك قد يجري في الحضور ويجري أيضاً في الغيبة ومنشؤه التكبر واستصغار المستهزأ به وأما الأسباب الثلاثة التي هي في الخاصة فهي أغمضها وأدقها لأنها شرور خبأها الشيطان في معرض الخيرات وفيها خير ولكن شاب الشيطان بها الشر الأول أن تنبعث من الدين داعية التعجب في إنكار المنكر والخطأ في الدين فيقول ما أعجب ما رأيت من فلان فإنه قد يكون به صادقاً ويكون تعجبه من المنكر ولكن كان حقه أن يتعجب ولا يذكر اسمه فيسهل الشيطان عليه ذكر اسمه في إظهار تعجبه فصار به مغتاباً وآثماً من حيث لا يدري ومن ذلك قول الرجل تعجبت من فلان كيف يحب جاريته وهي قبيحة وكيف يجلس بين يدي فلان وهو جاهل الثاني الرحمة وهو أن يغتم بسبب ما يبتلي به فيقول مسكين فلان قد غمني أمره وما ابتلي به فيكون صادقاً في دعوى الاغتمام ويلهيه الغم عن الحذر من ذكر اسمه فيذكره فيصير به مغتاباً فيكون غمه ورحمته خيراً وكذا تعجبه ولكن ساقه الشيطان إلى شر من حيث لا يدري والترحم والاغتمام ممكن دون ذكر اسمه فيهيجه الشيطان على ذكر اسمه ليبطل به ثواب اغتمامه وترحمه الثالث الغضب لله تعالى فإنه قد يغضب على منكر قارفه إنسان إذا رآه أو سمعه فيظهر غضبه ويذكر اسمه وكان الواجب أن يظهر غضبه عليه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يظهره على غيره أو يستر اسمه ولا يذكره بالسوء فهذه الثلاثة مما يغمض دركها على العلماء فضلاً عن العوام فإنهم يظنون أن التعجب والرحمة والغضب إذا كان لله تعالى كان عذراً في ذكر الاسم وهو خطأ بل المرخص في الغيبة حاجات مخصوصة لا مندوحة فيها عن ذكر الاسم كما سيأتي ذكره روي عن عامر بن واثلة أن رجلاً مر على قوم في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 894

فسلم عليهم فردوا ﵇ فلما جاوزهم قال رجل منهم إني لأبغض هذا في الله تعالى فقال أهل المجلس لبئس ما قلت والله لننبئنه ثم قالوا يا فلان لرجل منهم قم فأدركه وأخبره بما قال فأدركه رسولهم فأخبره فأتى الرجل رسول الله ﷺ وحكى له ما قال وسأله أن يدعوه له فدعاه وسأله فقال قد قلت ذلك فقال ﷺ لم تبغضه فقال أنا جاره وأنا به خابر والله ما رأيته يصلي صلاة قط إلا هذه المكتوبة قال فاسأله يا رسول الله هل رآني أخرتها عن وقتها أو أسأت الوضوء لها أو الركوع أو السجود فيها فسأله فقال لا فقال والله ما رأيته يصوم شهراً قط إلا هذا الشهر الذي يصومه البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني قط أفطرت فيه أو نقصت من حقه شيئاً فسأله عنه فقال لا فقال والله ما رأيته يعطي سائلاً ولا مسكيناً قط ولا رأيته ينفق شيئاً من ماله في سبيل الله إلا هذه الزكاة التي يؤديها البر والفاجر قال فاسأله يا رسول الله هل رآني نقصت منها أو ماكست فيها طالبها الذي يسألها فسأله فقال لا فقال ﷺ للرجل قم فلعله خير منك (١) بيان العلاج الذي يمنع اللسان عن الغيبة اعلم أن مساويء الْأَخْلَاقِ كُلَّهَا إِنَّمَا تُعَالَجُ بِمَعْجُونِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وإنما علاج كل علة بمضادة سببها فلنفحص عن سببها وعلاج كف اللسان عن الغيبة على وجهين أحدهما على الجملة والآخر على التفصيل أما على الجملة فهو أن يعلم تعرضه لسخط الله تعالى بغيبته بهذه الأخبار التي رويناها وأن يعلم أنها محبطة لحسناته يوم القيامة فإنها تنقل حسناته يوم القيامة إلى من اغتابه بدلاً عما استباحه من عرضه فإن لم تكن له حسنات نقل إليه من سيئات خصمه وهو مع ذلك متعرض لمقت الله ومشبه عنده بآكل الميتة بل العبد يدخل النار بأن تترجح كفة سيئاته على كفة حسناته وربما تنقل إليه سيئة واحدة ممن اغتابه فيحصل بها الرجحان ويدخل بها النار وإنما أقل الدرجات أن تنقص من ثواب أعماله وذلك بعد المخاصمة والمطالبة والسؤال والجواب والحساب قال ﷺ ما النار في اليبس بأسرع من الغيبة في حسنات العبد (٢) وروي أن رجلاً قال للحسن بلغني أنك تغتابني فقال ما بلغ من قدرك عندي أني أحكمك في حسناتي فهما آمَنَ الْعَبْدُ بِمَا وَرَدَ مِنَ الْأَخْبَارِ فِي الْغِيبَةِ لَمْ يُطْلِقْ لِسَانَهُ بِهَا خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ وَيَنْفَعُهُ أَيْضًا أَنْ يَتَدَبَّرَ فِي نَفْسِهِ فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا عَيْبًا اشْتَغَلَ بِعَيْبِ نَفْسِهِ وَذَكَرَ قَوْلَهُ ﷺ طُوبَى لِمَنْ شَغَلَهُ عَيْبُهُ عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ (٣) وَمَهْمَا وَجَدَ عَيْبًا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَحِيَ مِنْ أَنْ يَتْرُكَ ذَمَّ نَفْسِهِ وَيَذُمَّ غَيْرَهُ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَقَّقَ أَنَّ عَجْزَ غَيْرِهِ عَنْ نَفْسِهِ فِي التَّنَزُّهِ عَنْ ذَلِكَ الْعَيْبِ كَعَجْزِهِ وَهَذَا إِنْ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا يَتَعَلَّقُ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا خِلْقِيًّا فَالذَّمُّ لَهُ ذَمٌّ لِلْخَالِقِ فَإِنَّ مَنْ ذَمَّ صَنْعَةً فَقَدْ ذَمَّ صانعها قال رجل لحكيم يا قبيح الوجه قال ما كان خلق وجهي إلي فأحسنه وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْعَبْدُ عَيْبًا فِي نَفْسِهِ فَلْيَشْكُرِ اللَّهَ تَعَالَى وَلَا يُلَوِّثَنَّ نَفْسَهُ بِأَعْظَمِ الْعُيُوبِ فَإِنَّ ثَلْبَ النَّاسِ وَأَكْلَ لَحْمِ الْمَيْتَةِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُيُوبِ بَلْ لَوْ أَنْصَفَ لَعَلِمَ أَنَّ ظَنَّهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ عيب جهل بنفسه وهو من أعظم العيوب وينفعه أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ تَأَلُّمَ غَيْرِهِ بِغِيبَتِهِ كَتَأَلُّمِهِ بِغِيبَةِ غَيْرِهِ لَهُ فَإِذَا كَانَ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ أَنْ يُغْتَابَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَرْضَى لغيره ما لا يرضاه لنفسه فهذه معالجات جملية

стр. 895

أما التفصيل فهو أن ينظر في السبب الباعث له على الغيبة فإن علاج العلة بقطع سببها وقد قدمنا الأسباب أما الغضب فيعالجه بما سيأتي في كتاب آفات الغضب وهو أن يقول إني إذا أمضيت غضبي عليه فلعل الله تعالى يمضي غضبه علي بسبب الغيبة إذ نهاني عنها فاجترأت على نهيه واستخففت بزجره وقد قال ﷺ إن لجهنم باباً لا يدخل منه إلا من شفى غيظه بمعصية اللَّهُ تَعَالَى (١) وَقَالَ ﷺ من اتقى ربه كل لسانه ولم يشف غيظه (٢) وقال ﷺ من كظم غيظاً وهو يقدر على أن يمضيه دعاه الله تعالى يوم القيامة على رءوس الخلائق حتى يخيره في أي الحور شاء (٣) وفي بعض الكتب المنزلة على بعض النبيين يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق وأما الموافقة فبأن تعلم أن الله تعالى يغضب عليك إذا طلبت سخطه في رضا المخلوقين فكيف ترضى لنفسك أن توقر غيرك وتحقر مولاك فتترك رضاه لرضاهم إلا أن يكون غضبك لله تعالى وذلك لا يوجب أن نذكر المغضوب عليه بسوء بل ينبغي أن تغضب لله أيضاً على رفقائك إذا ذكروه بالسوء فإنهم عصوا ربك بأفحش الذنوب وهي الغيبة وأما تنزيه النفس بنسبة الغير إلى الخيانة حيث يستغنى عن ذكر الغير فتعالجه بأن تعرف أن التعرض لمقت الخالق أشد من التعرض لمقت المخلوقين وأنت بالغيبة متعرض لسخط الله يقيناً ولا تدري أنك تتخلص من سخط الناس أم لا فتخلص نفسك في الدنيا بالتوهم وتهلك في الآخرة وتخسر حسناتك بالحقيقة ويحصل لك ذم الله تعالى نقداً وتنتظر دفع ذم الخلق نسيئة وهذا غاية الجهل والخذلان وأما عذرك كقولك إن أكلت الحرام ففلان يأكله وإن قبلت مال السلطان ففلان يقبله فهذا جهل لأنك تعتذر بالاقتداء بمن لا يجوز الاقتداء به فإن من خالف أمر الله تعالى لا يقتدى به كائناً من كان ولو دخل غيرك النار وأنت تقدر على أن لا تدخلها لم توافقه ولو وافقته لسفه عقلك ففيما ذكرته غيبة وزيادة معصية أضفتها إلى ما اعتذرت عنه وسجلت مع الجمع بين المعصيتين على جهلك وعباوتك وكنت كالشاة تنظر إلى المعزى تردى نفسها من قلة الجبل فهي أيضاً تردى نفسها ولو كان لها لسان ناطق بالعذر وصرخت بالعذر وقالت العنز أكيس مني وقد أهلكت نفسها فكذلك أنا أفعل لكنت تضحك من جهلها وحالك مثل حالها ثم لا تعجب ولا تضحك من نفسك وأما قصدك المباهاة وتزكية النفس بزيادة الفضل بأن تقدح في غيرك فينبغي أن تعلم أنك بما ذكرته به أبطلت فضلك عند الله وأنت من اعتقاد الناس فضلك على خطر وربما نقص اعتقادهم فيك إذا عرفوك بثلب الناس فتكون قد بعت ما عند الخالق يقيناً بما عند المخلوقين وهما ولو حصل لك من المخلوقين اعتقاد الفضل لكانوا لا يغنون عنك من الله شيئاً وأما الغيبة لأجل الحسد فهو جمع بين عذابين لأنك حسدته على نعمة الدنيا وكنت في الدنيا معذباً بالحسد فما قنعت بذلك حتى أضفت إليه عذاب الآخرة فكنت خاسراً نفسك في الدنيا فصرت أيضاً خاسراً في الآخرة

стр. 896

لتجمع بين النكالين فقد قصدت محسودك فأصبت نفسك وأهديت إليه حسناتك فإذا أنت صديقه وعدو نفسك إذ لا تضره غيبتك وتضرك وتنفعه إذ تنقل إليه حسناتك أو تنقل إليك سيئاته ولا تنفعك وقد جمعت إلى خبث الحسد جهل الحماقة وربما يكون حسدك وقدحك سبب انتشار فضل محسودك كما قيل وإذا أراد الله نشر فضيله ... طويت أتاح لها لسان حسود وأما الاستهزاء فمقصودك منه إخزاء غيرك عند الناس بإخزاء نفسك عند الله تعالى وعند الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام فلو تفكرت في حسرتك وجنايتك وخجلتك وخزيك يوم القيامة يوم تحمل سيئات من استهزأت به وتساق إلى النار لأدهشك ذلك عن إخزاء صاحبك ولو عرفت حالك لكنت أولى أن تضحك منك فإنك سخرت به عند نفر قليل وعرضت نفسك لأن يأخذ يوم القيامة بيدك على ملأ من الناس ويسوقك تحت سيئاته كما يساق الحمار إلى النار مستهزئاً بك وفرحاً بخزيك ومسروراً بنصرة الله تعالى إياه عليك وتسلطه على الانتقام منك وأما الرحمة له على إثمه فهو حسن ولكن حسدك إبليس فأضلك واستنطقك بما ينقل من حسناتك إليه ما هو أكثر من رحمتك فيكون جبرا لإثم المرحوم فيخرج عن كونه مرحوما وتنقلب أنت مستحقاً لأن تكون مرحوماً إذ حبط أجرك ونقصت من حسناتك وكذلك الغضب لله تعالى لا يوجد الغيبة وإنما الشيطان حبب إليك الغيبة ليحبط أجر غضبك وتصير معرضاً لمقت الله بالغيبة وأما التعجب إذا أخرجك إلى الغيبة فتعجب من نفسك أنت كيف أهلكت نفسك ودينك بدين غيرك أو بدنياه وأنت مع ذلك لا تأمن عقوبة الدنيا وهو أن يهتك الله سترك كما هتكت بالتعجب ستر أخيك فإذن علاج جميع ذلك المعرفة فقط والتحقق بهذه الأمور التي هي من أبواب الإيمان فمن قوي إيمانه بجميع ذلك انكف لسانه عن الغيبة لا محالة بيان تحريم الغيبة بالقلب اعْلَمْ أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ حَرَامٌ مِثْلُ سُوءِ الْقَوْلِ فَكَمَا يَحْرُمُ عَلَيْكَ أَنْ تُحَدِّثَ غَيْرَكَ بلسانك بمساويءالغير فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تُحَدِّثَ نَفْسَكَ وَتُسِيءَ الظَّنَّ بِأَخِيكَ وَلَسْتُ أَعْنِي بِهِ إِلَّا عَقْدَ الْقَلْبِ وحكمه على غيره بالسوء فَأَمَّا الْخَوَاطِرُ وَحَدِيثُ النَّفْسِ فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بل الشك أيضاً مَعْفُوٌّ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ أَنْ يَظُنَّ وَالظَّنُّ عِبَارَةٌ عَمَّا تَرْكَنُ إِلَيْهِ النَّفْسُ وَيَمِيلُ إليه القلب فقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثم وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ أَنَّ أَسْرَارَ الْقُلُوبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا عَلَّامُ الْغُيُوبِ فَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَعْتَقِدَ فِي غَيْرِكَ سُوءًا إِلَّا إِذَا انْكَشَفَ لَكَ بعيان لا يقبل التأويل فعند ذلك لا يمكنك إلا أن تعتقد ما علمته وشاهدته وما لم تشاهده بعينك ولم تسمعه بأذنك ثم وقع في قلبك فَإِنَّمَا الشَّيْطَانُ يُلْقِيهِ إِلَيْكَ فَيَنْبَغِي أَنْ تُكَذِّبَهُ فَإِنَّهُ أَفْسَقُ الْفُسَّاقِ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فلا يجوز تصديق إبليس وإن كان ثم مخيلة تدل على فساد واحتمل خلافه لم يجز أن تصدق به لأن الفاسق يتصور أن بصدق في خيره ولكن لا يجوز لك أن تصدق به حتى إن من استنكه فوجد منه رائحة الخمر لا يجوز أن يحد إذ يقال يمكن أن يكون قد تمضمض بالخمر ومجها وما شربها أو حمل عليه قهراً فكل ذلك لا محالة دلالة محتملة فلا يجوز تصديقها بالقلب

стр. 897

وإساءة الظن بالمسلم بها وقد قَالَ ﷺ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الْمُسْلِمِ دَمَهُ وَمَالَهُ وَأَنْ يُظَنَّ به ظن السوء (١) فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال وهو نفس مشاهدته أو بينة عادلة فإذا لم يكن كذلك وخطر لَكَ وَسْوَاسُ سُوءِ الظَّنِّ فَيَنْبَغِي أَنْ تَدْفَعَهُ عَنْ نَفْسِكَ وَتُقَرِّرَ عَلَيْهَا أَنَّ حَالَهُ عِنْدَكَ مَسْتُورٌ كَمَا كَانَ وَأَنَّ مَا رَأَيْتَهُ مِنْهُ يَحْتَمِلُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ فَإِنْ قُلْتَ فَبِمَاذَا يُعْرَفُ عقد الظن والشكوك تختلج والنفس تحدث فتقول أمارة عقد سوء الظَّنِّ أَنْ يَتَغَيَّرَ الْقَلْبُ مَعَهُ عَمَّا كَانَ فَيَنْفِرَ عَنْهُ نُفُورًا مَا وَيَسْتَثْقِلَهُ وَيَفْتُرَ عَنْ مراعاته وتفقده وإكرامه والاغتمام بسببه فهذه أمارات عقد الظن وتحقيقه وقد قال ﷺ ثلاث في المؤمن وله منهن مخرج فمخرجه من سوء الظن أن لا يحققه (٢) أي لا يحققه فِي نَفْسِهِ بِعَقْدٍ وَلَا فِعْلٍ لَا فِي القلب ولا في الجوارح أما في القلب فبتغيره إلى النفرة والكراهة وأما في الجوارح فبالعمل بموجبه والشيطان قد يقرر على القلب بأدنى مخيلة مساءة الناس ويلقي إليه أن هذا من فطنتك وسرعة فهمك وَذَكَائِكَ وَأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ عَلَى التَّحْقِيقِ نَاظِرٌ بِغُرُورِ الشَّيْطَانِ وَظُلْمَتِهِ وأما إذا أخبرك به عدل فمال ظنك إلى تصديقه كنت معذورا لأنك لو كذبته لكنت جانياً على هذا العدل إذ ظننت به الكذب وذلك أيضاً من سوء الظن فلا ينبغي أن تحسن الظن بواحد وتسيء بالآخر نعم ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة ومحاسدة وتعنت فتتطرق التهمة بسببه فقد رد الشرع شهادة الأب العدل للولد للتهمة ورد شهادة العدو (٣) فلك عند ذلك أن تتوقف وإن كان عدلاً فلا تصدقه ولا تكذبه ولكن تقول في نفسك المذكور حاله كان عندي في ستر الله تعالى وكان أمره محجوباً عني وقد بقي كما كان لم ينكشف لي شيء من أمره وقد يكون الرجل ظاهره العدالة ولا محاسدة بينه وبين المذكور ولكن قد يكون من عادته التعرض للناس وذكر مساويهم فهذا قد يظن أنه عدل وليس بعدل فإن المغتاب فاسق وإن كان ذلك من عادته ردت شهادته إلا أن الناس لكثرة الاعتياد تساهلوا في أمر الغيبة ولم يكترثوا بتناول أعراض الخلق ومهما خطر لك خاطر بسوء على مسلم فينبغي أن تزيد في مراعاته وتدعو له بالخير فإن ذلك يغيظ الشيطان ويدفعه عنك فلا يلقى إليك الخاطر السوء خيفة من اشتغالك بالدعاء والمراعاة وَمَهْمَا عَرَفْتَ هَفْوَةَ مُسْلِمٍ بِحُجَّةٍ فَانْصَحْهُ فِي السِّرِّ وَلَا يَخْدَعَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَيَدْعُوَكَ إِلَى اغْتِيَابِهِ وإذا وعظته فلا تعظه وأنت مسرور باطلاعك على نقصه لينظر إليك بعين التعظيم وتنظر إليه بعين الاستحقار وتترفع عليه بإيذاء الوعظ وليكن قصدك تخليصه من الإثم وأنت حزين كما تحزن على نفسك إذا دخل عليلا نقصان في دينك وينبغي أن يكون تركه لذلك من غير نصحك أحب إليك من تركه بالنصيحة فإذا أنت فعلت ذلك كنت قد جمعت بين أجر الوعظ وأجر الغم بمصيبته وأجر الإعانة له على دينه

стр. 898

وَمِنْ ثَمَرَاتِ سُوءِ الظَّنِّ التَّجَسُّسُ فَإِنَّ الْقَلْبَ لَا يَقْنَعُ بِالظَّنِّ وَيَطْلُبُ التَّحْقِيقَ فَيَشْتَغِلُ بِالتَّجَسُّسِ وَهُوَ أَيْضًا مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ولا تجسسوا فَالْغِيبَةُ وَسُوءُ الظَّنِّ وَالتَّجَسُّسُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي آيَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَعْنَى التَّجَسُّسِ أَنْ لَا يَتْرُكَ عِبَادَ اللَّهِ تَحْتَ سِتْرِ اللَّهِ فَيَتَوَصَّلُ إِلَى الِاطِّلَاعِ وَهَتْكِ السِّتْرِ حَتَّى يَنْكَشِفَ لَهُ مَا لَوْ كَانَ مَسْتُورًا عَنْهُ كَانَ أَسْلَمَ لِقَلْبِهِ ودينه وقد ذكرنا فِي كِتَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ حُكْمُ التَّجَسُّسِ وَحَقِيقَتُهُ بيان الأعذار المرخصة في الغيبة اعلم أن المرخص في ذكر مساوي الغير هو غرض صحيح في الشرع لا يمكن التوصل إليه إلا به فيدفع ذلك إثم الغيبة وهي ستة أمور الأول التظلم فإن من ذكر قاضياً بالظلم والخيانة وأخذ الرشوة كان مغتاباً عاصياً إن لم يكن مظلوماً أما المظلوم من جهة القاضي فله أن يتظلم إلى السلطان وينسبه إلى الظلم إذ لا يمكنه استيفاء حقه إلا به قَالَ ﷺ إِنَّ لِصَاحِبِ الحق مقالاً (١) وقال ﵇ مطل الغنى ظلم (٢) وقال ﵇ لي الواجد يحل عقوبته وعرضه (٣) الثاني الِاسْتِعَانَةُ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ وَرَدِّ الْعَاصِي إِلَى منهج الصلاح كما روي أن عمر ﵁ مر على عثمان وقيل على طلحة ﵁ فسلم عليه فلم يرد السلام فذهب إلى أبي بكر ﵁ فذكر له ذلك فجاء أبو بكر إليه ليصلح ذلك ولم يكن ذلك غيبة عندهم وكذلك لما بلغ عمر ﵁ أن أبا جندل قد عاقر الخمر بالشام كتب إليه بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب الآية فتاب ولم ير ذلك عمر ممن أبلغه غيبة إذ كان قصده أن ينكر عليه ذلك فينفعه نصحه ما لا ينفعه نصح غيره وإنما إباحة هذا بالقصد الصحيح فإن لم يكن ذلك هو المقصود كان حراماً الثالث الِاسْتِفْتَاءُ كَمَا يَقُولُ لِلْمُفْتِي ظَلَمَنِي أَبِي أَوْ زوجتي أو أخي فكيف طريقي في الخلاص والأسلم التعريض بأن يقول ما قولك في رجل ظلمه أبوه أو أخوه أو زوجته ولكن التعيين مباح بهذا القدر لِمَا رُوِيَ عَنْ هند بنت عتبة أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ إِنَّ أبا سفيان رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مَا يكفيني أنا وَوَلَدِي أَفَآخُذُ مِنْ غَيْرِ عِلْمِهِ فَقَالَ خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ (٤) فَذَكَرَتِ الشُّحَّ وَالظُّلْمَ لها ولولدها ولم يزجرها ﷺ إذ كان قصدها الاستفتاء الرابع تحذير المسلم من الشر فإذا رأيت فقيهاً يتردد إلى مبتدع أو فاسق وخفت أن تتعدى إليه بدعته وفسقه فلك أن تكشف له بدعته وفسقه مهما كان الباعث لك الخوف عليه من سراية البدعة والفسق لا غيره وذلك موضع الغرور إذ قد يكون الحسد هو الباعث ويلبس الشيطان ذلك بإظهار الشفقة على الخلق وكذلك من اشترى مملوكاً وقد عرفت المملوك بالسرقة أو بالفسق أو بعيب آخر فلك أن تذكر ذلك فإن سكوتك ضرر المشترى وفي ذكرك ضرر العبد والمشترى أولى بمراعاة جانبه وكذلك المزكي إذا سئل عن الشاهد فله الطعن فيه إن علم مطعناً وَكَذَلِكَ الْمُسْتَشَارُ فِي التَّزْوِيجِ وَإِيدَاعِ الْأَمَانَةِ لَهُ أَنْ يَذْكُرَ مَا يَعْرِفُهُ عَلَى قَصْدِ النُّصْحِ للمستشير لا على قصد

стр. 899

الوقيعة فإن علم أنه يترك التزويج بمجرد قوله لا تصلح لك فهو الواجب وفيه الكفاية وإن علم أنه لا ينزجر إلا بالتصريح بعيبه فله أن يصرح به إذ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أترعوون عن ذكر الفاجر اهتكوه حتى يعرفه الناس اذكروه بما فيه حتى يحذره الناس (١) وكانوا يقولون ثلاثة لا غيبة لهم الإمام الجائر والمبتدع والمجاهر بفسقه الخامس أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ مَعْرُوفًا بِلَقَبٍ يُعْرِبُ عَنْ عيبه كالأعرج والأعمش فلا إثم على من يقول روى أبو الزناد عن الأعرج وسلمان عن الأعمش وما يجري مجراه فقد فعل العلماء ذلك لِضَرُورَةِ التَّعْرِيفِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ صَارَ بِحَيْثُ لَا يَكْرَهُهُ صَاحِبُهُ لَوْ عَلِمَهُ بَعْدَ أَنْ قَدْ صَارَ مَشْهُورًا بِهِ نَعَمْ إِنْ وَجَدَ عَنْهُ مَعْدَلًا وَأَمْكَنَهُ التَّعْرِيفُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى فَهُوَ أَوْلَى وَلِذَلِكَ يُقَالُ لِلْأَعْمَى الْبَصِيرُ عُدُولًا عَنِ اسم النقص السادس أن يكون مجاهراً بالفسق كالمخنث وصاحب الماخور والمجاهر بشرب الخمر ومصادرة الناس وكان ممن يتظاهر به بحيث لا يستنكف من أن يذكر له ولا يكره أن يذكر به فإذا ذكرت فيه ما يتظاهر به فلا إثم عليك قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من ألقى جلباب الحياء عن وجهه فلا غيبة له (٢) وقال عمر ﵁ ليس لفاجر حرمة وأراد به المجاهر بفسقه دون المستتر إذا المستتر لا بد من مراعاة حرمته وقال الصلت بن طريف قلت للحسن الرجل الفاسق المعلن بفجوره ذكرى له بما فيه غيبة له قال لا ولا كرامة وقال الحسن ثلاثة لا غيبة لهم صاحب الهوى والفاسق المعلن بفسقه والإمام الجائر فهؤلاء الثلاثة يجمعهم أنهم يتظاهرون به وربما يتفاخرون به فكيف يكرهون ذلك وهم يقصدون إظهاره نعم لو ذكره بغير ما يتظاهر به إثم وقال عوف دخلت على ابن سيرين فتناولت عنده الحجاج فقال إن الله حكم عدل ينتقم للحجاج ممن اغتابه كما ينتقم من الحجاج لمن ظلمه وإنك إذا لقيت الله تعالى غداً كان أصغر ذنب أصبته أشد عليك من أعظم ذنب أصابه الحجاج بَيَانُ كَفَّارَةِ الْغِيبَةِ اعْلَمْ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُغْتَابِ أَنْ يَنْدَمَ وَيَتُوبَ وَيَتَأَسَّفَ عَلَى مَا فعله ليخرج به مِنْ حَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ثُمَّ يَسْتَحِلُّ الْمُغْتَابَ ليحله فيخرج من مظلمته وينبغي أن يستحله وهو حزين متأسف نادم على فعله إذ المرائي قد يستحل ليظهر من نفسه الورع وفي الباطن لا يكون نادماً فيكون قد قارف معصية أخرى وقال الحسن يكفيه الاستغفار دون الاستحلال وربما استدل في ذلك بما روى أنس بن مالك قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كفارة من اغتبته أن تستغفر له (٣) وقال مجاهد كفارة أكلك لحم أخيك أن تثني عليه وتدعو له بخير وسئل عطاء بن أبي رباح عن التوبة من الغيبة قال أن تمشي إلى صاحبك فتقول له كذبت فيما قلت وظلمتك وأسأت فإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت وهذا هو الأصح وقول القائل العرض لا عوض له فلا يجب الاستحلال منه بخلاف المال كلام ضعيف إذ قد وجب في العرض حد القذف وتثبت المطالبة به بل في الحديث الصحيح ما روي أنه ﷺ قال من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال فليستحللها منه من قبل أن يأتي يوم ليس هناك دينار

стр. 900

ولا درهم إنما يؤخذ من حسناته فإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فزيدت على سيئاته (١) وقالت عائشة ﵂ لامرأة قالت لأخرى أنها طويلة الذيل قد اغتبتيها فاستحليها فإذن لا بد من الاستحلال إن قدر عليه فإن كان غائباً أو ميتاً فينبغي أن يكثر له الاستغفار والدعاء ويكثر من الحسنات فإن قلت فالتحليل هل يجب فأقول لا لأنه تبرع والتبرع فضل وليس بواجب ولكنه مستحسن وسبيل المعتذر أن يبالغ في الثناء عليه والتودد إليه ويلازم ذلك حتى يطيب قلبه فإن لم يطب قلبه كان اعتذاره وتودده حسنة محسوبة له يقابل بها سيئة الغيبة في القيامة وكان بعض السلف لا يحلل قال سعيد بن المسيب لا أحلل من ظلمني وقال ابن سيرين إني لم أحرمها عليه فأحللها له إن الله حرم الغيبة عليه وما كنت لأحلل ما حرم الله أبداً فإن قلت فما معنى قول النبي ﷺ ينبغي أن يستحلها وتحليل ما حرمه الله تعالى غير ممكن فنقول المراد به العفو عن المظلمة لا أن ينقلب الحرام حلالاً وما قاله ابن سيرين حسن في التحليل قبل الغيبة فإنه لا يجوز له أن يحلل لغيره الغيبة فإن قلت فما معنى قول النبي ﷺ أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكُونَ كأبي ضمضم كَانَ إِذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي قد تصدقت بعرضي على الناس (٢) حديث نزول ﴿خذ العفو﴾ الآية فقال يا جبريل ﴿ما هذا﴾ فقال إن الله يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ وَتَصِلَ مَنْ قطعك وتعطي من حرمك تقدم في رياضة النفس // وروي عن الحسن أن رجلاً قال له إن فلانا قد اغتابك فعبث إليه رطباً على طبق وقال قد بلغني أنك أهديت إلي من حسناتك فأردت أن أكافئك عليها فاعذرني فإني لا أقدر أن أكافئك على التمام الْآفَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ النَّمِيمَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿هماز مشاء بنميم﴾ ثم قال ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ قال عبد الله بن المبارك الزنيم ولد الزنا الذي لا يكتم الحديث وأشار به إلى أن كل من لم يكتم الحديث ومشى بالنميمة دل على أنه ولد زنا استنباطاً من قوله ﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ والزنيم هو الدعى وقال تعالى ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ قيل الهمزة النمام

стр. 901

وقال تعالى ﴿حمالة الحطب﴾ قِيلَ إِنَّهَا كَانَتْ نَمَّامَةً حَمَّالَةً لِلْحَدِيثِ وَقَالَ تعالى ﴿فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً﴾ قيل كانت امرأة لوط تخبر بالضيفان وامرأة نوح تخبر أنه مجنون وَقَدْ قَالَ ﷺ لَا يدخل الجنة نمام (١) وفي حديث آخر لا يدخل الجنة قتات والقتات هو النمام وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَحَبُّكُمْ إِلَى اللَّهِ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الإخوان الملتمسون للبرءاء العثرات (٢) وقال ﷺ إلا أخبركم بشراركم قالوا بلى قال المشاءون بالنميمة المفسدون بين الأحبة الباغون للبرءاء العيب (٣) وقال أبو ذر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من أشاع على مسلم كلمة ليشينه بها بغير حق شانه الله بها في النار يوم القيامة (٤) وقال أبو الدرداء قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أيما رجل أشاع على رجل كلمة وهو منها بريءليشينه بها في الدنيا كان حقاً على الله أن يذيبه بها يوم القيامة في النار (٥) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من شهد على مسلم بشهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار (٦) ويقال إن ثلث عذاب القبر من النميمة وعن ابن عمر عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ الله لما خلق الجنة قال لها تكلمي فقالت سعد من دخلني فقال الجبار ﷻ وعزتي وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس لا يسكنك مدمن خمر ولا مصر على الزنا ولا قتات وهو النمام ولا ديوث ولا شرطي ولا مخنث ولا قاطع رحم ولا الذي يقول على عهد الله إن لم أفعل كذا وكذا ثم لم يف به (٧) وروى كعب الأحبار أن بني إسرائيل أصابهم قحط فاستسقى موسى ﵇ مرات فما سقوا فأوحى الله تعالى إليه إني لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمام قد أصر على النميمة فقال موسى يارب من هو دلني عليه حتى أخرجه من بيننا قال يا موسى أنهاكم عن النميمة وأكون نماماً فتابوا جميعاً فسقوا ويقال اتبع رجل حكيماً سبعمائة فرسخ في سبع كلمات فلما قدم عليه قال إني جئتك للذي آتاك الله تعالى من العلم أخبرني عن السماء وما أثقل منها وعن الأرض وما أوسع منها وعن الصخر وما أقسى منه وعن النار وما أحر منها وعن الزمهرير وما أبرد منه وعن البحر وما أغنى منه وعن اليتيم وما أذل منه فقال له الحكيم البهتان على البريء أثقل من السموات والحق أوسع من الأرض والقلب القانع أغنى من البحر والحرص والحسد أحر من النار والحاجة

стр. 902

إلى القريب إذا لم تنجح أبرد من الزمهرير وقلب الكافر أقسى من الحجر والنمام إذا بان أمره أذل من اليتيم بيان حد النميمة وما يجب في ردها اعلم أن اسم النميمة إنما يطلق في الأكثر على من ينم قول الغير إلى المقول فيه كما تقول فلان كان يتكلم فيك بكذا وكذا وليست النميمة مختصة به بل حدها كَشْفُ مَا يُكْرَهُ كَشْفُهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ كَرِهَهُ ثَالِثٌ وسواء كان الكشف بالقول أبو بِالْكِتَابَةِ أَوْ بِالرَّمْزِ أَوْ بِالْإِيمَاءِ وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ مِنَ الْأَعْمَالِ أَوْ مِنَ الْأَقْوَالِ وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ عَيْبًا وَنَقْصًا فِي الْمَنْقُولِ عَنْهُ أَوْ لَمْ يَكُنْ بَلْ حَقِيقَةُ النَّمِيمَةِ إِفْشَاءُ السِّرِّ وَهَتْكُ السِّتْرِ عَمَّا يُكْرَهُ كَشْفُهُ بَلْ كان ما رآه الإنسان من أحوال الناس مما يكره فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ إِلَّا مَا فِي حِكَايَتِهِ فَائِدَةٌ لِمُسْلِمٍ أَوْ دَفْعٌ لِمَعْصِيَةٍ كَمَا إِذَا رَأَى مَنْ يَتَنَاوَلُ مَالَ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ أن يشهد به مراعاة لحق المشهود له فأما إذا رآه يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة وإفشاء للسر فإن كان ما ينم به نقصاً وعيباً في المحكي عنه كان قد جمع بين الغيبة والنميمة فالباعث عَلَى النَّمِيمَةِ إِمَّا إِرَادَةُ السُّوءِ لِلْمَحْكِيِّ عَنْهُ أَوْ إِظْهَارُ الْحُبِّ لِلْمَحْكِيِّ لَهُ أَوِ التَّفَرُّجُ بِالْحَدِيثِ وَالْخَوْضُ فِي الْفُضُولِ وَالْبَاطِلِ وَكُلُّ مَنْ حملت إليه النميمة وقيل له إن فلاناً قال فيك كذا وكذا أو فعل في حقك كذا أو هو يدبر في إفساد أمرك أو في ممالأة عدوك أو تقبيح حالك أو ما يجري مجراه فعليه ستة أمور الأول أن لا يصدقه لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قوماً بجهالة﴾ الثاني أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه فعله قال الله تعالى ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المنكر﴾ الثالث أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من يبغضه الله تعالى الرابع أن لا تظن بأخيك الغائب السوء لقول الله تعالى ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثم﴾ الخامس أن لا يحملك ما حكى لك على التجسس والبحث لتحقق اتباعاً لقول الله تعالى ﴿ولا تجسسوا﴾ السادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت النمام عنه ولا تحكي نميمته فتقول فلان قد حكى لي كذا وكذا فتكون به نماماً ومغتاباً وقد تكون قد أتيت ما عنه نهيت وقد روي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئاً فقال له عمر إن شئت نظر نافي أمرك فإن كنت كاذباً فأنت من أهل هذه الآية ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾ وإن كنت صادقاً فأنت من أهل هذه الآية ﴿هماز مشاء بنميم﴾ وإن شئت عفونا عنك فقال العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبداً وذكر أن حكيماً من الحكماء زاره بعض إخوانه فأخبره بخبر عن بعض أصدقائه فقال له الحكيم قد أبطأت في الزيارة وأتيت بثلاث جنايات بغضت أخي إلي وشغلت قلبي الفارغ واتهمت نفسك الأمينة وروي أن سليمان بن عبد الملك كان جالساً وعنده الزهري فجاءه رجل فقال له سليمان بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا فقال الرجل ما فعلت ولا قلت فقال سليمان إن الذي أخبرني صادق فقال له الزهري لا يكون النمام صادقاً فقال سليمان صدقت ثم قال للرجل اذهب بسلام وَقَالَ الحسن مَنْ نَمَّ إِلَيْكَ نَمَّ عَلَيْكَ وَهَذَا إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّمَّامَ يَنْبَغِي أَنْ يُبْغَضَ وَلَا يُوثَقَ بِقَوْلِهِ وَلَا بِصَدَاقَتِهِ وَكَيْفَ لا يبغض وهو لا ينفك عن الكذب والغيبة والغدر والخيانة والغل والحسد والنفاق والإفساد بين الناس والخديعة وهو ممن يسعون فِي قَطْعِ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأرض بغير الحق﴾ وَالنَّمَّامُ مِنْهُمْ وَقَالَ ﷺ إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ

стр. 903

من اتقاه الناس لشره (١) والنمام منهم وقال لا يدخل الجنة قاطع قيل وما القاطع قال قاطع بين الناس (٢) وهو النمام وقيل قاطع الرحم وروي عن علي ﵁ أن رجلاً سعى إليه برجل فقال له يا هذا نحن نسأل عما قلت فإن كنت صادقاً مقتناك وإن كنت كاذباً عاقبناك وإن شئت أن نقيلك أقلناك فقال أقلني يا أمير المؤمنين وَقِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ أَيُّ خِصَالِ الْمُؤْمِنِ أَوْضَعُ لَهُ فَقَالَ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَإِفْشَاءُ السر وقبول قول كل أحد وقال رجل لعبد الله ابن عامر وكان أميراً بلغني أن فلاناً أعلم الأمير أني ذكرته بسوء قال قد كان ذلك قال فأخبرني بما قال لك حتى أظهر كذبه عندك قال ما أحب أن أشتم نفسي بلساني وحسبي أني لم أصدقه فيما قال ولا أقطع عنك الوصال وذكرت السعاية عند بعض الصالحين فقال ما ظنكم بقوم يحمد الصدق من كل طائفة من الناس إلا منهم وقال مصعب بن الزبير نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه فاتقوا الساعي فلو كان صادقاً في قوله لكان لئيماً في صدقه حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة والسعاية هي النميمة إلا أنها إذا كانت إلى من يخاف جانبه سميت سعاية وقد قال ﷺ الساعي بالناس إلى الناس لغير رشدة (٣) يعني ليس بولد حلال ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فاستأذنه في الكلام وقال إني مكلمك يا أمير المؤمنين بكلام فاحتمله إن كرهته فإن وراءه ما تحب إن قبلته فقال قل فقال يا أمير المؤمنين إنه قد اكتنفك رجال ابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم خافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فلا تأمنهم على ما ائتمنك الله عليه ولا تصخ إليهم فيما استحفظك الله إياه فإنهم لن يألوا في الأمة خسفاً وفي الأمانة تضييعاً والأعراض قطعاً وانتهاكاً أعلى قربهم البغي والنميمة وأجل وسائلهم الغيبة والوقيعة وأنت مسئول عما أجرموا وليسوا المسئولين عما أجرمت فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس غبناً من باع آخرته بدنيا غيره وسعى رجل بزياد الأعجم إلى سليمان بن عبد الملك فجمع بينهما للموافقة فأقبل زياد على الرجل وقال فأنت امرؤ إما ائتمنتك خالياً ... فخنت وإما قلت قولاً بلا علم فأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم وقال رجل لعمرو بن عبيد إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر فقال له عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين ورفع بعض السعاة إلى الصاحب بن عباد رقعة نبه فيها على مال يتيم يحمله على أخذه لكثرته فوقع على ظهرها السعاية قبيحة وإن كانت صحيحة فإن كنت أجريتها مجرى النصح فخسرانك فيها افضل من الربح ومعاذ الله أن نقبل مهتوكاً في مستور ولولا أنك في خفارة شيبتك لقابلناك بما يقتضيه فعلك في مثلك فتوق يا ملعون العيب فإن الله أعلم بالغيب الميت ﵀ واليتيم جبره الله والمال ثمره الله والساعي لعنه الله وقال لقمان لابنه يا بني أوصيك بخلال إن تمسكت بهن لم تزل

стр. 904

سيداً ابسط خلقك للقريب والبعيد وأمسك جهلك عن الكريم واللئيم واحفظ إخوانك وصل أقاربك وآمنهم من قبول قول ساع أو سماع باغ يريد فسادك ويروم خداعك وليكن إخوانك من إذا فارقتهم وفارقوك لم تعبهم ولم يعيبوك وقال بعضهم النميمة مبنية على الكذب والحسد والنفاق وهي أثافي الذل وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ صَحَّ مَا نَقَلَهُ النَّمَّامُ إليك لكان هو المجتريء بِالشَّتْمِ عَلَيْكَ وَالْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوْلَى بِحِلْمِكَ لِأَنَّهُ لم يقابلك بشتمك وعلى الجملة فشر النمام عظيم ينبغي أن يتوقى قال حماد بن سلمة باع رجل عبداً وقال للمشتري ما فيه عيب إلا النميمة قال رضيت فاشتراه فمكث الغلام أياماً ثم قال لزوجة مولاه إن سيدي لا يحبك وهو يريد أن يتسرى عليك فخذي الموسى واحلقي من شعر قفاه عند نومه شعرات حتى أسحره عليها فيحبك ثم قال للزوج إن امرأتك اتخذت خليلاً وتريد أن تقتلك فتناوم لها حتى تعرف ذلك فتناوم لها فجاءت المرأة بالموسى فظن أنها تريد قتله فقام إليها فقتلها فجاء أهل المرأة فقتلوا الزوج ووقع القتال بين القبيلتين فنسأل الله حسن التوفيق الآفة السابعة عشرة كلام ذي اللِّسَانَيْنِ الَّذِي يَتَرَدَّدُ بَيْنَ الْمُتَعَادِيَيْنِ وَيُكَلِّمُ كُلَّ واحد منهما بكلام يوافقه وقلما يخلو عنه من يشاهد متعاديين وذلك عين النفاق قال عمار بن ياسر قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من كان له وجهان في الدنيا كان له لسانان من نار يوم القيامة (١) وقال أبو هريرة قال سول الله ﷺ تجدون من شر عباد الله يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بحديث وهؤلاء بحديث (٢) وفي لفظ آخر الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه وقال أبو هريرة لا ينبغي لذي الوجهين أن يكون أميناً عند الله وقال مالك بن دينار قرأت في التوراة بطلت الأمانة والرجل مع صاحبه بشفتين مختلفتين يهلك الله تعالى يوم القيامة كل شفتين مختلفتين وقال ﷺ أبغض خليقة الله إلى الله يوم القيامة الكذابون والمستكبرون والذين يكثرون البغضاء لإخوانهم في صدورهم فإذا لقوهم تملقوا لهم والذين إذا دعوا إلى الله ورسوله كانوا بطاء وإذا دعوا إلى الشيطان وأمره كانوا سراعاً (٣) وقال ابن مسعود لا يكونن أحدكم إمعة قالوا وما الإمعة قال الذي يجري مع كل ريح واتفقوا على أن ملاقاة الاثنين بوجهين نفاق وللنفاق علامات كثيرة وهذه من جملتها وقد روي أن رجلاً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مات فلم يصل عليه حذيفة فقال له عمر يموت رجل مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولم تصل عليه فقال يا أمير المؤمنين إنه منهم فقال نشدتك الله أنا منهم أم لا قال اللهم لا ولا أؤمن منها أحداً بعدك فإن قلت بماذا يصير الرجل ذا لسانين وما حد ذلك فأقول إِذَا دَخَلَ عَلَى مُتَعَادِيَيْنِ وَجَامَلَ كُلَّ وَاحِدٍ منهما وكان صادقاً فيه لم يكن منافقاً ولا ذا لسانين فإن الواحد قد يصادق متعاديين ولكن صداقة ضعيفة لا تنتهي إلى حد الأخوة إذ لو تحققت الصداقة لاقتضت معادة الأعداء كما ذكرنا في كتاب آداب الصحبة والأخوة نعم لو نقل

стр. 905

كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَهُوَ ذو لسانين وهو شر من النميمة إذ يصير نماماً بأن ينقل من أحد الجانبين فقط فإذا نقل من الجانبين فهو شر من النمام وإن لم ينقل كلاماً ولكن حسن لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ المعاداة مع صاحبه فهذا ذو لسانين وكذلك إذا وعد كل واحد منهما بأن ينصره وكذلك إذا أثنى على واحد منهما في معاداته وكذلك إذا أثنى على أحدهما وكان إذا خرج من عنده يذمه فهو ذو لسانين بل ينبغي أن يسكت أو يثني على المحق من المتعاديين ويثني عليه في غيبته وفي حضوره وبين يدي عدوه قيل لابن عمر ﵄ إنا ندخل على أمرائنا فنقول القول فإذا خرجنا قلنا غيره فقال كنا نعد هذا نفاقاً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (١) وهذا نفاق مهما كان مستغنياً عن الدخول على الأمير وعن الثناء عليه فلو استغنى عن الدخول ولكن إذا دخل يخاف إن لم يثن فهو نفاق لأنه الذي أحوج نفسه إلى ذلك فإن كان مستغنياً عن الدخول لو قنع بالقليل وترك المال والجاه فدخل لضرورة الجاه والغنى وأثنى فهو منافق وهذا معنى قوله ﷺ حب المال والجاه ينبتان النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل (٢) لأنه يحوج إلى الأمراء وإلى مراعاتهم ومراءاتهم فأما إذا ابتلى به لضرورة وخاف إن لم يثن فَهُوَ مَعْذُورٌ فَإِنَّ اتِّقَاءَ الشَّرِّ جَائِزٌ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁ إِنَّا لَنُكَشِّرُ فِي وُجُوهِ أَقْوَامٍ وَإِنَّ قُلُوبَنَا لَتَلْعَنُهُمْ وَقَالَتْ عائشة ﵂ اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رسول الله ﷺ فقال ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ هُوَ ثُمَّ لَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ فَلَمَّا خَرَجَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْتَ فِيهِ مَا قُلْتَ ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ فَقَالَ يَا عائشة إِنَّ شَرَّ النَّاسِ الَّذِي يُكْرَمُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ (٣) وَلَكِنَّ هَذَا وَرَدَ فِي الْإِقْبَالِ وَفِي الكشر والتبسم فأما الثناء فهو كذب صراح ولا يجوز إلا لضرورة أو إكراه يباح الكذب بمثله كما ذكرناه في آفة الكذب بل لا يَجُوزُ الثَّنَاءُ وَلَا التَّصْدِيقُ وَلَا تَحْرِيكُ الرَّأْسِ فِي مَعْرِضِ التَّقْرِيرِ عَلَى كُلِّ كَلَامٍ بَاطِلٍ فإن فعل ذلك فَهُوَ مُنَافِقٌ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ فَإِنْ لم يقدر فيسكت بلسانه وينكر بقلبه الْآفَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ الْمَدْحُ وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَمَّا الذَّمُّ فَهُوَ الْغِيبَةُ والوقيعة فقد ذَكَرْنَا حُكْمَهَا وَالْمَدْحُ يَدْخُلُهُ سِتُّ آفَاتٍ أَرْبَعٌ في الْمَادِحِ وَاثْنَتَانِ فِي الْمَمْدُوحِ فَأَمَّا الْمَادِحُ فَالْأُولَى أنه قد يفرط فينتهي به إلى الكذب قال خالد بن معدان من مدح إماماً أو أحداً بما ليس فيه على رءوس الأشهاد بعثه الله يوم القيامة يتعثر بلسانه وَالثَّانِيَةُ أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُهُ الرِّيَاءُ فَإِنَّهُ بِالْمَدْحِ مظهر للحب وقد لا يكون مضمراً له وَلَا مُعْتَقِدًا لِجَمِيعِ مَا يَقُولُهُ فَيَصِيرُ بِهِ مرائياً منافقاً الثالثة أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ وَلَا سبيل له إلى الإطلاع عليه وروي أن رجلاً مدح رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فقال له ﵇ ويحك قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح ثم قال إن كان أحدكم لا بد مادحا

стр. 906

أَخَاهُ فَلْيَقُلْ أَحْسَبُ فُلَانًا وَلَا أُزَكِّي عَلَى الله أحد حسيبه الله إن كان يرى أنه كذلك (١) وهذه الآفة تتطرق إلى المدح بالأوصاف المطلقة التي تعرف بالأدلة كقولة إنه متق وورع وزاهد وخير وما يجري مجراه فأما إذا قال رأيته يصلي بالليل ويتصدق ويحج فهذه أمور مستيقنة ومن ذلك قوله إنه عدل رضا فإن ذلك خفي فلا ينبغي أن يجزم القول فيه إِلَّا بَعْدَ خِبْرَةٍ بَاطِنَةٍ سَمِعَ عمر ﵁ رَجُلًا يُثْنِي عَلَى رَجُلٍ فَقَالَ أَسَافَرْتَ مَعَهُ قَالَ لَا قَالَ أَخَالَطْتَهُ فِي الْمُبَايَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ قَالَ لَا قَالَ فَأَنْتَ جَارُهُ صَبَاحَهُ وَمَسَاءَهُ قَالَ لَا فَقَالَ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَا أُرَاكَ تَعْرِفُهُ الرابعة أَنَّهُ قَدْ يَفْرَحُ الْمَمْدُوحُ وَهُوَ ظَالِمٌ أَوْ فاسق وذلك غير جائز قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق (٢) وقال الحسن مَنْ دَعَا لِظَالِمٍ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَقَدْ أحب أن يعصي الله تعالى في أرضه والظالم الفاسق ينبغي أن يذم ليغتم ولا يمدح ليفرح وَأَمَّا الْمَمْدُوحُ فَيَضُرُّهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يحدث فيه كبراً وإعجاباً وهما مهلكان قال الحسن ﵁ كان عمر ﵁ جالساً ومعه الدرة والناس حوله إذ أقبل الجارود بن المنذر فقال رجل هذا سيد ربيعة فسمعها عمر ومن حوله وسمعها الجارود فلما دنا منه خفقه بالدرة فقال مالي ولك يا أمير المؤمنين قال مالي ولك أما سمعتها قال سمعتها فمه قال خشيت أن يخالط قلبك منها شيء فأحببت أن أطأطيء منك الثاني هو أنه إذا أثنى عليه بالخير فرح به وفتر ورضي عن نفسه ومن أعجب بنفسه قل تشمره وإنما يتشمر للعمل من يرى نفسه مقصراً فأما إذا انطلقت الألسن بالثناء عليه ظن أنه قد أدرك ولهذا قال ﵇ قطعت عنق صاحبك لو سمعها ما أفلح وقال ﷺ إذا مدحت أخاك في وجهه فكأنما أمررت على حلقه موسى وميضاً (٣) وقال أيضاً لمن مدح رجلاً عقرت الرجل عقرك الله (٤) وقال مطرف ما سمعت قط ثناء ولا مدحة إلا تصاغرت إلى نفسي وقال زياد بن أبي مسلم ليس أحد يسمع ثناء عليه أو مدحة إلا تراءى له الشيطان ولكن المؤمن يراجع فقال ابن المبارك لقد صدق كلاهما أما ما ذكره زياد فذلك قلب العوام وأما ما ذكره مطرف فذلك قلب الخواص وقال ﷺ لو مشى رجل إلى رجل بسكين مرهف كان خيراً له من أن يثني عليه في وجهه (٥) حديث لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان العالمين لرجح تقدم في العلم وقال في عمر لو لم أبعث لبعثت

стр. 907

يا عمر (١) وأي ثناء يزيد على هذا ولكنه ﷺ قال عن صدق وبصيرة وكانوا ﵃ أجل رتبة من أن يورثهم ذلك كبراً وعجباً وفتوراً بل مدح الرجل نفسه قبيح لما فيه من الكبر والتفاخر إذا قال ﷺ أنا سيد ولد آدم ولا فخر (٢) أي لست أقول هذا تفاخراً كما يقصد الناس بالثناء على أنفسهم وذلك لأن افتخاره ﷺ كان بالله وبالقرب من الله لا بولد آدم وتقدمه عليهم كما أن المقبول عند الملك قبولاً عظيماً إنما يفتخر بقبوله إياه وبه يفرح لا بتقدمه على بعض رعاياه وبتفصيل هذه الآفات تقدر على الجمع بين ذم المدح وبين الحث عليه قال ﷺ وجبت (٣) لما أثنوا على بعض الموتى وقال مجاهد إن لبني آدم جلساء من الملائكة فإذا ذكر الرجل المسلم أخاه المسلم بخير قالت الملائكة ولك بمثله وإذا ذكره بسوء قالت الملائكة يا ابن آدم المستور عورتك أربع على نفسك واحمد الله الذي ستر عورتك فهذه آفات المدح بيان ما على الممدوح اعلم أن على الْمَمْدُوحِ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الِاحْتِرَازِ عَنْ آفَةِ الكبر والعجب وآفة الفتور ولا ينجو منه إلا بأن يعرف نفسه ويتأمل ما في خطر الخاتمة ودقائق الرياء وآفات الأعمال فإنه يعرف من نفسه ما لا يعرفه المادح ولو انْكَشَفَ لَهُ جَمِيعُ أَسْرَارِهِ وَمَا يَجْرِي عَلَى خواطره لكف المادح عن مدحه وعليه أن يظهر كراهة المدح بإذلال المادح قال ﷺ احثوا التراب في وجوه المادحين (٤) وقال سفيان بن عيينة لا يضر المدح من عرف نفسه وأثنى على رجل من الصالحين فقال اللهم إن هؤلاء لا يعرفوني وأنت تعرفني وقال آخر لما أثنى عليه اللهم إن عبدك هذا تقرب إلي بمقتك وأنا أشهدك على مقته وقال علي ﵁ لما أثنى عليه اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ وَلَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَاجْعَلْنِي خَيْرًا مِمَّا يَظُنُّونَ وأثنى رجل على عمر ﵁ فقال أتهلكني وتهلك نفسك وأثنى رجل على علي كرم الله وجهه في وجهه وكان قد بلغه أنه يقع فيه فقال أنا دون ما قلت وفوق ما في نفسك الآفة التاسعة عشر الغفلة عن دقائق الخطأ في فحوى الكلام لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته ويرتبط بأمور الدين فلا يقدر على تقويم اللفظ في أمور الدين إلا العلماء الفصحاء فمن قصر في علم أو فصاحة لم يخل كلامه عن الزلل لكن الله تعالى يعفو عنه لجهله مثاله ما قال حذيفة قال النبي ﷺ لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ (٥) وَذَلِكَ لِأَنَّ فِي الْعَطْفِ الْمُطْلَقِ تَشْرِيكًا وَتَسْوِيَةً وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الاحترام وقال ابن عباس ﵄ جاء رجل إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يكلمه في بعض الأمر فقال ما شاء الله وشئت فقال

стр. 908

صلى الله عليه وسلم أجعلتني لله عديلاً بل ما شاء الله وحده (١) وخطب رجل عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال قل ومن يعص الله ورسوله فقد غوى (٢) فكره رسول الله ﷺ قوله ومن يعصهما لأنه تسوية وجمع وَكَانَ إبراهيم يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ أَعُوذُ بالله وبك وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَعُوذُ بِاللَّهِ ثُمَّ بِكَ وأن يقول لولا الله ثم فلان ولا يقول لولا الله وفلان وكره بعضهم أن يقال اللهم أعتقنا من النار وكان يقول العتق يكون بعد الورود وكانوا يستجيرون من النار ويتعوذون من النار وقال رجل اللهم اجعلني ممن تصيبه شفاعة محمد ﷺ فقال حذيفة إن الله يغني المؤمنين عن شفاعة محمد وتكون شفاعته للمذنبين من المسلمين وقال إبراهيم إذا قال الرجل للرجل يا حمار يا خنزير قيل له يوم القيامة حماراً رأيتني خلقته خنزيراً رأيتني خلقته وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيُشْرِكُ حَتَّى يُشْرِكَ بِكَلْبِهِ فَيَقُولُ لَوْلَاهُ لسرقنا الليلة وقال عمر ﵁ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت (٣) قال عمر ﵁ فَوَاللَّهِ مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُهَا وَقَالَ ﷺ لا تسموا العنب كرماً إنما الكرم الرجل المسلم (٤) وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَلَا أَمَتِي كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللَّهِ وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إماء الله وليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي ولا يقول الْمَمْلُوكُ رَبِّي وَلَا رَبَّتِي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي وَسَيِّدَتِي فكلكم عَبِيدُ اللَّهِ وَالرَّبُّ اللَّهُ وَقَالَ ﷺ لا تقولوا للفاسق سَيِّدَنَا فَإِنَّهُ إِنْ يَكُنْ سَيِّدَكُمْ فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ ربكم (٥) وَقَالَ ﷺ مَنْ قَالَ أنا بريء من الإسلام فإن كان صادقاً فهو كما قال وإن كان كاذباً فلن يرجع إلى الإسلام سالماً (٦) فهذا وأمثاله مما يدخل في الكلام ولا يمكن حصره ومن تأمل جميع ما أوردنا من آفات اللسان علم أنه إذا أطلق لسانه لم يسلم وعند ذلك يعرف سر قوله ﷺ من صمت نجا (٧) لأن هذه الآفات كلها مهالك ومعاطب وهي على طريق المتكلم فإن سكت سلم من الكل وإن نطق وتكلم خاطر بنفسه إلا أن يوافقه لسان فصيح وعلم غزير وورع حافظ ومراقبة لازمة ويقلل من الكلام فعساه يسلم عند ذلك وهو مع جميع ذلك لا ينفك عن الخطر فإن كنت لا تقدر على أن تكون ممن تكلم فغنم فكن ممن سكت فسلم فالسلامة إحدى الغنيمتين الآفة العشرون سؤال العوام عن صفات الله تعالى وعن كلامه وعن الحروف وأنها قديمة أو محدثة ومن حقهم الاشتغال بالعمل بما في القرآن إلا أن ذلك ثقيل على النفوس والفضول خفيف على القلب والعامي يَفْرَحُ بِالْخَوْضِ فِي الْعِلْمِ إِذِ الشَّيْطَانُ يُخَيِّلُ إليه أنك مِنَ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الْفَضْلِ وَلَا يَزَالُ يُحَبِّبُ إليه ذلك حتى يتكلم في العلم بما هو كفر وهو

стр. 909

لا يدري وكل كبيرة يرتكبها العامي فهي أسلم له من أن يتكلم في العلم لا سيما فيما يتعلق بالله وصفاته وإنما شأن العوام الاشتغال بالعبادات والإيمان بما ورد به القرآن والتسليم لما جاء به الرسل من غير بحث وسؤالهم عن غير ما يتعلق بالعبادات وسوء أدب منهم يستحقون به المقت من الله ويتعرضون لخطر الكفر وهو كسؤال ساسة الدواب عن أسرار الملوك وهو موجب للعقوبة وَكُلُّ مَنْ سَأَلَ عَنْ عِلْمٍ غَامِضٍ وَلَمْ يَبْلُغْ فَهْمُهُ تِلْكَ الدَّرَجَةَ فَهُوَ مَذْمُومٌ فَإِنَّهُ بالإضافة إليه عامي ولذلك قال ﷺ ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم (١) وقال أنس سأل الناس رسول الله ﷺ يوماً فأكثروا عليه وأغضبوه فصعد المنبر وقال سلوني لا تسألوني عن شيء إلا أنبأتكم به فقام إليه رجل فقال يا رسول الله من أبي فقال أبوك حذافة فقام إليه شابان أخوان فقالا يا رسول الله من أبوناً فقال أبوكما الذي تدعيان إليه ثم قام إليه رجل آخر فقال يا رسول الله أفي الجنة أنا أم في النار فقال لا بل في النار فلما رأى الناس غضب رسول الله ﷺ أمسكوا فقام إليه عمر ﵁ فقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد ﷺ نبياً فقال اجلس يا عمر رحمك الله إنك ما علمت لموفق (٢) وَفِي الْحَدِيثِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْقِيلِ وَالْقَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وكثرة السؤال (٣) حديث يوشك الناس يتساءلون بينهم حتى يقولوا قد خلق الله الخلق الحديث متفق عليه من حديث أبي هريرة وقد تقدم (٤) حديث جابر ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال رواه البزار بإسناد جيد // وفي قصة موسى والخضر ﵉ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنَ السُّؤَالِ قَبْلَ أَوَانِ اسْتِحْقَاقِهِ إِذْ قَالَ ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ منه ذكراً﴾ فَلَمَّا سَأَلَ عَنِ السَّفِينَةِ أَنْكَرَ عَلَيْهِ حَتَّى اعْتَذَرَ وَقَالَ ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا ترهقني من أمري عسراً﴾ فلم يَصْبِرْ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا قَالَ ﴿هَذَا فِرَاقُ بيني وبينك﴾ وَفَارَقَهُ فَسُؤَالُ الْعَوَامِّ عَنْ غَوَامِضِ الدِّينِ مِنْ أعظم الآفات وهو من المثيرات للفتن فيجب قمعهم ومنعهم من ذلك وخوضهم في حروف القرآن يضاهي حال من كتب الملك إليه كتاباً ورسم له فيه أموراً فلم يشتغل بشيء منها وضيع زمانه في أن قرطاس الكتاب عتيق أم حديث فاستحق بذلك العقوبة لا محالة فكذلك تضييع العامي حدود القرآن واشتغاله بحروفه أهي قديمة أم حديثة وكذلك سائر صفات الله والله تعالى أعلم

стр. 910

كتاب ذم الغضب والحقد والحسد وهو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتاب إحياء علوم الدين بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي له يتكل على عفوه ورحمته إلا الراجون ولا يحذر سوء غضبه وسطوته إلا الخائفون الذي استدرج عباده من حديث لا يعلمون وسلط عليهم الشهوات وأمرهم بترك ما يشتهون وابتلاهم بالغضب وكلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون ثم حفهم بالمكاره واللذات وأملى لهم لينظر كيف يعملون وامتحن بهم حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون وعرفهم أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون وما يعلنون وحذرهم أن يأخذهم بغتة وهم لا يشعرون فقال ﴿ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون﴾ والصلاة والسلام على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون وعلى آله وأصحابه الأئمة المهديين والسادة المرضيين صلاة يوازي عددها عدد ما كان من خلق الله وما سيكون ويحظى ببركتها الأولون والآخرون وسلم تسليماً كثيراً أما بعد فإن الْغَضَبَ شُعْلَةُ نَارٍ اقْتُبِسَتْ مِنْ نَارِ اللَّهِ الموقدة التي تطلع على الْأَفْئِدَةَ وَإِنَّهَا لَمُسْتَكِنَّةٌ فِي طَيِّ الْفُؤَادِ اسْتِكْنَانَ الجمر تحت الرماد ويستخرجه الْكِبْرُ الدَّفِينُ فِي قَلْبِ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ كَاسْتِخْرَاجِ الْحَجَرِ النَّارَ مِنَ الْحَدِيدِ وَقَدِ انْكَشَفَ لِلنَّاظِرِينَ بِنُورِ الْيَقِينِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْزِعُ مِنْهُ عِرْقٌ إِلَى الشَّيْطَانِ اللَّعِينِ فَمَنِ اسْتَفَزَّتْهُ نَارُ الْغَضَبِ فَقَدْ قَوِيَتْ فِيهِ قَرَابَةُ الشَّيْطَانِ حَيْثُ قَالَ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فَإِنَّ شَأْنَ الطِّينِ السُّكُونُ وَالْوَقَارُ وَشَأْنَ النَّارِ التَّلَظِّي وَالِاسْتِعَارُ وَالْحَرَكَةُ وَالِاضْطِرَابُ وَمِنْ نَتَائِجِ الْغَضَبِ الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَبِهِمَا هَلَكَ مَنْ هَلَكَ وَفَسَدَ مَنْ فَسَدَ وَمُفِيضُهُمَا مُضْغَةٌ إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ معها سائر الْجَسَدُ وَإِذَا كَانَ الْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَالْغَضَبُ مِمَّا يَسُوقُ الْعَبْدَ إِلَى مُوَاطِنِ الْعَطَبِ فَمَا أَحْوَجَهُ إلى معرفة معاطبه ومساويه لِيَحْذَرَ ذَلِكَ وَيَتَّقِيَهُ وَيُمِيطَهُ عَنِ الْقَلْبِ إِنْ كان وينفيه ويعالجه إن رسخ في قلبه ويداويه فإن من لا يعرف الشر يقع فيه ومن عرفه فالمعرفة لا تكفيه ما لم يعرف الطريق الذي به يدفع الشر ويقصيه ونحن نذكر ذم الغضب وآفات الحقد والحسد في هذا الكتاب ويجمعها بيان ذم الغضب ثم بيان حقيقة الغضب ثم بيان أن الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا ثم بيان الأسباب المهيجة للغضب ثم بيان علاج الغضب بعد هيجانه ثم بيان فضيلة كظم الغيظ ثم بيان فضيلة الحلم ثم بيان القدر الذي يجوز الانتصار والتشفي به من الكلام ثم القول في معنى الحقد ونتائجه وفضيلة العفو والرفق ثم القول في ذم الحسد وفي حقيقته وأسبابه ومعالجته وغاية الواجب في إزالته ثم بيان السبب في كثرة الحسد بين الأمثال والأقران والأخوة وبني العم والأقارب وتأكده وقلته في غيرهم وضعفه ثم بيان الدواء الذي به ينفى مرض الحسد عن القلب ثم بيان القدر الواجب في نفي الحسد عن القلب وبالله التوفيق بَيَانُ ذَمِّ الْغَضَبِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى﴾

стр. 911

﴿المؤمنين﴾ الْآيَةَ ذَمَّ الْكُفَّارَ بِمَا تَظَاهَرُوا بِهِ مِنَ الْحَمِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْغَضَبِ بِالْبَاطِلِ وَمَدَحَ الْمُؤْمِنِينَ بما أنزل الله عليهم من السكينة وروى أبو هريرة أَنْ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مُرْنِي بِعَمَلٍ وَأَقْلِلْ قَالَ لَا تَغْضَبْ ثُمَّ أَعَادَ عليه فقال لا تغضب (١) وقال ابن عمر قلت لرسول الله ﷺ قل لي قولاً وأقلله لعلي أعقله فقال لا تغضب فأعدت عليه مرتين كل ذلك يرجع إلى لا تغضب (٢) وعن عبد الله بن عمرو أنه سأل رسول الله ﷺ ماذا ينقذني من غضب الله قال لا تغضب (٣) وقال ابن مسعود قال النبي ﷺ مَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ قُلْنَا الَّذِي لَا تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ وَلَكِنِ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغضب (٤) وقال أبو هريرة قال النبي ﷺ ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب (٥) وقال ابن عمر قال النبي ﷺ من كف غضبه ستر الله عورته (٦) وقال سليمان ابن داود ﵉ يا بني إياك وكثرة الغضب فإن كثرة الغضب تستخف فؤاد الرجل الحليم وعن عكرمة في قوله تعالى ﴿وسيداً وحصوراً﴾ قال السيد الذي لا يغلبه الغضب وقال أبو الدرداء قلت يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة قال لا تغضب (٧) وقال يحيى لعيسى ﵉ لا تغضب قال لا أستطيع أن لا أغضب إنما أنا بشر قال لا تقتن مالاً قال هذا عسى وقال ﷺ الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل (٨) وقال ﷺ ما غضب أحد إلا أشفى على جهنم (٩) وقال له رجل أي شيء أشد على الله قال ﴿غضب الله﴾ قال فما يبعدني عن غضب الله قال لا تغضب (١٠) الآثار قال الحسن يا ابن آدم كلما غضبت وثبت ويوشك أن تثب وثبة فتقع في النار وعن ذي القرنين أنه لقي ملكاً من الملائكة فقال علمني علماً أزداد به إيماناً ويقيناً قال لا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب فرد الغضب بالكظم وسكنه بالتؤدة وإياك والعجلة فإنك إذا عجلت أخطأت حظك وكن سهلاً ليناً للقريب والبعيد ولا تكن جباراً عنيداً وعن وهب بن منبه إن راهباً كان في صومعته فأراد الشيطان أن يضله فلم يستطع فجاءه حتى ناداه فقال له افتح فلم يجبه فقال افتح فإني إن ذهبت ندمت فلم يلتفت إليه فقال إني أنا المسيح قال الراهب وإن كنت المسيح فما أصنع بك أليس قد أمرتنا بالعبادة والاجتهاد ووعدتنا القيامة فلو جئتنا اليوم بغيره لم نقبله منك فقال إني الشيطان وقد أردت أن أضلك فلم أستطع فجئتك لتسألني

стр. 912

عما شئت فأخبرك فقال ما أريد أن أسألك عن شيء قال فولى مدبراً فقال الراهب ألا تسمع قال بلى قال أخبرني أي أخلاق بني آدم أعون لك عليهم فقال الحدة إن الرجل إذا كان حديداً قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة وقال خيثمة الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضي جئت حتى أكون في قلبه وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه وقال جعفر بن محمد الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ وَقَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ رَأْسُ الْحُمْقِ الْحِدَّةُ وَقَائِدُهُ الْغَضَبُ وَمَنْ رَضِيَ بِالْجَهْلِ اسْتَغْنَى عَنِ الْحِلْمِ وَالْحِلْمُ زَيْنٌ وَمَنْفَعَةٌ وَالْجَهْلُ شَيْنٌ وَمَضَرَّةٌ وَالسُّكُوتُ عَنْ جَوَابِ الْأَحْمَقِ جوابه وقال مجاهد قال إبليس ما أعجزني بنو آدم فلن يعجزوني في ثلاث إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فقدناه حيث شئنا وعمل لنا بما أحببنا وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم ونبخله بما في يديه ونمنيه بما لا يقدر عليه وقيل لحكيم ما أملك فلاناً لنفسه قال إذاً لا تذله الشهوة ولا يصرعه الهوى ولا يغلبه الغضب وقال بعضهم إياك والغضب فإنه يصيرك إلى ذلة الاعتذار وقيل اتقوا الغضب فإنه يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل وقال عبد الله بن مسعود انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه وأمانته عند طمعه وما علمك بحلمه إذا لم يغضب وما علمك بأمانته إذا لم يطمع وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لا تعاقب عند غضبك وإذا غضبت على رجل فأحبسه فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه ولا تجاوز به خمسة عشر سوطاً وقال علي بن زيد أغلظ رجل من قريش لعمر بن عبد العزيز القول فأطرق عمر زماناً طويلاً ثم قال أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً وقال بعضهم لابنه يا بني لا يثبت العقل عند الغضب كما لا تثبت روح الحي في التنانير المسجورة فأقل الناس غضباً أعقلهم فإن كان للدنيا كان دهاء ومكراً وإن كان للآخرة كان حلماً وعلماً فقد قيل الغضب عدو العقل والغضب غول العقل وكان عمر ﵁ إذا خطب قال في خطبته أفلح منكم من حفظ من الطمع والهوى والغضب وقال بعضهم من أطاع شهوته وغضبه قاداه إلى النار وَقَالَ الحسن مِنْ عَلَامَاتِ الْمُسْلِمِ قُوَّةٌ فِي دِينٍ وَحَزْمٌ فِي لِينٍ وَإِيمَانٌ فِي يَقِينٍ وَعِلْمٌ فِي حِلْمٍ وَكَيْسٌ فِي رِفْقٍ وَإِعْطَاءٌ فِي حَقٍّ وَقَصْدٌ فِي غِنًى وَتَجَمُّلٌ فِي فَاقَةٍ وَإِحْسَانٌ فِي قُدْرَةٍ وَتَحَمُّلٌ فِي رَفَاقَةٍ وَصَبْرٌ فِي شِدَّةٍ لَا يَغْلِبُهُ الْغَضَبُ وَلَا تَجْمَحُ بِهِ الْحَمِيَّةُ وَلَا تَغْلِبُهُ شَهْوَةٌ وَلَا تَفْضَحُهُ بِطْنَةٌ وَلَا يَسْتَخِفُّهُ حِرْصُهُ وَلَا تَقْصُرُ بِهِ نِيَّتُهُ فَيَنْصُرُ الْمَظْلُومَ وَيَرْحَمُ الضَّعِيفَ وَلَا يَبْخَلُ وَلَا يُبَذِّرُ وَلَا يُسْرِفُ وَلَا يُقَتِّرُ يَغْفِرُ إِذَا ظُلِمَ وَيَعْفُو عَنِ الْجَاهِلِ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَخَاءٍ وقيل لعبد الله بن المبارك أجمل لنا حسن الخلق في كلمة فقال اترك الغضب وقال نبي من الأنبياء لمن تبعه من يتكفل لي أن لا يغضب فيكون معي في درجتي ويكون بعدي خليفتي فقال شاب من القوم أنا ثم أعاد عليه فقال الشاب أنا أوفي به فلما مات كان في منزلته بعده وهو ذو الكفل سمي به لأنه تكفل بالغضب ووفى به وقال وهب بن منبه للكفر أربعة أركان الغضب والشهوة والخرق والطمع بيان حقيقة الغضب اعلم أن الله تعالى لما خلق الحيوان معرضاً للفساد والموتان بأسباب في داخل بدنه وأسباب خارجة عنه أنعم عليه بما يحميه عن الفساد ويدفع عنه الهلاك إلى أجل معلوم سماه في كتابه أما السبب الداخلي فهو أنه ركبه من الحرارة والرطوبة وجعل بين الحرارة والرطوبة عداوة ومضادة فلا تزال الحرارة تحلل الرطوبة وتجففها وتبخرها حتى تصير أجزاؤها بخاراً يتصاعد منها فلو لم يصل بالرطوبة مدد من الغذاء يجبر ما انحل وتبخر من أجزائها لفسد الحيوان فخلق الله الغذاء الموافق لبدن الحيوان وخلق في

стр. 913

الحيوان شهوة تبعثه على تناول الغذاء كالموكل به في جبر ما انكسر وسد ما انثلم ليكون ذلك حافظاً له من الهلاك بهذا السبب وأما الأسباب الخارجة التي يتعرض لها الإنسان فكالسيف والسنان وسائر المهلكات التي يقصد بها فافتقر إلى قوة وحمية تثور من باطنه فتدفع المهلكات عنه فخلق الله طبيعة الغضب من النار وغرزها في الإنسان وعجنها بطينته فمهما صد عن غرض من أغراضه ومقصود من مقاصده اشتعلت نار الغضب وثارت ثوراناً يغلي به دم القلب وينتشر في العروق ويرتفع إلى أعالي البدن كما ترتفع النار وكما يرتفع الماء الذي يَغْلِي فِي الْقِدْرِ فَلِذَلِكَ يَنْصَبُّ إِلَى الْوَجْهِ فَيَحْمَرُّ الْوَجْهُ وَالْعَيْنُ وَالْبَشَرَةُ لِصَفَائِهَا تَحْكِي لَوْنَ مَا وَرَاءَهَا مِنْ حُمْرَةِ الدَّمِ كَمَا تَحْكِي الزجاجة لون ما فيها وإنما ينبسط الدم إذا غضب على من دونه واستشعر القدرة عليه فإن صدر الغضب على من فوقه وكان معه يأس من الانتقام تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف القلب وصار حزناً ولذلك يصفر اللون وإن كان الغضب على نظير يشك فيه تردد الدم بين انقباض وانبساط فيحمر ويصفر ويضطرب وبالجملة فقوة الْغَضَبِ مَحَلُّهَا الْقَلْبُ وَمَعْنَاهَا غَلَيَانُ دَمِ الْقَلْبِ بطلب الانتقام وإنما تتوجه هذه القوة عند ثورانها إلى دفع المؤذيات قبل وقوعها وإلى التشفي والانتقام بعد وقوعها والانتقام قوت هذه القوة وشهوتها وفيه لذتها ولا تسكن إلا به ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ فِي هَذِهِ الْقُوَّةِ عَلَى درجات ثلاث في أول الفطرة من التفريط والإفراط والاعتدال أما التفريط فبفقد هَذِهِ الْقُوَّةِ أَوْ ضَعْفُهَا وَذَلِكَ مَذْمُومٌ وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ لَا حَمِيَّةَ لَهُ ولذلك قال الشافعي ﵀ من استغضب فلم يغضب فهو حمار فمن فقد قوة الغضب والحمية أصلاً فهو ناقص جداً وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ ﷺ بِالشِّدَّةِ وَالْحَمِيَّةِ فَقَالَ ﴿أَشِدَّاءُ على الكفار رحماء بينهم﴾ وَقَالَ لِنَبِيِّهِ ﷺ ﴿جَاهِدِ الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ الآية وَإِنَّمَا الْغِلْظَةُ وَالشِّدَّةُ مِنْ آثَارِ قُوَّةِ الْحَمِيَّةِ وَهُوَ الْغَضَبُ وَأَمَّا الْإِفْرَاطُ فَهُوَ أَنْ تَغْلِبَ هَذِهِ الصِّفَةُ حَتَّى تَخْرُجَ عَنْ سِيَاسَةِ الْعَقْلِ والدين وطاعته ولا يبقى للمرء معها بصيرة ونظر وَفِكْرَةٌ وَلَا اخْتِيَارٌ بَلْ يَصِيرُ فِي صُورَةِ المضطر وسبب غلبته أمور غريزية وأمور اعتيادية فرب إنسان هو بالفطرة مستعد لسرعة الغضب حتى كأن صورته في الفطرة صورة غضبان ويعين على ذلك حرارة مزاج القلب لأن الغضب من النار (١) كما قال ﷺ وإنما برودة المزاج تطفئه وتكسر سورته وأما الأسباب الاعتيادية فهو أن يخالط قوماً يتبجحون بتشفي الغيظ وطاعة الغضب ويسمون ذلك شجاعة ورجولية فيقول الواحد منهم أنا الذي لا أصبر على المكر والمحال ولا أحتمل من أحد أمرا ومعناه لا عقل في ولا حلم ثم يذكره في معرض الفخر بجهله فمن سمعه رسخ في نفسه حسن الغضب وحب التشبه بالقوم فيقوى به الغضب ومهما اشتدت نار الغضب وقوى اضطرامها أعمت صاحبها وأصمته عن كل موعظة فإذا وعظ لم يسمع بل زاده ذلك غضباً وإذا استضاء بنور عقله وراجع نفسه لم يقدر إذ ينطفيء نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب فإن معدن الفكر الدماغ ويتصاعد عند شدة الغضب من غليان دم القلب دخان مظلم إلى الدماغ يستولي على معادن الفكر وربما يتعدى إلى معادن الحس فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه وتسود عليه الدنيا بأسرها ويكون دماغه على مثال كهف اضطرمت فيه نار فاسود جوه وحمى مستقره وامتلأ بالدخان جوانيه وكان فيه سراج ضعيف فانمحى أو انطفأ نوره فلا تثبت فيه قدم ولا يسمع فيه كلام ولا ترى فيه صورة ولا يقدر على إطفائه لا من داخل ولا من خارج بل ينبغي

стр. 914

أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ وربما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظاً كما تقوى النار في الكهف فينشق وتنهد أعاليه على أسفله وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوة الممسكة الجامعة لأجزائه فهكذا حال القلب عند الغضب وبالحقيقة فالسفينة في ملتطم الأمواج عند اضطراب الرياح في لجة البحر أحسن حالاً وأرجى سلامة من النفس المضطربة غيظاً إذ في السفينة من يحتال لتسكينها وتدبيرها وينظر لها ويسوسها وأما القلب فهو صاحب السفينة وقد سقطت حيلته إذا أعماه الغضب وأصمه وَمِنْ آثَارِ هَذَا الْغَضَبِ فِي الظَّاهِرِ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ وَشِدَّةُ الرِّعْدَةِ فِي الْأَطْرَافِ وَخُرُوجُ الْأَفْعَالِ عَنِ التَّرْتِيبِ وَالنِّظَامِ وَاضْطِرَابُ الْحَرَكَةِ وَالْكَلَامِ حَتَّى يَظْهَرَ الزَّبَدُ عَلَى الْأَشْدَاقِ وَتَحْمَرَّ الْأَحْدَاقُ وَتَنْقَلِبَ الْمَنَاخِرُ وَتَسْتَحِيلَ الْخِلْقَةُ وَلَوْ رَأَى الْغَضْبَانُ فِي حالة غَضَبِهِ قُبْحَ صُورَتِهِ لَسَكَنَ غَضَبُهُ حَيَاءً مِنْ قُبْحِ صُورَتِهِ وَاسْتِحَالَةِ خِلْقَتِهِ وَقُبْحُ بَاطِنِهِ أَعْظَمُ مَنْ قُبْحِ ظَاهِرِهِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ عُنْوَانُ الْبَاطِنِ وَإِنَّمَا قَبُحَتْ صُورَةُ الْبَاطِنِ أَوَّلًا ثُمَّ انْتَشَرَ قُبْحُهَا إِلَى الظَّاهِرِ ثَانِيًا فَتَغَيُّرُ الظَّاهِرِ ثَمَرَةُ تغير الباطن فقس الثمرة بالمثمرة فَهَذَا أَثَرُهُ فِي الْجَسَدِ وَأَمَّا أَثَرُهُ فِي اللِّسَانِ فَانْطِلَاقُهُ بِالشَّتْمِ وَالْفُحْشِ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي يَسْتَحِي مِنْهُ ذُو الْعَقْلِ وَيَسْتَحِي مِنْهُ قَائِلُهُ عِنْدَ فُتُورِ الْغَضَبِ وَذَلِكَ مَعَ تَخَبُّطِ النَّظْمِ واضطراب اللفظ أما أَثَرُهُ عَلَى الْأَعْضَاءِ فَالضَّرْبُ وَالتَّهَجُّمُ وَالتَّمْزِيقُ وَالْقَتْلُ والجرح عند التمكن من غير مبالاة فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسبب وعجز عن التشفي رجع الغضب على صاحبه فمزق ثَوْبَ نَفْسِهِ وَيَلْطُمُ نَفْسَهُ وَقَدْ يَضْرِبُ بِيَدِهِ على الأرض ويعدو عدو الواله السكران والمدهوش المتحير وربما يسقط سريعاً لا يطيق العدو والنهوض بسبب شدة الغضب ويعتر به مثل الغشية وربما يضرب الجمادات والحيوانات فيضرب القصعة مثلاً على الأرض وقد يكسر المائدة إذا غضب عليها ويتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجمادات ويخاطبها ويقول إلى متى منك هذا يا كيت وكيت كأنه يخاطب عاقلاً حتى ربما رفسته دابة فيرفس الدابة ويقابلها بذلك وأما أثرة في القلب مع المغضوب عليه فَالْحِقْدُ وَالْحَسَدُ وَإِضْمَارُ السُّوءِ وَالشَّمَاتَةُ بِالْمَسَاءَاتِ وَالْحُزْنُ بِالسُّرُورِ وَالْعَزْمُ عَلَى إِفْشَاءِ السِّرِّ وَهَتْكِ السِّتْرِ وَالِاسْتِهْزَاءُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْقَبَائِحِ فَهَذِهِ ثَمَرَةُ الْغَضَبِ الْمُفْرِطِ وَأَمَّا ثَمَرَةُ الْحَمِيَّةِ الضَّعِيفَةِ فَقِلَّةُ الْأَنَفَةِ مِمَّا يُؤْنَفُ مِنْهُ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْحُرُمِ والزوجة والأمة واحتمال الذل من الأخساء وصغر النفس والقماءة وَهُوَ أَيْضًا مَذْمُومٌ إِذْ مِنْ ثَمَرَاتِهِ عَدَمُ الغيرة على الحرام وهو خنوثة قَالَ ﷺ إِنَّ سعدا لغيور وأنا أغير من سعد وأن الله أَغْيَرُ مِنِّي (١) وَإِنَّمَا خُلِقَتِ الْغَيْرَةَ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَلَوْ تَسَامَحَ النَّاسُ بِذَلِكَ لَاخْتَلَطَتِ الْأَنْسَابُ وَلِذَلِكَ قِيلَ كُلُّ أُمَّةٍ وُضِعَتِ الْغَيْرَةُ فِي رِجَالِهَا وُضِعَتِ الصِّيَانَةُ فِي نِسَائِهَا وَمِنْ ضَعْفِ الْغَضَبِ الْخَوَرُ وَالسُّكُوتُ عِنْدَ مُشَاهَدَةِ الْمُنْكَرَاتِ وَقَدْ قَالَ ﷺ خير أمتي أحداؤها (٢) يعني في الدين وقال تَعَالَى ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله﴾ بل من فقد الغضب عجز عن رياضة نفسه إذ لا تتم الرياضة إلا بتسليط الغضب على الشهوة حتى يغضب على نفسه عند الميل إلى الشهوات الخسيسة فَفَقْدُ الْغَضَبِ مَذْمُومٌ وَإِنَّمَا الْمَحْمُودُ غَضَبٌ يَنْتَظِرُ إِشَارَةَ الْعَقْلِ وَالدِّينِ فَيَنْبَعِثُ حَيْثُ تَجِبُ الْحَمِيَّةُ وينطفيء حَيْثُ يَحْسُنُ الْحِلْمُ وَحِفْظُهُ عَلَى حَدِّ الِاعْتِدَالِ هُوَ الِاسْتِقَامَةُ الَّتِي كَلَّفَ اللَّهُ بِهَا عِبَادَهُ وَهُوَ الْوَسَطُ الَّذِي وَصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ

стр. 915

حيث قال خير الأمور أوساطها (١) فمن مال غضبه إلى الفتور حتى أحس من نفسه بضعف الغيرة وخسة النفس في احتمال الذل والضيم في غير محله فينبغي أن يعالج نفسه حتى يقوى غضبه ومن مال غضبه إلى الإفراط حتى جره إلى التهور واقتحام الفواحش فينبغي أن يعالج نفسه لينقص من سورة الغضب ويقف على الوسط الحق بين الطرفين فهو الصراط المستقيم وهو أرق من الشعرة وأحد من السيف فأن عجز عنه فليطلب القرب منه قال تعالى ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة﴾ فليس كل من عجز عن الإتيان بالخير كله ينبغي أن يأتي بالشر كله ولكن بعض الشر أهون من بعض وبعض الخير أرفع من بعض فهذه حقيقة الغضب ودرجاته نسأله الله حسن التوفيق لما يرضيه إنه على ما يشاء قدير بيان الغضب هل يمكن إزالة أصله بالرياضة أم لا اعلم أنه ظن ظانون أنه يتصور محو الغضب بالكلية وزعموا أن الرياضة إليه تتوجه وإياه تقصد وظن آخرون أنه أصل لا يقبل العلاج وهذا رأي من يظن أن الخلق كالخلق وكلاهما لا يقبل التغيير وكلا الرأيين ضعيف بل الحق فيه ما نذكره وهو أنه ما بقي الْإِنْسَانُ يُحِبُّ شَيْئًا وَيَكْرَهُ شَيْئًا فَلَا يَخْلُو من الغيظ والغضب وما دام يوافقه شيء ويخالفه آخر فلا بد من أن يحب ما يوافقه ويكره ما يخالفه والغضب يتبع ذلك فإنه مهما أخذ منه محبوبه غضب لا محالة وإذا قصد بمكروه غضب لا محالة إلا أن ما يحبه الإنسان ينقسم إلى ثلاثة أقسام الأول ما هو ضرورة في حق الكافة كالقوت والمسكن والملبس وصحة البدن فمن قصد بدنه بالضرب والجرح فلا بد وأن يغضب وكذلك إذا أخذ منه ثوبه الذي يستر عورته وكذلك إذا أخرج من داره التي هي مسكنه أو أريق ماؤه الذي لعطشه فهذه ضرورات لا يخلو الإنسان من كراهة زوالها ومن غيظ على من يتعرض لها القسم الثاني ما ليس ضرورياً لأحد من الخلق كالجاه والمال الكثير والغلمان والدواب فإن هذه الأمور صارت محبوبة بالعادة والجهل بمقاصد الأمور حتى صار الذهب والفضة محبوبين في أنفسهما فيكنزان ويغضب على من يسرقهما وإن كان مستغنياً عنهما في القوت فهذا الجنس مما يتصور أن ينفك الإنسان عن أصل الغيظ عليه فإذا كانت له دار زائدة على مسكنه فهدمه ظالم فيجوز أن لا يغضب إذ يجوز أن يكون بصيراً بأمر الدنيا فيزهد في الزيادة على الحاجة فلا يغضب بأخذها فإنه لا يحب وجودها ولو أحب وجودها لغضب على الضرورة بأخذها وأكثر غضب الناس على ما هو غير ضروري كالجاه والصيت والتصدر في المجالس والمباهاة في العلم فمن غلب هذا الحب عليه فلا محالة يغضب إذا زاحمه مزاحم على التصدر في المحافل ومن لا يحب ذلك فلا يبالي ولو جلس في صف النعال فلا يغضب إذا جلس غيره فوقه وهذه العادات الرديئة هي التي أكثرت محاب الإنسان ومكارهه فأكثرت غضبه وكلما كانت الإرادات والشهوات أكثر كان صاحبها أحط رتبة وأنقص لأن الحاجة صفة نقص فمهما كثرة كثر النقص والجاهل أبدا جهده في أن يزيد في حاجاته وفي شهواته وهو لا يدري أنه مستكثر من أسباب الغم والحزم حتى ينتى بعض الجهال بالعادات الرديئة ومخالطة قرناء السوء إلى أن يغضب لو قيل له إنك لا تحسن اللعب بالطيور واللعب بالشطرنج ولا تقدر على شرب الخمر الكثير وتناول الطعام الكثير وما يجري مجراه من الرذائل فالغضب على هذا الجنس ليس بضروري لأن حبه ليس بضروري
следующие страницы →