← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 718–757 · переход к 723.

стр. 718

المتحابّان، فضحك أحدُهما إلى الآخر، وتصافحا، تحاتت خطاياهما كما يتحاتُّ الورقُ من الشجر، فقيل له: إنَّ هذا ليسيرٌ مِنَ العمل، قال: تقولُ يسيرٌ والله يقولُ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١). وقوله ﷺ : «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه». هذا مأخوذ من قوله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٢)، فإذا كان المؤمنون إخوةً، أُمروا فيما بينهم بما يُوجب تآلُفَ القلوب واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوب واختلافَها، وهذا من ذلك. وأيضاً، فإنَّ الأخ مِنْ شأنه أنْ يوصِلَ إلى أخيه النَّفع، ويكفَّ عنه الضَّرر، ومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كفُّه عَنِ الأَخِ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حقِّ كلِّ أحَدٍ، وقد سبق الكلام على الظُّلم مستوفى عندَ ذكر حديث أبي ذرِّ الإلهي: «يا عبادي إنِّي حرَّمتُ الظُّلم على نفسي، وجعلته بينكم محرَّماً، فلا تظالموا» (٣). ومِنْ ذلك: خِذلانُ المسلم لأخيه، فإنَّ المؤمن مأمورٌ أنْ يَنصُرَ أخاه، كما قال ﷺ : «انصُر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قال: يا رسولَ الله، أنصُرُهُ مَظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟ قال: «تمنعه عنِ الظُّلم، فذلك نصرُك إيَّاه». خرَّجه البخاري (٤) بمعناه من حديث أنس، وخرَّجه مسلم (٥) بمعناه من حديث جابر. وخرَّج أبو داود (٦) من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابرِ بن عبد الله، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما مِن امرئٍ مسلمٍ يخذُلُ امرأً مسلماً في موضع تُنتَهكُ فيه حرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضه، إلاّ خذله الله في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتَه، وما مِن امرئٍ ينصرُ مسلماً في موضع يُنتقصُ فيه من

стр. 719

عِرضِه، ويُنتهكُ فيه من حرمته، إلاّ نصره الله في موضع يحبُّ فيه نصرَتَه». وخرّج الإمام أحمد (١) من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ أُذِلَّ عنده مؤمنٌ، فلم ينصُرْه وهو يقدِرُ على أن ينصُرَه، أذلَّه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة». وخرَّج البزار (٢) من حديث عِمران بن حُصين، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ نَصرَ أخاه بالغيب وهو يستطيعُ نصرَه، نَصَرَهُ الله في الدُّنيا والآخرة». ومن ذلك: كذِبُ المسلم لأخيه، فلا يَحِلُّ له أن يُحدِّثه فيكذبه، بل لا يُحدِّثه إلاَّ صدقاً، وفي " مسند الإمام أحمد " (٣) عن النَّوَّاس بن سمعان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كَبُرَت خِيانةً أن تُحدِّثَ أخاكَ حديثاً هو لك مصدِّقٌ وأنت به كاذب». ومن ذلك: احتقارُ المسلم لأخيه المسلم، وهو ناشئٌ عن الكِبْرِ، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغَمْطُ الناس» خرَّجه مسلم (٤) من حديث ابن مسعود، وخرَّجه الإمام أحمد (٥)، وفي رواية له: «الكبرُ سَفَهُ الحقِّ، وازدراءُ الناس»، وفي رواية: «وغمص الناس» (٦)، وفي رواية زيادة: «فلا يَراهم شيئاً» وغمص النَّاس: الطَّعنُ عليهم وازدراؤهم (٧)، وقال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنّ﴾ (٨)، فالمتكبر ينظرُ إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النَّقصِ، فيحتقرهم ويزدريهم، ولا يراهم أهلاً لأنْ يقومَ بحقُوقهم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحد منهم الحقَّ إذا أورده عليه.

стр. 720

وقوله ﷺ : «التَّقوى هاهنا» يشير إلى صدره ثلاثَ مرَّاتٍ: فيه إشارةٌ إلى أنَّ كرم الخَلْق عند الله بالتَّقوى، فربَّ من يحقِرُه الناس لضعفه، وقلَّةِ حظِّه من الدُّنيا، وهو أعظمُ قدراً عند الله تعالى ممَّن له قدرٌ في الدُّنيا، فإنَّ الناسَ إنّما يتفاوتُون بحسب التَّقوى، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (١)، وسئل النَّبيُّ ﷺ : مَنْ أكرمُ الناسِ؟ قال: «أتقاهُم لله » (٢). وفي حديث آخر: «الكرمُ التَّقوى» (٣)، والتَّقوى أصلُها في القلب، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (٤). وقد سبق ذكر هذا المعنى في الكلام على حديث أبي ذرٍّ الإلهي عند قوله: «لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم كانوا على أتقى قلبِ رجلٍ واحد منكم، ما زاد ذلك في مُلكي شيئاً» (٥). وإذا كان أصلُ التَّقوى في القُلوب، فلا يطَّلعُ أحدٌ على حقيقتها إلا الله ، كما قال ﷺ : «إنَّ الله لا ينظرُ إلى صُورِكُم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم» (٦) وحينئذ، فقد يكونُ كثيرٌ ممَّن له صورةٌ حسنةٌ، أو مالٌ، أو جاهٌ، أو رياسةٌ في الدنيا، قلبه خراباً من التقوى، ويكون من ليس له شيء من ذلك قلبُه مملوءاً مِنَ التَّقوى، فيكون أكرمَ عند الله تعالى، بل ذلك هو الأكثر وقوعاً، كما في " الصحيحين " (٧)

стр. 721

عن حارثةَ بن وهبٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ألا أُخبِرُكم بأهل الجنَّةِ: كلُّ ضعيف متضعَّفٍ، لو أقسم على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهل النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُستكبِرٍ». وفي " المسند " (١) عن أنس عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أمَّا أهلُ الجنَّة، فكلُّ ضعيفٍ متضعَّفٍ، أشعث، ذي طِمرين، لو أقسمَ على الله لأبرَّه؛ وأمَّا أهلُ النَّارِ، فكلُّ جَعْظَريٍّ جَوَّاظ جمَّاعٍ، منَّاعٍ، ذي تَبَع». وفي " الصحيحين " (٢) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «تحاجَّت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمتكبِّرينَ والمتجبِّرين، وقالتِ الجنَّةُ: لا يدخُلُني إلا ضعفاءُ النَّاس وسَقَطُهم، فقال الله للجنَّةِ: أنت رحمتي أرحمُ بك من أشاءُ من عبادي، وقال للنار: أنت عذابي، أعذِّبُ بكِ من أشاء من عبادي». وخرَّجه الإمام أحمد (٣) من حديث أبي سعيدٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «افتخرت الجنَّةُ والنَّارُ، فقالت النار: يا ربِّ، يدخُلُني الجبابرة والمتكبِّرون والملوكُ والأشرافُ، وقالت الجنَّةُ: يا ربِّ يدخُلُني الضُّعفاء والفقراءُ والمساكين» وذكر الحديث. وفي " صحيح البخاري " (٤) عن سهل بن سعد، قال: مرَّ رجلٌ على رسولِ الله ﷺ ، فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقالَ رجلٌ منْ أشراف الناس: هذا والله حريٌّ إنْ خطَب أنْ يُنكح، وإنْ شفع أنْ يشفَّعَ، وإن قالَ أن يُسمَعَ لقوله، قالَ: فسكت النَّبيُّ ﷺ ، ثُمَّ مرَّ رجلٌ آخر، فقالَ لهُ رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟» قال: يا رسول الله، هذا رجلٌ مِن فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إنْ خطب أنْ لا يُنكحَ، وإن شفع أن لا يشفَّع، وإنْ قال أنْ لا يُسمع لقوله، فقال رسول ﷺ : «هذا خيرٌ من ملءِ الأرض مثل هذا».

стр. 722

وقال محمد بنُ كعب القُرَظيُّ في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (١)، قال: تَخفِضُ رجالاً كانوا في الدُّنيا مرتفعين، وترْفَعُ رجالاً كانوا في الدُّنيا مخفوضين. قوله ﷺ : «بحسب امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يحقِرَ أخاه المسلم» يعني: يكفيه مِنَ الشرِّ احتقارُ أخيه المسلم، فإنَّه إنَّما يحتقرُ أخاه المسلم لتكبُّره عليه، والكِبْرُ من أعظمِ خِصالِ الشَّرِّ، وفي " صحيح مسلم " (٢) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يدخلُ الجنَّة من في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من كِبْرٍ». وفيه أيضاً (٣) عنه أنَّه قال: «العزُّ إزاره والكبر (٤) ردائه، فمن نازعني عذَّبتُه» فمنازعته الله تعالى صفاته التي لا تليقُ بالمخلوق، كفى بها شراً. وفي " صحيح ابن حبان " (٥) عن فَضالة بنِ عُبيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ثلاثة لا يُسأل عنهم: رجلٌ يُنازعُ الله إزاره، ورجلٌ يُنازع الله رداءه، فإنَّ رداءه الكبرياء، وإزاره العزُّ، ورجلٌ في شكٍّ من أمر الله تعالى والقُنوطِ من رحمة الله». وفي " صحيح مسلم " (٦) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من قال: هلكَ الناسُ، فهو أهلكهم (٧)» قال مالك: إذا قال ذلك تحزُّناً لما يرى في الناس، يعني في دينهم فلا أرى به بأساً، وإذا قال ذلك عُجباً بنفسه، وتصاغُراً للناس، فهو المكروهُ الذي نُهي عنه. ذكره أبو داود في " سننه " (٨).

стр. 723

قوله ﷺ : «كلُّ المسلمِ على المسلمِ حرامٌ: دمهُ ومالُه وعِرضه» هذا ممَّا كان النَّبيُّ ﷺ يخطب به في المجامع العظيمةِ، فإنَّه خطب به في حَجَّة الوداع يومَ النَّحر، ويومَ عرفةَ، ويوم الثاني من أيَّام التَّشريق، وقال: «إنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحُرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (١) وفي رواية للبخاري (٢) وغيره: «وأبشاركم». وفي رواية: فأعادها مراراً، ثم رفع رأسه، فقالَ: «اللَّهُمَّ هل بلَّغتُ؟ اللهمَّ هل بلَّغت؟». وفي رواية: ثم قال: «ألا ليبلغِ الشاهدُ منكمُ الغائبَ» (٣). وفي رواية للبخاري (٤): «فإنَّ الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها». وفي رواية (٥): «دماؤكم وأموالُكم وأعراضُكم عليكُم حرامٌ، مثلُ هذا اليوم، وهذا البلد إلى يوم القيامة، حتّى دفعةٌ يدفعُها مسلمٌ مسلماً يريدُ بها سوءاً حرام». وفي رواية (٦) قال: «المؤمنُ حرامٌ على المؤمن، كحرمة هذا اليوم لحمُه عليه حرامٌ أنْ يأكُلَه ويغتابه بالغيب، وعِرضُه عليه حرامٌ أنْ يخرِقَه، ووجهُه عليه حرام أنْ يَلطِمَه، ودمُه عليه حرام أنْ يسفِكَه، وحرامٌ عليه أنْ يدفعه دفعةً تُعنته». وفي " سنن أبي داود " (٧) عن بعضِ الصَّحابة أنَّهم كانوا يسيرونَ مَعَ النَّبيِّ ﷺ ، فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضُهم إلى حبلٍ معه، فأخذها ففزِعَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا يحلُّ لمسلم أنْ يروِّع مسلماً».

стр. 724

وخرَّج أحمد (١) وأبو داود (٢) والترمذي (٣) عن السَّائب بن يزيد، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يأخذ أحدُكم عصا أخيه لاعباً جادّاً، فمن أخذَ عصا أخيه، فليردَّها إليه». قال أبو عبيد: يعني أن يأخذ شيئاً لا يريد سرقتَه، إنَّما يريدُ إدخالَ الغيظِ عليه، فهو لاعبٌ في مذهب السرقة، جادٌ في إدخال الأذى والروع عليه (٤). وفي " الصحيحين " (٥) عن ابنِ مسعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى (٦) اثنان دُونَ الثَّالث، فإنَّ ذلك يُحزِنُهُ» ولفظه لمسلم. وخرَّج الطبراني (٧) من حديث ابنِ عباس عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يتناجى اثنان دُونَ الثَّالث، فإنَّ ذلك يُؤذي المؤمنَ، واللهُ يكره أذى المؤمن». وخرَّج الإمام أحمد (٨) من حديث ثوبان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تؤذوا عبادَ الله، ولا تعيِّرُوهم، ولا تطلبُوا عوراتهم، فإنَّ من طلبَ عورةَ أخيه المسلمِ، طلب اللهُ عورَته حتى يفضحَهُ في بيته». وفي " صحيح مسلم " (٩) عن أبي هريرة أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عنِ الغيبة، فقال: «ذكرُك أخاكَ بما يكرهُ»، قال: أرأيت إنْ كان فيه ما أقولُ؟ فقال: «إن كان فيه ما تقولُ فقد اغتَبته، وإنْ لم يكن فيه ما تقولُ، فقد بهتَّه».

стр. 725

فتضمَّنت هذه النُّصوص كلُّها أنَّ المسلمَ لا يحِلُّ إيصالُ الأذى إليه بوجهٍ مِنَ الوجوهِ من قولٍ أو فعلٍ بغير حقٍّ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١). وإنَّما جعلَ اللهُ المؤمنين إخوةً ليتعاطفوا ويتراحموا، وفي " الصحيحين " (٢) عن النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمِهم وتعاطُفهم، مَثَلُ الجسدِ، إذا اشتكي منه عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسد بالحمَّى والسَّهر». وفي رواية لمسلم (٣): «المؤمنون كرجلٍ واحدٍ، إنِ اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر». وفي رواية له أيضاً (٤): «المسلمون كرجلٍ واحد إنِ اشتكى عينُه، اشتكى كلُّه، وإنِ اشتكى رأسُه، اشتكى كلُّه». وفيهما (٥) عن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المؤمن للمؤمن كالبُنيان، يشدُّ بعضُه بعضاً». وخرَّج أبو داود (٦) من حديث أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المؤمن مرآةُ المؤمنِ، المؤمنُ أخو المؤمنِ، يكفُّ عنه ضيعتَه، ويحوطُه من ورائِه». وخرَّجه الترمذي (٧)، ولفظه: «إنَّ أحدَكُم مرآةُ أخيه، فإنْ رأى به أذى، فليُمطه عنه». قال رجل لعمر بن عبد العزيز: اجعل كبيرَ المسلمين عندَك أباً، وصغيرهم ابناً، وأوسَطَهم أخاً، فأيُّ أولئك تُحبُّ أنْ تُسيء إليه (٨)؟ ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي: ليكن حظُّ المؤمن منك ثلاثة: إنْ لم تنفعه، فلا تضرَّه، وإنْ لم تُفرحه، فلا تَغُمَّه، وإنْ لم تمدحه فلا تَذُمَّه.

стр. 726

الحديث السادس والثلاثون عَنْ أبي هُريرة ﵁، عَن رسول الله ﷺ ، قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤمِنٍ كُرْبةً مِنْ كُرَبِ الدُّنيا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيامَةِ، ومَنْ يَسَّرَ على مُعسِرٍ، يَسَّرَ الله عَليهِ في الدُّنيا والآخرَةِ، ومَنْ سَتَرَ مُسلِماً، سَتَرَهُ اللهُ في الدُّنيا والآخِرة، واللهُ فِي عَوْنِ العَبْد ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أخيهِ، ومَنْ سَلَكَ طَريقاً يَلتَمِسُ فِيه عِلماً، سَهَّلَ الله لَهُ بِهِ طَريقاً إلى الجَنَّةِ، وما جَلَسَ قَومٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيوتِ الله، يَتْلُونَ كِتابَ الله، ويَتَدارَسُونَه بَينَهُم، إلاَّ نَزَلَتْ عليهِمُ السَّكينَةُ، وغَشِيتْهُمُ الرَّحمَةُ، وحَفَّتْهُم المَلائكَةُ، وذَكَرَهُم الله فِيمَنْ عِنْدَهُ، ومَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ، لم يُسرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» رواهُ مسلمٌ. هذا الحديث خرَّجه مسلم (١) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، واعترض عليه غيرُ واحدٍ مِنَ الحفَّاظ في تخريجه، منهم أبو الفضل الهروي والدارقطني (٢)، فإنَّ أسباط بن محمَّد رواه عن الأعمَش (٣)؛ قال: حُدِّثْتُ عن أبي صالح، فتبيَّن أنَّ الأعمش لم يسمعه من أبي صالح ولم يذكر من حدثه به عنه، ورجَّح التّرمذي (٤) وغيره هذه الرواية، وزاد بعضُ أصحاب الأعمش في متن الحديث: «ومن أقال مسلماً أقال الله عثرتَه يومَ القيامة» (٥). وخرجا في " الصحيحين " (٦)

стр. 727

من حديث ابن عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه، ولا يُسْلِمُه، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته، ومن فرَّجَ عن مسلم، فرَّج الله عنه كُربةً مِنْ كُرَب يومِ القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة». وخرَّج الطبراني (١) من حديث كعب بن عُجرة، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ نفَّس عن مؤمنٍ كُربةً مِنْ كُرَبِهِ، نفَّس اللهُ عنهُ كُربةً من كُرَب يوم القيامة، ومن ستر على مؤمن عورته، ستر الله عورتَه، ومن فرَّج عن مؤمن كُربةً، فرَّج الله عنه كُربته». وخرَّج الإمام أحمد (٢) من حديث مسلمة بن مُخلَّدٍ (٣)، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من ستر مسلماً في الدنيا، ستره الله في الدُّنيا والآخرة، ومن نجَّى مَكروباً، فكَّ اللهُ عنه كُربةً من كُرَبِ يوم القيامة، ومن كان في حاجة أخيه، كان الله في حاجته». فقوله ﷺ : «من نفَّس عن مؤمنٍ كربةً من كرب الدُّنيا، نفَّس الله عنه كُربة من كرب يوم القيامة» هذا يرجعُ إلى أنَّ الجزاءَ من جنس العمل، وقد تكاثرت النُّصوصُ بهذا المعنى، كقوله ﷺ : «إنَّما يرحم الله من عِباده الرُّحماء» (٤)، وقوله: «إنَّ الله يعذِّب الَّذين يُعذِّبونَ النَّاس في الدُّنيا» (٥). والكُربة: هي الشِّدَّةُ العظيمة التي تُوقعُ صاحبَها في الكَرب، وتنفيسُها أن يُخفَّفَ

стр. 728

عنه منها، مأخوذٌ مِنْ تنفيس الخناق، كأنه يُرخى له الخناق حتَّى يأخذ نفساً، والتفريجُ أعظمُ منْ ذلك، وهو أنْ يُزيلَ عنه الكُربةَ، فتنفرج عنه كربتُه، ويزول همُّه وغمُّه، فجزاءُ التَّنفيسِ التَّنفيسُ، وجزاءُ التَّفريجِ التَّفريجُ، كما في حديث ابن عمر، وقد جُمعُ بينهما في حديثِ كعبِ بن عُجرة. وخرَّج الترمذي (١) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً: «أيما مُؤْمِنٍ أطعمَ مؤمناً على جُوعٍ، أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة، وأيما مؤمن سقى مؤمناً على ظمأ، سقاه الله يومَ القيامة من الرَّحيق المختوم (٢)، وأيما مؤمنٍ كسا مؤمناً على عُري، كساه الله من خضر الجنة». وخرَّجه الإمام أحمد (٣) بالشكّ في رفعه، وقيل: إنَّ الصحيح وقفه (٤). وروى ابن أبي الدنيا (٥) بإسناده عن ابن مسعود قال: «يُحشر الناسُ يوم القيامة أعرى ما كانوا قطُّ، وأجوعَ ما كانوا قطُّ، وأظمأَ ما كانوا قطُّ، وأنصبَ ما كانوا قط، فمن كسا للهِ ، كساه الله، ومن أطعم لله ، أطعمه الله، ومن سقى لله ، سقاه الله، ومن عفى لله ، أعفاه الله». وخرَّج البيهقي (٦) من حديث أنس مرفوعاً: «أنَّ رجلاً من أهل الجنَّةِ يُشرف يومَ القيامة على أهلِ النَّارِ، فيُناديه رجلٌ من أهلِ النّار، يا فلان، هل تعرفني؟ فيقول: لا والله ما أعرِفُك، من أنت؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار الدُّنيا، فاستسقيتني

стр. 729

شَربةً من ماءٍ، فسقيتُك، قال: قد عرفتُ، قال: فاشفع لي بها عند ربِّك، قال: فيسأل الله ، ويقول: شفِّعني فيه، فيأمر به، فيُخرجه من النار». وقوله: «كُربة من كُرَبِ يوم القيامة»، ولم يقل: «من كُرب الدُّنيا والآخرة» كما قيل في التَّيسير والسَّتر، وقد قيل في مناسبة ذلك: إنَّ الكُرَبَ هي الشَّدائدُ العظيمة، وليس كلّ أحد يحصُلُ له ذلك في الدُّنيا، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر، فإنَّ أحداً لا يكادُ يخلو في الدُّنيا من ذلك، ولو بتعسُّر بعض الحاجات المهمَّة. وقيل: لأنَّ كُرَبَ الدُّنيا بالنِّسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيءٍ، فادَّخر الله جزاءَ تنفيسِ الكُرَبِ عندَه، لينفِّسَ به كُرَب الآخرة، ويدلُّ على ذلك قولُ النَّبيِّ ﷺ : «يجمع الله الأوَّلين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، فيسمَعُهُم الدَّاعي، وينفُذُهُم البصر، وتدنو الشَّمسُ منهم، فيبلُغُ النَّاسُ من الغمِّ والكرب ما لا يُطيقون ولا يحتملون، فيقول الناسُ بعضُهم لبعض: ألا ترونَ ما قد بلغكُم؟ ألا تنظرون من يشفعُ لكم إلى ربِّكم؟»، وذكر حديثَ الشفاعة، خرّجاه (١) بمعناه من حديث أبي هريرة. وخرَّجا (٢) من حديث عائشة عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «تُحشرون حُفاةً عُراةً غُرْلاً»، قالت: فقلتُ: يا رسول الله، الرِّجال والنِّساءُ ينظرُ بعضُهم إلى بعضٍ؟ قال: «الأمرُ أشدُّ من أن يُهِمَّهم ذلك». وخرَّجا (٣) من حديث ابن عمر عن النَّبيِّ ﷺ في قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤)، قال: «يقومُ أحدُهم في الرَّشح إلى أنصاف أذنيه». وخرَّجا (٥) من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يَعْرَقُ النَّاسُ يومَ القيامةِ حتّى يذهب عرَقُهم في الأرض سبعين ذراعاً، ويُلجِمُهُم حتّى يبلغَ آذانهم» ولفظه للبخاري، ولفظ

стр. 730

مسلم: «إنَّ العرق ليذهبُ في الأرض سبعين باعاً، وإنّه ليبلغ إلى أفواهِ النّاس، أو إلى آذانهم». وخرَّج مسلم (١) من حديث المقداد، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «تدنُو الشَّمسُ مِنَ العباد حتَّى تكون قدرَ ميلٍ أو ميلين، فتصهرُهم الشَّمسُ، فيكونون في العَرَقِ كقدر أعمالهم، فمنهم مَنْ يأخذُه إلى عَقِبَيه، ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ، ومنهم من يُلجمه إلجاماً». وقال ابن مسعود: الأرضُ كلُّها يومَ القيامةِ نارٌ، والجنَّةُ من ورائها ترى أكوابها وكواعبها، فيعرَقُ الرَّجلُ حتَّى يرشَح عرقُه في الأرض قدرَ قامةٍ، ثمَّ يرتفعُ حتّى يبلغَ أنفه، وما مسَّه الحسابُ، قال: فمم ذاك يا أبا عبد الرحمان؟ قال: ممَّا يرى النَّاس يُصنَعُ بهم (٢). وقال أبو موسى: الشَّمسُ فوق رؤوسِ النَّاس يومَ القيامة، فأعمالهم تُظِلُّهم أو تضحِيهم (٣). وفي " المسند " (٤) من حديث عُقبة بن عامرٍ مرفوعاً: «كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتّى يُفصَلَ بينَ الناسَ». قوله ﷺ : «ومن يسَّر على مُعسِرٍ، يسَّرَ الله عليه في الدُّنيا والآخرة». هذا أيضاً يدلُّ على أنَّ الإعسار قد يحصُل في الآخرة، وقد وصف الله يومَ القيامة بأنّه يومٌ عسير وأنّه على الكافرين غيرُ يسير، فدلَّ على أنَّه يسير على غيرهم، وقال: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً﴾ (٥). والتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إمّا بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجبٌ، كما قال تعالى: ﴿وَإنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٦)، وتارةً بالوضع عنه إن كان غريماً، وإلاّ فبإعطائه ما يزولُ به إعسارُه، وكلاهما له فضل عظيم.

стр. 731

وفي " الصحيحين " (١) عن أبي هُريرة عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كان تاجرٌ يُداينُ النَّاسَ، فإذا رأى معسراً، قال لصبيانه: تجاوزوا عنه، لعلَّ الله أنْ يتجاوزَ عنّا، فتجاوز الله عنه». وفيهما عن (٢) حُذيفة وأبي مسعود الأنصاري سمعا النَّبيِّ ﷺ يقول: «مات رجل فقيل له (٣)، فقال: كنتُ أبايعُ النَّاس، فأتجاوزُ عَن المُوسِر، وأُخَفِّفُ عنِ المُعسِرِ» وفي رواية، قال: كنتُ أُنظِرُ المعسِرَ، وأتجوَّزُ في السِّكَّة، أو قال: في النَّقد، فغُفِرَ له». وخرَّجه مسلم (٤) من حديث أبي مسعود عن النَّبيِّ ﷺ . وفي حديثه: «فقال الله: نحنُ أحقُّ بذلك منه، تجاوزوا عنه». وخرَّج أيضاً (٥) من حديث أبي قتادةَ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من سرَّه أن يُنجيَه الله مِنْ كُرَب يومِ القيامة، فلينفس عن مُعسرٍ، أو يضعْ عنه». وخرَّج أيضاً (٦) من حديث أبي اليَسَر، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظلُّه». وفي " المسند " (٧) عن ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أراد أنْ تُستجاب دعوته، وتُكشفَ كُربَتُه، فليفرِّجْ عن مُعسِرٍ». وقوله ﷺ : «ومن سَتَرَ مُسلماً، ستره الله في الدُّنيا والآخرة». هذا مما تَكاثرتِ النُّصوص بمعناه. وخرَّج ابن ماجه (٨) من حديث ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من ستر عورةَ أخيه المسلم،

стр. 732

ستر الله عورته يومَ القيامة، ومن كشفَ عورة أخيه المسلم، كشف الله عورته حتّى يفضحه بها في بيته». وخرَّج الإمام أحمد (١) من حديث عقبة بن عامر سمع النَّبيَّ ﷺ ، يقول: «من ستر مؤمناً في الدنيا على عورةٍ، ستره الله يوم القيامة». وقد رويَ عن بعض السَّلف أنَّه قال: أدركتُ قوماً لم يكن لهم عيوبٌ، فذكروا عيوبَ الناس، فذكر الناسُ لهم عيوباً، وأدركتُ أقواماً كانت لهم عيوبٌ، فكفُّوا عن عُيوب الناس، فنُسِيَت عيوبهم (٢)، أو كما قال. وشاهد هذا حديث أبي بَرْزَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: «يا معشرَ من آمن بلسانه، ولم يدخُلِ الإيمانُ في قلبه، لا تغتابوا المسلمينَ، ولا تتبعُوا عوراتهم، فإنَّه منِ اتَّبَع عوراتهم، تتبَّع الله عورته، ومن تتبَّع الله عورته، يفضحه في بيته» خرَّجه الإمام أحمد وأبو داود (٣)، وخرَّج الترمذي (٤) معناه من حديث ابن عمر. واعلم أنَّ النَّاس على ضربين: أحدهما: من كان مستوراً لا يُعرف بشيءٍ مِنَ المعاصي، فإذا وقعت منه هفوةٌ، أو زلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفها، ولا هتكُها، ولا التَّحدُّث بها، لأنَّ ذلك غيبةٌ محرَّمة، وهذا هو الذي وردت فيه النُّصوصُ، وفي ذلك قد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ (٥). والمراد: إشاعةُ الفَاحِشَةِ على المؤمن المستتر فيما وقع منه، أو اتُّهِمَ به وهو بريء منه، كما في قصَّة الإفك. قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمرُ بالمعروف: اجتهد أن تستُرَ العُصَاةَ، فإنَّ ظهورَ معاصيهم عيبٌ في أهل الإسلام، وأولى الأمور ستر العيوب،

стр. 733

ومثل هذا لو جاء تائباً نادماً، وأقرَّ بحدٍّ، ولم يفسِّرْهُ، لم يُستفسر، بل يُؤمَر بأنْ يرجع ويستُر نفسه، كما أمر النَّبيُّ ﷺ ماعزاً والغامدية (١)، وكما لم يُستفسر الذي قال: «أصبتُ حدّاً، فأقمه عليَّ» (٢). ومثلُ هذا لو أخذَ بجريمته، ولم يبلغِ الإمامَ، فإنَّه يُشفع له حتّى لا يبلغ الإمام. وفي مثله جاء الحديثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم». خرَّجه أبو داود والنَّسائي مِن حديث عائشة (٣). والثاني: من كان مشتهراً بالمعاصي، معلناً بها لا يُبالي بما ارتكبَ منها، ولا بما قيل له فهذا هو الفاجرُ المُعلِنُ، وليس له غيبة، كما نصَّ على ذلك الحسنُ البصريُّ (٤) وغيره، ومثلُ هذا لا بأس بالبحث عن أمره، لِتُقامَ عليه الحدودُ. صرَّح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدلَّ بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «واغدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا، فإنِ اعترفت، فارجُمها» (٥). ومثلُ هذا لا يُشفَعُ له إذا أُخِذَ، ولو لم يبلغِ السُّلطان، بل يُترك حتّى يُقامَ عليه الحدُّ لينكفَّ شرُّه، ويرتدعَ به أمثالُه. قال مالك: من لم يُعْرَفْ منه أذى للناس، وإنَّما كانت منه زلَّةٌ، فلا بأس أنْ يُشفع له ما لم يبلغ الإمام، وأمَّا من عُرِفَ بشرٍّ أو فسادٍ، فلا أحبُّ أنْ يشفعَ له أحدٌ، ولكن يترك حتى يُقام عليه الحدُّ، حكاه ابن المنذر وغيره (٦).

стр. 734

وكره الإمام أحمد رفعَ الفسَّاق إلى السلطان بكلِّ حالٍ، وإنَّما كرهه؛ لأنَّهم غالباً لا يُقيمون الحدودَ على وجهها، ولهذا قال: إنْ علمتَ أنَّه يقيمُ عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنَّهم ضربوا رجلاً، فمات: يعني لم يكن قتلُه جائزاً. ولو تاب أحدٌ مِنَ الضَّرب الأوَّل، كان الأفضلُ له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويستر على نفسه. وأما الضربُ الثاني، فقيل: إنَّه كذلك، وقيل: بل الأولى له أنْ يأتيَ الإمامَ، ويقرَّ على نفسه بما يُوجِبُ الحدَّ حتى يطهِّرَه. قوله: «والله في عونِ العبد ما كان العبدُ في عون أخيه» وفي حديث ابن عمر: «ومن كان في حاجةِ أخيه، كان الله في حاجته». وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين والسادس والعشرين فضلُ قضاءِ الحوائجِ والسَّعي فيها. وخرَّج الطبراني (١) من حديث عمر مرفوعاً: «أفضلُ الأعمال إدخالُ السُّرور على المؤمن: كسوت عورته، أو أشبعت جَوْعَتُه، أو قضيت له حاجة». وبعث الحسنُ البصريُّ قوماً من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: مرُّوا بثابت البناني، فخذوه معكم، فأتوا ثابتاً، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش أما تعلم أنَّ مشيك في حاجةِ أخيك المسلم خير لك مِنْ حجة بعد حَجَّةٍ؟ فرجعوا إلى ثابتٍ، فترك اعتكافه، وذهب معهم (٢). وخرَّج الإمام أحمد (٣) من حديث ابنةٍ لخبَّاب بن الأرت (٤)، قالت: خرج خبَّاب في سريَّةٍ، فكان النَّبيُّ ﷺ يتعاهدُنا حتى يحلُب عنْزةً لنا في جَفْنَةٍ لنا، فتمتلئ حتّى تفيضَ، فلمَّا قدم خبَّابٌ حلبَها، فعادَ حِلابها إلى ما كان. وكان أبو بكر الصدِّيق ﵁ يحلبُ للحيِّ أغنامهم، فلمَّا استخلف، قالت

стр. 735

جاريةٌ منهم: الآن لا يحلُبُها، فقال أبو بكر: بلى وإني لأرجو أن لا يغيِّرني ما دخلتُ فيه عن شيءٍ كنتُ أفعلُه، أو كما قال (١). وإنَّما كانوا يقومون بالحِلاب؛ لأنَّ العربَ كانت لا تَحلُبُ النِّساءُ منهم، وكانوا يستقبحون ذلك، فكان الرجالُ إذا غابوا، احتاج النساءُ إلى من يحْلُبُ لهنَّ. وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال لقوم (٢): «لا تسقوني حَلَبَ امرأةٍ» (٣). وكان عمر يتعاهد الأرامل فيستقي لهنَّ الماءَ باللَّيل، ورآه طلحةُ بالليل يدخلُ بيتَ امرأةٍ، فدخلَ إليها طلحةُ نهاراً، فإذا هي عجوزٌ عمياءُ مقعدةٌ، فسألها: ما يصنعُ هذا الرَّجلُ عندك؟ قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يُصلِحُني، ويخرج عنِّي الأذى، فقال طلحة: ثكلتك أمُّكَ طلحةُ، عثراتِ عمر تتبع؟ (٤) وكان أبو وائل يطوفُ على نساء الحيِّ وعجائزهم كلَّ يوم، فيشتري لهنَّ حوائجهنّ وما يُصلِحُهُنَّ. وقال مجاهد: صحبتُ ابنَ عمر في السفر لأخدمه، فكان يخدُمُني (٥). وكان كثيرٌ من الصَّالِحين يشترطُ على أصحابه في السفر أنْ يخدُمَهم. وصحب رجلٌ قوماً في الجهاد، فاشترط عليهم أنْ يخدُمَهم، فكان إذا أرادَ أحدٌ منهم أنْ يغسل رأسه أو ثوبه، قال: هذا من شرطي، فيفعله، فمات فجرَّدوهُ للغسل، فرأَوا على يده مكتوباً: من أهل الجنَّة، فنظروا، فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم. وفي " الصحيحين " (٦) عن أنس، قال: كنَّا مع النَّبيِّ ﷺ في السَّفر، فمنَّا

стр. 736

الصّائم، ومنا المفطرُ، قال: فنَزلنا منْزلاً في يومٍ حارٍّ، أكثرنا ظلاًّ صاحبُ الكساءِ، ومنَّا من يتَّقي الشَّمسَ بيده، قال: فسقط الصُّوَّام، وقام المفطرون، وضربُوا الأبنية، وسَقوا الرِّكابَ، فقال رسول الله ﷺ : «ذهب المفطرونَ اليومَ بالأجرِ». ويُروى عن رجلٍ من أسلم أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِي بطعامٍ في بعض أسفاره، فأكل منه وأكل أصحابُهُ، وقبض الأسلميُّ يده، فقال له رسول الله ﷺ : «مالك؟» فقال: إنِّي صائمٌ، قال: «فما حملَك على ذلك؟» قال: معي ابناي يرحلان لي ويخدُماني، فقال: «مازال لهُمُ الفضلُ عليك بعدُ» (١). وفي " مراسيل أبي داود " (٢) عن أبي قِلابة أنَّ ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ قدِموا يُثنونَ على صاحبٍ لهم خيراً، قالوا: ما رأينا مثلَ فلانٍ قطُّ، ما كان في مسيرٍ إلاَّ كان في قراءةٍ، ولا نزلنا منْزلاً إلاَّ كان في صلاةٍ، قال: «فمن كان يكفيه ضيعته (٣)؟» حتى ذكر: «ومن كان يعلِف جمله أو دابَّته؟» قالوا: نحن، قال: «فكلُّكم خيرٌ منه». قوله ﷺ : «ومن سلك طريقاً يلتمسُ فيهِ علماً، سهَّل الله لهُ به طريقاً إلى الجنَّة»، وقد روى هذا المعنى أيضاً أبو الدرداء عن النَّبيِّ ﷺ (٤)، وسلوكُ الطَّريقِ لالتماس العلم يدخُلُ فيه سلوكُ الطَّريق الحقيقيِّ، وهو المشيُ بالأقدام إلى مجالسِ العلماء، ويدخلُ فيه سلوكُ الطُّرُق المعنويَّة المؤدِّية إلى حُصولِ العلمِ، مثل حفظه، ودارسته، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهُّم له، ونحو ذلك مِنَ الطُّرق المعنوية التي يُتوصَّل بها إلى العلم. وقوله: «سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنَّة»، قد يُراد بذلك أنَّ الله يسهِّلُ له العلمَ

стр. 737

الذي طلبَه، وسلك طريقه، وييسِّرُه عليه، فإنَّ العلمَ طريق موصلٌ إلى الجنَّة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١). وقال بعض السَّلف (٢): هل من طالبِ علمٍ فيعانَ عليه؟ وقد يُراد أيضاً: أنَّ الله يُيسِّرُ لطالب العلم إذا قصد بطلبه وجه الله الانتفاعَ به والعملَ بمقتضاه، فيكون سبباً لهدايته ولدخولِ الجنَّة بذلك. وقد يُيَسِّرُ الله لطالبِ العلم علوماً أُخَرَ ينتفع بها، وتكونُ موصلة إلى الجنَّة، كما قيل: من عَمِلَ بما عَلِمَ، أورثه الله علم ما لم يعلم (٣)، وكما قيل: ثوابُ الحسنة الحسنة بعدَها (٤)، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٦). وقد يدخل في ذلك أيضاً تسهيلُ طريق الجنَّة الحِسيِّ يومَ القيامة - وهو الصِّراط - وما قبله وما بعدَه من الأهوال، فييسر ذلك على طالب العلم للانتفاع به، فإنَّ العلم يدلُّ على الله مِنْ أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقَه، ولم يُعرِّجْ عنه، وصل إلى الله تعالى وإلى الجنَّةِ مِنْ أقرب الطُّرق وأسهلها فسَهُلَت عليه الطُّرُق الموصلةُ إلى الجنَّة كلها في الدنيا والآخرة، فلا طريقَ إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانه، والفوزِ بقربه، ومجاورته في الآخرة إلاَّ بالعلم النَّافع الذي بعثَ الله به رُسُلَه، وأنزل به كتبه، فهو الدَّليل عليه، وبه يُهتَدَى في ظُلماتِ الجهل والشُّبَهِ والشُّكوك، ولهذا سمّى الله كتابه نوراً؛ لأنّه يُهتَدَى به في الظُّلمات. قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٧).

стр. 738

ومثل النَّبيُّ ﷺ حَمَلَةَ العلم الذي جاء به بالنُّجوم التي يُهتدى بها في الظُّلمات، ففي " المسند " (١) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ مثلَ العُلَماءِ في الأرض كمثلِ النُّجوم في السَّماء، يُهتدى بها في ظُلُمات البرِّ والبحرِ، فإذا انطمست النُّجوم، أوشك أن تَضِلَّ الهُداة». وما دام العلمُ باقياً في الأرض، فالنَّاس في هُدى، وبقاءُ العلم بقاءُ حَمَلَتِهِ، فإذا ذهب حملتُه ومَنْ يقومُ به، وقع الناسُ في الضَّلال، كما في " الصحيحين " (٢) عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله لا يقبِضُ العلمَ انتزاعاً ينتزعُه مِنْ صُدورِ الناسِ، ولكن يقبضُه بقبض العُلماء، فإذا لم يَبقَ (٣) عالِمٌ، اتَّخذ الناسُ رؤساءَ جُهّالاً، فسئِلوا، فأفتَوا بِغيرِ عِلمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا». وذكر النَّبيُّ ﷺ يوماً رفع العلم، فقيل له: كيف يذهبُ العلم وقد قرأنا القرآن، وأقرأناه نساءنا وأبناءنا؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «هذه التَّوراة والإنجيلُ عندَ اليهود والنَّصارى، فماذا تُغني عنهم؟» فسئل عبادةُ بن الصَّامت عن هذا الحديث، فقال: لو شئت لأخبرتُك بأوَّلِ علمٍ يرفع مِنَ الناس: الخشوع (٤)، وإنَّما قال عُبادة هذا، لأنَّ العلم قسمان:

стр. 739

أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلبِ الإنسان، وهو العلمُ بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله المقتضي لخشيتِهِ، ومهابتِه، وإجلالِه، والخضوع له، ولمحبَّتِه، ورجائهِ، ودعائه، والتوكُّل عليه، ونحو ذلك، فهذا هو العلمُ النافع، كما قال ابنُ مسعود: إنَّ أقواماً يقرءون القرآن لا يُجاوُزِ تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب، فرسخ فيه، نفع (١). وقال الحسنُ: العلم علمان: علمٌ على اللسان، فذاك حُجَّة الله على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع (٢). والقسم الثاني: العلمُ الذي على اللِّسَانِ، وهو حجَّةُ الله كما في الحديث: «القرآن حجة لك أو عليك» (٣)، فأوَّلُ ما يُرفعُ مِنَ العلم، العلمُ النَّافع، وهو العلم الباطنُ الذي يُخالِطُ القلوبَ ويُصلحها، ويبقى علمُ اللِّسان حجَّةً، فيتهاونُ الناسُ به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملتُه ولا غيرهم، ثم يذهبُ هذا العلم بذهاب حَمَلتِه، فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف، وليس ثَمَّ من يعلمُ معانيه، ولا حدوده، ولا أحكامه، ثمَّ يسرى به في آخر الزمان، فلا يبقى في المصاحف ولا في القُلوب منه شيءٌ بالكلِّيَّةِ، وبعد ذلك تقومُ السَّاعة، كما قال ﷺ : «لا تقومُ السَّاعة إلاَّ على شرارِ الناس» (٤)، وقال: «لا تقومُ الساعةُ (٥) وفي الأرض أحدٌ يقول: الله الله» (٦).

стр. 740

قوله ﷺ : «وما جلس قومٌ في بيتٍ من بيوتِ الله، يتلونَ كتابَ الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهمُ السَّكينةُ، وغشيتهُم الرَّحمة، وحفَّتهم الملائكةُ، وذكرهمُ اللهُ فيمن عنده» (١). هذا يدلُّ على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته. وهذا إن حُمِل على تعلم القرآن وتعليمه، فلا خلاف في استحبابه، وفي " صحيح البخاري " (٢) عن عثمان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه». قال أبو عبد الرحمان السلمي: فذاك الذي أقعدني مقعدي هذا، وكان قد علم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجَّاجَ بن يوسف. وإن حمل على ما هو أعمُّ مِنْ ذلك، دخل فيه الاجتماعُ في المساجد على دراسة القرآن مطلقاً، وقد كان النَّبيُّ ﷺ أحياناً يأمرُ مَنْ يقرأ القرآن ليستمع قراءته، كما أمر ابن مسعود أنْ يقرأ عليه، وقال: «إنِّي أُحِبُّ أن أسمعَهُ مِنْ غيري» (٣) وكان عمرُ يأمرُ من يقرأُ عليه وعلى أصحابه وهم يسمعون، فتارةً يأمرُ أبا موسى، وتارةً يأمرُ عُقبةَ بن عامر. وسئل ابن عباس: أيُّ العمل أفضل؟ قال: ذكرُ الله، وما جلس قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتعاطَوْنَ فيه كتابَ الله فيما بينهم ويتدارسونه، إلاَّ أظلَّتهم الملائكة بأجنحتها، وكانوا أضياف الله ما داموا على ذلك حتَّى يُفيضوا في حديثٍ غيره (٤). ورُوي مرفوعاً والموقوف أصحُّ. وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صلَّوُا الغداة، قعدوا حِلَقاً حِلَقاً، يقرؤون القرآنَ، ويتعلَّمونَ الفرائضَ والسُّنَنَ، ويذكرون الله (٥). وروى عطية عن أبي سعيد الخدري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ما مِنْ قومٍ صلَّوا صلاةَ الغداةِ، ثم قعدُوا في مُصلاَّهم، يتعاطَونَ كتابَ الله، ويتدارسونه، إلاَّ وكَّلَ الله

стр. 741

بهم ملائكةً يستغفرُون لهم حتّى يخوضوا في حديثٍ غيره» (١) وهذا يدلُّ على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن، ولكن عطية فيه ضعف (٢). وقد روى حربٌ الكرمانيُّ بإسناده عن الأوزاعيِّ أنَّه سُئِلَ عن الدِّراسة بعدَ صلاة الصُّبح، فقال: أخبرني حسَّانُ بن عطيَّة أنَّ أوَّلَ من أحدَثها في مسجد دمشقَ هشامُ بن إسماعيل المخزوميُّ في خلافة عبد الملك بن مروان، فأخذ النّاسُ بذلك. وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بنِ سليمان: أنَّهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت والأوزاعي في المسجد لا يُغّيِّرُ عليهم. وذكر حربٌ أنَّه رأى أهلَ دمشق، وأهلَ حمص، وأهلَ مكة، وأهل البصرة يجتمعون على القراءة بعدَ صلاة الصُّبح، لكن أهل الشام يقرءون القرآن كُلهم جملةً مِنْ سورةٍ واحدةٍ بأصواتٍ عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون، فيقرأ أحدُهم عشرَ آياتٍ، والنَّاسُ يُنصِتون، ثمَّ يقرأُ آخرُ عشراً، حتَّى يفرغوا. قال حرب: وكلُّ ذلك حسنٌ جميلٌ. وقد أنكر ذلك مالكٌ على أهل الشام. قال زيدُ بنُ عبيدٍ الدِّمشقيُّ: قال لي مالكُ بنُ أنسٍ: بلغني أنَّكم تجلِسونَ حِلَقاً تقرؤون، فأخبرتُه بما كان يفعلُ أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرِفُ هذا، قال: فقلت: هذا طريف؟ قال: وطريفٌ رجل يقرأ ويجتمعُ الناس حوله، فقال: هذا عن غير رأينا. قال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفروي: سمعنا مالكَ بن أنسٍ يقول: الاجتماعُ بكرة بعدَ صلاة الفجر لقراءة القرآن بدعةٌ، ما كان أصحابُ رسول الله ﷺ ، ولا العلماء بعدَهم على هذا، كانوا إذا صلَّوا يَخْلو كلٌّ بنفسه، ويقرأ، ويذكرُ الله ، ثم ينصرفون من غير أن يُكلِّم بعضهم بعضاً، اشتغالاً بذكرِ الله، فهذه كلُّها محدثة.

стр. 742

وقال ابن وهب: سمعت مالكاً يقول: لم تكن القراءةُ في المسجد من أمرِ النَّاسِ القديم، وأوَّلُ من أحدثَ ذلك في المسجد الحجاجُ بن يوسف، قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف. وقد روى هذا كلَّه أبو بكر النَّيسابوري في كتاب " مناقب مالك ﵀ ". واستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجُملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذِّكر، والقرآن أفضلُ أنواع الذكر، ففي " الصحيحين " (١) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ لله ملائكةً يطوفونَ في الطُّرق، يلتمِسُون أهلَ الذِّكر، فإذا وجدُوا قوماً يذكرون الله ، تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم، فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السَّماء الدُّنيا، فيسألهُم ربُّهم - وهو أعلمُ بهم -: ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبِّحُونَك، ويكبِّرونك، ويحمَدُونك، ويمجِّدونَك، فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله ما رأوْكَ، فيقول: كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رأوك، كانوا أشدَّ لك عبادة، وأشدَّ لكَ تمجيداً وتحميداً، وأكثر لك تسبيحاً، فيقول: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنَّة، فيقول: وهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربِّ، ما رأوها، فيقول: كيف لو أنَّهم رأوها؟ فيقولون: لو أنَّهم رأوها، كانوا أشدَّ عليه حرصاً وأشدَّ لها طلباً، وأشدّ فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذونَ؟ فيقولون: من النَّار، قال: يقول: فهل رأوها؟ فيقولون: لا والله يا ربِّ ما رأوها، فيقول: كيف لو رأوها؟ فيقولون: لو أنَّهم رأوها، كانوا أشدَّ منها فراراً، وأشدّ لها مخافةً، فيقول الله تعالى: أُشهِدُكم أنِّي قد غفرتُ لهم، فيقول ملك من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لحاجته، قال: هُمُ الجلساءُ لا يشقى بهم جليسهم». وفي " صحيح مسلم " (٢) عن مُعاوية: أنَّ رسول الله ﷺ خرج على حلقةٍ من أصحابه، فقال: «ما يُجلسكُم»؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ، ونحمَدُه لما

стр. 743

هدانا للإسلام، ومنَّ علينا به، فقال: «آللهِ ما أجلسكم إلاّ ذلك؟» قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك، قال: «أما أنِّي لم أستحلِفْكُم لتهمةٍ لكم، إنَّه أتاني جبريل، فأخبرني أنَّ الله تعالى يُباهي بكم الملائكة». وخرَّج الحاكم (١) من حديث معاوية، قال: كنتُ مع النَّبيِّ ﷺ يوماً، فدخل المسجدَ، فإذا هو بقومٍ في المسجد قعود، فقال النَّبيُّ ﷺ : «ما أقعدكم؟» فقالوا: صلَّينا الصَّلاةَ المكتوبةَ، ثم قعدنا نتذاكرُ كتاب الله وسنَّة نبيِّه ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله إذا ذكر شيئاً تعاظم ذكرُه». وفي المعنى أحاديث أُخَرُ متعددة (٢). وقد أخبر ﷺ أنَّ جزاءَ الذين يجلسونَ في بيت الله يتدارسون كتابَ الله أربعة أشياء: أحدها: تَنْزل السكينة عليهم، وفي " الصحيحين " (٣) عن البراء بن عازب، قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف وعنده فرسٌ، فتغشَّته سحابةٌ، فجعلت تدورُ وتدنُو، وجعل فرسه يَنفِرُ منها، فلمَّا أصبح، أتى النَّبيَّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: «تلك السَّكينة تنَزَّلت للقرآن». وفيهما أيضاً (٤) عن أبي سعيدٍ أنَّ أُسيدَ بنَ حُضيرٍ بينما هو ليلةً يقرأ في مِربَدِه (٥)، إذ جالت فرسُه، فقرأ، ثم جالت أخرى، فقرأ، ثم جالت أيضاً، فقال أُسيدٌ: فخشيتُ أنْ تطأ يحيى - يعني ابنَه - قال: فقمتُ إليها، فإذا مثلُ الظُّلَّةِ فوق رأسي فيها أمثالُ السُّرُجِ عرجت

стр. 744

في الجوِّ حتَّى ما أراها، قال: فغدا على النَّبيِّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال ﷺ : «تلك الملائكةُ كانت تستَمعُ لك، ولو قرأت، لأصبحَتْ يراها الناس ما تستتر منهم» واللفظ لمسلم فيهما. وروى ابن المبارك (١)، عن يحيى بن أيوبَ، عن عُبيد الله بنِ زَحْرٍ، عن سعد ابن مسعود أنّ رسول الله ﷺ كان في مجلسٍ، فرفعَ بصرَه إلى السَّماء، ثمَّ طأطأ بصرَه، ثمَّ رفعه، فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: «إن هؤلاء القوم كانوا يذكُرون الله تعالى - يعني: أهلَ مجلسٍ أمامَه - فنزلت عليهمُ السَّكينةُ تحملها الملائكةُ كالقُبَّةِ، فلمَّا دنت منهم تكلَّم رجلٌ منهم بباطلٍ، فرُفِعَت عنهم» وهذا مرسل (٢). والثاني: غِشيانُ الرَّحمة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣). وخرَّج الحاكم (٤) من حديث سلمان أنَّه كان في عِصابةٍ يذكرون الله تعالى، فمرَّ بهم رسولُ الله ﷺ ، فقال: «ما كنتم تقولون؟ فإنِّي رأيتُ الرَّحمةَ تنزِلُ عليكم، فأردت أن أشارِكَكُم فيها». وخرَّج البزارُ (٥) من حديث أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ لله سيَّارةً مِنَ الملائكة، يطلبون حِلَق الذِّكر، فإذا أتوا عليهم حَفُّوا بهم، ثم بعثوا رائدَهم إلى السماء إلى ربِّ العزّة ﵎ فيقولون: ربَّنا أتينا على عبادٍ من عبادِكَ يُعظِّمون آلاءك، ويتلونَ كتابَك، ويصلُّون على نبيِّك، ويسألونَك لآخرتهم ودنياهم، فيقول ﵎: غشوهم برحمتي، فيقولون: ربَّنا، إنَّ فيهم فلاناً الخطّاء، إنَّما اعتنقهُمُ اعتناقاً، فيقول تعالى: غشوهم برحمتي، فهم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم.

стр. 745

والثالث: أنَّ الملائكة تحفُّ بهم، وهذا مذكورٌ في هذه الأحاديث التي ذكرناها، وفي حديث أبي هريرة المتقدّم: «فيحفُّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا». وفي رواية للإمام أحمد (١): «علا بعضُهم على بعض حتَّى يبلغوا العرش». وقال خالدُ بنُ معدان (٢)، يرفعُ الحديث: «إنَّ لله ملائكةً في الهواء، يَسيحون بين السماءِ والأرض، يلتمسون الذِّكرَ، فإذا سمعوا قوماً يذكرون الله تعالى، قالوا: رويداً زادكم الله، فينشرون أجنحتَهم حولَهم حتَّى يصعَدَ كلامُهم إلى العرش». خرَّجه الخلال في كتاب " السنة ". الرابع: أنَّ الله يذكرُهم فيمن عنده، وفي " الصحيحين " (٣) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يقولُ الله : أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرُني، فإنْ ذكرني في نفسِه، ذكرتُه في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خيرٍ منهم». وهذه الخصال الأربعُ لكلِّ مجتمعين على ذكر الله تعالى، كما في " صحيح مسلم " (٤) عن أبي هريرة وأبي سعيد، كلاهما عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ لأهلِ ذكرِ الله تعالى أربعاً: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عنده». وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوْنِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (٥) وذكر الله لعبده: هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته ومباهاتهم به وتنويهه بذكره. قال الربيعُ بنُ أنس: إنَّ الله ذاكرٌ مَنْ ذكرهُ، وزائدٌ مَنْ شكره، ومعذِّبٌ من كفره (٦)، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٧)، وصلاةُ الله على عبده: هي ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويههُ بذكره، كذا قال أبو العالية، ذكره البخاري في " صحيحه " (٨).

стр. 746

وقال رجلٌ لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كأنَّ الملائكة تُصلِّي عليك، كلَّما دخلتَ، وكلما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم، صلَّت عليكمُ الملائكةُ، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ﴾ خرَّجه الحاكم (١). قوله ﷺ : «ومن بطَّأ به عملُه، لم يُسرِعْ به نسبه»: معناه أنَّ العمل هو الذي يبلُغ بالعبدِ درجاتِ الآخرة، كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (٢)، فمن أبطأ به عمله أنْ يبلُغَ به المنازلَ العالية عند الله تعالى، لم يُسرِعْ به نسبه، فيبلغه تلكَ الدَّرجاتِ، فإنَّ الله تعالى رتَّبَ الجزاءَ على الأعمال، لا على الأنساب، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءلُونَ﴾ (٣)، وقد أمر الله تعالى بالمسارعة إلى مغفرته ورحمته بالأعمال، كما قال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (٤) الآيتين، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (٥). قال ابن مسعود: يأمر الله بالصراط، فيضرب على جهنَّم، فيمرُّ النَّاسُ على قدر أعمالهم زُمَراً زُمراً، أوائلُهم كلمح البرقِ، ثمَّ كمرِّ الرِّيحِ، ثمَّ كمرِّ الطَّير، ثمَّ كمرِّ البهائمِ، حتَّى يمرَّ الرَّجُلُ سعياً، وحتّى يمرَّ الرَّجلُ مشياً، حتَّى يمرَّ آخرُهم يتلبَّط على بطنِه، فيقول: يا ربِّ، لم بطَّأتَ بي؟ فيقول: إنِّي لم أبطِّئ بك، إنَّما بطَّأ بكَ عملُك (٦). وفي " الصحيحين " (٧) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ حين أُنزِلَ عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيْرَتَكَ الأَقْرَبِيْنَ﴾ (٨): «يا معشر قريش،

стр. 747

اشترُوا أنفسَكم من اللهِ، لا أُغني عنكم من اللهِ شيئاً، يا بني عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئاً، يا فاطمة بنت محمد، سليني ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئاً». وفي رواية خارج " الصحيحين ": «إنَّ أوليائي منكمُ المتَّقون لا يأتي الناسُ بالأعمال، وتأتُوني بالدُّنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون: يا محمَّدُ، فأقول: قد بلَّغتُ» (١). وخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ أوليائي المتقونَ يومَ القيامة، وإنْ كان نسبٌ أقربَ مِنْ نسبٍ، يأتي الناس بالأعمال وتأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم تقولون: يا محمدُ، يا محمدُ، فأقول هكذا وهكذا» وأعرض في كلا عِطفَيهِ (٢). وخرَّج البزارُ (٣) من حديث رفاعة بنِ رافع: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لعمرَ: «اجمع لي قومك يعني: قريشاً، فجمعهم، فقال: «إنَّ أوليائي منكم المتَّقون، فإن كنتُم أولئك، فذاك، وإلاَّ، فانظروا، لا يأتي الناسُ بالأعمال يومَ القيامة وتأتون بالأثقالِ، فيُعْرَضَ عنكم». وخرَّجه الحاكم (٤) مختصراً وصححه. وفي " المسند " (٥) عن معاذ بن جبل: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا بعثه إلى اليمن، خرج معه يُوصيه، ثمّ التفت، فأقبل بوجهه إلى المدينة، فقال: «إنَّ أولى الناس بي المتَّقونَ مَنْ كانُوا، وحيث كانوا».

стр. 748

وخرَّجه الطبراني، وزاد فيه: «إنَّ أهلَ بيتي هؤلاء يرونَ أنَّهم أولى الناس بي، وليس كذلك، إنَّ أوليائي منكم المتَّقونَ، من كانوا وحيث كانوا». ويشهد لهذا كلِّه ما في " الصحيحين " (١) عن عمرو بن العاص، أنَّه سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إنَّ آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء، وإنّما وليِّيَ الله وصالح المؤمنين» يشير إلى أنَّ ولايته لا تُنال بالنَّسب، وإنْ قَرُبَ، وإنَّما تُنالُ بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيماناً وعملاً، فهو أعظمُ ولاية له، سواءٌ كانَ له منه نسبٌ قريب، أو لم يكن، وفي هذا المعنى يقولُ بعضهم: لَعَمْرُكَ ما الإنسانُ إلاَّ بِدينِهِ … فَلا تَتْرُكِ التَّقوى اتَّكالاً على النسب لَقد رَفَعَ الإسلامُ سَلمَانَ فَارِسٍ … وقَد وَضَعَ الشِّركُ الشقيَّ أبَا لَهب (٢)

стр. 749

الحديث السابع والثلاثون عَنِ ابنِ عَبَّاسَ ﵄ عَنْ رَسولِ الله ﷺ فِيمَا يَروي عَنْ رَبِّهِ ﵎ قَالَ: «إنَّ الله كَتَبَ الحَسَناتِ والسيِّئاتِ، ثمَّ بَيَّنَ ذلك، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْها، كَتَبها الله عِنْدَهُ حَسنَةً كَامِلةً، وإن هَمَّ بِها فَعَمِلَها، كَتَبَها الله عَنْدَهُ عَشْرَ حَسناتٍ إلى سبع مئة ضِعْفٍ إلى أضعاف كَثيرةٍ، وإنْ هَمَّ بسيِّئة، فلمْ يَعْمَلها، كَتَبَها عِنْدَهُ حَسنةً كَامِلةً، وإنْ هَمَّ بِهَا، فعَمِلَها كَتَبَها الله سيِّئة واحِدَةً». رَواهُ البُخارِيُّ ومُسلمٌ. هذا الحديث خرَّجاه (١) من رواية الجعد أبي عثمان: حدَّثنا أبو رجاءٍ العُطاردي، عن ابنِ عبَّاس. وفي رواية لمسلم (٢) زيادةٌ في آخر الحديث، وهي: «أو محاها الله، ولا يَهلِكُ على الله إلاَّ هالكٌ». وفي هذا المعنى أحاديثُ متعددة، فخرجا في " الصحيحين " من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يقولُ الله: إذا أراد عبدي أنْ يعملَ سيِّئة، فلا تكتُبوها عليه حتَّى يعملها، فإنْ عملَها، فاكتبوها بمثلِها، وإنْ تركها مِنْ أجلي، فاكتبوها له حسنةً، وإذا أراد أنْ يعملَ حسنةً، فلم يعمَلْها، فاكتبوها له حسنةً، فإن عملَها، فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ» وهذا لفظ البخاري (٣)، وفي رواية لمسلم (٤): «قال الله : إذا تحدَّثَ عبدي بأنْ يعملَ حسنةً، فأنا أكتُبها له حسنةً ما لم يعمل، فإذا عملَها، فأنا أكتُبها بعشرِ أمثالها، وإذا تحدَّث بأنْ يعملَ سيِّئة، فأنا أغفِرُها له ما لم يعملْهَا، فإذا عملها، فأنا أكتُبها له بمثلها». وقال رسول الله ﷺ : «قالتِ الملائكةُ: ربِّ ذاك عبدُك يريدُ أنْ يعملَ سيِّئة - وهو أبصرُ به -

стр. 750

قال: ارقبوه، فإنْ عملَها، فاكتبوها له بمثلها، وإنْ تركها، فاكتبوها له حسنةً، إنَّما تركها من جرَّايَ». قال رسول الله ﷺ : «إذا أحسنَ أحدُكم إسلامه، فكلُّ حسنةٍ يعملها تُكتبُ بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، وكلُّ سيِّئة يعملُها تُكتَبُ بمثلها حتَّى يلقى الله». وفي " الصحيحين " (١) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ يُضاعَف: الحسنةُ عشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف، قال الله : إلاَّ الصِّيام، فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يدعُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه مِنْ أجلي»، وفي رواية بعد قوله: «إلى سبع مئة ضعف»: «إلى ما يشاء الله». وفي " صحيح مسلم " (٢) عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يقولُ الله: مَنْ عمل حسنةً، فله عشرُ أمثالها أو أَزِيدُ، ومن عمل سيِّئة، فجزاؤها مِثلُها أو أغفرُ». وفيه أيضاً (٣) عن أنس، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من همَّ بحسنةٍ، فلم يعْمَلها، كُتِبَت له حسنةً، فإنْ عَمِلَها، كتبت له عشراً، ومن هَمَّ بسيِّئة، فلم يعملها لم يُكتب عليه شيءٌ، فإنْ عَمِلَها، كُتِبَت عليه سيِّئة واحدةً». وفي " المسند " (٤) عن خُرَيْمِ بن فاتكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من همَّ بحسنة، فلم يعملها، فعلم الله أنَّه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها، كُتِبَت له حسنة، ومن همَّ بسيِّئة لم تُكتب عليه، ومن عَمِلَها كتبت له واحدة، ولم تُضاعَف عليه، ومن عَمِلَ حسنة كانت له بعشر أمثالها، ومن أنفقَ نفقة في سبيلِ الله، كانت له بسبع مئة ضعف». وفي المعنى أحاديث أخر متعددة. فتضمنت هذه النُّصوص كتابةَ الحسنات، والسيِّئات، والهمّ بالحسنةِ والسيِّئة، فهذه أربعة أنواع:

стр. 751

النوع الأول: عملُ الحسنات، فتضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرةٍ، فمُضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازمٌ لكلِّ الحسنات، وقد دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (١). وأما زيادةُ المضاعفةِ على العشر لمن شاء الله أن يُضاعف له، فدلَّ عليه قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢)، فدلَّت هذه الآيةُ على أنّ النَّفقة في سبيل الله تُضاعف بسبع مئة ضعف. وفي " صحيح مسلم " (٣) عن أبي مسعود، قال: جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ، فقال: يا رسول الله، هذه في سبيل الله، فقال: «لك بها يوم القيامة سبع مئة ناقة». وفي " المسند " (٤) بإسنادٍ فيه نظر عن أبي عُبيدة بن الجرّاح، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أنفق نفقةً فاضلةً في سبيل الله فبسبع مئةٍ، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عادَ مريضاً، أو مازَ أذى، فالحسنةُ بعشرِ أمثالها». وخرَّج أبو داود (٥) من حديث سهل بنِ معاذٍ عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الصَّلاة، والصِّيام، والذِّكرَ يُضاعف على النَّفقة في سبيل الله بسبع مئة ضعف». وروى ابنُ أبي حاتم (٦) بإسناده عن الحسن، عن عمران بنِ حُصين عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أرسل نفقةً في سبيلِ الله، وأقام في بيته، فله بكلِّ درهم سبع مئة درهم، ومن غزا بنفسه في سبيل الله، فلهُ بكلِّ درهم سبع مئة ألف درهم» ثم تلا هذه الآية: ﴿واللهُ يُضاعِفُ لِمَن يَشاءُ﴾ (٧). وخرَّج ابن حبان في " صحيحه " (٨) من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن

стр. 752

ابن عمر، قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ (١)، قال رسولُ الله ﷺ : «ربِّ زد أمتي»، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً﴾ (٢)، فقال: «ربِّ زدْ أمَّتي»، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٣). وخرَّج الإمامُ أحمد (٤) من حديث عليِّ بن زيد بن جُدعان، عن أبي عُثمان النَّهديِّ، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله ليُضاعِفُ الحسنةَ ألفي ألفِ حسنةٍ» ثم تلا أبو هريرة: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٥). وقال: «إذا قال الله أجراً عظيماً، فمن يقدر قدره؟» وروي عن أبي هريرة موقوفاً (٦). وخرَّج الترمذي (٧) من حديث ابن عمر مرفوعاً: «من دخل السُّوقَ، فقال: لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك، وله الحمدُ، يُحيي ويُميتُ، وهو حيٌّ لا يموت، بيدِه الخيرُ، وهو علي كلِّ شيءٍ قديرٌ، كتب اللهُ له ألفَ ألفِ حسنةٍ، ومحا عنه ألفَ ألفِ سيِّئة، ورفع له ألفَ ألفِ درجةٍ». ومن حديث تميم الداري (٨) مرفوعاً: «من قال: أشهدُ أن لا إله إلاّ الله وحدَه لا شريكَ له، إلهاً واحداً أحداً صمداً، لم يتَّخِذْ صاحبةً ولا ولداً، ولم يكن له كفواً أحد عشرَ مرات، كتبَ الله له أربعين ألفَ ألف حسنةٍ»، وفي كلا الإسنادين ضعف. وخرّج الطبراني (٩) بإسنادٍ ضعيفٍ عن ابنِ عمر مرفوعاً: «من

стр. 753

قال: سبحان الله، كتب الله مئة ألف حسنة، وأربعة وعشرين ألف حسنة». وقوله في حديث أبي هريرة: «إلاَّ الصيام، فإنّه لي، وأنا أجزي به» (١) يدلُّ على أنَّ الصِّيام لا يَعلمُ قدر مضاعفة ثوابه إلا الله لأنّه أفضلُ أنواع الصَّبر، و ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢)، وقد رُويَ هذا المعنى عن طائفةٍ مِنَ السَّلف، منهم كعبٌ (٣) وغيره، وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث: «من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه» (٤) أنَّ مضاعفة الحسنات زيادةً على العشرِ تكونُ بحسبِ حُسنِ الإسلام، كما جاء ذلك مصرَّحاً به في حديث أبي هريرة وغيره، وتكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضلِ ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه. وذكرنا من حديث ابن عمر (٥) أنّ قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٦) نزلت في الأعراب، وأن قوله: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٧) نزلت في المهاجرين. النوع الثاني: عمل السيِّئات، فتكتب السيِّئةُ بمثلها مِنْ غير مضاعفةٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٨). وقوله: «كتبت له سيِّئة واحدة» إشارةٌ إلى أنّها غيرُ مضاعفة، ما صرَّح به في حديث آخر، لكن السَّيِّئة تعظُمُ أحياناً بشرف الزَّمان، أو المكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (٩). قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية: ﴿فَلا تَظلِموا فِيهِنَّ أنفُسَكُم﴾ (١٠): في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ من ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ حرماً، وعظم حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعمل الصالح والأجر أعظم (١١).

стр. 754

وقال قتادة (١) في هذه الآية: اعلموا أنَّ الظلمَ في الأشهر الحُرُمِ أعظمُ خطيئةً ووزْراً فيما سوى ذلك، وإن كان الظُّلمُ في كلِّ حالٍ غيرَ طائل، ولكنَّ الله تعالى يُعظِّم من أمره ما يشاء تعالى ربنا. وقد روي في حديثين (٢) مرفوعين أنَّ السيِّئاتِ تُضاعَفُ في رمضان، ولكن إسنادهما لا يصحُّ. وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٣). قال ابن عمر (٤): الفسوق: ما أُصيبَ مِنْ معاصي الله صيداً كان أو غيره، وعنه قال: الفسوق إتيان معاصي الله في الحرم. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥). وكان جماعة من الصحابة يتَّقونَ سُكنى الحرم، خَشيةَ ارتكابِ الذُّنوب فيه منهم: ابنُ عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وكذلك كان عمر بن عبد العزيز يفعل، وكان عبد الله بن عمرو بن العاص يقول: الخطيئةُ فيه أعظم (٦). ورُوي عن عمر بن الخطاب، قال: لأَنْ أُخطئ سبعينَ خطيئةً - يعني: بغيرِ مَكَّةَ - أحبُّ إليَّ مِنْ أن أُخطئ خطيئة واحدةً بمكة (٧). وعن مجاهد قال: تُضاعف السيِّئات بمكة كما تُضاعف الحسنات (٨). وقال ابن جريج: بلغني أن الخطيئة بمكة بمئة خطيئة، والحسنة على نحو ذلك. وقال إسحاق بن منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيءٍ من الحديث أنّ السيِّئة تُكتب بأكثرَ مِنْ واحدة؟ قال: لا، ما سمعنا إلاَّ بمكَّة لِتعظيم البلد «ولو أنَّ رجلاً بعدن أبين همَّ» (٩). وقال إسحاق بن راهويه كما قال أحمد، وقوله: ولو أنَّ رجلاً

стр. 755

بعدن أبين همَّ هوَ من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد إن شاء الله تعالى. وقد تُضاعَفُ السيِّئاتُ بشرف فاعلها، وقوَّة معرفته بالله، وقُربِه منه، فإنَّ مَنْ عَصى السُّلطان على بِساطِه أعظمُ جُرماً (١) مِمَّن عصاه على بُعد، ولهذا توعَّد الله خاصَّةَ عباده على المعصية بمضاعَفةِ الجزاء، وإن كان قد عصمَهم منها، ليبيِّنَ لهم فضله عليهم بِعصمَتهم مِنْ ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ للهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ (٣). وكان عليُّ بن الحسين يتأوَّل في آل النَّبيِّ ﷺ من بني هاشم مثل ذلك لقربهم من النَّبيِّ ﷺ . النوع الثالث: الهمُّ بالحسنات، فتكتب حسنة كاملة، وإنْ لم يعملها، كما في حديث ابن عباس وغيره، وفي حديث أبي هريرة الذي خرَّجه مسلمٌ (٤) كما تقدم: «إذا تحدَّث عبدي بأن يعملَ حسنةً، فأنا أكتُبها له حسنةً»، والظَّاهِرُ أن المرادَ بالتَّحدُّث: حديث النفس، وهو الهمُّ، وفي حديث خريم بن فاتك: «مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها» فعَلِمَ الله أنَّه قد أشعرها قلبَه، وحَرَصَ عليها، كتبت له حسنة، وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالهمِّ هنا: هو العزمُ المصمّم الذي يُوجَدُ معه الحرصُ على العمل، لا مجرَّدُ الخَطْرَةِ التي تخطر، ثم تنفسِخُ من غير عزمٍ ولا تصميم. قال أبو الدرداء: من أتى فراشه، وهو ينوي أن يُصلِّي مِن اللَّيل، فغلبته عيناه حتّى يصبحَ، كتب له ما نوى. وروي عنه مرفوعاً (٥)،

стр. 756

وخرَّجه ابن ماجه (١) مرفوعاً. قال الدارقطني (٢): المحفوظ الموقوف، وروي معناه من حديث عائشة، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). وروي عن سعيد بن المسيب، قال: من همَّ بصلاةٍ، أو صيام، أو حجٍّ، أو عمرة، أو غزو، فحِيلَ بينه وبينَ ذلك، بلَّغه الله تعالى ما نوى. وقال أبو عِمران الجونيُّ (٤): يُنادى المَلَكُ: اكتب لفلان كذا وكذا، فيقولُ: يا ربِّ، إنَّه لم يعملْهُ، فيقول: إنَّه نواه. وقال زيدُ بن أسلم: كان رجلٌ يطوفُ على العلماء، يقول: من يدلُّني على عملٍ لا أزال منه لله عاملاً، فإنِّي لا أُحبُّ أنْ تأتيَ عليَّ ساعةٌ مِنَ الليلِ والنَّهارِ إلاَّ وأنا عاملٌ لله تعالى، فقيل له: قد وجدت حاجتَكَ، فاعمل الخيرَ ما استطعتَ، فإذا فترْتَ، أو تركته فهمَّ بعمله، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله. ومتى اقترن بالنيَّة قولٌ أو سعيٌ، تأكَّدَ الجزاءُ، والتحقَ صاحبُه بالعامل، كما روى أبو كبشة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّما الدُّنيا لأربعةِ نفرٍ: عبدٍ رَزَقَهُ الله مالاً وعلماً، فهو يتَّقي فيه ربَّه، ويَصِلُ به رَحِمَه، ويعلمُ لله فيه حقاً، فهذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علماً، ولم يرزقه مالاً، فهو صادِقُ النِّيَّة، يقول: لو أنَّ لي مالاً، لعمِلْتُ بعملِ فلانٍ، فهو بنيتِه، فأجرُهُما سواءٌ، وعبدٍ رزقه الله مالاً، ولم يرزُقه علماً يَخبِطُ في ماله بغير علمٍ، لا يتَّقي فيه ربّه، ولا يَصِلُ فيه رحِمهُ، ولا يعلمُ لله فيه حقاً، فهذا بأخبثِ المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالاً ولا علماً، فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً، لعَمِلتُ فيه بعمل فلانٍ فهو بنيته فوِزْرُهما سواءٌ» خرَّجه الإمام أحمد والترمذى وهذا لفظُهُ، وابن ماجه (٥).

стр. 757

وقد حمل قوله: «فهما في الأجر سواءٌ» على استوائهما في أصلِ أجرِ العمل، دون مضاعفته، فالمضاعفةُ يختصُّ بها من عَمِلَ العمل دونَ من نواه فلم يعمله، فإنَّهما لو استويا مِنْ كلِّ وجه، لكُتِبَ لمن همَّ بحسنةٍ ولم يعملها عشرُ حسناتٍ، وهو خلافُ النُّصوصِ كلِّها، ويدلُّ على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ (١). قال ابن عباس (٢) وغيره (٣): القاعدون المفضَّلُ عليهم المجاهدون درجة همُ القاعدون من أهلِ الأعذار، والقاعدون المفضَّل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدون من غير أهل الأعذار. النوع الرابع: الهمُّ بالسَّيِّئات من غير عملٍ لها، ففي حديث ابن عباس: أنَّها تُكتب حسنةً كاملةً، وكذلك في حديث أبي هريرة وأنس وغيرهما (٤): أنَّها تُكتَبُ حسنةً، وفي حديث أبي هريرة قال: «إنَّما تركها مِن جرَّاي» يعني: من أجلي. وهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ مَنْ قَدَرَ على ما همَّ به مِنَ المعصية، فتركه لله تعالى، وهذا لا رَيبَ في أنَّه يُكتَبُ له بذلك حسنة؛ لأنَّ تركه للمعصية بهذا المقصد عملٌ صالحٌ. فأمَّا إن همَّ بمعصية، ثم ترك عملها خوفاً من المخلوقين، أو مراءاةً لهم، فقد قيل: إنَّه يُعاقَبُ على تركها بهذه النيَّة؛ لأنَّ تقديم خوفِ المخلوقين على خوف الله محرَّم. وكذلك قصدُ الرِّياءِ للمخلوقين محرَّم، فإذا اقترنَ به تركُ المعصية لأجله، عُوقِبَ على هذا الترك، وقد خرَّج أبو نعيم (٥) بإسنادٍ ضعيف عن ابن عباس، قال: يا صاحب الذَّنب، لا تأمننَّ سوءَ عاقبته، ولمَا يَتبعُ الذَّنبَ أعظمُ مِنَ الذَّنب إذا عملتَه، وذكر كلاماً، وقال: وخوفُك من الريح إذا حرَّكت سترَ بابِك وأنت على
следующие страницы →