← Фикх общий

Фикх общий · id 9486

فقه السنة

سيد سابق

Полный текст (2 120 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

نؤذيك. فقال: " لا تفعلوا، لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به فإن صلاتي عليه رحمة. " ثم أتى القبر فصفنا خلفه وكبر عليه أربعا. رواه أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم وابن حبان وصححاه. قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي وغيرهم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق، وفي الحديث: أن الرسول ﷺ صلى على القبر بعد ما صلى عليها أصحابه قبل الدفن، لانهم ما كانوا ليدفنوها قبل الصلاة عليها. وفي صلاة الاصحاب معه على القبر ما يدل على أن ذلك ليس خاصا به صلوات الله عليه. قال ابن القيم: ردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: " لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها " وهذا حديث صحيح، والذي قاله هو الذي صلى على القبر فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الاخر، فإن الصلاة المنهي عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختص بمكان، بل فعلها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه، فالصلاة عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه، فإنه المقصود بالصلاة في الموضعين، ولا فرق بين كونه على النعش، وعلى الارض وبين كونه في بطنها بخلاف سائر الصلوات، فإنها لم تشرع في القبور، ولا إليها لانها ذريعة إلى اتخاذها مساجد، وقد لعن رسول الله ﷺ من فعل ذلك، فأين ما لعن فاعله وحذر منه؟ وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد " إلى ما فعله ﷺ مرارا متكررة. الصلاة على الغائب: تجوز الصلاة على الغائب في بلد آخر، سواء أكان البلد قريبا أم بعيدا، فيستقبل المصلي القبلة، وإن لم يكن البلد الذي به الغائب جهة القبلة، ينوي الصلاة عليه، ويكبر ويفعل مثل ما يفعل في الصلاة على الحاضر، لما رواه الجماعة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نعى للناس النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف أصحابه وكبر أربع تكبيرات

стр. 527

قال ابن حزم: ويصلى على الميت الغائب بإمام وجماعة، وقد صلى رسول الله ﷺ على " النجاشي " ﵁، ومات بأرض الحبشة، وصلى معه أصحابه صفوفا، وهذا إجماع منهم لا يجوز تعديه. وخالف في ذلك أبو حنيفة ومالك، وليس لهما حجة يمكن أن يعتد بها. الصلاة على الميت في المسجد: لا بأس بالصلاة على الميت في المسجد، إذا لم يخش تلويثه، لما رواه مسلم عن عائشة قالت: ما صلى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد. وصلى الصحابة على أبي بكر وعمر في المسجد بدون إنكار من أحد لانها صلاة كسائر الصلوات. وأما كراهة ذلك عند مالك وأبي حنيفة استدلالا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له (١) " فهي معارضة بفعل رسول الله ﷺ وفعل أصحابه من جهة، ولضعف الحديث من جهة أخرى. قال أحمد بن حنبل: هذا حديث ضعيف، تفرد به صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف. وصحح العلماء هذا الحديث فقالوا: إن الذي في النسخ الصحيحة المشهورة من سنن أبي داود يلفظ: " فلا شئ عليه " أي من الوزر. قال ابن القيم: ولم يكن من هدي رسول الله ﷺ الراتب الصلاة على الميت في المسجد. وإنما كان يصلي على الجنازة خارج المسجد، إلا لعذر، وربما صلى أحيانا على الميت كما صلى على ابن بيضاء، وكلا الامرين جائز، والافضل الصلاة عليها خارج المسجد. الصلاة على الجنازة وسط القبور: كره الجمهور الصلاة على الجنازة في المقبرة بين القبور. روي ذلك عن علي وعبد الله بن عمرو وابن عباس. وإليه ذهب عطاء والنخعي والشافعي وإسحق وابن المنذر، لقول رسول الله ﷺ : " الارض كلها مسجد، إلا المقبرة والحمام ".

стр. 528

وفي رواية لاحمد: أنه لا بأس بها، لان النبي ﷺ صلى على قبر وهو في المقبرة. وصلى أبو هريرة على عائشة وسط قبور البقيع. وحضر ذلك ابن عمر وفعله عمر بن عبد العزيز. جواز صلاة النساء على الجنازة يجوز للمرأة أن تصلي على الجنازة مثل الرجل، سواء أصلت منفردة أو صلت مع الجماعة: فقد انتظر عمر أم عبد الله حتى صلت على عتبة. وأمرت عائشة أن يؤتى بسعد بن أبي وقاص لتصلي عليه. وقال النووي: وينبغي أن تسن لهن الجماعة كما في غيرها، وبه قال الحسن بن صالح وسفيان الثوري وأحمد والاحناف، وقال مالك: يصلين فرادى. أولى الناس بالصلاة على الميت: اختلف الفقهاء فيمن هو أولى وأحق بالامامة في صلاة الجنازة. فقيل: أحق الناس الوصي، ثم الامير، ثم الاب وإن علا، ثم الابن وإن سفل، ثم أقرب العصبة، وإلى هذا ذهبت المالكية والحنابلة، وقيل: الاولى الاب، ثم الجد، ثم ابن ثم ابن الابن، ثم الاخ، ثم ابن الاخ، ثم العم، ثم ابن العم على ترتيب العصبات. وهذا مذهب الشافعي وأبي يوسف. ومذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن أن الاولى: الوالي إن حضر، ثم القاضي، ثم إمام الجهة، ثم ولي المرأة الميت، ثم الاقرب فالاقرب على ترتيب العصبة، إلا الاب فإنه يقدم على الابن إذا اجتمعا. حمل الجنازة والسير بها يشرع في حمل الجنازة والسير بها أمور نذكرها فيما يلي: ١ - يشرع تشييع الجنازة وحملها، والسنة أن يدور على النعش، حتى يدور على جميع الجوانب. روى ابن ماجه والبيهقي وأبو داود الطيالسي عن ابن مسعود. قال: من اتبع جنازة فليحمل بجوانب السرير كلها فإنه من

стр. 529

السنة (١) ثم إن شاء فليتطوع وإن شاء فليدع. وعن أبي سعيد: أن النبي قال: " عودوا المريض، وامشوا مع الجنازة تذكركم الاخرة " رواه أحمد ورجاله ثقات. ٢ - الاسراع بها، لما رواه الجماعة عن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " أسرعوا بالجنازة فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ". وروى أحمد والنسائي وغيرهما عن أبي بكرة قال: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ وإنا لنكاد نرمل بالجنازة رملا (٢) . وروى البخاري في التاريخ: أن النبي ﷺ أسرع حتى تقطعت نعالنا يوم مات سعد بن معاذ. قال في الفتح: والحاصل أنه يستحب الاسراع بها، لكن بحيث لا ينتهي إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة الميت أو مشقة على الحامل أو المشيع لئلا يتنافى المقصود من النظافة وإدخال المشقة على المسلم. وقال القرطبي: مقصود الحديث أن لا يتباطأ بالميت عن الدفن. لان التباطؤ ربما أدى إلى التباهي والاختيال. ٣ - المشي أمامها أو خلفها أو عن يمينها أو شمالها قريبا منها، وقد اختلف العلماء في أيهما. فاختار الجمهور وأكثر هل العلم المشي أمامها وقالوا: إنه الافضل، لان الرسول ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يمشون أمامها. رواه أحمد وأصحاب السنن. ويرى الاحناف أن الافضل للمشيع أن يمشي خلفها، لان ذلك هو المفهوم من أمر رسول الله ﷺ باتباع الجنازة، والمتبع هو الذي يمشي خلف. ويرى أنس بن مالك أن ذلك كله سواء. لما تقدم من قول رسول الله ﷺ : " الراكب يسير خلف الجنازة، والماشي يمشي خلفها وأمامها وعن يمينها وعن يسارها قريبا منها ". والظاهر ان الكل واسع، وأنه من الخلاف المباح الذي ينبغي التساهل فيه. فعن عبد الرحمن بن أبزى: أن أبا بكر وعمر كانا يمشيان أمام الجنازة وكان

стр. 530

علي يمشي خلفها، فقيل لعلي: إنهما يمشيان أمامها. فقال: إنهما يعلمان أن المشي خلفها أفضل من المشي أمامها، كفضل صلاة الرجل في جماعة على صلاته فذا، ولكنهما سهلان يسهلان للناس. رواه البيهقي وابن أبي شيبة. قال الحافظ: وسنده حسن. وأما الركوب عند تشييع الجنازة فقد كرهه الجمهور إلا لعذر، وأجازوه بعد الانصراف بدون كراهة. لحديث ثوبان: أن النبي ﷺ أتي بدابة وهو مع جنازة فأبى أن يركبها، فلما انصرف أتي بدابة فركب، فقيل له، فقال: " إن الملائكة كانت تمشي، فلم أكن لاركب وهم يمشون، فلما ذهبوا ركبت " رواه أبو داود والبيهقي والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين. وخرج رسول الله ﷺ مع جنازة ابن الدحداح ماشيا ورجع على فرس. رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. ولا يعارض القول بالكراهة ما تقدم من قوله ﷺ " الراكب يمشي خلفها " فإنه يمكن أن يكون لبيان الجواز مع الكراهة. ويرى الاحناف أنه لا بأس بالركوب، وإن كان الافضل المشي إلا من عذر، والسنة للراكب أن يكون خلف الجنازة للحديث المتقدم. قال الخطابي في الراكب: لا أعلمهم اختلفوا في أنه يكون خلفها. ما يكره مع الجنازة: يكره في الجنازة الاتيان بفعل من الافعال الاتية: ١ - رفع الصوت بذكر أو قراءة أو غير ذلك. قال ابن المنذر: روينا عن قيس بن عباد أنه قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند ثلاث: عند الجنائز، وعند الذكر، وعند القتال. وكره سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والحسن والنخعي وأحمد وإسحاق قول القائل خلف الجنازة: استغفروا له. قال الاوزاعي: بدعة. قال فضيل بن عمرو: بينا ابن عمر في جنازة إذ سمع قائلا يقول: استغفروا له غفر الله له. فقال ابن عمر: لا غفر الله لك. وقال النووي: واعلم ان الصواب ما كان عليه السلف من السكوت حال

стр. 531

السير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة، ولا ذكر ولا غيرهما، لانه أسكن لخاطره وأجمع لفكره فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال. فهذا هو الحق ولا تغتر بكثرة ما يخالفه، وأما ما يفعله الجهلة من القراءة على الجنازة بالتمطيط وإخراج الكلام عن موضعه فحرام بالاجماع. وللشيخ محمد عبده فتوى في رفع الصوت بالذكر قال فيها: وأما الذكر جهرا أمام الجنازة ففي " الفتح " في باب الجنائز يكره للماشي أمام الجنازة رفع الصوت بالذكر، فإن أراد أن يذكر الله فليذكره في نفسه. وهذا أمر محدث لم يكن في عهد النبي ﷺ ولا أصحابه ولا التابعين ولا تابعيهم، فهو مما يلزم منعه. ٢ - أن تتبع بنار، لان ذلك من أفعال الجاهلية. قال ابن المنذر: يكره ذلك كل من يحفظ عنه من أهل العلم. قال البيهقي: وفي وصية عائشة وعبادة بن الصامت وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري وأسماء بنت أبي بكر ﵃: أن لا تتبعوني بنار. وروى ابن ماجه: أن أبا موسى الاشعري حين حضره الموت قال: لا تتبعوني بمجمر (١) . قالوا: أو سمعت فيه شيئا؟ قال: نعم من رسول الله ﷺ (٢) . فإن كان الدفن ليلا واحتاجوا إلى ضوء فلا بأس به، وقد روى الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ دخل قبرا ليلا فأسرج له سراج. وقال: حديث ابن عباس حديث حسن. ٣ - قعود المتبع لها قبل أن توضع على الارض. قال البخاري: من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب الرجال. فإن قعد أمر بالقيام. ثم روى عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ . قال: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا. فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع ". وروى عن سعيد المقبري عن أبيه قال: كنا في جنازة. فأخذ أبو هريرة ﵁ بيد مروان فجلسا قبل أن توضع، فجاء أبو سعيد ﵁ فأخذ بيد مروان

стр. 532

فقال: قم. فوالله لقد علم هذا أن النبي ﷺ نهانا عن ذلك، فقال أبو هريرة: صدق. رواه الحاكم. وزاد: أن مروان لما قال له أبو سعيد: قم، قام. ثم قال له: لم أقمتني؟ فذكر له الحديث. فقال لابي هريرة: فما منعك أن تخبرني؟ فقال: كنت إماما فجلست فجلست. وهذا مذهب أكثر الصحابة والتابعين والاحناف والحنابلة والاوزاعي وإسحاق. وقالت الشافعية: لا يكره الجلوس لمشيعها قبل وضعها على الارض. واتفقوا على أن من تقدم الجنازة فلا بأس أن يجلس قبل أن تنتهي إليه. قال الترمذي: روي عن بعض أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ وغيرهم أنهم كانوا يتقدمون الجنازة ويقعدون قبل أن تنتهي إليهم، وهو قول الشافعي. فإذا جاءت وهو جالس لم يقم لها. وعن أحمد قال: إن قام لم أعبه، وإن قعد فلا بأس. ٤ - القيام لها عندما تمر: لما رواه أحمد عن واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ. قال: شهدت جنازة في بني سلمة، فقمت فقال لي نافع بن جبير: اجلس فإني سأخبرك في هذا بثبت (١) . حدثني مسعود بن الحاكم الزرقي أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول: كان النبي ﷺ أمرنا بالقيام في الجنازة. ثم جلس بعد ذلك: وأمرنا بالجلوس. ورواه مسلم بلفظ: رأينا النبي ﷺ قام فقمنا، فقعد فقعدنا. يعني في الجنازة، قال الترمذي: حديث علي حسن صحيح وفيه أربعة من التابعين بعضهم عن بعض، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم. قال الشافعي: وهذا أصح شئ في هذا الباب. وهذا الحديث ناسخ للحديث الاول: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا ". وقال أحمد: إن شاء قام وإن شاء لم يقم، واحتج بان النبي ﷺ قد روي عنه أنه قام ثم قعد. وهكذا قال إسحق بن إبراهيم. ووافق أحمد وإسحق ابن حبيب وابن الماجشون من المالكية. قال النووي: والمختار: إن القيام مستحب، وبه قال المتولي وصاحب المذهب.

стр. 533

قال ابن حزم: ويستحب القيام للجنازة إذا رآها المرء. وإن كانت جنازة كافر حتى توضع أو تخلفه، فإن لم يقم فلا حرج. استدل القائلون بالاستحباب بما رواه الجماعة عن ابن عمر عن عامر بن ربيعة عن النبي ﷺ قال: " إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع " ولاحمد: وكان ابن عمر إذا رأى جنازة قام حتى تجاوزه. وروى البخاري ومسلم عن سهل بن حنيف وقيس بن سعد أنهما كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة فقاما. فقيل لهما: إنها من أهل الارض - أي من أهل الذمة - فقالا: إن رسول الله ﷺ مرت به جنازة فقام. فقيل له: إنها جنازة يهودي. فقال: " أو ليست نفسا ". وللبخاري عن أبي ليلى قال: كان ابن مسعود وقيس يقومان للجنازة. والحكمة في القيام، ما جاء في رواية أحمد وابن حبان والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا " إنما تقومون إعظاما للذي يقبض النفوس "، ولفظ ابن حبان " إعظاما لله تعالى الذي يقبض الارواح ". وجملة القول: إن العلماء اختلفوا في هذه المسألة فمنهم من ذهب إلى القول بكراهة القيام للجنازة، ومنهم من ذهب إلى استحبابه، ومنهم من رأى التخيير بين الفعل والترك، ولكل حجته ودليله. والمكلف إزاء هذه الاراء له أن يتخير منها ما يطمئن له قلبه. والله أعلم. ٥ - اتباع النساء لها: لحديث أم عطية قالت: نهينا أن نتبع الجنائز، ولم يعزم (١) علينا. رواه أحمد والبخاري ومسلم وابن ماجه. وعن عبد الله ابن عمرو قال: بينما نحن نمشي مع النبي ﷺ إذ بصر بامرأة

стр. 534

لا نظن أنه عرفها، فلما توجهنا إلى الطريق وقف حتى انتهت إليه، فإذا فاطمة ﵂. فقال: " ما أخرجك من بيتك يا فاطمة؟ " قالت: أتيت أهل هذا البيت، فرحمت إليهم ميتهم، وعزيتهم. فقال: " لعلك بلغت معهم الكدى (١) ؟ " قالت: معاذ الله أن أكون قد بلغتها معهم وقد سمعتك تذكر في ذلك ما تذكر. قال: لو بلغتها ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك " رواه أحمد والحاكم والنسائي والبيهقي، وقد طعن العلماء في هذا الحديث وقالوا إنه غير صحيح لان في سنده ربيعة بن سيف وهو ضعيف الحديث، عنده مناكير. وروى ابن ماجه والحاكم عن محمد بن الحنفية عن علي رضى الله عنه. قال: خرج النبي ﷺ فإذا نسوة جلوس، فقال: " ما يجلسكن؟ " قلن: ننتظر الجنازة قال: " هل تغلسن؟ " قلن: لا. قال: " هل تحملن؟ " قلن: لا. قال: " هل تدلين (٢) فيمن يدلي؟ " قلن: لا. قال: " فارجعن مأزورات (٣) غير مأجورات ". وفي إسناده دينار بن عمر، قال أبو حاتم: ليس بالمشهور. وقال الازدي: متروك. وقال الخليلي في الارشاد: كذاب. وهذا مذهب ابن مسعود وابن عمر وأبو أمامة وعائشة ومسروق والحسن والنخعي والاوزاعي وإسحاق والحنفية والشافعية والحنابلة. وعند مالك: أنه لا يكره خروج عجوز لجنازة مطلقا، ولا خروج شابة في جنازة من عظمت مصيبته عليها بشرط أن تكون مستترة ولا يترتب على خروجها فتنة. ويرى ابن حزم أن ما استدل به الجمهور غير صحيح، وأنه يصح للنساء اتباع الجنازة. فيقول: ولا نكره اتباع النساء الجنازة، ولا نمنعهن من ذلك. جاءت في النهي عن ذلك آثار ليس شئ منها يصح، لانها إما مرسلة، وإما عن مجهول. وإما عمن لا يحتج به. ثم ذكر حديث أم عطية المتقدم وقال فيه: لو صح مسندا لم يكن فيه حجة، بل كان يكون كراهة فقط، بل قد صح خلافه كما روينا من طريق

стр. 535

شعبة: عن وكيع عن هشام بن عروة، عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو ابن عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان في جنازة، فرأى عمر امرأة، فصاح بها. فقال رسول الله ﷺ : " دعها يا عمر. فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب (١) ". قال: وقد صح عن ابن عباس أنه لم يكره ذلك. ترك الجنازة من أجل المنكر: قال صاحب المغني: فإن كان مع الجنازة منكر يراه أو يسمعه، فإن قدر على إنكاره وإزالته أزاله، وإن لم يقدر على إزالته ففيه وجهان: أحدهما ينكره ويتبعها فيسقط فرضه بالانكارو لا يترك حقا لبالطل. والثاني يرجع لانه يؤدي إلى استماع محظور ورؤيته مع قدرته على ترك ذلك. الدفن: (١) حكمه: أجمع المسلمون على أن دفن الميت ومواراة بدنه فرض كفاية، قال الله تعالى: (ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا) . يرى جمهور العلماء أن الدفن بالليل كالدفن بالنهار سواء بسواء. فقد دفن رسول الله ﷺ الرجل الذي كان يرفع صوته بالذكر ليلا، ودفن علي فاطمة ﵂ ليلا، وكذلك دفن أبو بكر وعثمان وعائشة وابن مسعود. وعن ابن عباس: " أن النبي ﷺ دخل قبرا ليلا فأسرج له بسراج فأخذه من قبل القبلة وقال: " رحمك الله. إن كنت لاواها تلاء للقرآن " وكبر عليه أربعا. رواه الترمذي وقال: حديث حسن قال: ورخص أكثر أهل العلم في الدفن بالليل. وإنما يجوز ذلك إذا كان لا يفوت بالدفن ليلا شئ من حقوق الميت

стр. 536

والصلاة عليه. فإذا كان يفوت به حقوقه والصلاة عليه وتمام القيام بأمره، فقد نهى الشارع عن الدفن بالليل وكرهه، روى مسلم: أن النبي ﷺ خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل ودفن ليلا، فزجر النبي ﷺ أن يقبر الرجل بالليل إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك. وروى ابن ماجه عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : " لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا ". (٣) الدفن وقت الطلوع والاستواء والغروب: اتفق العلماء على أنه إذا خيف تغير الميت فإنه يدفن في هذه الاوقات الثلاثة بدون كراهة. أما إذا لم يخش عليه من التغير، فإنه يجوز دفنه في هذه الاوقات عند الجمهور ما لم يتعمددفنه فيها فإنه حينئذ يكون مكروها، لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عقبة قال: " ثلاث ساعات كان النبي ﷺ ينهانا أن نصلي فيها أو نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف (١) الشمس للغروب حتى تغرب ". وقالت الحنابلة يكره الدفن في هذه الاوقات مطلقا للحديث المذكور. (٤) استحباب إعماق القبر: القصد من الدفن أن يوارى الميت في حفرة تحجب رائحته، وتمنع السباع والطيور عنه، وعلى أي وجه تحقق هذا المقصود تأدى به الفرض وتم به الواجب، إلا أنه ينبغي تعميق القبر قدر قامة، لما رواه النسائي والترمذي وصححه عن هشام بن عامر. قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ يوم أحد. فقلنا: يا رسول الله، الحفر علينا لكل إنسان شديد، فقال رسول الله ﷺ : " احفروا، وأعمقوا، وأحسنوا، وادفنوا الاثنين والثلاثة في قبر واحد " فقالوا: فمن نقدم يا رسول الله؟ قال: " قدموا أكثرهم قرآنا " وكان أبي ثالث ثلاثة في قبر واحد..

стр. 537

وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن عمر أنه قال: أعمقوا إلى قدر قامة وبسطة. وعند أبي حنيفة وأحمد يعمق قدر نصف القامة. وإن زاد فحسن. (٥) تفضيل اللحد على الشق: اللحد هو الشق في جانب القبر جهة القبلة، ينصب عليه اللبن (١) فيكون كالبيت المسقف. والشق حفرة في وسط القبر تبنى جوانبها باللبن يوضع فيه الميت ويسقف عليه بشئ، وكلاهما جائز، إلا أن اللحد أولى، لما رواه أحمد وابن ماجه عن أنس قال: " لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد، وآخر يضرح، فقالوا: نستخير ربنا ونبعث إليهما، فأيما سبق تركناه، فأرسلوا إليهما، فسبق صاحب اللحد، فلحدوا له ". وهذا يدل على الجواز. أما ما يدل على أولوية اللحد، فما رواه أحمد وأصحاب السنن وحسنه الترمذي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: " اللحد لنا، والشق لغيرنا ". (٦) صفة إدخال الميت القبر: من السنة في إدخال الميت القبران يدخل من مؤخره إذا تيسر، لما رواه أبو داود وابن أبي شيبة والبيهقي من حديث عبد الله بن زيد: أنه أدخل ميتا من قبل رجليه القبر وقال: هذا من السنة. فان لم يتسر فكيفما أمكن. قال ابن حزم: ويدخل الميت القبر كيف أمكن، إما من القبلة، وامامن دبر القبلة، واما من قبل رأسه. واما من قبل رجليه، إذ لانص في شئ من ذلك. (٧) استحباب توجيه الميت في قبره الى القبلة والدعاء له وحل أربطة الكفن: السنة التي جرى عليها العلم، ان يجعل الميت في قبره على جنبه الايمن ووجهه تجاه القبلة. ويقول واضعه: " بسم الله وعلى ملة رسول الله، أو وعلى سنة رسول الله " ويحل أربطة الكفن. فعن ابن عمر - عن النبي ﷺ قال: كان إذا وضع الميت في القبر، قال: " بسم الله وعلى ملة رسول الله، أو، وعلى سنة رسول الله " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه،

стр. 538

ورواه النسائي مسندا وموقوفا. (٨) كراهة الثوب في القبر: كره جمهور الفقهاء وضع ثوب أو وسادة أو نحو ذلك للميت في القبر. ويرى ابن حزم أنه لا بأس ببسط ثوب في القبر تحت الميت، لما رواه مسلم عن ابن عباس، قال: بسط في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء، قال وقد ترك الله هذا العمل في دفن رسوله المعصوم من الناس ولم يمنع منه، وفعله خيرة أهل الارض في ذلك الوقت باجماع منهم، لم ينكره احد منهم. واستحب العلماء أن يوسد رأس الميت بلبنة أو حجر أو تراب، ويفضى بخده الايمن إلى اللبنة ونحوها، بعد ان ينحى الكفن عن خده، ويوضع على التراب، قال عمر: إذا انزلتموني الى اللحد فأفضوا بخدي الى التراب. واوصى الضحاك ان تحل عنه العقد ويبرز خده من الكفن، واستحبوا ان يوضع شئ خلفه من لبن أو تراب يسنده، لا يستلقى على قفاه. واستحب أبو حنيفة ومالك واحمد، أن يمد ثوب على المرأة عند إدخالها في القبر دون الرجل، واستحب الشافعية ذلك في الرجل والمرأة على السواء. (٩) استحباب ثلاث حثيات على القبر: ويستحب أن يحثو من شهد الدفن ثلاث حثيات بيديه على القبر من جهة رأس الميت، لما رواه ابن ماجه: " ان النبي ﷺ صلى على جنازة، ثم أتى قبر الميت فحثى عليه من قبل رأسه ثلاثا " واستحب الائمة الثلاثة أن يقول في الحثية الاولى: " منها خلقناكم " وفي الثانية: " وفيها نعيدكم " وفي الثالثة: " ومنها نخرجكم تارة أخرى " لما روي: أن النبي ﷺ قال ذلك لما وضعت أم كلثوم بنته في القبر. وقال أحمد: لا يطلب قراءة شئ عند حثو التراب لضعف الحديث. (١٠) استحباب الدعاء للميت بعد الفراغ من الدفن: يستحب الاستغفار للميت عند الفراغ من دفنه وسؤال التثبيت له، لانه يسأل في هذه الحالة. فعن عثمان قال: كان النبي ﷺ إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، فقال: " استغفر والاخيكم وسلواله التثبيت فانه الآن يسأل " رواه أبو داود والحاكم وصححه، والبزار وقال: لا يروى عن النبي صلى الله

стр. 539

عليه وسلم إلا من هذا الوجه. وروى رزين عن علي: أنه كان إذا فرغ من دفن الميت قال: اللهم هذا عبدك نزل بك واتت خير منزول به فاغفر له ووسع مدخله. واستحب ابن عمر قراءة أول سورة البقرة وخاتمتها على القبر بعد الدفن. رواه البيهقي بسند حسن. (١١) حكم التلقين بعد الدفن: استحب بعض أهل العلم والشافعي ان يلقن الميت (١) بعد الدفن، لما رواه سعيد بن منصور عن راشد بن سعد، وضمرة بن حبيب، وحكيم بن عمير (٢) قالوا: إذا سوي على الميت قبره، وانصرف الناس عنه كانوا يستحبون ان يقال للميت عند قبره: يا فلان قل: لاإله إلا الله، أشهد ان لا إله إلا الله " ثلاث مرات " يا فلان قل: ربي الله، وديني الاسلام، ونبيي محمد ﷺ . ثم ينصرف. وقد ذكر هذا الاثر الحافظ في التلخيص وسكت عنه. وروى الطبراني من حديث أبي أمامة أنه قال: " إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره فليقم أحدكم على رأس قبره ثم ليقل: يا فلان بن فلانة، فإنه يسمعه ولا يجيب، ثم يقول: يا فلان بن فلانة، فانه يستوي قاعدا. ثم يقول: يا فلان بن فلانة. فانه يقول: ارشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون. فليقل: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فان منكرا ونكيرا يأخذ كل واحد بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا ما يقعدنا عند من لقن حجته " فقال رجل: يا رسول الله فان لم يعرف أمه؟ قال: " ينسبه إلى أمه حواء: يا فلان ابن حواء ". قال الحافظ في التلخيص: واسناده صالح، وقد قواه الضياء في أحكامه. وفي إسناده عاصم بن عبد الله، وهو ضعيف. وقال الهيثمي بعد أن ساقه: في إسناده جماعة لم أعرفهم. قال النووي: هذا الحديث وان كان ضعيفا فيستأنس به، وقد اتفق علماء

стр. 540

المحدثين وغيرهم على المسامحة في أحاديث الفضائل والترغيب والترهيب، وقد اعتضد بشواهد كحديث " واسألوا له التثبيت " ووصية عمرو بن العاص وهما صحيحان، ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا في زمن من يقتدى به والى الان. وذهبت المالكية في المشهور عنهم، وبعض الحنابلة الى ان التلقين مكروه. وقال الاثرم: قلت لاحمد: هذا الذي يصنعونه، إذا دفن الميت، يقف الرجل ويقول: يا فلان بن فلانة ... قال: ما رأيت أحدا يفعله إلا أهل الشام حين مات أبو المغيرة. يروى فيه عن أبي بكر بن أبي مريم، عن أشياخهم: أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل بن عياش يرويه، يشير إلى حديث أبي أمامة. السنة في بناء المقابر: من السنة ان يرفع القبر عن الارض قدر شبر، ليعرف أنه قبر، ويحرم رفعه زيادة على ذلك. لما رواه مسلم وغيره عن هرون: أن ثمامة بن شفى حدثه. قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم " برودس " فتوفي صاحب لنا فأمر فضالة بن عبيد بقبره فسوي. ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها. وروي عن ابي الهياج الاسدي. قال: قال لي علي بن أبي طالب: الا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ : الا تدع تمثالا إلا طمسته، ولا قبرا مشرفا إلا سويته. قال الترمذي: " والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يكرهون ان يرفع القبر فوق الارض إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكيلا يوطأ ولا يجلس عليه ". وقد كان الولاة يهدمون ما بني في المقابر - مما زاد على المشروع - عملا بالسنة الصحيحة. قال الشافعي: " وأحب الا يزاد في القبر تراب من غيره، وإنما أحب ان يشخص على وجه الارض شبرا أو نحوه وأحب أن لايبنى ولايجصص، فان ذلك يشبه الزينة والخيلاء. وليس الموت موضع واحد منهما، ولم أر قبور المهاجرين والانصار مجصصة. وقد رأيت من الولاة من يهدم ما بني في المقابر، ولم أر الفقهاء يعيبون عليه ذلك. " قال الشوكاني: والظاهر أن رفع القبور زيادة على القدر المأذون فيه محرم، وقد صرح بذلك اصحاب أحمد وجماعة من أصحاب الشافعي ومالك، والقول بأنه غير محظور لوقوعه من السلف والخلف بلانكير - كما قال الامام يحيى والمهدي في الغيث - لا يصح، لان غاية ما فيه أنهم سكتوا عن ذلك والسكوت

стр. 541

لا يكون دليلا إذا كان في الامور الظنية، وتحريم رفع القبور ظن. ومن رفع القبور الداخل تحت الحديث دخولا أوليا القباب والمشاهد المعمورة على القبور، وايضا هو من اتخاذ القبور مساجد، وقد لعن رسول الله ﷺ فاعل ذلك..وكم قد سرى عن تشييد أبنية القبور وتحسينها مفاسد يبكي لها الاسلام. منها اعتقاد الجهلة فيها كاعتقاد الكفار في الاصنام، وعظموا ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح المطالب، وسألوا منها ما يسأل العباد من ربهم، وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا. وبالجملة: إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالاصنام إلا فعلوه. فانا لله وإنا إليه راجعون ... ومع هذا المنكر الشنيع، والكفر الفظيع، لاتجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لاعالما، ولا متعلما، ولا أميرا ولاوزيرا ولاملكا. وقد توارد إلينا من الاخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه، حلف بالله فاجرا، فإذا قيل له بعد ذلك: بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الادلة الدالة على ان شركهم قد بلغ فوق شرك من قال: إنه تعالى ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة. فيا علماء الدين ويا ملوك الاسلام أي رزء للاسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا؟. لقد أسمعت لو ناديت حيا ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد وقد أفتى العلماء بهدم المساجد والقباب التي بنيت على المقابر. قال ابن حجر في الزواجر (١) : وتجب المبادرة لهدم المساجد والقباب التي على القبور إذ هي أضر من مسجد الضرار، لانها أسست على معصية رسول الله

стр. 542

صلى الله عليه وسلم، لانه نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور المشرفة. وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر، ولا يصح وقفه ونذره. تسنيم القبر وتسطيحه اتفق الفقهاء على جواز تسنيم القبر وتسطيحه. قال الطبري: لاأحب أن يتعدى في القبور أحد المعنيين من تسويتها بالارض، أو رفعها مسنمة قدر شبر على ما عليه عمل المسلمين، وتسوية القبور ليست بتسطيح. وقد اختلف الفقهاء في الافضل منها، فنقل القاضي عياض عن أكثر أهل العلم: ان الافضل تسنيمها، لان سفيان النمار حدثه أنه رأى قبر النبي ﷺ مسنما، رواه البخاري. وهذا رأي أبي حنيفة ومالك واحمد والمزني وكثير من الشافعية. وذهب الشافعي إلى أن التسطيح أفضل لامر الرسول الله ﷺ بالتسوية. تعليم القبر بعلامة يجوز أن يوضع على القبر علامة، من حجرة أو خشب يعرف بها، لما رواه ابن ماجه عن أنس أن النبي ﷺ " أعلم قبر عثمان بن مظعون بصخرة " أي وضع عليه الصخرة ليتبين به. وفي الزوائد: هذا إسناد حسن رواه أبو داود من حديث المطلب بن أبي وداعة. وفيه: أنه حمل الصخرة فوضعها عند رأسه وقال: " أتعلم بها قبر أخي، وادفن إليه من مات من أهلي ". وفي الحديث استحباب جمع الموتى الاقارب في أماكن متجاورة لانه أيسر لزيارتهم وأكثر للترحم عليهم. خلع النعال في المقابر ذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا بأس بالمشي في المقابر بالنعال. قال جرير بن حازم: رأيت الحسن وابن سيرين يمشيان بين القبور بنعالهم. وروى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أنس عن النبي ﷺ . أنه قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه اصحابه. إنه ليسمع قرع نعالهم " وقد استدل العلماء بهذا الحديث على جواز المشي في المقابر بالنعل: إذ لا يسمع قرع

стр. 543

النعل إلا إذا مشوا بها. وكره الامام أحمد المشي بالنعال السبتية (١) في المقابر، لما رواه أبو داودو النسائي وابن ماجه عن بشير مولى رسول الله ﷺ : أن رسول الله ﷺ نظر إلى رجل يمشي في القبور عليه نعلان. فقال: " يا صاحب السبتيتين ويحك ألق سبتيتيك " فنظر الرجل، فلما عرف رسول الله ﷺ خلعهما فرمى بهما. قال الخطابي: يشبه أن يكون إنما كره ذلك لما فيه من الخيلاء، وذلك أن نعال السبت من لباس أهل الترفه والتنعم. ثم قال: فأحب ﷺ أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع ولباس اهل الخشوع. والكراهة عند أحمد عند عدم العذر. فإذا كان هناك عذر يمنع الماشي من الخلع كالشوكة أو النجاسة انتفت الكراهة. النهي عن ستر القبور لا يحل ستر الاضرحة، لما فيه من العبث وصرف المال في غير غرض شرعي، وتضليل العامة، روى البخاري ومسلم عن عائشة أن النبي ﷺ خرج في غزاة، فأخذت نمطا (٢) فسترته على الباب، فلما قدم رأى النمط، فجذبه حتى هتكه، ثم قال: " إن الله لم يأمرنا ان نكسو الحجارة والطين ". تحريم المساجد والسرج على المقابر: جاءت الاحاديث الصحيحة الصريحة بتحريم بناء المساجد في المقابر واتخاذ السرج عليها. ١ - روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة: ان النبي ﷺ قال: " قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢ - روى أحمد واصحاب السنن إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، عن ابن عباس قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج. ٣ - وفي صحيح مسلم عن عبد الله البجلي قال: سمعت رسول الله ﷺ قبل أن يموت بخمس، وهو يقول: " إني أبرأ إلى الله أن يكون

стр. 544

لي منكم خليل، فان الله قد اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك. " ٤ - وفيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". ٥ - وروى البخاري ومسلم عن عائشة، أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة - رأتاها بالحبشة فيها تصاوير - لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : " إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة ". قال صاحب المغني: ولايجوز اتخاذ المساجد على القبور لقول النبي ﷺ : " لعن الله زوارات القبور والمتخذات عليهن المساجد والسرج " رواه أبو داود والنسائي ولفظه: " لعن رسول الله ﷺ ... الخ " ولو أبيح لم يلعن النبي ﷺ من فعله، ولان فيه تضييعا للمال في غير فائدة وافراطا في تعظيم القبور اشبه تعظيم الاصنام، ولايجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولان النبي ﷺ قال: " لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " يحذر مثل ما صنعوا. متفق عليه. وقالت عائشة: إنما لم يبرز قبر رسول الله ﷺ لئلا يتخذ مسجدا، ولان تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه تعظيم الاصنام لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة الاصنام تعظيم الاموات باتخاذ صورهم ومسحها والصلاة عليها (١) .

стр. 545

كراهية الذبح عند القبر نهى الشارع عن الذبح عند القبر تجنبا لما كانت تفعله الجاهلية، وبعدا عن التفاخر والمباهاة. فقد روى أبو داود عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " لاعقر في الاسلام " قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. قال الخطابي: كان أهل الجاهلية يعقرون الابل على قبر الرجل الجواد، يقولون: نجازيه على فعله، لانه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الاضياف، فنحن نعقرها عند قبره لتأكلها السباع والطير: فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما في حياته قال الشاعر: عقرت على قبر النجاشي ناقتي بأبيض عضب أخلصته صياقله على قبر من لو أنني مت قبله لهانت عليه عند قبري رواحله ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنه حشر راجلا، وكان على مذهب من يرى البعث منهم بعد الموت. النهي عن الجلوس على القبر والاستناد إليه والمشي عليه: لا يحل القعود على القبر ولا الاستناد إليه، ولا المشي عليه، لما رواه عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله ﷺ متكثا على قبر. فقال: " لا تؤذ صاحب هذا القبر. " أو " لاتؤذه "، رواه أحمد بإسناد صحيح. وعن أبي هريرة قال، قال رسول الله ﷺ : " لان يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر. " رواه أحمد، ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. والقول بالحرمة مذهب ابن حزم، لما ورد فيه من الوعيد، قال: وهو قول جماعة من السلف، منهم أبو هريرة. ومذهب الجمهور: أن ذلك مكروه. قال النووي: عبارة الشافعي في الام، وجمهور الاصحاب في الطرق كلها: أنه يكره الجلوس، وأرادوا به كراهة التنزيه، كما هو المشهور في استعمال الفقهاء، وصرح به كثير منهم، قال: وبه قال جمهور العلماء منهم

стр. 546

النخعي والليث وأحمد وداود، قال: ومثله في الكراهة الاتكاء عليه والاستناد إليه. وذهب ابن عمر من الصحابة وأبو حنيفة ومالك إلى جواز القعود على القبر. قال في الموطأ: إنما نهى عن القعود على القبور فيما نرى " نظن " للذاهب يقصد لقضاء حاجة الانسان من البول أو الغائط. وذكر في ذلك حديثا ضعيفا. وضعف أحمد هذا التأويل. وقال: ليس هذا بشئ. وقال النووي: هذا تأويل ضعيف أو باطل، وأبطله كذلك ابن حزم من عدة وجوه. وهذا الخلاف في غير الجلو س لقضاء الحاجة، فاما إذا كان الجلوس لها، فقد اتفق الفقهاء على حرمته، كما اتفقوا على جواز المشي على القبور إذا كان هناك ضرورة تدعو إليه، كما إذا لم يصل إلى قبر ميته إلا بذلك. النهي عن تجصيص القبر والكتابة عليه: عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر وأن يقعد عليه وأن يبني عليه. رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وصححه. ولفظه: " نهى أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها وأن يبني عليها وأن توطأ (١) " وفي لفظ النسائي: " أن يبني على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب عليه ". والتجصيص معناه الطلاء بالجص، وهو الجير المعروف. وقد حمل الجمهور النهي على الكراهة، وحمله ابن حزم على التحريم، وقيل: الحكمة في ذلك إن القبر للبلى لا للبقاء، وإن تجصيصه من زينة الدنيا، ولا حاجة للميت إليها. وذكر بعضهم أن الحكمة في النهي عن تجصيص القبور كون الجص أحرق بالنار، ويؤيده ما جاء عن زيد بن أرقم أنه قال لمن أراد أن يبني قبر ابنه ويجصصه: جفوت ولغوت، لا يقربه شئ مسته النار. ولا بأس بتطيين القبر. قال الترمذي: وقد رخص بعض أهل العلم - منهم الحسن البصري - في تطيين القبور. وقال الشافعي: لا بأس به أن يطين القبر.

стр. 547

وعن جعفر بن محمد عن أبيه: أن النبي ﷺ رفع قبره من الارض شبرا وطين بطين أحمر من العرصة وجعل عليه الحصباء. رواه أبو بكر النجاد وسكت الحافظ عليه في التلخيص. وكما كره العلماء تجصيص القبر، كرهوا بناءه بالآجر أو الخشب أو دفن الميت في تابوت إذا لم تكن الارض رخوة أو ندية، فإن كانت كذلك جاز بناء القبر بالآجر ونحوه وجاز دفن الميت في تابوت من غير كراهة. فعن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا يستحبون اللبن ويكرهون الآجر، ويستحبون القصب ويكرهون الخشب. وفي الحديث النهي عن الكتابة على القبور، وظاهره عدم الفرق بين كتابة اسم الميت على القبر وغيرها. قال الحاكم بعد تخريج هذا الحديث: الاسناد صحيح وليس العمل عليه. فإن أئمة المسلمين من الشرق والغرب يكتبون على قبورهم، وهو شئ أخذه الخلف عن السلف. وتعقبه الذهبي: بأنه محدث ولم يبلغهم النهي. ومذهب الحنابلة: أن النهي عن الكتابة الكراهة سواء أكانت قرآنا، أم كانت اسم الميت. ووافقهم الشافعية إلا أنهم قالوا: إذا كان القبر لعالم أو صالح ندب كتابة اسمه عليه وما يميزه ليعرف. ويرى المالكية: أن الكتابة إن كانت قرآنا حرمت. وإن كانت لبيان اسمه أو تاريخ موته فهي مكروهة وقالت الاحناف: إنه يكره تحريما الكتابة على القبر إلا إذا خيف ذهاب أثره فلا يكره. وقال ابن حزم: لو نقش اسمه في حجر لم نكره ذلك. وفي الحديث: النهي عن زيادة تراب القبر على ما يخرج منه، وقد بوب على هذه الزيادة البيهقي فقال: " باب لا يزاد على القبر أكثر من ترابه لئلا يرتفع ". قال الشوكاني: وظاهره أن المراد بالزيادة عليه، الزيادة على ترابه. وقيل: المراد بالزيادة عليه أن يقبر على قبر ميت آخر. ورجح الشافعي المعنى الاول فقال: يستحب أن لا يزاد القبر على التراب الذي أخرج منه. وإنما استحب ذلك لئلا يرتفع القبر ارتفاعا كثيرا قال: فإن زاد فلا بأس.

стр. 548

دفن أكثر من واحد في قبر: هدي السلف الذي جرى عليه العمل أن يدفن كل واحد في قبر، فإن دفن أكثر من واحد كره ذلك إلا إذا تعسر إفراد كل ميت بقبر لكثرة الموتى وقلة الدافنين أو ضعفهم. فإنه في هذه الحالة يجوز دفن أكثر من واحد في قبر واحد. لما رواه أحمد والترمذي وصححه: أن الانصار جاءوا إلى النبي ﷺ يوم أحد. فقالوا: يا رسول الله أصابنا جرح وجهد. فكيف تأمرنا؟ فقال: " احفروا وأوسعوا وأعمقوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر. " قالوا: فأيهم نقدم؟ قال: " أكثرهم قرآنا ". وروى عبد الرزاق بسند حسن عن واثلة بن الاسقع أنه كان يدفن الرجل والمرأة في القبر الواحد، فيقدم الرجل وتجعل المرأة وراءه. الميت في البحر: قال في المغني: إذا مات في سفينة في البحر، فقال أحمد ﵀: ينتظر به إن كانوا يرجون أن يجدوا له موضعا يدفنونه فيه حبسوه يوما أو يومين ما لم يخافوا عليه الفساد. فإن لم يجدوا غسل، وكفن، وحنط، ويصلى عليه، ويثقل بشئ ويلقى في الماء. وهذا قول عطاء والحسن. قال الحسن: يترك في زنبيل. ويلقى في البحر. وقال الشافعي: يربط بين لوحين ليحمله البحر إلى الساحل، فربما وقع إلى قوم يدفنونه، وإن ألقوه في البحر لم يأثموا، والاول أولى، لانه يحصل به الستر المقصود من دفنه، وإلقاؤه بين لوحين تعريض له للتغير والهتك. وربما بقي على الساحل مهتوكا عريانا وربما وقع إلى قوم من المشركين، فكان ما ذكرناه أولى. وضع الجريدة على القبر لايشرع وضع الجريد ولا الزهور فوق القبر، وأما ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس أن النبي ﷺ مر على قبرين فقال: " إنهما يعذبان، وما يعذبان في كبير، أما هذا فكان لا يستنزه من البول، وأما هذا

стр. 549

فكان يمشي بالنميمة، ثم دعا بعسيب رطب فشقه باثنين، ثم غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، وقال: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " فقد أجاب عنه الخطابي بقوله: وأما غرسه شق العسيب على القبر، وقوله: " لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا " فإنه من ناحية التبرك بأثر النبي ﷺ ودعائه بالتخفيف عنهما، وكأنه ﷺ جعل مدة بقاء النداوة فيهما حدا لما وقعت به المسألة من تخفيف العذاب عنهما، وليس ذلك من أجل أن في الجريد الرطب معنى ليس في اليابس. والعامة في كثير من البلدان تفرش الخوص في قبور موتاهم، وأراهم ذهبوا إلى هذا وليس لما تعاطوه وجه. وما قاله الخطابي صحيح، وهذا هو الذي فهمه أصحاب رسول الله ﷺ ، إذ لم ينقل عن أحد منهم أنه وضع جريدا ولا أزهارا على قبر سوى بريدة الاسلمي، فإنه أوصى أن يجعل في قبره جريدتان. رواه البخاري. ويبعد أن يكون وضع الجريد مشروعا ويخفى على جميع الصحابة ما عدا بريدة. قال الحافظ في الفتح: وكأن بريدة حمل الحديث على عمومه، ولم يره خاصا بذينك الرجلين. قال ابن رشيد: ويظهر من تصرف البخاري أن ذلك خاص بهما، فلذلك عقبه بقول ابن عمر حين رأى فسطاطا على قبر عبد الرحمن: انزعه يا غلام فإنما يظله عمله. وفي كلام ابن عمر ما يشعر بأنه لا تأثير لما يوضع على القبر، بل التأثير للعمل الصالح. المرأة تموت وفي بطنها جنين حي: إذا ماتت المرأة وفي بطنها جنين حي وجب شق بطنها لاخراج الجنين إذا كانت حياته مرجوة، ويعرف ذلك بواسطة الاطباء الثقات. المرأة الكتابية تموت وهي حامل من مسلم تدفن وحدها: روى البيهقي عن واثلة بن الاسقع: أنه دفن امرأة نصرانية في بطنها ولد مسلم في مقبرة ليست بمقبرة النصارى ولا المسلمين، واختار هذا الامام أحمد

стр. 550

لانها كافرة لا تدفن في مقبرة المسلمين، فيتأذوا بعذابها، ولافي مقبرة الكفار لان ولدها مسلم فيتأذى بعذابهم. تفضيل الدفن في المقابر: قال ابن قدامة: والدفن في مقابر المسلمين أحب إلى أبي عبد الله من الدفن في البيوت، لانه أقل ضررا على الاحياء من ورثته، وأشبه بمساكن الاخرة وأكثر للدعاء له والترحم عليه، ولم يزل الصحابة والتابعون ومن بعدهم يقبرون في الصحارى. فإن قيل: فالنبي ﷺ قبر في بيته، وقبر صاحباه معه. قلنا: قالت عائشة: إنما فعل ذلك لئلا يتخذ قبره مسجدا. رواه البخاري. ولان النبي ﷺ كان يدفن أصحابه بالبقيع، وفعله أولى من فعل غيره، وإنما أصحابه رأوا تخصيصه بذلك. ولانه روى " يدفن الانبياء حيث يموتون " وصيانة له عن كثرة الطراق، وتمييزا له عن غيره. وسئل أحمد عن الرجل يوصي أن يدفن في داره؟ قال يدفن في المقابر مع المسلمين. النهي عن سب الأموات: لا يحل سب أموات المسلمين ولاذكر مساويهم، لما رواه البخاري عن عائشة ﵂، أن رسول الله ﷺ قال: " لاتسبوا الاموات فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " وروى أبو داود والترمذي بسند ضعيف عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساويهم "، أما المسلمون المعلنون بفسق أو بدعة، أو عمل فاسد فإنه يباح ذكر مساويهم إذا كان فيه مصلحة تدعو إليه، كالتحذير من حالهم والتنفير من قولهم وترك الاقتداء بهم، وإن لم تكن فيه مصلحة فلا يجوز. وقد روى البخاري ومسلم عن أنس رضي الله عنه قال: " مروا بجنازة فأثنوا عليها خيرا. فقال النبي ﷺ : " وجبت. " ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا، فقال: " وجبت "، فقال عمر

стр. 551

رضي الله عنه: ما وجبت؟ قال: " هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا فوجبت له النار. أنتم شهداء الله في الارض ". ويجوز سب أموات الكفار ولعنهم. قال الله تعالى: (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... " وقال: " تبت يدا أبي لهب وتب) ولعن فرعون وأمثاله، وسبه مشهور في كتاب الله. وفيه: (ألا لعنة الله على الظالمين) . قراءة القرآن عند القبر: اختلف الفقهاء في حكم قراءة القرآن عند القبر، فذهب إلى استحبابها الشافعي ومحمد بن الحسن لتحصيل للميت بركة المجاورة، ووافقهما القاضي عياض والقرافي من المالكية، ويرى أحمد: أنه لا بأس بها. وكرهها مالك وأبو حنيفة لانها لم ترد بها السنة. نبش القبر: اتفق العلماء على أن الموضع الذي يدفن المسلم فيه وقف عليه ما بقي شئ منه من لحم أو عظم، فإن بقي شئ منه فالحرمة باقية لجميعه، فإن بلي وصار ترابا جار الدفن في موضعه وجاز الانتفاع بأرضه في الغرس والزرع والبناء وسائر وجوه الانتفاع به، ولو حفر القبر فوجد فيه عظام الميت باقية لايتم الحافر حفره. ولو فرغ من الحفر، وظهر شئ من العظم جعل في جنب القبر وجاز دفن غيره معه. ومن دفن من غير أن يصلى عليه أخرج من القبر - إن كان لم يهل عليه التراب - وصلي عليه، ثم أعيد دفنه. وإن كان أهيل عليه التراب حرم نبش قبره وإخراجه منه عند الاحناف والشافعية ورواية عن أحمد، وصلي عليه وهو في القبر، وفي رواية عن أحمد أنه ينبش، ويصلى عليه. وجوز الائمة الثلاثة نبش القبر لغرض صحيح مثل إخراج مال ترك في القبر، وتوجيه من دفن إلى غير القبلة إليها، وتغسيل من دفن بغير غسل، وتحسين الكفن، إلا أن يخشى عليه أن يتفسخ فيترك. وخالف الاحناف في النبش من أجل هذه الامور واعتبروه مثلة، والمثلة

стр. 552

منهى عنها. قال ابن قدامة: إنما هو مثلة في حق من تغير وهولا ينبش. قال: وإن دفن بغير كفن ففيه وجهان: أحدهما يترك، لان القصد بالكفن ستره وقد حصل ستره بالتراب، والثاني ينبش ويكفن، لان التكفين واجب، فأشبه الغسل. قال أحمد: إذا نسي الحفار مسحاته في القبر جاز أن ينبش عنها. وقال في الشئ يسقط في القبر - مثل الفأس والدراهم - ينبش. قال: إذا كان له قيمة - يعني ينبش - قيل: فإن أعطاه أولياء الميت؟ قال: إن أعطوه حقه أي شئ يريد. وقد ورد في ذلك ما رواه البخاري عن جابر. قال: أتى النبي ﷺ عبد الله بن أبي بعد ما أدخل في حفرته فأمر به فأخرج، فوضعه على ركبتيه ونفث عليه من ريقه وألبسه قميصا، وروى عنه أيضا. قال: دفن مع أبي رجل فلم تطب نفسي حتى أخرجته (١) فجعلته في قبر على حدة. وقد بوب البخاري لهذين الحديثين. فقال: " باب: هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة؟ ". وروى أبو داود عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول حين خرجنا إلى الطائف، فمررنا بقبر. فقال رسول الله ﷺ : " هذا قبر أبي رغال، وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان فدفن فيه وآية ذلك: أنه دفن معه غصن من ذهب إن أنتم نبشتم عنه أصبتموه معه، فابتدره الناس، فاستخرجوا الغصن ". قال الخطابي: فيه دليل على جواز نبش قبور المشركين إذا كان فيه أرب أو نفع للمسلمين. وأنه ليست حرمتهم في ذلك كحرمة المسلمين. نقل الميت: يحرم عند الشافعية نقل الميت من بلد إلى بلد إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فإنه يجوز النقل إلى إحدى هذه البلاد لشرفها وفضلها.

стр. 553

ولو أوصى بنقله إلى غير هذه الاماكن الفاضلة لا تنفذ وصيته لما في ذلك من تأخير دفنه وتعرضه للتغير. ويحرم كذلك نقله من القبر إلا لغرض صحيح، كأن دفن من غير غسل، أو إلى غير القبلة، أو لحق القبر سيل أو ندوة. قال في المنهاج: ونبشه بعد دفنه للنقل وغيره حرام إلا لضرورة، كأن دفن بلا غسل أو في أرض، أو ثوب مغصوبين، أو وقع مال، أو دفن لغير القبلة. وعند المالكية: يجوز نقله من مكان إلى مكان آخر، قبل الدفن وبعده لمصلحة، كأن يخاف عليه أن يغرقه البحر أو يأكله السبع، أو لزيارة أهله له، أو لدفنه بينهم، أو رجاء بركته للمكان المنقول إليه ونحو ذلك. فالنقل حينئذ جائز ما لم تنتهك حرمة الميت بانفجاره أو تغيره أو كسر عظمه. وعند الاحناف: يكره النقل من بلد إلى بلد، ويستحب أن يدفن كل في مقبرة البلد التي مات بها، ولا بأس بنقله قبل الدفن نحو ميل أو ميلين لان المسافة إلى المقابر قد تبلغ هذا المقدار، ويحرم النقل بعد الدفن إلا لعذر كما تقدم. ولو مات ابن لامرأة ودفن في غير بلدها وهي غائبة ولم تصبر، وأرادت نقله، لاتجاب إلى ذلك. وقالت الحنابلة: يستحب دفن الشهيد حيث قتل. قال أحمد: أما القتلى، فعلى حديث جابر أن النبي ﷺ قال: " ادفنوا القتلى في مصارعهم " وروى ابن ماجه، أن رسول الله ﷺ : أمر بقتلى أحد أن يردوا إلى مصارعهم. فأما غيرهم فلا ينقل الميت من بلد إلى بلد آخر إلا لغرض صحيح، وهذا مذهب الاوزاعي وابن المنذر. قال عبد الله بن ملكيه: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بالحبش فحمل إلى مكة فدفن، فلما قدمت عائشة أتت قبره. ثم قالت: والله لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك. لان ذلك أخف لمؤنته وأسلم له من التغير، فأما إن كان فيه غرض صحيح جاز. قال أحمد: ما أعلم بنقل الرجل يموت في بلده إلى بلد أخرى بأسا. وسئل الزهري عن ذلك؟ فقال: قد حمل سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد من العقيق إلى المدينة.

стр. 554

التعزية: العزاء: الصبر. والتعزية التصبير والحمل على الصبر بذكر ما يسلي المصاب ويخفف حزنه ويهون عليه مصيبته. حكمها: التعزية مستحبة ولو كان ذميا، لما رواه ابن ماجه والبيهقي بسند حسن عن عمرو بن حزم عن النبي ﷺ قال: " ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة " وهي لا تستحب إلا مرة واحدة. وينبغي أن تكون التعزية لجميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار والرجال والنساء (١) . سواء أكان ذلك قبل الدفن أم بعده، إلى ثلاثة أيام، إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائبا، فلا بأس بالتعزية بعد الثلاث. ألفاظها: والتعزية تؤدى بأي لفظ يخفف المصيبة ويحمل الصبر والسلوان، فإن اقتصر على اللفظ الوارد كان أفضل. روى البخاري عن أسامة بن زيد ﵄. قال: أرسلت ابنة النبي ﷺ إليه إن ابنا لي قبض فأتنا. فأرسل يقرئ السلام ويقول: " إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شئ عنده بأجل مسمى، فلتصبر، ولتحتسب (٢) " وروى الطبراني والحاكم وابن مردويه بسند فيه رجل ضعيف عن معاذ

стр. 555

ابن جبل ﵁، أنه مات ابن له فكتب إليه رسول الله ﷺ يعزيه بابنه، فكتب إليه: " بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل. سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فأعظم الله لك الاجر وألهمك الصبر، ورزقنا وإياك الشكر فإن أنفسنا وأموالنا وأهلنا من مواهب الله الهنيئة وعواريه المستودعة، متعك الله به في غبطة وسرور وقبضه منك بأجر كثير، الصلاة والرحمة والهدى، إن احتسبته فاصبر، ولا يحبط جزعك أجرك فتندم، واعلم أن الجزع لا يرد ميتا، ولا يدفع حزنا، وما هو نازل فكأن قد (١) . والسلام ". وروى الشافعي في مسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده. قال: لما توفي رسول الله ﷺ ، وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب. وإسناده ضعيف. قال العلماء فإن عزى مسلما بمسلم قال: أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك، وغفر لميتك. وإن عزى مسلما بكافر قال: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك. وإن عزى كافرا بمسلم قال: أحسن الله عزاءك وغفر لميتك. وإن عزى كافرا بكافر قال: أخلف الله عليك. وأما جواب التعزية فيؤمن المعزى ويقول للمعزي: آجرك الله. وعند أحمد إن شاء صافح المعزي وإن شاء لم يصافح، وإذا رأى الرجل شق ثوبه على المصيبة عزاه ولا يترك حقا لباطل. وإن نهاه فحسن. الجلوس لها: السنة أن يعزى أهل الميت وأقاربه ثم ينصرف كل في حوائجه دون أن يجلس أحد سواء أكان معزى أو معزيا. وهذا هو هدي السلف الصالح. قال الشافعي في الام: أكره الماتم وهي الجماعة وإن لم يكن لهم بكاء، فإن ذلك

стр. 556

يجدد الحزن ويكلف المؤنة مع ما مضى فيه من الاثر. قال النووي: قال الشافعي وأصحابه ﵏: يكره الجلوس للتعزية. قالوا: ويعني بالجلوس أن يجتمع أهل الميت في بيت ليقصدهم من أراد التعزية، بل ينبغي أن ينصرفوا في حوائجهم. ولافرق بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها. صرح به المحاملي ونقله عن نص الشافعي ﵁. وهذه كراهة تنزيه إذا لم يكن معها محدث آخر، فإن ضم إليها أمر آخر من البدع المحرمة - كما هو الغالب منها في العادة - كان ذلك حراما من قبائح المحرمات، فإنه محدث وثبت في الحديث الصحيح " أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ". وذهب أحمد وكثير من علماء الاحناف إلى هذا الرأي. وذهب المتقدمون من الاحناف إلى أنه لا بأس بالجلوس في غير المسجد ثلاثة أيام للتعزية، من غير ارتكاب محظور. وما يفعله بعض الناس اليوم من الاجتماع للتعزية، وإقامة السرادقات، وفرش البسط، وصرف الاموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة من الامور المحدثة والبدع المنكرة التي يجب على المسلمين اجتنابها، ويحرم عليهم فعلها، لاسيما وأنه يقع فيها كثير مما يخالف هدي الكتاب ويناقض تعاليم السنة، ويسير وفق عادات الجاهلية، كالتغني بالقرآن وعدم التزام آداب التلاوة، وترك الانصات والتشاغل عنه بشرب الدخان وغيره. ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل تجاوزه عند كثير من ذوي الاهواء فلم يكتفوا بالايام الاول: جعلوا يوم الاربعين يوم تجدد لهذه المنكرات وإعادة لهذه البدع. وجعلوا ذكرى أولى بمناسبة مرور عام على الوفاة وذكرى ثانية، وهكذا مما لا يتفق مع عقل ولانقل. زيارة القبور زيارة القبور مستحبة للرجال. لما رواه أحمد ومسلم وأصحاب السنن عن عبد الله بن بريدة عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها. فإنها تذكركم الاخرة " وكان النهي ابتداء لقرب عهدهم بالجاهلية، وفي الوقت الذي لم يكونوا يتورعون فيه عن

стр. 557

هجر الكلام وفحشه، فلما دخلوا في الاسلام واطمأنوا به وعرفوا أحكامه، أذن لهم الشارع بزيارتها: وعن أبي هريرة: أن النبي ﷺ زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال النبي ﷺ : " استأذنت ربي أن استغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروها، فإنها تذكر الموت " رواه احمد ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي. ولما كان المقصود من الزيارة التذكر والاعتبار، جاز زيارة قبور الكفرة لهذا المعنى نفسه، فإن كانوا ظالمين وأخذهم الله بظلمهم، استحب البكاء واظهار الافتقار إلى الله عند المرور بقبورهم وبمصارعهم، لما رواه البخاري عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال لاصحابه - يعني لما وصلوا الحجر - ديار لثمود - " لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم ". صفة الزيارة: إذا وصل الزائر إلى القبر استقبل وجه الميت وسلم عليه ودعا له، وقد جاء في ذلك: ١ - عن بريدة قال: كان النبي ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: " السلام عليكم أهل (١) الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنما ولكم العافية. " رواه احمد ومسلم وغيرهما. ٢ - وعن ابن عباس: ان النبي ﷺ مر بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه فقال: " السلام عليكم يا أهل القبور. يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالاثر " رواه الترمذي. ٣ - وعن عائشة قالت: كان النبي ﷺ كلما كان ليلتها، يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم

стр. 558

ما توعدون غدا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. اللهم اغفر لاهل بقيع الغرقد " رواه مسلم. ٤ - وروى عنها قالت: قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون ". وأما ما يفعله بعض من لاعلم لهم، من التمسح بالاضرحة وتقبيلها والطواف حولها، فهو من البدع المنكرة، التي يجب اجتنابها ويحرم فعلها، فإن ذلك بالكعبة زادها الله شرفا. ولا يقاس عليها قبر نبي ولا ضريح ولي والخير كله في الاتباع، والشر كله في الابتداع. قال ابن القيم: كان النبي ﷺ إذا زار القبور يزورها للدعاء لاهلها والترحم عليهم والاستغفار لهم. فأبى المشركون إلا دعاء الميت والاقسام على الله به وسؤاله الحوائج والاستعانة به، والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ ، فإنه هدي توحيد وإحسان إلى الميت، وهدي هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام إما أن يدعوا للميت، أو يدعوا به، أو عنده، ويرون الدعاء عنده أولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبين له الفرق بين الامرين. زيارة النساء: رخص مالك وبعض الاحناف ورواية عن أحمد وأكثر العلماء، في زيارة النساء للقبور، لحديث عائشة: كيف أقول لهم يارسول الله - أي عند زيارتها للقبور -. وقد تقدم عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور؟ قالت نعم. كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها. رواه الحاكم والبيهقي وقال: تفرد به بسطام بن مسلم البصري. وقال الذهبي: صحيح.

стр. 559

وفي الصحيحين عن أنس: أن رسول الله ﷺ مر بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: " اتقي الله، واصبري "، فقالت: وما تبالي بمصيبتي. فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله ﷺ فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يارسول الله، لم أعرفك. فقال: " إنما الصبر عند الصدمة الاولى. " ووجهة الاستدلال أن الرسول ﷺ رآها عند القبر فلم ينكر عليها ذلك. ولان الزيارة من أجل التذكير بالاخرة، وهو أمر يشترك فيه الرجال والنساء، وليس الرجال بأحوج إليه منهن. وكره قوم الزيارة لهن لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، ولقول رسول الله ﷺ : " لعن الله زوارات القبور " رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه. قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة. ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج. وما ينشأ من الصياح، ونحو ذلك. وقد يقال: إذا أمن جميع ذلك فلا مانع من الاذن لهن، لان تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء. قال الشوكاني - تعليقا على كلام القرطبي -: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر. الأعمال التي تنفع الميت وهل يجوز إهداء الثواب إلى رسول الله ﷺ ؟ من المتفق عليه: أن الميت ينتفع بما كان سببا فيه من أعمال البر في حياته، لما رواه مسلم وأصحاب السنن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له " وروى ابن ماجه عنه: أنه ﷺ قال: " إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علما علمه ونشره، أو ولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه. أو مسجدا بناه، أو بيتا بناه

стр. 560

لابن السبيل أو نهرا أكراه أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته، تلخه من بعد موته. " وروى مسلم عن جرير بن عبد الله: أن النبي ﷺ قال: " من سن في الاسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم، ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من يعمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شئ " أما ما ينتفع به من أعمال البر الصادرة عن غيره فبيانها فيما يلي: ١ - الدعاء والاستغفار له، وهذا مجمع عليه لقول الله تعالى: (والذين جاؤا من بعدهم يقولون: ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان، ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم) ، وتقدم قول الرسول ﷺ : " إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء " وحفظ من دعاء رسول الله ﷺ : " اللهم اغفر لحينا وميتنا " ولا زال السلف والخلف يدعون للاموات ويسألون لهم الرحمة والغفران دون إنكار من أحد. ٢ - الصدقة: وقد حكى النووي الاجماع على أنها تقع عن الميت ويصله ثوابها سواء كانت من ولد أو غيره، لما رواه أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة: أن رجلا قال للنبي ﷺ : إن أبي مات وترك مالا ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ قال: " نعم ". وعن الحسن عن سعد بن عبادة أن امه ماتت. فقال: يارسول الله: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: " نعم ". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: " سقي الماء " قال الحسن: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة. رواه أحمد والنسائي وغيرهما. ولا يشرع إخراجها عند المقابر، ويكره إخراجها مع الجنازة. ٣ - الصوم: لما رواه البخاري ومسلم عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها؟ قال: " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها "؟ قال: نعم. قال: " فدين الله أحق أن يقضى ". ٤ - الحج: لما رواه البخاري عن ابن عباس: أن امرأة من جهينة جاءت

стр. 561

إلى النبي ﷺ فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال: " حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دين، أكنت قاضيته؟ اقضوا فالله أحق بالقضاء ". ٥ - الصلاة: لما رواه الدارقطني أن رجلا قال: يارسول الله، إنه كان لي أبوان أبرهما في حال حياتهما فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال ﷺ : " إن من البر بعد الموت أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن تصوم لهما مع صيامك ". ٦ - قراءة القرآن: وهذا رأي الجمهور من أهل السنة. قال النووي: المشهور من مذهب الشافعي: أنه لا يصل. وذهب أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الشافعي إلى أنه يصل. فالاختيار أن يقول القارئ بعد فراغه: اللهم أوصل مثل ثواب ما قرأته إلى فلان. وفي المغني لابن قدامة: قال أحمد بن حنبل، الميت يصل إليه كل شئ من الخير، للنصوص الواردة فيه، ولان المسلمين يجتمعون في كل مصر ويقرءون ويهدون لموتاهم من غير نكير، فكان إجماعا. والقائلون بوصول ثواب القراءة إلى الميت، يشترطون أن لا يأخذ القارئ على قراءته أجرا. فإن أخذ القارئ أجرا على قراءته حرم على المعطي والاخذ ولا ثواب له على قراءته، لما رواه أحمد والطبراني والبيهقي عن عبد الرحمن ابن شبل: أن النبي ﷺ قال: " اقرءوا القرآن، واعملوا ... ولا تجفوا عنه ولا تغفلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به ". قال ابن القيم: والعبادات قسمان: مالية وبدنية، وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصدقة على وصول سائر العبادات المالية، ونبه بوصول ثواب الصوم على وصول سائر العبادات البدنية، وأخبر بوصول ثواب الحج المركب من المالية والبدنية، فالانواع الثلاثة ثابتة بالنص والاعتبار. اشتراط النية ولابد من نية الفعل على الميت. قال ابن عقيل: إذا فعل طاعة من

стр. 562

صلاة صيام وقراءة قرآن وأهداها، بأن جعل ثوابها للميت المسلم، فإنه يصل إليه ذلك وينفعه، بشرط أن تتقدم نية الهدية على الطاعة وتقارنها. ورجح هذا ابن القيم. أفضل ما يهدى للميت: قال ابن القيم: قيل الافضل ما كان أنفع في أنفسه، فالعتق عنه، والصدقة أفضل من الصيام عنه، وأفضل الصدقة ما صادفت حاجة من المتصدق عليه وكانت دائمة مستمرة، ومنه قول النبي ﷺ : " أفضل الصدقة سقي الماء " وهذا في موضع يقل فيه الماء ويكثر فيه العطش، وإلا فسقي الماء على الانهار والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة، وكذلك الدعاء والاستغفار له إذا كان بصدق من الداعي وإخلاص وتضرع، فهو في موضعه أفضل من الصدقة عنه كالصلاة على الجنازة، والوقوف للدعاء على قبره. وبالجملة: فأفضل ما يهدى إلى الميت العتق والصدقة والاستغفار والدعاء له والحج عنه. اهداء الثواب الى رسول الله ﷺ : قال ابن القيم: قيل: من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهم من لم يستحبه ورآه بدعة، فإن الصحابة لم يكونوا يفعلونه، وأن النبي ﷺ له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شئ لانه الذي دل أمته على كل خير وأرشدهم ودعاهم إليه، ومن دعا إلى هدي فله من الاجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم، وكل هدي وعلم، فإنما نالته أمته على يده، فله مثل أجر من اتبعه، أهداه إليه أو لم يهده. أولاد المسلمين وأولاد المشركين: من مات من أولاد المسلمين الذين لم يبلغوا الحلم فهو في الجنة، لما رواه البخاري عن عدي بن ثابت: أنه سمع البراء ﵁ قال: لما توفي

стр. 563

ابراهيم ﵇ (١) ، قال رسول الله ﷺ : " إن له مرضعا في الجنة " قال الحافظ في الفتح: وإيراد البخاري له في هذا الباب، يشعر باختيار القول: " إلى أنهم في الجنة ". وروى عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله ﷺ : " ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم ". ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن من يكون سببا في دخول الجنة أولى، بأن يدخلها هو، لانه أصل الرحمة وسببها. وأما أولاد المشركين فهم مثل أولاد المسلمين، في دخولهم الجنة. قال النووي: وهو المذهب الصحيح المختار الذي صار إليه المحققون لقوله تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وإذا كان لا يعذب العاقل لكونه لم تبلغه الدعوة فلان لا يعذب غير العاقل من باب أولى. ولما رواه أحمد عن خنساء بنت معاوية بن صريم عن عمتها قالت: قلت يا رسول الله، من في الجنة؟ قال: " النبي في الجنة، والشهيد في الجنة، والمولود في الجنة " قال الحافظ: إسناده حسن. سؤال القبر اتفق أهل السنة والجماعة على أن كل إنسان يسأل بعد موته، قبر أم لم يقبر، فلو أكلته السباع أو احرق حتى صار رمادا ونسف في الهواء أو غرق في البحر لسئل عن أعماله، وجوزي بالخير خيرا وبالشر شرا، وأن النعيم أو العذاب على النفس والبدن معا. قال ابن القيم: مذهب سلف الامة وائمتها ان الميت إذا مات، يكون في نعيم أو عذاب، وأن ذلك يحصل لروحه وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن، منعمة أو معذبة، وأنها تتصل بالبدن أحيانا ويحصل له معها النعيم أو العذاب، ثم إذا كان يوم القيامة الكبرى أعيدت الارواح إلى الاجساد، وقاموا من قبورهم لرب العالمين. ومعاد الابدان متفق عليه بين المسلمين واليهود والنصارى.

стр. 564

وقال المروزي: قال أبو عبد الله يعني الامام أحمد -: عذاب القبر حق لا ينكره إلا ضال مضل. وقال حنبل: قلت لابي عبد الله في عذاب القبر. فقال: هذه أحاديث صحاح نؤمن بها ونقر بها، وكل ما جاء عن النبي ﷺ بإسناد جيد أقررنا به، فإنا إذا لم نقر بما جاء به رسول الله ﷺ . ودفعناه ورددناه، رددنا على الله أمره قال الله تعالى: (وما آتاكم الرسول فخذوه) . قلت له: وعذاب القبر حق؟ قال: حق. يعذبون في القبور. قال: وسمعت أبا عبد الله يقول: نؤمن بعذاب القبر، وبمنكر ونكير، وأن العبد يسأل في قبره: ف (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة) في القبر. وقال أحمد بن القاسم: قلت: يا أبا عبد الله، تقر بمنكر ونكير، وما يروى في عذاب القبر؟ فقال: سبحان الله ... نعم نقر بذلك ونقوله. قلت هذه اللفظة تقول: منكر ونكير هكذا. أو تقول: ملكين؟ قال منكر ونكير. قلت: يقولون: ليس في حديث منكر ونكير. قال: هو هكذا يعني أنهما منكر ونكير. قال الحافظ في الفتح: وذهب أحمد بن حزم وابن هبيرة إلى أن السؤال يقع على الروح فقط، من غير عود إلى الجسد. وخالفهم الجمهور فقالوا: تعاد الروح إلى الجسد أو بعضه كما ثبت في الحديث، ولو كان على الروح فقط لم يكن للبدن بذلك اختصاص، ولا يمنع من ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه. لان الله قادر أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد ويقع عليه السؤال. كما هو قادر على أن يجمع أجزاءه. والحامل للقائلين بأن السؤال يقع على الروح فقط، أن الميت قد يشاهد في قبره حال المسألة لا أثر فيه، من إقعاد ولاغيره ولاضيق في قبره ولاسعة، وكذلك غير المقبور كالمصلوب. وجوابهم أن ذلك غير ممتنع في القدرة: بل له نظير في العادة. وهو النائم. فإنه يجد لذة، وألما لا يدركه جليسه، بل اليقظان قد يدرك ألما ولذة لما يسمعه أو يفكر فيه، ولا يدرك ذلك جليسه وإنما أتى الغلط من قياس الغائب على الشاهد، وأحوال ما بعد الموت على ما قبله. والظاهر أن الله تعالى صرف أبصار العباد وأسماعهم

стр. 565

عن مشاهدة ذلك وستره عنهم، إبقاء عليهم لئلا يتدافنوا، وليست للجوارح الدنيوية قدرة على إدراك أمور الملكوت إلا من شاء الله. وقد ثبتت الاحاديث بما ذهب إليه الجمهور، كقوله: " إنه ليسمع خفق نعالهم " وقوله: " تختلف أضلاعه لضمة القبر، وقوله: " يسمع صوته إذا ضربه بالمطراق " وقوله: " يضرب بين أذنيه " وقوله: " فيقعدانه " وكل ذلك من صفات الاجساد ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك من الاحاديث الصحيحة: ١ - روى مسلم عن زيد بن ثابت قال: بينا رسول الله ﷺ في حائط (١) لبني النجار على بغلته ونحن معه إذ حادت (٢) به فكادت تلقيه فإذا قبر ستة، أو خمسة، أو أربعة، فقال: " من يعرف أصحاب هذه القبور؟ " فقال رجل: أنا. قال: " فمتى مات هؤلاء "؟ قال: ماتوا في الاشراط. فقال: " ان هذه الامة تبتلى في قبورها. فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه " ثم أقبل علينا بوجهه. فقال: " تعوذوا بالله من عذاب النار. " قالوا: نعوذ بالله من عذاب النار، قال: " تعوذوا بالله من عذاب القبر ". قالوا: نعوذ بالله من عذاب القبر، قال: " تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن ". قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: " تعوذوا بالله من فتنة الدجال. " قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال. ٢ - وروى البخاري ومسلم عن قتادة عن أنس: أن النبي ﷺ قال: " إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه، وإنه ليسمع قرع نعالهم، أتاد ملكان فيقعدانه، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ - لمحمد - فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله. قال: فيقولان: أنظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة، فيراهما جميعا. وأما الكافر، والمنافق، فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، كنت أقول ما يقول الناس. فيقولان. لادريت ولاتليت (٣) ، ويضرب بمطارق من حديد ضربة فيصيح صيحة فيسمعها فيسمعها من يليه، غير الثقلين. "
следующие страницы →