← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 788–827 · переход к 793.

стр. 788

قالت: وجعل يقول: «لا إله إلا الله إنَّ للموت لسكراتٍ» (١). وجاء في حديث مرسل أنَّه ﷺ كان يقول: «اللهمَّ إنَّك تأخذُ الروحَ من بين العَصَب والقصب والأنامل، اللهمَّ فأعنِّي على الموت وهوِّنه عليَّ» (٢). وقد كان بعضُ السَّلف يَستَحِبُّ أنْ يُجْهَدَ عند الموت، كما قال عمر بن عبد العزيز: ما أحبُّ أنْ تُهَوَّنَ عليَّ سكراتُ الموت، إنَّه لآخر ما يُكفر به عن المؤمن (٣). وقال النَّخعي: كانوا يستحبون أنْ يجهدوا عند الموت (٤). وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أنْ يُفتن، وإذا أراد الله أنْ يهوِّن على العبد الموت هوَّنه عليه. وفي " الصحيح " (٥) عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ المؤمنَ إذا حضره الموتُ، بُشِّرَ برضوان الله وكرامته، فليس شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامه، فأحبَّ لقاءَ الله، وأحبَّ الله لقاءه». قال ابنُ مسعود: «إذا جاء ملكُ الموت يَقبِضُ روحَ المؤمن، قال له: إنَّ ربَّكَ يُقرِئُكَ السَّلام» (٦). وقال محمَّد بن كعب: يقول له ملَكُ الموت: السلامُ عليك يا وليَّ الله، الله يقرأ عليك السلام، ثم تلا: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمُ﴾ (٧) (٨). وقال زيد بن أسلم: تأتي الملائكة المؤمنَ إذا حضر، وتقولُ له: لا تَخَفْ مما أنتَ قادِمٌ عليه - فيذهب الله خوفه - ولا تحزن على الدنيا وأهلِها، وأبشر بالجنة، فيموتُ وقد جاءته البشرى.

стр. 789

وخرَّج البزار (١) من حديث عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله أضَنُّ بموت عبده المؤمن من أحدكم بكريمةِ ماله حتّى يقبضه على فراشه». وقال زيدُ بن أسلم: قال رسول الله ﷺ : «إنَّ لله عباداً هم أهلُ المعافاة في الدنيا والآخرة» (٢). وقال ثابت البناني: إنَّ لله عباداً يُضَنُّ بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع، يُطيلُ أعمارهم، ويُحسِنُ أرزاقَهم، ويُميتهم على فُرشهم، ويطبعُهم بطابع الشهداء (٣). وخرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا (٤) والطبراني (٥) مرفوعاً من وجوه ضعيفة، وفي بعض ألفاظها: «إنَّ لله ضنائنَ من خلقه يأبى بهم عن البلاء، يُحييهم في عافية، ويُميتهم في عافية، ويُدخلهم الجنَّة في عافية». قال ابن مسعود وغيره (٦): إنَّ موت الفجاءة تخفيفٌ على المؤمن (٧). وكان أبو ثعلبة الخشني يقول: إني لأرجو أنْ لا يخنقني الله كما أراكم تُخنَقون عند الموت (٨)، وكان ليلة في داره، فسمعوه ينادي: يا عبدَ الرحمان، وكان عبدُ الرحمان قد قُتل مع رسول الله ﷺ ، ثم أتى مسجدَ بيته، فصلى فقُبِض وهو ساجد (٩). وقُبِضَ جماعة من السَّلف في الصلاة وهم سجود. وكان بعضهم يقول لأصحابه:

стр. 790

إنِّي لا أموت موتَكم، ولكن أُدعى فأجيب، فكان يوماً قاعداً مع أصحابه، فقال: لبَّيك ثم خَرَّ ميتاً. وكان بعضهم جالساً مع أصحابه فسمِعوا صوتاً يقول: يا فلان أجِبْ، فهذه والله آخرُ ساعاتِك مِنَ الدُّنيا، فوثب وقال: هذا والله حادي الموت، فودَّع أصحابه، وسلَّم عليهم، ثمَّ انطلق نحو الصوت، وهو يقول: سلامٌ على المرسلين، والحمد لله ربِّ العالمين، ثم انقطع عنهم الصوتُ، فتتبَّعوا أثره، فوجدوه ميتاً. وكان بعضهم جالساً يكتب في مصحف، فوضع القلمَ من يده، وقال: إنْ كان موتُكم هكذا، فوالله إنَّه لموتٌ طيِّبٌ، ثم سقط ميتاً. وكان آخر جالساً يكتب الحديثَ، فوضع القلم من يده، ورفع يديه يدعو الله، فمات.

стр. 791

الحديث التاسع والثلاثون عَنِ ابنِ عبَّاس ﵄، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «إنَّ الله تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسيانَ، وما استُكْرِهُوا عليهِ». حديثٌ حسَنٌ رَواهُ ابنُ ماجهْ والبَيَهقيُّ وغيرهما. هذا الحديثُ خرَّجه ابن ماجه (١) من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، وخرَّجه ابنُ حبَّان في " صحيحه " (٢) والدارقطني (٣)، وعندهما: عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عُبيد بن عمير، عن ابنِ عباس، عن النَّبيِّ ﷺ . وهذا إسناد صحيح في ظاهر الأمر، ورواتُه كلهم محتجٌّ بهم في " الصحيحين " وقد خرَّجه الحاكم (٤)، وقال: صحيح على شرطهما. كذا قال، ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد (٥) جداً، وقال: ليس يُروى فيه إلاَّ عن الحسن، عن النَّبيِّ ﷺ مرسلاً. وقيل لأحمد: إنَّ الوليد بن مسلم روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مثله (٦)، فأنكره أيضاً (٧). وذكر لأبي حاتم الرازي حديثُ الأوزاعي، وحديث مالك، وقيل له: إنَّ الوليد روى أيضاً عن ابن لهيعة عن موسى بن وردان، عن عقبة بن عامر، عن النَّبيِّ ﷺ مثله (٨)،

стр. 792

فقال أبو حاتم: هذه أحاديث منكرة كأنَّها موضوعة، وقال: لم يسمع الأوزاعيُّ هذا الحديث من عطاءٍ، وإنَّما سمعه من رجل لم يسمه، أتوهَّمُ أنّه عبدُ الله بن عامر، أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصحُّ هذا الحديث، ولا يثبت إسنادُه (١). قلت: وقد رُوي عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عُبيد بن عُمَير مرسلاً من غير ذكر ابن عباس (٢)، وروى يحيى بنُ سليم، عن ابن جريج، قال: قال عطاء: بلغني أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي عَنِ الخطأ والنِّسيان، وما استُكرهوا عليه» (٣) خرَّجه الجوزجاني، وهذا المرسلُ أشبه. وقد ورد من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعاً رواه مسلم بن خالد الزنجي، عن سعيد العلاف، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ : «تُجُوِّزَ لأمَّتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» (٤) خرَّجه الجوزجاني. وسعيد العلاف: هو سعيد بن أبي صالح، قال أحمد: وهو مكيٌّ، قيل له: كيف حالُه؟ قالَ: لا أدري وما علمتُ أحداً روى عنه غير مسلم بن خالد (٥)، قالَ أحمد: وليس هذا مرفوعاً، إنَّما هوَ عن ابن عباس قوله. نقل ذَلِكَ عنه مهنا، ومسلم بن خالد ضعفوه (٦). وروي من وجه ثالثٍ من رواية بقية بن الوليد، عن عليٍّ الهمداني، عن أبي جمرة عن ابن عباس مرفوعاً، خرَّجه حرب، ورواية بقية عن مشايخه المجاهيل لا تُساوي شيئاً.

стр. 793

ورُوي من وجه رابع خرَّجه ابن عدي (١) من طريق عبد الرحيم بن زيد العَمِّي، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ ، وعبد الرحيم هذا ضعيف (٢). وقد روي عن النَّبيِّ ﷺ من وجوهٍ أُخَر، وقد تقدَّم أنَّ الوليد بن مسلم رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعاً، وصححه الحاكم وغرَّبه (٣)، وهو عند حُذَّاق الحفّاظ باطل على مالك، كما أنكره الإمامُ أحمد وأبو حاتم، وكانا يقولان عن الوليد: إنَّه كثيرُ الخطأ. ونقل أبو عبيد الآجري عن أبي داود، قال: روى الوليدُ بن مسلم عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصلٌ، منها: عن نافع أربعة (٤). قلت: والظاهر أنَّ منها هذا الحديث، والله أعلم. وخرَّجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعتُ أبا الأشعث يُحدث عن ثوبان عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي عن ثلاثة: عن الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» (٥). ويزيد بن ربيعة ضعيف جداً (٦).

стр. 794

وخرَّج ابن أبي حاتم (١) من رواية أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أمِّ الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله تجاوزَ لأمَّتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان والاستكراه». قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن، فقال: أجل، أما تقرأ بذلك قرآنا: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢). وأبو بكر الهذلي متروك الحديث (٣). وخرَّجه ابن ماجه (٤)، ولكن عنده عن شهر، عن أبي ذرٍّ الغفاري، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إنَّ الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكر هوا عليه» ولم يذكر كلام الحسن. وأما الحديث المرسل عن الحسن، فرواه عنه هشام بن حسّان (٥)، ورواه منصور، وعوف عن الحسن (٦) من قوله، لم يرفعه. ورواه جعفر بن جسر بن فرقد، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي بكرة مرفوعاً (٧)، وجعفر وأبوه ضعيفان (٨). قال محمدُ بن نصر المروزي (٩): ليس لهذا الحديث إسنادٌ يحتجُّ به حكاه البيهقي.

стр. 795

وفي " صحيح مسلم " (١) عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال لما نزل قولُه تعالى ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (٢) قال الله: قد فعلتُ. وعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أنَّها لما نزلت، قال: نعم (٣)، وليس واحدٌ منهما مصرّحاً برفعه. وخرّج الدارقطني (٤) من رواية ابن جُريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها، وما أكرهوا عليه، إلاَّ أنْ يتكلَّموا به أو يعملوا»، وهو لفظ غريب. وقد خرَّجه النسائي (٥) ولم يذكر الإكراه. وكذا رواه ابنُ عُيينة عن مِسعَرٍ، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، وزاد فيه: «وما استكرهوا عليه» خرَّجه ابن ماجه (٦). وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عيينة، ولم يُتابعه عليها أحد. والحديث مخرَّجٌ من رواية قتادة في " الصحيحين " والسنن والمسانيد بدونها. ولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع، فقوله: «إنَّ الله تجاوز لي عن أُمَّتي الخطأ والنِّسيان» إلى آخره تقديره: إنَّ الله رفع لي عن أُمَّتي الخطأ، أو ترك ذلك عنهم، فإنَّ «تجاوز» لا يتعدّى بنفسه.

стр. 796

وقوله: «الخطأ والنسيان، وما استُكرِهُوا عليه». فأما الخطأ والنسيان، فقد صرَّح القرآن بالتَّجاوُزِ عنهما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (١)، وقال: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٢). وفي " الصحيحين " (٣) عن عمرو بن العاص سمع النَّبيَّ ﷺ يقول: «إذا حكمَ الحاكمُ، فاجتهد، ثم أصابَ، فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ، فله أجر». وقال الحسن: لولا ما ذَكَر الله من أمر هذين الرجلين - يعني: داود وسليمان - لرأيت أنَّ القُضاةَ قد هلكوا، فإنَّه أثنى على هذا بعلمه، وعَذَرَ هذا باجتهاده (٤): يعني: قوله: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (٥) الآية. وأما الإكراه فصرَّح القرآن أيضاً بالتجاوز عنه، قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (٧) الآية. ونحن نتكلم إنْ شاء الله في هذا الحديث في فصلين: أحدهما في حكم الخطأ والنسيان، والثاني في حكم الإكراه.

стр. 797

الفصل الأول في الخطأ والنسيان الخطأ: هو أن يَقصِدَ بفعله شيئاً، فيُصادف فعلُه غير ما قصده، مثل: أنْ يقصد قتلَ كافرٍ، فيصادف قتله مسلماً. والنسيان: أنْ يكون ذاكراً لشيءٍ، فينساه عندَ الفعل، وكلاهما معفوٌّ عنه، بمعنى أنَّه لا إثمَ فيه، ولكن رفعُ الإثم لا يُنافي أنْ يترتَّب على نسيانه حكم. كما أنَّ من نسيَ الوضوء، وصلَّى ظانّاً أنَّه متطهِّرٌ، فلا إثم عليه بذلك، ثم إنْ تبيَّنَ له أنَّه كان قد صلَّى محدِثاً فإنَّ عليه الإعادة. ولو ترك التسميةَ على الوضوء نسياناً، وقلنا بوجوبها، فهل يجبُ عليه إعادةُ الوضوء؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد (١). وكذا لو ترك التسمية على الذبيحة نسياناً، فيه عنه روايتان (٢)، وأكثرُ الفقهاء على أنَّها تؤكل. ولو ترك الصلاة نسياناً، ثم ذكر، فإنَّ عليه القضاء، كما قال ﷺ : «من نامَ عن صلاةٍ أو نسيها، فليُصَلِّها إذا ذكرها، لا كفَّارةَ لها إلا ذلك» (٣) ثمَّ تلا: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ (٤). ولو صلَّى حاملاً في صلاته نجاسةً لا يُعفى عنها، ثم علم بها بعد صلاته، أو في أثنائها، فأزالها فهل يُعيدُ صلاته أم لا؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد (٥)، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه خلع نعليه في صلاته وأتمَّها، وقال: «إنَّ جبريل

стр. 798

أخبرني أنَّ فيهما أذى» (١) ولم يُعد صلاته. ولو تكلَّم في صلاته ناسياً أنَّه في صلاة، ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران، هما روايتان عن أحمد (٢)، ومذهبُ الشافعي: أنَّها لا تَبطُلُ بذلك (٣). ولو أكل في صومه ناسياً، فالأكثرون على أنَّه لا يَبطُلُ صيامه، عملاً بقوله ﷺ : «مَنْ أَكل، أو شرب ناسياً، فليتمَّ صومه، فإنَّما أطمعه الله وسقاه» (٤). وقال مالك: عليه الإعادة؛ لأنَّه بمنزلة من ترك الصلاة ناسياً (٥)، والجمهور يقولون: قد أتى بنيَّةِ الصيام، وإنَّما ارتكب بعض محظوراته ناسياً، فيُعفى عنه (٦). ولو جامع ناسياً، فهل حكمه حكم الآكل ناسياً أم لا؟ فيهِ قولان: أحدهما: - وهو المشهور عن أحمد - أنَّه يَبطُلُ صيامُه بذلك وعليه القضاء، وفي الكفارة عنه روايتان (٧). والثاني: لا يبطل صومه بذلك، كالأكل، وهو مذهب الشافعي (٨)،

стр. 799

وحُكي رواية عن أحمد (١). وكذا الخلاف في الجماع في الإحرام ناسياً: هل يبطُل به النُّسُكُ أم لا؟ ولو حلف لا يفعل شيئاً، ففعله ناسياً ليمينه، أو مخطئاً ظانّاً أنّه غير المحلوف عليه، فهل يحنث في يمينه أم لا؟ فيه ثلاثةُ أقوالٍ هي ثلاث روايات عن أحمد (٢): أحدها: لا يحنث بكلِّ حال، ولو كانت اليمينُ بالطَّلاق والعتاق، وأنكر هذه الرواية عن أحمد الخلالُ، وقال: هي سهو من ناقلها، وهو قولُ الشافعي في أحد قوليه، وإسحاق، وأبي ثور، وابن أبي شيبة، ورُوي عن عطاء، قال إسحاق: ويُستحلف أنَّه كان ناسياً ليمينه. والثاني: يحنث بكلِّ حال، وهو قولُ جماعة مِنَ السَّلف ومالك. والثالث: يفرَّق بين أنْ يكونَ يمينُه بطلاقٍ أو عتاقٍ، أو بغيرهما، وهو المشهورُ عن أحمد، وقول أبي عُبيدٍ، وكذا قال الأوزاعيُّ في الطلاق، وقال: إنَّما الحديثُ الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسياً، وأقام على امرأته، فلا إثم عليه، فإذا ذكر، فعليه اعتزالُ امرأته، فإنَّ نسيانَه قد زال. وحكى إبراهيم الحربي إجماعَ التابعين على وقوع الطلاق بالناسي. ولو قتل مؤمناً خطأً، فإنَّ عليه الكفَّارةَ والدِّيَة بنصِّ الكتاب، وكذا لو أتلف مالَ غيره خطأً يظنُّه أنَّه مالُ نفسه. وكذا قال الجمهورُ في المُحرِم يقتل الصَّيدَ خطأً، أو ناسياً لإحرامه أنَّ عليه جزاءه (٣)، ومنهم من قال: لا جزاءَ عليه إلاَّ أنْ يكونَ متعمداً لقتله تمسُّكاً بظاهر (٤) قوله : ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (٥) الآية، وهو رواية عن أحمد، وأجاب الجمهورُ عن الآية بأنَّه رتَّب على قتله متعمداً الجزاء

стр. 800

وانتقامَ الله تعالى، ومجموعُهما يختصُّ بالعامد، وإذا انتفى العمدُ، انتفى الانتقامُ، وبقي الجزاءُ ثابتاً بدليل آخر. والأظهر - والله أعلم - أنَّ الناسي والمخطئ إنَّما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأنَّ الإثم مرتَّبٌ على المقاصد والنيَّات، والناسي والمخطئ لا قصدَ لهما، فلا إثم عليهما، وأمَّا رفعُ الأحكام عنهما، فليس مراداً منْ هذه النصوص، فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليلٍ آخر. الفصل الثاني في حكم المكره وهو نوعان: أحدهما: من لا اختيارَ له بالكلِّيَّة، ولا قُدرةَ له على الامتناع، كمن حُمِلَ كَرْهاً وأدخل إلى مكانٍ حلف على الامتناع من دخوله، أو حُمِل كَرْهاً، وضُرب به غيرُه حتّى مات ذلك الغيرُ، ولا قُدرة له على الامتناع، أو أُضْجعت، ثم زُنِي بها من غيرِ قُدرةٍ لها على الامتناع، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق، ولا يترتَّب عليه حِنْثٌ في يمينه عند جمهور العلماء. وقد حُكي عن بعض السَّلف - كالنَّخعي - فيه خلاف، ووقع مثلُه في كلام بعض أصحاب الشَّافعي وأحمد، والصحيح عندهم أنَّه لا يحنث بحال. وروي عن الأوزاعي في امرأة حلفت على شيء، وأحنثها زوجُها كُرهاً أنَّ كفارَتها عليه، وعن أحمد روايةٌ كذلك، فيما إذا وطئ امرأتهُ مُكرهةً في صِيامها أو إحرامها أنَّ كفارتها عليه. والمشهور عنه أنَّه يفسدُ بذلك صومها وحجُّها. والنوع الثاني: من أُكره بضربٍ أو غيره حتَّى فعل، فهذا الفعلُ يتعلق به التَّكليفُ، فإنَّه يمكنه أنْ لا يفعل فهو مختارٌ للفعل، لكن ليس غرضُه نفسَ الفعل، بل دفع الضَّرر عنه، فهو مختارٌ مِنْ وجه، غيرُ مختارٍ من وجهٍ، ولهذا اختلف الناسُ: هل هو مكلَّفٌ أم لا؟

стр. 801

واتفق العلماءُ على أنّه لو أُكرِه على قتل معصومٍ لم يُبَحْ لهُ أن يقتُله، فإنَّه إنَّما يقتُله باختياره افتداءً لنفسه من القتل (١)، هذا إجماعٌ مِنَ العلماء المعتدِّ بهم، وكان في زمن الإمام أحمد يُخالِف فيهِ مَنْ لا يُعتدُّ به، فإذا قتله في هذه الحال، فالجمهور على أنَّهما يشتركان في وجوب القَوَدِ: المكرهِ والمكرَه؟ لاشتراكهما في القتل، وهو قول مالك والشافعي في المشهور وأحمد، وقيل: يجب على المكرِه وحده؛ لأنَّ المكرَه صارَ كالآلة، وهو قولُ أبي حنيفة وأحدُ قولي الشَّافعيِّ، ورُوي عن زفرَ كالأوَّل، ورُوي عنه أنَّه يجبُ على المكرَه لمباشرته، وليس هو كالآلة؛ لأنَّه آثمٌ بالاتِّفاق، وقال أبو يوسف: لا قَودَ على واحدٍ منهما، وخرَّجه بعضُ أصحابنا وجهاً لنا من الرِّواية لا توجب فيها قتل الجماعة بالواحد، وأولى (٢). ولو أكره بالضَّرب ونحوه على إتلاف مالِ الغير المعصوم، فهل يُباحُ له ذلك؟ فيهِ وجهان لأصحابنا: فإنْ قلنا: يُباحُ لهُ ذَلِكَ، فضمنه المالك، رجع بما ضمنه على المكره، وإنْ قلنا: لا يُباح له ذلك، فالضمانُ عليهما معاً كالقود. وقيل: على المكره المباشر وحدَه وهو ضعيف. ولو أُكره على شرب الخمر أو غيره من الأفعال المحرّمة، ففي إباحته بالإكراه قولان: أحدُهما: يُباحُ له ذلك استدلالاً بقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، وهذه نزلت في عبد الله بن أبيِّ بن سلول، كانت له أمتانِ يُكرههما على الزنى، وهما يأبيان ذلك (٤)، وهذا قول الجمهور كالشافعي، وأبي حنيفة، وهو المشهورُ عن

стр. 802

أحمد، ورُوي نحوه عن الحسن، ومكحولٍ، ومسروقٍ، وعن عمر بن الخطاب ما يدلُّ عليه. وأهلُ هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرَّجُلِ على الزِّنى، فمنهم من قال: يصحُّ إكراهُه عليه، ولا إثمَ عليه، وهو قولُ الشافعي، وابن عقيلٍ من أصحابنا، ومنهم من قال: لا يصحُّ إكراهه عليه، وعليه الإثمُ والحدُّ، وهو قول أبي حنيفة ومنصوصُ أحمد، ورُوي عن الحسن. والقولُ الثاني: إنَّ التقية إنَّما تكون في الأقوال، ولا تقية في الأفعال، ولا إكراهَ عليها، رُوي ذلك عن ابنِ عباس، وأبي العالية، وأبي الشَّعثاء، والربيع بن أنس، والضَّحَّاك (١)، وهو روايةٌ عن أحمد، ورُوي عن سُحنون أيضاً. وعلى هذا لو شرب الخمرَ، أو سرق مكرهاً، حُدَّ. وعلى الأول لو شرب الخمر مكرهاً، ثم طلَّق أو أعتق، فهل يكون حكمُه حكمَ المختارِ لشُربِها أم لا؟ بل يكونُ طلاقُه وعِتاقه لغواً؟ فيه لأصحابنا وجهان (٢)، ورُوي عن الحسن فيمن قيل له: اسجُد لصنمٍ وإلاَّ قتلناك، قال: إنْ كان الصَّنمُ تجاهَ القبلة، فليسجُد، ويجعل نيَّته لله، وإنْ كان إلى غير القبلة، فلا يفعل وإنْ قتلوه، قال ابنُ حبيب المالكي: وهذا قولٌ حسنٌ، قال ابن عطية: وما يمنعه أنْ يجعلَ نيته لله، وإن كان لغير القبلة (٣)، وفي كتاب الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُولُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ (٤)، وفي الشرع إباحةُ التنفُّل للمسافر إلى غير القبلة؟ وأما الإكراه على الأقوال، فاتَّفق العلماء على صحته، وأنَّ من أُكره على قولٍ محرَّم إكراهاً معتبراً أنَّ لهُ أنْ يفتديَ نفسه به، ولا إثمَ عليهِ، وقد دلَّ عليهِ قولُ الله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمَانِ﴾ (٥). وقال النَّبيُّ ﷺ لعمار: «إنْ عادوا فَعُدْ» (٦).

стр. 803

وكان المشركون قد عذَّبوه حتَّى يوافقهُم على ما يُريدونه من الكفر، ففعل. وأما ما روي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه وصَّى طائفةً من أصحابه، وقال: «لا تُشركوا بالله وإن قُطِّعتُم وحُرِّقتم» (١)، فالمرادُ الشِّركُ بالقُلوب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللهِ﴾ (٣). وسائر الأقوال يُتصوَّر عليها الإكراه، فإذا أكره بغيرِ حقٍّ على قولٍ من الأقوال، لم يترتب عليه حكمٌ مِنَ الأحكام، وكانَ لغواً، فإنَّ كلامَ المكرَه صدرَ منه وهو غيرُ راضٍ به، فلذلك عُفيَ عنه، ولم يُؤاخَذْ به في أحكام الدُّنيا والآخرة. وبهذا فارق النَّاسي والجاهل، وسواء في ذلك العقود: كالبيع، والنكاح، أو الفسوخ: كالخُلع والطَّلاق والعتاق، وكذلك الأيمان والنُّذور، وهذا قولُ جمهور العلماء، وهو قولُ مالك والشافعي وأحمد. وفرَّق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ عندَه، ويثبت فيه الخيارُ كالبيع ونحوه، فقال: لا يلزمُ مع الإكراه، وما ليس كذلك، كالنِّكاح والطلاق والعتاق والأيمان، فألزم بها مع الإكراه (٤). ولو حلف: لا يفعلُ شيئاً، ففعله مكرهاً، فعلى قول أبي حنيفة يَحنَثُ (٥)، وأمَّا على قول الجمهور، ففيه قولان:

стр. 804

أحدُهما: لا يحنَثُ، كما لا يَحنَثُ إذا فُعِلَ به ذلك كرهاً، ولم يقدر على الامتناع كما سبق، وهذا قولُ الأكثرين منهم. والثاني: يَحنَثُ هاهنا؛ لأنَّه فعله باختياره بخلافِ ما إذا حُمِلَ، ولم يُمكنه الامتناعُ، وهو رواية عن أحمد وقول للشافعي، ومن أصحابه - وهو القفَّال - من فرَّق بين اليمين بالطَّلاق والعَتاق وغيرهما كما قلنا نحن في النَّاسي، وخرَّجه بعض أصحابنا وجهاً لنا. ولو أُكره على أداءِ ماله بغيرِ حقٍّ، فباع عقارَه ليؤدِّي ثمنه، فهل يصِحُّ الشِّراءُ منه أم لا؟ فيهِ روايتان عن أحمد، وعنه رواية ثالثة: إنْ باعه بثمن المثل، اشتُري منه، وإنْ باعه بدُونه، لم يشتر منه، ومتى رضي المكرَهُ بما أُكْرِهَ عليهِ لحُدوثِ رغبةٍ لهُ فيهِ بعدَ الإكراه، والإكراه قائمٌ، صحَّ ما صدرَ منه من العقود وغيرها بهذا القصد. هذا هو المشهورُ عند أصحابنا، وفيه وجهٌ آخر: أنَّه لا يَصِحُّ أيضاً، وفيه بُعد. وأما الإكراه بحقٍّ، فهو غيرُ مانعٍ مِنْ لُزوم ما أكره عليه، فلو أُكره الحربيُّ على الإسلام فأسلم، صحَّ إسلامه، وكذا لو أكرهَ الحاكم أحداً على بيع ماله ليوفي دينه، أو أُكره المؤلي بعد مدَّة الإيلاء وامتناعه مِنَ الفيئة على الطلاق، ولو حلف لا يُوفِّي دينَه، فأكرهه الحاكمُ على وفائه، فإنَّه يَحنَثُ بذلك؛ لأنَّه فعل ما حلف عليه حقيقةً على وجهٍ لا يُعذَرُ فيه. ذكره أصحابنا بخلاف ما إذا امتنع من الوفاء، فأدَّى عنه الحاكمُ، فإنَّه لا يحنَثُ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فعلُ المحلوف عليه.

стр. 805

الحديث الأربعون عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: أَخَذَ رَسولُ الله ﷺ بِمَنكِبي، فقال: «كُنْ فِي الدُّنيا كأَنَّكَ غَريبٌ، أو عَابِرُ سَبيلٍ» وكانَ ابنُ عَمَر يَقولُ: إذا أَمسيتَ، فَلا تَنتَطِر الصَّباح، وإذا أَصْبَحْتَ فلا تَنتَظِرِ المساءَ، وخُذْ مِنْ صِحَّتِك لِمَرضِكَ، ومنْ حَياتِكَ لِمَوتِكَ. رواهُ البُخاريُّ. هذا الحديث خرَّجه البخاري (١) عن عليِّ بن المديني، حدَّثنا محمدُ ابنُ عبد الرحمان الطفاوي، حدثنا الأعمش، حدثني مجاهد، عن ابن عمر، فذكره، وقد تكلم غيرُ واحد من الحفّاظ في لفظة: «حدثنا مجاهد» وقالوا: هي غيرُ ثابتة، وأنكروها على ابن المديني وقالوا: لم يسمع الأعمش هذا الحديث من مجاهد، إنما سمعه من ليث بن أبي سُليم عنه، وقد ذكر ذلك العقيليُّ (٢) وغيره، وخرَّجه الترمذي (٣) من حديث ليثٍ عن مجاهد، وزاد فيه: «وعُدَّ نفسك من أهل القبور» وزاد في كلام ابن عمر: فإنَّك لا تدري يا عبد الله ما اسمُك غداً. وخرَّجه ابنُ ماجه (٤) ولم يذكر قولَ ابن عمر. وخرَّج الإمام أحمد (٥) والنَّسائي (٦) من حديث الأوزاعي عن عبدة بن أبي لُبابة، عن ابن عمر، قال: أخذ النَّبيُّ ﷺ ببعض جسدي، فقال: «اعبدِ الله كأنَّك تراه، وكُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ، أو عابرُ سبيل». وعبدة بن أبي لُبابة أدرك ابنَ عمر، واختلف في سماعه منه (٧). وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ

стр. 806

الدُّنيا وطناً ومسكناً، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر: يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل. وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (١). وكان النَّبيُّ ﷺ يقول: «مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ (٢) في ظلِّ شجرةٍ ثم راحَ وتركها» (٣). ومن وصايا المسيح ﵇ لأصحابه أنَّه قال لهم: اعبُروها ولا تَعمُرُوها (٤)، ورُوي عنه أنَّه قال: من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً، تلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قراراً (٥). ودخل رجلٌ على أبي ذرٍّ، فجعل يُقلِّب بصره في بيته، فقال: يا أبا ذرٍّ، أين متاعُكم؟ قالَ: إنَّ لنا بيتاً نوجه إليه، قالَ: إنَّه لابدَّ لك من مَتاع مادمت هاهنا، قالَ: إنَّ صاحب المنْزل لا يدعُنا فيه (٦). ودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ، فقال: أمرتحلٌ؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طرداً. وكان عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ يقول: إنَّ الدُّنيا قدِ ارتحلت مدبرةً، وإنَّ الآخرة قدِ ارتحلت مقبلةً، ولكُلٍّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل (٧).

стр. 807

قال بعضُ الحكماء: عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه يشغتلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة (١). وقال عُمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظَّعَن، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَبُ، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَنُ، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِن النقلة، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى (٢). وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطناً، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين: إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة، بل هو ليله ونهارَه، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة، فلهذا وصّى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين. فأحدهما: أنْ ينْزِل المؤمن نفسه كأنَّه غريبٌ في الدنيا يتخيَّلُ الإقامةَ، لكن في بلد غُربةٍ، فهوَ غيرُ متعلِّقِ القلب ببلد الغربة، بل قلبُه متعلِّقٌ بوطنه الذي يَرجِعُ إليه، وإنّما هو مقيمٌ في الدنيا ليقضي مَرَمَّةَ جهازه إلى الرجوع إلى وطنه، قال الفضيلُ بن عياض: المؤمن في الدنيا مهمومٌ حزين، همُّه مَرَمَّةُ جهازه (٣). ومن كان في الدنيا كذلك، فلا همَّ له إلا في التزوُّد بما ينفعُه عندَ عودِه إلى وطنه، فلا يُنافِسُ أهلَ البلدِ الذي هو غريبٌ بينهم في عزِّهم، ولا يَجْزَعُ من الذلِّ عندهم، قال الحسن: المؤمن في الدُّنيا كالغريب لا يجزع من ذُلها، ولا يُنافِسُ في عِزِّها، له شأنٌ، وللناس شأن (٤). لما خُلِق آدم أُسكِنَ هو وزوجتُه الجنّة، ثم أُهبطا منها، ووعُدا الرجوع إليها، وصالح ذرِّيَّتهما، فالمؤمن أبداً يَحِنُّ إلى وطنه الأوَّل (٥)، وكما قيل:

стр. 808

كمْ مَنْزِلٍ للمَرءِ يَألفُهُ الفتى … وحنينُه أبداً لأوَّل مَنْزِل ولبعض شيوخنا (١): فحيَّ على جنَّاتِ عدنٍ فإنَّها … منازِلُكَ الأولى وفيها المُخَيَّم ولكنَّنا سَبيُ العدوِّ فَهلْ تَرَى … نَعودُ إلى أوطاننا ونُسلِّمُ وقَدْ زَعَموا أنَّ الغَريبَ إذا نَأى … وشَطَّتْ به أوطانُه فهو مُغرَمُ وأيُّ اغْترابٍ فوق غُربتنا التي … لها أضحَت الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ كان عطاء السَّلِيمي يقول في دعائه: اللهمَّ ارحم في الدُّنيا غُربتي، وارحم في القبر وحشتي، وارحم موقفي غداً بين يديك (٢). قالَ الحسنُ: بلغني أنَّ رسول الله ﷺ قال لأصحابه: «إنَّما مثلي ومثلُكم ومَثلُ الدُّنيا، كقوم سلكوا مفازةً غبراءَ، حتّى إذا لم يَدْرُوا ما سلكوا منها أكثر، أو ما بقي، أنفدوا الزَّادَ، وحَسَروا الظَّهر، وبقُوا بين ظهراني المفازة لا زادَ ولا حَمُولة، فأيقنوا بالهَلَكة، فبينما هم كذلك، إذ خرج عليهم رجلٌ في حُلَّةٍ يقطُرُ رأسُه، فقالوا: إن هذا قريبُ عهدٍ بريفٍ، وما جاءكم هذا إلاّ من قريبٍ، فلما انتهى إليهم، قال: علام أنتم؟ قالوا: على ما ترى، قالَ: أرأيتُكم إنْ هديتُكم إلى ماءٍ رواء، ورياضٍ خُضر، ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئاً، قال: عُهودَكم ومواثيقكم بالله، قال: فأَعْطَوهُ عهودَهُم ومواثيقهُم بالله لا يَعصُونَه شيئاً، قال: فأوردهم ماءً، ورياضاً خُضراً، فمكث فيهم ما شاء الله، ثم قال: يا هؤلاء الرحيلَ، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ماءٍ ليس كمائكم، وإلى رياضٍ ليست كرياضِكُم، فقال جُلُّ القوم - وهم أكثرهم -: والله ما وجدنا هذا حتّى ظننّا أنْ لن نَجِدَهُ، وما نصنع بعيشٍ خيرٍ من هذا؟ وقالت طائفة - وهم أقلهم -: ألم تُعطوا هذا الرَّجُلَ عهودكم ومواثيقكم بالله لا تَعصونه شيئاً وقد صدقكم في أوّل حديثه، فوالله ليصدقنَّكم في آخره، قال: فراح فيمن اتبعه، وتخلَّف

стр. 809

بقيتهم، فنذر بهم عدوٌّ، فأصبحوا من بين أسيرٍ وقتيل» خرَّجه ابنُ أبي الدنيا (١)، وخرجه الإمام أحمد (٢) من حديث عليّ بنِ زيد بن جُدْعان، عن يوسف بن مِهران، عن ابن عباس، عن النَّبيِّ ﷺ بمعناه مختصراً. فهذا المثل في غاية المطابقة بحال النَّبيِّ ﷺ مع أمته، فإنّه أتاهم والعرب حينئذٍ أذلُّ الناس، وأقلُّهم، وأسوؤهم عيشاً في الدنيا وحالاً في الآخرة، فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة، وظهر لهم من براهين صدقِه، كما ظهر من صدق الذي جاء إلى القوم الذين في المفازة، وقد نَفِدَ ماؤهم، وهَلَك ظهرهم برؤيته في حُلة مترجلاً يقطر رأسه ماءً، ودلهم على الماء والرياضِ المُعشِبة، فاستدلُّوا بهيئته وحاله على صدق مقاله، فاتبعوه، ووعدَ من اتَّبعه بفتح بلاد فارس والروم، وأخذِ كنوزهما، وحذَّرهم من الاغترار بذلك، والوقوف معه، وأمرهم بالتجزي من الدُّنيا بالبلاغ، وبالجدِّ والاجتهاد في طلب الآخرة والاستعداد لها، فوجدُوا ما وعدهم به كلَّه حقاً، فلما فُتِحتْ عليهم الدُّنيا - كما وعدهم - اشتغل أكثرُ الناسِ بجمعها واكتنازها، والمنافسة فيها، ورَضُوا بالإقامة فيها، والتمتُّع بشهواتها، وتركوا الاستعداد للآخرة التي أمرهم بالجدِّ والاجتهاد في طلبها، وقبلَ قليلٌ من الناس وصيَّته في الجدِّ في طلب الآخرةِ والاستعداد لها. فهذه الطائفةُ القليلة نجت، ولحقت نبيَّها في الآخرة حيث سلكت طريقه في الدُّنيا، وقبلت وصيتهُ، وامتثلت ما أمر به. وأما أكثر الناس، فلم يزالوا في سكرة الدنيا والتكاثر فيها، فشغلهم ذلك عن الآخرة حتّى فاجأهم الموتُ بغتةً على هذه الغِرة، فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير. وما أحسن قولَ يحيى بن معاذ الرازي: الدنيا خمرُ الشيطان، من سَكِرَ منها لم يُفِقْ إلا في عسكر الموتى نادماً مع الخاسرين (٣). الحال الثاني: أن يُنْزِلَ المؤمنُ نفسَه في الدنيا كأنَّه مسافرٌ غيرُ مقيم البتة، وإنَّما

стр. 810

هو سائرٌ في قطعِ منازل السَّفر حتّى ينتهي به السفرُ إلى آخره، وهو الموت. ومن كانت هذه حالَه في الدنيا، فهمَّتُه تحصيلُ الزاد للسفر، وليس له هِمَّةٌ في الاستكثار من متاع الدنيا، ولهذا أوصى النَّبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابه أن يكونَ بلاغُهم من الدُّنيا كزادِ الرَّاكب. قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحتَ؟ قال: ما ظَنُّك برجل يرتَحِلُ كلَّ يومٍ مرحلةً إلى الآخرة (١)؟ وقال الحسن: إنَّما أنت أيامٌ مجموعة، كلّما مضى يومٌ مضى بعضُك (٢). وقال: ابنَ آدم إنَّما أنت بين مطيتين يُوضعانِكَ، يُوضِعُك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، حتى يُسلِمَانِك إلى الآخرة، فمن أعظم منك يا ابنَ آدم خطراً (٣)، وقال: الموتُ معقود في نواصيكم والدنيا تُطوى مِن ورائكم. قال داود الطائي: إنَّما الليلُ والنهارُ مراحلُ يَنْزِلُها الناسُ مرحلةً مرحلةً حتى ينتهي ذلك بهم إلى آخر سفرهم، فإنِ استطعت أن تُقدِّم في كلِّ مرحلة زاداً لِما بَينَ يديها، فافعل، فإنَّ انقطاع السَّفر عن قريب ما هو، والأمر أعجلُ من ذلك، فتزوَّد لسفرك، واقض ما أنتَ قاضٍ من أمرك، فكأنَّك بالأمر قد بَغَتك (٤). وكتب بعضُ السَّلف إلى أخٍ له: يا أخي يُخيَّلُ لك أنَّك مقيم، بل أنتَ دائبُ السَّيرِ، تُساق مع ذلك سوقاً حثيثاً، الموت موجَّهٌ إليك، والدنيا تُطوى من ورائك، وما مضى من عمرك، فليس بكارٍّ عليك حتى يَكُرَّ عليك يوم التغابن. سبيلُكَ في الدُّنيا سبِيلُ مُسافرٍ … ولابُدَّ من زادٍ لكلِّ مسافِر ولابدَّ للإنسان من حملِ عُدَّةٍ … ولاسيما إنْ خافَ صولَة قاهِر قال بعضُ الحكماء: كيف يفرحُ بالدنيا من يومُه يَهدِمُ شهرَه، وشهرُه يهدِمُ سنَتَه، وسنته تَهدِمُ عُمُرَه، وكيف يفرح من يقوده عمرُه إلى أجله، وتقودُه حياتُه إلى موته.

стр. 811

وقال الفضيلُ بنُ عياض لرجلٍ: كم أتت عليك؟ قال: ستون سنة، قال فأنت منذ ستين سنة تسيرُ إلى ربِّك يُوشِكُ أنْ تَبلُغَ، فقال الرجل: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، فقال الفضيلُ: أتعرف تفسيرَه تقول: أنا لله عبد وإليه راجع، فمن عَلِمَ أنَّه لله عبد، وأنَّه إليه راجع، فليعلم أنَّه موقوفٌ، ومن علم أنَّه موقوف، فليعلم أنَّه مسؤول، ومن عَلِمَ أنَّه مسؤولٌ، فليُعِدَّ للسؤال جواباً، فقال الرجل: فما الحيلةُ؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تُحسِنُ فيما بقي يُغفَرُ لك ما مضى فإنّك إنْ أسأتَ فيما بقي، أُخِذْتَ بما مضى وبما بقي (١)، وفي هذا يقول بعضُهم: وإنَّ امرءاً قد سارَ سِتِّينَ حِجَّةٍ … إلى مَنهَلٍ من وِرده لقَريبُ قال بعضُ الحكماء: من كانت الليالي والأيام مطاياه، سارت به وإنْ لم يسر (٢)، وفي هذا قال بعضهم: وما هذه الأيامُ إلاَّ مراحِلُ … يحثُّ بها داعٍ إلى الموتِ قاصدُ وأعجَبُ شَيءٍ - لو تأمَّلت - أنَّها … مَنازِلُ تُطوى والمُسافِرُ قَاعِدُ (٣) وقال آخر: أيا ويحَ نفسي من نهارٍ يقودُها … إلى عسكر الموتى ولَيلٍ يذودُها قال الحسن: لم يزل الليلُ والنهار سريعين في نقص الأعمار، وتقريبِ الآجال، هيهات قد صحبا نوحاً وعاداً وثمودَ وقروناً بين ذلك كثيراً، فأصبحوا قَدِموا على ربِّهم، ووردوا على أعمالهم، وأصبح اللَّيلُ والنَّهارُ غضَّيْنِ جديدين، لم يُبلِهُما ما مرَّا به، مستعدِّين لمن بقي بمثل ما أصابا به من مضى. وكتب الأوزاعيُّ إلى أخٍ له: أما بعد، فقد أُحيطَ بك من كلّ جانب، واعلم أنَّه يُسارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فاحذرِ الله، والمقام بين يديه، وأنْ يكونَ آخر عهدك به، والسَّلام (٤).

стр. 812

نَسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ … وأيّامُنا تُطوى وهُنَّ مَراحِلُ ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنَّه … إذا ما تخطَّتْهٌ الأمانيُّ باطِلُ وما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا … فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى … فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ وأما وصيةُ ابن عمر ﵄، فهي مأخوذةٌ مِنْ هذا الحديث الذي رواه، وهي متضمنة لنهاية قِصَرِ الأمل، وأنَّ الإنسان إذا أمسى لم ينتظر الصّباحَ، وإذا أصبح، لم ينتظر المساء، بل يظنُّ أنَّ أجلَهُ يُدركُه قبل ذلك، وبهذا فسّر غيرُ واحدٍ مِنَ العُلماء الزُّهدَ في الدنيا، قال المروذي: قلتُ لأبي عبد الله - يعني: أحمد - أيُّ شيءٍ الزُّهد في الدنيا؟ قال: قِصَرُ الأمل (١)، من إذا أصبحَ، قال: لا أُمسي، قال: وهكذا قال سفيان (٢). قيل لأبي عبد الله: بأيِّ شيء نستعين على قِصَرِ الأمل؟ قال: ما ندري إنَّما هو توفيق. قال الحسن: اجتمع ثلاثةٌ من العلماء، فقالوا لأحدهم: ما أَمَلُكَ؟ قال: ما أتى عليَّ شهرٌ إلا ظننتُ أنِّي سأموتُ فيه، قال: فقال صاحباه: إنَّ هذا لأمل، فقالا لأحدهم: فما أَمَلُكَ؟ قال: ما أتت عليَّ جمعة إلا ظننتُ أنِّي سأموتُ فيها، قال: فقال صاحباه: إنَّ هذا لأمل، فقالا للآخر: فما أملُك؟ قال: ما أَمَلُ من نفسُه في يد غيره (٣)؟ قال داود الطائي: سألتُ عطوان بنَ عمر التميمي، قلتُ: ما قِصَرُ الأمل؟ قال: ما بين تردُّدِ النَّفَسِ، فحدِّث بذلك الفضيل بن عياض، فبكى، وقال: يقول: يتنفس فيخاف أنْ يموتَ قبل أنْ ينقطعِ نفسُه، لقد كان عطوان مِنَ الموت على حذرٍ (٤). وقال بعضُ السَّلف: ما نمتُ نوماً قط، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه. وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف

стр. 813

- والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي (١). وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم. وقال بكر المزني: إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ، فليفعل، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا، ويُصبح في أهلِ الآخرة. وكان أويسٌ إذا قيل له: كيف الزمانُ عليك؟ قال: كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار؟ (٢) وقال عونُ بنُ عبد الله: ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غداً من أجله. كم من مستقبل يوماً لا يستكمِلُه، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه (٣)، وكان يقولُ: إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه لا يدرك آخره. وكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ، الليلةُ ليلتُك، لا ليلةَ لكِ غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليومُ يومك، لا يومَ لك غيره فاجتهدت (٤). وقال بكرٌ المزنيُّ: إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «صلِّ صلاة مودِّع» (٥). وأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة، لم أُصلِّ بكم غيرَها، فقال معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل، فإنَّه يمنع خيرَ العمل (٦).

стр. 814

وطرق بعضُهم بابَ أخٍ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسُه في يد غيره، من يعلم متى يرجِعُ، ولأبي العتاهية من جملة أبيات: وما أدري وإن أَمَّلْتُ عُمراً … لَعَلِّي حِينَ أُصبحُ لَستُ أُمسِي ألم تَرَ أنَّ كلَّ صباحِ يومٍ … وعُمرُكَ فيه أَقصَرُ مِنهُ أَمسِ وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء (١) والحسن (٢) أنَّهما قالا: ابنَ آدم، إنَّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطتَ من بطن أمك، ومما أنشد بعضُ السَّلف: إنَّا لنفرحُ بالأيَّامِ نقطعُها … وكُلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجل فاعمَلْ لِنَفسِكَ قبلَ الموتِ مُجتهداً … فإنَّما الرِّبْحُ والخُسرانُ في العَمَلِ قوله: «وخُذْ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك»، يعني: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أنْ يحولَ بينك وبينها السقمُ، وفي الحياة قبل أنْ يحول بينك وبينها الموتُ، وفي رواية: «فإنَّك يا عبدَ الله لا تدري ما اسمُك غداً» يعني: لعلّك غداً مِنَ الأموات دونَ الأحياء. وقد رُوي معنى هذه الوصيةِ عن النَّبيِّ ﷺ من وجوه، ففي "صحيح البخاري" عن ابن عباسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «نِعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النَّاس: الصِّحَّةُ والفراغ» (٣). وفي " صحيح الحاكم " (٤) عن ابن عباس: أنَّ رسول الله ﷺ قال لرجل وهو يَعِظُه: «اغتنم خمساً قبلَ خمسٍ: شبابّك قبل هَرَمِك، وصحَّتَك قبل سَقَمك، وغِناك قبل فقرِك، وفراغَكَ قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك». وقال غنيم بن قيس: كنا نتواعظُ في أوَّل الإسلام: ابنَ آدم، اعمل في فراغك

стр. 815

قبل شُغلك، وفي شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك. وفي حياتك لموتك (١). وفي " صحيح مسلم " (٢) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ : «بادِروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصَّةَ أحدكم، أو أمر العامة». وفي " الترمذي " (٣) عنه، عن النَّبيِّ ﷺ : «قال بادِروا بالأعمال سبعاً: هل تنظُرون إلا إلى فقرٍ مُنْسٍ، أو غِنًى مُطغٍ، أو مرض مُفْسدٍ، أو هَرَمٍ مُفنِّدٍ، أو موتٍ مُجهِزٍ، أو الدجَّال، فشرُّ غائبٍ ينتظر، أو الساعة فالسَّاعة أدهى وأمرُّ؟» والمرادُ من هذا أنَّ هذه الأشياء كلَّها تعوقُ عن الأعمال، فبعضُها يشغل عنه، إمَّا في خاصّة الإنسان، كفقره وغناه ومرضه وهرمه وموته، وبعضُها عامٌّ، كقيام الساعة، وخروج الدجال، وكذلك الفتنُ المزعجةُ، كما جاء في حديث آخر: «بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم» (٤). وبعضُ هذه الأمور العامّة لا ينفع بعدها عملٌ، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾ (٥). وفي " الصحيحين " (٦) عن أبي هُريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تقومُ السَّاعةُ حتّى تطلع الشمسُ من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس، آمنوا أجمعون، فذلك حينَ لا ينفع نفساً إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً». وفي " صحيح مسلم " (٧) عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «ثلاثٌ إذا خرجنَ، لم ينفع

стр. 816

نفساً إيمانُها لم تَكُن آمنت من قبل، أو كسبت في إيمانها خيراً: طلوعُ الشمس من مغربها، والدجالُ، ودابةُ الأرض». وفيه أيضاً (١) عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ تابَ قبل أنْ تَطلُعَ الشمسُ من مغربها تابَ الله عليه». وعن أبي موسى، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله يبسُطُ يده بالليل ليتوبَ مسيءُ النَّهار، ويبسُطُ يده بالنَّهار ليتوب مُسيءُ الليل حتى تَطلُعُ الشمس من مغربها» (٢). وخرّج الإمام أحمد (٣)، والنَّسائي (٤)، والترمذي (٥)، وابن ماجه (٦) من حديث صفوان بن عسال، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الله فتح باباً قِبَلَ المغرب عرضه سبعون عاماً للتوبة لا يُغلَقُ حتى تطلع الشمس منه». وفي " المسند " (٧) عن عبد الرحمان بن عوف وعبد الله بن عمرو، ومعاوية، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتّى تطلُعَ الشمسُ من المغرب، فإذا طَلَعَت طُبِعَ على كلِّ قلبٍ بما فيه، وكُفِي الناسُ العمل». وروي عن عائشة قالت: إذا خرج أوَّلُ الآيات، طُرِحَتِ الأقلامُ وحُبِسَت الحفظةُ، وشهدت الأجساد على الأعمال. خرّجه ابن جرير الطبري (٨)، وكذا قال كثيرٌ ابن مرّة، ويزيدُ بن شريح، وغيرهما من السَّلف: إذا طلعت الشمس من مغربها طُبِع على القلوب بما فيها، وتُرفع الحفظة والعمل، وتؤمرُ الملائكة أنْ لا يكتبوا عملاً (٩)، وقال سفيان الثوري: إذا طلعت الشمسُ من مغربها، طوت الملائكةُ صحائِفَها ووضعت أقلامَها (١٠).

стр. 817

فالواجبُ على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أنْ لا يقدِرَ عليها ويُحال بينه وبينها، إمَّا بمرضٍ أو موت، أو بأنْ يُدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقبل معها عمل. قال أبو حازم: إنَّ بضاعةَ الآخرة كاسدة ويوشِكُ أنْ تَنفَقَ، فلا يُوصل منها إلى قليلٍ ولا كثيرٍ. ومتى حِيلَ بين الإنسان والعمل لم يبق له إلا الحسرةُ والأسفُ عليه، ويتمنى الرجوع إلى حالة يتمكن فيها من العمل، فلا تنفعُهُ الأمنية (١). قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٣). وقال : ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٤). وفي " الترمذي " (٥) عن أبي هريرة مرفوعاً: «ما مِنْ ميِّتٍ يموتُ إلا نَدِمَ»، قالوا: وما ندامتُه؟ قال: «إنْ كان محسناً، ندِم أنْ لا يكون ازدادَ، وإنْ كان مسيئاً، ندم أنْ لا يكون استعتب». فإذا كان الأمرُ على هذا فيتعيَّنُ على المؤمن اغتنامُ ما بقي من عمره، ولهذا قيل: إنَّ بقية عمر المؤمن لا قيمة له. وقال سعيدُ بن جُبير: كلّ يوم يعيشه المؤمن غنيمة (٦)، وقال بكر المزني: ما من يوم أخرجه الله

стр. 818

إلى الدنيا إلا يقول: يا ابنَ آدم، اغتنمني لعلَّه لا يومَ لك بعدي، ولا ليلة إلا تنادي: ابنَ آدم، اغتنمني لعلَّه لا ليلة لك بعدي (١)، ولبعضهم: اغتَنِمْ في الفراغ فَضْلَ رُكوعٍ … فعسى أنْ يكونَ موتُك بَغتة كم صَحيحٍ رأيتَ من غيرِ سُقم … ذهَبتْ نفسُهُ الصحيحة فلتَة وقال محمود الورّاق (٢): مَضَى أَمسُكَ الماضي شَهيداً مُعدّلاً … وأَعْقَبَهُ يَومٌ عَليكَ جَديدُ فإنْ كُنتَ بالأمسِ اقترفتَ إساءةً … فَثَنِّ بإحسَانٍ وأنتَ حَميدُ فيومُكَ إنْ أعتَبتَهُ عادَ نَفعُهُ … عَليكَ وماضي الأمسِ لَيسَ يَعودُ ولا تُرجِ فِعلَ الخيرِ يوماً إلى غَدٍ … لَعلَّ غَداً يَأتِي وأَنْتَ فَقِيدُ

стр. 819

الحديث الحادي والأربعون عَنْ عبدِ الله بن عَمرو بنِ العاص ﵄، قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : «لا يُؤمِنُ أَحدُكُم حتّى يكونَ هَواهُ تَبَعاً لِما جِئتُ بِهِ» (١) قال الشيخ ﵀: حديثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، رَويناهُ في كِتابِ " الحُجَّة " بإسنادٍ صحيح!. يريد بصاحب كتاب " الحجة " الشيخ أبا الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد نزيل دمشق (٢)، وكتابه هذا هو كتاب " الحجة على تارك المحجة " يتضمن ذكرَ أصولِ الدين على قواعدِ أهل الحديث والسُّنة. وقد خرَّج هذا الحديث الحافظ أبو نعيم في كتاب " الأربعين " وشرط في أوَّلها أنْ تكونَ من صحاح الأخبار وجياد الآثار مما أجمع الناقلون على عدالة ناقليه، وخرَّجته الأئمة في مسانيدهم، ثم خرَّجه عن الطبراني: حدثنا أبو زيد عبد الرحمان ابن حاتم المرادي، حدثنا نُعيم بن حمادٍ، حدثنا عبد الوهَّاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عُقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرٍو، قال: قال رسولُ الله ﷺ : «لا يُؤمِنُ أَحدكم حتّى يكونَ هواه تبعاً لما جئتُ به لا يزيغُ عنه». ورواه الحافظ أبو بكر بن عاصم الأصبهاني (٣) عن ابنِ واره، عن نُعيم بن حماد، حدثنا عبدُ الوهَّاب الثقفي حدثنا بعضُ مشيختنا هشامٌ أو غيره عن ابن سيرين، فذكره. وليس عنده «لا يزيغ عنه»، قال الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مُختلفٌ فيه على نعيم، وقيل فيه: حدثنا بعضُ مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره. قلت: تصحيحُ هذا الحديث بعيدٌ جداً من وجوه، منها: أنَّه حديثٌ يتفرد به

стр. 820

نُعيمُ بنُ حماد المروزي، ونُعيم هذا وإنْ كان وثَّقه جماعةٌ مِنَ الأئمة، وخرَّج له البخاري، فإنَّ أئمةَ الحديث كانوا يُحسنون به الظنَّ، لِصلابته في السُّنة، وتشدُّده في الرَّدِّ على أهل الأهواء، وكانوا ينسبونه إلى أنَّه يَهِمُ، ويُشبّه عليه في بعض الأحاديث، فلمَّا كُثرَ عثورُهم على مناكيره، حكموا عليه بالضَّعف، فروى صالح ابن محمد الحافظ عن ابن معين أنَّه سئل عنه فقال: ليس بشيء ولكنَّه صاحب سنة، قال صالح: وكان يُحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يُتابع عليها. وقال أبو داود: عند نعيم نحوُ عشرين حديثاً عن النَّبيِّ ﷺ ليس لها أصل (١)، وقال النَّسائي: ضعيف (٢). وقال مَرَّةً: ليس بثقة. وقال مرة: قد كثر تفرُّدُه عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرةٍ، فصار في حدِّ مَنْ لا يُحتجُّ به. وقال أبو زرعة الدمشقي: يَصِلُ أحاديث يُوقِفُها الناسُ (٣)، يعني: أنَّه يرفع الموقوفات، وقال أبو عروبة الحراني: هو مظلمُ الأمر، وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات، ونسبه آخرون إلى أنّه كان يضعُ الحديثَ، وأين كان أصحاب عبد الوهَّاب الثقفي، وأصحاب هشام بن حَسّان، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى يتفرَّد به نعيم؟ ومنها: أنَّه قد اختلف على نُعيم في إسناده، فروي عنه، عن الثقفي، عن هشام، ورُوي عنه عن الثقفي، حدَّثنا بعضُ مشيختنا هشام أو غيره، وعلى هذه الرواية، فيكون شيخ الثَّقفيِّ غيرَ معروف عينه، ورُوي عنه عن الثقفي، حدّثنا بعض مشيختنا، حدَّثنا هشام أو غيره، فعلى هذه الرواية، فالثقفيُّ رواه عن شيخٍ مجهولٍ، وشيخه رواه عن غير مُعَيَّن، فتزدادُ الجهالةُ في إسناده. ومنها: أنَّ في إسناده عُقبةَ بن أوس السَّدوسي البصري، ويقال فيه: يعقوب ابن أوس أيضاً (٤)، وقد خرَّج له أبو داود والنَّسائي وابن ماجه حديثاً عن عبد الله ابن عمرو، ويقال: عبد الله بن عمر، وقد اضطرب في إسناده، وقد وثقه العجلي، وابن سعد،

стр. 821

وابن حبان (١)، وقال ابنُ خزيمة: روى عنه ابن سيرين مع جلالته، وقال ابنُ عبد البرِّ: هو مجهول. وقال الغلابي في " تاريخه ": يزعمون أنَّه لم يسمع من عبد الله بن عمرو، وإنَّما يقول: قال عبد الله بن عمرو، فعلى هذا تكون رواياتُه عن عبد الله بن عمرو منقطعة، والله أعلم. وأما معنى الحديث، فهو أنَّ الإنسان لا يكون مؤمناً كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعةً لما جاء به الرسول ﷺ من الأوامر والنَّواهي وغيرها، فيحبُّ ما أمر به، ويكره ما نهى عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع. قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٣). وذمَّ سبحانه من كره ما أحبَّه الله، أو أحبَّ ما كرهه الله، قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٤)، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (٥). فالواجب على كلِّ مؤمن أنْ يُحِبَّ ما أحبَّه الله محبةً توجِبُ له الإتيان بما وجب عليه منه، فإنْ زادت المحبَّةُ، حتّى أتى بما ندب إليه منه، كان ذلك فضلاً، وأنْ يكره ما كرهه الله تعالى كراهةً توجِبُ له الكفَّ عمَّا حرَّم عليه منه، فإنْ زادت الكراهةُ حتَّى أوجبت الكفَّ عما كرهه تنْزيهاً، كان ذلك فضلاً. وقد ثبت في " الصحيحين " (٦) عنه ﷺ أنَّه قال: «لا يؤمن أحدُكُم حتّى أكونَ أحبَّ

стр. 822

إليه من نفسه وولده وأهله والنّاس أجمعين» فلا يكون المؤمن مؤمناً حتى يُقدم محبة الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبة الرسول تابعة لمحبة مرسله. والمحبة الصحيحةُ تقتضي المتابعةَ والموافقةَ في حبِّ المحبوبات وبغضِ المكروهات، قال : ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (١). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٢) قال الحسن (٣): قال أصحابُ النَّبيِّ ﷺ : يا رسول الله، إنّا نُحبُّ ربنا حبّاً شديداً، فأحبَّ الله أنْ يجعل لحبه علماً، فأنزل الله هذه الآية. وفي " الصحيحين " (٤) عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ حلاوةَ الإيمان: أنْ يكونَ اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه ممَّا سواهُما، وأنْ يُحبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله، وأنْ يكره أنْ يَرجِعَ إلى الكُفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أنْ يُلقى في النار». فمن أحبَّ الله ورسوله محبةً صادقة من قلبه، أوجب له ذلك أنْ يُحبَّ بقلبه ما يُحبُّه الله ورسولُه، ويكره ما يكرهه الله ورسوله، ويرضى بما يرضى الله ورسوله، ويَسخط ما يَسْخَطُهُ الله ورسوله، وأنْ يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحبِّ والبغض، فإنْ عمل بجوارحه شيئاً يُخالِفُ ذلك، فإن ارتكبَ بعضَ ما يكرهه الله ورسولُه، أو ترك بعضَ ما يُحبه الله ورسوله، مع وجوبه والقدرة عليه، دلَّ ذلك على نقص محبَّته الواجبة، فعليه أنْ يتوبَ من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة. قال أبو يعقوب النَّهْرُجُوريُّ: كلُّ مَنِ ادَّعى محبة الله ، ولم يوافِقِ الله في أمره، فدعواه باطلة، وكلُّ محبٍّ ليس يخاف الله، فهو مغرورٌ (٥).

стр. 823

وقال يحيى بنُ معاذ: ليس بصادقٍ من ادّعى محبَّة الله ولم يحفظ حدودَه. وسئل رُويم عن المحبة، فقال: الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد: ولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سَمعاً وطاعةً … وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلاً ومرحبا (١) ولبعض المتقدمين (٢): تَعصِي الإله وأنت تَزعُمُ حُبَّه … هذا لعمري في القِياس شَنيعُ لَو كان حُبُّك صادِقاً لأطعتَه … إنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحبُّ مُطيعُ فجميعُ المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف اللهُ المشركين باتِّباع الهوى في مواضع من كتابه، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ (٣). وكذلك البدعُ، إنَّما تنشأ من تقديم الهوى على الشَّرع، ولهذا يُسمى أهلُها أهل الأهواء. وكذلك المعاصي، إنَّما تقعُ من تقديم الهوى على محبة الله ومحبة ما يُحبه. وكذلك حبُّ الأشخاص: الواجب فيه أنْ يكون تَبعاً لما جاء به الرسولُ ﷺ . فيجبُ على المؤمن محبةُ الله ومحبةُ من يحبه الله من الملائكة والرسل والأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين عموماً، ولهذا كان مِنْ علامات وجود حلاوة الإيمان أنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحبُّه إلا لله، ويُحرمُ موالاةُ أعداءِ الله. ومن يكرهه الله عموماً، وقد سبق ذلك في موضع آخر، وبهذا يكونُ الدِّينُ كلُّه لله. و «من أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» (٤)، ومن كان حُبُّه وبُغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه، كان ذلك نقصاً في إيمانه الواجب، فيجب عليه التَّوبةُ من ذلك، والرُّجوع إلى اتِّباع ما جاء به الرسول ﷺ من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفوس ومراداتها كلها.

стр. 824

قال وُهيب بنُ الورد (١): بلغنا - والله أعلم - أنَّ موسى ﵇، قال: يا ربِّ أوصني؟ قال: أوصيك بي، قالها ثلاثاً حتى قال في الآخرة: أوصيك بي أن لا يعرض لك أمرٌ إلا آثرت فيه محبتي على ما سواها، فمن لم يفعل ذلك لم أُزكِّه ولم أرحمه. والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق: أنَّه الميلُ إلى خلاف الحقِّ، كما في قوله : ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (٢)، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣). وقد يُطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقاً، فيدخل فيه الميل إلى الحقِّ وغيره، وربما استُعمِل بمعنى محبة الحقِّ خاصة والانقياد إليه، وسئل صفوانُ بن عسّال: هل سمعتَ منَ النَّبيَّ ﷺ يذكر الهوى، فقال: سأله أعرابيٌّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحق بهم، فقال: «المرءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» (٤). ولمَّا نزل قوله : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (٥)، قالت عائشة للنَّبيِّ ﷺ : ما أرى ربَّك إلا يُسارعُ في هواك (٦). وقال عمر في قصة المشاورة في أسارى بدر: فهوي رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر، ولم يهوَ ما قلتُ (٧)، وهذا الحديثُ مما جاء استعمال الهوى فيهِ بمعنى المحبة المحمودة، وقد وقع مثلُ ذلك في الآثار الإسرائيلية كثيراً، وكلامُ مشايخ القوم وإشاراتُهم نظماً ونثراً يكثُر في هذا الاستعمال، ومما يُناسبُ معنى الحديثِ من ذلك قولُ بعضهم: إنَّ هواكَ الَّذي بقلبي … صَيَّرني سامعاً مُطيعا أخذت قلبي وغَمضَ عيني … سَلَبتني النَّومَ والهُجوعا فَذَرْ فؤادي وخُذ رُقادي … فقال: لا بل هُما جميعا

стр. 825

الحديث الثاني والأربعون عَنْ أَنسِ بن مالكٍ ﵁، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يَقولُ: «قالَ اللهُ تَعالى: يا ابنَ آدَمَ، إنَّكَ ما دَعَوتَني ورَجَوتَني غَفَرتُ لك على ما كانَ مِنكَ ولا أُبالي، يا ابن آدمُ لَوَ بَلَغَتْ ذُنُوبُك عَنانَ السَّماءِ، ثمَّ استَغفَرتَني، غَفَرْتُ لكَ، يا ابنَ آدم إنَّك لو أَتَيتَني بِقُرابِ الأرضِ خَطايا، ثمَّ لَقِيتَني لا تُشركُ بي شَيئاً، لأتيتُكَ بِقُرابها مغفرةً». رواهُ التِّرمذيُّ (١) وقالَ: حديثٌ حَسَن. هذا الحديثُ تفرَّد به الترمذيُّ خرّجه من طريق كثير بن فائد، حدَّثنا سعيدُ ابن عبيد، سمعتُ بكر بن عبد الله المزني يقولُ: حدثنا أنسٌ، فذكره، وقال: حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. انتهى. وإسناده لا بأس به، وسعيدُ بنُ عبيد هو الهُنائي، قال أبو حاتم: شيخ. وذكره ابن حبان في " الثقات " (٢)، ومن زعم أنَّه غيرُ الهنائي، فقد وهِمَ، وقال الدارقطني: تفرَّد به كثيرُ بن فائد، عن سعيد مرفوعاً، ورواهُ سَلْم بنُ قتيبة، عن سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس. قلت: قد روي عنه مرفوعاً وموقوفاً، وتابعه على رفعه أيضاً أبو سعيد مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن عُبيد مرفوعاً أيضاً، وقد روي أيضاً من حديث ثابت، عن أنس مرفوعاً، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر (٣). وقد رُوي أيضاً من حديث أبي ذَرٍّ خرَّجه الإمامُ أحمد (٤) من رواية شهر بنِ حوشب، عن معد يكرب، عن أبي ذرٍّ، عن النَّبيِّ ﷺ يرويه عن ربه فذكره بمعناه، ورواه بعضُهم عن شهر، عن عبد الرحمان بن غَنْم، عن

стр. 826

أبي ذرّ (١)، وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النَّبيِّ ﷺ ، ولا يصحُّ هذا القول (٢). ورُوي من حديث ابن عباس خرَّجه الطبراني (٣) من رواية قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جُبير، عن ابنِ عباس، عن النَّبيِّ ﷺ . ورُوي بعضه من وجوهٍ أُخر، فخرَّج مسلم في " صحيحه " (٤) من حديث المعرور بن سُويد، عن أبي ذرٍّ عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «يقول الله تعالى: مَن تقرَّب منِّي شبراً تقرَّبت منه ذراعاً، ومن تقرَّب منِّي ذراعاً تقرَّبت منه باعاً، ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة، ومن لقِيَني بقُرابِ الأرض خطيئةً لا يُشرِكُ بي شيئاً لقيتُه بقُرابها مغفرةً». وخرَّج الإمام أحمد (٥) من رواية أخشن السَّدوسي، قال: دخلتُ على أنس، فقال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «والَّذي نفسي بيده، لو أخطأتم حتّى تملأ خطاياكُم ما بَيْنَ السماءِ والأرض، ثم استغفرتُمُ الله، لغَفَرَ لكُم». فقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أنَّ هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة: أحدها: الدعاءُ مع الرجاء، فإنَّ الدعاء مأمورٌ به، وموعودٌ عليه بالإجابة، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (٦). وفي " السنن الأربعة " (٧) عن النعمان بن بشير، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ الدُّعاء هو العبادة» ثم تلا هذه الآية.

стр. 827

وفي حديث آخر خرَّجه الطبراني (١) مرفوعاً: «مَنْ أُعطي الدُّعاء، أُعطي الإجابة؛ لأنَّ الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾» (٢). وفي حديث آخر: «ما كان الله لِيفتَحَ على عبدٍ بابَ الدُّعاء، ويُغلقَ عنه بابَ الإجابة» (٣). لكن الدعاء سببٌ مقتضٍ للإجابة معَ استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه، وقد تتخلَّف إجابته، لانتفاءِ بعض شروطه، أو وجود بعض موانعه، وقد سبق ذكرُ بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر. ومن أعظم شرائطه: حضور القلب، ورجاءُ الإجابة من الله تعالى، كما خرَّجه الترمذي (٤) من حديث أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ الله لا يَقبلُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ». وفي " المسند " (٥) عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ هذه القلوب أوعيةٌ، فبعضُها أوعى من بعض، فإذا سألتم الله، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة، فإنَّ الله لا يستجيبُ لعبدٍ دعاءً من ظهرِ قلبٍ غافلٍ». ولهذا نهي العبد أنْ يقول في دعائه: اللهمَّ اغفر لي إنْ شئت، ولكنْ لِيَعزِم المسأَلَة، فإنَّ الله لا مُكرهَ له (٦). ونُهي أنْ يستعجل، ويتركَ الدعاء لاستبطاء الإجابة (٧)،
следующие страницы →