← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 949

جامع العلوم والحكم - ت الفحل

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (928 стр.). Показаны 88–127 · переход к 93.

стр. 88

و" النسائي " (١) عن معاويةَ بنِ حَيْدَةَ، قال: قلت: يا رسول الله، أسألك (٢) بالذي بعثكَ بالحقِّ، ما الذي بعثك به؟ قال: «الإسلام»، قلت: وما الإسلام؟ قال: «أنْ تُسلِمَ قلبَكَ لله، وأنْ توجه وجهَك إلى الله، وتُصلِّي الصلاةَ المكتوبة، وتُؤدِّيَ الزكاة المفروضة»، وفي رواية له: قلت: وما آيةُ الإسلام؟ قال: «أنْ تقولَ: أسلمتُ وجهيَ للهِ، وتخليتُ، وتقيمَ الصلاةَ، وتُؤتِي الزكاةَ، وكلُّ مسلمٍ على مسلمٍ حرام». وفي السُّنن (٣) عن جُبير بن مُطعم، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في خُطبته بالخَيْفِ (٤) مِنْ مِنى: «ثلاثٌ لا يُغِلُّ عليهنَّ قلبُ مسلم: إخلاصُ العمل لله، ومُناصحةُ وُلاةِ الأمورِ، ولزومُ جماعةِ المسلمينَ، فإنّ دعوتَهُم تُحيطُ مِنْ ورائهم»، فأخبرَ أنَّ هذه الثلاثَ الخصالَ تنفي الغِلَّ عَنْ قلبِ المسلم. وفي " الصَّحيحين " (٥) عن أبي موسى، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه سُئِلَ: أيُّ المسلمين أفضلُ؟ فقال: «مَنْ سلمَ المسلمونَ مِنْ لسانِهِ ويده».

стр. 89

وفي " صحيح مسلم " (١) عن أبي هريرة ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المسلم أخو المسلم، فلا يظلمُهُ، ولا يخذُلُهُ، ولا يحقرُه (٢). بحسب امرئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يحْقِرَ أخاهُ المُسلمَ، كلُّ المسلمِ على المُسلمِ حرامٌ: دمُه، ومالهُ، وعِرضهُ». وأمّا ما وردَ في دُخوله في اسم الإيمانِ، فمثل قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ (٣)، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (٤). وقوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥)، وقوله: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٦)، وقوله: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٧). وفي " صحيح مسلم " (٨) عن العباس بن عبد المطَّلب، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ذاقَ طعم الإيمان مَنْ رضيَ بالله ربَّاً، وبالإسلامِ ديناً، وبمحمدٍ رسولاً». والرِّضا بربوبيَّة اللهِ يتضمَّنُ الرِّضا بعبادته وحدَه لا شريكَ له، وبالرِّضا بتدبيره للعبد واختياره له. والرِّضا بالإسلام ديناً يقتضي اختياره على سائر الأديان.

стр. 90

والرِّضا بمحمدٍ رسولاً يقتضي الرِّضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبولِ ذلك بالتَّسليم والانشراحِ، كما قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (١). وفي " الصحيحين " (٢) عن أنسٍ (٣)، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه وَجَدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمان: مَنْ كَانَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سِواهما، وأنْ يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا للهِ، وأنْ يكره أنْ يرجعَ (٤) إلى الكُفرِ بعدَ إذْ أنقذهُ الله منه كما يكرهُ أنْ يُلقى (٥) في النار». وفي رواية: «وجد بهنّ طعمَ الإيمانِ (٦)»، وفي بعض الرِّوايات: «طعمَ الإيمانِ وحلاوتَه (٧)». وفي " الصحيحين " (٨) عن أنسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يؤمن أحدُكم

стр. 91

حتّى أكونَ أحبَّ إليه من ولدِهِ، ووالدهِ، والنَّاس أجمعينَ»، وفي رواية: «مِنْ أهلهِ، ومالهِ، والنَّاس أجمعينَ (١)». وفي " مسند الإمام أحمد " (٢) عن أبي رزين العُقيليّ قال: قلتُ: يا رسول الله، ما الإيمانُ؟ قال: «أنْ تشهدَ أنْ لا إله إلاَّ الله وحدَه لا شريك له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، وأنْ يكونَ الله ورسولُهُ أحبَّ إليكَ ممّا سواهُما، وأنْ تحترِقَ في النار أحبُّ إليكَ مِنْ أنْ تُشركَ باللهِ شيئاً (٣)، وأنْ تحبَّ غيرَ ذي نسبٍ لا تُحبُّهُ إلا لله، فإذا كُنتَ كذلك، فقد دخَلَ حبُّ الإيمانِ في قلبكَ كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ (٤) في اليومِ القائظِ». قلت: يا رسول الله، كيف لي بأنْ أعلمَ أنِّي مؤمنٌ؟ قال: ما مِنْ أمَّتي - أو هذه الأُمَّة - عبدٌ يعملُ حسنةً، فيعلم أنَّها حسنةٌ، وأنَّ الله جازيه بها خيراً (٥)، ولا يعملُ سيِّئةً، فيعلم أنَّها سيِّئةٌ، ويستغفرُ الله منها، ويعلمُ أنَّه لا يغفر الذنوب إلا الله (٦)، إلا وهو مؤمنٌ».

стр. 92

وفي " المسند " (١) وغيره عن عمرَ بن الخطاب ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢)، قال: «مَنْ سرَّته حسنتُه، وساءتْهُ سيِّئَتُه فهو مؤمنٌ». وفي " مُسندِ بقي بنِ مخلدٍ " (٣) عنْ رجلٍ سمعَ رسولَ اللهِ ﷺ قال: «صريحُ الإيمان إذا أسأتَ، أو ظَلَمْتَ أحداً: عبدَكَ، أو أَمَتَكَ، أو أحداً مِنَ النّاسِ، صُمتَ أو تَصَدَّقتَ، وإذا أحسنتَ استبشرتَ». وفي " مُسند الإمام أحمد " (٤) عن أبي سعيدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال : «المؤمنونَ في الدُّنيا على ثلاثةِ أجزاء: الذين آمنوا باللهِ ورسولهِ، ثم لم يَرتابُوا، وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله (٥)، والذي يأمنُهُ الناسُ على أموالهم وأنفسهم، ثمّ الذي إذا أشرف على طمعٍ تركه لله ». وفيه أيضاً (٦) عن عمرو بن عبَسَة، قال: قلت: يا رسول الله، ما الإسلام؟ قالَ: «طيبُ الكلامِ، وإطعامُ الطعام». قلت: ما الإيمانُ؟ قال: «الصبرُ والسَّماحةُ». قلت: أيُّ الإسلامِ أفضلُ؟ قال: «مَنْ سلمَ المُسلمونَ مِنْ لسانهِ ويدهِ». قلت: أيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: «خُلُقٌ حسنٌ». وقد فسر الحسن البصريُّ الصبر والسماحةَ (٧)، فقال: هو الصَّبرُ عن محارمِ اللهِ ، والسَّماحةُ بأداءِ فرائضِ الله (٨). وفي " الترمذي " (٩) وغيره (١٠) عن عائشةَ ﵂، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أكملُ المؤمنين إيماناً أحسنُهُم خُلُقاً»، وخرَّجه أبو داود (١١)

стр. 93

وغيره من حديث أبي هريرة ﵁. وخرّج البزار في " مسنده " (١) من حديث عبد اللهِ بنِ معاويةَ الغاضِري، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ثلاثٌ مَنْ فعلهُنّ، فقد طَعِمَ طعْمَ الإيمانِ: مَنْ عَبَدَ اللهَ وحدَهُ بأنّه لا إله إلا الله، وأعطى زكاةَ ماله طيِّبَةً بها نفسُه في كلِّ عام» وذكر الحديثَ، وفي آخره: فقال رجلٌ: وما تزكيةُ المرءِ نفسَه يا رسولَ الله؟ قال: أنْ يعلمَ أنَّ الله معه حيث كان». وخرَّج أبو داود (٢) أوَّل الحديث دون آخره. وخرّج الطَّبرانيُّ (٣) من حديث عُبَادة بنِ الصَّامِتِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ (٤) أفضلَ الإيمانِ أنْ تعلمَ أنَّ الله معكَ حيثُ كنتَ». وفي " الصحيحين " (٥)

стр. 94

عن عبد الله بنِ عمر، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «الحياءُ مِنَ الإيمانِ». وخرَّج الإمامُ أحمدُ (١)، وابن ماجه (٢) مِنْ حديثِ العِرباضِ بنِ ساريةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّما المُؤمِن كالجملِ الأَنِفِ، حيثما قِيدَ انقادَ». وقال الله : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (٣). وفي " الصحيحين " (٤) عَنِ النُّعمانِ بن بشيرٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم (٥) وتعاطفهم وتراحمهم مَثَل الجسدِ، إذا اشتكى منهُ عضوٌ، تداعى له سائرُ الجسدِ بالحُمَّى والسَّهر». وفي روايةٍ لمسلم (٦) : «المؤمنونَ كرجُلٍ واحدٍ». وفي روايةٍ له (٧) أيضاً (٨): «المسلمونَ كرجلٍ واحد (٩) إذا اشتكى عينُه، اشتكى كلُّهُ، وإنْ اشتَكى رأسُه، اشتكى كلُّه».

стр. 95

وفي " الصحيحين " (١) عن أبي موسى، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يَشُدُّ بعضُه بعضاً»، وشبَّك بين أَصابعِه. وفي " مسند الإمام أحمد " (٢) عن سهلِ بن سعدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المؤمن من أهلِ الإيمانِ بمنْزلةِ الرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ، يأْلَمُ المؤمنُ لأهلِ الإيمانِ كما يأْلَمُ الجَسَد لِما في الرَّأْسِ». وفي " سنن أبي داود " (٣) عن أبي هريرة ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «المؤمنُ مرآةُ المؤمنِ، المؤمنُ أخو المؤمن، يكُفُّ عنه ضَيعَته، ويحوطُه من ورائه». وفي " الصحيحين " (٤) عن أنسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا يُؤْمِنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه». وفي " صحيح البخاري " (٥) عن أبي شريحٍ الكعبيِّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «والله لا يؤمنُ (٦)، والله لا يُؤمنُ، والله لا يُؤمِنُ» قالوا: مَنْ ذاك يا رسولَ اللهِ؟! قال: «مَنْ لا يأمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ». وخرّج الحاكم (٧) من حديث ابنِ عباسٍ ﵄، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال:

стр. 96

«ليسَ بمؤمنٍ مَنْ (١) يَشبَعُ وجارُه جائعٌ». وخرَّج الإمام أحمد (٢) والترمذيُّ (٣) من حديثِ سهلِ بنِ مُعاذٍ الجُهنيِّ، عن أبيه (٤)، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مَنْ أعطى للهِ، ومنع للهِ، وأحبَّ لله، وأبغضَ لله» زاد الإمام أحمد: «وأنكحَ للهِ، فقد استكمل إيمانَه». وفي روايةٍ للإمام أحمد (٥): أنَّه سألَ النَّبيَّ ﷺ عن أفضلِ الإيمانِ، فقال: «أنْ تُحبَّ لله، وتُبغضَ لله، وتُعمِلَ لِسانَكَ في ذكر الله»، فقال: وماذا يا رسول الله؟ قال: «أن تُحبَّ للنَّاس ما تحبُّ لنفسكَ، وتكره لهمْ (٦) ما تكرهُ لنفسك»، وفي رواية له: «وأنْ تقولَ خيراً أو تصمت». وفي هذا الحديث أنَّ كثرةَ ذكرِ اللهِ من (٧) أفضلِ الإيمانِ. وخرَّج أيضاً (٨) من حديث عمرو بن الجَموحِ ﵁: أنّه سمع النَّبيَّ ﷺ ، يقول: «لا يستحقُّ العبدُ (٩) صريحَ الإيمانِ حتّى يحبَّ لله، ويُبغضَ لله، فإذا أحبَّ للهِ، وأبغضَ لله، فقد استحقَّ الولايةَ مِنَ الله تعالى».

стр. 97

وخرَّج أيضاً (١) من حديث البراءِ بن عازبٍ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إنَّ (٢) أوثقَ عُرى الإيمانِ أنْ تُحبَّ في اللهِ، وتبغضَ في اللهِ». وقال ابن عبَّاس: أحِب في الله، وأبغِض في اللهِ، ووالِ في اللهِ، وعادِ في اللهِ، فإنّما تُنالُ ولايةُ اللهِ بذلك، ولن يَجِدَ (٣) عبدٌ طعمَ الإيمانِ - وإن كثُرَتْ صلاتُه وصومُه - حتّى يكونَ كذلك، وقد صارَت عامَّةُ مُؤاخاة الناسِ على أمرِ الدُّنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً. خرَّجه محمد (٤) بنُ جريرٍ الطَّبريُّ (٥)، ومحمّدُ بنُ نصرٍ المروزي (٦). فصل وأمَّا الإحسّانُ، فقد جاءَ ذكرُه (٧) في القُرآنِ في مواضعَ: تارةً مقروناً بالإيمانِ، وتارةً مقروناً بالإسلامِ، وتارةً مقروناً بالتَّقوى، أو بالعمل (٨). فالمقرونُ بالإيمانِ: كقولِه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩)، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (١٠). والمقرونُ بالإسلام: كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ

стр. 98

عِنْدَ رَبِّهِ﴾ (١)، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ (٢). والمقرون بالتقوى: كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (٣)، وقد يذكر مفرداً كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (٤)، وقد ثبت في " صحيح مسلم " (٥) عنِ النَّبيِّ ﷺ تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً (٦) لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا (٧) على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ (٨)، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى (٩) الله عياناً في الآخرة (١٠). وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١١)، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة (١٢). فقوله ﷺ في تفسير الإحسّان: «أنْ تعبدَ الله كأنّكَ تراهُ … » إلخ يشير إلى أنَّ العبدَ يعبُدُ الله تعالى على هذه الصِّفة، وهو استحضارُ قُربِهِ، وأنَّه بينَ يديه كأنَّه يراهُ، وذلك يُوجبُ الخشيةَ والخوفَ والهيبةَ والتَّعظيمَ (١٣)، كما جاء في رواية أبي هريرة: «أنْ تخشى الله كأنَّكَ تراهُ».

стр. 99

ويُوجِبُ أيضاً النُّصحَ في العبادة، وبذل الجُهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها. وقد وصَّى النَّبيُّ ﷺ جماعةً من أصحابِهِ بهذه الوصيَّةِ، كما روى إبراهيمُ الهجريُّ، عن أبي الأحوصِ، عن أبي ذرٍّ، قال: أوصاني خليلي ﷺ أنْ أخشى الله كأنِّي أراهُ، فإنْ لم أكن أراه، فإنَّهُ يراني. ورُوي عن ابنِ عمرَ، قال: أخذَ رسولُ اللهِ ﷺ ببعض جسدي، فقال: «اعبُدِ الله كأنَّكَ تراهُ»، خرَّجه النَّسائيُّ (١)، ويُروى من حديث زيد بن أرقم مرفوعاً وموقوفاً: «كُنْ كأنَّكَ ترى الله، فإنْ لم تكن تراه، فإنَّهُ يراكَ» (٢). وخرَّج الطبراني (٣) من حديث أنس: أنّ رجلاً قال: يا رسول الله، حدثني بحديثٍ (٤)، واجعله موجزاً، فقال: «صلِّ صلاةَ مودِّعٍ؛ فإنَّكَ إنْ كنتَ لا تراهُ، فإنَّه يراكَ». وفي حديث حارثة المشهور - وقد رُويَ من وجوهٍ مرسلةٍ (٥)، ورُوي متصلاً، والمرسل أصحُّ - أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: «كيف أصبحت يا حارثة؟» قال: أصبحتُ مؤمناً حقاً، قال: «انظر ما تقولُ، فإنَّ لكلِّ قولٍ حقيقةً»، قال: يا رسول الله، عزفَتْ نفسي عن الدُّنيا، فأسهرتُ ليلي، وأظمأتُ نهاري، وكأنِّي أنظرُ إلى عرشِ ربِّي بارزاً (٦)، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنَّةِ في

стр. 100

الجَنَّةِ كيف يتزاورونَ (١) فيها، وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ النَّارِ كيفَ (٢) يتعاوَوْنَ فيها. قال: «أبصرتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ الله الإيمانَ في قلبه» (٣). ويُروى من حديث أبي أمامة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وصَّى رجلاً، فقال له: «استحي مِنَ اللهِ استحياءك مِنْ رجلين من صالحي عشيرتِك لا يفارقانك» (٤). ويُروى من وجهٍ آخرَ مرسلاً (٥). ويُروى عن معاذٍ أنّ النَّبيَّ ﷺ وصَّاه لمَّا بعثه إلى اليمن، فقال: «استحي مِنَ اللهِ كما تستحي رجلاً ذا هيبةٍ من أهلك» (٦). وسئلَ النَّبيُّ ﷺ عن كشف العورة خالياً، فقال: «الله أحقُّ أن يُستحيا منه» (٧). ووصَّى أبو الدَّرداء رجلاً، فقال له: اعبُدِ الله كأنَّكَ تَراه (٨).

стр. 101

وخطب عروة بنُ الزُّبير إلى ابنِ عمرَ ابنته وهما في الطَّواف، فلم يُجبه، ثم لقيَهُ بعد ذلك، فاعتذر إليه، وقال: كنَّا في الطَّوافِ نتخايلُ الله بين أعيننا. أخرجه أبو نعيم (١) وغيره. قوله ﷺ : «فإنْ لم تكن تراه فإنَّه يراك». قيل (٢): إنّه تعليلٌ للأوَّل، فإنَّ العبدَ إذا أُمر بمراقبة الله في العبادة، واستحضارِ قُربِهِ مِنْ عبده، حتى (٣) كأنَّ العبدَ يراه، فإنَّه قد يشقُّ ذلك عليه، فيستعين على ذلك بإيمانه بأنّ الله يراه، ويطَّلعُ على سرِّه وعلانيته وباطنه وظاهره، ولا يخفى عليه شيءٌ من أمره، فإذا حقَّق هذا المقامَ، سهُل عليه الانتقالُ إلى المقام الثاني، وهو دوامُ التَّحديق بالبصيرة إلى قُربِ الله من عبدِه ومعيَّته (٤)، حَتّى كأنَّه يراه. وقيل: بل هو إشارةٌ (٥) إلى أنّ مَنْ شقَّ عليه أنْ يعبُد الله كأنَّه يراه (٦)، فليعْبُدِ الله على أنَّ الله يراه ويطّلع عليه، فليستحي مِنْ نظره إليه، كما قال بعضُ العارفين: اتَّقِ الله أنْ يكونَ أهونَ النَّاظرين إليك. وقال بعضُهم: خَفِ الله على قدر قُدرته عليك، واستحي من الله على قدر قُربه منك. قالت بعضُ العارفات من السَّلف: مَنْ عملَ للهِ على المُشاهدة، فهو عارفٌ، ومن عمل على مشاهدة الله إيَّاهُ، فهو مخلص. فأشارت إلى المقامين اللَّذين تقدَّم ذكرُهما: أحدهما: مقام الإخلاص، وهو أنْ يعملَ العبدُ على استحضارِ (٧) مُشاهدةِ الله

стр. 102

إياه، واطِّلاعه عليه، وقُربه منه، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عمله، وعَمِلَ عليه، فهو مخلصٌ لله؛ لأنَّ استحضارَهُ ذلك في عمله يمنعُهُ من الالتفاتِ إلى غيرِ الله وإرادته بالعمل. والثاني: مقام المشاهدة، وهو أنْ يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أنْ يتنوَّرَ القلبُ بالإيمانِ، وتنفُذ البصيرةُ في العِرفان، حتّى يصيرَ الغيبُ كالعيانِ. وهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسّان المشار إليه في حديث جبريلَ ﵇، ويتفاوت أهلُ هذا المقام فيه بحسب قوَّة نفوذ البصائرِ. وقد فسَّر طائفةٌ من العُلماءِ المثل الأعلى المذكورَ في قوله : ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْض﴾ (١) بهذا المعنى، ومثلُهُ قولُه تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (٢)، والمراد: مثل نورِه في قلبِ المؤمن، كذا قال أبيُّ بنُ كعبٍ (٣) وغيرُه مِنَ السَّلَف. وقد سبق حديث: «أفضلُ الإيمانِ أنْ تعلمَ أنَّ الله معك حيثُ كنت»، وحديث: ما تزكيةُ المرءِ نفسه؟، قال: «أنْ يعلمَ أنَّ الله معه حيثُ كانَ». وخرَّج الطبراني (٤) من حديث أبي أُمامةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «ثلاثةٌ في ظلِّ الله يومَ القيامةِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه: رجلٌ حيثُ توجه عَلِمَ أنَّ الله معه … »، وذكر الحديث. وقد دلّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضِعَ متعدِّدةٍ، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (٥)، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (٦)، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ

стр. 103

هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيه﴾ (٢)، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (٤). وقد وردت الأحاديثُ الصَّحيحةُ بالنَّدب إلى استحضار هذا القُربِ في حال العباداتِ، كقوله ﷺ : «إنَّ أحدَكم إذا قامَ يُصلِّي، فإنَّما يُناجِي ربَّه، أو ربَّه بينه وبينَ القبلةِ» (٥)، وقوله: «إنّ الله قِبَلَ وجهه إذا صلّى» (٦)، وقوله: «إنّ الله ينصب وجهه لوجهِ عبدِه في صلاتِهِ ما لم يلتفِت» (٧). وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذِّكرِ: «إنَّكم لا تَدعُونَ أصمَّ (٨) ولا غائباً، إنَّكُم تدعُون سميعاً (٩) قريباً» (١٠)، وفي

стр. 104

رواية (١): «وهو أقربُ إلى أحدكم من عُنُقِ راحلتِهِ» (٢)، وفي رواية: «هو أقربُ إلى أحدكم من حبل الوريد». وقوله: «يقولُ الله : أنا مع عبدي إذا ذكرني، وتحرَّكت بي شفتاه» (٣). وقوله: «يقولُ الله : أنا مع ظنِّ عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرتُهُ في نفسي، وإنْ ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خيرٍ منه، وإنْ تقرّبَ منِّي شبراً، تقرَّبتُ منه ذراعاً، وإن تقرَّبَ منِّي ذراعاً، تقرَّبتُ منه باعاً، وإن أتاني يمشي، أتيته هرولةً» (٤). ومن فهم من شيءٍ من هذه النصوص تشبيهاً أو حُلولاً أو اتِّحاداً، فإنّما أُتِيَ من جهله (٥)، وسُوء فهمه عن الله ورسوله ﷺ ، والله ورسولُه بريئانِ من ذلك كلِّه، فسبحانَ مَنْ ليسَ كمثله شيءٌ، وهو السَّميعُ البصيرُ. قال بكرٌ المزنيُّ: مَن مثلُك يا ابنَ آدم: خُلِّي بينَك وبينَ المحراب والماء، كلّما شئتَ دخلتَ على اللهِ (٦)، ليس بينَكَ وبينَه ترجُمان (٧).

стр. 105

ومن وصل إلى استحضارِ هذا في حال ذكره الله وعبادته استأنسَ بالله، واستوحش مِنْ خلقه ضرورةً. قال ثور بن يزيد: قرأتُ في بعضِ الكُتب: أنَّ عيسى ﵇ قال: يا معشر الحواريِّين، كلِّموا الله كثيراً، وكلِّموا الناسَ قليلاً، قالوا: كيف نكلِّمُ الله كثيراً؟ قال: اخلُوا بمناجاته، اخلوا بدُعائه. خرَّجه أبو نعيم (١). وخرَّج أيضاً (٢) بإسناده عن رياح، قال: كان عندنا رجلٌ يصلِّي كلَّ يومٍ وليلةٍ ألفَ ركعة، حتى أُقعِدَ من رجليه، فكان يصلِّي جالساً ألف ركعة، فإذا صلى العصر، احتبى، فاستقبل القبلةَ، ويقول: عجبتُ للخليقةِ كيف أَنِسَتْ بسواك، بل عجبتُ للخليقة كيف استنارت قلوبها بذكر سواكَ. وقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النَّضر الحارثيِّ، فرأيتُه كأنَّه منقبضٌ، فقلت: كأنَّك تكره أنْ تُؤتى؟ قال: أجل (٣)، فقلت: أوَما تستوحشُ؟ فقال: كيف أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ مَنْ ذكرني (٤). وقيل لمالك بنِ مِغْول وهو جالسٌ في بيته وحده: ألا تستوحشُ؟ فقال: ويستوحشُ مع الله أحدٌ؟ وكان حبيب أبو محمد يخلو في بيته، ويقولُ: من لم تَقَرَّ عينُه بكَ، فلا قرَّت عينُه، ومن لم يأنس بكَ، فلا أنِسَ (٥). وقال غزوان: إنِّي أصبتُ راحةَ قلبي في مُجالسةِ مَنْ لديه حاجتي. وقال مسلم بنُ يسار: ما تلذَّذ المتلذِّذونَ بمثلِ الخَلْوةِ بمناجاةِ اللهِ (٦). وقال مسلم العابد: لولا الجماعة، ما خرجتُ من بابي أبداً حتّى أموت، وقال:

стр. 106

ما يجدُ المطيعونَ لله لذَّةً في الدُّنيا أحلى من الخلوة بمناجاة سيِّدهم (١)، ولا أحسب لهم في الآخرة مِنْ عظيم الثَّواب أكبرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم مِن النَّظر إليه، ثم غُشي عليه. وعن إبراهيم بن أدهم، قال: أعلى الدَّرجات أنْ تنقطعَ إلى ربِّك، وتستأنِسَ إليه بقلبِك، وعقلك (٢)، وجميع جوارحك حتى لا ترجُو إلاَّ ربَّك، ولا تخاف إلاَّ ذنبكَ، وترسخ محبته في قلبك حتى لا تُؤْثِرَ عليها شيئاً، فإذا كنت كذلك لم تُبالِ في بَرٍّ كنت، أو في بحرٍ، أو في سَهْلٍ، أو في جبلٍ، وكان شوقُك إلى لقاء الحبيب شوقَ الظمآن إلى الماء البارد، وشوقَ الجائعِ إلى الطَّعام الطيب، ويكونُ ذكر الله عندكَ (٣) أحلى مِنَ العسل، وأحلى من المَاء (٤) العذبِ الصَّافي عند العطشان في اليوم الصَّائف. وقال الفضيل: طُوبى لمن استوحش مِنَ النَّاسِ، وكان الله جليسَه (٥). وقال أبو سليمان: لا آنسني الله إلاَّ به أبداً. وقال معروف لرجلٍ: توكَّل على الله حتّى يكونَ جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواكَ (٦). وقال ذو النون: مِنْ علامات المحبِّين لله أنْ لا يأنَسُوا بسواه، ولا يستوحشُوا معه، ثم قال: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللهِ تعالى، أنِسَ بالله؛ لأنَّ الله أجلُّ في صُدورِ العارفين أنْ يُحبُّوا سواه. وكلامُ القوم في هذا الباب يطولُ ذكرُه جداً، وفيما ذكرنا كفايةٌ إنْ شاء الله تعالى. فمن تأمَّل ما أشرنا إليه ممَّا دلَّ عليه هذا الحديثُ العظيم، علم أنَّ جميعَ العُلوم والمعارف ترجعُ إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأنَّ جميع العلماء من فِرَقِ هذه الأمَّة

стр. 107

لا تخرجُ علومهم التي يتكلَّمون فيها عن هذا الحديث، وما دلَّ عليه مجمَلاً ومفصَّلاً، فإنَّ الفُقهاءَ إنَّما يتكلَّمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلامَ في أحكامِ الأموالِ والأبضاعِ والدِّماءِ، وكلُّ ذلك من علمِ الإسلامِ كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثيرٌ من علم الإسلامِ مِنَ الآدابِ والأخلاقِ وغير ذلك لا يَتَكلَّمُ عليه إلاَّ القليلُ منهم، ولا يتكلَّمون على معنى الشهادتين، وهما أصلُ الإسلام كلِّه. والذين يتكلمون في أصول الدِّيانات، يتكلَّمون على الشَّهادتين، وعلى الإيمان باللهِ، وملائكته، وكتبه، ورسُله، واليومِ الآخرِ، والإيمان بالقدر (١). والذين يتكلَّمون على علم المعارف والمعاملات يتكلَّمون على مقام الإحسان، وعلى الأعمال الباطنة التي تدخلُ في الإيمان أيضاً (٢)، كالخشية، والمحبَّة، والتوكُّلِ، والرِّضا، والصَّبر، ونحو ذلك، فانحصرتِ العلومُ الشَّرعية التي يتكلَّمُ عليها فِرَقُ المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلُّها إليه، ففي هذا الحديث وحدَه كفايةٌ، وللهِ الحمدُ والمنَّةُ (٣). وبقي الكلام على ذكر السَّاعةِ مِنَ الحَديث. فقول جبريل ﵇ أخبرني عن السَّاعة، فقال النَّبيُّ ﷺ : «ما المسئول عنها بأعلمَ من السَّائل» (٤) يعني: أنَّ علم الخلق كلِّهم في وقتِ السَّاعة سواءٌ، وهذه إشارةٌ إلى أنَّ الله تعالى استأثر بعلمها (٥)، ولهذا في حديث أبي هريرة (٦): قال النَّبيُّ ﷺ في خمسٍ لا يعلمهُنَّ إلاَّ الله تعالى (٧)، ثم تلا:

стр. 108

﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١)، وقال الله : ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلاَّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاَّ بَغْتَةً﴾ (٢). وفي " صحيح البخاري " (٣) عن ابن عمر، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: «مفاتيحُ الغيبِ خمسٌ لا يعلمها إلاَّ الله» ثم قرأ هذه الآية: ﴿إنَّ الله عِندَهُ عِلمُ السَّاعةِ﴾ الآية. وخرَّجه الإمام أحمد (٤)، ولفظه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أوتيتُ مفاتيحَ كلِّ شيءٍ إلاَّ الخمسِ: ﴿إنَّ الله عِنده عِلمُ السَّاعةِ﴾ الآية. وخرَّج أيضاً (٥) بإسناده عن ابن مسعود، قال: أوتي نبيُّكم ﷺ مفاتيح كلِّ شيءٍ غير خمسٍ: ﴿إنَّ الله عِندهُ عِلمُ السَّاعةِ﴾ الآية. قوله: فأخبرني عن أماراتها. يعني: عن علاماتها (٦) التي تدلُّ على اقترابها، وفي حديث أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «سأحدِّثُك عن أشراطها» (٧)، وهي علاماتها (٨) أيضاً. وقد ذكر النَّبيُّ ﷺ للسَّاعة علامتين: الأولى: «أنْ تلد الأمة ربَّتها (٩)»، والمراد بربَّتها سيِّدتُها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة «ربها»، وهذه إشارةٌ إلى فتح البلاد، وكثرة جلبِ الرَّقيق حتى تكثر السَّراري، ويكثر أولادهن، فتكون الأُم رقيقةً لسيِّدها، وأولاده منه بمنْزلته، فإنَّ ولدَ

стр. 109

السيد بمنْزلة السيد، فيصير ولد الأمة بمنْزلة ربها وسيدها (١). وذكر الخطابي (٢) أنَّه استدلَّ بذلك من يقول: إنَّ أمَّ الولدِ إنَّما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، وإنَّها تنتقل إلى أولادها بالميراث، فتعتق عليهم، وإنَّها قبل موت سيدها تُباع، قال: وفي هذا الاستدلال نظر. قلت: قد استدل به بعضُهم على عكس ذلك، وعلى أنَّ أمَّ الولد لا تُباع، وأنَّها تعتق بموتِ سيِّدها بكل حال؛ لأنَّه جعل ولد الأمَة ربها، فكأن ولدها هو الذي أعتقها فصار عتقها منسوباً إليه؛ لأنَّه سببُ عتقها (٣)، فصار كأنَّه مولاها (٤). وهذا كما روي عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال في أمِّ ولده ماريَّةَ لمَّا ولدت إبراهيمَ ﵇: «أعتقها ولدُها» (٥). وقد استدلّ بهذا الإمام أحمد، فإنَّه قال في رواية محمد بن الحكم عنه: تلد الأمةُ ربتها: تكثُر أمَّهاتُ الأولاد، يقول: إذا ولدت، فقد عتقت لولدها، وقال: فيه حجة أنَّ أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ (٦). وقد فسر قوله: «تلدُ الأمةُ ربَّتها» بأنَّه يكثرُ جلبُ الرَّقيق، حتّى تجلب البنت، فتعتق، ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها جاهلة بأنَّها أمها، وقد وقع هذا في الإسلام (٧). وقيل: معناه أنَّ الإماء يَلِدنَ الملوكَ، وقال وكيع (٨): معناه تلدُ العجمُ العربَ، والعرب ملوك العجم وأربابٌ لهم (٩).

стр. 110

والعلامة الثانية: «أنْ ترى الحُفاة العُراة العالة» (١). والمراد بالعالة: الفُقراء (٢)، كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾ (٣). وقوله: «رعاء الشاء يتطاولون في البُنيان». هكذا في حديث عمر (٤)، والمراد أنَّ أسافلَ الناس يصيرون رؤساءهم، وتكثر أموالهم حتّى يتباهون بطول البنيان وزخرفته وإتقانه (٥). وفي حديث أبي هريرة ذكر ثلاثَ علامات: منها: أنْ تكون الحُفاة العراة رؤوسَ الناس، ومنها: أنْ يتطاول رِعاءُ البَهم في البنيان (٦). وروى هذا الحديث عبدُ الله بن عطاء، عن عبد الله بن بُريدة، فقال فيه: «وأنْ تَرى الصمَّ البُكمَ العُمي (٧) الحفاةَ رعاءَ الشاء يتطاولون في البنيان ملوك الناس»، قال: فقام الرَّجُلُ، فانطلق، فقلنا: يا رسولَ الله، مَنْ هؤلاء الذين نعتَّ؟ قال: «هم العُريب» (٨). وكذا روى هذه اللفظة الأخيرة عليُّ بنُ زيد، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر (٩). وأمَّا الألفاظ الأُوَلُ، فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها (١٠). وقوله: «الصمّ البكم العمي» إشارة إلى جهلهم وعدم علمهم وفهمهم. وفي هذا المعنى أحاديث متعددة، فخرَّج الإمام أحمد (١١)

стр. 111

والترمذي (١) من حديث حذيفة، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تقومُ السَّاعة حَتّى يكونَ أسعدُ النَّاسِ بالدُّنيا لكع بن لكع». وفي " صحيح ابن حبان " (٢) عن أنس، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تنقضي الدنيا حتّى تكونَ عندَ لكع بنِ لكعٍ». وخرّج الطبراني (٣) من حديث أبي ذرٍّ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تقومُ الساعةُ حتى يغلبَ على الدُّنيا لكعُ بنُ لكع». وخرّج الإمام أحمد (٤) والطبراني (٥) من حديث أنس، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال : «بينَ يدي الساعةِ سنُونَ خدَّاعةٌ، يُتَّهمُ فيها الأمينُ، ويُؤْتَمنُ فيها المتَّهمُ، وينطق فيها الرُّويبضةُ». قالوا: وما الرويبضَةُ؟ قال: «السَّفيه ينطق في أمرِ العامَّة». وفي رواية: «الفاسقُ يتكلَّمُ في أمر العامة» (٦). وفي رواية الإمام أحمد (٧): «إنَّ بين يدي الدجال سنينَ خداعةٌ، يُصدّقُ فيها الكاذبُ، ويكذّبُ فيها الصادقُ، ويخوَّن فيها الأمينُ ويؤتمنُ فيها الخائنُ»، وذكر باقيه. ومضمونُ ما ذكر من أشراطِ الساعة في هذا الحديث يَرجِعُ إلى أنَّ الأمور تُوَسَّدُ إلى غير أهلها، كما قال النَّبيُّ ﷺ لمن سأله عن الساعة: «إذا وُسِّدَ الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة (٨)» (٩)،

стр. 112

فإنَّه إذا صار الحفاةُ العراةُ رعاءُ الشاءِ - وهم أهلُ الجهل والجفاء - رؤوسَ الناس، وأصحابَ الثروة والأموال، حتّى يتطاولوا في البنيان، فإنَّه يفسد بذلك نظامُ الدين والدنيا، فإنَّه إذا رَأَسَ الناسَ مَنْ كانَ فقيراً عائلاً، فصار ملكاً على الناس، سواء كان مُلكُه عاماً أو خاصاً في بعض الأشياء، فإنَّه لا يكادُ يعطي الناسَ حقوقَهم، بل يستأثر عليهم بما استولى عليهم من المال، فقد قال بعض السَّلف: لأنْ تمدَّ يدكَ إلى فم التِّنين، فيقْضمها، خيرٌ لك من أنْ تمدَّها إلى يد غنيٍّ قد عالج الفقرَ (١). وإذا كان مع هذا جاهلاً جافياً، فسد بذلك الدين؛ لأنَّه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل هِمته في جباية المال واكتنازه، ولا يُبالي بما فسد من دينِ (٢) الناسِ، ولا بمن ضاعَ من أهل حاجاتهم. وفي حديثٍ آخر: «لا تقوم الساعةُ حتى يسودَ كُلَّ (٣) قبيلة منافقوها» (٤). وإذا صار ملوكُ الناس ورؤوسُهم على هذه الحال، انعكست سائرُ الأحوال، فصُدِّقَ الكاذبُ، وكُذِّبَ الصادقُ، وائتُمِنَ الخائنُ، وخوِّنَ الأمينُ، وتكلَّمَ الجاهلُ، وسكتَ العالم، أو عُدِمَ بالكلية، كما صحَّ عن النَّبيِّ ﷺ أنه قال: «إنّ من أشراط الساعة أن يُرفَعَ العلمُ، ويظهر الجهلُ» (٥) وأخبر: «أنَّه يقبضُ العلمُ بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً،

стр. 113

فسُئِلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (١). وقال الشَّعبي: لا تقومُ السَّاعة حتى يصيرَ العلمُ جهلاً، والجهلُ علماً. وهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر (٢) الزمان وانعكاس الأمور. وفي " صحيح الحاكم " (٣) عن عبد الله بن عمرو مرفوعاً: «إن من أشراط الساعة أن يُوضع الأخيارُ، ويُرفع الأشرارُ». وفي قوله: «يتطاولون في البنيان» دليلٌ على ذمِّ التباهي والتفاخر، خصوصاً بالتطاول في البنيان، ولم يكن إطالة (٤) البناء معروفاً (٥) في زمن النَّبيّ ﷺ وأصحابه، بل كان بنيانهم قصيراً بقدر الحاجة (٦)، وروى أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تقومُ الساعةُ، حتَّى يتطاول الناسُ في البنيان». خرَّجه البخاري (٧). وخرَّج أبو داود (٨) من حديث أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرج فرأى (٩) قُبَّةً مشرفة، فقال: «ما هذه؟» قالوا: هذه لفلان، رجل من الأنصار، فجاء صاحِبُها، فسلّم على رسول الله ﷺ ، فأعرضَ عنه، فعلَ ذلك

стр. 114

مراراً، فهدمها الرَّجُلُ. وخرَّجه الطبراني (١) من وجه آخر عن أنس أيضاً، وعنده، فقال النَّبيُّ ﷺ : «كلُّ بناءٍ - وأشار بيده هكذا على رأسه - أكثر مِنْ هذا، فهو وبالٌ على صاحبه (٢)». وقال حريثُ بن السائب، عن الحسن: كنتُ أدخلُ بيوتَ أزواج النَّبيِّ ﷺ في خلافة عثمان ﵁ فأتناولُ سقفَها بيدي (٣). ورُويَ عن عمرَ أنَّه كتب: لا تُطيلوا بناءكم، فإنَّه شرُّ أيامكم (٤). وقال يزيدُ بن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان: ألا نبني لك مسكناً يا أبا عبد الله؟ قالَ: لِمَ، لتجعلني ملكاً؟ قال: لا، ولكن نبني لك بيتاً من قصب ونَسقفه بالبواري، إذا قمت كاد أنْ يصيب رأسك، وإذا نمت كاد أنْ يمس طرفيك، قال: كأنَّك كنت في نفسي (٥). وعن عمّار بن أبي عمّار، قال: إذا رفع الرجل بناءه فوق سبع أذرع، نودي يا أفسقَ الفاسقين، إلى أين (٦)؟ خرّجه كلّه (٧) ابنُ أبي الدنيا. وقال يعقوب بنُ شيبة في " مسنده ": بلغني عن ابن عائشة، حدثنا ابن أبي شُميلة، قال: نزل المسلمون حولَ المسجد، يعني: بالبصرةِ في أخبية الشَّعرِ، ففشا فيهم السَّرَقُ، فكتبوا إلى عمرَ، فأذن لهم في اليراع، فبنوا بالقصب، ففشا فيهمُ الحريقُ، فكتبوا إلى عمر، فأذن لهم في المدَرِ، ونهى أنْ يرفعَ الرجل سمكه أكثر من سبعة

стр. 115

أذرع، وقال: إذا بنيتُم منه بيوتكم، فابنوا منه المسجدَ. قال ابن عائشة: وكان عتبةُ بن غزوان بنى مسجدَ البصرة بالقصب، قال: من صلى فيه وهو من قصب أفضلُ ممن صلى فيه وهو مِنْ لبن، ومن صلى فيه وهو من لبن خير (١) ممن صلَّى فيه وهو من آجُر. وخرّج ابن ماجه (٢) من حديث أنس، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تقومُ الساعةُ حتّى يتباهى الناسُ في المساجد». ومن حديث ابن عباس، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «أراكم ستُشرِّفون مساجدَكم بَعْدي كما شرَّفتِ اليهودُ كنائسها، وكما شرَّفتِ النَّصارى بِيَعَها (٣)» (٤). وروى ابن أبي الدُّنيا (٥) بإسناده عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن ﵁، قال: لما بنى رسول الله ﷺ المسجد، قال: «ابنوه عريشاً كعريشِ موسى». قيل للحسن: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رفع يَده بلغ العريش، يعني: السقف.

стр. 116

الحديث الثالث عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ بن الخطاب ﵄، قال: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ ﷺ ، يقولُ: «بُنِي الإسلامُ عَلى خَمْسٍ: شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلاَّ الله، وأنَّ مُحمَّداً عَبْدُه وَرَسولُهُ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وحَجِّ البيتِ، وصَومِ رَمضانَ». رَواهُ البُخارِي ومُسلمٌ. هذا الحديثُ خرَّجاه في " الصحيحين " (١) من رواية عكرمة بن خالد، عن ابن عمر، وخرّجه مسلم (٢) من طريقين آخرين عن ابنِ عمرَ (٣)، وله طرقٌ أخرى (٤) عنه. وقد روي هذا الحديث من رواية جريرِ بنِ عبدِ الله البجلي، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وخرَّج حديثَه (٥) الإمام أحمدُ (٦).

стр. 117

وقد سبق في الحديث الذي قبله ذكرُ الإسلام. والمرادُ من هذا الحديث أنَّ الإسلام مبنيٌّ على هذه الخمس، فهي كالأركان والدعائم لبنيانه، وقد خرَّجه محمدُ بنُ نصر المروزي في " كتاب الصلاة " (١)، ولفظه: «بُني الإسلام على خمسِ دعائم» فذكره. والمقصودُ تمثيل الإسلام ببنيانه ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيانُ بدونها، وبقيةُ خصالِ الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء، نقص البنيانُ وهو قائم لا ينتقض بنقص ذلك، بخلاف نقضِ هذه الدعائم الخمس؛ فإنَّ الإسلام يزولُ بفقدها جميعِها بغير إشكالٍ، وكذلك يزولُ بفقدِ الشهادتين، والمراد بالشهادتين (٢) الإيمان بالله ورسوله. وقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقاً: «بني الإسلام على خمس: إيمان بالله ورسوله»، وذكر بقية الحديث (٣). وفي رواية لمسلم (٤): «على خمس: على أن يُوحَّدَ الله» وفي رواية لهُ (٥): «على أنْ يُعبَد الله ويُكفَرَ بما دونه». وبهذا يُعلم أنَّ الإيمان باللهِ ورسوله داخل في ضمن الإسلام كما سبق تقريره في الحديث الماضي. وأما إقام الصَّلاة، فقد وردت أحاديثُ متعددةٌ تدلُّ على أنَّ من تركها، فقد خرج من الإسلام، ففي " صحيح مسلم " (٦)

стр. 118

عن جابر، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «بَيْنَ الرجل وبَينَ الشِّركِ والكفرِ تركُ الصلاة»، ورُوي مثلُه من حديث بُريدة (١) وثوبان (٢) وأنس (٣) وغيرهم. وخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ (٤) من حديث عُبادة بنِ الصامت، عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «لا تتركِ الصَّلاةَ متعمداً، فمن تركها متعمداً، فقد خرج من الملة». وفي حديث معاذ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : «رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُه الصَّلاةُ (٥)» فجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاطُ ولا يثبتُ إلا به، ولو سقط العمودُ، لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه. وقال عمر: لا حظَّ في الإسلام لمن تركَ الصلاة (٦)، وقال سعد وعليُّ بنُ أبي طالبٍ (٧): من تركها فقد كفر.

стр. 119

وقال عبد الله بنُ شقيق: كانَ أصحابُ رسول الله ﷺ لا يَرَونَ من الأعمال شيئاً تركه كفر غير الصلاة (١). وقال أيوب السَّختياني: تركُ الصَّلاةِ كفرٌ، لا يُختَلَفُ فيه. وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السَّلف والخلف، وهو قولُ ابنِ المبارك وأحمد وإسحاق، وحكى إسحاق عليه إجماعَ أهل العلم، وقال محمد بن نصر المروزي: هو قولُ جمهور أهل الحديث (٢). وذهبَ طائفةٌ منهم إلى أنَّ منْ تركَ شيئاً من أركان الإِسلام الخمسة عمداً أنَّه كافر بذلك، ورُوي ذلك (٣) عن سعيد بن جبير ونافع والحكم، وهو رواية عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه وهو قول ابنِ حبيبٍ من المالكية. وخرَّج الدَّارقطني (٤) وغيرُه من حديثِ أبي هريرة قال: قيل: يا رسولَ الله الحج في كلِّ عام؟ قال: «لو قلتُ: نعم، لوجب عليكم، ولو وجب عليكم، ما أطقتُموه، ولو تركتموه لكفرتُم». وخرَّج اللالكائي (٥)

стр. 120

من طريق مؤمَّل، قال: حدثنا حمادُ بنُ زيد، عن عمرو ابن مالك النُّكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، ولا أحسبه إلا رفعه قال: «عُرى الإسلامِ وقواعدُ الدِّين ثلاثةٌ، عليهن أُسِّسَ الإسلامُ: شهادةُ أنْ لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمداً رسولُ اللهِ (١)، والصَّلاةُ، وصومُ رمضانَ. من ترك منهنَّ واحدةً، فهو بها كافرٌ، حلالُ الدَّمِ، وتجدُه كثير المال لم يحجَّ، فلا يزالُ بذلك كافراً ولا يحلُّ دمه، وتجده كثيرَ المال فلا يزكِّي، فلا يزالُ بذلك كافراً ولا يحلُّ دَمُهُ» ورواه قتيبة بنُ سعيدٍ، عن حماد بنِ زيد موقوفاً مختصراً، ورواه سعيدُ بنُ زيد أخو حماد، عن عمرو بنِ مالك، بهذا الإسناد مرفوعاً، وقال: «من ترك منهنَّ واحدةً، فهو باللهِ كافرٌ، ولا يُقبَلُ منه صرفٌ ولا عدلٌ، وقد حلَّ دمُه ومالُه» ولم يذكر ما بعده. وقد رُويَ عن عمر ضربُ الجزية على من لم يحجَّ، وقال: ليسوا بمسلمين (٢). وعن ابن مسعود: أنَّ تارك الزَّكاة (٣) ليس بمسلم (٤)، وعن أحمد رواية: أنَّ ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كفرٌ دونَ الصيام والحج. وقال ابن عيينة: المرجئة سَموا تركَ الفرائض ذنباً بمنزلة ركوبِ المحارم، وليس سواء؛ لأنَّ ركوب المحارم متعمداً من غير استحلالٍ معصيةٌ، وتركَ الفرائض من غير جهلٍ ولا عذرٍ هو كفر. وبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهودِ الذين أقرُّوا ببعث (٥) النَّبيِّ ﷺ بلسانهم، ولم يعملوا بشرائعه (٦). وقد استدلَّ أحمد وإسحاق على كفرِ تاركِ الصَّلاةِ بكفر إبليسَ بترك السجودِ لآدمَ، وتركُ السُّجود لله أعظم (٧).

стр. 121

وفي " صحيح مسلم " (١) عن أبي هريرة، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: «إذا قرأ ابنُ آدم السَّجدةَ فسجدَ، اعتزل الشيطان (٢) يبكي ويقول: يا ويلي أُمِرَ ابنُ آدمَ بالسُّجود، فسجد، فله الجنة، وأُمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». واعلم أنَّ هذه الدعائم الخمسَ بعضُها مرتبطٌ ببعض، وقد روي أنَّه لا يُقبل بعضُها بدون بعض كما في "مسند الإمام أحمد" (٣) عن زياد بن نُعيم الحضرمي، قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعٌ فرضهنّ الله في الإسلام، فمن أتى بثلاثٍ لم يُغنين عنه شيئاً حَتّى يأتي بهنّ جميعاً: الصَّلاةُ، والزكاةُ، وصومُ رمضان، وحَجُّ البيتِ» وهذا مرسل، وقد روي عن زياد، عن عُمارةَ بن حزم، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٤). ورُوي عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ : «الدِّين خمسٌ لا يقبلُ الله (٥) منهن شيئاً دون شيء: شهادة أنْ لا إله إلاَّ الله، وأنَّ محمداً عبدُه ورسوله، وإيمانٌ بالله وملائكته وكتبه ورُسُلِه، وبالجنَّةِ والنارِ، والحياةِ بعدَ الموتِ هذه واحدة، والصلواتُ الخمسُ عمود الدين لا يقبلُ الله الإيمان إلاَّ بالصلاة، والزكاةُ طهور من الذنوب، ولا يقبلُ الله الإيمان ولا الصلاة إلا

стр. 122

بالزكاة، فمن فعل هؤلاء (١)، ثم جاء رمضان فتركَ صيامَه متعمداً، لم يقبل الله منه الإيمانَ، ولا الصلاةَ، ولا الزكاة (٢)، فمن فعل هؤلاء الأربع، ثُمَّ تيسَّر له الحجّ، فلم يحجّ، ولم يُوص بحجة، ولم يحجَّ عنه بعض أهله، لم يقبل الله منه الأربع التي قبلها» ذكره ابن أبي حاتم (٣)، وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر يُحتمل أنَّ هذا من كلام عطاء الخراساني. قلت: الظاهر أنَّه من تفسيرِهِ لحديث ابنِ عمرَ، وعطاء من جلَّةِ علماءِ الشَّام. وقال ابنُ مسعود: من لم يزكِّ، فلا صلاةَ له. ونفيُ القبولِ هنا لا يُراد به نفيُ الصِّحَّةِ، ولا وجوب الإعادة بتركه، وإنما يُراد بذلك انتفاء الرِّضا به، ومدح عامله، والثناء بذلك عليه في الملأ الأعلى، والمباهاة به للملائكة. فمن قام بهذه الأركان على وجهها، حصل له القبول بهذا المعنى، ومن قام (٤) ببعضها دُونَ بعضٍ، لم يحصل له ذلك، وإنْ كان لا يُعاقَبُ على ما أتى به منها عقوبةَ تاركه، بل تَبرَأُ به ذمته، وقد يُثابُ عليه أيضاً. ومن هنا يُعلَمُ أنَّ ارتكابَ بعضِ المحرماتِ التي ينقص بها الإيمانُ تكونُ مانعةً من قبول بعض الطاعات، ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه، كما قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ شرِبَ الخمرَ لم يقبل الله له صلاة أربعين يوماً» (٥)،

стр. 123

وقال: «مَنْ أتى عرَّافاً فصدَّقه بما يقولُ، لم تُقبل له صلاة أربعين يوماً» (١)، وقال: «أيما عبد أبقَ من مواليه، لم تُقْبَلْ له صلاةٌ» (٢). وحديثُ ابنِ عمر يستدلُّ به على أنَّ الاسمَ إذا شمل أشياءَ متعدِّدةً، لم يَلزم زوال الاسم بزوال بعضها، فيبطل بذلك قولُ من قال: إنَّ الإيمانَ لو دخلت فيه الأعمال، للزم أنْ يزولَ بزوالِ عمل مما دخل في مسمَّاه، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ جعل هذه الخمسَ دعائمَ الإسلامِ ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل (٣)، وفي حديث طلحة ابن عُبيد الله الذي فيه أنَّ أعرابياً سأل النَّبيَّ ﷺ عنِ الإسلام، ففسره له بهذه الخمس (٤). ومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خَصلةٌ واحدةٌ، أو أربع خصالٍ سوى الشهادتين، لم يخرج بذلك من الإسلام. وقد روى بعضهم: أنَّ جبريلَ ﵇ سأل النَّبيَّ ﷺ عن شرائع الإسلام، لا عن الإسلام، وهذه اللفظة لم تصحَّ عندَ أئمَّة الحديث ونُقَّاده، منهم: أبو زُرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج (٥)، وأبو جعفر العُقيلي وغيرُهم.

стр. 124

وقد ضرب العلماءُ مثل الإيمان بمثلِ (١) شجرة لها أصلٌ وفروعٌ وشُعَبٌ، فاسمُ الشَّجرةِ يَشمَلُ ذلك كله، ولو زال شيءٌ من شُعَبها وفروعها، لم يزُل عنها اسمُ الشجرة، وإنَّما يُقال: هي شجرة ناقصةٌ، أو غيرُها أتمُّ منها. وقد ضربَ الله مثلَ الإيمان بذلك في قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٢). والمراد بالكلمة كلمةُ التَّوحيد، وبأصلها التَّوحيد الثَّابت في القلوب، وأُكُلها: هو (٣) الأعمال الصالحة الناشئة منه (٤). وضرب النَّبيُّ ﷺ مثل المؤمن والمسلمِ بالنَّخلة (٥)، ولو زال شيءٌ من فروع النخلة، أو من ثمرها، لم يزل بذلكَ عنها اسمُ النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصةَ الفروع أو الثَّمر. ولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا، مع أنَّ الجهادَ أفضلُ الأعمال، وفي

стр. 125

رواية: أنَّ ابنَ عمر قيل له: فالجهاد؟ قالَ: الجهاد حسن، ولكن هكذا حدَّثنا رسول اللهِ ﷺ . خرَّجه الإمام أحمد (١). وفي حديث معاذ بنِ جبل: «إنَّ رأسَ الأَمرِ الإسلامُ، وعمودهُ الصَّلاةُ، وذروةُ سنامه الجهاد» (٢) وذروةُ سنامه: أعلى شيء فيه، ولكنَّه ليس من دعائمه وأركانه التي بُني عليها، وذلك لوجهين: أحدهما: أنَّ الجهادَ فرضُ كفاية عند جمهورِ العلماء، ليس بفرضِ عينٍ، بخلاف هذه الأركان (٣). والثاني: أنَّ الجهاد لا يَستمِرُّ فعلُه إلى آخر الدَّهر، بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يبقَ حينئذٍ ملة إلاّ ملة (٤) الإسلام، فحينئذٍ تضعُ الحربُ أوزارَها، ويُستغنى عن الجهاد، بخلاف هذه الأركان، فإنَّها واجبةٌ على المؤمنين إلى أن يأتيَ أمرُ الله وهم على ذلك، والله أعلم.

стр. 126

الحديث الرابع عَنْ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قالَ: حَدَّثنا رسولُ الله ﷺ وهُوَ الصَّادِقُ المَصدوقُ: «إنَّ أَحَدَكُم يُجْمَعُ خلقُهُ في بَطنِ أُمِّهِ أَربعينَ يَوماً نطفة (١)، ثمَّ يكونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ يكونُ مُضغةً مِثلَ ذلكَ، ثمَّ يُرسلُ الله إليه المَلَك، فيَنْفُخُ فيه الرُّوحَ، ويُؤْمَرُ بأربَعِ كلماتٍ: بِكَتْب رِزقه وعمله وأجَلِه، وشقيٌّ أو سَعيدٌ، فوالذي لا إله غيره إنَّ أحدكُم ليَعْمَلُ بعمَلِ أهلِ الجنَّةِ حتَّى ما يكونَ بينَهُ وبَينها إلاَّ ذِراعٌ، فيَسبِقُ عليهِ الكتابُ فَيعمَلُ بعمَلِ أهل النَّار فيدخُلها، وإنَّ أحدكم ليَعمَلُ بعملِ أهل النَّارِ حتّى ما يكون بينَهُ وبينها إلاَّ ذِراعٌ، فيسبِقُ عليه الكِتابُ، فيعمَلُ بعملِ أهل الجنَّةِ فيدخُلُها» رَواهُ البُخاريُّ ومُسلمٌ. هذا الحديث متفق على صحته، وتلقته الأمة بالقبول، رواه الأعمش، عن زيد ابنِ وهب، عن ابن مسعود، ومن طريقه خرَّجه الشيخان في " صحيحيهما (٢) " (٣).

стр. 127

وقد رُوي عن محمد بن يزيد الأسفاطي، قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ فيما يرى النائم، فقلتُ: يا رسول الله، حديث ابن مسعود الذي حدَّث عنك، فقال: حدثنا رسولُ الله ﷺ ، وهو الصادق المصدوق. فقال ﷺ : «والذي لا إله إلاّ هو (١) حدَّثته به أنا» يقوله ثلاثاً، ثم قال: غفر الله للأعمش كما حدَّث به، وغفر الله لمن حدَّث به قبلَ الأعمش، ولمن حدَّث به بعده (٢). وقد روي عن ابن مسعودٍ من وجوهٍ أخر. فقوله ﷺ : «إنَّ أحدكم يُجمع خلقه في بطنِ أُمِّه أربعين يوماً نُطفةً» قد روي تفسيره عن ابن مسعود؛ روى الأعمش، عن خيثمَة، عن ابنِ مسعودٍ، قال: إنَّ النطفةَ إذا وقعت في الرحمِ، طارت في كلِّ شعرٍ وظُفر، فتمكثُ أربعين يوماً، ثم تنحدِرُ في الرَّحم، فتكونُ علقةً. قال: فذلك جمعُها. خرَّجه ابن أبي حاتم (٣) وغيره. وروي تفسير الجمع مرفوعاً بمعنى آخر، فخرَّج الطبراني وابنُ منده في كتاب " التوحيد " من حديث مالك بن الحويرث: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إنَّ الله تعالى إذا أرادَ خلقَ عبدٍ، فجامعَ الرَّجُلُ المرأةَ، طار ماؤهُ في كلِّ عرقٍ وعضوٍ منها، فإذا كانَ يومُ السابع جمعه الله، ثم أحضره كلّ عرق له دونَ آدم (٤): ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٥)، وقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنَّسائي وغيرهما. وخرَّج ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حاتم، والطبراني من رواية مُطَهَّرِ بن الهيثم، عن موسى بن عُلي (٦) بن رباح، عن أبيه، عن جدّه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لجدّه: «يا فلان، ما وُلِدَ لك؟» قالَ: يا رسول الله، وما عسى أن يُولَدَ لي؟ إمّا غلامٌ وإمّا جاريةٌ، قالَ: «فمن يشبهُ؟» قال: مَنْ عسى أنْ يُشبه؟ يشبه أمه أو أباه، قال: فقال النَّبيُّ
следующие страницы →