← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فله أن يتألفهم، ولا يكون لفشو الاسلام تأثير، لانه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة. وفي المنار: " وهذا هو الحق في جملته، وإنما يجئ الاجتهاد في تفصيله من حيث الاستحقاق، ومقدار الذي يعطى من الصدقات، ومن الغنائم إن وجدت، وغيرها من أموال المصالح. والواجب فيه الاخذ برأي أهل الشورى، كما كان يفعل الخلفاء في الامور الاجتهادية، وفي اشتراط العجز عن إدخال الامام إياهم تحت طاعته بالغلب نظر، فإن هذا لا يطرد، بل الاصل فيه ترجيح أخف الضررين. وخير المصلحتين ". (٥) وفي الرقاب: ويشمل المكاتبين، والارقاء فيعان المكاتبون بمال الصدقة لفك رقابهم من الرق، ويشترى به العبيد، ويعتقون. فعن البراء قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال، دلني على عمل يقربني من الجنة، ويبعدني من النار، فقال: " أعتق النسمة وفك الرقبة " فقال: يا رسول الله، أو ليسا واحدا؟ قال: " لا، عتق الرقبة، أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين بثمنها " رواه أحمد، والدارقطني ورجاله ثقات. وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " ثلاثة كلهم حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الاداء، والناكح والمتعفف (١) " رواه وأحمد، وأصحاب السنن، وقال الترمذي: حسن صحيح. قال الشوكاني: " قد اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى: " وفي الرقاب " فروي عن علي بن أبي طالب، وسعيد بن جبير، والليث، والثوري، والعترة، والحنفية، والشافعية، وأكثر أهل العلم: أن المراد به المكاتبون، من الزكاة على الكتابة. وروي عن ابن عباس، والحسن البصري، ومالك، وأحمد بن حنبل،

стр. 387

وأبي ثور، وأبي عبيد - وإليه مال البخاري، وابن المنذر -: أن المراد بذلك أنها تشترى رقاب لتعتق. واحتجوا بأنها لو اختصت بالمكاتب لدخل في حكم الغارمين، لانه غارم، وبأن شراء الرقبة لتعتق أولى من إعناة المكاتب، لانه قد يعان ولا يعتق، لان المكاتب عبد، ما بقي عليه درهم، ولان الشراء يتيسر في كل وقت، بخلاف الكتابة. وقال الزهري: إنه يجمع بين الامرين، وإليه أشار المصنف (١) وهو الظاهر، لان الاية تحتمل الامرين. وحديث البراء المذكور، فيه دليل على أن فك الرقاب غير عتقها، وعلى أن العتق، وإعانة المكاتبين على مال الكتاب، من الاعمال المقربة إلى الجنة والمبعدة من النار. (٦) والغارمون: وهم الذين تحملوا الديون، وتعذر عليهم أداؤها، وهم أقسام: فمنهم من تحمل حمالة، أو ضمن دينا فلزمه، فأجحف بماله أو استدان لحاجته إلى الاستدانة، أو في معصية تاب منها، فهؤلاء جميعا يأخذون من الصدقة ما بقي بديونهم. ١ - روى أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والترمذي، وحسنه، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: " لا تحل المسألة إلا لثلاث، لذي فقر مدقع (٢) أو لذى غرم (٣) مفظع (٤) ، أو لذي دم موجع (٥) " ٢ - وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: أصيب

стр. 388

رجل في عهد رسول الله ﷺ في ثمار ابتاعها (١) ، فكثر دينه، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم: " تصدقوا عليه "، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال النبي ﷺ لغرمائه. " خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك (٢) " ٣ - وتقدم حديث قبيصة بن مخارق قال: تحملت حمالة فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها، فقال: " أقم حتى تأتينا الصدقة فتأمر لك بها " الحديث. قال العلماء: والحمالة، ما يتحمله الانسان، ويلتزمه في ذمته بالاستدانة، ليدفعه في إصلاح ذات البين، وقد كانت العرب إذا وقعت بينهم فتنة، اقتضت غرامة في دية، أو غيرها: قام أحدهما فتبرع بالتزام ذلك والقيام به، حتى ترتفع تلك الفتنة الثائرة، ولا شك أن هذا من مكارم الاخلاق. وكانوا إذا علموا أن أحدهم تحمل حمالة بادروا إلى معونته، وأعطوه ما تبرأ به ذمته، وإذا سأل في ذلك لم يعد نقصا في قدره، بل فخرا. ولا يشترط في أخذ الزكاة فيها، أن يكون عاجزا عن الوفاء بها، بل له الاخذ، وإن كان في ماله الوفاء. (٧) وفي سبيل الله: سبيل الله، الطريق الموصل إلى مرضاته من العلم، والعمل. وجمهور العلماء، على أن المراد به هنا الغزو، وأن سهم (سبيل الله) يعطى للمتطوعين من الغزاة، الذين ليس لهم مرتب من الدولة. فهؤلاء لهم سهم من الزكاة، يعطونه، سواء كانوا من الاغنياء أم الفقراء. وقد تقدم حديث رسول الله ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة. الغازي في سبيل الله..الخ ".

стр. 389

والحج ليس من سبيل الله التي تصرف فيها الزكاة، لانه مفروض على المستطيع، دون غيره. وفي تفسير المنار: " يجوز الصرف من هذا السهم على تأمين طرق الحج، وتوفير الماء، والغذاء وأسباب الصحة للحجاج، إن لم يوجد لذلك مصرف آخر. " وفيه: " وفي سبيل الله " وهو يشتمل سائر المصالح الشرعية العامة، التي هي ملاك أمر الدين، والدولة: وأولها، وأولاها بالتقديم، الاستعداد للحرب، بشراء السلاح، وأغذية الجند، وأدوات النقل، وتجهيز الغزاة. ولكن الذي يجهز به الغازي يعود بعد الحرب إلى بيت المال، إن كان مما يبقى، كالسلاح، والخيل، وغير ذلك، لانه لا يملكه دائما، بصفة الغزو التي قامت به، بل يستعمله في سبيل الله، ويبقى بعد زوال تلك الصفة منه في سبيل الله، بخلاف الفقير، والعامل عليها، والغارم والمؤلف، وابن السبيل، فإنهم لا يردون ما أخذوا، بعد فقد الصفة التي أخذوا بها. ويدخل في عمومه إنشاء المستشفيات العسكرية، وكذا الخيرية العامة، وإشراع الطرق، وتعبيدها، ومد الخطوط الحديدية العسكرية، لا التجارية، ومنها بناء البوارج المدرعة، والمناطيد، والطيارات الحربية، والحصون، والخنادق. ومن أهم ما ينفق في سبيل الله، في زماننا هذا، إعداد الدعاة إلى السلام، وإرسالهم إلى بلاد الكفار، من قبل جمعيات منظمة تمدهم بالمال الكافي، كما يفعله الكفار في نشر دينهم. ويدخل فيه النفقة على المدارس، للعلوم الشرعية، وغيرها مما تقوم به المصلحة العامة. وفي هذه الحالة يعطى منها معلمو هذه المدارس، ما داموا يؤدون وظائفهم المشروعة، التي ينقطعون بها عن كسب آخر ولا يعطى عالم غني لاجل علمه، وإن كان يفيد الناس به. انتهى.

стр. 390

(٨) وابن السبيل: اتفق العلماء على أن المسافر المنقطع عن بلده يعطى من الصدقة، ما يستعين به على تحقيق مقصده، إذا لم يتيسر له شئ من ماله، نظرا لفقره العارض. واشترطوا أن يكون سفره في طاعة، أو في غير معصية. واختلفوا في السفر المباح. والمختار عند الشافعية: أنه يأخذ من الصدقة، حتى لو كان السفر للتفرج، والتنزه..وابن السبيل عند الشافعية قسمان: (١) من ينشئ سفرا من بلد مقيم به، ولو كان وطنه. (٢) غريب مسافر، يجتاز بالبلد. وكلاهما له الحق في الاخذ من الزكاة، ولو وجد من يقرضه كفايته، وله ببلده، ما يقتضي به دينه. وعند مالك، وأحمد: ابن السبيل المستحق للزكاة، يختص بالمجتاز دون المنشئ ولا يعطى من الزكاة من إذا وجد مقرضا يقرضه وكان له من المال ببلده، ما يفي بقرضه. فإن لم يجد مقرضا، أو لم يكن له مال يقضى منه قرضه، أعطي من الزكاة. توزيع الزكاة على المستحقين، كلهم، أو بعضهم: الاصناف الثمانية، المستحقون للزكاة، المذكورون في الاية هم: الفقراء والمساكين، والعاملون عليها، والمؤلفة قلوبهم، والارقاء، والغارمون وأبناء السبيل، والمجاهدون. وقد اختلف الفقهاء في توزيع الصدقة عليهم: فقال الشافعي واصحابه: إن كان مفرق الزكاة هو المالك أو وكيله، سقط نصيب العامل، ووجب صرفها إلى الاصناف السبعة الباقين، إن وجدوا

стр. 391

وإلا فللموجود منهم، ولا يجوز ترك صنف منهم، مع وجوده، فإن تركه ضمن نصيبه. وقال إبراهيم النخعي: إن كان المال كثيرا، يحتمل الاجزاء قسمه على الاصناف. وإن كان قليلا جاز أن يوضع في صنف واحد. وقال أحمد بن حنبل: تفريقها أولى، ويجزئه أن يضعه في صنف واحد. وقال مالك: يجتهد ويتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الاولى فالاولى، من أهل الخلة (١) والفاعة، فإن رأى الخلة في الفقراء في عام، أكثر قدمهم، وإن رآهم في أبناء السبيل في عام آخر، حولها إليهم. وقالت الاحناف. وسفيان الثوري: هو مخير يضعها في أي الاصناف شاء. وهذا مروي عن حذيفة، وابن عباس، وقول الحسن البصري، وعطاء ابن أبي رباح. وقال أبو حنيفة: وله صرفها إلى شخص واحد، من أحد الاصناف. سبب اختلافهم ومنشؤه: قال ابن رشد: " وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى، فإن اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم، والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة، إذ كان المقصود بها سد الخلة، فكان تعديدهم في الاية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس - أعني أهل الصدقات - لا تشريكهم في الصدقة. فالاول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من جهة المعنى. " ومن الحجة للشافعي، ما رواه أبو داود عن الصدائي: أن رجلا سأل النبي ﷺ أن يعطيه من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ : " إن الله لم يرض أن يحكم نبي ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك ".

стр. 392

ترجيح رأي الجمهور على رأي الشافعي: قال في الروضة الندية: " وأما صرف الزكاة كلها في صنف واحد، فهذا المقام خليق بتحقيق الكلام. والحاصل: أن الله جعل الصدقة مختصة بالاصناف الثمانية، غير سائغة لغيرهم. واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية، ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم. بل المعنى أن جنس الصدقات، لجنس هذه الاصناف. فمن وجب عليه شئ من جنس الصدقة، ووضعه في جنس الاصناف، فقد فعل ما أمره الله به، وسقط عنه ما أوجبه الله عليه، ولو قيل: إنه يجب على المالك - إذا حصل له شئ تجب فيه الزكاة - تقسيطه على جميع الاصناف الثمانية، على فرض وجودهم جميعا، لكان ذلك - مع ما فيه من الحرج والمشقة - مخالفا لما فعله المسلمون، سلفهم، وخلفهم. وقد يكون الحاصل شيئا حقيرا، لو قسط على جميع الاصناف لما انتفع كل صنف بما حصل له ولو كان نوعا واحدا، فضلا عن أن يكون عددا. إذا تقرر لك هذا، لاح لك عدم صلاحية ما وقع منه، ﷺ من الدفع إلى سلمة بن صخر (١) من الصدقات للاستدلال بها. ولم يرد ما يقتضي إيجاب توزيع كل صدقة على جميع الاصناف. وكذلك لا يصلح للاحتجاج حديث أمره صلى عليه وسلم لمعاذ: أن يأخذ الصدقة من أغنياء أهل اليمن ويردها في فقرائهم، لان تلك أيضا صدقة جماعة من المسلمين وقد صرفت في جنس الاصناف. وكذلك حديث زياد بن الحارث الصدائي. وذكر الحديث المتقدم، ثم قال: لان في إسناده عبد الرحمن بن زياد الافريقي، وقد تكلم فيه غير واحد، وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج، فالمراد بتجزئة مصارفها، كما هو ظاهر الاية التي قصدها ﷺ : ولو كان

стр. 393

المراد تجزئة الصدقة نفسها، وأن كل جزء لا يجوز صرفه في غير الصنف المقابل له، لما جاز صرف نصيب ما هو مغدوم من الاصناف إلى غيره، وهو خلاف الاجماع من المسلمين. وأيضا لو سلم ذلك، لكان باعتبار مجموع الصدقات التي تجتمع عند الامام، لا باعتبار صدقة كل فرد، فلم يبق ما يدل على وجوب التقسيط بل يجوز إعطاء بعض المستحقين بعض الصدقات، وإعطاء بعضهم بعضا آخر. نعم إذا جمع الامام جميع صدقات أهل قطر من الاقطار، وحضر عنده جميع الاصناف الثمانية، كان لكل صنف حق في مطالبته بما فرضه الله، وليس عليه تقسيط ذلك بينهم بالسوية ولا تعميمهم بالعطاء، بل له أن يعطي بعض الاصناف أكثر من البعض الاخر، وله أن يعطي بعضهم دون بعض، إذا رأى في ذلك صلاحا عائدا على الاسلام وأهله. مثلا إذا جمعت لديه الصدقات، وحضر الجهاد، وحقت المدافعة عن حوزة الاسلام من الكفار، أو البغاة، فإن له إيثار صنف المجاهدين بالصرف إليهم، وإن استغرق جميع الحاصل من الصدقات، وهكذا إذا اقتضت المصلحة إيثار غير المجاهدين (١) " من يحرم عليهم الصدقة ذكرنا فيما سبق مصارف الزكاة، وأصناف المستحقين، وبي أن نذكر أصنافا لا تحل لهم الزكاة، ولا يستحقونها وهم: ١ - الكفرة والملاحدة، وهذا مما اتفقت عليه كلمة الفقهاء. ففي الحديث " تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم ". والمقصود بهم أغنياء المسلمين وفقراؤهم دون غيرهم. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الذمي لا يعطى من زكاة الاموال شيئا. ويستثنى من ذلك المؤلفة قلوبهم كما تقدم بيانه.

стр. 394

ويجوز أن يعطوا (١) من صدقة التطوع، ففي القرآن: " ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا ". وفي الحديث: " صلي أمك " وكانت مشركة. ٢ - بنو هاشم: والمراد بهم آل علي وآل عقيل، وآل جعفر، وآل العباس، وآل الحارث. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافا في أن بني هاشم لا تحل لهم الصدقة المفروضة وقد قال النبي ﷺ : " إن الصدقة لا تنبغي لال محمد، إنما هي أوساخ الناس " رواه مسلم. وعن أبي هريرة قال: أخذ الحسن تمرة من تمر الصدقة، فقال النبي ﷺ : " كخ كخ، لطرحها، أما شعرت أنا لا نأكل الصدقة " متفق عليه. واختلف العلماء في بني المطلب، فذهب الشافعي: إلى أنه ليس لهم الاخذ من الزكاة، مثل بني هاشم. لما رواه الشافعي، وأحمد، والبخاري، عن جبير بن مطعم قال: لما كان يوم خيبر، وضع النبي ﷺ سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب، وترك بني نوفل، وبني عبد شمس، فأتيت أنا، وعثمان ابن عفان رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم، لا ننكر فضلهم للموضع الذي وضعك الله به منهم، فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا، وقرابتنا واحدة. فقال النبي ﷺ " إنا وبني المطب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام، وإنما نحن وهم شئ واحد، وشبك بين أصابعه. قال ابن حزم: فصح أنه لا يجوز أن يفرق بين حكمهم، في شئ أصلا، لانهم شئ واحد بنص كلامه، ﵊، فصح أنهم آل محمد، وإذ هم آل محمد، فالصدقة عليهم حرام.

стр. 395

وعن أبي حنيفة، أن لبني المطلب أن يأخذوا من الزكاة، والرأيان روايتان عن أحمد. وكما حرم رسول الله ﷺ الصدقة على بني هاشم، حرمها كذلك على مواليهم (١) . فعن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ ، أن النبي ﷺ بعث رجلا من بني مخزوم على الصدقة، فقال: أصحبني كيما تصيب منها، قال: لا، حتى آتي رسول الله ﷺ ، فأسأله، وانطلق فسأله فقال: " إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم " رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وقال: حسن صحيح. واختلف العلماء في صدقة التطوع، هل تحل لهم أم تحرم عليهم؟. قال الشوكاني: ملخصا الاقوال في ذلك - واعلم أن ظاهر قوله: " لا تحل لنا الصدقة " عدم حل صدقة الفرض والتطوع، وقد نقل جماعة، منهم الخطابي، الاجماع على تحريمهما عليه، ﷺ . وتعقب بأنه قد حكى غير واحد عن الشافعي في التطوع قولا. وكذا في رواية عن أحمد. وقال ابن قدامة: ليس ما نقل عنه من ذلك بواضح الدلالة. وأما آل النبي ﷺ ، فقد قال أكثر الحنفية وهو الصحيح عن الشافعية، والحنابلة، وكثير من الزيدية - إنها تجوز لهم صدقة التطوع دون الفرض، قالوا: لان المحرم عليهم إنما هو أوساخ الناس، وذلك هو الزكاة لا صدقة التطوع. وقال في البحر: إنه خصص صدقة التطوع القيلس على الهبة، والهدية والوقف. وقال أبو يوسف، وأبو العباس، إنها تحرم عليهم كصدقة الفرض، لان الدليل لم يفصل (٢) .

стр. 396

(٣ و ٤) الاباء والابناء: اتفق الفقهاء: على أنه لا يجوز إعطاء الزكاة إلى الاباء والاجداد، والامهات، والجدات، والابناء، وأبناء الابناء، والبنات وأبنائهن، لانه يجب على المزكي أن ينفق على آبائه وإن علوا، وأبنائه، وإن نزلوا، وإن كانوا فقراء، فهم أغنياء بغناه، فإذا دفع الزكاة إليهم فقد جلب لنفسه نفعا، بمنع وجوب النفقة عليه. واستثنى مالك الجد، والجدة، وبني البنين، فأجاز دفعها إليهم لسقوط نفقتهم (١) . هذا في حالة ما إذا كانوا فقراء، فإن كانوا أغنياء، وغزوا متطوعين في سبيل الله، فله أن يعطيهم من سهم سبيل الله، كما له أن يعطيهم من سهم الغارمين، لانه لا يجب عليه أداء ديونهم، ويعطيهم كذلك من سهم العاملين، إذا كانوا بهذه الصفة. (٥) الزوجة: قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الرجل لا يعطي زوجته من الزكاة. وسبب ذلك، أن نفقتها واجبة عليه، تستغنى بها عن أخذ الزكاة، مثل الوالدين، إلا إذا كانت مدينة فتعطى من سهم الغارمين، لتؤدي دينها. (٦) صرف الزكاة في وجوه القرب: لا يجوز صرف الزكاة إلى القرب التي يتقرب بها إلى الله تعالى، غير ما ذكره في آية: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " فلا تدفع لبناء المساجد والقناطر، وإصلاح الطرقات، والتوسعة على الاضياف، وتكفين الموتى وأشباه ذلك. قال أبو داود: سمعت أحمد - وسئل - يكفن الموتى من الزكاة؟

стр. 397

قال: لا، ولا يقضى من الزكاة دين الميت (١) وقال: يقضى من الزكاة دين الحى، ولا يقضى منها دين الميت. لان الميت لا يكون غارما. قيل: فانما يعطى أهله. قال: إن كانت على أهله فنعم. من الذي يقوم بتوزيع الزكاة: كان رسول الله ﷺ يبعث نوابه، ليجمعوا الصدقات، ويوزعها على المستحقين، وكان أبو بكر وعمر يفعلان ذلك. لا فرق بين الاموال الظاهرة والباطنة (٢) فلما جاء عثمان، سار على النهج زمنا، إلا أنه لما رأى كثرة الاموال الباطنة، ووجد أن في تتبعها حرجا على الامة وفي تفتيشها ضررا بأربابها، فوض أداء زكاتها إلى أصحاب الاموال. وقد اتفق الفقهاء على أن الملاك هم الذين يتولون تفريق الزكاة بأنفسهم، إذا كانت الزكاة زكاة الاموال الباطنة. لقول السائب بن يزيد: سمعت عثمان بن عفان يخطب على منبر رسول الله ﷺ يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان منكم عليه دين فليقض دينه، حتى تخلص أموالكم فتؤدوا منها الزكاة. رواه البيهقي بإسناد صحيح. وقال النووي: ونقل أصحابنا فيه إجماع المسلمين. وإذا كان للملاك أن يفرقوا زكاة أموالهم الباطنة فهل هذا هو الافضل؟ أم الافضل أن يؤدوها للامام ليقوم بتوزيعها؟. المختار عند الشافعية: أن الدفع إلى الامام، إذا كان عادلا أفضل. وعند الحنابلة: الافضل أن يوزعها بنفسه، فإن أعطاها للسلطان فجائز

стр. 398

أما إذا كانت الاموال ظاهرة، فإمام المسلمين ونوابه هم الذين لهم ولاية الطلب، والاخذ، عند مالك، والاحناف. ورأي الشافعية والحنابلة في الاموال الظاهرة كرأيهم في الاموال الباطنة. براءة رب المال بالدفع إلى الامام مع العدل والجور: إذا كان للمسلمين إمام يدين بالاسلام دفع الزكاة إليه عادلا كان أم جائرا، وتبرأ ذمة رب المال بالدفع إليه. إلا انه إذا كان لا يضع الزكاة موضعها، فالافضل له أن يفرقها بنفسه على متسحقيها إلا إذا طلبها الامام أو عامله عليها (١) . ١ - فعن أنس قال: أتى رجل من بني تميم، رسول الله ﷺ فقال: حسبي يا رسول الله، إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله ﷺ : " نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها ".رواه أحمد. ٢ - وعن ابن مسعود ﵁، أن النبي ﷺ قال: " إنها ستكون بعدي أثرة (٢) ، وأمور تنكرونها. قالوا: يا رسول الله فما تأمرنا، قال: " تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم ". رواه البخاري، ومسلم. ٣ - وعن وائل بن حجر قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل يسأله - فقال: أرأيت ان كان علينا أمراء يمنعوننا حقهم؟ فقال: " اسمعوا وأطيعوا، فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم " رواه مسلم. قال الشوكاني: والاحاديث المذكورة في الباب، استدل بها الجمهور على جواز دفع الزكاة إلى سلاطين الجور، وإجزائها. هذا بالنسبة لامام المسلمين في دار الاسلام. وأما إعطاء الزكاة للحكومات المعاصرة: فقال الشيخ رشيد رضا:

стр. 399

" ولكن أكثر المسلمين لم يبق لهم في هذا العصر حكومات إسلامية، تقيم الاسلام بالدعوة إليه، والدفاع عنه والجهاد الذي يوجبه وجوبا عينيا، أو كفائيا، وتقيم حدوده، وتأخذ الصدقات المفروضة، كما فرضها الله، وتضعها في مصارفها التي حددها - بل سقط اكثرهم تحت سلطة دول الافرنج، وبعضهم تحت سلطة حكومات مرتدة عنه، أو ملحدة فيه. ولبعض الخاضعين لدون الافرنج رؤساء من المسلمين الجغرافيين، اتخذهم الافرنج آلات لاخضاع الشعوب لهم، باسم الاسلام حتى فيما يهدمون به الاسلام، ويتصرفون بنفوذهم وأموالهم الخاصة بهم، فيما له صفة دينية، من صدقات الزكاة، والاوقاف وغيرهما. فأمثال هذه الحكومات، لا يجوز دفع شئ من الزكاة لها، مهما يكن لقب رئيسها، ودينه الرسمي. وأما بقايا الحكومات الاسلامية، التي يدين أئمتها ورؤساؤها بالاسلام، ولا سلطان عليهم للاجانب في بيت مال المسلمين، فهي التي يجب أداء الزكاة الظاهرة لائمتها. وكذا الباطنة، كالنقدين إذا طلبوها، وإن كانوا جائرين في بعض أحكامهم، كما قال الفقهاء ". انتهى. استحباب اعطاء الصدقة للصالحين الزكاة تعطى للمسلم، إذا كان من أهل السهام، وذوي الاستحقاق، سواء أكان صالحا أم فاسقا (١) إلا إذا علم أنه سيستعين بها على ارتكاب ما حرم الله، فإنه يمنع منها، سدا للذريعة، فإذا لم يعلم عنه شئ، أو علم أنه سينتفع بها، فإنه يعطى منها. وينبغي أن يخص المزكي بزكاته أهل الصلاح والعلم، وأرباب المروءات، فعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: " مثل المؤمن، ومثل الايمان، كمثل الفرس في آخيته (٢) يجول، ثم يرجع إلى

стр. 400

آخيته. وإن المؤمن يسهو ثم يرجع إلى الايمان. فأطعموا اطعامكم الاتقياء، وأولوا معروفكم المؤمنين " رواه أحمد، بسند جيد، وحسنه السيوطي. وقال ابن تيمية: فمن لا يصلي من أهل الحاجات، لا يعطى شيئا حتى يتوب، ويلتزم أداء الصلاة. وهذا حق، فإن ترك الصلاة إثم كبير، لا يصح أن يعان مقترفه، حتى يحدث لله توبة. ويلحق بتارك الصلاة، العابثون، والمستهترون الذين لا يتورعون عن منكر، ولا ينتهون عن غي، والذين فسدت ضمائر هم، وانطمست فطرهم، وتعطلت حاسة الخير فيهم. فهؤلاء لا يعطون من الزكاة إلا إذا كان العطاء يوجههم الوجهة الصالحة ويعينهم على صلاح أنفسهم، بإيقاظ باعث الخير، واستثارة عاطفة التدين. نهي المزكي أن يشتري صدقته نهى رسول الله ﷺ المزكي ان يشتري زكاته حتى لا يرجع فيما تركه لله عزوجل، كما نهى المهاجرين عن العودة إلى مكة، بعد أن فارقوها مهاجرين. فعن عبد الله بن عمر ﵄: " أن عمر رضى الله عنه حمل (١) على فرس في سبيل الله، فوجده يباع، فأراد أن يبتاعه (٢) ، فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: " لا تبتعه، ولا تعد في صدقتك " رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي. قال النووي: هذا نهي تنزيه، لا تحريك فيكره لمن تصدق بشئ أو أحوجه في زكاته، أو فكفارة نذر، ونحو ذلك من القربات أن يشتريه ممن دفعه هو إليه. أو يهبه، أو يتملكه باختياره، فأما إذا ورثه منه فلا كراهة فيه.

стр. 401

وقال ابن بطال: كره أكثر العلماء شراء الرجل صدقته لحديث عمر هذا. وقال ابن المنذر: رخص في شراء الصدقة الحسن، وعكرمة وربيعة، والاوزاعي. ورجع هذا الرأي ابن حزم، واستدل بحديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تحل الصدقة لغني، إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل اشتراها بماله، أو لرجل كان له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهداها المسكين للغني ". استحباب اعطاء الزكاة للزوج والاقارب إذا كان للزوجة مال، تجب فيه الزكاة، فلها أن تعطي لزوجها المستحق من زكاتها، إذا كان من أهل الاستحقاق، لانه لا يجب عليه الانفاق عليه. وثوابها في إعطائه أفضل من ثوابها إذا أعطت الاجنبي. فعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن زينب امرأة ابن مسعود قالت: يا نبي الله، إنك أمرت اليوم بالصدقة وكان عندي حلى، فأردت أن أتصدق به، فزعم ابن مسعود أنه وولده، أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي صلى الله عليه واله وسلم " صدق ابن مسعود، زوجك، وولدك أحق من تصدقت به عليهم " رواه البخاري. وهذا مذهب الشافعي، وابن المنذر، وأبي يوسف، ومحمد، وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد. وذهب أبو حنيفة، وغيره: إلى أنه لا يجوز لها أن تدفع له من زكاتها، وقالوا: إن حديث زينب ورد في صدقة التطوع، لا الفرض. وقال مالك إن كان يستعين بما يأخذه منها على نفقتها فلا يجوز. وإن كان يصرفه في غير نفقتها جاز. وأما سائر الاقارب كالاخوة، والاخوات، والاعمام والاخوال،

стр. 402

والعمات. والخالات، فإنه يجوز دفع الزكاة إليهم، إذا كانوا مستحقين، في قول أكثر أهل العلم. لقول الرسول ﷺ : " الصدقة على المسكين صدقة (١) ، وعلى ذي القرابة اثنتان: صلة، وصدقة (٢) " رواه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه. اعطاء طلبة العلم من الزكاة دون العباد قال النووي: ولو قدر على كسب يليق بحاله، إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم الشرعية، بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع عن التحصيل، حلت له الزكاة، لان تحصيل العلم فرض كفاية. وأما من لا يتأتى منه التحصيل فلا تحل له الزكاة إذا قدر على الكسب، وإن كان مقيما بالمدرسة هذا الذى ذكرناه هو الصحيح المشهور. قال: " وأما من أقبل على نوافل العبادات - والكسب يمنعه منها، أو من استغراق الوقت بها - فلا تحل له الزكاة بالاتفاق، لان مصلحة عبادته قاصرة عليه، بخلاف المشتغل بالعلم ". اسقاط الدين عن الزكاة قال النووي في المجموع: " لو كان على رجل معسر دين، فأراد أن يجعله عن زكاته وقال له: جعلته عن زكاتي فوجهان: أصحهما، لا يجزئه، وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، لان الزكاة في ذمته، فلا يبرأ إلا بإقباضها. والثاني: يجزئه، وهو مذهب الحسن البصري. وعطاء، لانه لو دفعه إليه، ثم أخذه منه جاز، فكذا إذا لم يقبضه. كما لو كانت له دراهم وديعة، ودفعها عن الزكاة، فإنه يجزئه، سواء قبضها، أم لا.

стр. 403

أما إذا دفع الزكاة، بشرط أن يردها إليه عن دينه فلا يصح الدفع، ولا تسقط الزكاة بالاتفاق. ولا يصح قضاء الدين بذلك بالاتفاق، ولو نويا ذلك، ولم يشترطاه، جاز بالاتفاق، وأجزأه عن الزكاة، وإذا رده إليه عن الدين، برئ. نقل الزكاة أجمع الفقهاء على جواز نقل الزكاة إلى من يستحقها، من بلد إلى أخرى إذا استغنى أهل بلد المزكي عنها. أما إذا لم يستغن قوم المزكي عنها، فقد جاءت الاحاديث مصرحة بأن زكاة كل بلد تصرف في فقراء أهله، ولا تنقل إلى بلد آخر، لان المقصود من الزكاة، إغناء الفقراء من كل بلد، فإذا أبيح نقلها من بلد - مع وجود فقراء بها - أفضى إلى بقاء فقراء ذلك البلد محتاجين. ففي حديث معاذ المتقدم " أخبرهم ": أن عليهم صدقد تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم ". وعن أبي جحيفة قال: قدم علينا مصدق رسول الله ﷺ فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا، فكنت غلامايتيما، فأعطاني قلوصا. رواه الترمذي وحسنه. وعن عمران بن حصين: أنه أستعمل على الصدقة، فلما رجع قيل له: أين المال؟ قال: وللمال أرسلتني؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول الله ﷺ ، ووضعناه حيث كنا نضعه. رواه أبو داود، وابن ماجه. وعن طاوس قال: كان في كتاب معاذ: من خرج من مخلاف إلى مخلاف، فإن صدقته وعشره في مخلاف عشيرته. رواه الاثرم في سننه. وقد استدل الفقهاء بهذه الاحاديث: على أنه يشرع صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله، واختلفوا في نقلها من بلدة إلى بلدة أخرى، بعد إجماعهم على أنه يجوز نقلها إلى إلى من يستحقها إذا استغنى أهل بلده عنها، كما تقدم.

стр. 404

فقال الاحناف: يكره نقلها، إلا أن ينقلها إلى قرابة محتاجين لما في ذلك من صلة الرحم، أو جماعة هم أمس حاجة من أهل بلده، أو كان نقلها أصلح للمسلمين، أو من دار الحرب إلى دار الاسلام، أو إلى طالب علم، أو كانت الزكاة معجلة قبل تمام الحول، فإنه في هذه الصور جميعها، لا يكره النقل. وقالت الشافعية: لا يجوز نقل الزكاة، ويجب صرفها في بلد المال، إلا إذا فقد من يستحق الزكاة، في الموضع الذي وجبت فيه. فعن عمرو بن شعيب: أن معاذ بن جبل لم يزل بالجند - إذ بعثه رسول الله ﷺ حتى مات النبي ﷺ ثم قدم على عمر، فرده على ما كان عليه، فبعث إليه بثلث صدقة الناس، فأنكر ذلك عمر، وقال: لم أبعثك جابيا ولا آخذ جزية، ولكن بعثتك لتأخذ من أغنياء الناس، فترد على فقرائهم، فقال معاذ: ما بعثت اليك بشئ وأنا أجد أحدا يأخذه مني. فلما كان العام الثاني بعث إليه بشطر الصدقة، فتراجعا بمثل ذلك، فلما كان العام الثالث بعث إليه بها كلها، فراجعه عمر بمثل ما راجعه، فقال معاذ: ما وجدت أحدا يأخذ مني شيئا. رواه أبو عبيد. وقال مالك: لا يجوز نقل الزكاة، إلا أن يقع بأهل بلد حاجة، فينقلها الامام إليهم، على سبيل النظر والاجتهاد. وقالت الحنابلة: لا يجوز نقل الصدقة من بلدها إلى مسافة القصر. ويجب صرفها في موضع الوجوب أو قربه، إلى ما دون مسافة القصر. قال أبوداود: سمعت أحمد، سئل عن الزكاة يبعث بها من بلد إلى بلد؟ قال: لا. قيل: وإن كان قرابته بها؟ قال: لا. فإن استغنى عنها فقراء أهل بلدها جاز نقلها، واستدلوا بحديث أبي عبيد المتقدم. قال ابن قدامة: فإن خالف ونقلها أجزأته، في قول أكثر أهل العلم. فإن كان الرجل في بلد، وماله في بلد آخر، فالمعتبر ببلد المال، لانه سبب الوجوب ويمتد إليه نظر المستحقين. فإن كان بعضه حيث هو، وبعضه في بلاد أخرى، أدى زكاة كل مال، حيث هو.

стр. 405

هذا في زكاة المال، أما زكاة الفطر، فإنها تفرق في البلد الذي وجبت عليه فيه، سواء كان ماله فيه، أم لم يكن لان الزكاة تتعلق بعينه - وهو سبب الوجوب - لا المال. الخطا في مصرف الزكاة: تقدم الكلام على من تحل لهم الصدقة، ومن تحرم عليهم. ثم إنه لو أخطأ المزكي، وأعطى من تحرم عليه، وترك من تحل له دون علمه، ثم تبين له خطؤه، فهل يجزئه ذلك، وتسقط عنه الزكاة، أم أن الزكاة لا تزال دينا في ذمته، حتى يضعها موضعها؟ اختلفت أنظار الفقهاء في هذه المسألة: فقال أبو حنيفة، ومحمد، والحسن، وأبو عبيدة: يجزئه ما دفعه ولا يطالب بدفع زكاة أخرى. فعن معن بن يزيد قال: كان أبي أخرج دنانير، يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها فأتيته بها، فقال: والله ما إياك أردت. فخاصمته إلى النبي ﷺ ، فقال: " لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن ". رواه أحمد، والبخاري. والحديث، وإن كان فيه احتمال كون الصدقة نفلا، إلا أن لفظ: " ما " في قوله: " لك ما نويت " يفيد العموم. ولهم أيضا في الاحتجاج حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: " قال رجل (١) : لاتصدقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق (٢) فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على سارق فقال: اللهم لك الحمد (٣) لا تصدقن بصدقة. فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لاتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني. فأصبحوا يتحدثون تصدق الليلة على غني فقال. اللهم لك الحمد على زانية، وعلى سارق، وعلى

стр. 406

غني، فأتي (١) فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته. وأما الزانية، فلعلها أن تستعف به عن زناها. وأما الغني، فلعله أن يعتبر، فينفق مما آتاه الله ". رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. ولان النبي ﷺ قال للرجل الذي سأله الصدقة: " إن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك " وأعطى الرجلين الجلدين، وقال: " إن شئتما أعطيتكما منها، ولاحظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ". قال في المغني، ولو اعتبر حقيقة الغني، لما اكتفى بقولهم. وذهب مالك، والشافعي، وأبو يوسف، والثوري، وابن المنذر: إلى أنه لا يجزئه دفع الزكاة، إلى من لا يستحقها، إذا تبين له خطؤه وأن عليه أن يدفعها مرة أخرى إلى أهلها، لانه دفع الواجب إلى من لا يستحقه فلم يخرج من عهدته، كديون الآدميين. ومذهب أحمد: إذا أعطى الزكاة من يظنه فقيرا، فبان غنيا، ففيه روايتان: رواية بالاجزاء، ورواية بعدمه. فأما إن بان الآخذ عبدا، أو كافرا، أو هاشميا، أو ذا قرابة للمعطي، ممن لا يجوز الدفع إليه لم يجزئه الدفع إليه، رواية واحدة، لانه يتعذر معرفة الفقير من الغني دون غيره " يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ". اظهار الصدقة يجوز للمتصدق أن يظهر صدقته، سواء أكانت الصدقة صدقة فرض، أم نافلة، دون أن يرائي بصدقته، وإخفاؤها أفضل. قال الله تعالى: " إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ". وعند أحمد، والشيخين، عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " سبعة يظلهم الله في ظله وم لاظل إلا ظله: الامام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله عزوجل، اجتمعا عليه، وتفرقا عليه، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها،

стр. 407

حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. ورجل دعته امرأة ذات منصب، وجمال، إلى نفسها، فقال: إني أخاف الله عزوجل. زكاة الفطر: أي الزكاة التي تجب بالفطر من رمضان. وهي واجبة على كل فرد من المسلمين، صغير أو كبير، ذكر أو أنثى، حر أو عبد. روى البخاري ومسلم عن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر من رمضان صاعا من تمر، أو صاعا من شعير، على العبد، والحر، والذكر، والانثى، والصغير، والكبير من المسلمين. حكمتها: شرعت زكاة الفطر في شعبان، من السنة الثانية من الهجرة لتكون طهرة للصائم، مما عسى أن يكون وقع فيه، من اللغو، والرفث، ولتكون عونا للفقراء، والمعوزين. روى أبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، عن ابن عباس ﵄، قال: " فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر طهرة (١) للصائم، من اللغو (٢) والرفث (٣) وطعمة (٤) للمساكين، من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات ". على من تجب؟ تجب على الحر المسلم، المالك لمقدار صاع، يزيد عن قوته وقوت عياله، يوما (٥) وليلة.

стр. 408

وتجب عليه، عن نفسه، وعمن تلزمه نفقته، كزوجته، وأبنائه، وخدمه الذين يتولى أمورهم، ويقوم بالانفاق عليهم. قدرها: الواجب في صدقة الفطر صاع (١) من القمح، أو الشعير، التمر، أو الزبيب، أو الاقط (٢) ، أو الارز، أو الذرة أو نحو ذلك مما يعتبر قوتا. وجوز أبو حنيفة إخراج القيمة. وقال: إذا أخرج المزكي من القمح، فإنه يجزئ نصف صاع. قال أبو سعيد الخدري: " كنا، إذ كان فينا رسول الله ﷺ نخرج زكاة الفطر عن كل صغير، وكبير، حر، ومملوك، صاعا من من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب، فلم نزل نخرجه حتى قدم معاوية حاجا، أو معتمرا، فكلم الناس على المنبر، فكان فيما كلم به الناس، أن قال: إني أرى أن مدين (٣) من سمراء (٤) الشام، تعدل صاعا من تمر، فأخذ الناس بذلك. قال أبو سعيد: فأما أنا، فلا أزال أخرجه أبدا ما عشت " رواه الجماعة. قال الترمذي: والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون من كل شئ صاعا، وهو قول الشافعي، وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: من كل شئ صاع إلا البر فإنه يجزئ نصف صاع وهو قول سفيان، وابن المبارك، وأهل الكوفة. متى تجب؟ اتفق الفقهاء على أنها تجب في آخر رمضان، واختلفوا في تحديد الوقت، الذي تجب فيه.

стр. 409

فقال الثوري، وأحمد، وإسحاق، والشافعي في الجديد، وإحدى الروايتين عن مالك: إن وقت وجوبها، غروب الشمس، ليلة الفطر، لانه وقت الفطر من رمضان. وقال أبو حنيفة، والليث، والشافعي، في القديم، والرواية الثانية عن مالك: إن وقت وجوبها طلوع الفجر من يوم العيد. وفائدة هذا الاختلاف، في المولود يولد قبل الفجر، من يوم العيد، وبعد مغيب الشمس، هل تجب عليه أم لا تجب؟ فعلى القول الاول لا تجب، لانه ولد بعد وقت الوجوب، وعلى الثاني: تجب، لانه ولد قبل وقت الوجوب. تعجيلها عن وقت الوجوب: جمهور الفقهاء على أنه يجوز تعجيل صدقة الفطر قبل العيد بيوم، أو بيومين. قال ابن عمر ﵄: أمرنا رسول الله ﷺ بزكاة الفطر، أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة. قال نافع: وكان ابن عمر يؤديها، قبل ذلك، باليوم، أو اليومين. واختلفوا فيما زاد على ذلك. فعند أبي حنيفة: يجوز تقديمها على شهر رمضان. وقال الشافعي: يجوز التقديم من أول الشهر. وقال مالك ومشهور مذهب أحمد: يجوز تقديمها يوما أو يومين. واتفقت الائمة على أن زكاة الفطر لا تسقط بالتأخير بعد الوجوب، بل تصير دينا في ذمة من لزمته، حتى تؤدى، ولو في آخر العمر. واتفقوا: على أنه لا يجوز نأخيرها عن يوم العيد (١) إلا ما نقل عن ابن سيرين، والنخعي، أنهما قالا: يجوز تأخيرها عن يوم العيد،

стр. 410

وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وقال ابن رسلان: إنه حرام بالاتفاق، لانها زكاة، فوجب أن يكون في تأخيرها إثم، كما في إخراج الصلاة عن وقتها. وقد تقدم في الحديث: " من أداها قبل الصلاة، فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة، فهي صدقة من الصدقات (١) " مصرفها: مصرف الزكاة، أي أنها توزع على الاصناف الثمانية المذكورة في آية: " إنما الصدقات للفقراء ". والفقراء هم أولى الاصناف بها، لما تقدم في الحديث: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصائم، من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين. ولما رواه البيهقي، والدارقطني عن ابن عمر ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر وقال: " أغنوهم في هذا اليوم " وفي رواية للبيهقي: " أغنوهم عن طواف هذا اليوم ". وتقدم الكلام على المكان الذي تؤدى فيه، عند الكلام على نقل الزكاة. إعطاؤها للذمي: أجاز الزهري، وأبو حنيفة، ومحمد، وابن شبرمة، إعطاء الذمي من زكاة الفطر لقول الله تعال: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) . هل في المال حق سوى الزكاة؟ ينظر الاسلام إلى المال نظرة واقعية، فهو في نظرة عصب الحياة، وقوام نظام الافراد والجماعات. قال الله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)

стр. 411

وهذا يقتضي أن يوزع توزيعا يكفل لكل فرد كفايته من الغذاء، والكساء، والمسكن، وسائر الحاجات الاصلية، التي لاغنى عنها، حتى لا يبقى فرد مضيع، لاقوام له. وأمثل وسيلة، وأفضلها لتوزيع المال، وللحصول على الكفاية، وسيلة الزكاة، فهي في الوقت الذي لا يضيق بها الغني، ترفع مستوى الفقير إلى حد الكفاية، وتجنبه شظف العيش، وألم الحرمان. والزكاة ليست منة يهبها الغني للفقير، وإنما هي حق استودعه الله يد الغني، ليؤديه لاهله، وليوزعه على مستحقيه ومن ثم تتقرر هذه الحقيقة الكبرى وهي: أن المال ليس وقفا على الاغنياء دون غيرهم، وإنما المال للجميع: أي للاغنياء، والفقراء، على السواء يوضح هذا قول الله تعالى - في حكمه تقسيم الفئ (كى لا يكون دولة بين الاغنياء منكم) أي هذا التقسيم، لئلا يكون المال متداولابين الاغنياء، بل يجب توزيعه على الاغنياء والفقراء. والزكاة، هي الحق الواجب في المال، متى قامت بحاجة الفقراء وسدت خلة المعوزين، وكفت البائسين، وأطعمتهم من جوع وأمنتهم من خوف. فإذا لم تكف الزكاة، ولم تف بحاجة المحتاجين، وجب في المال حق آخر سوى الزكاة وهذا الحق لا يتقيد ولا يتحدد إلا بالكفاية، فيؤخذ من مال الاغنياء القدر الذي يقوم بكفاية الفقراء. قال القرطبي: قوله تعالى: " وآتى المال على حبه " استدل به من قال: إن في المال حقا، سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والاول أصح. قال رسول الله ﷺ : " إن في المال حقا سوى الزكاة " تم تلا هذه الآية " ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب " إلى آخرها. وأخرجه ابن ماجه، في سننه، والترمذي في جامعه، وقال: هذا حديث

стр. 412

ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة، ميمون الاعور، يضعف. وروى بيان، وإسماعيل بن سالم هذا الحديث، عن الشعبي من قوله، وهو أصح. قلت: والحديث، وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في هذه الآية نفسها، من قوله تعالى: (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) مع الصلاة، وذلك دليل. على أن المراد بقوله: (وآتى المال على حبه) ليس الزكاة المفروضة فإن ذلك يكون تكرارا، والله أعلم. واتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة، بعد أداء الزكاة، فإنه يجب صرف المال إليها. قال مالك ﵀: يجب على الناس فداء اسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وهذا إجمال أيضا، وهو يقوي ما اخترناه، وبالله التوفيق. وفي تفسير المنار، في قوله تعالى: " وآتى المال على حبه " قال: أي وأعطى المال لاجل حبه تعالى، أو على حبه إياه أي المال. قال الاستاذ الامام (١) : " وهذا الايتاء، غير إيتاء الزكاة الآتي، وهو ركن من أركان البر، وواجب كالزكاة وذلك حيث تعرض الحاجة إلى البذل، في غير وقت أداء الزكاة، بأن يرى الواجد مضطرا، بعد أداء الزكاة، أو قبل تمام الحول. وهو لا يشترط فيه نصاب معين، بل هو على حسب الاستطاعة. فإذا كان لا يملك إلا رغيفا، ورأى مضطرا إليه، في حال استغنائه عنه، بأن لم يكن محتاجا إليه لنفسه، أو لمن تجب عليه نفقته، وجب عليه بذله. وليس المضطر وحده، هو الذي له الحق في ذلك، بل أمر الله تعالى المؤمن أن يعطي من غير الزكاة " ذوي القربى " وهم أحق الناس بالبر، والصلة، فإن الانسان إذا احتاج - وفي أقاربه غني - فإن نفسه تتوجه إليه بعاطفة الرحم. ومن المغروز في الفطرة أن الانسان يألم لفاقة ذوي رحمه وعدمهم،

стр. 413

أشد مما يألم لفاقة غيرهم، فإنه يهون بهوانهم، ويعتز بعزتهم، فمن قطع الرحم ورضي بأن ينعم وذو وقرباه بائسون، فهو برئ من الفطرة والدين، وبعيد من الخير والبر، ومن كان أقرب رحما، كان حقه آكد، وصلته أفضل. " واليتامى " فإنه لموت كافلهم تتعلق كفايتهم بأهل الوجد واليسار من المسلمين، كيلا تسوء حالهم، وتفسد تربيتهم، فيكونوا مصابا على أنفسهم وعلى الناس. " والمساكين " فإنهم لما قعد بهم العجز عن كسب ما يكفيهم، وسكنت نفوسهم للرضا بالقليل عن مد كف الذليل وجبت مساعدتهم، ومواساتهم على المستطيع. " وابن السبيل " المنقطع في السفر، لا يتصل بأهل ولا قرابة كأن السبيل أبوه، وأمه، ورحمه، وأهله. وهذا التعبير بمكان من اللطف، لا يرتقي إليه سواه. وفي الامر بمواساته، وإعانته في سفره، ترغيب من الشرع في السياحة، والضرب في الارض. " والسائلين " الذين تدفعهم الحاجة العارضة، إلى تكفف الناس. وأخرهم لانهم يسألون، فيعطيهم هذا، وهذا. وقد يسأل الانسان لمواساة غيره - والسؤل محرم شرعا، إلا لضرورة، يجب على السائل أن لا يتعداها. " وفي الرقاب " أي في تحريرها، وعتقها، وهو يشمل ابتياع الارقاء، وعتقهم وإعانة المكاتبين على أداء نجومهم (١) ومساعدة الاسرى على الافتداء. وفي جعل هذا النوع من البذل، حقا واجبا في أموال المسلمين، دليل على رغبة الشريعة في فك الرقاب، واعتبارها أن الانسان خلق ليكون حرا، إلا في أحوال عارضة، تقضي المصلحة العامة فيها، أن يكون الاسير رقيقا، وأخر هذا عن كل ما سبقه، لان الحاجة في تلك الاصناف، قد تكون لحفظ الحياة، وحاجة الرقيق الى الحرية حاجة إلى الكمال. ومشروعية البذل لهذه الاصناف، من غير مال الزكاة، لا تتقيد بزمن.

стр. 414

ولا بامتلاك نصاب محدود، ولايكون المبذول مقدارا معينا بالنسبة الى ما يملك، ككونه عشرا، أو ربع عشر، أو عشر العشر مثلا، وإنما هو أمر مطلق بالاحسان موكول إلى أريحية المعطي وحالة المعطى. ووقاية الانسان المحترم من الهلاك، والتلف، واجبة على من قدر عليها، وما زاد على ذلك، فلا تقدير له. وقد أغفل الناس أكثر هذه الحقوق العامة، التي حث عليها الكتاب العزيز لما فيها من الحياة الاشتراكية المعتدلة الشريفة فلا يكادون يبذلون شيئا لهؤلاء المحتاجين إلا القليل النادر لبعض السائلين، وهم في هذا الزمان أقل الناس استحقاقا، لانهم اتخذوا السؤال حرفة، وأكثرهم واجدون. انتهى. وقال ابن حزم: وفرض على الاغنياء من أهل كل بلد، أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك، إن لم تقم الزكوات بهم، ولا في سائر أموال المسلمين بهم، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لابد منه، ومن اللباس للشتاء والصيف، والشمس، وعيون المارة. برهان ذلك: قول الله تعالى: " وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل " وقال تعالى: " وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب (١) ، والصاحب بالجنب (٢) ، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم ". فأوجب تعالى حق المسكين، وابن السبيل، وما ملكت اليمين من حق ذي القربى، وافترض الاحسان إلى الابوين، وذي القربى والمساكين، والجار وما ملكت اليمين، والاحسان يقتضي كل ما ذكرنا، ومنعه إساءة بلا شك. وقال تعالى: (ما سلككم في سقر؟ قالوا: لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين) . فقرن الله تعالى إطعام المسكين بوجوب الصلاة. وعن رسول الله ﷺ من طرق كثيرة، في غاية الصحة أنه قال: " من لا يرحم الناس لا يرحمه الله ".

стр. 415

ومن كان على فضلة (١) ورأى المسلم أخاه جائعا عريان ضائعا فلم يغثه. فما رحمه بلاشك. وعن عثمان النهدي: أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق حدثه: " أن أصحاب الصفة، كانوا ناسا فقراء، وأن رسول الله ﷺ قال: " من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس ". وعن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ". ومن تركه يجوع، ويعرى - وهو قادر على إطعامه وكسوته - فقد أسلمه. وعن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " من كان معه فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد، فليعد به على من زاد له. قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لاحق لاحد منا في فضل ". وهذا إجماع الصحابة ﵃ يخبر بذلك أبو سعيد الخدري رضي ﵁، وبكل ما في هذا الخبر نقول: ومن طريق أبي موسى الاشعري رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال: " أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكوا العاني (٢) ". والنصوص من القرآن، والاحاديث الصحاح في هذا كثيرة جدا. وقال عمر ﵁: " لو استقبلت من أمري ما استدبرت لاخذت فضول أموال الاغنياء، فقسمتها على فقراء المهاجرين " وهذا إسناد في غاية الصحة، والجلالة. وقال علي ﵁: " إن الله تعالى فرض على الاغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، فإن جاعوا، أو عروا، وجهدوا فبمنع الاغيناء، وحق على الله تعالى أن يحاسبهم

стр. 416

يوم القيامة، ويعذبهم عليه (١) ". وعن ابن عمر ﵄: أنه قال: " في مالك حق سوى الزكاة ". وعن عائشة أم المؤمنين، والحسن بن علي، وابن عمر ﵃، أنهم قالوا كلهم لمن سألهم: " إن كنت تسأل في دم موجع، أو غرم مفظع، أو فقر مدقع، فقد وجب حقك ". وصح عن أبي عبيدة بن الجراح وثلثمائة من الصحابة ﵃ أن زادهم فني، فأمرهم أبو عبيدة. فجمعوا أزوادهم في مزودين، وجعل يقوتهم إياها على السواء. فهذا إجماع مقطوع به من الصحابة ﵃، ولا مخالف لهم منهم. وصح عن الشعبي، ومجاهد، وطاوس، وغيرهم، كلهم يقول: في المال حق، سوى الزكاة. ثم قال: ولا يحل لمسلم اضطر أن يأكل ميتة، أو لحم خنزير وهو يجد طعاما، فيه فضل عن صاحبه لمسلم، أو لذمي، لانه يجب فرضا على صاحب الطعام إطعام الجائع. فإذا كان ذلك كذلك فليس بمضطر إلى الميتة، ولا إلى لحم الخنزير، وله أن يقاتل على ذلك، فإن قتل، فعلى قاتله القود (٢) ، وإن قتل المانع فإلى لعنة الله، لانه منع حقا، وهو من الطائفة الباغية، قال تعالى: " فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ". ومانع الحق باغ على أخيه، الذي له الحق. وبهذا قاتل أبو بكر الصديق ﵁، مانع الزكاة. وبالله تعالى التوفيق. انتهى وإنما سردنا هذه النصوص، وأكثرنا القول في هذه المسألة لنبين مدى ما في الاسلام من رحمة، وحنان، وأنه سبق المذاهب الحديثة سبقا بعيدا، وأنها في جانبه كالشمعة المضطربة أمام الضوء الباهر، والشمس الهادية.

стр. 417

صدقة التطوع: دعا الاسلام إلى البذل، وحض عليه في أسلوب يستهوي الافئدة، ويبعث في النفس الاريحية، ويثير فيها معاني الخير والبر، والاحسان. ١ - قال الله تعالى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) . ٢ - وقال: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم) . ٣ - وقال (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير) . ١ - وقال رسول الله ﷺ : " إن الصدقة تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء " رواه الترمذي، وحسنه. ٢ - وروى كذلك أن رسول الله ﷺ قال: " إن صدقة المسلم تزيد في العمر وتمنع ميتة السوء (١) ويذهب الله بها الكبر والفخر ". ٣ - وقال ﷺ : " ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول الاخر: الله أعط ممسكا تلفا " رواه مسلم. ٤ - وقال ﷺ " صنائع المعروف تقي مصارع السوء، والصدقة حفيا تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر، وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الاخرة، وأهل المنكر في الدنيا هم أهل المنكر في الاخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف " رواه الطبراني في الاوسط، وسكت عليه المنذري. أنواع الصدقات: وليست الصدقة قاصرة على نوع معين من أعمال البر بل القاعدة العامة،

стр. 418

أن كل معروف صدقة. وإليك بعض ما جاء في ذلك: ١ - قال رسول الله ﷺ : " على كل مسلم صدقة " فقالوا: يا نبي الله فمن لم يجد؟ قال: " يعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدق ". قالوا: فإن لم يجد؟ قال: " يعين ذا الحاجة الملهوف (١) ". قالوا: فإن لم جيد؟ قال: فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر، فإنها (٢) له صدقة " رواه البخاري، وغيره. ٢ - وقال ﷺ : " كل نفس كتب عليها الصدقة كل يوم طلعت فيه الشمس، فمن ذلك أن يعدل (٣) بين الاثنين صدقة، وأن يعين الرجل على دابته فيحمله عليها صدقة، ويرفع متاعه عليها صدقة، ويميط الذى عن الطريق صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يمشي إلى الصلاة صدقة " رواه أحمد وغيره. ٣ - وعن أبي ذر الغفاري ﵁ قال (٤) ، (قال رسول الله ﷺ : " على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه ". قلت: يا رسول الله من أين أتصدق، وليس لنا أموال؟ قال: " لان من أبواب الصدقة: التكبير، وسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوك عن طريق الناس، والعظم، والحجر، وتهدي الاعمى وتسمع الاصم والبكم، حتى يفقه، المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة، منك على نفسك، ولك في جماع زوجتك أجر " الحديث، رواه أحمد واللفظ له، ومعناه أيضا في مسلم. وعند مسلم قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر ".

стр. 419

٤ - وعن أبي ذر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " ليس من نفس ابن آدم عليها صدقة. في كل يوم طلعت فيه الشمس ". قيل: يا رسول الله من أين لنا صدقة نتصدق بها كل يوم؟ فقال: " إن أبواب الخير لكثيرة. التسبيح والتحميد، والتكبير، والتهليل، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الاذى عن الطريق، وتسمع الاصم، وتهدي الاعمى، وتدل المستدل على حاجاته، وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف. فهذا كله صدقة منك على نفسك " رواه ابن حبان في صحيحه، والبيهقي مختصرا وزاد في رواية: " وتبسمك في وجه أخيك صدقة وإماطتك الحجر، والشوكة والعظم عن طريق الناس صدقة، وهديك الرجل في أرض الضالة صدقة ". ٥ - وقال: " من استطاع منكم أن يتقي النار فليتصدق ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة " رواه أحمد، ومسلم. ٦ - وقال: " إن الله عزوجل، يقول يوم القيامة: يا ابن آدم: مرضت فلم تعدني، قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت، أن عبدى فلانا مرض فلم تعده؟ أما لوعدته لوجدتني عنده. يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين، قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي. يا ابن آدم: استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وانت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه. أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي." رواه مسلم. ٧ - وقال ﷺ : " لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شئ إلا كانت له صدقة " رواه البخاري. ٨ - وقال ﵊: " كل معروف صدقة، ومن المعروف

стр. 420

أن تلقى أخاك بوجه طلق، وان تفرغ من دلوك في إنائه " رواه أحمد والترمذي وصححه. أولى الناس بالصدقة: أولى الناس بالصدقة أولاد المتصدق وأهله وأقاربه. ولا يجوز التصدق على أجنبي وهو محتاج إلى ما يتصدق به لنفقته ونفقة عياله. ١ - فعن جابر رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: " إذا كان احدكم فقيرا فليبدأ بنفسه، وإن كان فضل فعلى عياله، وإن كان فضل فعلى ذوي قرابته، أو قال: ذوي رحمه، وان كان فضل فهاهنا وهاهنا " رواه أحمد ومسلم. ٢ - وقال ﷺ : " تصدقوا ": قال رجل: عندي دينار. قال " تصدق به على نفسك ". قال: عندي دينار آخر. قال: تصدق به على زوجتك ". قال: عندي دينار آخر. قال: " تصدق به على ولدك ". قال: عندي دينار آخر. قال: " تصدق به على خادمتك ". قال: عندي دينار آخر. قال: " أنت به أبصر ". رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وصححه. ٣ - وقال ﵊: " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ". رواه مسلم وابو داود. ٤ - وقال ﷺ : " أفضل الصدقة الصدقة على ذي الرحم الكاشح. " رواه الطبراني، والحاكم وصححه. إبطال الصدقة: لقول الله تعالى: (يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس) . وقال رسول الله ﷺ : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. " قال أبو ذر رضى الله عنه:

стр. 421

خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: " المسبل (١) والمنان (٢) ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب ". التصدق بالحرام: لا يقبل الله الصدقة، إذا كانت من حرام. ١ - قال رسول الله صلى عليه وسلم: " أيها الناس، إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال ، (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم) وقال (يأيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب له " رواه مسلم. ٢ - وقال ﷺ : " من تصدق بعدل (٣) تمرة، من كسب طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " رواه البخاري. صدقة المرأة من مال زوجها: يجوز للمرأة تتصدق من بيت زوجها، إذا علمت رصاه، ويحرم عليها إذا لم تعلم. فعن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : " إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها - غير مفسدة - كان لها أجرها بما أنفقت، ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا. " رواه البخاري.

стр. 422

وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول اله ﷺ يقول - في خطبة عام حجة الوداع - " لا تنفق المرأة شيئا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها " قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ قال: " ذلك أفضل أموالنا " رواه الترمذي، وحسنه. ويستثنى من ذلك النزر اليسير، الذي جرى به العرف فإنه يجوز لها أن تتصدق به، دون أن تستأذنه. فعن أسماء بنت أبي بكر أنها سألت النبي ﷺ ، فقالت: إن الزبير رجل شديد، ويأتيني المسكين فأتصدق عليه من بيته، بغير إذنه، فقال رسول الله ﷺ : " ارضخي (١) ولا توعي (٢) فيوعي الله عليك ". رواه أحمد، والبخاري، ومسلم. جواز التصدق بكل المال: يجوز للقوي المكتسب أن يتصدق بجميع ماله (٣) . قال عمر: " أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق، فوافق ذلك مالا عندي، فقلت اليوم أسبق أبا بكر إن (٤) سبقته يوما، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لاهلك؟ " فقلت: مثله. وأتى أبو بكر بكل ماله، فقال له رسول الله ﷺ : " ما أبقيت لاهلك؟ " فقال: أبقيت لهم الله ورسوله. فقلت: لا أسابقك إلى شئ أبدا " رواه أبو داود، والترمذي، وصححه. وقد اشترط العلماء لجواز التصدق بجميع المال أن يكون المتصدق قويا مكتسبا صابرا غير مدين، ليس عنده من يجب الانفاق عليه، فإذا لم تتوفر هذه الشروط، فإنه حينئذ يكره. فعن جابر ﵁ قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه.

стр. 423

وسلم. إذ جاء رجل بمثل بيضة من ذهب، فقال يا رسول الله: أصبت هذه من معدن فخذها، فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض عنه رسول الله ﷺ ، ثم أتاه من قبل ركنه الايمن فقال مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من قبل ركنه الايسر (١) فأعرض رسول الله ﷺ ثم أتاه من خلفه، فأخذها رسول الله ﷺ فحذفه (٢) بها، فلو أصابته لاوجعته، أو عقرته (٣) الناس، إنما الصدقة عن ظهر غنى " رواه أبو داود، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم. وفيه محمد بن إسحق. جواز الصدقة على الذمي والحربي: تجوز الصدقة على الذمي والحربي ويثاب المسلم على ذلك، وقد أثنى الله على قوم فقال: (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) والاسير حربي. وقال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) . وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قدمت علي أمي وهي مشركة، فقلت: يا رسول الله، إن أمي قدمت علي وهي راغبة أفأصلها؟ قال: " نعم، صلي أمك ". الصدقة على الحيوان: ١ - روى البخاري ومسلم: أن رسول الله عليه وسلم قال: " بينما رجل يمشى بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها، فشرب، ثم خرج، فإذا كلب يلهث الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان قد بلغ مني، فنزل البئر، فملا خفه

стр. 424

ماء. ثم أمسكه بفيه حتى رقي (١) فسقى الكلب، فشكر الله له، فغفر له. " قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: " في كل كبد رطبة أجر ". ٢ - ورويا: أنه ﷺ قال: " بينما كلب يطيف بركية قد كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني اسرائيل فنزعت موقها (٢) ، فاستقت له به، فسقته فغفر لها به ". الصدقة الجارية: روى أحمد ومسلم أن رسول الله صلى عليه وسلم قال: " إذا مات الانسان انقطع عمله إلا من ثلاثة، صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ". شكر المعروف: ١ - روى أبو داود والنسائي بسند صحيح عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: " من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه ". ٢ - وروى أحمد عن الاشعث بن قيس - بسند رواته ثقات -: أن رسول الله ﷺ قال: " لا يشكر الله من لا يشكر الناس ". ٣ - وروى الترمذي - وحسنه - عن أسامة بن زيد ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: " من صنع معه معروف، فقال لفاعله: جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء ".

стр. 425

الصيام الصيام، يطلق على الامساك. قال الله تعالى: (إني نذرت للرحمن صوما) أي إمساكا عن الكلام. والمقصود به هنا، الامساك عن المفطرات، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، مع النية فضله: ١ - عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " قال الله عزوجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي (١) ، وأنا أجزي به (٢) ، والصيام جنة (٣) ، فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث (٤) ، ولا يصخب (٥) ، ولا يجهل (٦) ، فإن شاتمه أحد، أو قاتله، فليقل: إني صائم، مرتين، والذي نفس محمد بيده لخلوف (٧) فم الصائم، أطيب عند الله يوم القيامة من ريح المسك، وللصائم فرحتان يفرحهما: إذا أفطر فرح بفطره، وإذا لقي ربه فرح بصومه ". رواه أحمد، ومسلم، والنسائي. ٢ - ورواية البخاري، وأبى داود: " الصيام جنة، فإذا كان أحدكم صائما، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ قاتله، أو شاتمه فليقل، إني صائم، مرتين، والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي، وأنا أجزي به، والحسنة بعشرة أمثالها ".
следующие страницы →