قال ابن قدامة: وإن تمضمض، أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه، من غير قصد ولا إسراف فلا شئ عليه، وبه قال الاوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه، وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال مالك، وأبو حنيفة: يفطر، لانه أوصل الماء إلى جوفه، ذاكرا لصومه، فأفطر، كما لو تعمد شربه.
قال ابن قدامة - مرجحا الرأي الاول - ولنا أنه وصل الماء إلى حلقه،
من غير إسراف ولا قصد، فأشبه ما لو طارت ذبابة إلى حلقه (١) وبهذا فارق المتعمد.
٧ - وكذا يباح له ما لا يمكن الاحتراز عنه كبلع الريق وغبار الطريق، وغربلة الدقيق والنخالة ونحو ذلك.
وقال ابن عباس: لا بأس أن يذوق الطعام الخل، والشئ يريد شراءه.
وكان الحسن يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم، ورخص فيه إبراهيم.
وأما مضغ العلك (٢) فإنه مكروه، إذا كان لا يتفتت منه أجزاء.
وممن قال بكراهته: الشعبي، والنخعي، والاحناف، الشافعي، والحنابلة.
ورخصت عائشة وعطاء في مضغه، لانه لا يضل إلى الجوف، فهو كالحصاة، يضعها في فمه.
هذا إذا لم تتحلل منه أجزاء، فإن تحللت منه أجزاء ونزلت إلى الجوف، أفطر.
قال ابن تيمية: وشم الروائح الطيبة لا بأس به للصائم.
وقال: أما الكحل، والحقنة، وما يقطر في إحليله، ومداواة المأمومة والجائفة، فهذا مما تنازع فيه أهل العلم، فمنهم من لم يفطر بشئ من ذلك، ومنهم من فطر بالجمع لا بالكحل، ومنهم من فطر بالجميع، لا بالتقطير، ومنهم من لا يفطر بالكحل، ولا بالتقطير، ويفطر بما سوى ذلك.
стр. 457
فإن الصيام من دين الاسلام، الذي يحتاج إلى معرفته الخاص، والعام.
فلو كانت هذه الامور مما حرمها الله ورسوله في الصيام، ويفسد الصوم بها، لكان هذا مما يجب على الرسول بيانه، ولو ذكر ذلك لعلمه الصحابة، وبلغوه الامة، كما بلغوا سائر شرعه.
فلما لم ينقل أحد من أهل العلم، عن النبي ﷺ في ذلك، لا حديثا صحيحا، ولا ضعيفا، ولا مسندا، ولا مرسلا علم أنه لم ينكر شيئا من ذلك.
قال: فإذا كانت الاحكام التي تعم بها البلوى، لابد ان يبينها الرسول ﷺ بيانا عاما، ولابد أن تنقل الامة ذلك.
فمعلوم أن الكحل، ونحوه لمما تعم به البلوى، كماتعم بالدهن، والاغتسال، والبخور، والطيب.
فلو كان هذا مما يفطر، لبينه النبي ﷺ ، كما بين الافطار بغيره، فلما لم يبين ذلك، علم أنه من جنس الطيب، والبخور، والدهن.
والبخور قد يتصاعد إلى الانف ويدخل في الدماغ، وينعقد أجساما.
والدهن يشربه البدن، ويدخل إلى داخله ويتقوى به الانسان، وكذلك يتقوى بالطيب قوة جيدة.
فلما لم ينه الصائم عن ذلك دل على جواز تطيبه، وتبخره، وادهانه، وكذلك اكتحاله.
وقد كان المسلمون في عهده ﷺ يجرح أحدهم، إما في الجهاد، وإما في غيره، مأمومة، وجائفة، فلو كان هذا يفطر، لبين لهم ذلك.
فلما لم ينه الصائم عن ذلك، علم أنه لم يجعله مفطرا.
ثم قال: فإن الكحل لا يغذي البتة، ولا يدخل أحد كحلا إلى جوفه، لامن أنفه، ولا من فمه.
وكذلك الحقنة (١) لاتغذي، بل تستفرغ ما في البدن، كما لوشم شيئا من
стр. 458
المسهلات، أو فزع فزعا، أوجب استطلاق جوفه، وهي لا تصل إلى المعدة.
والدواء الذي يصل إلى المعدة، في مداواة الجائفة (١) والمأمومة لا يشبه ما يصل إليها من غذائه.
والله سبحانه قال: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) .
وقال ﷺ : (الصوم جنة) ، وقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فضيقوا مجاريه بالجوع والصوم) .
فالصائم نهي عن الاكل والشرب، لان ذلك سبب التقوى، فترك الاكل والشراب الذي يولد الدم الكثير، الذي يجري فيه الشيطان، إنما يتولد من الغذاء، لاعن حقنة، ولا كحل، ولا ما يقطر في الذكر، ولا ما يداوى به المأمومة والجائفة " انتهى.
٨ - ويباح للصائم، أن يأكل، ويشرب، ويجامع، حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر، وفي فمه طعام، وجب عليه أن يلفظه، أو كان مجامعا وجب عليه أن ينزع.
فإن لفظ أو نزع، صح صومه، وإن ابتلع ما في فمه من طعام، مختارا، أو استدام الجماع، أفطر.
روى البخاري، ومسلم، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: " إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا، واشربوا، حتى يؤذن ابن أم مكتوم ".
٩ - ويباح للصائم أن يصبح جنبا، وتقدم حديث عائشة في ذلك.
١٠ - والحائض والنفساء إذا انقطع الدم من الليل، جاز لهما تأخير الغسل إلى الصبح، وأصبحتا صائمتين، ثم عليهما أن تتطهرا للصلاة.
стр. 459
ما يبطل الصيام
ما يبطل الصيام قسمان:
١ - ما يبطله، ويوجب القضاء.
٢ - وما يبطله، ويوجب القضاء، والكفارة.
فأماما يبطله، ويوجب القضاء فقط فهو ما يأتي:
(١ و ٢) الاكل، والشرب عمدا: فإن أكل أو شرب ناسيا، أو مخطئا، أو مكرها، فلا قضاء عليه ولا كفارة.
فعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من نسي - وهو صائم - فأكل أو شرب، فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه ". رواه الجماعة.
وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم.
وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق.
وروى الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال - صحيح على شرط مسلم.
عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من أفطر في رمضان - ناسيا - فلا قضاء عليه، ولا كفارة ".
قال الحافظ ابن حجر: اسناده صحيح.
وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: " إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه ".
رواه ابن ماجه والطبراني والحاكم.
(٣) القئ عمدا: فإن غلبه القئ، فلا قضاء عليه ولا كفارة.
فعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " من ذرعه (١) القئ
стр. 460
فليس عليه قضاء، ومن استقاء (١) عمدا فليقض ".
رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم، وصححه.
قال الخطابي: لا أعلم خلافا بين أهل العلم، في أن من ذرعه القئ، فإنه لا قضاء عليه، ولا في أن من استقاء عامدا، فعليه القضاء.
(٤، ٥) الحيض، والنفاس، ولو في اللحظة الاخيرة، قبل غروب الشمس، وهذا مما أجمع العلماء عليه.
(٦) الاستمناء (٢) ، سواء، أكان سببه تقبيل الرجل لزوجته أو ضمها إليه، أو كان باليد، فهذا يبطل الصوم، ويوجب القضاء.
فإن كان سببه مجرد النظر، أو الفكر، فإنه مثل الاحتلام نهارا في الصيام لا يبطل الصوم، ولا يجب فيه شئ.
وكذلك المذي، لا يؤثر في الصوم، قل، أو كثر.
(٧) تناول ما لا يتغذى به، من المنفذ المعتاد، إلى الجوف، مثل تعاطي الملح الكثير، فهذا يفطر في قول عامة أهل العلم.
(٨) ومن نوى الفطر - وهو صائم - بطل صومه، وإن لم يتناول مفطرا.
فإن النية ركن من أركان الصيام، فإذا نقضها - قاصدا الفطر ومعتمدا له - انتقض صيامه لا محالة.
(٩) إذا أكل، أو شرب، أو جامع - ظانا غروب الشمس أو عدم طلوع الفجر، فظهر خلاف ذلك - فعليه القضاء، عند جمهور العلماء، ومنهم الائمة الاربعة.
وذهب إسحاق، وداود، وابن حزم، وعطاء، وعروة، والحسن البصري، ومجاهد: إلى أن صومه صحيح، ولاقضاء عليه.
لقول الله تعالى: (ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم) .
ولقول رسول الله ﷺ : " إن الله وضع عن أمتي الخطأ الخ ... ". وتقدم.
стр. 461
وروى عبد الرزاق قال: حدثنا معمر عن الاعمش، عن زيد بن وهب قال: " أفطر الناس في زمن عمر بن الخطاب، فرأيت عساسا (١) أخرجت من بيت حفصة فشربوا ثم طلعت الشمس من سحاب فكأن ذلك شق على الناس، فقالوا: نقضي هذا اليوم، فقال عمر: لم؟ والله ما تجانفنا لاثم " (٢) .
وروى البخاري عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: أفطرنا يوما من رمضان، في غيم، على عهد رسول الله ﷺ ، ثم طلعت الشمس.
قال ابن تيمية: وهذا يدل على شيئين:
(الاول) : يدل على أنه لا يستحب مع الغيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب، فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم النبي ﷺ ، والصحابة - مع نبيهم - أعلم وأطوع لله ولرسوله، ممن جاء بعدهم.
(والثاني) : يدل على أنه لا يجب القضاء، فإن النبي ﷺ لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك كما نقل فطرهم فلما لم ينقل دل على أنه لم يأمرهم به.
وأماما يبطله ويوجب القضاء، والكفارة، فهو الجماع، لاغير، عند الجمهور.
فعن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ ، فقال: هلكت يا رسول الله، قال: " وما أهلكك؟ " قال: وقعت على امرأتي في رمضان.
فقال: " هل تجد ما تعتق رقبة؟ " قال: لا، قال: " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين "؟ قال: لا.
قال: " فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا "؟ قال: لا.
قال: ثم جلس فأتى النبي ﷺ بعرق (٣) فيه تمر، فقال: " تصدق بهذا ".
قال: فهل على أفقر منا؟ فما بين لابتيها (٤)
стр. 462
أهل بيت أحوج إليه منا، فضحك النبي ﷺ ، حتى بدت نواجذه، وقال: " اذهب فأطعمه أهلك (١) ".
رواه الجماعة.
ومذهب الجمهور: أن المرأة، والرجل سواء، في وجوب الكفارة عليهما ما داما قد تعمدا الجماع، مختارين، في نهار رمضان (٢) ناويين الصيام.
فإن وقع الجماع نسيانا، أو لم يكونا مختارين، بان أكرها عليه، أو لم يكونا ناويين الصيام، فلا كفارة على واحد منهما.
فإن أكرهت المرأة من الرجل، أو كانت مفطرة لعذر وجبت الكفارة عليه دونها.
ومذهب الشافعي: أنه لا كفارة على المرأة مطلقا، لافي حالة الاختيار، ولافي حالة الاكراه.
وإنما يلزمها القضاء فقط.
قال النووي: والاصح - على الجملة - وجوب كفارة واحدة عليه خاصة، عن نفسه فقط، وأنه لاشئ على المرأة، ولا يلاقيها الوجوب، لافه حتى مال مختص بالجماع، فاختص به الرجل، دون المرأة، كالمهر.
قال أبو داود: سنل أحمد (٣) عمن أتى أهله في رمضان، أعليها كفارة؟ قال: ما سمعنا أن على امرأة كفارة.
قال في المغني: ووجه ذلك: أن النبي ﷺ أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة، ولم يأمر في المرأة بشئ، مع علمه بوجود ذلك منها " اه.
والكفارة على الترتيب المذكور في الحديث، في قول جمهور العلماء.
فيجب العتق أولا، فإن عجز عنه صام شهرين متتابعين (٤) ، فإن عجز
стр. 463
عنه، أطعم ستين مسكينا من أوسط ما يطعم منه أهله (١) ، وانه لا يصح الانتقال من حالة إلى أخرى، إلا إذا عجز عنها.
ويذهب المالكية، ورواية لاحمد: أنه مخير بين هذه الثلاث فأيها فعل أجزأ عنه.
لما روى مالك، وابن جريج، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله ﷺ أن يكفر بعتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينا.
رواه مسلم و " أو " تفيد التخيير.
ولان الكفارة بسبب المخالفة، فكانت على التخيير، ككفارة اليمين.
قال الشوكاني: وقد وقع في الروايات، ما يدل على الترتيب والتخيير، والذين رووا الترتيب أكثر، ومعهم الزيادة.
وجمع المهلب، والقرطبي، بين الروايات، بتعدد الواقعة.
قال الحافظ: وهو بعيد، لان القصة واحدة، والمخرج متحد، والاصل عدم التعدد.
وجمع بعضهم بحمل الترتيب على الاولوية، والتخيير على الجواز.
وعكسه بعضهم. انتهى.
ومن جامع عامدا في نهار رمضان ولم يكفر، ثم جامع في يوم آخر منه فعليه كفارة واحدة، عند الاحناف، ورواية عن أحمد لانها جزاء عن جناية تكرر سببها، قبل استيفائها، فتتداخل.
وقال مالك والشافعي، ورواية عن أحمد: عليه كفارتان، لان كل يوم عبادة مستقلة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم تتداخل كرمضانين.
وقد أجمعوا على أن من جامع في نهار رمضان، عامدا وكفر، ثم جامع في يوم آخر، فعليه كفارة أخرى.
стр. 464
وكذلك أجمعوا، على أن من جامع مرتين، في يوم واحد ولم يكفر عن الاول، أن عليه كفارة واحدة.
فإن كفر عن الجماع الاول لم يكفر ثانيا، عند جمهور الائمة.
وقال أحمد: عليه كفارة ثانية.
قضاء رمضان:
قضاء رمضان لا يجب على الفور، بل يجب وجوبا موسعا في أي وقت، وكذلك الكفارة.
فقد صح عن عائشة: أنها كانت تقضي ما عليها من رمضان في شعبان (١) ولم تكن تقضيه فورا عند قدرتها على القضاء.
والقضاء مثل الاداء، بمعنى أن من ترك أياما، يقضيها دون أن يزيد عليها.
ويفارق القضاء الاداء، في أنه لا يلزم فيه التتابع، لقول الله تعالى: " ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ".
أي ومن كان مريضا، أو مسافرا فأفطر، فليصم عدة الايام، التي أفطر فيها، في أيام أخر، متتابعات أو غير متتابعات، فإن الله أطلق الصيام ولم يقيده.
وروى الدارقطني عن ابن عمر ﵄: أن النبي ﷺ قال - في قضاء رمضان -: " إن شاء فرق، وإن شاء تابع ".
وإن أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر، صام رمضان الحاضر، ثم يقضي بعده ما عليه، ولا فدية عليه، سواء كان التأخير لعذر، أم لغير عذر.
وهذا مذهب الاحناف، والحسن البصري.
ووافق مالك والشافعي، وأحمد، وإسحق، والاحناف: في أنه لافدية عليه، إذا كان التأخير بسبب العذر.
وخالفوهم فيما إذا لم يكن له عذر في التأخير، فقالوا: عليه أن يصوم رمضان الحاضر.
ثم يقضي ما عليه بعده ويفدي عما فاته عن كل يوم مدا من طعام.
стр. 465
وليس لهم في ذلك دليل يمكن الاحتجاج به.
فالظاهر ما ذهب إليه الاحناف، فانه لاشرع إلا بنص صحيح.
من مات وعليه صيام:
أجمع العلماء على أن من مات - وعليه فوائت من الصلاة - فإن وليه لا يصلي عنه، هو ولا غيره، وكذلك من عجز عن الصيام لا يصوم عنه أحد أثناء حياته.
فإن مات وعليه صيام وكان قد تمكن من صيامه قبل موته فقد اختلف الفقهاء في حكمه.
فذهب جمهور العلماء، منهم أبو حنيفة، ومالك، والمشهور عن الشافعي إلى أن وليه لا يصوم عنه ويطعم عنه مدا، عن كل يوم (١) .
والمذهب المختار عند الشافعية: أنه يستحب لوليه أن يصوم عنه، ويبرأ به الميت، ولا يحتاج إلى طعام عنه.
والمراد بالولي، القريب، سواء كان عصبة، أو وارثا، أو غيرهما.
ولو صام أجنبي عنه، صح، إن كان بإذن الولي، وإلا فإنه لا يصح.
واستدلوا بما رواه أحمد، والشيخان، عن عائشة: أن النبي ﷺ قال: " من مات وعليه صيام صام عنه وليه " زاد البزار لفظ: إن شاء (٢) .
وروى أحمد وأصحاب السنن: عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ : فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صيام شهر أفأقضيه عنها؟ فقال: " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ " قال: نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى " قال النووي: وهذا القول هو الصحيح المختار الذي نعتقده وهو الذي صححه محققو أصحابنا الجامعون بين الفقه والحديث لهذه الاحاديث الصحيحة الصريحة.
стр. 466
التقدير في البلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها: اختلف الفقهاء في التقدير، في البلاد التي يطول نهارها، ويقصر ليلها، والبلاد التي يقصر نهارها، ويطول ليلها، على أي البلاد يكون؟ فقيل: يكون التقدير على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع، كمكة والمدينة، وقيل: على أقرب بلاد معتدلة إليهم.
ليلة القدر
فضلها: ليلة القدر أفضل ليالي السنة لقوله تعالى: (إنا أنزلناه (١) في ليلة القدر.
وما أدراك ما ليلة القدر. ليلة القدر خير من ألف شهر) أي العمل فيها، من الصلاة والتلاوة، والذكر، خير من العمل في ألف شهر، ليس فيها ليلة القدر.
استحباب طلبها: ويستحب طلبها في الوتر من العشر الاواخر من رمضان فقد كان النبي ﷺ يجتهد في طلبها في العشر الاواخر من رمضان.
وتقدم، أنه كان إذا دخل العشر الاواخر أحيى الليل وأيقظ أهله، وشد المئزر (٢) أي الليالي هي؟: للعلماء آراء في تعيين هذه الليلة، فمنهم من يرى أنها ليلة الجادي والعشرين، ومنهم من يرى أنها ليلة الثالث والعشرين ومنهم من يرى أنها ليلة الخامس والعشرين، ومنهم من ذهب إلى أنها ليلة التاسع والعشرين، ومنهم من قال: إنها تنتقل في ليالي الوتر من العشر الاواخر.
وأكثرهم على أنها ليلة السابع والعشرين.
روى أحمد - بإسناد صحيح - عن ابن عمر ﵄ قال: قال
стр. 467
رسول الله ﷺ : " من كان متحريها فليتحرها ليلة السابع والعشرين ".
وروى مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي - وصححه عن أبي ابن كعب أنه قال: والله الذي لا إله إلا هو، إنها لفي رمضان - يحلف ما يستثني - ووالله إني لاعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين، وأمارتها أن تطلع الشمس في صبيحة يومها، بيضاء، لاشعاع لها.
قيامها والدعاء فيها:
١ - روى البخاري ومسلم، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: " من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه ".
٢ - وروى أحمد، وابن ماجه، والترمذي - وصححه - عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت، أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: قولي: " اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني ".
стр. 468
الاعتكاف:
(١) معناه: الاعتكاف لزوم الشئ وحبس النفس عليه، خيرا كان أم شرا.
قال الله تعالى: (ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) أي مقيمون متعبدون لها.
والمقصود به هنا لزوم المسجد والاقامة فيه بنية التقرب إلى الله عزوجل.
(٢) مشروعيته: وقد أجمع العلماء على أنه مشروع، فقد كان النبي ﷺ يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما.
رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه، وقد اعتكف أصحابه وأزواجه معه وبعده، وهو إن كان قربة، إلا أنه لم يرد في فضله حديث صحيح.
قال أبوداود: قلت لاحمد ﵀: تعرف في فضل الاعتكاف شيئا؟ قال: لا، إلا شيئا ضعيفا.
(٣) أقسامه: الاعتكاف ينقسم إلى مسنون وإلى واجب، فالمسنون ما تطوع به المسلم تقربا إلى الله، وطلبا لثوابه، واقتداء بالرسول صلوات الله وسلامه عليه، ويتأكد ذلك في العشر الاواخر من رمضان لما تقدم، والاعتكاف الواجب ما أوجبه المرء على نفسه، إما بالنذر المطلق، مثل أن يقول: لله علي أن أعتكف كذا، أو بالنذر المعلق كقوله: إن شفا الله مريضي لاعتكفن كذا.
وفي صحيح البخاري أن النبي ﷺ قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه " وفيه: أن عمر ﵁ قال: يا رسول الله إني نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: " أوف بنذرك ".
стр. 469
(٤) زمانه: الاعتكاف الواجب يؤدى حسب ما نذره وسماه الناذر، فإن نذر
الاعتكاف يوما أو أكثر وجب الوفاء بما نذره.
والاعتكاف المستحب ليس له وقت محدد، فهو يتحقق بالمكث في المسجد مع نية الاعتكاف طال الوقت أم قصر.
ويثاب ما بقي في المسجد، فإذا خرج منه ثم عاد إليه جدد النية إن قصد الاعتكاف، فعن يعلى بن أمية قال: إني لامكث في المسجد ساعة ما أمكث إلا لاعتكف.
وقال عطاء: هو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف. وإلا فلا.
وللمعتكف أن يقطع اعتكافه المستحب متى شاء، قبل قضاء المدة التي نواها.
فعن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه.
وأنه أراد مرة أن يعتكف في العشر الاواخر من رمضان فأمر ببنائه (١) فضرب.
قالت عائشة: فلما رأيت ذلك أمرت ببنائي فضرب، وأمر غيري من أزواج النبي ﷺ ببنائه فضرب.
فلما صلى الفجر نظر إلى الابنية، فقال: ما هذه؟ " آلبرتردن " (٢) قالت: فأمر ببنائه فقوض (٣) ، وأمر أزواجه بأبنيتهن فقوضت ثم أخر الاعتكاف إلى العشر الاول " يعني من شوال " فأمر رسول الله ﷺ نساءه بتقويض أبنيتهن وترك الاعتكاف بعد نيته منهن دليل على قطعه بعد الشروع فيه.
وفي الحديث أن للرجل أن يمنع زوجته من الاعتكاف
стр. 470
بغير إذنه، وإليه ذهب عامة العلماء، واختلفوا فيما لو أذن لها، هل له منعها بعد ذلك؟ فعند الشافعي وأحمد وداود: له منعها وإخراجها من اعتكاف التطوع.
(٥) شروطه: ويشترط في المعتكف أن يكون مسلما، مميزا طاهرا من الجنابة والحيض والنفاس، فلا يصح من كافر ولا صبي غير مميز ولاجنب ولاحائض ولا نفساء.
(٦) أركانه: حقيقة الاعتكاف المكث في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، فلو لم يقع المكث في المسجد أو لم تحدث نية الطاعة لا ينعقد الاعتكاف.
أما وجوب النية فلقول الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ولقول الرسول ﷺ " إنما الاعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " وأما أن المسجد لا بد منه فلقول الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) ووجه الاستدلال، أنه لو صح الاعتكاف في غير المسجد لم يخص تحريم المباشرة بالاعتكاف في المسجد لانها منافية للاعتكاف، فعلم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد.
(٧) رأي الفقهاء في المسجد الذي ينعقد فيه الاعتكاف:
اختلف الفقهاء في المسجد يصح الاعتكاف فيه فذهب أبو حنيفة واحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه يصح في كل مسجد يصلى فيها الصلوات الخمس وتقام فيه الجماعة، لما روي أن النبي ﷺ قال: " كل مسجد له مؤذن وإمام فالاعتكاف فيه يصلح " رواه الدارقطني.
وهذا حديث مرسل ضعيف لا يحتج به.
وذهب مالك والشافعي وداود، إلى أنه يصح في كل مسجد لانه لم يصح في تخصيص بعض المساجد شئ صريح.
وقالت الشافعية الافضل أن يكون الاعتكاف في المسجد الجامع، لان
стр. 471
الرسول ﷺ اعتكف في المسجد الجامع، ولان الجماعة في في صلواته اكتر، ولا يعتكف في غيره إذا تخلل وقت الاعتكاف صلاة جمعة حتى لا تفوته.
وللمعتكف أن يؤذن في المئذنة إن كان بابها في المسجد أو في صحنه.
ويصعد على ظهر المسجد لان كل ذلك من المسجد، فإن كان باب المئدنة خارج المسجد بطل اعتكافه إن تعمد ذلك، ورحبة المسجد منه عند الحنفية والشافعية، ورواية عن أحمد.
وعن مالك ورواية عن أحمد، أنها ليست منه، فليس للمعتكف أن يخرج إليها.
وجمهور العلماء على أن المرأة لا يصح لها أن تعتكف في مسجد بيتها، لان مسجد البيت لا يطلق عليه اسم مسجد، ولا خلاف في جواز بيعه، وقد صح أن أزواج النبي ﷺ اعتكفن في المسجد لنبوي.
صوم المعتكف المعتكف إن صام فحسن، وإن لم يصم فلا شئ عليه.
روى البخاري عن ابن عمر ﵄ أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام.
فقال: " أوف بنذرك " ففي أمر رسول الله ﷺ له بالوفاء بالنذر دليل على ان الصوم ليس شرطا في صحة الاعتكاف، إذ أنه لا يصح الصيام في الليل.
وروى سعيد بن منصور عن أبي سهل.
قال، كان على امرأة من أهلي اعتكاف.
فسألت عمر بن عبد العزيز، فقال ليس عليها صيام، إلا أن تجعله على نفسها.
فقال الزهري: لا اعتكاف إلا بصوم.
فقال له عمر: عن النبي ﷺ ؟ قال: لا.
قال: فعن أبي بكر؟ قال: لا.
قال: فعن عمر؟ قال: لا.
قال: واظنه قال عن عثمان؟ قال: لا.
فخرجت من عنده فلقيت عطاء وطاووسا فسألتهما؟ فقال طاووس: كان فلان لا يرى عليها صياما إلا أن تجعله على نفسها.
وقال عطاء: ليس عليها صيام إلا أن تجعله على نفسها.
قال الخطابي، وقد اختلف الناس في هذا، فقال الحسن البصري: إن اعتكف من غير صيام أجزأه، وإليه ذهب الشافعي.
وروي عن علي وابن مسعود أنهما قالا: إن شاء صام
стр. 472
وإن شاء أفطر.
وقال الاوزاعي ومالك: لا اعتكاف إلا بصوم، وهو مذهب أهل الرأي وروى ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة، وهو قول سعيد ابن المسيب وعروة بن الزبير والزهري وقت دخول المعتكف والخروج منه تقدم أن الاعتكاف المندوب ليس له وقت محدد.
فمتى دخل المعتكف المسجد ونوى التقرب إلى الله بالمكث فيه صار متعكفا حتى يخرج، فإن نوى اعتكاف العشر الاواخر من رمضان، فإنه يدخل معتكفه قبل غروب الشمس.
فعند البخاري عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ قال " من كان
اعتكف معي فليعتكف العشر الاواخر ".
والعشر اسم لعدد الليالي، أول الليالي العشر ليلة إحدى وعشرين أو ليلة العشرين.
وما روي أنه ﷺ : كان إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل معتكفه.
فمعناه أنه كان يدخل المكان الذي أعده للاعتكاف في المسجد.
أما وقت دخول المسجد للاعتكاف فقد كان أول الليل.
ومن اعتكف العشر الاواخر من رمضان فإنه يخرج بعد غروب الشمس آخر يوم من الشهر عند أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وأحمد: إن خرج بعد غروب الشمس أجزأه، والمستحب عندهما أن يبقى في المسجد حتى يخرج إلى صلاة العيد.
وروى الاثرم بإسناده عن أبي أيوب عن أبي قلابة: أنه كان يبيت في المسجد ليلة الفطر، ثم يغدو كما هو إلى العيد، وكان - يعنى في اعتكافه - لا يلقى له حصير ولا مصلى يجلس عليه، كان يجلس كأنه بعض القوم، قال: فأتيته في يوم الفطر فإذا في حجره جويرية مزينة، ما ظننتها إلا بعض بناته، فإذا هي أمة له، فأعتقها، وغدا كما هو إلى العيد.
وقال إبراهيم.
كانوا يحبون لمن اعتكف الشعر الاواخر من رمضان أن يبيت ليلة الفطر في المسجد، ثم يغدو إلى المصلى من المسجد ومن نذر اعتكاف يوم أو أيام مسماة، أو أراد ذلك تطوعا فإنه يدخل في اعتكافه قبل أن يتبين له طلوع الفجر، ويخرج إذا غاب جميع قرص الشمس
стр. 473
سواء أكان ذلك في رمضان أم في غيره، ومن نذر اعتكاف ليلة أو ليال مسماة، أو أراد تطوعا، فإنه يدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس ويخرج إذا تبين له طلوع الفجر.
قال ابن حزم: لان مبدأ الليل إثر
غروب الشمس، وتمامه بطلوع الفجر، ومبدأ اليوم بطلوع الفجر، واتمامه بغروب الشمس، وليس على أحد إلا ما التزم أو نوى.
فإن نذر اعتكاف شهر أو أراده تطوعا بدأ الشهر من أول ليلة منه.
فيدخل قبل أن يتم غروب جميع قرص الشمس، ويخرج إذا غابت الشمس كلها من آخر الشهر سواء رمضان وغيره.
ما يستحب للمعتكف وما يكره له يستحب للمعتكف أن يكثر من نوافل العبادات، ويشغل نفسه بالصلاة وتلاوة القرآن والتسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على النبي صلوات الله وسلامه عليه والدعاء، ونحو ذلك من الطاعات التي تقرب إلى الله تعالى وتصل المرء بخالقه جل ذكره.
ومما يدخل في هذا الباب دراسة العلم واستذكار كتب التفسير والحديث، وقراءة سير الانبياء والصالحين وغيرها من كتب الفقه والدين، ويستحب له أن يتخذ خباء في صحن المسجد انتساء بالنبي ﷺ .
ويكره له أن يشغل نفسه بما لا يعنيه من قول أو عمل، لما رواه الترمذي وابن ماجه عن أبي بسرة أن النبي ﷺ قال: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " ويكره له الامساك عن الكلام ظنا منه أن ذلك مما يقرب إلى الله عزوجل، فقد روى البخاري وأبو داود وابن ماجه عن ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه؟ فقالوا: أبو اسرائيل.
نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يتكلم ويصوم.
فقال النبي ﷺ : " مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه.
" وروى أبو داود عن على ﵁: أن النبي ﷺ قال " لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل " (١)
стр. 474
ما يباح للمعتكف
يباح للمعتكف ما يأتي: ١ - خروجه من معتكفه لتوديع أهله، قالت صفية، كان رسول الله ﷺ معتكفا فأتيته أزوره ليلا، فحدثته ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني (١) ، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد. فمر رجلان من الانصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا. فقال النبي ﷺ : " على رسلكما، إنها صفية بنت حيي "، قالا: سبحان الله يا رسول الله، قال: " إن الشيطان يجري من الانسان مرجى الدم، فخشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا " أو قال " شرا (٢) " رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
٢ - ترجيل شعره وحلق رأسه، وتقليم أظفاره وتنظيف البدن من الشعث والدرن ولبس أحسن الثيات والتطيب بالطيب.
قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يكون معتكفا في المسجد فيناولني رأسه من خلل الحجرة، فأغسل رأسه - " وقال مسدد فأرجله (٣) " وأنا حائض. رواه البخاري ومسلم وأبو داود.
٣ - الخروج للحاجة التي لا بد منها، قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الانسان. رواه البخاري ومسلم وغيرهما.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمعتكف أن يخرج من معتكفه للغائط والبول، لان هذا مما لا بد منه.
ولا يمكن فعله في المسجد، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به فله الخروج إليه، وإن بغته القئ فله أن يخرج ليقئ
стр. 475
خارج المسجد، وكل ما لا بد منه ولا يمكن فعله في المسجد فله خروجه إليه، ولا يفسد اعتكافه ما لم يطل. انتهى.
ومثل هذا الخروج للغسل من الجنابة وتطهير البدن والثوب من النجاسة.
روى سعيد بن منصور قال: قال علي بن أبي طالب: إذا اعتكف الرجل فليشهد الجمعة، وليحضر الجنازة، وليعد المريض وليأت أهله يأمرهم بحاجته وهو قائم.
وأعان ﵁ ابن أخته بسبعمائة درهم من عطائه أن يشتري بها خادما، فقال: إني كنت معتكفا، فقال له علي: وما عليك لو خرجت إلى السوق فابتعت؟ وعن قتادة: أنه كان يرخص للمعتكف أن يتبع الجنازة ويعود المريض ولا يجلس.
وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون للمعتكف أين يشترط هذه الخصال - وهن له وإن لم يشترط - عيادة المريض، ولا يدخل سقفا، ويأتي الجمعة: ويشهد الجنازة، ويخرج إلى الحاجة.
قال: ولا يدخل المعتكف سقيفة إلا لحاجة.
قال الخطابي: وقالت طائفة للمعتكف أن يشهد الجمعة ويعود المريض، ويشهد الجنازة.
روي ذلك عن علي ﵁، وهو قول سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي.
وروى أبو داود عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يمر بالمريض وهو معتكف، فيمر كما هو ولا يعرج يسأل عنه وما روي عنها من أن السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا فمعناه أن لا يخرج من معتكفه، قاصدا عيادته، وأنه، لا يضيق عليه أن يمر به فيسأل غير معرج عليه.
٤ - وله أن يأكل ويشرب في المسجد وينام فيه، مع المحافظة على نظافته وصيانته، وله أن يعقد العقود فيه كعقد النكاح وعقد البيع والشراء، ونحو ذلك.
ما يبطل الاعتكاف
يبطل الاعتكاف بفعل شئ مما يأتي:
١ - الخروج من المسجد لغير حاجة عمدا وإن قل، فإنه يفوت المكث فيه، وهو ركن من أركانه.
стр. 476
٢ - الرده.
لمنافاتها للعبادة، ولقول الله تعالى: (لئن أشركت ليحبطن عملك) .
٣، ٤، ٥ - ذهاب العقل بجنون أو سكر.
والحيض والنفاس، لفوات شرط التمييز والطهارة من الحيض والنفاس.
٦ - الوطء لقول الله تعالى: (ولا تقربوهن وأنتم عاكفون في المساجد، تلك حدود الله فلا تقربوها) ولا بأس باللمس بدون شهوة، فقد كانت إحدى نسائه ﷺ ترجله وهو معتكف، أما القبلة واللمس بشهوة فقد قال أبو حنيفة وأحمد أنه قد أساء، لانه قد أتى بما يحرم عليه، ولا يفسد اعتكافه إلا أن ينزل، وقال
مالك: يفسد اعتكافه لانها مباشرة محرمة فتفسد كما لو أنزل، وعن الشافعي روايتان كالمذهبين.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم، هل الاسم المشترك، بين الحقيقة والمجاز له عموم أم لا وهو أحد أنواع الاسم المشترك.
فمن ذهب إلى أن له عموما قال: إن المباشرة في قوله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد،) يطلق على الجماع وعلى ما دونه، ومن لم ير له عموما - وهو الاشهر الاكثر - قال: يدل إما على الجماع، وإما على ما دون الجماع، فإذا قلنا: إنه يدل على الجماع بإجماع، بطل أن يدل على غير الجماع، لان الاسم الواحد لا يدل على الحقيقة والمجاز معا.
ومن أجرى الانزال بمنزلة الوقاع، فلانه في معناه، ومن خالف فلانه يطلق عليه الاسم حقيقة.
قضاء الاعتكاف
من شرع في الاعتكاف متطوعا ثم قطعه استحب له قضاءه وقيل: يجب.
قال الترمذي: واختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى.
فقال مالك: إذا انقضى اعتكافه وجب عليه القضاء، واحتجوا بالحديث أن النبي ﷺ خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال.
وقال الشافعي: إن لم يكن عليه نذر اعتكاف أو شئ أوجبه على نفسه وكان متطوعا، فخرج فليس عليه قضاء، إلا أن يحب ذلك اختيارا منه.
стр. 477
قال الشافعي: وكأن علم لك أن لا تدخل فيه، فإذا دخلت فيه وخرجت منه فليس عليك أن تقضي إلا الحج والعمرة.
أما من نذر أن يعتكف يوما أو أياما ثم شرع فيه وأفسده وجب عليه قضاؤه متى قدر عليه باتفاق الائمة، فإن مات قبل أن يقضيه لا يقضى عنه.
وعن أحمد: أنه يجب على وليه أن يقضي ذلك عنه.
روى عبد الرزاق عن عبد الكريم بن أمية قال: سمعت عبد الله بن عبد الله بن عتبة يقول: إن أمنا ماتت وعليها اعتكاف، فسألت ابن عباس فقال: اعتكف عنها وصم.
وروى سعيد ابن منصور: ان عائشة اعتكفت عن أخيها بعد ما مات.
المعتكف يلزم مكانا من المسجد، وينصب فيه الخيمة:
١ - روى ابن ماجه عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يعتكف العشر الاواخر من رمضان.
قال نافع: وقد أراني عبد الله بن عمر المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ .
٢ - وروي عنه أنه ﷺ كان إذا اعتكف طرح له فراش، أو يوضع له سرير وراء اسطوانة التوبة (١) .
٣ - وروى عن أبي سعيد الخدري أن النبي ﷺ اعتكف في قبة تركية على سدتها (٢) قطعة حصير.
نذر الاعتكاف في مسجد معين
من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الاقصى وجب عليه الوفاء بنذره في المسجد الذي عينه، لقول رسول الله ﷺ : " لا تشد الرجال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الاقصى ومسجدي هذا " أما إذا نذر الاعتكاف في غير هذه المساجد الثلاثة فلا يجب عليه الاعتكاف
стр. 478
في المسجد الذي عينه، وعليه أن يعتكف في أي مسجد شاء، لان الله تعالى لم يجعل لعبادته مكانا معينا ولانه لا فضل لمسجد من المساجد على مسجد آخر إلا المساجد الثلاثة، فقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال " صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاز في مسجدي هذا بمائة صلاة ".
وإن نذر الاعتكاف في المسجد النبوي جاز له أن يعتكف في المسجد الحرام لانه أفضل منه.
стр. 479
الجنائز
(١) أدب السنة في المرض والطب المرض: جاءت الاحاديث مصرحة بأن المرض يكفر السيئات ويمحو الذنوب.
نذكر بعضها فيما يلي:
١ - روي البخاري ومسلم عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال " من يرد الله به خيرا يصب منه ".
٢ - ورويا عنه أنه ﷺ قال: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه ".
٣ - روى البخاري عن ابن مسعود، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك، فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكا شديدا، قال أجل: " إني أوعك كما يوعك (٢) رجلان منكم.
" قلت: ذلك أن لك أجرين؟ قال: " أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها ".
٤ - وروى عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع من حيث أتتها الريح كفأتها، فإذا اعتدلت تكفا بالبلاء، والفاجر كالارزة صماء معتدلة حتى يقصمها الله إذا شاء ".
الصبر عند المرض على المريض أن يصبر على ما ينزل به من ضر، فما أعطى العبد عطاء خيرا وأوسع له من الصبر.
стр. 480
١ - روى مسلم عن صهيب بن سنان أن النبي ﷺ قال " عجبا لامر المؤمن إن أمره كله خير - وليس ذلك لاحد إلا للمؤمن - إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ".
٢ - وروى البخاري عن أنس قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله تعالى قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة " يريد عينيه.
٣ - وروى البخاري ومسلم عن عطاء بن رباح عن ابن عباس قال: ألا أريك امرأة من أهل الجنة فقلت: بلى، فقال هذه المرأة السوداء، أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع، وإني أتكشف، فادع الله تعالى لي.
فقال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله تعالى أن يعافيك؟ " فقالت: أصبر، ثم قالت، إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها.
شكوى المريض:
يجوز للمريض أن يشكو للطبيب والصديق ما يجده من الالم والمرض ما لم يكن ذلك على سبيل التسخط وإظهار الجزع.
وقد تقدم قول الرسول ﷺ ، " إني أوعك كما يوعك رجلان منكم " وشكت عائشة فقالت لرسول الله ﷺ : وارأساه، فقال: " بل أنا، وارأساه " وقال عبد الله بن الزبير لاسماء - وهي وجعة - كيف تجدينك؟ قالت: وجعة.
وينبغي أن يحمد المريض ربه قبل ذكر ما به.
قال ابن مسعود: إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاك والشكوى إلى الله مشروعة، قال يعقوب: (إنما أشكو بثي وحزني إلى الله) وقال الرسول: " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي " الخ.
المريض يكتب له ما كان يعمل وهو صحيح:
وروى البخاري عن أبي موسى الاشعري أن النبي ﷺ قال: " إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا ".
стр. 481
عيادة المريض:
من أدب الاسلام أن يعود المسلم المريض ويتفقد حاله تطبيبا لنفسه ووفاء بحقه، قال ابن عباس: عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع.
وروى البخاري عن أبي موسى أن النبي ﷺ قال: " أطعموا الجائع وعودوا المريض: وفكوا العاني (١) ".
وروى البخاري ومسلم " حق المسلم على المسلم ست، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده. وإذا مات فاتبعه ".
فضلها:
١ - روى ابن ماجه عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " من عاد مريضا نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا ".
٢ - وروى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت ان عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟! قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟ يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني؟ قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي ".
٣ - وعن ثوبان أن النبي ﷺ قال: " إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع ".
قيل يا رسول الله: وما خرفة الجنة؟ قال: " جناها (٢) ".
٤ - وعن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه
стр. 482
وسلم يقول: " ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، وكان له خريف (١) في الجنة " رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
آداب العيادة:
يستحب في العيادة أن يدعو العائد للمريض بالشفاء والعافية وأن يوصيه بالصبر والاحتمال، وأن يقول له الكلمات الطيبة التي تطيب نفسه، وتقوي روحه، فقد روي عنه ﷺ أنه قال: " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له (٢) في الاجل، فإن ذلك لا يرد شيئا، وهو يطيب نفس المريض.
" وكان صلوات الله وسلامه عليه إذا دخل على من يعود قال: " لا بأس طهور إن شاء الله ".
ويستحب تخفيف العيادة وتقليلها من أمكن حتى لا يثقل على المريض إلا إذا رغب في ذلك.
عيادة النساء الرجال:
قال البخاري: باب: عيادة النساء الرجال " وعادت أم الدرداء رجلا من أهل المسجد من الانصار.
وروى عن عائشة أنها قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك أبو بكر، وبلال ﵄.
قالت: فدخلت عليهما فقلت: يا أبت كيف تجدك؟ ويا بلال كيف تجدك؟ قالت: وكان أبو بكر إذا اخذته الحمى يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلعت عنه يقول: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل قالت عائشة: فجئت الى رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال:
стр. 483
" اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللهم وصححها وبارك في مدها وصاعها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة ".
عيادة المسلم الكافر
لا بأس بعيادة المسلم الكافر.
قال البخاري: " باب عيادة المشرك " وروي عن أنس ﵁ أن غلاما ليهود كان يخدم النبي ﷺ ، فمرض فأتاه النبي ﷺ يعوده. فقال: " أسلم "، فأسلم.
وقال سعيد بن المسيب عن أبيه، لما حضر أبو طالب جاءه النبي ﷺ .
العيادة في الرمد:
روى أبو داود عن زيد بن أرقم.
قال: عادني رسول الله ﷺ من وجع كان بعيني.
طلب الدعاء من المريض روى ابن ماجه عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا دخلت على مريض فمره فليدع لك.
فان دعاءه كدعاء الملائكة " (١) قال في الزوائد: واسناده صحيح ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع.
التداوي:
أمر الشارع بالتداوي في أكثر من حديث.
١ - روى أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي عن أسامة بن شريك.
قال: أتيت النبي ﷺ وأصحابه كأن على رؤوسهم الطير (٢) فسلمت ثم قعدت فجاء الاعراب من ههنا وههنا.
فقالوا: يا رسول الله أنتداوى؟ فقال " تداووا فان الله لم يضع داء إلا وضع له دواء غير داء واحد، الهرم.."
стр. 484
٢ - روى النسائي وابن ماجه والحاكم وصححه عن ابن مسعود: ان النبي ﷺ قال: " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء فتداووا.
" ٣ - وروى مسلم عن جابر: ان رسول الله ﷺ قال: " لكل داء دواء فإذا أصيب دواء الداء برئ باذن الله.
" التداوي بالمحرم: ذهب جمهور العلماء إلى حرمة التداوي بالخمر وغيرها من المحرمات، واستدلوا بالاحاديث الاتية: ١ - روى مسلم وابو داود والترمذي عن وائل بن حجر الحضرمي، أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ عن الخمر يصنعها للدواء؟. فقال: " إنها ليست بدواء، ولكنها داء ". فأفاد الحديث حرمة التداوي بها، وأخبر بأنها داء.
٢ - وروى البيهقي وصححه ابن حبان، عن أم سلمة، أن النبي ﷺ قال: " إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم " وذكره البخاري عن ابن مسعود.
٣ - وروى أبو داود عن أبي الدرداء، أن النبي ﷺ قال: " إن الله أنزل الداء والدواء.
وجعل لكل داء دواء.، فتداووا، ولا تتداووا بحرام. " وفي سنده إسماعيل بن عياش. وهو ثقة في الشاميين، ضعيف في الحجازيين.
٤ - وروى أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث - يعني السم. والقطرات القليلة غير الظاهرة، والتي لا يكون من شأنها الاسكار، إذا اختلطت بالدواء المركب لا تحرم، مثل القليل من الحرير في الثوب، أفاده في المنار.
الطبيب الكافر
وفي كتاب الاداب الشرعية لابن مفلح: وقال الشيخ تقي الدين: إذا كان اليهودي أو النصراني خبيرا بالطب ثقة عند الانسان جاز له ان يستطب (١) كما
стр. 485
يجوز له أن يودعه المال وأن يعامله، كما قال الله تعالى: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده اليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما) .
وفي الصحيح: أن النبي ﷺ لما هاجر استأجر رجلا مشركا هاديا خريتا (١) وائتمنه على نفسه وماله.
وكانت خزاعة عينا لرسول الله ﷺ ، مسلمهم وكافرهم، وقد روى: ان النبي ﷺ أمر ان يستطب الحارث بن كلدة، وكان كافرا، وإذا أمكنه أن يستطب مسلما، فهو كما لو أمكنه أن يودعه أو يعامله، فلا ينبغي ان يعدل عنه، وأما إذا احتاج إلى ائتمان الكتابي، أو أستطبابه فلم ذلك، ولم يكن من ولاية اليهود والنصارى المنهي عنها، وإذا خاطبه بالتي هي أحسن كان حسنا، فان الله تعالى يقول: " ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ". اه
وذكر أبو الخطاب في حديث صلح الحديبية وبعث النبي ﷺ عينا له من خزاعه وقبوله خبره: أن فيه دليلا على جواز قبول المتطبب الكافر فيما يخبر به من صفة العلة ووجه العلاج إذا كان غير متهم فيما يصفه. وكان غير مظنون به الريبة.
جواز استطباب المرأة
يجوز للرجل أن يداوي المرأة، ويجوز للمرأة أن تداوي الرجل عند الضرورة.
قال البخاري: هل يداوي الرجل المرأة والمرأة الرجل.
ثم روى عن ربيع بنت معوذ بن عفراء.
قالت: كنا نغزو مع رسول الله ﷺ نسقي القوم، ونخدمهم ونرد القتلى والجرحى إلى المدينة.
وقال الحافظ في الفتح: يجوز مداواة الاجانب عند الضرورة، وتقدر بقدرها فيما يتعلق بالنظر والجس باليد وغير ذلك.
وقال ابن مفلح في كتاب الآداب الشرعية: فإن مرضت امرأة ولم يوجد من يطبها غير رجل، جاز له منها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظره منها حتى الفرجين، وكذا الرجل مع الرجل.
قال ابن حمدان: وان لم يوجد من يطبه سوى امرأة، فلها نظر ما تدعو الحاجة إلى نظرها منه حتى فرجيه.
قال القاضي: يجوز للطيب
стр. 486
أن ينظر من المرأة إلى العورة عند الحاجة، وكذلك يجوز للمرأة والرجل، أن ينظرا إلى عورة الرجل عند الضرورة. انتهى.
العلاج بالرقي (١) والأدعية:
يشرع العلاج بالرقى والادعية إذا كانت مشتملة على ذكر الله، وكانت باللفظ العربي المفهوم لان مالا يفهم، لا يؤمن أن يكون فيه شئ من الشرك فعن عوف بن مالك.
قال: كنا نرقى في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله كيف ترى في ذلك؟ فقال اعرضوا علي رقاكم.
لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " رواه مسلم وأبو داود، وقال الربيع: سألت الشافعي عن الرقية فقال: لا بأس أن ترقى بكتاب الله، وبما تعرف من ذكر الله قلت: أيرقى أهل الكتاب المسلمين؟ قال نعم، إذا رقوا بما يعرف من كتاب الله وبذكر الله.
بعض الادعية الواردة في ذلك:
١ - روى البخاري ومسلم عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يعوذ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: " اللهم رب الناس أذهب البأس (٢) أشف وأنت الشافي، لاشفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ".
٢ - وروى مسلم عن عثمان بن أبي العاص أنه شكا إلى رسول الله ﷺ وجعا بحدة في جسده.
فقال له رسول الله ﷺ : " ضع يدك على الذي يألم من جسدك وقل: باسم الله، وقل: سبع مرات: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر " قال ففعلت ذلك مرارا فأذهب الله ما كان بي فلم أزل آمر به أهلى وغيرهم.
٣ - وروى الترمذي عن محمد بن سالم قال: قال لى ثابت البناني: يا محمد إذا اشتكيت فضع يدك حيث تشتكي، ثم قل: بسم الله أعوذ بعزة الله من شر ما أجد من وجعي هذا، ثم ارفع يدك، ثم أعد ذلك وترا، فان أنس بن مالك حدثني: ان رسول الله ﷺ حدثه بذلك.
стр. 487
٤ - وعن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " من عاد مريضا لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات: أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك. إلا عافاه الله من ذلك المرض ".
رواه أبو داود والترمذي وقال: حسن.
وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري.
٥ - وروى البخاري عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يعوذ الحسن والحسين: " أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة. ومن كل عين لامة (١) ويقول: " إن أباكما (٢) كان يعوذ بهما إسماعيل واسحاق ".
٦ - وروى مسلم عن سعد بن أبي وقاص، ان رسول الله ﷺ عاده في مرضه فقال: " اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا، اللهم اشف سعدا ".
النهي عن التمائم:
نهى رسول الله ﷺ عن التمائم.
١ - فعن عقبة بن عامر، ان رسول الله ﷺ قال: " من علق تميمة فلا أتم الله له.
ومن علق ودعة فلا أودع الله له " رواه أحمد والحاكم.
وقال: صحيح الاسناد.
والتميمة: هي الخرزة التي كان العرب يعلقونها على أولادهم يمنعون بها العين في زعمهم، فأبطله الاسلام ونهى عنه.
ودعا رسول الله على من علق تميمة بعدم التمام، لما قصده من التعليق.
١ - وعن ابن مسعود ﵁: أنه دخل على امرأته، وفي عنقها شئ معقود، فجذبه فقطعه.
ثم قال: لقد أصبح آل عبد الله أغنياء أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.
ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك " قالوا: يا أبا عبد الله هذه التمائم والرقى قد
стр. 488
عرفناها، فما التولة؟ قال: شئ يصنعه النساء يتحببن الى أزواجهن (١) .
رواه الحاكم وابن حبان وصححاه.
٣ - وعن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ أبصر على
عضد رجل حلقة أراه قال: " من صفر " (٢) ، فقال: " ويحك ما هذه؟ " قال: من الواهنة.
قال " أما إنها لا تزيد إلا وهنا، انبذها عنك، فانك لومت وهي عليك ما أفلحت ابدا " رواه أحمد.
والواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي اليد كلها، وقيل: مرض يأخذ في العضد.
وقد علق الرجل حلقة من نحاس، ظنا منه أنها تعصمه من الالم، فنهاه الرسول عنها، وعدها من التمائم.
٤ - وروى أبو داوود عن عيسى بن حمزة قال: دخلت على عبد الله بن حكيم وبه حمرة، فقلت ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك، قال رسول الله ﷺ : " من علق شيئا وكل إليه ".
هل يجوز تعليق الادعية الواردة في الكتاب والسنة؟ روى عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ان النبي ﷺ قال: " إذا فزع أحدكم في النوم فليقل: اعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، من همزات الشياطين وأن يحضرون فانها لن تضره " وكان عبد الله بن عمرو يعلمهن من عقل من بنيه، ومن لم يعقل كتبها في صك ثم علقها في عنقه.
رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن غريب، والحاكم وقال: صحيح الاسناد.
وإلى هذا ذهبت عائشة ومالك وأكثر الشافعية ورواية عن أحمد.
وذهب ابن عباس وابن مسعود، وحذيفة والاحناف وبعض الشافعية ورواية عن أحمد: إلى أنه لا يجوز تعليق شئ من ذلك لما تقدم من النهي العام في الاحاديث السابقة.
منع المريض من السكن بين الأصحاء
ومن كان مبتلى بأمراض معدية، يجوز منعه من السكن بين الاصحاء ولا
стр. 489
يجاور الاصحاء، فان النبي ﷺ قال: " لا يوردن ممرض على مصح " فنهى صاحب الابل المراض أن يوردها على صاحب الابل الصحاح مع قوله " لا عدوى ولا طيرة " وكذلك روي انه لما قدم رجل محذوم ليبايعه، أرسل إليه بالبيعة، ولم يأذن له في دخول المدينة.
النهي عن الخروج من الطاعون أو الدخول في أرض هو بها:
نهى رسول الله ﷺ عن الخروج من الارض التي وقع بها الطاعون أو الدخول فيها، لما في ذلك من التعرض للبلاء.
وحتى يمكن حصر المرض في دائرة محددة، ومنعا لانتشار الوباء.
وهوما يعبر عنه بالحجر الصحي.
روى الترمذي وقال: حسن صحيح.
عن أسامة بن زيد: أن النبي ﷺ ذكر الطاعون فقال: " بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل، فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها " وروى البخاري عن ابن عباس: أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الاجناد، أبو عبيدة ابن الجراح وأصحابه.
فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام.
قال ابن عباس فقال عمر: ادع لي المهاجرين الاولين، فدعاهم فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا.
فقال بعضهم قد خرجنا لامر ولا نرى أن نرجع عنه، وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادع لي الانصار.
فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا نرى أن
ترجع بالناس، ولا تقدمهم على هذا الوباء.
فنادى عمر في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه.
قال أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة؟ نعم نفر من قدر اللهإلى قدر الله.
أرأيت لو كان لك إبل هبطت واديا له عدوتان إحداهما خصبة، والاخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا في بعض حاجاته، فقال: إن عندي في هذا علما.
سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه " قال فحمد الله عمر ثم انصرف.
стр. 490
استحباب ذكر الموت والاستعداد له بالعمل: رغب الشارع في تذكر الموت والاستعداد له بالعمل الصالح، وعدذلك من دلائل الخير.
فعن ابن عمر ﵄ قال: أتيت النبي ﷺ عاشر عشرة، فقام رجل من الانصار فقال: يا نبي الله من أكيس الناس وأحزم الناس؟ قال: " أكثرهم ذكرا للموت، وأكثرهم استعدادا للموت، أولئك الاكياس.
ذهبوا بشرف الدنيا وكرامة الآخرة ".
وعنه قال، قال رسول الله ﷺ : " أكثروا من ذكر هاذم (١) اللذات " رواهما الطبراني بإسناد حسن.
وعن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ في قول الله تعالى " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام.
" قال: " إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: هل لذلك من علامة يعرف بها؟ قال: " الانابة إلى دار الخلود، والتنحي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت ".
رواه ابن جرير، وله طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا.
كراهة تمني الموت:
يكره للمرء أن يتمنى الموت أو يدعو به، لفقر أو مرض أو محنة أو نحو ذلك، لما رواه الجماعة عن أنس، أن النبي ﷺ قال: " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنيا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرالي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي ".
وحكمة النهي عن تمني الموت ما جاء من حديث أم الفضل أن النبي ﷺ دخل على العباس، وهو يشتكي فتمنى الموت فقال: " يا عباس يا عم رسول الله لاتتمن الموت إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك خير لك، وإن كنت مسيئا فإن تؤخر تستعتب (٢) خير لك. فلا تمن
стр. 491
الموت " رواه أحمد والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم.
فإن خاف أن يفتن في دينه يجوز له تمني الموت دون كراهة، فمما حفظ عن رسول الله ﷺ قوله في دعائه: " اللهم إني أسألك فعل الخيرات. وترك المنكرات وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قومي فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك " رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
وفي الموطأ عن عمر ﵁ دعا.
فقال: " اللهم كبرت سني وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط "
فضل طول العمر مع حسن العمل:
١ - عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: " من طال عمره وحسن عمله ".
قال: فأي الناس شر.
قال: " من طال عمره وساء عمله " رواه أحمد والترمذي وقال: حسن صحيح.
٢ - وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: " ألا أنبئكم بخيركم؟ " قالوا: نعم يا رسول الله قال: " خياركم أطولكم أعمارا وأحسنكم أعمالا " رواه أحمد وغيره بسند صحيح.
العمل الصالح قبل الموت دليل على حسن الختام:
روى أحمد والترمذي والحاكم وابن حبان عن أنس أن النبي ﷺ قال: " إذا أراد الله بعبد خيرا استعمله " قيل: كيف يستعمله؟ قال " يوفقه لعمل صالح قبل الموت ثم يقبضه عليه ".
استحباب حسن الظن بالله ينبغي أن يذكر المريض سعة رحمة الله ويحسن ظنه بربه، لما رواه مسلم عن جابر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل موته بثلاث (١) :
стр. 492
" لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ".
وفي الحديث استحباب تغليب الرجاء وتأميل العفو ليلقى الله تعالى على حالة هي أحب الاحوال إلى الله سبحانه إذ هو الرحمن الرحيم، والجواد الكريم، يحب العفو والرجاء.
وفي الحديث " يبعث كل أحد على ما مات عليه ".
وروى ابن ماجه والترمذي بسند جيد عن أنس أن النبي صلى الله عليه
وسلم دخل على شاب وهوفي الموت فقال: " كيف تجدك؟ " قال: أرجو الله وأخاف ذنوبي.
فقال ﷺ : " لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجوه وأمنه مما يخاف ".
استحباب الدعاء والذكر لمن حضر عند الميت:
يستحب أن يحضر الصالحون من أشرف على الموت فيذكروا الله.
١ - روى أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن أم سلمة قالت، قال رسول الله ﷺ : " إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيرا، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون ".
قالت: فلما مات أبو سلمة، أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن أبا سلمة قد مات، قال: " قولي: اللهم اغفر لي وله، وأعقبني منه عقبى حسنة " فقلت: فأعقبني الله من هو خير منه " محمدا ﷺ ".
٢ - وفي صحيح مسلم عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه، ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " فضج ناس من أهله فقال: " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون "، ثم قال: " اللهم اغفر لابي سلمة وارفع درجته في المهديين، وأخلفه في عقبة الغابرين (١) واغفر لنا وله يا رب العالمين.
وأفسح له في قبره، ونور له فيه ".
стр. 493
ما يسن عند الاحتضار:
يسن عند الاحتضار مراعاة السنن الآتية:
١ - تلقين المحتصر " لا إله إلا الله " لما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: " لقنوا موتاكم (١) : لا إله إلا الله " وروى أبو داود، وصححه الحاكم عن معاذ بن جبل ﵁ قال، قال رسول الله ﷺ : " من كان آخر كلامه لاإله إلا الله دخل الجنة ".
والتلقين إنما يكون في حالة ما إذا كان لا ينطق بلفظ الشهادة.
فإن كان ينطق بها فلا معنى لتلقينه.
والتلقين إنما يكون في الحاضر العقل القادر على الكلام فإن شارد اللب لا يمكن تلقينه، والعاجز عن الكلام يردد الشهادة في نفسه.
قال العلماء: وينبغي أن لا يلح عليه في ذلك.
ولا يقول له: قل لا إله إلا الله، خشية أن يضجر، فيتكلم بكلام غير لائق، ولكن يقولها بحيث يسمعه معرضا له، ليفطن له فيقولها.
وإذا أتى بالشهادة مرة لا يعاود التلقين ما لم يتكلم بعدها بكلام آخر فيعاد التعريض له به ليكون آخر كلامه.
وجمهور العلماء على أن المحتضر يقتصر في تلقينه على لفظ " لا إله إلا الله " لظاهر الحديث، ويرى جماعة أنه يلقن الشهادتين لان المقصود تذكر التوحيد وهو يتوقف عليهما.
٢ - توجيهه إلى القبلة مضطجعا على شقه الايمن، لما رواه البيهقي والحاكم وصححه عن أبي قتادة: أن النبي ﷺ لما قدم المدينة، سأل عن البراء بن معرور؟ فقالوا: توفي، وأوصى بثلث ماله لك، وأن يوجه للقبلة لما احتضر.
فقال النبي ﷺ : " أصاب الفطرة، وقد رددت ثلث ماله على ولده ".
ثم ذهب فصلى عليه وقال: " اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك وقد فعلت (٢) " قال الحاكم: ولا أعلم في توجيه المحتضر إلى
القبلة غيره.
стр. 494
وروى أحمد: أن فاطمة بنت النبي ﷺ عند موتها استقبلت القبلة ثم توسدت يمينها.
وهذه الصفة التي أمر الرسول ﷺ النائم أن ينام عليها، والتي يكون عليها الميت في قبره.
وفي رواية عن الشافعي: أن المحتضر يستلقي على قفاه وقدماه إلى القبلة وترفع رأسه قليلا ليصير وجهه إليها والاول الذي ذهب إليه الجمهور أولى.
٣ - قراءة سورة يس، لما رواه أحمدو أبو داود والنسائي والحاكم وابن حبان وصححاه، عن معقل بن يسار ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " يس قلب القرآن، لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له.
واقرؤوها على موتاكم (١) ".
قال ابن حبان: أراد به من حضرته المنية، لا أن الميت يقرأ عليه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه أحمد في مسنده عن صفوان قال: كانت المشيخة (٢) يقولون: إذا قرئت " يس " عند الموت خفف عنه بها، وأسنده صاحب مسند الفردوس إلى أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله ﷺ : " مامن ميت يموت فتقرأ عنده يس إلا هون الله عليه ".
٤ - تغميض عينيه إذا مات، لما رواه مسلم: أن النبي ﷺ دخل على أبي سلمة، وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر ".
٥ - تسجيته صيانة له عن الانكشاف وسترا لصورته المتغيرة عن الاعين.
فعن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ حين توفي سجي ببرد حبره (٣) رواه البخاري ومسلم.
ويجوز تقبيل الميت إجماعا فقد قبل رسول الله ﷺ عثمان ابن مظعون وهو ميت، وأكب أبو بكر على رسول الله ﷺ بعد موته فقبله بين عينيه وقال: يا نبياه، يا صفياه.
стр. 495
٦ - المبادرة بتجهيزه متى تحقق (١) موته، فيسرع وليه بغسله ودفنه مخافة أن يتغير، والصلاة عليه، لما رواه أبو داود وسكت عنه.
عن الحصين بن وحوح أن طلحة بن البراء مرض فأتاه النبي ﷺ يعوده، فقال: " إني لا أرى طلحة إلا قد حدث فيه الموت، فأذنوبي به (٢) وعجلوا، فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهري أهله ".
ولا ينتظر به قدوم أحد إلا الولي: فإنه ينتظر ما لم يخش عليه التغير.
روى أحمد والترمذي عن علي ﵁: أن النبي قال له، " يا علي: ثلاث لا تؤخرها الصلاة: إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والايم (٣) إذا وجدت كفئا ".
٧ - قضاء دينه، لما رواه أحمد وابن ماجه والترمذي.
وحسنه، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى
يقضى عنه " أي أمرها موقوف لا يحكم لها بنجاة ولا بهلاك أو محبوسة عن الجنة، وهذا فيمن مات وترك ما لا يقضى منه دينه.
أما من لامال له ومات عازما على القضاء، فقد ثبت أن الله تعالى يقضي عنه، ومثله من مات وله مال وكان محبا للقضاء ولم يقض من ماله ورثته فعند البخاري من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله ".
وروى أحمد وأبو نعيم والبزار والطبراني عن النبي ﷺ قال: " يدعى بصاحب الدين يوم القيامة حتى يوقف بين يدي الله فيقول: يا ابن آدم فيم أخذت هذا الدين، وفيم ضيعت حقوق الناس؟ فيقول: يا رب إنك تعلم أني أخذته فلم آكل ولم أشرب ولم أضيع، ولكن أتى علي إما حرق وإما سرق، وإما وضيعة، فيقول الله صدق عبدي، وأنا أحق من قضى عنك، فيدعو الله بشئ فيضعه في كفة ميزانه، فترجح حسناته على سيئاته، فيدخل الجنة بفضل رحمته ".