← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 893–932 · переход к 898.

стр. 893

يكفي الأربعة» (١). فأحسنُ ما أكل المؤمن في ثُلُثِ بطنه، وشرِبَ في ثلث، وترك للنَّفَسِ ثُلثاً، كما ذكره النَّبيُّ ﷺ في حديث المقدام، فإنَّ كثرة الشرب تجلِبُ النوم، وتفسد الطعام. قال سفيان: كُلْ ما شئتَ ولا تشرب، فإذا لم تشرب، لم يجئك النوم (٢). وقال بعض السَّلف: كان شبابٌ يتعبَّدون في بني إسرائيل، فإذا كان عند فطرهم، قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيراً، فتشربوا كثيراً، فتناموا كثيراً، فتخسروا كثيراً (٣). وقد كان النَّبيُّ ﷺ وأصحابه يجوعون كثيراً، ويتقلَّلون من أكل الشَّهوات، وإنْ كان ذلك لِعدم وجود الطَّعام، إلاَّ أنَّ الله لا يختارُ لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلها. ولهذا كان ابنُ عمر يتشبه بهم في ذلك، مع قدرته على الطَّعام، وكذلك كان أبوه من قبله. ففي " الصحيحين " (٤) عن عائشة، قالت: ما شبع آلُ محمدٍ ﷺ منذ قَدِمَ المدينة من خبز بُرٍّ ثلاث ليال تباعاً حتى قُبض، ولمسلم (٥): قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض. وخرَّج البخاري (٦) عن أبي هريرة قال: ما شَبِعَ رسول الله ﷺ من طعام ثلاثة أيام حتى قُبض. وعنه قال: خرج رسول الله ﷺ من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير (٧).

стр. 894

وفي " صحيح مسلم " (١) عن عمر أنَّه خطب، فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا، فقال: لقد رأيتُ رسول الله ﷺ يظلُّ اليوم يلتوي ما يجد دَقَلاً يملأ به بطنه. وخرَّج الترمذي (٢)، وابن ماجه (٣) من حديث أنس عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لقد أوذيت في الله وما يُؤذى أحد، ولقد أُخِفْتُ في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاث مِنْ بين يومٍ وليلةٍ وما لي طعامٌ إلا ما واراه إبط بلال». وخرَّج ابنُ ماجه (٤) بإسناده عن سليمان بن صُرَد، قال: أتانا رسولُ الله ﷺ ، فمكثنا ثلاث ليالٍ لا نَقدِرُ - أو لا يقدر - على طعام. وبإسناده (٥) عن أبي هريرة، قال: أُتي رسول الله ﷺ بطعامٍ سُخْن، فأكل، فلما فرغ، قال: «الحمدُ لله، ما دخل بطني طعامٌ سخن منذ كذا وكذا». وقد ذم الله ورسوله من اتَّبع الشهواتِ، قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً إِلاَّ مَنْ تَابَ﴾ (٦). وصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «خيرُ القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويَنذِرُون ولا يُوفون، ويظهر فيهم السِّمَنُ» (٧). وفي " المسند " (٨) أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى رجلاً سميناً، فجعل يومئُ بيده إلى بطنه ويقول: «لو كان هذا في غير هذا، لكان خيراً لك».

стр. 895

وفي " المسند " (١) عن أبي برزة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم شهواتُ الغي في بطونكم وفروجكم، ومُضلات الهوى». وفي " مسند البزار " وغيره (٢) عن فاطمة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «شرارُ أمتي الذين غذوا بالنَّعيم يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدّقون في الكلام». وخرَّج الترمذي (٣) وابن ماجه (٤) من حديث ابن عمر، قال: تجشأ (٥) رجلٌ عند النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «كفّ عنا جُشاءك، فإنَّ أكثرهم شبعاً في الدنيا أطولُهم جوعاً يوم القيامة». وخرَّجه ابنُ ماجه (٦) من حديث سلمان أيضاً بنحوه، وخرَّجه الحاكم (٧) من حديث أبي جُحيفة وفي أسانيدها كلِّها مقال. وروى يحيى بنُ منده في كتاب " مناقب الإمام أحمد " بإسنادٍ له عن الإمامِ أحمد أنَّه سئل عن قولِ النَّبيِّ ﷺ : «ثُلث للطَّعام، وثُلثٌ للشراب، وثلث للنفس» فقال: ثلث للطعام: هو القُوتُ، وثلث للشراب: هو القوى، وثلث للنفس: هو الروح، والله أعلم.

стр. 896

الحديث الثامن والأربعون عَنْ عبد الله بن عمرٍو ﵄، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قالَ: «أَربعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنافِقاً، وإنْ كَانَتْ خَصلةٌ مِنهُنَّ فِيهِ كَانَتْ فِيهِ خَصلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حتَّى يَدَعَها: مَنْ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ، وإذا خَاصم فَجَر، وإذا عَاهَد غَدَرَ» خرَّجه البُخاريُّ (١) ومُسلمٌ (٢). هذا الحديث خرَّجاه في " الصحيحين " من رواية الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّةَ، عن مسروق، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وخرَّجا في " الصحيحين " (٣) أيضاً من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «آيةُ المنافق ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَبَ، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتُمِن خَانَ». وفي رواية لمسلم (٤): «وإن صام وصلَّى وزَعَمَ أنَّه مُسلمٌ» وفي رواية له أيضاً (٥): «من علامات المنافق ثلاثة». وقد رُوي هذا عن النَّبيِّ ﷺ من وجوه أخر. وهذا الحديث قد حمله طائفةٌ ممَّن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا على عهدِ النبيِّ ﷺ ، فإنَّهم حدَّثوا النَّبيَّ ﷺ فكذَّبوه، وائتمنهم على سرِّه فخانوه، ووعدُوه أن يخرُجوا معه في الغزو فأخلفوه، وقد روى محمَّدٌ المُحْرِمُ هذا التأويلَ عن عطاءٍ، وأنَّه قال: حدثني به جابرٌ، عن النَّبيِّ ﷺ ، وذكر أنَّ الحسنَ رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه (٦). وهذا كذب، والمحرم شيخ كذابٌ معروف بالكذب (٧).

стр. 897

وقد رُوي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين أنَّه أنكر على الحسن قوله: ثلاثٌ من كنَّ فيه، فهو منافق، وقال: قد حدَّث إخوةُ يوسف فكذبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخانوا ولم يكونوا منافقين (١)، وهذا لا يصح عن عطاء، والحسن لم يقل هذا من عنده وإنَّما بلغه عن النَّبيِّ ﷺ . فالحديث ثابت عنه ﷺ لا شكَّ في ثبوته وصحته والذي فسره به أهلُ العلم المعتبرون أنَّ النفاقَ في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير، وإبطان خلافه، وهو في الشرع ينقسم إلى قسمين: أحدهما: النفاقُ الأكبرُ، وهو أنْ يظهر الإنسانُ الإيمانَ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، ويُبطن ما يُناقض ذلك كلَّه أو بعضه، وهذا هو النِّفاق الذي كان على عهد النَّبيِّ ﷺ ، ونزل القرآن بذمِّ أهله وتكفيرهم، وأخبر أنَّ أهله في الدَّرْكِ الأسفل من النار (٢). والثاني: النفاق الأصغر، وهو نفاق العمل (٣)، وهو أنْ يُظهر الإنسانُ علانيةً صالحةً، ويُبطن ما يُخالف ذلك. وأصولُ هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث، وهي خمسة: أحدها: أن يُحدِّث بحديث لمن يصدِّقه به وهو كاذب له، وفي " المسند " (٤) عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «كَبُرَت خيانةً أنْ تحدِّث أخاك حديثاً هو لك مصدِّقٌّ، وأنت به كاذب».

стр. 898

قال الحسنُ: كان يقال: النفاقُ اختلاف السِّرِّ والعلانية، والقول والعمل، والمدخل والمخرج، وكان يقالُ: أُسُّ النفاق الذي بني عليه النفاق الكذبُ (١). الثاني: إذا وَعَدَ أخلف، وهو على نوعين: أحدُهُما: أنْ يَعِدَ ومِنْ نيته أنْ لا يفي بوعده، وهذا أشرُّ الخلف، ولو قال: أفعل كذا إنْ شاء الله تعالى ومن نيته أنْ لا يفعل، كان كذباً وخُلفاً، قاله الأوزاعيُّ. الثاني: أنْ يَعِدَ ومن نيته أنْ يفي، ثم يبدو له، فيُخلِفُ من غير عذرٍ له في الخلف. وخرَّج أبو داود (٢)، والترمذي (٣) من حديث زيد بنِ أرقم، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا وعَد الرَّجُلُ ونَوى أنْ يفي به، فلم يَفِ، فلا جُناحَ عليه». وقال الترمذي (٤): ليس إسنادُه بالقوي. وخرّجه الإسماعيلي وغيره من حديث سلمان أنَّ علياً لقي أبا بكر وعمر، فقال: ما لي أراكما ثقيلين؟ قالا: حديثٌ سمعناه من النَّبيِّ ﷺ ذكر خلالَ المنافق: «إذا وَعَدَ أخلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَب، وإذا اؤتُمِنَ خَانَ» فأيُّنا ينجو من هذه الخصالِ؟ فدخل عليٌّ على النَّبيِّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: «قد حدَّثتهما، ولم أضعه على الموضع الذي تضعونَه، ولكن المنافق إذا حدَّث وهو يحدِّث نفسه أنْ يكذبَ، وإذا وَعَدَ وهو يحدِّث نفسه أنْ يُخلِفَ، وإذا اؤتمِنَ وهو يُحدث نفسه أنْ يخونَ» (٥). وقال أبو حاتم الرازي (٦) في هذا الحديث من رواية سلمان وزيد بن أرقم:

стр. 899

الحديثان مضطربان وفي الإسنادين مجهولان. وقال الدارقطني (١): الحديث غير ثابت، والله أعلم. وخرَّج الطبراني (٢) والإسماعيلي من حديث عليٍّ مرفوعاً: «العِدَةُ دَينٌ، ويلٌ لمن وعد ثم أخلف» قالها ثلاثاً، وفي إسناده جهالة، ويُروى من حديث ابن مسعود، قال: لا يَعِدْ أحدكُم صَبِيَّه، ثم لا يُنجِزُ له، فإنَّ رسول الله ﷺ قال: «العِدَةُ عطية» (٣) وفي إسناده نظر، وأوَّله صحيح عن ابن مسعود من قوله. وفي مراسيل الحسن عن النَّبيِّ ﷺ قال: «العِدَةُ هِبَةٌ» (٤). وفي " سنن أبي داود" (٥) عن مولى لِعبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عبدِ الله بن عامر بن ربيعة، قال: جاء النَّبيُّ ﷺ إلى بيتنا وأنا صبيٌّ، فخرجتُ لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعالَ أُعطِك، فقال رسول الله ﷺ : «ما أردتِ أن تعطيه؟» قلت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال: «أما إنْ لم تفعلي كُتبت عليك كذبة». وفي إسناده من لا يُعرف. وذكر الزهريُّ عن أبي هُريرة، قال: من قال لِصبيٍّ: تَعَالَ هاك تمراً، ثم لا يُعطيه شيئاً فهي كذبة (٦). وقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعدِ، فمنهم من أوجبه مطلقاً، وذكر البخاري في "صحيحه" (٧) أنَّ ابن أشوع قضى بالوعد، وهو قولُ طائفة من أهل الظاهر

стр. 900

وغيرهم، منهم من أوجب الوفاء به إذا اقتضى تغريماً للموعود، وهو المحكيُّ عن مالك، وكثيرٌ من الفقهاء لا يوجبونه مطلقاً. والثالث: إذا خاصم فجر ويعني بالفجور أنْ يخرج عن الحقِّ عمداً حتى يصير الحقُّ باطلاً والباطلُ حقاً، وهذا مما يدعو إليه الكذبُ (١)، كما قال ﷺ : «إيَّاكم والكَذِبَ، فإنَّ الكذِبَ يهدي إلى الفُجور، وإنَّ الفجور يهدي إلى النارِ» (٢). وفي " الصحيحين " (٣) عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ أبغضَ الرجال إلى الله الألدُّ الخَصِمُ». وقد قال ﷺ : «إنَّكم لتَختَصمون إليَّ ولعلَّ بعضَكُم أنْ يكونَ ألحنَ بحُجَّته من بعض، وإنَّما أقضي على نحو مما أَسْمَعُ، فمن قضيتُ له بشيءٍ من حقِّ أخيه، فلا يأْخُذْهُ، فإنَّما أقطع له قِطعةً مِنَ النَّار» (٤). وقال ﷺ : «إنَّ مِنَ البيانِ سِحراً» (٥). فإذا كان الرجلُ ذا قدرةٍ عند الخصومة - سواء كانت خصومتُه في الدِّين أو في الدنيا - على أنْ ينتصر للباطل، ويُخيل للسَّامع أنَّه حقٌّ، ويوهن الحقَّ، ويخرجه في صورة الباطل، كان ذلك مِنْ أقبحِ المحرَّمات، ومن أخبث خصال النفاق، وفي " سنن أبي داود " (٦) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ خَاصَمَ في باطلٍ وهو يعلَمُهُ لم يَزَلْ في سَخَطِ الله حتى يَنزِعَ». وفي رواية له (٧) أيضاً: «ومَنْ أعانَ على خصومةٍ بظلم، فقد باء بغضب من الله».

стр. 901

الرابع: إذا عاهد غدر، ولم يفِ بالعهد، وقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ (١)، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ (٢)، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). وفي " الصحيحين " (٤) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لِكُلِّ غادرٍ لواءٌ يومَ القيامَةِ يُعرف به»، وفي رواية: «إنَّ الغادرَ يُنصبُ له لواءٌ يومَ القيامة، فيقال: ألا هذه غَدرةُ فلان» (٥)، وخرَّجاه (٦) أيضاً من حديث أنس بمعناه. وخرَّج مسلم (٧) من حديث أبي سعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لِكلِّ غادرٍ لواء عندَ استه يومَ القِيامة». والغدرُ حرامٌ في كلِّ عهدٍ بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَدُ كافراً، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو، عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ قَتلَ نفساً مُعاهداً بغير حقها لم يَرَحْ (٨) رائحةَ الجنة، وإنَّ ريحها ليوجَدُ من مسيرة أربعين عاماً» خرّجه البخاري (٩). وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقُضوا منها شيئاً. وأما عهودُ المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشدُّ، ونقضُها أعظم إثماً.

стр. 902

ومِنْ أعظمها: نقضُ عَهدِ الإمام على مَنْ بايعه، ورضِيَ به، وفي " الصحيحين " (١) عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهُم الله يومَ القيامةِ ولا يُزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ، فذكر منهم: ورجلٌ بايع إماماً لا يُبايعه إلاَّ لدنيا، فإنْ أعطاه ما يريد، وفَّى له، وإلا لم يفِ له». ويدخل في العُهود التي يجب الوفاءُ بها، ويحرم الغَدْرُ فيها: جميعُ عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تَرَاضَوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاءُ بها (٢)، وكذلك ما يجبُ الوفاء به لله ممَّا يعاهدُ العبدُ ربَّه عليه من نذرِ التَّبرُّرِ ونحوه. الخامس: الخيانةُ في الأمانة، فإذا اؤتمِنَ الرجلُ أمانةً، فالواجبُ عليه أنْ يُؤدِّيها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (٣)، وقال النَّبيُّ ﷺ : «أدِّ الأمانة إلى من ائتَمَنَكَ» (٤)، وقال في خطبته في حجة الوداع: «مَنْ كانَت عندَه أمانةٌ، فليؤدِّها إلى من ائتمنه عليها» (٥) وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٦) فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.

стр. 903

وفي حديث ابن مسعودٍ من قوله، وروي مرفوعاً: «القتلُ في سبيل الله يُكفِّر كلَّ ذنب إلا الأمانة، يُؤتى بصاحب الأمانةِ فيقال له: أدِّ أَمانتكَ، فيقول: أنّى يا ربِّ وقد ذهبتِ الدُّنيا؟ فيقالُ: اذهبوا به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتَّى ينتهيَ إلى قعرها، فيَجِدُها هناك كهيئتها، فيحمِلُها، فيضعها على عنقه فيَصْعَدُ بها في نار جهنم حتّى إذا رأى أنَّه قد خرج منها، زلَّت فهوت، وهو في إثرها أبد الآبدين» قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدُّ ذلك الودائع (١). وقد روي عن محمد بن كعب القرظي أنَّه استنبط ما في هذا الحديث - أعني حديث: «آية المنافق ثلاث» (٢) - من القرآن، فقال: مصداق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ﴾ (٤)، وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (٥) ورُوي عن ابن مسعود نحوُ هذا الكلام، ثم تلا قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٦) الآية. وحاصلُ الأمرِ أنَّ النفاق الأصغر كُلَّه يرجِع إلى اختلاف السريرة والعلانية قاله الحسن (٧)، وقال الحسن أيضاً: من النفاق اختلافُ القلب واللسان، واختلاف السِّرِّ والعلانية، واختلاف الدخول والخروج (٨).

стр. 904

وقال طائفة من السَّلف: خشوعُ النفاق أنْ ترى الجسدَ خاشعاً، والقلب ليس بخاشع، وقد رُوي معنى ذلك عن عمر، وروي عنه أنَّه قال على المنبر: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكم المنافقُ العليم، قالوا: كيف يكون المنافق عليماً؟ قال: يتكلم بالحكمةِ، ويعمل بالجور (١)، أو قال: المنكر. وسُئل حذيفة عن المنافق، فقال: الذي يصف الإيمان ولا يعمل به (٢). وفي " صحيح البخاري " (٣) عن ابن عمر أنَّه قيل له: إنا نَدخُلُ على سلطاننا، فنقول لهم بخلاف ما نتكلَّمُ إذا خرجنا من عندهم، قال: كُنَّا نعدُّ هذا نفاقاً. وفي " المسند " (٤) عن حُذيفة، قال: إنَّكم لتكلِّمون كلاماً إنْ كُنّا لنعدُّه على عهد رسول الله ﷺ النفاقَ، وفي رواية (٥) قال: إنْ كان الرجلُ ليتكلَّمُ بالكلمة على عهد رسول الله ﷺ ، فيصير بها منافقاً، وإنِّي لأسمعها من أحدِكم في اليوم في المجلس عشر مرارٍ. قال بلالُ بنُ سعد: المنافق يقولُ ما يَعرِفُ، ويعمل ما يُنكِرُ. ومن هنا كان الصحابة يخافون النفاقَ على أنفسهم، وكان عمرُ يسأل حُذيفة عن نفسه. وسئل أبو رجاء العطاردي: هل أدركتَ من أدركتَ من أصحاب رسول الله ﷺ يخشون النفاقَ؟ فقال: نَعَمْ إني أدركتُ منهم بحمد الله صدراً حسناً، نعم شديداً، نعم شديداً (٦).

стр. 905

وقال البخاري في " صحيحه " (١): وقال ابنُ أبي مُليكة: أدركتُ ثلاثين من أصحاب النَّبيِّ ﷺ كُلُّهم يخافُ النفاقَ على نفسه. ويُذكر عن الحسن قال: ما خافه إلاَّ مؤمِنٌ، ولا أمنه إلا منافق (٢). انتهى. وروي عن الحسن أنَّه حَلَفَ: ما مضى مؤمِنٌ قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاق مُشفِق، ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن. وكان يقول: من لم يخفِ النفاق، فهو منافق (٣). وسَمِعَ رجل أبا الدرداء يتعوَّذُ من النفاق في صلاته، فلما سلَّم، قال له: ما شأنك وشأنُ النفاق؟ فقال: اللهمَّ غفراً - ثلاثاً - لا تأمن البلاءَ، واللهِ إنَّ الرجل ليُفتَنُ في ساعةٍ واحدة، فينقلِبُ عن دينه (٤). والآثار عن السَّلف في هذا كثيرة جداً. قال سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث، فذكر منها قال: نحن نقول: النفاق، وهم يقولون: لا نفاق (٥). وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاقَ على نفسه، قيل له: إنَّهم يقولون: إنَّ عمر لم يَخَفْ أنْ يكونَ يومئذ منافقاً حتى سأل حُذيفة، ولكن خاف أنْ يُبتلى بذلك قبل أنْ يموت، قال: هذا قولُ أهل البدع، يشير إلى أنَّ عمر كان يخاف النفاقَ على نفسه (٦) في الحال، والظَّاهر أنَّه أراد أنَّ عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق

стр. 906

الأصغر وسيلةٌ وذريعةٌ إلى النفاق الأكبر، كما أنَّ المعاصي بريدُ الكفر، فكما يخشى على من أصرَّ على المعصية أنْ يُسلَبَ الإيمانَ عندَ الموت، كذلك يخشى على مَنْ أصرَّ على خصالِ النفاق أنْ يُسلَبَ الإيمانَ، فيصير منافقاً خالصاً. وسُئِلَ الإمامُ أحمد: ما تقولُ فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ فقال: ومن يأمنُ على نفسه النفاق؟ وكان الحسن يُسمي من ظهرت منه أوصافُ النفاق العملي منافقاً، وروي نحوه عن حذيفة. وقال الشعبي: من كذب، فهو منافق (١)، وحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقةٍ من أهل الحديث، وقد سبق في أوائل الكتاب ذكرُ الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر: هل يسمي كافراً كفراً لا يَنقلُ عن الملة أم لا؟ واسمُ الكفر أعظم من اسم النفاق، ولعلَّ هذا هوَ الذي أنكره عطاءٌ عن الحسن إن صحَّ ذلك عنه (٢). ومِنْ أعظم خِصال النفاق العملي: أنْ يعملَ الإنسان عملاً، ويُظهرَ أنَّه قصد به الخيرَ، وإنَّما عمله ليتوصَّل به إلى غرض له سيِّئٍ، فيتمّ له ذلك، ويتوصَّل بهذه الخديعةِ إلى غرضه، ويفرح بمكره وخِداعه وحَمْدِ النَّاس له على ما أظهره، وتوصل به إلى غرضه السيِّئِ الذي أبطنه، وهذا قد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود، فحكى عن المنافقين أنَّهم: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِرَاراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادَاً لِمَنْ حَارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلاّ الْحُسْنَى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٣)، وأنزل في اليهود: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤) وهذه الآية نزلت في اليهود، سألهم النَّبيُّ ﷺ عن شيءٍ فكتموه، وأخبروه بغيره، فخرجوا وقد أروه أنَّهم قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرِحُوا بما أُوتوا من كتمانهم وما سُئِلوا عنه، قال ذلك ابن عباس، وحديثُه مخرج في

стр. 907

"الصحيحين" (١). وفيهما (٢) أيضاً عن أبي سعيد أنَّها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النَّبيُّ ﷺ إلى الغزو تخلَّفوا عنه، وفَرِحُوا بمقعدهم خلافَه فإذا قَدِمَ رسولُ الله ﷺ من الغزو، اعتذروا إليه، وحلفوا، وأحبُّوا أنْ يُحمدوا بما لم يفعلوا. وفي حديث ابن مسعود، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ غَشَّنا، فَلَيسَ مِنّا، والمّكْرُ والخّديعةُ في النَّارِ» (٣). وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، وأحسن أبو العتاهية في قوله (٤): لَيسَ دُنيا إلاّ بدينٍ وليسَ الدِّ … ينُ إلاَّ مكارمَ الأخلاقِ إنَّما المكر والخديعةُ في النَّا … رِ هُما مِنْ خِصالِ أَهْلِ النِّفاق ولما تقرَّر عند الصحابة ﵃ أنَّ النفاق هو اختلافُ السرِّ والعلانية خشي بعضهم على نفسه أنْ يكونَ إذا تغير عليه حضورُ قلبه ورقتُه وخشوعه عندَ سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أنْ يكونَ ذلك منه نفاقاً، كما في " صحيح مسلم " (٥) عن حنظلة الأسيدي (٦) أنَّه مرَّ بأبي بكر وهو يبكي، فقال: ما لك؟ قالَ: نافق حنظلةُ يا أبا بكر، نكون عندَ رسول الله ﷺ يُذكِّرُنا بالجنة والنار

стр. 908

كأنّا رأيُ عين، فإذا رجعنا، عافَسنا (١) الأزواج والضيعة (٢) فنسينا كثيراً، قالَ أبو بكر: فوالله إنّا لكذلك، فانطلقا إلى رسول الله ﷺ ، فقالَ: «ما لك يا حَنْظَلة؟» قال: نافق حنظلة يا رسولَ الله، وذكر له مثلَ ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله ﷺ : «لو تَدُومونَ على الحال التي تقومون بها من عندي، لصَافَحَتكُم الملائكة في مجالسكم وفي طُرُقِكم، ولكن يا حنظلة ساعةً وساعةً». وفي " مسند البزار " (٣) عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله، إنا نكونُ عندك على حالٍ، فإذا فارقناك كُنّا على غيره، قال: «كيف أنتم وربكم؟» قالوا: الله ربُّنا في السرِّ والعلانية، قال: «ليس ذاكم النفاق». ورُوي من وجه آخر عن أنس (٤) قال: غدا أصحابُ رسول الله ﷺ ، فقالوا: هلكنا، قال: «وما ذاك؟» قالوا: النفاق، النفاق، قال: «ألستم تَشهدون أنْ لا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله؟» قالوا: بلى، قال: «فلَيسَ ذلك بالنِّفاق» ثم ذكر معنى حديث حنظلة كما تقدَّم.

стр. 909

الحديث التاسع والأربعون عَنْ عُمرَ بن الخطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: «لَو أَنَّكُم تَوكَّلُون على اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَما يَرزُقُ الطَّيرَ، تَغدُو خِماصاً، وتَروحُ بِطاناً» رواهُ الإمام أحمدُ (١) والتِّرمذيُّ (٢) والنَّسائيُّ (٣) وابنُ ماجه (٤) وابنُ حبَّان في " صحيحه " (٥) والحاكِمُ (٦)، وقال التِّرمذيُّ: حَسَنٌ صَحيحٌ. هذا الحديث خرَّجه هؤلاء كلهم من رواية عبد الله بن هُبيرة، سمع أبا تميم الجيشاني، سمع عمر بن الخطاب يُحدثه عن النَّبيِّ ﷺ ، وأبو تميم وعبد الله بن هبيرة خرَّج لهما مسلم، ووثقهما غيرُ واحد (٧)، وأبو تميم ولد في حياة النَّبيِّ ﷺ ، وهاجر إلى المدينة في زمن عمر ﵁ (٨). وقد رُوي هذا الحديثُ من حديث ابنِ عمر عن النَّبيِّ ﷺ (٩)، ولكن في إسناده من لا يُعرف حاله. قاله أبو حاتم الرازي (١٠).

стр. 910

وهذا الحديثُ أصل (١) في التوكُّل، وأنَّه من أعظم الأسباب التي يُستجلب بها الرزقُ، قال الله : ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (٢)، وقد قرأ النَّبيُّ ﷺ هذه الآية على أبي ذرٍّ، وقال له: «لو أنَّ الناسَ كُلَّهم أخَذوا بها لَكَفتهم» (٣) يعني: لو أنهم حقَّقوا التَّقوى والتوكل؛ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم. وقد سبق الكلامُ على هذا المعنى في شرح حديثِ ابن عباس: «احفَظِ اللهَ يَحفَظْكَ» (٤). قال بعضُ السلف: بِحَسبِكَ من التوسل إليه أن يَعلَمَ من قلبك حُسنَ توكُّلك عليه، فكم من عبدٍ من عباده قد فوَّضَ إليه أمره، فكفاه منه ما أهمّه (٥)، ثم قرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾، وحقيقة التوكّل: هو صدقُ اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح، ودفعِ المضارِّ من أمور الدنيا والآخرة كُلِّها، وكِلَةُ الأمور كلّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يَضرُّ ولا ينفع سواه. قال سعيدُ بنُ جبير: التوكل جِماع الإيمان (٦). وقال وهب بن مُنبِّه: الغاية القصوى التوكل (٧). قال الحسن: إنَّ توكلَ العبد على ربِّه أنْ يعلمَ أن الله هو ثقته (٨). وفي حديث ابنِ عباس عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ سرَّه أنْ يكونَ أقوى الناس، فليتوكل على الله» (٩).

стр. 911

وروي عنه ﷺ أنَّه كان يقول في دعائه: «اللهم إنِّي أسألُك صدقَ التوكُّل عليك» (١)، وأنَّه كان يقول: «اللهمَّ اجعلني ممن توكَّل عليك فكَفَيتَه» (٢). واعلم أنَّ تحقيق التوكل لا يُنافي السَّعي في الأسباب التي قدَّر الله سبحانه المقدورات بها، وجرت سُنَّته في خلقه بذلك، فإنَّ الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكُّل، فالسَّعيُ في الأسباب بالجوارح طاعةٌ له، والتوكُّلُ بالقلب عليه إيمانٌ به، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (٤)، وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٥). وقال سهل التُّستَرِي: من طعن في الحركة - يعني: في السعي والكسب - فقد طعن في السُّنة، ومن طعن في التوكل، فقد طعن في الإيمان (٦)، فالتوكل حالُ النَّبيِّ ﷺ ، والكسب سنَّتُه، فمن عمل على حاله، فلا يتركنّ سنته. ثم إنَّ الأعمال التي يعملها العبدُ ثلاثةُ أقسام: أحدُها: الطاعات التي أمر الله عباده بها، وجعلها سبباً للنَّجاة مِنَ النَّار ودخولِ الجنَّة، فهذا لابُدَّ من فعله مع التوكُّل على الله فيه، والاستعانة به عليه، فإنَّه لا حولَ ولا قُوَّة إلا به، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فمن قصَّرَ في شيءٍ ممَّا وجب عليه من ذلك، استحقَّ العقوبة في الدنيا والآخرة شرعاً وقدراً. قال يوسف بنُ أسباط: كان يُقال: اعمل عمل رجل لا يُنجيه إلا عملُه، وتوكَّلْ توكُّلَ رجلٍ لا يُصيبه إلا ما كُتِبَ له (٧). والثاني: ما أجرى الله العادة به في الدُّنيا، وأمر عباده بتعاطيه، كالأكلِ عندَ الجوعِ، والشُّرب عندَ العطشِ، والاستظلال من الحرِّ، والتدفؤ من البرد ونحو

стр. 912

ذلك، فهذا أيضاً واجب على المرء تعاطي أسبابه، ومن قَصَّر فيه حتى تضرَّر بتركه مع القُدرة على استعماله، فهو مُفرِّطٌ يستحقُّ العقوبة، لكن الله سبحانه قد يقوِّي بعضَ عباده من ذلك على مالا يَقوى عليه غيرُه، فإذا عَمِلَ بمقتضى قوَّته التي اختص بها عن غيره، فلا حرجَ عليه، ولهذا كان النَّبيُّ ﷺ يُواصلُ في صيامه، وينهى عَنْ ذلك أصحابه، ويقول لهم: «إنِّي لستُ كهيئتكم، إني أُطْعَمُ وأُسقى» (١)، وفي رواية: «إنِّي أظلُّ عند ربي يُطعمني ويسقيني» (٢)، وفي رواية: «إنَّ لي مُطْعِماً يُطعمني، وساقياً يسقيني» (٣). والأظهر أنَّه أراد بذلك أنَّ الله يُقوِّيه ويُغذيه بما يُورده على قلبه من الفتوح القدسية، والمنحِ الإلهية، والمعارف الربانية التي تُغنيه عن الطعام والشراب بُرهةً مِنَ الدَّهر، كما قال القائل (٤): لها أَحاديثُ مِنْ ذِكراكَ تَشغَلُها … عَنِ الشَّرابِ وتُلهيهَا عَنِ الزَّادِ لها بِوجْهِكَ نُورٌ تَستَضِيءُ به … وقْتَ المَسيرِ وفي أَعقابها حَادي إذا اشتَكَتْ من كلالِ السَّيرِ أوْعَدها … رَوْحُ القدوم فتحيى عندَ مِيعادِ فلا تجوع ولا تظمأ وما ضعفت … ولا تظل إذا كانت لها هادِ (٥) وقد كان كثيرٌ من السَّلف لهم مِن القُوَّة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، ولا يتضرَّرونَ بذلك. وكان ابنُ الزبير يُواصل ثمانية أيام (٦). وكان أبو الجوزاء يُواصل في صومه بين سبعة أيام، ثم يَقبِضُ على ذراع الشاب فيكَادُ يَحطِمُها (٧). وكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكلُ شيئاً غير أنَّه

стр. 913

يشرب شربة حلوى (١). وكان حجاج ابنُ فرافصة يبقي أكثر من عشرة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا ينام (٢)، وكان بعضهم لا يُبالي بالحرِّ ولا بالبرد كما كان عليٌّ ﵁ يلبس لباس الصَّيف في الشتاء ولباس الشتاء في الصيف، وكان النَّبيُّ ﷺ دعا له أنْ يُذهب الله عنه الحرَّ والبرد (٣). فمن كان له قوَّةٌ على مثل هذه الأمور، فعمل بمقتضى قوَّته ولم يُضعفه عن طاعة الله، فلا حرج عليه، ومن كلَّفَ نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات، فإنَّه يُنكر عليه ذلك، وكان السَّلف يُنكرون على عبد الرحمان بن أبي نُعم، حيث كان يترك الأكل مدة حتى يُعاد من ضعفه (٤). القسم الثالث: ما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعمِّ الأغلب، وقد يخرِقُ العادة في ذلك لمن يشاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيراً، ويغني عنه كثيراً من خلقه كالأدوية بالنسبة إلى كثيرٍ من البلدان وسكان البوادي ونحوها. وقد اختلف العلماءُ: هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقَّق التوكل على الله؟ وفيه قولان مشهوران، وظاهر كلام أحمد أنَّ التوكلَ لمن قوي عليه أفضلُ، لِمَا صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يَدخُلُ مِنْ أُمَّتي الجنَّة سبعون ألفاً بغير حساب» ثم قال: «هم الذين لا يتطيَّرون ولا يَسترقون ولا يَكتوون وعلى ربِّهم يتوكَّلون» (٥). ومن رجح التداوي قال: إنَّهُ حال النَّبيِّ ﷺ الذي كان يُداوم عليه، وهو لا يفعلُ إلاّ الأفضلَ، وحمل الحديثَ على الرُّقى المكروهة التي يُخشى منها الشركُ بدليل أنَّه قرنها بالكي والطِّيرة وكلاهما مكروه. ومنها ما يَخرِقُهُ لِقليلٍ من العامة، كحصول الرِّزق لمن ترك السعي في طلبه، فمن

стр. 914

رزقه الله صدق يقين وتوكل، وعَلِمَ من الله أنَّه يَخرِقُ له العوائد، ولا يُحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له تَركُ الأسباب، ولم يُنكر عليه ذلك، وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدلُّ على ذلك، ويدلُّ على أنَّ النَّاس إنَّما يُؤتون مِنْ قلَّة تحقيق التوكُّل، ووقوفهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم ومساكنتهم لها، فلذلك يُتعبون أنفسَهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلاّ ما قُدِّر لهم، فلو حَقَّقوا التوكُّلَ على الله بقلوبهم، لساقَ الله إليهم أرزاقهم مع أدنى سببٍ، كما يسوقُ إلى الطَّير أرزاقها بمجرَّدِ الغدوِّ والرواح، وهو نوعٌ من الطَّلب والسَّعي، لكنه سعيٌ يسيرٌ. وربما حُرِمَ الإنسانُ رزقَهُ أو بعضَه بذنب يُصيبه، كما في حديث ثوبان، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ العبدَ ليُحرَمُ الرِّزق بالذَّنب يُصيبه» (١). وفي حديث جابر، عن النَّبيِّ ﷺ : «إنَّ نفساً لن تموتَ حتى تستكمل رزقها، فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب، خُذوا ما حلَّ ودعوا ما حَرُم» (٢). وقال عمر: بين العبد وبين رِزقه حِجاب، فإن قنع ورضيت نفسه، آتاه رزقُه، وإنِ اقتحم وهتك الحجاب، لم يزد فوقَ رزقه (٣). وقال بعض السَّلف: توكل تُسَقْ إليك الأرزاق بلا تعب، ولا تَكَلُّف. قال سالم بن أبي الجعد: حُدِّثْتُ أنَّ عيسى ﵇ كان يقول: اعملوا للهِ ولا تعملوا لبطونكم، وإيَّاكم وفضولَ الدُّنيا، فإنَّ فضولَ الدُّنيا عند الله رجز، هذه طَيرُ السماء تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد الله يرزقها، فإنْ قلتُم: إنَّ بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش من البقر والحمير وغيرها

стр. 915

تغدو وتروح ليس معها من أرزاقها شيءٌ لا تحرث ولا تحصد، الله يرزقها (١). خرَّجه ابن أبي الدُّنيا. وخرّج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابدٌ يتعبد في غارٍ، فكان غرابٌ يأتيه كلَّ يوم برغيف يجد فيه طَعْمَ كلِّ شيءٍ حتى مات ذلك العابد (٢). وعن سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق، قال: أقامَ إلياسُ هارباً من قومه في جبل عشرين ليلة، - أو قال: أربعين - تأتيه الغربان برزقه. وقال سفيان الثوري: قرأ واصلٌ الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٣)، فقال: ألا إنَّ رزقي في السماء وأنا أطلبُه في الأرض؟ فدخل خَرِبَةً، فمكث ثلاثاً لا يُصيب شيئاً، فلمَّا كان اليومُ الرابع، إذ هو بدَوخَلةٍ من رُطَبٍ، وكان له أخٌ أحسن نيةً منه، فدخل معه، فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما (٤) حتى فرق الموتُ بينهما (٥). ومن هذا الباب من قَوِي توكُّله على الله ووثوقه به، فدخل المفاوزَ بغير زاد، فإنَّه يجوزُ لمن هذه صفته دونَ من لم يبلغ هذه المنْزلة، وله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل ﵇، حيث ترك هاجرَ وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرعٍ، وترك عندهما جراباً فيه تمرٌ وسِقاءً فيه ماء، فلمَّا تبعته هاجر، وقالت له: إلى من تَدعنا؟ قال لها: إلى الله، قالت: رضيتُ بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، فقد يَقذِفُ الله في قلوب بعض أوليائه من الإلهام الحقِّ ما يعلمون أنَّه حقٌّ، ويثقون به. قال المروذي: قيل لأبي عبد الله: أيّ شيءٍ صِدقُ التوكل على الله؟ قال: أنْ يتوكَّل على الله، ولا يكون في قلبه أحدٌ من الآدميين يطمع أنْ يجيئه بشيءٍ، فإذا كان كذا، كان الله يرزقه، وكان متوكِّلاً (٦).

стр. 916

قال: وذكرتُ لأبي عبد الله التوكُّل، فأجازه لمن استعملَ فيه الصِّدق (١). قال: وسألت أبا عبد الله عن رجلٍ جلس في بيته، ويقول: أجلِسُ وأصبر ولا أُطلع على ذلك أحداً، وهو يقدِرُ أنْ يحترف، قال: لو خرَجَ فاحترفَ كان أحبَّ إليَّ، وإذا جلس خفت أنْ يُخرجه إلى أنْ يكون يتوقع أنْ يرسل إليه بشيء. قلت: فإذا كان يبعث إليه بشيءٍ، فلا يأخذ؟ قالَ: هذا جيد (٢). وقلت لأبي عبد الله: إنَّ رجلاً بمكة قالَ: لا آكلُ شيئاً حتَّى يطعموني، ودخل في جبل أبي قبيس، فجاء إليه رجلان وهو متَّزِرٌ بخرقةٍ، فألقيا إليه قميصاً، وأخذا بيديه، فألبساه القميص، ووضعا بين يديه شيئاً، فلم يأكل حتَّى وضعا مفتاحاً من حديد في فيه، وجعلا يدُسَّان في فمه، فضحك أبو عبد الله، وجعل يعجب. وقلت لأبي عبد الله: إنَّ رجلاً ترك البيع والشراء، وجعل على نفسه أنْ لا يقع في يده ذهبٌ ولا فضَّةٌ، وترك دُورَه لم يأمر فيها بشيءٍ وكان يمرُّ في الطريق، فإذا رأى شيئاً مطروحاً، أخذه ممّا قد أُلقي. قال المروذي: فقلت للرجل: مالك حجة على هذا غير أبي معاوية الأسود، قال: بل أويس القرني، وكان يمرُّ بالمزابل، فيلتقط الرِّقاع، قال: فصدَّقه أبو عبد الله، وقال: قد شدَّد على نفسه. ثم قال: قد جاءني البَقْلِيُّ ونحوه، فقلت لهم: لو تعرضتُم للعمل تُشهِرون أنفسَكم، قال: وإيشٍ نُبالي من الشُّهرة؟ (٣) وروى أحمدُ بنُ الحسين بن حسّان عن أحمد أنَّه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زادٍ، قال: إنْ كنتَ تُطيقُ وإلا فلا إلاّ بزادٍ وراحلةٍ، لا تُخاطر (٤). قال أبو بكر

стр. 917

الخلال: يعني: إنْ أطاق وعلم أنَّه يقوى على ذلك، ولا يسأل، ولا تَستشرفُ نفسه لأنْ يأخذَ أو يُعطى فيقبل، فهو متوكل على الصدق، وقد أجاز العلماء التوكل على الصدق. قال: وقد حجَّ أبو عبد الله وكفاه في حجته أربعة عشر درهماً. وسئل إسحاق بن راهويه: هل للرجل أنْ يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: إنْ كان الرجلُ مثل عبد الله بن منير، فله أنْ يدخل المفازة بغير زاد (١)، وإلا لم يكن له أنْ يدخل، ومتى كان الرجل ضعيفاً، وخشي على نفسه أنْ لا يصبر، أو يتعرَّض للسؤال، أو أنْ يقعَ في الشَّكِّ والتسخُّط، لم يُجز له ترك الأسباب حينئذٍ، وأنكر عليه غايةَ الإنكار كما أنكر الإمامُ أحمد وغيره على من ترك الكسب وعلى من دخل المفازة بغير زادٍ، وخشي عليه التعرُّض للسؤال. وقد روي عن ابن عباس، قال: كان أهل اليمن يَحُجُّون ولا يتزوَّدون ويقولون: نحن متوكِّلون، فيحجُّون، فيأتون مكة، فيسألون الناس، فأنزل الله هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٢) (٣)، وكذا قال مجاهدٌ (٤)، وعكرمة (٥)، والنخعي (٦)، وغيرُ واحد من السَّلف (٧)، فلا يُرخَّصُ في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبُه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكُلية. وقد رُوي عن أحمد أنَّه سُئل عن التوكُّل، فقال: قطعُ الاستشراف باليأس من الخلق، فسُئِلَ عن الحُجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبريلُ وهو يُرمى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك، فلا (٨). وظاهر كلام أحمد أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئِل عمَّن يقعدُ ولا يكتسِبُ

стр. 918

ويقول: توكَّلت على الله، فقال: ينبغي للناس كُلِّهم يتوكَّلون على الله، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب (١). وروى الخلال بإسناده عن الفُضيل بن عياض أنَّه قيل له: لو أنَّ رجلاً قعد في بيته زعم أنَّه يثق بالله، فيأتيه برزقه، قال: إذا وثق بالله حتى يعلم منه أنَّه قد وثق به، لم يمنعه شيءٌ أراده، ولكن لم يفعل هذا الأنبياء ولا غَيرُهم، وقد كان الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النَّبيُّ ﷺ يُؤجِّرُ نفسه وأبو بكر وعمر، ولم يقولوا: نقعد حتى يرزقنا الله ، وقال الله : ﴿وَابْتَغُوْا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ (٢)، ولابُد من طلب المعيشة. وقد رُوي عن بشر ما يُشعر بخلاف هذا، فروى أبو نعيم في " الحلية " (٣) أنَّ بشراً سُئِل عن التوكُّل، فقال: اضطرابٌ بلا سكون، وسكون بلا اضطراب، فقال له السائل: فسِّره لنا حتى نفقهَ، قال بشر: اضطراب بلا سكون، رجل يضطربُ بجوارحه، وقلبُه ساكن إلى الله، لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب فرجل ساكنٌ إلى الله بلا حركة، وهذا عزيزٌ، وهو من صفات الأبدالِ. وبكل حال، فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية، فلابُدَّ له من معاناة الأسباب لاسيما من له عيال لا يصبرون، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «كَفى بالمرءِ إثماً أنْ يُضيِّعَ من يَقُوتُ» (٤). وكان بشرٌ يقول: لو كان لي عيالٌ لعملتُ واكتسبتُ. وكذلك من ضيَّع بتركه الأسباب حقاً له، ولم يكن راضياً بفوات حقه، فإنَّ هذا عاجزٌ مفرِّطٌ، وفي مثل هذا جاء قولُ النَّبيِّ ﷺ : «المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كُلٍّ خير، احرص على ما ينْفَعُك، واستعن بالله ولا

стр. 919

تَعْجز، فإنْ أصابك شيءٌ، فلا تقولنَّ: لو أنِّي فعلتُ كان كذا وكذا، ولكن قُلْ: قَدَرُ الله وما شاء فعل، فإنَّ الَّلو تفتحُ عمل الشيطان» خرَّجه مسلم (١) بمعناه من حديث أبي هريرة. وفي " سنن أبي داود " (٢) عن عوف بن مالك: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قضى بين رجلين، فقال المقضي عليه لمَّا أدبر: حسبُنا الله ونِعم الوكيل، فقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ الله يلومُ على العجز، ولكن عليك بالكيسِ، فإذا غلبك أمرٌ، فقل: حسبي الله ونعم الوكيل». وخرَّج الترمذي (٣) من حديث أنس، قال: قال رجل: يا رسول الله، أعقلها وأتوكَّل، أو أُطلقها وأتوكَّل؟ قال: «اعقلها وتوكَّل». وذكر عن يحيى القطان أنَّه قال: هو عندي حديث منكر (٤)، وخرَّجه الطبراني (٥) من حديث عمرو بن أمية، عن النَّبيِّ ﷺ . وروى الوضين بن عطاء عن محفوظ بن علقمة عن ابن عائذ (٦): أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ التوكلَ بَعدَ الكَيْسِ» (٧) وهذا مرسل، ومعناه أنَّ الإنسان يأخذ بالكَيْس، والسعي في الأسباب المباحة، ويتوكَّلُ على الله بعد سعيه، وهذا كله إشارة إلى أنَّ التوكل لا يُنافي الإتيان بالأسباب بل قد يكون جمعهما أفضلَ. قال معاوية بن قرة: لقي عمرُ بن الخطَّاب ناساً من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكِّلون، قال: بل أنتم المتأكلون، إنَّما المتوكل الذي يُلقي حبَّه في الأرض، ويتوكَّل على الله (٨).

стр. 920

قال الخلال: أخبرنا محمد بن أحمد بن منصور قال: سأل المازني بشرَ بنَ الحارث عن التوكل، فقال: المتوكل لا يتوكَّلُ على الله ليُكفى، ولو حلَّت هذه القصة في قلوب المتوكلة، لضجُّوا إلى الله بالندم والتوبة، ولكن المتوكل يَحُلُّ بقلبه الكفاية من الله ﵎ فيصدق الله فيما ضمن. ومعنى هذا الكلام أنَّ المتوكل على الله حقَّ التوكل لا يأتي بالتوكل، ويجعله سبباً لحصول الكفاية له من الله بالرِّزق وغيره، فإنَّه لو فعل ذلك، لكان كمن أتى بسائر الأسباب لاستجلاب الرزق والكفاية بها، وهذا نوعُ نقص في تحقيق التوكُّل. وإنَّما المتوكلُ حقيقة من يعلم أنَّ الله قد ضَمِنَ لعبده رزقه وكفايته، فيصدق الله فيما ضمنه، ويثق بقلبه، ويحققُ الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرِّزق من غير أنْ يخرج التوكُّل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسومٌ لكلِّ أحدٍ من برٍّ وفاجرٍ، ومؤمنٍ وكافرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ (١)، هذا مع ضعف كثيرٍ من الدواب وعجزها عن السَّعي في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (٢). فما دام العبدُ حيّاً، فرزقُه على الله، وقد يُيسره الله له بكسب وبغير كسب، فمن توكَّل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكُّل سبباً وكسباً، ومن توكَّل عليه لثقته بضمانه، فقد توكَّل عليه ثقة به وتصديقاً، وما أحسنَ قول مثنَّى الأنباري وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد: لا تكونوا بالمضمون مهتمِّين، فتكونوا للضامن متَّهمين، وبرزقه غير راضين (٣). واعلم أنَّ ثمرة التوكل الرِّضا بالقضاء، فمن وَكَلَ أموره إلى الله ورضي بما يقضيه له، ويختاره، فقد حقق التوكل عليه (٤)، ولذلك كان الحسنُ والفضيلُ وغيرهما يُفسِّرون التوكل على الله بالرِّضا.

стр. 921

قال ابنُ أبي الدنيا (١): بلغني عن بعض الحكماء قال: التوكلُ على ثلاثِ درجاتٍ: أولها: تركُ الشِّكاية، والثانية: الرضا، والثالثة: المحبة، فترك الشكاية درجة الصبر، والرضا سكون القلب بما قسم الله له، وهي أرفع من الأولى، والمحبَّةُ أنْ يكون حُبُّه لما يصنع الله به، فالأولى للزاهدين، والثانية للصادقين، والثالثة للمرسلين. انتهى. فالمتوكل على الله إنْ صبر على ما يُقدِّرُه الله له من الرزق أو غيره، فهو صابر، وإنْ رضي بما يُقدر له بعد وقوعه، فهو الراضي، وإنْ لم يكن له اختيارٌ بالكليَّة ولا رضا إلا فيما يقدر له، فهو درجة المحبين العارفين، كما كان عمر بنُ عبد العزيز يقول: أصبحتُ وما لي سرور إلا في مواضع القضاء والقدر.

стр. 922

الحديث الخمسون عَنْ عبدِ الله بن بُسْرٍ قال: أتى النَّبيَّ ﷺ رَجلٌ، فقالَ: يا رَسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كَثُرَتْ علينا، فبَابٌ نَتَمسَّكُ به جامعٌ؟ قال: «لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْباً مِنْ ذِكر الله » خرَّجه الإمامُ أحمدُ (١) بهذا اللَّفظِ. وخرَّجه الترمذي، وابنُ ماجه، وابنُ حبان في " صحيحه " (٢) بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب، وكُلُّهم خرَّجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسر. وخرَّج ابنُ حبان في " صحيحه " (٣) وغيره (٤) من حديث معاذ بن جبل، قال: آخِرُ ما فارقتُ عليه رسولَ الله ﷺ أنْ قلتُ له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى الله؟ قال: «أنْ تموتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله ». وقد سبق في هذا الكتاب مفرقاً ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هاهنا فضل إدامته، والإكثار منه. قد أمر الله سبحانه المؤمنين بأنْ يذكروه ذكراً كثيراً، ومَدَحَ من ذكره كذلك؛ قالَ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٥)، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦)، وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (٨).

стр. 923

وفي " صحيح مسلم " (١) عن أبي هريرة: أنَّ رسول الله ﷺ مرَّ على جبلٍ يقالُ له: جُمْدَان، فقال: «سِيروا هذا جُمدان (٢)، قد سبق المُفرِّدونَ». قالوا: ومن المفرِّدون يا رسول الله؟ قالَ: «الذاكرون الله كثيرا والذَّاكرات». وخرَّجه الإمام أحمد (٣)، ولفظه: «سبقَ المفَرِّدونَ» قالوا: وما المفردون؟ قال: «الذينَ يُهْتَرونَ (٤) في ذكرِ اللهِ». وخرَّجه الترمذي (٥)، وعنده: قالوا: يا رسول الله، وما المفرِّدون؟ قالَ: «المُستَهتَرونَ في ذِكرِ الله يَضعُ الذِّكر عنهم أثقالهم، فيأتون يومَ القيامة خِفافاً». وروى موسى بنُ عبيدة عن أبي عبد الله القَرَّاظ، عن معاذ بن جبل قال: بينما نَحنُ مَعَ رسول الله ﷺ نَسيرُ بالدّفِّ من جُمْدان إذ استنبه، فقال: «يا مُعاذُ، أينَ السابقون؟» فقلت: قد مَضَوا، وتخلَّف ناسٌ. فقال: «يا معاذ إنَّ السابقين الذين يُستَهتَرون بذكر الله » (٦) خرّجه جعفر الفِرياني. ومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث، فإنَّه لمَّا سبق الركب، وتخلف بعضهم، نبه النَّبيُّ ﷺ على أنَّ السابقين على الحقيقة هم الذين يُديمون ذكرَ الله، ويُولَعون به، فإنَّ الاستهتار بالشيء: هو الولوعُ به، والشغفُ، حتى لا يكاد يُفارِق ذكره، وهذا على رواية من رواه «المستهترون» ورواه بعضُهم، فقال فيه: «الذين أُهتِروا في ذكرِ الله» وفسّر ابنُ قتيبة الهترَ بالسَّقْطِ في الكلام (٧)، كما في الحديث: «المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتَران» (٨).

стр. 924

قال: والمرادُ من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر الله وطاعته، قال: والمراد بالمفرِّدين على هذه الرواية من انفرد بالعمر عن القَرنِ الذي كان فيه، وأما على الرواية الأولى، فالمراد بالمفرِّدين المتخلين من الناس بذكر الله تعالى، كذا قال، ويحتمل - وهو الأظهر - أنَّ المرادَ بالانفرادِ على الروايتين الانفراد بهذا العمل وهو كثرةُ الذكرِ دونَ الانفراد الحسي، إما عن القَرنِ أو عن المخالطة، والله أعلم. ومن هذا المعنى قولُ عمرَ بنِ عبد العزيز ليلةَ عرفة بعرفة عندَ قرب الإفاضة: ليس السابقُ اليوم من سبق بعيرُه، وإنَّما السابق من غُفر له (١). وبهذا الإسناد عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «من أحبَّ أنْ يرتع في رياض الجنَّة، فليُكثر ذكرَ الله » (٢). وخرَّج الإمام أحمد والنَّسائي، وابنُ حبان في " صحيحه " (٣) من حديث أبي سعيد الخدري: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: «استكثروا منَ الباقياتِ الصَّالحات» قيل: وما هُنَّ يا رسولَ الله؟ قالَ: «التكبيرُ والتسبيحُ والتَهليلُ والحمدُ لله، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله». وفي " المسند " و" صحيح ابن حبان " (٤) عن أبي سعيد الخدري أيضاً عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أكثروا ذِكرَ الله حتّى يقولوا: مجنون». وروى أبو نعيم في " الحلية " (٥) من حديث ابن عباس مرفوعاً: «اذكروا الله ذكراً يقول المنافقون: إنَّكم تُراؤون».

стр. 925

وخرَّج الإمام أحمد والترمذي (١) من حديث أبي سعيد، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه سئل: أيُّ العباد أفضلُ درجةً عندَ الله يوم القيامة؟ قالَ: «الذاكرون الله كثيراً»، قيل: يا رسول الله، ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ قال: «لو ضربَ بسيفه في الكفَّار والمشركين حتّى ينكسر ويتخضَّب دماً، لكان الذاكرون للهِ أفضلَ منه درجةً». وخرَّج الإمام أحمد (٢) من حديث سهلٍ بن معاذ، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّ رجلاً سأله فقال: أيُّ الجهاد أعظمُ أجراً يا رسول الله؟ قال: «أكثرُهم للهِ ذِكراً»، قال: فأيُّ الصَّائمين أعظمُ؟ قال: «أكثرهم لله ذِكراً»، ثم ذكر لنا الصَّلاة والزَّكاة والحجَّ والصدقة كلٌّ رسول الله ﷺ يقول: «أكثرهم لله ذكراً»، فقال أبو بكر: يا أبا حفص، ذهب الذاكرون بكلِّ خيرٍ، فقال رسول اللهِ ﷺ : «أجل». وقد خرَّجه ابنُ المبارك (٣)، وابنُ أبي الدنيا من وجوه أُخَر مرسلة بمعناه. وفي " صحيح مسلم " (٤) عن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانِهِ. وقال أبو الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر الله، يدخل أحدهم الجنَّةَ وهو يضحك (٥)، وقيل له: إنَّ رجلاً أعتق مئة نسمة، فقال: إنَّ مئة نسمة من مالِ رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنَّهار، وأنْ لا يزالَ لسانُ أحدكم رطباً مِنْ ذِكر الله (٦). وقال معاذ: لأن أذكر الله من بكرة إلى الليل أحبُّ إليَّ من أنْ أحملَ على جياد

стр. 926

الخيل في سبيل الله من بكرة إلى الليل (١). وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (٢) قال: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكر فلا يُنسى، ويُشكر فلا يكفر (٣)، وخرَّجه الحاكم (٤) مرفوعاً وصحَّحه، والمشهورُ وقفُه. وقال زيدُ بنُ أسلم: قال موسى ﵇: يا ربِّ قد أنعمتَ عليَّ كثيراً، فدُلني على أنْ أشكرك كثيراً، قال: اذكُرني كثيراً، فإذا ذكرتني كثيراً، فقد شكرتني، وإذا نسيتني فقد كفرتني (٥). وقال الحسن: أحبُّ عبادِ الله إلى اللهِ أكثرهم له ذكراً وأتقاهم قلباً. وقال أحمد بنُ أبي الحواري: حدَّثني أبو المخارق، قال: قال رسول الله ﷺ : «مررتُ ليلة أُسري بي برجل مُغيَّبٍ في نور العرش، فقلتُ: من هذا؟ مَلَكٌ؟ قيل: لا، قلت: نبيٌّ؟ قيل: لا، قلتُ: من هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رطباً من ذكر الله، وقلبُه معلَّق بالمساجد، ولم يستسبَّ لوالديه قطّ» (٦). وقال ابن مسعود: قال موسى ﵇: ربِّ أيُّ الأعمال أحبُّ إليك أنْ أعملَ به؟ قالَ: تذكرني فلا تنساني (٧). وقال أبو إسحاق عن ميثم: بلغني أنَّ موسى ﵇، قالَ: ربِّ أيُّ عبادكَ أحبُّ إليكَ؟ قال: أكثرُهم لي ذكراً (٨). وقال كعب: من أكثر ذكر الله، برئ من النفاق (٩)، ورواه مؤمَّل، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعاً (١٠).

стр. 927

وخرَّج الطبراني (١) بهذا الإسناد مرفوعاً: «مَنْ لَمْ يُكثِرْ ذِكْرَ الله فقد برئ من الإيمان». ويشهد لهذا المعنى أنَّ الله تعالى وصف المنافقين بأنَّهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، فمن أكثر ذكرَ الله، فقد بايَنَهُم في أوصافهم، ولهذا ختمت سورة المنافقين بالأمر بذكر الله، وأنْ لا يُلهي المؤمنَ عن ذلك مالٌ ولا ولدٌ، وأنَّ من ألهاه ذلك عن ذكر الله، فهو من الخاسرين. قال الربيعُ بنُ أنس، عن بعض أصحابه: علامةُ حبِّ الله كثرةُ ذكره، فإنَّك لنْ تحبَّ شيئاً إلا أكثرت ذكره (٢). قال فتح الموصِلي: المحبُّ لله لا يَغفُلُ عن ذكر الله طرفةَ عين، قال ذو النون: من اشتغل قلبُه ولسانُه بالذِّكر، قذف الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه (٣). قال إبراهيم بن الجنيد: كان يُقال: من علامة المحبِّ للهِ دوامُ الذكر بالقلب واللسان، وقلَّما وَلعَ المرءُ بذكر الله إلا أفاد منه حبَّ الله. وكان بعضُ السَّلف يقول في مناجاته: إذا سئم البطالون من بطالتهم، فلنْ يسأم محبوك من مناجاتك وذكرك. قال أبو جعفر المحَوَّلي: وليُّ الله المحبُّ لله لا يخلو قلبُه من ذكر ربِّه، ولا يسأمُ من خدمته (٤). وقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النَّبيُّ ﷺ يذكر الله على كلِّ أحيانه (٥)،

стр. 928

والمعنى: في حال قيامه ومشيه وقعوده واضطجاعه، وسواء كان على طهارةٍ أو على حدث. وقال مِسعر: كانت دوابُّ البحر في البحر تَسكُنُ، ويوسفُ ﵇ في السجن لا يسكن عن ذكر الله . وكان لأبي هريرة خيطٌ فيه ألفا عُقدة، فلا يُنام حتّى يُسبِّحَ به (١). وكان خالد بنُ معدان يُسبِّحُ كلَّ يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره ليغسل، فجعل يُشير بأصبعه يُحركها بالتسبيح (٢). وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يَفتُرُ، فكم تُسبِّحُ كلَّ يوم؟ قال: مئة ألف تسبيحة، إلا أنْ تُخطئ الأصابع، يعني أنَّه يَعُدُّ ذلك بأصابعه (٣). وقال عبد العزيز بنُ أبي رَوَّاد: كانت عندنا امرأةٌ بمكة تُسبح كلّ يوم اثني عشرة ألف تسبيحة، فماتت، فلما بلغت القبر، اختُلِست من بين أيدي الرجال (٤). كان الحسن البصري كثيراً ما يقول إذا لم يُحدث، ولم يكن له شغل: سبحان الله العظيم، فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة، فقال: إنَّ صاحبكم لفقيه، ما قالها أحدٌ سبعَ مرَّاتٍ إلاّ بُني له بيتٌ في الجنَّة. وكان عامةُ كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده. وكان المغيرة بنُ حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون، نزل إلى البحر، وقام في الماء يذكر الله مع دوابِّ البحر (٥).

стр. 929

نام بعضُهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنتُ كلَّما استيقظتُ من الليل، وجدتُه يذكر الله، فأغتمّ، ثم أُعزِّي نفسي بهذه الآية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (١). المحبُّ اسم محبوبه لا يغيبُ عن قلبه، فلو كُلّف أنْ ينسى تذكُّره لما قدر، ولو كلف أنْ يكفّ عن ذكره بلسانه لما صبر. كَيْفَ يَنسى المُحبُّ ذِكرَ حَبيبٍ … اسمُه في فُؤاده مَكتوبُ كان بلالٌ كلَّما عذَّبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أحدٌ أحدٌ، فإذا قالوا له قل: اللات والعُزَّى، قال: لا أحسنه (٢). يُراد مِنَ القَلبِ نِسيانُكُم … وتَأْبَى الطِّباعُ على النَّاقِلِ كلَّما قويت المعرفةُ، صار الذكرُ يجري على لسان الذاكر من غير كُلفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلهم أهلُ الجنة التَّسبيح، كما يُلهمون النفسَ، وتصيرُ «لا إله إلا الله» لهم، كالماء البارد لأهل الدنيا، كان الثوري ينشد: لا لأَنِّي أَنساكَ أُكثرُ ذِكرا … ك ولكنْ بِذاكَ يَجري لِساني إذا سمِعَ المحبُّ ذكر اسم حبيبه من غيره زاد طربه، وتضاعف قَلَقُه، قال النَّبيُّ ﷺ لابن مسعودٍ: «اقرأ عليَّ القرآن»، قال: أقرأ عليكَ وعَلَيكَ أُنزل؟ قال: «إنِّي أُحبُّ أنْ أسمعه من غيري» (٣)، فقرأ عليه، ففاضت عيناه. سمع الشبلي قائلاً يقولُ: يا الله يا جَوادُ، فاضطرب (٤): وداعٍ دعا إذ نَحْنُ بالخَيفِ مِن منى … فهَيَّجَ أشجانَ الفُؤادِ وما يَدري

стр. 930

دَعا بِاسم لَيلَى غَيرَها فكأَنَّما … أطارَ بِليلى طائراً كان في صدري (١) النبض ينْزعج عند ذكر المحبوب: إذا ذُكِر المحبوب عندَ حبيبه … تَرنَّحَ نَشوانٌ وحَنَّ طرُوبُ ذكر المحبين على خلاف ذكر (٢) الغافلين: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٣). وإنِّي لَتَعْروِني لِذكْرَاكِ هِزَّةٌ … كَما انتفضَ العُصفورُ بَلَّلهُ القطْرُ أحد السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظلَّ إلا ظله: «رجلٌ ذكرَ الله خالياً، ففاضت عيناه» (٤). قال أبو الجلد: أوحى الله إلى موسى ﵇: إذا ذكرتني، فاذكرني، وأنت تنتفض أعضاؤُك، وكُن عندَ ذكري خاشعاً مطمئناً، وإذا ذكرتني، فاجعل لِسانك من وراء قلبك (٥). وصف عليٌّ يوماً الصحابة، فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما يميد الشجرُ في اليوم الشديد الريح، وجرت دموعهم على ثيابهم (٦).

стр. 931

قال زهير البابي: إنَّ لله عباداً ذكروه، فخرجت نفوسُهم إعظاماً واشتياقاً، وقوم ذكروه، فوجِلَتْ قلوبهم فرقاً وهيبة، فلو حُرِّقوا بالنَّار، لم يجدوا مَسَّ النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضّوا عرقاً من خوفه، وقومٌ ذكروه، فحالت ألوانهم غبراً، وقومٌ ذكروه، فجَفَّتْ أعينُهم سهراً. صلَّى أبو يزيد الظهر، فلما أراد أنْ يُكبِّر، لم يقدر إجلالاً لاسم الله، وارتعدت فرائصه حتى سمعت قعقعةُ عظامه (١). كان أبو حفص النَّيْسابوري إذا ذكر الله تغيَّرت عليه حالُه حتى يرى ذلك جميع من عنده، وكان يقولُ: ما أظن محقاً يذكر الله عن غير غفلة، ثم يبقى حياً إلا الأنبياء، فإنَّهم أيدوا بقوَّة النبوَّة وخواصِّ الأولياء بقوَّة ولايتهم (٢). إذا سمِعَتْ باسمِ الحَبيبِ تَقعقعت … مَفاصِلُها مِنْ هَولِ ما تَتذَكَّرُ وقف أبو يزيد ليلةً إلى الصباحِ يجتهد أنْ يقول: لا إله إلا الله، فما قدر إجلالاً وهيبةً، فلما كان عند الصباح، نزل، فبال الدَّم (٣). وما ذكرتُكُمُ إلاّ نَسيتُكُم … نسيانَ إجلال لا نِسيانَ إهمالِ إذا تَذكَّرتُ مَنْ أنتُم وكيف أنَا … أَجْلَلتُ مِثلَكُم يَخطُرْ على بالي الذكر لذَّة قلوب العارفين. قال : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (٤). قال مالك بنُ دينار: ما تلذَّذ المتلذذون بمثل ذكر الله (٥). وفي بعض الكتب السالفة: يقول الله : معشر الصدِّيقين بي فافرحوا، وبذكري فتنعَّموا (٦). وفي أثرٍ آخر سَبَق ذكره: ويُنيبون إلى الذِّكر كما تُنيب النسورُ إلى وُكورها.

стр. 932

وعن ابن عمر قال: أخبرني أهلُ الكتاب أنَّ هذه الأمة تُحبُّ الذِّكْرَ كما تُحبُّ الحمامةُ وكرَها، ولهُم أسرعُ إلى ذكر الله من الإبل إلى وردها يوم ظِمئِها (١). قلوبُ المحبين لا تطمئنُّ إلاّ بذكره، وأرواحُ المشتاقين لا تَسكُنُ إلاّ برؤيته، قال ذو النون: ما طابتِ الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرةُ إلا بعفوه، ولا طابت الجنَّة إلاّ برؤيته (٢). أبداً نُفوس الطَّالبيـ … ـن إلى طلُولكم تَحِنُّ وكَذَا القُلُوبُ بِذكركُم … بَعْدَ المَخافةِ تَطمئنُّ جُنَّتْ بحُبِّكُمُ ومَنْ … يَهوى الحَبيبَ ولا يُجَنُّ؟ بِحياتِكُم يا سادتي … جُودُوا بِوصْلِكُم ومُنُّوا قد سبق حديث: «اذكروا الله حتى يقولوا: مجنون» ولبعضهم: لقد أكثرتُ من ذِكرا … كَ حتَّى قِيلَ وَسْوَاسُ كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذِّكر، فرآه بعضُ الناس، فأنكر حالَه، فقال لأصحابه: أمجنون صاحبُكم؟ فسمعه أبو مسلم، فقال: لا يا أخي، ولكن هذا دواءُ الجنون (٣). وحُرمَة الودِّ مالي مِنكُم عِوَضٌ … ولَيسَ لي في سِواكُم سَادتِي غَرَضُ وقَدْ شَرَطْتُ على قومٍ صَحِبتُهُم … بأنَّ قلبي لَكُمْ مِن دونِهم فرضُوا ومِنْ حديثي بكُم قالوا: به مَرَضٌ … فقُلْتُ: لا زالَ عنِّي ذلك المَرَضُ المحبون يستوحشون من كلِّ شاغلٍ يَشغَلُ عن الذكر، فلا شيءَ أحبَّ إليهم من الخلوة بحبيبهم. قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين كلِّموا الله كثيراً، وكلموا الناس قليلاً، قالوا: كيف نكلِّم الله كثيراً؟ قال: اخلوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه (٤).