← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

كَثِيرٍ مِنْ الْمَسَائِلِ (وَقَدْ تَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ نَحْوَ جَالِسْ الْفُقَهَاءَ أَوْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ التَّخْيِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ فِيهِ أَحَدُهُمَا فَلَا يَمْلِكُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ فَلَهُ أَنْ يُجَالِسَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ) اعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّخْيِيرِ مَنْعُ الْجَمْعِ وَبِالْإِبَاحَةِ مَنْعُ الْخُلُوِّ (وَيُعْرَفُ بِدَلَالَةِ الْحَالِ) أَنَّ الْمُرَادَ أَيُّهُمَا فَعَلَى هَذَا قَالُوا فِي لَا أُكَلِّمُ أَحَدًا إلَّا فُلَانًا أَوْ فُلَانًا لَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُمَا لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ الْحَظْرِ إبَاحَةٌ وَقَدْ يُسْتَعَارُ لِحَتَّى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَرْتَفِعُ بِوُجُودِ الْآخَرِ كَالْمُغَيَّا يَرْتَفِعُ بِالْغَايَةِ فَإِنْ حَلَفَ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْخُلُ تِلْكَ الدَّارَ فَإِنْ دَخَلَ الْأُولَى أَوَّلًا حَنِثَ وَإِنْ دَخَلَ الثَّانِيَةَ أَوَّلًا بَرَّ (حَتَّى لِلْغَايَةِ نَحْوُ ــ [التلويح] يُحْصَى. (قَوْلُهُ وَقَدْ تَكُونُ لِلْإِبَاحَةِ) لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مِثْلَ قَوْلِنَا افْعَلْ هَذَا أَوْ ذَاكَ يُسْتَعْمَلُ تَارَةً فِي طَلَبِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ جَوَازِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَيُسَمَّى إبَاحَةً، وَتَارَةً فِي طَلَبِهِ مَعَ امْتِنَاعِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، وَيُسَمَّى تَخْيِيرًا، وَالْإِبَاحَةُ وَالتَّخْيِيرُ قَدْ يُضَافَانِ إلَى صِيغَةِ الْأَمْرِ، وَقَدْ يُضَافَانِ إلَى كَلِمَةِ أَوْ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ، وَجَوَازُ الْجَمْعِ أَوْ امْتِنَاعُهُ إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ وَدَلَالَةِ الْقَرَائِنِ، وَهَذَا كَمَا قَالُوا أَنَّهَا فِي الْخَبَرِ لِلشَّكِّ وَالْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَسَّرَ التَّخْيِيرَ بِمَنْعِ الْجَمْعِ وَالْإِبَاحَةَ بِمَنْعِ الْخُلُوِّ فَإِنْ قُلْت قَدْ لَا يَمْتَنِعُ الْجَمْعُ فِي التَّخْيِيرِ كَمَا فِي خِصَالِ الْكَفَّارَةِ، وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَيَدْخُلَنَّ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هَذِهِ فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَهُمَا جَمِيعًا لَمْ يَحْنَثْ، وَقَدْ لَا يَمْتَنِعُ الْخُلُوُّ فِي الْإِبَاحَةِ كَمَا فِي جَالِسِ الْحَسَنَ أَوْ ابْنَ سِيرِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ، وَكَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ إلَّا زَيْدًا أَوْ عَمْرًا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يُكَلِّمْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَحْنَثْ قُلْت مَا ذَكَرَهُ مُخْتَصٌّ بِصُورَةِ الْأَمْرِ، وَمَعْنَاهُ مَنْعُ الْجَمْعِ أَوْ الْخُلُوِّ فِي الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، فَفِي صُورَةِ الْإِبَاحَةِ إذَا لَمْ يُجَالِسْ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَمْ يَكُنْ آتِيًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَمْرِ الْإِبَاحَةِ، وَإِنْ جَالَسَهُمَا جَمِيعًا كَانَتْ مُجَالَسَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا إتْيَانًا بِالْمَأْمُورِ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا جَمَعَ بَيْنَ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ إنَّمَا يَكُونُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَجَوَازُ غَيْرِهَا إنَّمَا هُوَ بِحُكْمِ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنْ لَمْ يَجُزْ كَمَا إذَا قَالَ أُعْتِقُ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ ذَاكَ، وَأُطَلِّقُ هَذِهِ الزَّوْجَةَ أَوْ تِلْكَ. (قَوْلُهُ وَقَدْ يُسْتَعَارُ) أَيْ يُسْتَعَارُ أَوْ لِحَتَّى إذَا وَقَعَ بَعْدَهَا مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهَا مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بَلْ فِعْلٌ مُمْتَدٌّ يَكُونُ كَالْعَامِّ فِي كُلِّ زَمَانٍ، وَيُقْصَدُ انْقِطَاعُهُ بِالْفِعْلِ الْوَاقِعِ بَعْدَ أَوْ نَحْوُ لَأَلْزَمَنَّكَ أَوْ تُعْطِيَنِي حَقِّي لَيْسَ الْمُرَادُ ثُبُوتَ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ بَلْ ثُبُوتُ الْأَوَّلِ مُمْتَدٌّ إلَى غَايَةٍ هِيَ وَقْتُ إعْطَاءِ الْحَقِّ كَمَا إذَا قَالَ لَأَلْزَمَنَّكَ حَتَّى تُعْطِيَنِي حَقِّي فَصَارَ أَوْ مُسْتَعَارًا لِحَتَّى، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ أَوْ لِأَحَدِ

стр. 212

﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] وَحَتَّى رَأْسِهَا وَقَدْ تَجِيءُ لِلْعَطْفِ فَيَكُونُ الْمَعْطُوفُ إمَّا أَفْضَلَ أَوْ أَخَسَّ وَتَدْخُلُ عَلَى جُمْلَةٍ مُبْتَدَأَةٍ فَإِنْ ذُكِرَ الْخَبَرُ نَحْوَ ضَرَبْت الْقَوْمَ حَتَّى زَيْدٌ غَضْبَانُ) جَوَابُ ــ [التلويح] الْمَذْكُورَيْنِ، وَتَعْيِينُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارِ الْخِيَارِ قَاطِعٌ لِاحْتِمَالِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ الْوُصُولَ إلَى الْغَايَةِ قَاطِعٌ لِلْفِعْلِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَيْ أَحَدَ الْمَذْكُورَيْنِ مِنْ الْمَعْطُوفِ بِأَوْ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ يَرْتَفِعُ بِوُجُودِ الْآخَرِ كَمَا أَنَّ الْمُغَيَّا يَرْتَفِعُ بِالْغَايَةِ، وَيَنْقَطِعُ عِنْدَهَا، وَلِهَذَا ذَهَبَ النُّحَاةُ إلَى أَنَّ أَوْ هَذِهِ بِمَعْنَى إلَى لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ مُمْتَدٌّ إلَى وُقُوعِ الْفِعْلِ الثَّانِي أَوْ إلَّا لِأَنَّ الْفِعْلَ الْأَوَّلَ مُمْتَدٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ إلَّا وَقْتَ وُقُوعِ الْفِعْلِ الثَّانِي فَعِنْدَهُ يَنْقَطِعُ امْتِدَادُهُ، وَقَدْ مَثَّلَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٢٨] أَيْ لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ فِي عَذَابِهِمْ أَوْ اسْتِصْلَاحِهِمْ شَيْءٌ حَتَّى تَقَعَ تَوْبَتُهُمْ أَوْ تَعْذِيبُهُمْ، وَذَهَبَ صَاحِبُ الْكَشَّافِ إلَى أَنَّهُ عَطْفٌ عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ اعْتِرَاضٌ، وَالْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مَالِكُ أَمَرِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يُهْلِكَهُمْ أَوْ يَهْزِمَهُمْ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ، فَلَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ أَدْخُلَ تِلْكَ بِالنَّصْبِ كَانَ أَوْ بِمَعْنَى حَتَّى إذْ لَيْسَ قَبْلَهُ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ يُعْطَفُ عَلَيْهِ فَيَجِبُ امْتِدَادُ عَدَمِ دُخُولِ الدَّارِ الْأُولَى إلَى دُخُولِ الثَّانِيَةِ حَتَّى لَوْ دَخَلَهَا أَوَّلًا حَنِثَ، وَلَوْ دَخَلَ الثَّانِيَةَ أَوَّلًا بَرَّ فِي يَمِينِهِ لِانْتِهَاءِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا أَدْخُلُهَا الْيَوْمَ فَلَمْ يَدْخُلْ حَتَّى غَرُبَتْ الشَّمْسُ، وَمَا يُقَالُ إنَّ تَعَذُّرَ الْعَطْفِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ مَنْفِيٌّ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي عَطْفِ الْمُثْبَتِ عَلَى الْمَنْفِيِّ، وَبِالْعَكْسِ حَتَّى لَوْ قَالَ أَوْ أَدْخُلُ تِلْكَ بِالرَّفْعِ كَانَ عَطْفًا إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْفِعْلِ مَعَ حَرْفِ النَّفْيِ حَتَّى يَكُونَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ: عَدَمَ دُخُولِ الْأُولَى، أَوْ دُخُولَ الثَّانِيَةِ فَلَوْ دَخَلَ الْأُولَى، وَلَمْ يَدْخُلْ الثَّانِيَةَ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الْفِعْلِ نَفْسِهِ حَتَّى يَكُونَ الْفِعْلَانِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، وَيَلْزَمُ شُمُولُ الْعَدَمِ لِوُقُوعِ أَوْ فِي النَّفْيِ فَيَحْنَثُ بِدُخُولِ إحْدَى الدَّارَيْنِ أَيَّتِهِمَا كَانَتْ كَمَا إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ زَيْدًا أَوْ عَمْرًا، وَبِهَذَا يَظْهَرُ أَنَّ أَوْ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] عَاطِفَةٌ مُفِيدَةٌ لِلْعُمُومِ أَيْ عَدَمُ الْجُنَاحِ مُقَيَّدٌ بِانْتِفَاءِ الْأَمْرَيْنِ أَيْ الْمُجَامَعَةِ، وَتَقْدِيرِ الْمَهْرِ حَتَّى لَوْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا كَانَ جُنَاحًا أَيْ تَبِعَةً بِإِيجَابِ مَهْرٍ فَيَكُونُ تَفْرِضُوا مَجْزُومًا عَطْفًا عَلَى تَمَسُّوهُنَّ، وَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْكَشَّافِ مِنْ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ عَلَى مَعْنَى إلَّا أَنْ تَفْرِضُوا أَوْ حَتَّى أَنْ تَفْرِضُوا أَيْ إذَا لَمْ تُوجَدْ الْمُجَامَعَةُ فَعَدَمُ الْجُنَاحِ مُمْتَدٌّ إلَى تَقْدِيرِ الْمَهْرِ (قَوْلُهُ حَتَّى لِلْغَايَةِ) أَيْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَا بَعْدَهَا غَايَةٌ لِمَا قَبْلَهَا سَوَاءٌ كَانَ جُزْءًا مِنْهُ كَمَا فِي أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا أَوْ غَيْرَ جُزْءٍ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] ، وَأَمَّا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى

стр. 213

الشَّرْطِ هُنَا مَحْذُوفٌ أَيْ فَبِهَا وَنِعْمَتْ أَوْ فَالْخَبَرُ ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ الْخَبَرُ (يُقَدَّرُ مِنْ جِنْسِ مَا تَقَدَّمَ نَحْوَ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسُهَا بِالرَّفْعِ أَيْ مَأْكُولٌ إنْ دَخَلَتْ الْأَفْعَالَ فَإِنْ احْتَمَلَ الصَّدْرُ الِامْتِدَادَ وَالْآخِرُ الِانْتِهَاءَ إلَيْهِ فَلِلْغَايَةِ نَحْوَ ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] وَإِلَّا فَإِنْ صَلَحَ لَأَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلثَّانِي يَكُونُ بِمَعْنَى كَيْ نَحْوَ أَسْلَمْت حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَإِلَّا فَلِلْعَطْفِ الْمَحْضِ فَإِنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ أَضْرِبْك حَتَّى تُصِيحَ حَنِثَ إنْ أَقْلَعَ قَبْلَ الصِّيَاحِ) لِأَنَّ حَتَّى لِلْغَايَةِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ (وَإِنْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى تُغَدِّيَنِي فَأَتَاهُ فَلَمْ يُغَدِّهِ لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَتَّى تُغَدِّيَنِي لَا يَصْلُحُ لِلِانْتِهَاءِ بَلْ هُوَ دَاعٍ إلَى الْإِتْيَانِ وَيَصْلُحُ سَبَبًا وَالْغَدَاءُ جَزَاءٌ فَحُمِلَ عَلَيْهِ وَلَوْ قَالَ حَتَّى أَتَغَدَّى عِنْدَك فَلِلْعَطْفِ ــ [التلويح] أَنَّ مَا بَعْدَهَا دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهَا، وَقَدْ تَكُونُ عَاطِفَةً يَتْبَعُ مَا بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا فِي الْإِعْرَابِ، وَقَدْ تَكُونُ ابْتِدَائِيَّةً تَقَعُ بَعْدَهَا جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ أَوْ اسْمِيَّةٌ مَذْكُورٌ خَبَرُهَا أَوْ مَحْذُوفٌ بِقَرِينَةِ الْكَلَامِ السَّابِقِ، وَفِي الْكُلِّ مَعْنَى الْغَايَةِ، وَفِي الْعَاطِفَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ جُزْءًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَفْضَلَهَا أَوْ أَدْوَنَهَا فَلَا يَجُوزُ جَاءَنِي الرِّجَالُ حَتَّى هِنْدٌ، وَأَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مِمَّا يَنْقَضِي شَيْئًا فَشَيْئًا حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَى الْمَعْطُوفِ لَكِنْ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ الْمُتَكَلِّمِ لَا بِحَسَبِ الْوُجُودِ نَفْسِهِ إذْ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِالْمَعْطُوفِ أَوَّلًا كَمَا فِي قَوْلِك مَاتَ كُلُّ أَبٍ لِي حَتَّى آدَم أَوْ فِي الْوَسَطِ كَمَا فِي قَوْلِك مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ، وَلَا تَتَعَيَّنُ الْعَاطِفَةُ إلَّا فِي صُورَةِ النَّصْبِ مِثْلُ أَكَلْت السَّمَكَةَ حَتَّى رَأْسَهَا بِالنَّصْبِ، وَالْأَصْلُ هِيَ الْجَارَّةُ لِأَنَّ الْعَاطِفَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ مَعْنَى الْغَايَةِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْمَعْطُوفَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْحُكْمُ تَقْتَضِيهِ حَتَّى مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا غَايَةً لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُهَا عَاطِفَةً بَلْ الْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةُ وَالْمُبَايَنَةُ كَمَا فِي جَاءَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَيَمْتَنِعُ حَتَّى عَمْرٌو بِالْعَطْفِ كَمَا يَمْتَنِعُ بِالْجَرِّ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يَعِيشَ. (قَوْلُهُ فَإِنْ ذُكِرَ الْخَبَرُ) جَوَابُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَالْمَعْنَى فَمَرْحَبًا بِالْقَضِيَّةِ، وَنِعْمَتْ الْقَضِيَّةُ، وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ يَجْرِي فِي جَمِيعِ مَوَارِدِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ فَاعْرِفْهُ. (قَوْلُهُ وَإِنْ دَخَلَتْ الْأَفْعَالَ) حَتَّى الدَّاخِلَةُ عَلَى الْأَفْعَالِ قَدْ تَكُونُ لِلْغَايَةِ، وَقَدْ تَكُونُ لِمُجَرَّدِ السَّبَبِيَّةِ وَالْمُجَازَاةِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ أَوْ التَّشْرِيكِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ غَائِيَّةٍ وَسَبَبِيَّةٍ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَصْلُ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ مَا أَمْكَنَ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ مَا قَبْلَ حَتَّى مُحْتَمِلًا لِلِامْتِدَادِ وَضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَمَا بَعْدَهَا صَالِحًا لِانْتِهَاءِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمُمْتَدِّ إلَيْهِ وَانْقِطَاعِهِ عِنْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فَإِنَّ الْقِتَالَ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ، وَقَبُولُ الْجِزْيَةِ يَصْلُحُ مُنْتَهًى لَهُ، وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] أَيْ تَسْتَأْذِنُوا فَإِنَّ الْمَنْعَ مِنْ دُخُولِ بَيْتِ الْغَيْرِ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ، وَالِاسْتِئْذَانُ يَصْلُحُ مُنْتَهًى لَهُ، وَجَعَلَ حَتَّى هَذِهِ دَاخِلَةً عَلَى الْفِعْلِ نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَصُورَةِ الْكَلَامِ، وَإِلَّا فَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِإِضْمَارِ أَنْ فَهِيَ دَاخِلَةٌ حَقِيقَةً عَلَى الِاسْمِ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَحْتَمِلْ

стр. 214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التلويح] الصَّدْرُ الِامْتِدَادَ، وَالْآخِرُ الِانْتِهَاءَ إلَيْهِ فَإِنْ صَلُحَ الصَّدْرُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلثَّانِي أَيْ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ بَعْدَ حَتَّى تَكُونُ بِمَعْنَى كَيْ مُفِيدَةً لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْمُجَازَاةِ لِأَنَّ جَزَاءَ الشَّيْءِ وَمُسَبَّبَهُ يَكُونُ مَقْصُودًا مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَايَةِ مِنْ الْمُغَيَّا نَحْوُ أَسْلَمْت حَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَإِنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالْإِسْلَامِ إحْدَاثَهُ فَهُوَ لَا يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ، وَإِنْ أُرِيدَ الثَّبَاتُ عَلَيْهِ فَدُخُولُ الْجَنَّةِ لَا يَصْلُحُ مُنْتَهًى لَهُ بَلْ الْإِسْلَامُ حِينَئِذٍ أَكْثَرُ وَأَقْوَى، وَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ مَا قِيلَ فِي الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ الْغَائِيَّةِ وَالسَّبَبِيَّةِ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ يَنْتَهِي بِوُجُودِ الْجَزَاءِ وَالْمُسَبَّبِ كَمَا يَنْتَهِي الْمُغَيَّا بِوُجُودِ الْغَايَةِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَكَانَ حَتَّى لِلْغَايَةِ حَقِيقَةً حَيْثُ يَحْتَمِلُ الصَّدْرُ أَعْنِي السَّبَبَ الِامْتِدَادَ، وَالْآخَرُ أَعْنِي الْمُسَبَّبَ الِانْتِهَاءَ إلَيْهِ. (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَصْلُحْ الصَّدْرُ سَبَبًا لِلثَّانِي فَحَتَّى لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى غَايَةٍ أَوْ مُجَازَاةٍ فَإِذَا وَقَعَتْ حَتَّى فِي الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَفِي الْغَايَةِ يَتَوَقَّفُ الْبِرُّ عَلَى وُجُودِ الْغَايَةِ لِيَتَحَقَّقَ امْتِدَادُ الْفِعْلِ إلَى الْغَايَةِ، وَفِي السَّبَبِيَّةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَلْ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْفِعْلِ لِتَحَقُّقِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ وَإِنْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الْمُسَبَّبُ، وَفِي الْعَطْفِ يُشْتَرَطُ وُجُودُ الْفِعْلَيْنِ لِيَتَحَقَّقَ التَّشْرِيكُ، وَلْنُوَضِّحْ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ فَلَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ أَضْرِبْكَ حَتَّى تُصْبِحْ فَحَتَّى لِلْغَايَةِ لِأَنَّ الضَّرْبَ يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ بِتَجَدُّدِ الْأَمْثَالِ، وَصِيَاحُ الْمَضْرُوبِ يَصْلُحُ مُنْتَهًى لَهُ فَلَوْ أَقْلَعَ عَنْ الضَّرْبِ قَبْلَ الصِّيَاحِ عَتَقَ عَبْدُهُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ الضَّرْبِ إلَى الْغَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَلَوْ قَالَ عَبْدِي حُرٌّ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى تُغَدِّيَنِي فَهِيَ لِلسَّبَبِيَّةِ دُونَ الْغَايَةِ لِأَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ أَعْنِي التَّغْدِيَةَ لَا يَصْلُحُ لِانْتِهَاءِ الْإِتْيَانِ إلَيْهِ بَلْ هُوَ دَاعٍ إلَى الْإِتْيَانِ فَالْمُرَادُ بِصُلُوحِهِ لِلِانْتِهَاءِ إلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْفِعْلُ فِي نَفْسِهِ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ جَعْلِهِ غَايَةً يَصْلُحُ لِانْتِهَاءِ الصَّدْرِ إلَيْهِ وَانْقِطَاعِهِ بِهِ كَالصِّيَاحِ لِلضَّرْبِ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الصَّدْرَ أَعْنِي الْإِتْيَانَ لَا يَحْتَمِلُ الِامْتِدَادَ وَضَرْبَ الْمُدَّةِ، وَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَقْرَبُ، فَبِالْجُمْلَةِ مَجْمُوعُ احْتِمَالِ الصَّدْرِ الِامْتِدَادُ، وَالْآخِرُ الِانْتِهَاءُ إلَيْهِ مُنْتَفٍ، وَالْإِتْيَانُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلتَّغْدِيَةِ لِأَنَّهُ إحْسَانٌ بَدَنِيٌّ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْإِحْسَانِ الْمَالِيِّ، وَالتَّغْدِيَةُ صَالِحَةٌ لِلْمَجَازَاتِ عَنْ الْإِحْسَانِ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الِامْتِدَادَ أَوْ عَدَمَهُ قَدْ يُعْتَبَرُ فِي النَّفْيِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: ٢٧] فَإِنَّهُ جُعِلَ غَايَةً لِعَدَمِ الدُّخُولِ، وَقَدْ يُعْتَبَرُ فِي نَفْسِ الْفِعْلِ حَتَّى يَكُونَ النَّفْيُ مُسَلَّطًا عَلَى الْفِعْلِ الْمُغَيَّا بِالْغَايَةِ كَمَا فِي هَذِهِ الْأَمْثِلَةِ فَإِنَّ الْيَمِينَ هَاهُنَا لِلْحَمْلِ دُونَ الْمَنْعِ، وَالتَّعْوِيلِ عَلَى الْقَرَائِنِ، وَلَوْ قَالَ إنْ لَمْ آتِك حَتَّى أَتَغَدَّى عِنْدَك فَهِيَ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ لِتَعَذُّرِ الْغَايَةِ وَالسَّبَبِيَّةِ أَمَّا الْغَايَةُ فَلِمَا مَرَّ، وَأَمَّا السَّبَبِيَّةُ وَالْمُجَازَاةُ فَلِأَنَّ فِعْلَ الشَّخْصِ لَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِفِعْلِهِ إذْ الْمُجَازَاةُ هِيَ الْمُكَافَأَةُ، وَلَا مَعْنَى لِمُكَافَأَتِهِ نَفْسَهُ، وَفِيهِ بَحْثٌ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ سَابِقًا هُوَ أَنَّ حَتَّى عِنْدَ تَعَذُّرِ الْغَايَةِ تَكُونُ بِمَعْنَى كَيْ، وَهِيَ تُفِيدُ

стр. 215

الْمَحْضِ لِأَنَّ فِعْلَهُ لَا يَصْلُحُ جَزَاءً لِفِعْلِهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ إنْ لَمْ آتِك فَأَتَغَدَّى عِنْدَك حَتَّى إذَا تَغَدَّى مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ بَرَّ وَلَيْسَ لِهَذَا) أَيْ لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ (نَظِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بَلْ اخْتَرَعُوهُ) أَيْ الْفُقَهَاءُ اسْتِعَارَةً (حُرُوفُ الْجَرِّ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ وَالِاسْتِعَانَةِ فَتَدْخُلُ عَلَى ــ [التلويح] سَبَبِيَّةَ الْأَوَّلِ لِلثَّانِي مِنْ غَيْرِ لُزُومِ مُجَازَاةٍ وَمُكَافَأَةٍ مِنْ شَخْصٍ آخَرَ مِثْلُ أَسْلَمْت كَيْ أَدْخُلَ الْجَنَّةَ، وَحَتَّى أَدْخُلَ الْجَنَّةَ عَلَى لَفْظِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ مِنْ الدُّخُولِ، وَلَا امْتِنَاعَ فِي كَوْنِ بَعْضِ أَفْعَالِ الشَّخْصِ سَبَبًا لِلْبَعْضِ وَمُفْضِيًا إلَيْهِ كَالْإِتْيَانِ إلَى التَّغَدِّي، وَإِذَا كَانَ حَتَّى لِلْعَطْفِ الْمَحْضِ فَقِيلَ بِمَعْنَى الْوَاوِ فَلَا يُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ حَتَّى بِمَعْنَى الْفَاءِ لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ التَّعْقِيبِ وَالْغَايَةِ فَلَوْ أَتَى وَتَغَدَّى عَقِيبَ الْإِتْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ حَصَلَ الْبِرُّ، وَإِلَّا فَلَا حَتَّى لَوْ لَمْ يَأْتِ أَوْ أَتَى، وَلَمْ يَتَغَدَّ أَوْ أَتَى وَتَغَدَّى مُتَرَاخِيًا حَنِثَ، وَالْمَذْكُورُ فِي نُسَخِ الزِّيَادَاتِ وَشُرُوحِهَا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ إنْ نَوَى الْفَوْرَ وَالِاتِّصَالَ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلتَّرْتِيبِ سَوَاءٌ كَانَ مَعَ التَّرَاخِي أَوْ بِدُونِهِ حَتَّى لَوْ أَتَى وَتَغَدَّى مُتَرَاخِيًا حَصَلَ الْبِرُّ، وَإِنَّمَا يَحْنَثُ لَوْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ التَّغَدِّي بَعْدَ الْإِتْيَانِ مُتَّصِلًا أَوْ مُتَرَاخِيًا فِي جَمِيعِ الْعُمْرَانِ أَطْلَقَ الْكَلَامَ، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّ وَقْتَهُ مِثْلُ إنْ لَمْ آتِك الْيَوْمَ حَتَّى أَتَغَدَّى، وَقَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا أَتَاهُ فَلَمْ يَتَغَدَّ ثُمَّ تَغَدَّى مِنْ بَعْدِ غَيْرِهِ مُتَرَاخٍ فَقَدْ بَرَّ، وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَتَغَدَّ عَقِيبَ الْإِتْيَانِ ثُمَّ تَغَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ مُتَرَاخِيًا بِالضَّرُورَةِ فَلَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ غَيْرَ مُتَرَاخٍ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ ثُمَّ تَغَدَّى بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْإِتْيَانِ بِأَنْ يَأْتِيَهُ وَقْتًا آخَرَ فَيَتَغَدَّى عَقِيبَ الْإِتْيَانِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ، وَالْإِشْكَالُ إنَّمَا نَشَأَ مِنْ حَمْلِ التَّرَاخِي عَلَى التَّرَاخِي عَنْ الْإِتْيَانِ الْأَوَّلِ الْمَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ إذَا أَتَاهُ، وَحِينَئِذٍ لَا حَاجَةَ إلَى مَا يُقَالُ إنَّ الْمَسْأَلَةَ مَوْضُوعَةٌ فِي الْمُؤَقَّتِ أَيْ إنْ لَمْ آتِك الْيَوْمَ، وَالْمَعْنَى غَيْرَ مُتَرَاخٍ عَنْ الْيَوْمِ إلَّا أَنَّ لَفْظَ الْيَوْمِ سَقَطَ عَنْ قَلَمِ النَّاسِخِ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَوْلَهُ حَتَّى أَتَغَدَّى بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ لَيْسَ بِمُسْتَقِيمٍ، وَالصَّوَابُ حَتَّى أَتَغَدَّ بِالْجَزْمِ مِثْلُ فَأَتَغَدَّ لِأَنَّهُ عُطِفَ عَلَى الْمَجْزُومِ بِلَمْ حَتَّى يَنْسَحِبَ حُكْمُ النَّفْيِ عَلَى الْفِعْلَيْنِ جَمِيعًا لَا عَلَى مَجْمُوعِ الْفِعْلِ، وَحَرْفُ النَّفْيِ حَتَّى لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ النَّفْيِ لِفَسَادِ الْمَعْنَى، وَبُطْلَانِ الْحُكْمِ. (قَوْلُهُ بَلْ اخْتَرَعُوهُ) يَعْنِي لَا تُوجَدُ حَتَّى فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مُسْتَعْمَلَةً لِلْعَطْفِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ الْغَايَةِ بَلْ صَرَّحُوا بِامْتِنَاعِ مِثْلِ جَاءَنِي زَيْدٌ حَتَّى عَمْرٌو، وَلَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اسْتَعَارُوهَا بِمَعْنَى الْفَاءِ لِلْمُنَاسَبَةِ الظَّاهِرَةِ بَيْنَ الْغَايَةِ وَالتَّعْقِيبِ، وَلِكَوْنِهَا لِلتَّعْقِيبِ بِشَرْطِ الْغَايَةِ فَاسْتَعْمَلَ الْمُقَيَّدَ فِي الْمُطْلَقِ، وَلَا حَاجَةَ فِي أَفْرَادِ الْمَجَازِ إلَى السَّمَاعِ مَعَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ مِمَّا يُؤْخَذُ عَنْهُ اللُّغَةُ فَكَفَى بِقَوْلِهِ سَمَاعًا، وَلَفْظُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا

стр. 216

الْوَسَائِلِ كَالْأَثْمَانِ فَإِنْ قَالَ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ بِكُرٍّ يَكُونُ بَيْعًا وَفِي بِعْت كُرًّا بِالْعَبْدِ يَكُونُ سَلَمًا فَتُرَاعَى شَرَائِطُهُ وَلَا يَجْرِي الِاسْتِبْدَالُ فِي الْكُرِّ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ قَالَ لَا تَخْرُجْ إلَّا بِإِذْنِي يَجِبُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ) لِأَنَّ مَعْنَاهُ إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِإِذْنِي (وَفِي إلَّا أَنْ آذَنَ لَا) أَيْ إنْ قَالَ لَا تَخْرُجْ إلَّا أَنْ آذَنَ لَا يَجِبُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ بَلْ إنَّ أَذِنَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَخَرَجَ ثُمَّ خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَحْنَثُ قَالُوا لِأَنَّهُ اسْتَثْنَى الْإِذْنَ مِنْ الْخُرُوجِ لِأَنَّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَالْإِذْنُ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الْخُرُوجِ فَلَا يُمْكِنُ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَهُوَ الِاسْتِثْنَاءُ فَيَكُونُ مَجَازًا عَنْ الْغَايَةِ وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةِ ظَاهِرَةٌ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إلَى أَنْ ــ [التلويح] اُسْتُعِيرَتْ بِمَعْنَى الْفَاءِ، وَتَأَوَّلَهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ بِأَنَّ الْمُرَادَ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ مِثْلُ الْفَاءِ وَثُمَّ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِمَا ذُكِرَ فِي الزِّيَادَاتِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُجْعَلْ مُسْتَعَارَةً لِمَا يُفِيدُ مُطْلَقَ الْجَمْعِ كَالْوَاوِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ الْعَتَّابِيُّ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ أَنْسَبُ بِالْغَايَةِ، وَعِنْدَ تَعَذُّرِ الْحَقِيقَةِ الْأَخْذُ بِالْمَجَازِ الْأَنْسَبِ أَنْسَبُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِعَارَةَ لِمَعْنَى الْفَاءِ أَعْنِي التَّعْقِيبَ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ أَنْسَبُ بِعَيْنِ هَذَا الدَّلِيلِ إذْ الْغَايَةُ لَا تَتَرَاخَى عَنْ الْمُغَيَّا [حُرُوفُ الْجَرِّ] (قَوْلُهُ الْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ) ، وَهُوَ تَعْلِيقُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وَإِيصَالُهُ بِهِ مِثْلُ مَرَرْت بِزَيْدٍ إذْ أَلْصَقْت مُرُورَك بِمَكَانٍ يُلَابِسُهُ زَيْدٌ، وَلِلِاسْتِعَانَةِ أَيْ طَلَبِ الْمَعُونَةِ بِشَيْءٍ عَلَى شَيْءٍ مِثْلُ بِالْقَلَمِ كَتَبْت، وَبِتَوْفِيقِ اللَّهِ حَجَجْت، وَقَدْ يُقَالُ إنَّهَا رَاجِعَةٌ إلَى الْإِلْصَاقِ بِمَعْنَى أَنَّك أَلْصَقْت الْكِتَابَةَ بِالْقَلَمِ فَلِكَوْنِهَا لِلِاسْتِعَانَةِ تَدْخُلُ عَلَى الْوَسَائِلِ إذْ بِهَا يُسْتَعَانُ عَلَى الْمَقَاصِدِ كَالْأَثْمَانِ فِي الْبُيُوعِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ الْأَصْلِيَّ مِنْ الْبَيْعِ هُوَ الِانْتِفَاعُ بِالْمَمْلُوكِ، وَذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَالثَّمَنُ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ لِأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مِنْ النُّقُودِ الَّتِي لَا يُنْتَفَعُ بِهَا بِالذَّاتِ بَلْ بِوَاسِطَةِ التَّوَسُّلِ بِهَا إلَى الْمَقَاصِدِ بِمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ، وَفَرَّعَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - دُخُولَهَا فِي الْأَثْمَانِ عَلَى كَوْنِهَا لِلْإِلْصَاقِ، وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْإِلْصَاقِ هُوَ الْمُلْصَقُ، وَالْمُلْصَقُ بِهِ تَبَعٌ بِمَنْزِلَةِ الْآلَةِ فَتَدْخُلُ الْبَاءُ عَلَى الْأَثْمَانِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْآلَاتِ فَلَوْ قَالَ بِعْت هَذَا الْعَبْدَ بِكُرٍّ مِنْ الْحِنْطَةِ يَكُونُ الْعَبْدُ مَبِيعًا، وَالْكُرُّ ثَمَنًا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ حَالًّا، وَلَوْ قَالَ بِعْت كُرًّا مِنْ الْحِنْطَةِ بِهَذَا الْعَبْدِ يَكُونُ سَلَمًا، وَيَكُونُ الْعَبْدُ رَأْسَ الْمَالِ وَالْكُرُّ مُسَلَّمًا فِيهِ حَتَّى يُشْتَرَطَ التَّأْجِيلُ، وَقَبْضُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْمَجْلِسِ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَلَا يَجْزِي الِاسْتِبْدَالُ فِي الْكُرِّ قَبْلَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ الصُّورَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي الْكُرِّ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالِاسْتِبْدَالِ كَمَا فِي سَائِرِ الْأَثْمَانِ. (قَوْلُهُ لَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِي) مَعْنَاهُ إلَّا خُرُوجًا مُلْصَقًا بِإِذْنِي، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُفَرَّغٌ فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّرُ لَهُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ عَامٌّ مُنَاسِبٌ لَهُ فِي جِنْسِهِ وَصِفَتِهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى لَا تَخْرُجْ خُرُوجًا إلَّا خُرُوجًا بِإِذْنِي، وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَإِذَا أُخْرِجَ مِنْهَا بَعْضٌ بَقِيَ مَا عَدَاهُ

стр. 217

آذَنَ فَيَكُونُ الْخُرُوجُ مَمْنُوعًا إلَى وَقْتِ وُجُودِ الْإِذْنِ وَقَدْ وُجِدَ مَرَّةً فَارْتَفَعَ الْمَنْعُ. أَقُولُ يُمْكِنُ تَقْرِيرُهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ وَالْمَصْدَرُ قَدْ يَقَعُ حِينًا لِسَعَةِ الْكَلَامِ تَقُولُ آتِيك خُفُوقَ النَّجْمِ أَيْ وَقْتَ خُفُوقِ النَّجْمِ فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ لَا تَخْرُجْ وَقْتًا إلَّا وَقْتَ إذْنِي فَيَجِبُ لِكُلِّ خُرُوجٍ إذْنٌ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ عَنْهُ بِأَنَّهُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَحْنَثُ إنْ خَرَجَ مَرَّةً أُخْرَى بِلَا إذْنٍ وَعَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَحْنَثُ فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ (وَقَالُوا إنْ دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ نَحْوُ مَسَحْت الْحَائِطَ بِيَدَيَّ يَتَعَدَّى إلَى الْمَحَلِّ فَيَتَنَاوَلُ كُلَّهُ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْمَحَلِّ نَحْوَ ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لَا يَتَنَاوَلُ كُلَّ الْمَحَلِّ تَقْدِيرُهُ أَلْصِقُوهَا بِرُءُوسِكُمْ) اعْلَمْ أَنَّ الْآلَةَ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ بَلْ هِيَ وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمُنْفَعِلِ فِي وُصُولِ أَثَرِهِ إلَيْهِ وَالْمَحَلُّ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي فَلَا يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْآلَةِ بَلْ يَكْفِي مِنْهَا مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ بَلْ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْمَحَلِّ فِي مَسَحْت الْحَائِطَ بِيَدَيَّ لِأَنَّ الْحَائِطَ اسْمُ الْمَجْمُوعِ وَقَدْ وَقَعَ مَقْصُودًا فَيُرَادُ كُلُّهُ بِخِلَافِ الْيَدِ فَإِذَا دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي الْمَحَلِّ وَهِيَ حَرْفٌ مَخْصُوصٌ بِالْآلَةِ فَقَدْ شَبَّهَ ــ [التلويح] عَلَى حُكْمِ النَّفْيِ فَيَكُونُ هَذَا مِنْ قَبِيلِ لَا آكُلُ أَكْلًا لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ فِي حُكْمِ الْمَذْكُورِ لَا مِنْ قَبِيلِ لَا أَكَلُ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ الْأَكْلَ الْمَدْلُولَ عَلَيْهِ بِالْفِعْلِ لَيْسَ بِعَامٍّ، وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ نِيَّةُ تَخْصِيصِهِ أَلَا يُرَى أَنَّ قَوْلَنَا لَا آتِيك إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَا آتِيك إلَّا رَاكِبًا يُفِيدُ عُمُومَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَحْوَالِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ قَوْلَنَا لَا آتِيك بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ لَا يُفِيدُ الْعُمُومَ فِي الْأَزْمَانِ وَالْأَحْوَالِ فَظَهَرَ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْكَشْفِ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ يَتَنَاوَلُ الْمَصْدَرَ لُغَةً، وَهُوَ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ لَيْسَ كَمَا يَنْبَغِي. (قَوْلُهُ وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةِ ظَاهِرَةٌ) لِأَنَّ الْغَايَةَ قَصْرٌ لِامْتِدَادِ الْمُغَيَّا، وَبَيَانٌ لِانْتِهَائِهِ كَمَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ قَصْرٌ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَبَيَانٌ لِانْتِهَاءِ حُكْمِهِ، وَأَيْضًا كُلٌّ مِنْهُمَا إخْرَاجٌ لِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ الصَّدْرُ. (قَوْلُهُ فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ) ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هُنَاكَ وَجْهٌ ثَالِثٌ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْإِذْنِ لِكُلِّ خُرُوجٍ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَذْفِ الْبَاءِ أَيْ إلَّا بِأَنْ آذَنَ فَيَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ إلَّا بِإِذْنِي، وَحَذْفُ حَرْفِ الْجَرِّ مَعَ إنْ وَأَنْ شَائِعٌ كَثِيرٌ، وَعِنْدَ تَعَارُضِ الْوَجْهَيْنِ يَبْقَى هَذَا الْوَجْهُ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ، وَأَشَارَ فِي الْمَبْسُوطِ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ قَوْلَنَا الْآخَرَ وَجَاءَ بِإِذْنِي كَلَامٌ مُسْتَقِيمٌ بِخِلَافِ قَوْلِنَا إلَّا خُرُوجًا أَنْ آذَنَ لَكُمْ فَإِنَّهُ مُخْتَلٌّ لَا يُعْرَفُ لَهُ اسْتِعْمَالٌ، وَأَمَّا وُجُوبُ الْإِذْنِ لِكُلِّ دُخُولٍ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] فَمُسْتَفَادٌ مِنْ الْقَرِينَةِ الْعَقْلِيَّةِ وَاللَّفْظِيَّةِ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] . (قَوْلُهُ وَقَالُوا إنْ دَخَلَتْ فِي آلَةِ الْمَسْحِ) الْمَسْحُ هُوَ اللَّمْسُ بِبَاطِنِ الْكَفِّ فَالْيَدُ آلَةٌ وَالْمَمْسُوحُ مَحَلُّ الْفِعْلِ، وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْآلَةِ قَدْرُ

стр. 218

الْمَحَلَّ بِالْآلَةِ فَلَا يُرَادُ كُلُّهُ وَإِنَّمَا ثَبَتَ اسْتِيعَابُ الْوَجْهِ فِي التَّيَمُّمِ وَإِنْ دَخَلَ الْبَاءُ فِي الْمَحَلِّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] لِأَنَّ الْمَسْحَ خَلَفٌ عَنْ الْغَسْلِ وَالِاسْتِيعَابُ ثَابِتٌ فِيهِ فَكَذَا فِي خَلَفِهِ أَوْ لِحَدِيثِ عَمَّارٍ وَهُوَ مَشْهُورٌ يُزَادُ بِهِ عَلَى الْكِتَابِ (عَلَى لِلِاسْتِعْلَاءِ وَيُرَادُ بِهِ الْوُجُوبُ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَعْلُوهُ وَيَرْكَبُهُ مَعْنًى وَيُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ نَحْوُ ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] وَهِيَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ بِمَعْنَى الْبَاءِ إجْمَاعًا مَجَازًا لِأَنَّ اللُّزُومَ يُنَاسِبُ الْإِلْصَاقَ) هَذَا بَيَانُ عَلَاقَةِ الْمَجَازِ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْمَجَازُ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ الشَّرْطُ لَا يُمْكِنُ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ الْخَطَرَ وَالشَّرْطَ حَتَّى لَا تَصِيرَ قِمَارًا فَإِذَا قَالَ بِعْت مِنْكَ هَذَا الْعَبْدَ عَلَى أَلْفٍ فَمَعْنَاهُ بِأَلْفٍ (وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَهُ لِلشَّرْطِ عَمَلًا بِأَصْلِهِ) أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ــ [التلويح] مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِاسْتِيعَابُ فَإِذَا دَخَلَتْ الْبَاءُ فِي الْمَحَلِّ صَارَ شَبِيهًا بِالْآلَةِ فَلَا يُشْتَرَطُ اسْتِيعَابُهُ أَيْضًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ حِينَئِذٍ إلْصَاقُ الْفِعْلِ وَإِثْبَاتُ وَصْفِ الْإِلْصَاقِ فِي الْفِعْلِ فَيَصِيرُ الْفِعْلُ مَقْصُودًا لِإِثْبَاتِ صِفَةِ الْإِلْصَاقِ، وَالْمَحَلُّ وَسِيلَةٌ إلَيْهِ فَيُكْتَفَى فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ أَعْنِي إلْصَاقَ الْفِعْلِ بِالرَّأْسِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِبَعْضِ الرَّأْسِ فَيَكُونُ التَّبْعِيضُ مُسْتَفَادًا مِنْ هَذَا إلَّا مِنْ الْوَضْعِ وَاللُّغَةِ عَلَى مَا نُسِبَ إلَى الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلِهَذَا قَالَ جَارُ اللَّهِ إنَّ الْمَعْنَى أَلْصِقُوا الْمَسْحَ بِالرَّأْسِ، وَهَذَا شَامِلٌ لِلِاسْتِيعَابِ وَغَيْرِهِ، وَإِذْ قَدْ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ التَّبْعِيضُ فَالشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَبَرَ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْمَسْحِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الزِّيَادَةِ، وَلَا إجْمَالَ فِي الْآيَةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمُرَادٍ لِحُصُولِهِ فِي ضِمْنِ غَسْلِ الْوَجْهِ مَعَ عَدَمِ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِهِ اتِّفَاقًا بَلْ الْمُرَادُ بَعْضٌ مُقَدَّرٌ فَصَارَ مُجْمَلًا بَيَّنَهُ النَّبِيُّ ﵇ بِمِقْدَارِ النَّاصِيَةِ، وَهُوَ الرُّبْعُ، وَأَجَابَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ عَدَمَ تَأَدِّي الْفَرْضِ بِمَا حَصَلَ فِي ضِمْنِ غَسْلِ الْوَجْهِ مَبْنِيٌّ عَلَى فَوَاتِ التَّرْتِيبِ، وَهُوَ وَاجِبٌ فَصَارَ الْخِلَافُ مَبْنِيًّا عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ التَّرْتِيبِ، وَأَمَّا وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الْوَجْهِ وَالْيَدِ فِي التَّيَمُّمِ مَعَ دُخُولِ الْبَاءِ عَلَى الْمَحَلِّ فَقَدْ ثَبَتَ بِالنِّسْبَةِ الْمَشْهُورَةِ «يَكْفِيكَ ضَرْبَتَانِ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلذِّرَاعَيْنِ» ، وَبِأَنَّ التَّيَمُّمَ خَلَفٌ عَنْ الْوُضُوءِ وَفِيهِ الِاسْتِيعَابُ إلَّا أَنَّهُ نِصْفٌ بِتَرْكِ مَسْحِ الرَّأْسِ، وَغَسْلِ الرِّجْلَيْنِ تَخْفِيفًا (قَوْلُهُ وَيُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ) يَعْنِي قَدْ يُسْتَعْمَلُ عَلَى فِي مَعْنًى يُفْهَمُ مِنْهُ كَوْنُ مَا بَعْدَهَا شَرْطًا لِمَا قَبْلَهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] أَيْ بِشَرْطِ عَدَمِ الْإِشْرَاكِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا صِلَةٌ لِلْمُبَايَعَةِ يُقَالُ بَايَعْنَاهُ عَلَى كَذَا، وَكَوْنُهَا لِلشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ الْحَقِيقَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّهَا فِي أَصْلِ الْوَضْعِ لِلْإِلْزَامِ، وَالْجَزَاءُ لَازِمٌ لِلشَّرْطِ. (قَوْلُهُ وَهِيَ فِي الْمُعَاوَضَاتِ الْمَحْضَةِ) أَيْ الْخَالِيَةِ عَنْ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ. (قَوْلُهُ وَكَذَا فِي الطَّلَاقِ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّ الطَّلَاقَ عَلَى الْمَالِ مُعَاوَضَةٌ مِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ، وَلِهَذَا كَانَ لَهَا الرُّجُوعُ

стр. 219

- رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَلِمَةُ عَلَى فِي الطَّلَاقِ لِلشَّرْطِ لِأَنَّ الطَّلَاقَ يَقْبَلُ الشَّرْطَ فَيُحْمَلُ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ (فَفِي طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً) لَا يَجِبُ ثُلُثُ الْأَلْفِ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا لِلشَّرْطِ عِنْدَهُ وَأَجْزَاءُ الشَّرْطِ لَا تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ (وَيَجِبُ عِنْدَهُمَا) أَيْ ثُلُثُ الْأَلْفِ لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ عِنْدَهُمَا فَيَكُونُ الْأَلْفُ عِوَضًا لَا شَرْطًا وَأَجْزَاءُ الْعِوَضِ تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ (وَأَمَّا مِنْ فَقَدْ مَرَّ مَسَائِلُهَا) أَيْ فِي فَصْلِ الْعَامِّ فِي قَوْلِهِ مَنْ شِئْت مِنْ عَبِيدِي (إلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ فَصَدْرُ الْكَلَامِ إنْ احْتَمَلَهُ فَظَاهِرٌ) أَيْ إنْ احْتَمَلَ الِانْتِهَاءَ إلَى الْغَايَةِ (وَإِلَّا فَإِنْ أَمْكَنَ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فَذَاكَ نَحْوُ بِعْت إلَى شَهْرٍ يَتَأَجَّلُ الثَّمَنُ) لِأَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ وَهُوَ الْبَيْعُ لَا يَحْتَمِلُ الِانْتِهَاءَ إلَى الْغَايَةِ لَكِنْ يُمْكِنُ تَعَلُّقُ قَوْلِهِ إلَى شَهْرٍ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ بِعْت وَأَجَّلْت الثَّمَنَ إلَى شَهْرٍ (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ تَعَلُّقُهُ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ الْكَلَامُ عَلَيْهِ (يُحْمَلُ عَلَى تَأْخِيرِ صَدْرِ الْكَلَامِ إنْ احْتَمَلَهُ) ــ [التلويح] قَبْلَ كَلَامِ الزَّوْجِ، وَكَلِمَةُ عَلَى تَحْتَمِلُ مَعْنَى الْبَاءِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَعِنْدَهُ لِلشَّرْطِ عَمَلًا بِالْحَقِيقَةِ فَلَوْ قَالَتْ لِلزَّوْجِ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا عَلَى أَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَعِنْدَهُمَا يَجِبُ ثُلُثُ الْأَلْفِ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْعِوَضِ تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمُعَوَّضِ، وَعِنْدَهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الشَّرْطِ لَا تَنْقَسِمُ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ ثُبُوتَ الْعِوَضِ مَعَ الْمُعَوَّضِ مِنْ بَابِ الْمُقَابَلَةِ حَتَّى يَثْبُتَ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ ذَاكَ، وَيَمْتَنِعُ تَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَضَايِفَيْنِ، وَثُبُوتُ الْمَشْرُوطِ وَالشَّرْطِ بِطَرِيقِ الْمُعَاقَبَةِ ضَرُورَةٌ تُوقِفُ الْمَشْرُوطَ عَلَى الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَلَوْ انْقَسَمَ أَجْزَاءُ الشَّرْطِ عَلَى أَجْزَاءِ الْمَشْرُوطِ لَزِمَ تَقَدُّمُ جُزْءٍ مِنْ الْمَشْرُوطِ عَلَى الشَّرْطِ فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُعَاقَبَةُ، وَأَمَّا إذَا قَالَتْ طَلِّقْنِي ثَلَاثًا بِأَلْفٍ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَجِبُ ثُلُثُ الْأَلْفِ لِأَنَّ الْبَاءَ لِلْمُعَاوَضَةِ، وَالْمُقَابَلَةِ فَيَثْبُتُ التَّوْزِيعُ، وَلَوْ قَالَتْ طَلِّقْنِي وَضَرَّتِي عَلَى الْأَلْفِ فَطَلَّقَهَا وَحْدَهَا يَجِبُ مَا يَخُصُّهَا مِنْ الْأَلْفِ لِأَنَّهَا لِلْمُقَابَلَةِ بِدَلَالَةِ ظَاهِرِ الْحَالِ إذْ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُعَاقَبَةِ كَانَ الْبَدَلُ كُلُّهُ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ قَالَتْ إنْ طَلَّقْتَنَا فَلَكَ الْأَلْفُ فَلَا فَائِدَةَ لَهَا فِي طَلَاقِ الضَّرَّةِ بَعْدَ طَلَاقِهَا حَتَّى يَجْعَلَ الْأَلْفَ جَزَاءً لِطَلَاقِهِمَا جَمِيعًا بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ فَائِدَتَهَا فِي الشَّرْطِيَّةِ أَكْثَرُ حَيْثُ لَا يَلْزَمُهَا بِبَعْضِ الطَّلَاقِ شَيْءٌ (قَوْلُهُ، وَأَمَّا مِنْ فَقَدْ) تَكُونُ لِلتَّبْيِينِ أَوْ لِلتَّبْعِيضِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَالْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ أَصْلَهَا ابْتِدَاءُ الْغَايَةِ، وَالْبَوَاقِيَ رَاجِعَةٌ إلَيْهَا، وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ أَصْلَ وَضْعِهَا لِلتَّبْعِيضِ دَفْعًا لِلِاشْتِرَاكِ، وَهَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ لِإِطْبَاقِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلَى أَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَالْمُرَادُ بِالْغَايَةِ فِي قَوْلِهِمْ مِنْ لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ، وَإِلَى لِانْتِهَاءِ الْغَايَةِ هُوَ الْمَسَافَةُ إطْلَاقًا لِاسْمِ الْجُزْءِ عَلَى الْكُلِّ إذْ الْغَايَةُ هِيَ النِّهَايَةُ، وَلَيْسَ لَهَا ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ (قَوْلُهُ بِعْت إلَى شَهْرٍ) أَيْ مُؤَجِّلًا الثَّمَنَ إلَى شَهْرٍ عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ. (قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ) إنْ نَوَى

стр. 220

أَيْ التَّأْخِيرُ (نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ إلَى شَهْرٍ وَلَا يَنْوِي التَّأْخِيرَ وَالتَّنْجِيزُ يَقَعُ عِنْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ وَعِنْدَ زُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَقَعُ فِي الْحَالِ) فَيَبْطُلُ قَوْلُهُ إلَى شَهْرٍ (ثُمَّ الْغَايَةُ إنْ كَانَتْ غَايَةً قَبْلَ تَكَلُّمِهِ نَحْوَ بِعْت هَذَا الْبُسْتَانَ مِنْ هَذَا الْحَائِطِ إلَى ذَاكَ وَأَكَلْت السَّمَكَةَ إلَى رَأْسِهَا لَا تَدْخُلُ تَحْت الْمُغَيَّا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) أَيْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَايَةً قَبْلَ تَكَلُّمِهِ (فَصَدْرُ الْكَلَامِ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا فَهِيَ لِمَدِّ الْحُكْمِ فَكَذَلِكَ نَحْوَ ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَإِنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَا يَتَنَاوَلُ الْغَايَةَ وَهِيَ اللَّيْلُ فَتَكُونُ الْآيَةُ حِينَئِذٍ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَقَوْلُهُ فَكَذَلِكَ جَوَابُ الشَّرْطِ أَيْ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ تَحْتَ الْمُغَيَّا (وَإِنْ تَنَاوَلَهَا) أَيْ تَنَاوَلَ صَدْرُ الْكَلَامِ الْغَايَةَ نَحْوَ الْيَدِ فَإِنَّهَا تَتَنَاوَلُ الْمِرْفَقَ (فَذِكْرُهَا لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا) أَيْ ذِكْرُ الْغَايَةِ يَكُونُ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءِ الْغَايَةِ (نَحْوُ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] فَتَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا وَلِلنَّحْوِيِّينَ فِي إلَى أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الدُّخُولُ إلَّا مَجَازًا) أَيْ دُخُولُ حُكْمِ الْغَايَةِ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا إلَّا مَجَازًا (وَعَكْسُهُ) أَيْ الْمَذْهَبُ الثَّانِي هُوَ أَنْ لَا تَدْخُلَ الْغَايَةُ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا إلَّا مَجَازًا كَالْمَرَافِقِ فَدُخُولُهَا تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا يَكُونُ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ ــ [التلويح] التَّنْجِيزَ أَوْ التَّأْخِيرَ وَالتَّأْجِيلَ فَذَاكَ، وَإِلَّا يَقَعْ بَعْدَ مُضِيِّ شَهْرٍ صَرْفًا لِلْأَجَلِ إلَّا الْإِيقَاعَ احْتِرَازًا عَنْ الْإِلْغَاءِ، وَعِنْدَ زُفَرَ يَقَعُ فِي الْحَالِ لِأَنَّ التَّأْجِيلَ وَالتَّوْقِيتَ صِفَةٌ لِمَوْجُودٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الْوُجُودِ فِي الْحَالِ ثُمَّ يَلْغُو الْوَصْفُ لِأَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقْبَلُهُ. (قَوْلُهُ ثُمَّ الْغَايَةُ) اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ إلَى هَلْ يَدْخُلُ فِيمَا قَبْلَهُ حَتَّى يَشْمَلَهُ الْحُكْمُ أَمْ لَا وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ النُّحَاةِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُفِيدُ إلَّا انْتِهَاءَ الْغَايَةِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى الدُّخُولِ أَوْ عَدَمِهِ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الدَّلِيلِ وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ إلَى لِلنِّهَايَةِ فَجَازَ أَنْ يَقَعَ عَلَى أَوَّلِ الْحَدِّ وَأَنْ يَتَوَغَّلَ فِي الْمَكَانِ لَكِنْ تَمْتَنِعُ الْمُجَاوَزَةُ لِأَنَّ النِّهَايَةَ غَايَةٌ، وَمَا كَانَ بَعْدَهُ شَيْءٌ آخَرُ لَمْ يُسَمَّ غَايَةً، وَفَصَّلَ الْمُصَنِّفُ بِأَنَّ الْغَايَةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ غَايَةً فِي الْوَاقِعِ أَوْ بِمُجَرَّدِ التَّكَلُّمِ وَدُخُولِ إلَى عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَتْ غَايَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ فَهِيَ لَا تَدْخُلُ سَوَاءٌ تَنَاوَلَهَا الصَّدْرُ كَالسَّمَكَةِ لِلرَّأْسِ أَوْ لَا كَالْبُسْتَانِ لِلْحَائِطِ، وَهَذَا مَا قَالُوا إنَّ الْغَايَةَ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا أَيْ مَوْجُودَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ غَيْرَ مُفْتَقِرَةٍ فِي الْوُجُودِ إلَى الْمُغَيَّا لَمْ تَدْخُلْ لِأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْتَتْبِعَهَا الْمُغَيَّا لَكِنَّهُمْ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهَا إذَا تَنَاوَلَهَا الصَّدْرُ تَدْخُلُ سَوَاءٌ كَانَتْ قَائِمَةً بِنَفْسِهَا أَوْ لَا فَفِي مَسْأَلَةِ السَّمَكَةِ يَتَنَاوَلُ الْأَكْلُ الرَّأْسَ عِنْدَهُمْ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ غَايَةً قَبْلَ التَّكَلُّمِ فَإِمَّا أَنْ يَتَنَاوَلَهَا صَدْرُ الْكَلَامِ أَوْ لَا فَإِنْ تَنَاوَلَهَا تَنَاوُلَ الْيَدِ لِلْمِرْفَقِ دَخَلَتْ لِأَنَّ ذِكْرَهَا لَيْسَ لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا لِأَنَّ الْحُكْمَ مُمْتَدٌّ بَلْ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا فَتَبْقَى هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ حُكْمِ الصَّدْرِ، وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا كَالصِّيَامِ لَا يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ لَمْ تَدْخُلْ لِأَنَّ ذِكْرَهَا لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا فَيَمْتَدُّ الْحُكْمُ إلَيْهِ، وَيَنْتَهِي بِالْوُصُولِ إلَيْهِ فَيَحْرُمُ

стр. 221

عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ (وَالِاشْتِرَاكُ) أَيْ الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ هُوَ الِاشْتِرَاكُ أَيْ دُخُولُ الْغَايَةِ تَحْتَ الْمُغَيَّا فِي إلَى بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ وَعَدَمُ الدُّخُولِ أَيْضًا بِطَرِيقِ الْحَقِيقَةِ (وَالدُّخُولُ إنْ كَانَ مَا بَعْدَهَا مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا وَعَدَمُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ (وَمَا ذَكَرْنَا فِي اللَّيْلِ) وَهُوَ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمَّا لَمْ يَتَنَاوَلْ الْغَايَةَ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا (وَالْمَرَافِقِ) وَهُوَ أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ لَمَّا تَنَاوَلَ الْغَايَةَ دَخَلَ تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا (يُنَاسِبُ هَذَا الرَّابِعَ) أَيْ مَعْنَى مَا ذَكَرْنَا وَمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ النَّحْوِيُّونَ فِي الْمَذْهَبِ الرَّابِعِ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الْعِبَارَةِ فَقَطْ فَإِنَّ قَوْلَ النَّحْوِيِّينَ إنَّ الْغَايَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الْمُغَيَّا مَعْنَاهُ أَنَّ لَفْظَ الْمُغَيَّا إنْ كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْغَايَةِ وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْمَذْهَبَ الرَّابِعَ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِهِ عَمَلٌ بِنَتِيجَةِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّ تَعَارُضَ الْأَوَّلَيْنِ أَوْجَبَ الشَّكَّ وَكَذَا الِاشْتِرَاكُ أَوْجَبَ الشَّكَّ فَإِنْ كَانَ صَدْرُ الْكَلَامِ لَمْ يَتَنَاوَلْ الْغَايَةَ لَا يَثْبُتُ دُخُولُهَا تَحْتَ حُكْمِ الْمُغَيَّا بِالشَّكِّ وَإِنْ تَنَاوَلَهَا لَا يَثْبُتُ خُرُوجُهَا بِالشَّكِّ (وَبَعْضُ الشَّارِحِينَ قَالُوا هِيَ غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَهُ) أَيْ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا الَّذِينَ شَرَحُوا كَلَامَ عُلَمَائِنَا الْمُتَقَدِّمِينَ ــ [التلويح] الْوِصَالُ لِوُجُوبِ الِانْقِطَاعِ بِاللَّيْلِ لِأَنَّ الصِّيَامَ إنْ كَانَ عَامًّا فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَصًّا بِرَمَضَانَ فَلِأَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَصْلِ أَيْ بِحُرْمَةِ الْوِصَالِ فِي رَمَضَانَ وَجَوَازِهِ فِي غَيْرِهِ. فَقَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ شَرْطًا جَوَابُهُ الْجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ الَّتِي مُبْتَدَؤُهَا قَوْلُهُ فَصَدْرُ الْكَلَامِ، وَخَبَرُهَا الْجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ الَّتِي شَرْطُهَا قَوْلُهُ، إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا، وَجَزَاؤُهَا قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ أَيْ فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي عَدَمِ الدُّخُولِ، وَقَوْلُهُ فَهِيَ لِمَدِّ الْحُكْمِ اعْتِرَاضٌ لَا جَزَاءٌ لِيَكُونَ قَوْلُهُ فَكَذَلِكَ جَزَاءَ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَا إثْبَاتُ أَنَّ الْغَايَةَ دَاخِلَةٌ أَوْ غَيْرُ دَاخِلَةٍ لَا إثْبَاتُ أَنَّهَا لِمَدِّ الْحُكْمِ أَوْ لِغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَزَاءُ قَوْلِهِ وَإِنْ تَنَاوَلَ هُوَ قَوْلُهُ فَدَخَلَ تَحْتَ الْمُغَيَّا لَا قَوْلُهُ فَذَكَرَهَا لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا بَلْ هُوَ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ تَنْبِيهًا عَلَى عِلَّةِ الْحُكْمِ فَافْهَمْ وَاعْلَمْ فَعِلْمُ الْمَرْءِ يَنْفَعُهُ. (قَوْلُهُ وَلِلنَّحْوِيِّينَ) دَلِيلٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ مِنْ التَّفْصِيلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ الْأَوَّلُ أَنَّهُ نَقَلَ الْمَذَاهِبَ الضَّعِيفَةَ، وَتَرَكَ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الدُّخُولِ، وَلَا عَلَى عَدَمِهِ بَلْ كُلٌّ مِنْهُمَا يَدُورُ مَعَ الدَّلِيلِ، وَلِهَذَا تَدْخُلُ فِي مِثْلِ قَرَأْت الْكِتَابَ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ قَرَأْتُهُ إلَى بَابِ الْقِيَاسِ مَعَ أَنَّ الْغَايَةَ مِنْ جِنْسِ الْمُغَيَّا الثَّانِي أَنَّ الْقَوْلَ بِكَوْنِهِ حَقِيقَةً فِي الدُّخُولِ فَقَطْ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ قَائِلٌ فَكَيْفَ يُعَارَضُ الْقَوْمُ بِعَدَمِ الدُّخُولِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْكَثِيرُ مِنْ النُّحَاةِ الثَّالِثُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ يَلْزَمُ فِي مَسْأَلَةِ السَّمَكَةِ دُخُولُ الرَّأْسِ فِي الْأَكْلِ عَلَى مَا هُوَ مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ الرَّابِعِ وَمُخْتَارِ الْقَوْمِ لِأَنَّ الصَّدْرَ يَتَنَاوَلُهُ، وَقَدْ اخْتَارَ أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا اخْتَارَهُ هُوَ الْمَذْهَبُ الرَّابِعُ. (قَوْلُهُ هِيَ غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ)

стр. 222

رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بَيَّنُوا بِهَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ أَنَّ إلَى لِلْغَايَةِ وَالْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا مُطْلَقًا لَكِنَّ الْغَايَةَ هُنَا لَيْسَتْ الْغَسْلَ بَلْ لِلْإِسْقَاطِ فَلَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْإِسْقَاطِ فَتَدْخُلُ تَحْتَ الْغَسْلِ ضَرُورَةً وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ لَمَّا كَانَتْ اسْمًا لِلْمَجْمُوعِ لَا تَكُونُ الْغَايَةُ غَايَةً لِغَسْلِ الْمَجْمُوعِ لِأَنَّ غَسْلَ الْمَجْمُوعِ إلَى الْمَرَافِقِ مُحَالٌ فَقَوْلُهُ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] يُفْهَمُ مِنْهُ سُقُوطُ الْبَعْضِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبَعْضَ الَّذِي سَقَطَ غَسْلُهُ هُوَ الْبَعْضُ الَّذِي يَلِي الْإِبِطَ فَقَوْلُهُ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] غَايَةٌ لِسُقُوطِ غَسْلِ ذَلِكَ الْبَعْضِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ السُّقُوطِ (فَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ يَدْخُلُ الْأَوَّلُ لِلضَّرُورَةِ) لِأَنَّهُ جُزْءٌ لِمَا فَوْقَهُ وَالْكُلُّ بِدُونِ الْجُزْءِ مُحَالٌ (لَا الْآخِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) فَيَجِبُ تِسْعَةٌ وَعِنْدَهُمَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ فَتَجِبُ عَشَرَةٌ لِأَنَّ الْعَشَرَةَ لَا تُوجَدُ إلَّا بِعَشَرَةِ ــ [التلويح] لَمَّا كَانَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ وُجُوبَ غَسْلِ الْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ مَعَ وُقُوعِهَا بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ إلَى بِمَعْنَى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] أَيْ مَعَ أَمْوَالِكُمْ، وَبَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ إلَّا عَلَى الدُّخُولِ أَوْ عَدَمِهِ فَجُعِلَ دَاخِلًا فِي الْوُجُوبِ أَخْذًا بِالِاحْتِيَاطِ أَوْ لِأَنَّ غَسْلَ الْيَدِ لَا يَتِمُّ بِدُونِهِ لِتَشَابُكِ عَظْمَاتِ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ أَوْ لِأَنَّهُ صَارَ مُجْمَلًا «وَقَدْ أَدَارَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَاءَ عَلَى مَرَافِقِهِ» فَصَارَ بَيَانًا لَهُ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ، وَذَكَرُوا لِهَذَا الْكَلَامِ تَفْسِيرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ صَدْرَ الْكَلَامِ إذَا كَانَ مُتَنَاوِلًا لِلْغَايَةِ كَالْيَدِ فَإِنَّهَا اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ إلَى الْإِبِطِ وَكَانَ ذِكْرُ الْغَايَةِ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ إلَيْهَا لِأَنَّ الِامْتِدَادَ حَاصِلٌ فَيَكُونُ قَوْلُهُ ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ اغْسِلُوا وَغَايَةً لَهُ لَكِنْ لِأَجْلِ إسْقَاطِ مَا وَرَاءَ الْمَرَافِقِ عَنْ حُكْمِ الْغَسْلِ، وَالثَّانِي أَنَّهُ غَايَةٌ لِلْإِسْقَاطِ، وَمُتَعَلِّقٌ بِهِ كَأَنَّهُ قِيلَ اغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُسْقِطِينَ إلَى الْمَرَافِقِ فَيَخْرُجُ عَنْ الْإِسْقَاطِ فَيَبْقَى دَاخِلًا تَحْتَ الْغَسْلِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ لِظُهُورِ أَنَّ الْجَارَّ وَالْمَجْرُورَ مُتَعَلِّقٌ بِالْفِعْلِ الْمَذْكُورِ، وَلِلْقَاضِي الْإِمَامِ أَبِي زَيْدٍ هَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قُرِنَ بِالْكَلَامِ غَايَةٌ أَوْ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ لَا يُعْتَبَرُ بِالْمُطْلَقِ ثُمَّ يَخْرُجُ بِالْقَيْدِ عَنْ الْإِطْلَاقِ بَلْ يُعْتَبَرُ مَعَ الْقَيْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَالْفِعْلُ مَعَ الْغَايَةِ كَلَامٌ وَاحِدٌ لِلْإِيجَابِ إلَيْهَا لَا لِلْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ لِأَنَّهُمَا ضِدَّانِ فَلَا يَثْبُتَانِ إلَّا بِنَصَّيْنِ، وَالنَّصُّ مَعَ الْغَايَةِ نَصٌّ وَاحِدٌ. (قَوْلُهُ فَإِنْ قَالَ لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إلَى عَشَرَةٍ يَدْخُلُ الْأَوَّلُ) بِنَاءً عَلَى الْعُرْفِ وَدَلَالَةِ الْحَالِ لَا بِنَاءً عَلَى امْتِنَاعِ وُجُودِ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهُ مَغْلَطَةٌ مِنْ بَابِ اشْتِبَاهِ الْمَعْرُوضِ بِالْعَارِضِ فَإِنَّ الْوَاحِدَ جُزْءٌ مِنْ كُلِّ عَدَدٍ لَكِنْ إذَا رُتِّبَتْ مَعْدُودَاتُ عَشَرَةٍ مَثَلًا فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْوَاحِدَ الَّذِي هُوَ الْأَوَّلُ مِنْهَا جُزْءٌ مِمَّا فَوْقَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ الْمَجْمُوعِ الْمُرَكَّبِ مِنْهُ، وَمِمَّا فَوْقَهُ فَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَاشِرِ لَا يَكُونُ إلَّا الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ، وَهَكَذَا حَتَّى التَّاسِعِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَاشِرِ وَالْحَادِيَ

стр. 223

أَجْزَاءٍ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ فَتَجِبُ ثَمَانِيَةٌ (وَتَدْخُلُ الْغَايَةُ فِي الْخِيَارِ عِنْدَهُ) أَيْ إذَا بَاعَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ إلَى غَدٍّ يَدْخُلُ الْغَدُ فِي الْخِيَارِ أَيْ يَكُونُ الْخِيَارُ ثَابِتًا فِي الْغَدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ يَتَنَاوَلُ مَا فَوْقَهُ فَقَوْلُهُ إلَى الْغَدِ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهُ (وَكَذَا فِي الْأَجَلِ وَالْيَمِينِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَرَافِقِ) أَمَّا الْأَجَلُ فَنَحْوُ بِعْت إلَى رَمَضَانَ أَيْ لَا أَطْلُبُ الثَّمَنَ إلَى رَمَضَانَ وَأَمَّا الْيَمِينُ فَنَحْوُ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا إلَى رَمَضَانَ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا أَطْلُبُ الثَّمَنَ وَلَا أُكَلِّمُ يَتَنَاوَلُ الْعُمْرَ ــ [التلويح] عَشَرَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهَا وَاحِدٌ، وَلَيْسَ بِجُزْءٍ مِمَّا بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْعَشَرَةِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ عَلَيَّ مِنْ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ أَوْ مَا بَيْنَ عِشْرِينَ إلَى ثَلَاثِينَ تَدْخُلُ الْعِشْرُونَ فِي ثَلَاثِينَ مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ جُزْءًا مِنْ التِّسْعَةِ الَّتِي بَيْنَهَا وَبَيْنَ الثَّلَاثِينَ لَا يُقَالُ مُرَادُهُ أَنَّ الْوَاحِدَ جُزْءٌ مِنْ الْعَدَدِ الَّذِي فَوْقَهُ كَالِاثْنَيْنِ مَثَلًا وَثُبُوتَ الْكُلِّ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ الْجُزْءِ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ كَانَ اللَّازِمُ أَرْبَعَةً وَأَرْبَعِينَ بِمَنْزِلَةِ لَهُ عَلَيَّ اثْنَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ إلَى عَشَرَةٍ حَتَّى إذَا ضَمَّ إلَيْهِ عَشَرَةً لَزِمَ أَرْبَعَةٌ وَخَمْسُونَ فَظَهَرَ أَنَّ الْكَلَامَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْآحَادُ الَّتِي بَيْنَ الْوَاحِدِ وَالْعَاشِرِ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي أَنَّهُ هَلْ يَدْخُلُ كِلَاهُمَا أَوْ أَحَدُهُمَا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِنَا مَا بَيْنَ وَاحِدٍ إلَى عَشَرَةٍ فَيُتَأَمَّلُ، وَلَا بِنَاءَ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ مَا بَيْنَ الْأَوَّلِ، وَالْعَاشِرِ، وَفِيهِ الثَّانِي وَالثَّالِثُ، وَغَيْرُهُمَا، وَالثَّانِي لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْأَوَّلِ فَيَجِبُ ضَرُورَةً كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مِنْ وَاحِدَةٍ إلَى ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ إيقَاعٌ لِلثَّانِيَةِ، وَهِيَ لَا تُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْأُولَى فَيَقَعُ طَلْقَتَانِ ضَرُورَةً بِخِلَافِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَانِيَةً فَإِنَّهُ لَا تَقَعُ إلَّا وَاحِدَةً وَيَلْغُو الْوَصْفُ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ لِلْوَاحِدَةِ ذِكْرٌ، وَالطَّلَاقُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِلَفْظٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ التَّضَايُفَ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ وَصْفَيْ الْأَوَّلِيَّةِ وَالثَّانَوِيَّةِ لَا بَيْنَ ذَاتَيْهِمَا فَإِيقَاعُ مَا هُوَ ثَانٍ لَا يُوجِبُ إيقَاعُ مَا هُوَ الْأَوَّلُ إذْ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْمَعْرُوضَيْنِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ إنَّ كَوْنَ الْأَبِ فِي الدَّارِ يُوجِبُ كَوْنَ الِابْنِ فِيهَا ضَرُورَةً أَيْ الْأَبُ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الِابْنِ، وَلَا يَدْخُلُ الْآخِرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ لِأَنَّ مُطْلَقَ الدِّرْهَمِ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَاشِرَ فَذَكَرَ الْغَايَةَ لِمَدِّ حُكْمِ الْوُجُوبِ وَعِنْدَهُمَا تَدْخُلُ الْغَايَتَانِ الْأَوَّلُ، وَالْعَاشِرُ لِأَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ غَيْرُ قَائِمَةٍ بِنَفْسِهَا إذْ لَا وُجُودَ لِلْعَاشِرِ إلَّا بِوُجُودِ تِسْعَةٍ قَبْلَهُ، وَلَا وُجُودَ لِلْأَوَّلِ إلَّا بِوُجُودِ الثَّانِي بَعْدَهُ فَلَا تَكُونَانِ غَايَتَيْنِ مَا لَمْ تَكُونَا ثَابِتَيْنِ، وَذَلِكَ بِالْوُجُوبِ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِيهِ، وَعِنْدَ زُفَرَ ﵀ يَدْخُلُ شَيْءٌ مِنْ الْغَايَتَيْنِ عَمَلًا بِمُوجَبِ اللُّغَةِ، وَقَدْ حَاجَّهُ الْأَصْمَعِيُّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَا قَوْلُك فِي رَجُلٍ قِيلَ لَهُ كَمْ سِنُّك فَقَالَ مَا بَيْنَ سِتِّينَ إلَى سَبْعِينَ أَيَكُونُ ابْنَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ فَتَحَيَّرَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَرَافِقِ)

стр. 224

فَقَوْلُهُ إلَى رَمَضَانَ لِإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهُ (فِي لِلظَّرْفِ وَالْفَرْقُ ثَابِتٌ بَيْنَ إثْبَاتِهِ وَإِضْمَارِهِ نَحْوُ صُمْت هَذِهِ السَّنَةَ يَقْتَضِي الْكُلَّ بِخِلَافِ صُمْت فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَلِهَذَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا يَقَعُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ لِيَكُونَ وَاقِعًا فِي جَمِيعِ الْغَدِ وَفِي الْغَدِ إنْ نَوَى آخِرَ النَّهَارِ يَصِحُّ وَلَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الدَّارِ تَطْلُقْ فِي الْحَالِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ فِي دُخُولِك الدَّارَ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ، وَقَدْ تُسْتَعَارُ لِلْمُقَارَنَةِ إنْ لَمْ تَصْلُحْ ظَرْفًا نَحْوَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِك الدَّارَ فَتَصِيرُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَلَا يَقَعُ ــ [التلويح] مُتَعَلِّقٌ بِالْجَمِيعِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْخِيَارَ وَعَدَمَ طَلَبِ الثَّمَنِ وَعَدَمَ التَّكَلُّمِ يَنْصَرِفُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ إلَى التَّأْبِيدِ فَذِكْرُ الْغَايَةِ يَكُونُ لِلْإِسْقَاطِ لَا لِمَدِّ الْحُكْمِ فَيَدْخُلُ الْغَدُ فِي الْخِيَارِ، وَرَمَضَانُ فِي الْأَجَلِ، وَعَدَمُ التَّكَلُّمِ وَعِنْدَهُمَا لَا يَدْخُلُ عَمَلًا بِمَا هُوَ الْأَصْلُ فِي كَلِمَةِ إلَى، وَقَدْ سَبَقَ فِي نَحْوِ بِعْت إلَى شَهْرٍ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِأَجَّلْتُ الثَّمَنَ إلَى شَهْرٍ، وَعَدَلَ عَنْهُ هَاهُنَا إلَى لَا أَطْلُبُ الثَّمَنَ لِيَكُونَ نَفْيًا فَيَتَحَقَّقَ التَّنَاوُلُ إذْ رُبَّمَا يُنَازَعُ فِي كَوْنِ التَّأْجِيلِ مُؤَبَّدًا فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّرْفِيهُ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِأَدْنَى مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ اتِّبَاعًا لِمَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَفِي الْآجَالِ، وَفِي الْأَيْمَانِ جَمْعُ أَجَلٍ وَيَمِينٍ وَالصَّوَابُ وَفِي الْآجَالِ فِي الْأَيْمَانِ إذْ لَا اخْتِلَافَ فِي رِوَايَةِ آجَالِ الْبُيُوعِ وَالدُّيُونِ بَلْ الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ فِي الْأَجَلِ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا فِي الْإِجَارَةِ، وَإِنَّمَا رِوَايَةُ الْحَسَنِ فِي آجَالِ الْيَمِينِ قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ، وَفِي الْآجَالِ وَالْإِجَارَاتِ لَا تَدْخُلُ الْغَايَةُ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ التَّأْيِيدُ، وَفِي تَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ، وَتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكٌّ، وَكَذَا فِي أَجَلِ الْيَمِينِ لَا تَدْخُلُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ فِي حُرْمَةِ الْكَلَامِ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْكَلَامِ فِي مَوْضِعِ الْغَايَةِ شَكًّا (قَوْلُهُ فِي لِلظَّرْفِ) بِأَنْ يَشْتَمِلَ الْمَجْرُورُ عَلَى مَا قَبْلَهَا اشْتِمَالًا مَكَانِيًّا أَوْ زَمَانِيًّا تَحْقِيقًا مِثْلُ الْمَاءُ فِي الْكُوزِ وَزَيْدٌ فِي الْبَلَدِ وَمِثْلُ الصَّوْمُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ وَالصَّلَاةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ تَشْبِيهًا زَيْدٌ فِي نِعْمَةٍ، وَالدَّارُ فِي يَدِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. (قَوْلُهُ صُمْت هَذِهِ السَّنَةَ) يَقْتَضِي الْكُلَّ لِأَنَّ الظَّرْفَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْمَفْعُولِ بِهِ حَيْثُ انْتَصَبَ بِالْفِعْلِ فَيَقْتَضِي الِاسْتِيعَابَ كَالْمَفْعُولِ بِهِ يَقْتَضِي تَعَلُّقَ الْفِعْلِ بِمَجْمُوعِهِ إلَّا بِدَلِيلٍ بِخِلَافِ صُمْت فِي هَذِهِ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ بِصَوْمِ سَاعَةٍ بِأَنْ يَنْوِيَ الصَّوْمَ إلَى اللَّيْلِ ثُمَّ يُفْطِرَ لِأَنَّ الظَّرْفَ قَدْ يَكُونُ أَوْسَعَ فَلَوْ نَوَى فِي أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا آخِرَ النَّهَارِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَفِي أَنْتِ طَالِقٌ فِي غَدٍ يُصَدَّقُ قَضَاءً أَيْضًا لَكِنْ إذَا لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَ الْجُزْءُ الْأَوَّلُ أَوْلَى لِسَبْقِهِ مَعَ عَدَمِ الْمُزَاحِمِ، وَيُخَالِفُ هَذَا مَا رَوَى إبْرَاهِيمُ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَمْرُك بِيَدِك رَمَضَانَ أَوْ فِي رَمَضَانَ فَهُمَا سَوَاءٌ، وَكَذَا غَدًا أَوْ فِي غَدٍ، وَيَكُونُ الْأَمْرُ بِيَدِهَا فِي رَمَضَانَ أَوْ الْغَدِ كُلِّهِ. (قَوْلُهُ تَطْلُقْ) حَالًا لِأَنَّ الْمَكَانَ لَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا لِلطَّلَاقِ لِامْتِنَاعِ أَنْ يَقَعَ فِي مَكَان دُونَ مَكَان، وَإِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلتَّخْصِيصِ لَمْ يَصْلُحْ لَأَنْ

стр. 225

بِأَنْتِ طَالِقٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ وَيَقَعُ فِي عِلْمِ اللَّهِ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ الْمَعْلُومُ) اعْلَمْ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ مُتَعَارَفٌ لَا التَّعْلِيقَ بِالْعِلْمِ فَلَا يُقَالُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ عَلِمَ اللَّهُ وَذَلِكَ لِأَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعَالَى مُتَعَلِّقَةٌ بِبَعْضِ الْمُمْكِنَاتِ دُونَ الْبَعْضِ فَأَمَّا عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ وَالْمُمْتَنِعَاتِ فَقَوْلُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ لَا يُرَادُ بِهِ التَّعْلِيقُ فَالْمُرَادُ أَنَّ هَذَا ثَابِتٌ فِي مَعْلُومِ اللَّهِ (أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ مَعَ لِلْمُقَارَنَةِ ــ [التلويح] يُجْعَلَ شَرْطًا فَيَكُونُ تَعْلِيقًا إلَّا أَنْ يُرَادَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِك الدَّارَ بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَوْ اسْتِعْمَالِ الْمَحَلِّ فِي الْحَالِ فَيَكُونَ تَعْلِيقًا بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي دُخُولِك الدَّارَ أَيْ وَقْتَ دُخُولِهَا عَلَى وَضْعِ الْمَصْدَرِ مَوْضِعَ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ شَائِعٌ أَوْ عَلَى اسْتِعَارَةِ فِي لِلْمُقَارَنَةِ لِمَا بَيْنَ الظَّرْفِ وَالْمَظْرُوفِ مِنْ الْمُقَارَنَةِ الْمَخْصُوصَةِ فَيَصِيرُ بِمَعْنَى الشَّرْطِ ضَرُورَةَ أَنَّ مُقَارَنَةَ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فَيَلْزَمُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِوُجُوبِ الدُّخُولِ لِيَتَقَارَنَا، قِيلَ وَفِي قَوْلِهِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ شَرْطًا مَحْضًا حَتَّى يَقَعَ الطَّلَاقُ بَعْدَهُ بَلْ يَقَعُ مَعَهُ، وَيَظْهَرُ الْأَثَرُ فِيمَا لَوْ قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي نِكَاحِك فَتَزَوَّجَهَا لَا تَطْلُقُ كَمَا لَوْ قَالَ مَعَ نِكَاحِك بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ تَزَوَّجْتُك. (قَوْلُهُ فَلَا يَقَعُ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِهَا عِنْدَ الِاسْتِعَارَةِ لِلْمُقَارَنَةِ بِمَعْنَى الشَّرْطِ فَإِنْ كَانَ الْمَجْرُورُ بِهَا مِمَّا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِهِ صَارَ مُعَلَّقًا كَالْمَشِيئَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَعْضِ الْمُمْكِنَاتِ دُونَ الْبَعْضِ فَيَكُونُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعْلِيقًا بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَإِلَّا فَلَا كَالْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْجَمِيعِ فَلَا يَكُونُ أَنْتِ طَالِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعْلِيقًا إذْ لَا يَصِحُّ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ عَلِمَ اللَّهُ بَلْ يَقَعُ فِي الْحَالِ، وَيَصِيرُ الْمَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ فِي مَعْلُومِ اللَّهِ أَيْ هَذَا الْمَعْنَى ثَابِتٌ فِي جُمْلَةِ مَعْلُومَاتِهِ إذْ لَوْ لَمْ يَقَعْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى فِي مَعْلُومِ اللَّهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى جَعْلِ الْعِلْمِ بِمَعْنَى الْمَعْلُومِ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ ثَابِتٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَعْنَى أَنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِذَلِكَ، فَإِنْ قِيلَ الْقُدْرَةُ أَيْضًا شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ الْمُمْكِنَاتِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ أُجِيبَ بِأَنَّهَا بِمَعْنَى تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَصِيرَ مِنْ قَبِيلِ الْمَشِيئَةِ وَالْإِرَادَةِ، فَإِنْ قِيلَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْمَقْدُورِ مِثْلَ قَوْلِك عِنْدَ اسْتِعْظَامِ الْأَمْرِ شَاهِدْ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعَالَى أُجِيبَ بِأَنَّهُ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ أَثَرَ قُدْرَتِهِ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الْعِلْمِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُؤَثِّرَةِ بِخِلَافِ الْقُدْرَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا تَرْجِيحَ لِحَذْفِ الْمُضَافِ عَلَى كَوْنِ الْمَصْدَرِ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ، وَلَوْ سَلِمَ فَقَوْلُنَا هُوَ مِنْ آثَارِ الْقُدْرَةِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِنَا هُوَ فِي الْمَقْدُورَاتِ، وَاعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ التَّقْيِيدِ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى تَعْلِيقًا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ هُوَ إبْطَالُ الْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَإِعْدَامٍ لِحُكْمِهِ إذْ لَا طَرِيقَ لِلْوُقُوفِ عَلَيْهَا، وَرُوِيَ الْخِلَافُ عَلَى الْعَكْسِ، وَيَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي أَنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعْلِيقِ لَا عَلَى تَقْدِيرِ

стр. 226

فَيَقَعُ ثِنْتَانِ إنْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً مَعَ وَاحِدَةٍ) (وَقَبْلُ لِلتَّقْدِيمِ فَتَقَعُ وَاحِدَةٌ إنْ قَالَ لَهَا) أَيْ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا (أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَ وَاحِدَةٍ) لِأَنَّ الْقَبْلِيَّةَ صِفَةٌ لِلطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا فَلَمْ يَبْقَ مَحَلًّا لِلْآخَرِ (وَثِنْتَانِ لَوْ قَالَ قَبْلَهَا) أَيْ تَقَعُ ثِنْتَانِ إنْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً قَبْلَهَا وَاحِدَةٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا وَاقِعٌ فِي الْحَالِ وَاَلَّذِي وُصِفَ ــ [التلويح] الْإِعْدَامِ، وَأَنَّهُ لَوْ قَدَّمَ مِثْلَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْتِ طَالِقٌ يَقَعُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالتَّعْلِيقِ لِعَدَمِ حَرْفِ الْجَزَاءِ، وَلَا يَقَعُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْإِبْطَالِ لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيَّ أَنَّهُ لَوْ قَالَ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ فَهُوَ أَيْضًا مُبْطِلٌ لِلْكَلَامِ بِمَنْزِلَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَا إذَا عَلَّقَ بِمَشِيئَةِ مَنْ لَا تَظْهَرُ مَشِيئَتُهُ مِثْلُ إنْ شَاءَ الْجِنُّ، وَهَاهُنَا نُكْتَةٌ، وَهِيَ أَنَّ مِثْلَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطَّلَاقِ أَلْبَتَّةَ إمَّا عَلَى تَقْدِيرِ الْمَشِيئَةِ فَلِوُجُوبِ وُقُوعِ مُرَادِ اللَّهِ، وَإِمَّا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْمَشِيئَةِ فَلِوُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لِلتَّعْلِيقِ بَلْ لِلْإِبْطَالِ، وَلَوْ سَلِمَ فَلَا نُسَلِّمُ لُزُومَ الْحُكْمِ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُودِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ أَنْ لَوْ كَانَ مُمْكِنًا، وَوُقُوعُ الطَّلَاقِ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ مُحَالٌ فَالتَّعْلِيقُ مِمَّا يَسْتَحِيلُ مَعَهُ وُقُوعُ الطَّلَاقِ لَغْوٌ، وَذَكَرَ فِي النَّوَازِلِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ فَثِنْتَيْنِ فَإِنْ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ لَمْ يَقَعْ إلَّا تِلْكَ الْوَاحِدَةُ لِأَنَّ وُقُوعَ الثِّنْتَيْنِ مُعَلَّقٌ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْوَاحِدَةَ الْيَوْمَ، وَقَدْ شَاءَ، وَإِنْ لَمْ يُطَلِّقْهَا قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ يَقَعُ ثِنْتَانِ لِوُقُوعِ الْمُعَلَّقِ عَلَيْهِ أَعْنِي عَدَمَ مَشِيئَةِ اللَّهِ الْوَاحِدَةَ إذْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ الْوَاحِدَةَ لَطَلَّقَهَا قَبْلَ مُضِيِّ الْيَوْمِ، وَلَوْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَوْمِ فَقَالَ أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَأَنْتَ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ فَلَا يَقَعُ شَيْءٌ أَمَّا الْوَاحِدَةُ فَلِلِاسْتِثْنَاءِ، وَأَمَّا الثِّنْتَانِ فَلِأَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ كَلَامٌ بَاطِلٌ إذْ لَوْ صَحَّ لَبَطَلِ مِنْ حَيْثُ صَحَّ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ الطَّلَاقُ ثَبَتَ مَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ وُجُودَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ، وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ ثِنْتَيْنِ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ فِي الْيَوْمِ فَأَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَمَضَى الْيَوْمُ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ ثَلَاثًا، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالْيَوْمِ فِي الْيَمِينَيْنِ فَهُوَ إلَى الْمَوْتِ حَتَّى لَوْ لَمْ يُطَلِّقْهَا طَلُقَتْ قُبَيْلَ الْمَوْتِ بِلَا فَصْلٍ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي النَّوَازِلِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُنْتَقَى أَيْضًا قَبْلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ طَلَاقَك لَا تُطْلَقُ بِهَذِهِ الْيَمِينِ أَبَدًا، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِمَا فِي النَّوَازِلِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ، وَأَقُولُ لَا مُخَالَفَةَ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ الْجَوَابُ لِاخْتِلَافِ وَضْعِ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَفِي مَسْأَلَةِ الْمُنْتَقَى عُلِّقَتْ الثَّلَاثُ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى التَّطْلِيقَتَيْنِ، وَقَدْ وُجِدَ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ إذْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ التَّطْلِيقَتَيْنِ لَأَوْقَعَهُمَا الزَّوْجُ، وَفِي مَسْأَلَةِ النَّوَازِلِ عُلِّقَتْ التَّطْلِيقَتَانِ بِعَدَمِ مَشِيئَةِ اللَّهِ إيَّاهُمَا فَلَا

стр. 227

بِأَنَّهُ قَبْلَ هَذَا الطَّلَاقِ الْوَاقِعِ فِي الْحَالِ يَقَعُ أَيْضًا فِي الْحَالِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ يَقَعُ فِي الْحَالِ فَيَقَعَانِ مَعًا (وَبَعْدَ عَلَى الْعَكْسِ) أَيْ لَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ تَقَعُ ثِنْتَانِ لِمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ قَبْلَ وَاحِدَةٍ وَلَوْ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ وَاحِدَةً بَعْدَهَا وَاحِدَةٌ تَقَعُ وَاحِدَةٌ لِمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ قَبْلَ وَاحِدَةٍ (وَعِنْدَ لِلْحَضْرَةِ فَقَوْلُهُ لِفُلَانٍ عِنْدِي أَلْفٌ يَكُونُ وَدِيعَةً لِأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ) (كَلِمَاتُ الشَّرْطِ) (إنْ لِلشَّرْطِ فَقَطْ) فَتَدْخُلُ ــ [التلويح] يَقَعَانِ أَبَدًا كَمَا ذُكِرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي مَسْأَلَةِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ طَلَاقَك، وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ أَعَادَ فِي النَّوَازِلِ فِي غَيْرِ الْمُقَيَّدِ صِيغَةَ الطَّلَاقِ فَقَالَ، وَأَنْتِ طَالِقٌ ثِنْتَيْنِ إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ بِتَأْخِيرِ الشَّرْطِ عَلَى مَعْنَى إنْ لَمْ يَشَأْ اللَّهُ الثِّنْتَيْنِ بِخِلَافِ الْمُقَيَّدِ فَإِنَّهُ فِيهِ مُقَدَّمٌ، وَفِي الْمُنْتَقَى لَمْ يُعِدْ حَتَّى يَبْقَى التَّعْلِيقُ بِالثَّلَاثِ فَقَدَّمَ الشَّرْطَ كَمَا فِي الْمُقَيَّدِ فَيَنْصَرِفَ عَدَمُ الْمَشِيئَةِ إلَى مَا انْصَرَفَ إلَيْهِ الْمَشِيئَةُ، وَهُوَ أَنْ يُطَلِّقَهَا ثِنْتَيْنِ [أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ] (قَوْلُهُ أَسْمَاءُ الظُّرُوفِ) عَقَّبَ بَحْثَ حُرُوفِ الْمَعَانِي بِبَعْضِ أَسْمَاءِ الظُّرُوفِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَسَائِلُ فِقْهِيَّةٌ ثُمَّ عَقَّبَهَا بِكَلِمَاتٍ بَعْضُهَا حُرُوفٌ وَبَعْضُهَا أَسْمَاءٌ، وَهِيَ كَلِمَاتُ الشَّرْطِ، وَأَوْرَدَ فِيهَا مِنْ أَسْمَاءِ الظُّرُوفِ مَا يَكُونُ فِيهَا مَعْنَى الشَّرْطِ ضَبْطًا لِأَدَوَاتِ الشَّرْطِ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ لِتَعَلُّقِ مَبَاحِثَ بَعْضِهَا بِالْبَعْضِ (قَوْلُهُ قَبْلَ وَاحِدَةٍ) صِفَةٌ لِلْوَاحِدَةِ السَّابِقَةِ لِأَنَّ فَاعِلَ الظَّرْفِ ضَمِيرٌ عَائِدٌ إلَيْهَا، وَقَبْلَهَا وَاحِدَةٌ صِفَةٌ لِلْوَاحِدَةِ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا فَاعِلُ الظَّرْفِ فَتَكُونُ هِيَ الْمُتَّصِفَةِ بِالْقَبْلِيَّةِ وَالتَّقَدُّمِ، وَالْمُرَادُ الصِّفَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ لَا النَّعْتُ النَّحْوِيُّ، وَإِلَّا فَالْجُمْلَةُ الظَّرْفِيَّةُ أَعْنِي قَبْلَهَا وَاحِدَةً نَعْتٌ لِلْوَاحِدَةِ السَّابِقَةِ، وَلَمَّا وُصِفَتْ الثَّانِيَةُ بِأَنَّهَا قَبْلَ السَّابِقَةِ، وَلَيْسَ فِي وُسْعِهِ تَقْدِيمُ الثَّانِيَةِ بَلْ إيقَاعُهَا مُقَارَنًا كَمَا إذَا قَالَ مَعَهَا وَاحِدَةٌ ثَبَتَ مِنْ قَصْدِهِ قَدْرُ مَا كَانَ فِي وُسْعِهِ كَمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ فِي الزَّمَانِ السَّابِقِ يُجْعَلُ إيقَاعًا فِي الْحَالِ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ الْإِسْنَادِ إلَى مَا سَبَقَ الْوُقُوعُ فِي الْحَالِ، وَهُوَ يَمْلِكُ الْإِيقَاعَ فِي الْحَالِ دُونَ الْإِسْنَادِ فَيَثْبُتُ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ، وَقَيَّدَ مَسَائِلَ الْقَبْلِيَّةِ، وَالْبَعْدِيَّةِ بِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا لِأَنَّهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَقَعُ الْجَمِيعُ لِأَنَّهَا لَا تَبِينُ بِالْأُولَى، وَلِذَا يَلْزَمُهُ دِرْهَمَانِ فِي مِثْلِ لَهُ عَلَيَّ دِرْهَمٌ قَبْلَ دِرْهَمٍ أَوْ بَعْدَ دِرْهَمٍ أَوْ قَبْلَهُ دِرْهَمٌ أَوْ بَعْدَهُ دِرْهَمٌ إذْ الدِّرْهَمُ بَعْدَ الدِّرْهَمِ يَجِبُ دَيْنًا (قَوْلُهُ عِنْدِي أَلْفٌ) لِلْوَدِيعَةِ لِأَنَّ الْحَضْرَةَ تَدُلُّ عَلَى الْحِفْظِ كَمَا لَوْ قَالَ وَضَعْت الشَّيْءَ عِنْدَك يُفْهَمُ مِنْهُ الِاسْتِحْفَاظُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى اللُّزُومِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى تَكُونَ دَيْنًا لَكِنْ لَا تُنَافِيهِ حَتَّى لَوْ قَالَ عِنْدِي أَلْفٌ دَيْنًا ثَبَتَ [كَلِمَاتُ الشَّرْطِ] قَوْلُهُ (كَلِمَاتُ الشَّرْطِ) ظَاهِرُ كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ أَسْمَاءَ الظُّرُوفِ،، وَكَلِمَاتِ الشَّرْطِ مِنْ حُرُوفِ الْمَعَانِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ تَجَوُّزٌ، وَتَغْلِيبٌ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَمْلِ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ إنْ لِلشَّرْطِ) أَيْ لِتَعْلِيقِ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ لِحُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ أُخْرَى.

стр. 228

فِي أَمْرٍ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ فَإِنْ قَالَ إنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَالشَّرْطُ، وَهُوَ عَدَمُ الطَّلَاقِ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقَعُ فِي آخِرِ الْحَيَاةِ، وَإِذَا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ يَجِيءُ لِلظَّرْفِ، وَلِلشَّرْطِ نَحْوُ ، وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدَبُ وَنَحْوُ ، وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ حَقِيقَةٌ فِي الظَّرْفِ، وَقَدْ يَجِيءُ لِلشَّرْطِ بِلَا سُقُوطِ مَعْنَى الظَّرْفِ، وَدُخُولِهِ فِي أَمْرٍ كَائِنٍ أَوْ مُنْتَظَرٍ ــ [التلويح] فَقَطْ أَيْ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ ظَرْفِيَّةٍ وَنَحْوِهَا كَمَا فِي إذَا وَمَتَى، فَتَدْخُلُ فِي أَمْرٍ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، أَيْ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَأَنْ لَا يَكُونَ، وَلَا تُسْتَعْمَلُ فِيمَا هُوَ قَطْعِيُّ الْوُجُودِ أَوْ قَطْعِيُّ الِانْتِفَاءِ إلَّا عَلَى تَنْزِيلِهِمَا مَنْزِلَةَ الْمَشْكُوكِ لِنُكْتَةٍ (قَوْلُهُ فَيَقَعُ فِي آخِرِ الْحَيَاةِ) أَيْ حَيَاةِ الزَّوْجِ أَوْ الزَّوْجَةِ؛ لِأَنَّهُمَا مَا دَامَا حَيَّيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَلَا يَقَعُ الْمُعَلَّقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَلَا مِيرَاثَ، وَإِنْ دَخَلَ فَلَهَا الْمِيرَاثُ بِحُكْمِ الْفِرَارِ فَإِنْ قِيلَ: هُوَ فِي الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْ الْحَيَاةِ عَاجِزٌ عَنْ التَّكَلُّمِ بِالطَّلَاقِ وَمِنْ شَرْطِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ كَالْمَلْفُوظِ لَدَى الشَّرْطِ قُلْنَا هُوَ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ فَلَا يُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِحَقِيقَةِ التَّطْلِيقِ، وَلَا يُكْتَفَى بِوُجُودِ ذَلِكَ عِنْدَ التَّطْلِيقِ كَمَا إذَا عَلَّقَ الطَّلَاقَ، ثُمًّ جُنَّ فَوُجِدَ الشَّرْطُ حَالَةَ جُنُونِهِ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ الْجَزَاءَ، وَإِنْ لَمْ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ حَقِيقَةُ التَّعْلِيقِ فَإِنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يَقَعَ الطَّلَاقُ بِمَوْتِهَا؛ لِأَنَّ التَّطْلِيقَ مُمْكِنٌ مَا لَمْ تَمُتْ وَالْعَجْزُ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالْمَوْتِ، وَحِينَئِذٍ لَا يُتَصَوَّرُ الْوُقُوعُ قُلْنَا: بَلْ تَحَقُّقُ الْعَجْزُ عَنْ الْإِيقَاعِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ؛ لِأَنَّ مِنْ حُكْمِهِ أَنْ يَعْقُبَهُ الْوُقُوعُ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ (قَوْلُهُ، وَإِذَا عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ) تُسْتَعْمَلُ لِلظَّرْفِ بِمَعْنَى، وَقْتِ حُصُولِ مَضْمُونِ مَا إلَيْهِ أُضِيفَ فَلَا يَجْزِمُ بِهِ الْفِعْلُ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا هُوَ قَطْعِيُّ الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ: ، وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى إلَيْهَا ... وَإِذَا يُحَاسُ الْحَيْسُ يُدْعَى جُنْدُبُ الْحَيْسُ الْخَلْطُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْحَيْسُ، وَهُوَ تَمْرٌ يُخْلَطُ بِسَمْنٍ وَأَقِطٍ، وَحَاسَ الْحَيْسَ اتَّخَذَهُ، وَلِلشَّرْطِ بِمَعْنَى تَعْلِيقِ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِحُصُولِ مَضْمُونِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ، وَيَجْزِمُ بِهِ الْمُضَارِعُ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَمْرٍ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ كَقَوْلِهِ: ، وَاسْتَغْنِ مَا أَغْنَاك رَبُّك بِالْغِنَى ... وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ فَتَجَمَّلْ أَيْ إنْ يُصِبْكَ فَقْرٌ وَمَسْكَنَةٌ فَأَظْهِرْ الْغِنَى مِنْ نَفْسِك بِالتَّزَيُّنِ وَتَكَلُّفِ الْجَمِيلِ أَوْ كُلِّ الْجَمِيلَ، وَهُوَ الشَّحْمُ الْمُذَابُ تَعَفُّفًا قَالَ الشَّاعِرُ: قَدْ كُنْتُ قِدْمًا مُثْرِيًا مُتَمَوِّلًا ... مُتَجَمِّلًا مُتَعَفِّفًا مُتَدَيِّنًا فَالْآنَ صِرْتُ وَقَدْ عَدِمْتُ تَمَوُّلِي ... مُتَجَمِّلًا مُتَعَفِّفًا مُتَدَيِّنًا أَيْ كُنْت ذَا ثَرْوَةٍ، وَعِفَّةٍ، وَدِيَانَةٍ فَصِرْت الْآنَ آكُلُ شَحْمٍ مُذَابٍ، وَشَارِبُ عُفَافَةٍ أَيْ بَقِيَّةِ

стр. 229

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التلويح] مَا فِي الضَّرْعِ مِنْ اللَّبَنِ، وَذَا دِينٍ، وَفِي كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَغَيْرِهِ أَنَّ " إذَا " حِينَئِذٍ لَيْسَ بِاسْمٍ، وَإِنَّمَا هُوَ حَرْفٌ بِمَعْنَى إنْ بِدَلِيلِ اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا لَيْسَ بِقَطْعِيٍّ، وَجَوَابُهُ ظَاهِرٌ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي فَإِنَّ " إذَا " كَثِيرًا مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَشْكُوكِ تَنْزِيلًا لَهُ مَنْزِلَةَ الْمَقْطُوعِ لِنُكْتَةٍ، وَهِيَ هَاهُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ شِيمَةَ الزَّمَانِ رَدُّ الْمَوَاهِبِ وَحَطُّ الْمَرَاتِبِ حَتَّى إنْ أَصَابَهُ الْمَكْرُوهُ كَأَنَّهُ أَمْرٌ لَا شَكَّ فِيهِ لِيُوَطِّنَ الْمُخَاطَبُ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْمَنُ مُفَاجَأَةَ الْمَكْرُوهِ، وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ إذَا حَقِيقَةٌ فِي الظَّرْفِ تُضَافُ إلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ فِي مَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ لَكِنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ لِمُجَرَّدِ الظَّرْفِيَّةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شَرْطٍ وَتَعْلِيقٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١] أَيْ، وَقْتَ غَشَيَانِهِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ اللَّيْلِ إذْ لَيْسَ الْمُرَادُ تَعْلِيقَ الْقَسَمِ بِغَشَيَانِ اللَّيْلِ وَتَقْيِيدَهُ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلِهَذَا مَنَعَ الْمُحَقِّقُونَ كَوْنَهُ حَالًا مِنْ اللَّيْلِ؛ لِأَنَّهُ أَيْضًا يُفِيدُ تَقْيِيدَ الْقَسَمِ بِذَلِكَ الْوَقْتِ، وَقَدْ تُسْتَعْمَلُ لِلشَّرْطِ وَالتَّعْلِيقِ مِنْ غَيْرِ سُقُوطِ مَعْنَى الظَّرْفِ، مِثْلُ إذَا خَرَجْتَ خَرَجْتُ أَيْ أَخْرُجُ وَقْتَ خُرُوجِك، تَعْلِيقًا لِخُرُوجِك بِخُرُوجِهِ بِمَنْزِلَةِ تَعْلِيقِ الْجَزَاءِ بِالشَّرْطِ إلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَجْعَلُوهُ لِكَمَالِ الشَّرْطِ وَلَمْ يَجْزِمُوا بِهِ الْمُضَارِعَ لِفَوَاتِ مَعْنَى الْإِبْهَامِ اللَّازِمِ لِلشَّرْطِ فَإِنَّ قَوْلَك آتِيك إذَا احْمَرَّ الْبُسْرُ بِمَنْزِلَةِ آتِيك الْوَقْتَ الَّذِي يَحْمَرُّ فِيهِ الْبُسْرُ فَفِيهِ تَعْيِينٌ وَتَخْصِيصٌ بِخِلَافِ مَتَى تَخْرُجْ أَخْرُجْ فَإِنَّهُ فِي مَعْنَى إنْ تَخْرُجْ الْيَوْمَ أَخْرُجْ الْيَوْمَ، وَإِنْ تَخْرُجْ غَدًا أَخْرُجْ غَدًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَزْمَانِ فَجَزْمُ الْفِعْلِ بِإِذَا لَا يَجُوزُ إلَّا فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ تَشْبِيهًا لِلتَّعْلِيقِ بَيْنَ جُمْلَتَيْهَا بِمَا بَيْنَ جُمْلَتَيْ إنْ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْمُحَقِّقُونَ مِنْ النُّحَاةِ، وَأَمَّا اسْتِعْمَالُهَا فِي الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ جَزْمِ الْفِعْلِ فَشَائِعٌ مُسْتَفِيضٌ لَا يُقَالُ: فَفِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ سُقُوطِ مَعْنَى الظَّرْفِ، جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ هِيَ لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلَّا فِي مَعْنَى الظَّرْفِ لَكِنْ تَضَمَّنَتْ مَعْنَى الشَّرْطِ بِاعْتِبَارِ إفَادَةِ الْكَلَامِ تَقْيِيدَ حُصُولِ مَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِمَضْمُونِ جُمْلَةٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُبْتَدَأِ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى الشَّرْطِ مِثْلُ الَّذِي يَأْتِينِي أَوْ كُلُّ رَجُلٍ يَأْتِينِي فَلَهُ دِرْهَمٌ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَصْلًا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ امْتِنَاعَ الْجَمْعِ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ التَّنَافِي، وَلَا تَنَافِيَ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ يَصْلُحُ شَرْطًا، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ أَصْلًا، وَأَمَّا مَا يُقَالُ مِنْ أَنَّهُ مِنْ عُمُومِ الْمَجَازِ حَيْثُ اُسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْوَقْتِ فِي مَجْمُوعِ الْوَقْتِ وَالشَّرْطِ اسْتِعْمَالَ الْجُزْءِ فِي الْكُلِّ فَلَا يَخْفَى فَسَادُهُ، لِلْقَطْعِ بِامْتِنَاعِ إطْلَاقِ الْأَرْضِ عَلَى مَجْمُوعِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (قَوْلُهُ، وَدُخُولُهُ) أَيْ دُخُولُ إذَا إنَّمَا يَكُونُ لِأَمْرٍ كَائِنٍ مُتَحَقِّقٍ فِي الْحَالِ مِثْلَ قَوْلِهِ، وَإِذَا تَكُونُ كَرِيهَةٌ أُدْعَى لَهَا أَيْ عِنْدَ نُزُولِ الْحَادِثَةِ أَوْ أَمْرٍ مُنْتَظَرٍ لَا مَحَالَةَ أَيْ أَمْرٍ يُقْطَعُ بِتَحَقُّقِهِ فِي الِاسْتِقْبَالِ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١] فَهِيَ تَقْلِبُ الْمَاضِيَ إلَى الْمُسْتَقْبَلِ

стр. 230

لَا مَحَالَةَ. (وَمَتَى لِلظَّرْفِ خَاصَّةً فَيَقَعُ بِأَدْنَى سُكُوتٍ فِي مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ) لِأَنَّهُ وُجِدَ وَقْتٌ لَمْ يُطَلِّقْ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ: إذَا) أَيْ إنْ قَالَ: إذَا لَمْ أُطَلِّقْك فَأَنْتِ طَالِقٌ (فَعِنْدَهُمَا كَمَتَى) أَيْ كَقَوْلِهِ مَتَى لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى يَقَعَ بِأَدْنَى سُكُوتٍ (كَمَا فِي إذَا شِئْت فَإِنَّهُ كَمَتَى شِئْتِ لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ) أَيْ لَوْ قَالَ لَهَا طَلِّقِي نَفْسَك إذَا شِئْتِ فَإِنَّهُ كَمَتَى شِئْتِ بِالِاتِّفَاقِ حَتَّى لَا يَتَقَيَّدَ بِالْمَجْلِسِ بِخِلَافِ طَلِّقِي نَفْسَك إنْ شِئْتِ فَإِنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ فَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ حَمَلَا كَلِمَةَ إذَا عَلَى كَلِمَةِ مَتَى فِي قَوْلِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ أَنْتِ طَالِقٌ كَمَا أَنَّ إذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَتَى بِاتِّفَاقٍ فِي قَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك إذَا شِئْت (، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ) أَيْ قَوْلُهُ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتَ طَالِقٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هُوَ كَقَوْلِهِ: إنْ لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ فَاحْتَاجَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى الْفَرْقِ (وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ لِكِلَا الْمَعْنَيَيْنِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْوُقُوعِ فِي الْحَالِ فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ، وَثَمَّةَ فِي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَشِيئَةِ فَلَا يَنْقَطِعُ بِالشَّكِّ) أَيْ لَمَّا جَاءَ إذَا بِمَعْنَى مَتَى، وَبِمَعْنَى إنْ فَفِي قَوْلِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْك أَنْتِ طَالِقٌ إنْ حُمِلَ عَلَى مَتَى يَقَعُ فِي ــ [التلويح] لِأَنَّهَا حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَمَا تُوُهِّمَ مِنْ دُخُولِهِ لِأَمْرٍ كَائِنٍ فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِمْرَارِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٤] الْآيَةُ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِعْلُ الْمُضَارِعِ وَاسْمُ الْفَاعِلِ لِذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ (قَوْلُهُ، وَمَتَى لِلظَّرْفِ خَاصَّةً) بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الشَّرْطِ خَاصَّةً مَعَ سُقُوطِ مَعْنَى الظَّرْفِ بِمَنْزِلَةِ إنْ كَمَا جَازَ ذَلِكَ فِي إذَا فِي قَوْلِهِ، وَإِذَا تُصِبْك خَصَاصَةٌ عَلَى مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّ مَتَى كَلِمَةُ شَرْطٍ يُجْزَمُ بِهَا الْمُضَارِعُ مِثْلُ مَتَى تَخْرُجْ أَخْرُجْ قَالَ الشَّاعِرُ: مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرُ مُوقِدِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُمْ جَعَلُوا إذَا مُتَمَحِّضًا لِلشَّرْطِ بِوَاسِطَةِ وُقُوعِهِ فِي بَيْتٍ شَاذٍّ جَازِمًا لِلْمُضَارِعِ مُسْتَعْمَلًا فِيمَا هُوَ عَلَى خَطَرِ الْوُجُودِ، وَلَمْ يَجْعَلُوا مَتَى مُتَمَحِّضًا لِلشَّرْطِ مَعَ دَوَامِ ذَلِكَ فِيهِ (قَوْلُهُ فَعِنْدَهُمَا إذَا مِثْلُ مَتَى) فِي أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ مَعْنَى الظَّرْفِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ، وَعِنْدَهُ مِثْلُ إنْ فِي التَّمَحُّضِ لِلشَّرْطِيَّةِ عَلَى مَا جَوَّزَهُ الْكُوفِيُّونَ (قَوْلُهُ فَاحْتَاجَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى الْفَرْقِ) بَيْنَ قَوْلِهِ إذَا لَمْ أُطَلِّقْكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَقَوْلِهِ طَلِّقِي نَفْسَك إذَا شِئْت حَيْثُ جَعَلَ إذَا فِي الْأَوَّلِ لِمَحْضِ الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ إنْ. حَتَّى لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ إلَى آخِرِ الْحَيَاةِ، وَفِي الثَّانِي لِلظَّرْفِ بِمَنْزِلَةِ مَتَى حَتَّى لَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَشِيئَةِ فِي الْمَجْلِسِ، وَحَاصِلُ الْفَرْقِ أَنَّ الْأَصْلَ فِي التَّطْلِيقِ عَدَمُ الطَّلَاقِ فَلَا يَقَعُ الطَّلَاقُ بِالشَّكِّ، وَفِي التَّعْلِيقِ الْأَصْلُ الِاسْتِمْرَارُ فَلَا يَنْقَطِعُ بِالشَّكِّ فَإِنْ قِيلَ: طَلِّقِي نَفْسَك مُقَيَّدٌ بِالْمَجْلِسِ، وَإِذَا زِيدَ عَلَيْهِ مَتَى شِئْت يَتَعَلَّقُ بِمَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ

стр. 231

الْحَالِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى إنْ يَقَعُ عِنْدَ الْمَوْتِ فَوَقَعَ الشَّكُّ فِي الْوُقُوعِ فِي الْحَالِ فَلَا يَقَعُ بِالشَّكِّ فَصَارَ مِثْلَ إنْ وَثَمَّةَ، أَيْ فِي طَلِّقِي نَفْسَك إذَا شِئْت لَا شَكَّ أَنَّ الطَّلَاقَ تَعَلَّقَ فِي الْحَالِ بِمَشِيئَتِهَا فَإِنْ حُمِلَ عَلَى إنْ انْقَطَعَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَشِيئَةِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَتَى لَا يَنْقَطِعُ، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ فِي الْحَالِ مُتَعَلِّقٌ فَلَا يَنْقَطِعُ بِالشَّكِّ. (، وَكَيْفَ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ فَإِنْ اسْتَقَامَ) أَيْ السُّؤَالُ عَنْ الْحَالِ، وَجَوَابُ إنْ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيهَا، وَيُحْمَلُ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ (وَإِلَّا بَطَلَتْ) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِمْ السُّؤَالُ عَنْ الْحَالِ تَبْقَى كَلِمَةُ كَيْفَ (، وَيَحْنَثُ فَيَعْتِقُ فِي أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ السُّؤَالُ عَنْ الْحَالِ فَيَعْتِقُ بِقَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ، وَبَطَلَ كَيْفَ شِئْت، وَاعْلَمْ أَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْت أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت لَيْسَتْ لِلسُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ بَلْ صَارَتْ مَجَازًا، وَمَعْنَاهَا أَنْتَ حُرٌّ أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ بِأَيَّةِ كَيْفِيَّةٍ شِئْت فَعَلَى هَذَا، الْمُرَادُ بِالِاسْتِقَامَةِ هُوَ أَنْ يَصِحَّ تَعَلُّقُ الْكَيْفِيَّةِ بِصَدْرِ الْكَلَامِ كَأَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت فَإِنَّ الطَّلَاقَ لَهُ كَيْفِيَّةٌ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَلَا كَيْفِيَّةَ لَهُ فَلَا يَسْتَقِيمُ تَعَلُّقُ الْكَيْفِيَّةِ بِصَدْرِ ــ [التلويح] أَيْضًا بِخِلَافِ مَا إذَا زِيدَ عَلَيْهِ إنْ شِئْت فَفِي إذَا شِئْتِ وَقَعَ الشَّكُّ فِي تَعَلُّقِهِ بِمَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ فَلَا يَتَعَلَّقُ الشَّكُّ فَجَوَابُهُ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْمَجْلِسِ فِي طَلِّقِي نَفْسَك إنَّمَا يَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ضَرُورَةَ إجْمَاعِ الصَّحَابَةِ فَإِذَا قُرِنَ بِمَتَى شِئْت صَارَ رَاجِعًا إلَى أَصْلِهِ شَامِلًا لِلْأَزْمِنَةِ، وَإِذَا قُرِنَ بِإِذَا شِئْت يَكُونُ الشَّكُّ فِي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِهِ بِالْمَشِيئَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ التَّعْلِيقُ بِالْمَشِيئَةِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ (قَوْلُهُ وَكَيْفَ لِلسُّؤَالِ) قَدْ يُظَنُّ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ كَيْفَ مِنْ كَلِمَاتِ الشَّرْطِ عَلَى مَا هُوَ رَأْيُ الْكُوفِيِّينَ، وَعَلَى مَا هُوَ الْقِيَاسُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لِلْحَالِ وَالْأَحْوَالُ شُرُوطٌ إلَّا أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أَحْوَالٍ لَيْسَتْ فِي يَدِ الْعَبْدِ مِثْلِ الصِّحَّةِ، وَالسَّقَمِ، وَالْكُهُولَةِ، وَالشَّيْخُوخَةِ فَلَمْ يَصِحَّ التَّعْلِيقُ بِهَا إلَّا إذَا ضُمَّتْ إلَيْهَا " مَا " نَحْوُ كَيْفَمَا تَصْنَعْ أَصْنَعْ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّهَا مِنْ الْكَلِمَاتِ الَّتِي يُبْحَثُ عَنْهَا فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مِنْ أَسْمَاءِ الظُّرُوف أَوْ كَلِمَاتِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا لِلِاسْتِفْهَامِ، أَيْ السُّؤَالِ عَنْ الْحَالِ خَاصَّةً لَكِنْ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّهَا لَمْ تَبْقَ فِي مِثْلِ أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَإِلَّا لَمَا كَانَ الْوَصْفُ مُفَوَّضًا إلَى مَشِيئَتِهَا بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَرَجْعِيًّا تُرِيدِينَ أَمْ بَائِنًا؟ عَلَى قَصْدِ السُّؤَالِ بَلْ صَارَتْ مَجَازًا، وَالْمَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ بِأَيَّةِ كَيْفِيَّةٍ شِئْتِ فَالظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَأَنَّهَا فِي الْأَصْلِ بِمَنْزِلَةِ أَيٍّ الِاسْتِفْهَامِيَّة لِأَنَّهُ مَعْنَى كَيْفَ شِئْتِ عِنْدَ الِاسْتِفْهَامِ أَيَّ حَالٍ شِئْتِ فَاسْتُعِيرَتْ لِأَيٍّ الْمَوْصُولَةِ بِجَامِعِ الْإِبْهَامِ عِنْدَ مَعْنَى أَنْتِ طَالِقٌ بِأَيَّةِ كَيْفِيَّةٍ شِئْتهَا مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ سُلِبَ عَنْهَا مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ، وَاسْتُعْمِلَتْ اسْمًا لِلْحَالِ كَمَا حَكَى قُطْرُبٌ عَنْ بَعْضِ الْعَرَبِ اُنْظُرْ إلَى فُلَانٍ كَيْفَ يَصْنَعُ، أَيْ إلَى حَالِ صَنْعَتِهِ، وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ يَكُونُ كَيْفَ مَنْصُوبًا بِنَزْعِ الْخَافِضِ (قَوْلُهُ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَلَا كَيْفِيَّةَ لَهُ) لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنَّهُ يَكُونُ مُعَلَّقًا وَمُنَجَّزًا عَلَى مَالٍ وَبِدُونِهِ عَلَى وَجْهِ التَّدْبِيرِ

стр. 232

الْكَلَامِ. (وَتَطْلُقُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت، وَتَبْقَى الْكَيْفِيَّةُ) أَيْ كَوْنُهُ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا خَفِيفَةً أَوْ غَلِيظَةً (مُفَوَّضَةً إلَيْهَا إنْ لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ، وَإِنْ نَوَى فَإِنْ اتَّفَقَا فَذَاكَ، وَإِلَّا فَرَجْعِيَّةٌ) ، وَهَذَا لِأَنَّهُ لَمَّا فَوَّضَ الْكَيْفِيَّةَ إلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يَنْوِ الزَّوْجُ اُعْتُبِرَ نِيَّتُهُمَا، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ فَإِنْ اتَّفَقَ نِيَّتُهُمَا يَقَعُ مَا نَوَيَا، وَإِنْ اخْتَلَفَ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ النِّيَّتَيْنِ أَمَّا نِيَّتُهَا فَلِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا أَوْ نِيَّتُهُ؛ فَلِأَنَّ الزَّوْجَ هُوَ الْأَصْلُ فِي إيقَاعِ الطَّلَاقِ فَإِذَا تَعَارَضَا تَسَاقَطَا فَبَقِيَ أَصْلُ الطَّلَاقِ، وَهُوَ الرَّجْعِيُّ. (وَعِنْدَهُمَا يَتَعَلَّقُ الْأَصْلُ أَيْضًا) أَيْ فِي أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت يَتَعَلَّقُ أَصْلُ الطَّلَاقِ ــ [التلويح] وَغَيْرَ مُطْلَقٍ أَوْ مُقَيَّدٍ بِمَا يَأْتِي مِنْ الزَّمَانِ، وَكُلُّ هَذِهِ كَيْفِيَّاتٌ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَسْأَلَةِ أَنْتَ حُرٌّ كَيْفَ شِئْتَ: إنَّهُ يَعْتِقُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَا مَشِيئَةَ لَهُ وَعِنْدَهُمَا لَا يَعْتِقُ مَا لَمْ يَشَأْ فِي الْمَجْلِسِ فَعُلِمَ أَنَّ بُطْلَانَ تَعَلُّقِ الْكَيْفِيَّةِ بِصَدْرِ الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - (قَوْلُهُ، وَتَطْلُقُ فِي أَنْتِ طَالِقٌ كَيْفَ شِئْت) أَيْ يَقَعُ وَاحِدَةٌ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولَةٍ بَانَتْ فَلَا مَشِيئَةَ بَعْدُ، وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولَةً فَالْكَيْفِيَّةُ مُفَوَّضَةٌ إلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّ كَلِمَةَ كَيْفَ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى تَفْوِيضِ الْأَحْوَالِ وَالصِّفَاتِ دُونَ الْأَصْلِ فَفِي الْعِتْقِ وَغَيْرِ الْمَدْخُولَةِ لَا مَشِيئَةَ بَعْدَ وُقُوعِ الْأَصْلِ فَيَلْغُو التَّفْوِيضُ، وَفِي الْمَدْخُولَةِ يَكُونُ التَّفْوِيضُ إلَيْهَا بِأَنْ يَجْعَلَهَا بَائِنَةً أَوْ ثَلَاثًا، وَصَحَّ هَذَا التَّفْوِيضُ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ يَكُونُ رَجْعِيًّا فَيَصِيرُ بَائِنًا بِمُضِيِّ الْعِدَّةِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا فَيَصِيرُ ثَلَاثًا بِضَمِّ اثْنَيْنِ إلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْحُرْمَةُ غَلِيظَةً فَلَمَّا احْتَمَلَ ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ صَارَ التَّفْوِيضُ إلَى مَشِيئَتِهَا، وَأَمَّا تَفْوِيضُ الْأَصْلِ فِي نَحْوِ طَلِّقِي نَفْسَكِ كَيْفَ شِئْتِ فَلَيْسَ مِنْ كَلِمَةِ كَيْفَ بَلْ مِنْ لَفْظِ طَلِّقِي، وَكَيْفَ يُفِيدُ تَفْوِيضَ الْأَوْصَافِ (قَوْلُهُ وَعِنْدَهُمَا يَتَعَلَّقُ الْأَصْلُ، أَيْضًا) بِالْمَشِيئَةِ؛ لِأَنَّهُ فَوَّضَ إلَيْهَا كُلَّ حَالٍ حَتَّى الرَّجْعِيَّةِ فَيَلْزَمُ تَفْوِيضُ نَفْسِ الطَّلَاقِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ بِدُونِ حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ وَوَصْفٍ مِنْ الْأَوْصَافِ كَمَا قَالُوا فِي مِثْلِ قَوْله تَعَالَى ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨] الْآيَةَ: إنَّهُ إنْكَارٌ لِأَصْلِ الْكُفْرِ بِإِنْكَارِ أَحْوَالِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ حَالٍ، وَتَحْقِيقُ كَلَامِهِمَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ أَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَحْسُوسًا كَالتَّصَرُّفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالْبَيْعِ، وَالنِّكَاحِ، وَغَيْرِهَا فَحَالُهُ وَأَصْلُهُ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ وُجُودَهُ لَمَّا لَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا كَانَ مَعْرِفَةُ وُجُودِهِ بِآثَارِهِ وَأَوْصَافِهِ، فَافْتَقَرَتْ مَعْرِفَةُ ثُبُوتِهِ إلَى مَعْرِفَةِ أَثَرِهِ، وَوَصْفِهِ كَثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْبَيْعِ، وَالْحِلِّ فِي النِّكَاحِ، وَالْوَصْفُ مُفْتَقِرٌ، أَيْضًا إلَى الْأَصْلِ فَاسْتَوَيَا، وَصَارَ تَعْلِيقُ الْوَصْفِ تَعْلِيقَ الْأَصْلِ، وَأَمَّا مَا ظَنَّهُ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ ابْتِنَاءِ ذَلِكَ عَلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرْضِ فَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا جِهَةَ لِتَخْصِيصِ ذَلِكَ بِمَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِيمَا لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونُ عَرَضًا، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُمَا

стр. 233

أَيْ وُقُوعُ الطَّلَاقِ أَيْضًا بِمَشِيئَتِهَا (فَعِنْدَهُمَا مَا لَا يَقْبَلُ الْإِشَارَةَ) أَيْ مَا لَا يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْسُوسَاتِ (فَحَالُهُ وَأَصْلُهُ سَوَاءٌ) أَظُنُّ أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى امْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ فَإِنَّ الْعَرَضَ الْأَوَّلَ لَيْسَ مَحَلًّا لِلْعَرَضِ الثَّانِي بَلْ كِلَاهُمَا حَالَانِ فِي الْجِسْمِ، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا أَوْلَى بِكَوْنِهِ أَصْلًا وَمَحَلًّا، وَالْآخَرُ بِكَوْنِهِ فَرْعًا وَحَالًا، فَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا نَقُولُ: إنَّ الطَّلَاقَ أَصْلٌ وَالْكَيْفِيَّةَ عَرَضٌ قَائِمٌ بِهِ وَأَنَّ الْأَصْلَ مَوْجُودٌ بِدُونِ الْفَرْعِ بَلْ هُمَا سَوَاءٌ فِي الْأَصْلِيَّةِ وَالْفَرْعِيَّةِ لَكِنْ لَا انْفِكَاكَ لِأَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ إذْ الطَّلَاقُ لَا يُوجَدُ إلَّا وَأَنْ يَكُونَ رَجْعِيًّا أَوْ بَائِنًا فَإِذَا تَعَلَّقَ أَحَدُهُمَا بِمَشِيئَتِهَا تَعَلَّقَ الْآخَرُ. (فَصْلٌ) فِي الصَّرِيحِ، وَالْكِنَايَةِ (الصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ، وَالْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إلَيْهَا، وَلِاسْتِتَارِهَا لَا يَثْبُتُ بِهَا مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يُحَدُّ بِالتَّعْرِيضِ، نَحْوُ لَسْت أَنَا بِزَانٍ قَالُوا وَكِنَايَاتُ الطَّلَاقِ تُطْلَقُ عَلَيْهَا مَجَازًا؛ لِأَنَّ مَعَانِيَهَا غَيْرُ مُسْتَتِرَةٍ لَكِنَّ الْإِبْهَامَ فِيمَا يَتَّصِلُ بِهَا كَالْبَائِنِ مَثَلًا فَإِنَّهُ مُبْهَمٌ فِي أَنَّهَا بَائِنَةٌ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ عَنْ النِّكَاحِ أَوْ عَنْ غَيْرِهِ فَإِذَا نَوَى نَوْعًا مِنْهَا، وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ عَنْ النِّكَاحِ تَعَيَّنَ، وَتَبِينُ بِمُوجَبِ ــ [التلويح] بِأَنَّ الْكَلَامَ فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضٌ غَيْرُ مَحْسُوسَةٍ، وَأَمَّا ثَالِثًا؛ فَلِأَنَّهُ لَمَّا ثَبَتَ عَدَمُ انْفِكَاكِ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخِرِ لَزِمَ مِنْ تَعَلُّقِ أَحَدِهِمَا بِالْمَشِيئَةِ تَعَلُّقُ الْآخَرَ بِهَا سَوَاءٌ قَامَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ أَوْ قَامَا بِشَيْءٍ آخَرَ فَلَا مَدْخَلَ لِامْتِنَاعِ قِيَامِ الْعَرَضِ بِالْعَرَضِ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا رَابِعًا فَلِأَنَّ عَدَمَ الِانْفِكَاكِ إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الطَّلَاقِ وَكَيْفِيَّةِ مَا لَا بِخُصُوصِهَا، وَالْمُعَلَّقُ بِمَشِيئَتِهَا إنَّمَا هُوَ خُصُوصُ الْكَيْفِيَّةِ، وَدَفْعُهُ أَنَّ الطَّلَاقَ لَمَّا لَمْ يُوجَدْ بِدُونِ كَيْفِيَّةٍ مَا، وَقَدْ تَعَلَّقَ جَمِيعُ الْكَيْفِيَّاتِ بِالْمَشِيئَةِ لَزِمَ تَعَلُّقِهِ بِهَا ضَرُورَةً [فَصْلٌ فِي الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَة فَهَذَا بَيَانٌ لِحُكْمِهَا فَالصَّرِيحُ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ يَعْنِي أَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ يَتَعَلَّقُ بِنَفْسِ الْكَلَامِ أَرَادَهُ أَوْ لَمْ يُرِدْهُ حَتَّى لَوْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: سُبْحَانَ اللَّهِ فَجَرَى عَلَى لِسَانِهِ أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ أَنْتِ حُرٌّ يَقَعُ الطَّلَاقُ أَوْ الْعَتَاقُ نَعَمْ لَوْ أَرَادَ فِي أَنْتِ طَالِقٌ رَفْعَ حَقِيقَةِ الْقَيْدِ يُصَدَّقُ دِيَانَةً لَا قَضَاءً، وَالْكِنَايَةُ تَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ دَلَالَةِ الْحَالِ لِيَزُولَ مَا فِيهَا مِنْ اسْتِتَارِ الْمُرَادِ، وَالتَّرَدُّدِ فِيهِ (قَوْلُهُ، وَلِاسْتِتَارِهَا) أَيْ لِخَفَاءِ الْمُرَادِ بِالْكِنَايَةِ وَقُصُورِهَا فِي الْبَيَانِ لَا يَثْبُتُ بِهَا مَا يَنْدَفِعُ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا يَجِبُ حَدُّ الْقَذْفِ إلَّا إذَا صَرَّحَ بِنِسْبَتِهِ إلَى الزِّنَا مِثْلُ زَنَيْتَ أَوْ أَنْتَ زَانٍ بِخِلَافِ جَامَعْتَ فُلَانَةَ أَوْ وَاقَعْتَهَا أَوْ وَطِئْتَهَا، وَكَذَا إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا يُوجِبُ الْحَدَّ لَا يَجِبُ الْحَدُّ مَا لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فَلَا يَجِبُ بِالتَّعْرِيضِ، وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَذْكُرْهُ كَمَا يَقُولُ الْمُحْتَاجُ لِلْمُحْتَاجِ إلَيْهِ جِئْتُك لِأُسَلِّمَ عَلَيْك وَأَنْظُرَ إلَى وَجْهِكَ الْكَرِيمِ، وَحَقِيقَتُهُ إمَالَةُ الْكَلَامِ إلَى عَرَضٍ، أَيْ جَانِبٍ يَدُلُّ عَلَى الْمَقْصُودِ فَإِذَا قَالَ: لَسْتُ أَنَا بِزَانٍ تَعْرِيضًا بِأَنَّ الْمُخَاطَبَ زَانٍ لَا يَجِبُ الْحَدُّ

стр. 234

الْكَلَامِ، وَلَوْ جُعِلَتْ كِنَايَةً حَقِيقَةً تَطْلُقُ رَجْعِيَّةً؛ لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوهَا بِمَا يَسْتَتِرُ مِنْهُ الْمُرَادُ، وَالْمُرَادُ الْمُسْتَتِرُ هَاهُنَا الطَّلَاقُ فَيَصِيرُ كَقَوْلِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ) اعْلَمْ أَنَّ عُلَمَاءَنَا ﵏ لَمَّا قَالُوا بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ الْبَائِنِ بِقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ، وَأَمْثَالِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُوجَبَ الْكَلَامِ هُوَ الْبَيْنُونَةُ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ كِنَايَاتٌ عِنْدَكُمْ وَالْكِنَايَةُ هِيَ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ مِنْهَا، وَالْمُرَادُ الْمُسْتَتِرُ هُوَ الطَّلَاقُ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فَيَجِبُ أَنْ يَقَعَ بِهَا الرَّجْعِيُّ كَمَا فِي أَنْتِ طَالِقٌ فَأَجَابَ مَشَايِخُنَا بِأَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْكِنَايَةِ عَلَى هَذِهِ الْأَلْفَاظِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْمَتْنِ فَيَقَعُ بِهَا الْبَائِنُ؛ لِأَنَّ مُوجَبَ الْكَلَامِ هُوَ الْبَيْنُونَةُ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْكِنَايَةِ عِنْدَهُمْ، وَلَوْ فَسَّرُوهَا بِتَفْسِيرِ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ يَثْبُتُ الْمُدَّعَى، وَهُوَ الْبَيْنُونَةُ، وَلَا يُحْتَاجُ فِي الْجَوَابِ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، وَهُوَ أَنَّ هَذِهِ ــ [التلويح] لِأَنَّ لِلتَّعْرِيضِ نَوْعٌ مِنْ الْكِنَايَةِ يَكُونُ مَسْبُوقًا بِمَوْصُوفٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ كَمَا تَقُولُ فِي عَرَضِ مَنْ يُؤْذِي الْمُسْلِمِينَ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ يَدِهِ وَلِسَانِهِ، تَوَصُّلًا بِذَلِكَ إلَى نَفْيِ الْإِسْلَامِ عَنْ الْمُؤْذِي (قَوْلُهُ قَالُوا، وَكِنَايَاتُ الطَّلَاقِ) مِثْلُ: أَنْتِ بَائِنٌ أَنْتِ بَائِنَةٌ أَوْ بَتْلَةٌ، أَنْتِ حَرَامٌ يُطْلَقُ عَلَيْهَا لَفْظُ الْكِنَايَةِ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ دُونَ الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْكِنَايَةِ مَا اسْتَتَرَ الْمُرَادُ بِهِ، وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَانِيهَا غَيْرُ مُسْتَتِرَةٍ بَلْ ظَاهِرَةٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ لَكِنَّهَا شَابَهَتْ الْكِنَايَةَ مِنْ جِهَةِ الْإِبْهَامِ فِيمَا يَتَّصِلُ بِهِ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ، وَتَعْمَلُ فِيهِ مِثْلَ الْبَائِنِ الْمَعْلُومِ الْمُرَادِ إلَّا أَنَّ مَحَلَّ الْبَيْنُونَةِ هِيَ الْوَصْلَةُ، وَهِيَ مُتَنَوِّعَةٌ أَنْوَاعًا مُخْتَلِفَةً كَوَصْلَةِ النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ فَاسْتَتَرَ الْمُرَادُ فِي نَفْسِهِ بَلْ بِاعْتِبَارِ إبْهَامِ الْمَحَلِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُ الْبَيْنُونَةِ فِيهِ فَاسْتُعِيرَتْ لَهَا لَفْظَةُ الْكِنَايَةِ وَاحْتَاجَتْ إلَى النِّيَّةِ لِيَزُولَ إبْهَامُ الْمَحَلِّ، وَتَتَعَيَّنَ الْبَيْنُونَةُ عَنْ وَصْلَةِ النِّكَاحِ، وَيَقَعُ الطَّلَاقُ الْبَائِنُ بِمُوجَبِ الْكَلَامِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ أَنْتِ بَائِنٌ كِنَايَةً عَنْ أَنْتِ طَالِقٌ حَتَّى يَلْزَمَ كَوْنُ الْوَاقِعِ بِهِ رَجْعِيًّا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ فِيهِ ضَرْبَ تَكَلُّفٍ إذْ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إنْ أُرِيدَ أَنَّ مَفْهُومَاتِهَا اللُّغَوِيَّةَ ظَاهِرَةٌ غَيْرُ مُسْتَتِرَةٍ فَهَذَا لَا يُنَافِي الْكِنَايَةَ، وَاسْتِتَارُ مُرَادِ الْمُتَكَلِّمِ بِهَا ظَاهِرٌ كَمَا فِي جَمِيعِ الْكِنَايَاتِ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّ مَا أَرَادَ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا ظَاهِرٌ لَا اسْتِتَارٌ فِيهِ فَمَمْنُوعُ كَيْفَ وَلَا يُمْكِنُ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ جِهَةِ الْمُتَكَلِّمِ؟ وَهُمْ مُصَرِّحُونَ بِأَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الْمَحَلِّ مُبْهَمَةٌ مُسْتَتِرَةٌ، وَلَمْ يُفَسِّرُوا الْكِنَايَةَ إلَّا بِمَا اسْتَتَرَ مِنْهُ الْمُرَادُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْمَحَلِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَشْتَرِطُوا إرَادَةَ اللَّازِمِ ثُمَّ الِانْتِقَالَ مِنْهُ إلَى الْمَلْزُومِ بِدَلِيلِ أَنَّهُمْ جَعَلُوا الْحَقِيقَةَ الْمَهْجُورَةَ وَالْمَجَازَ الْغَيْرَ الْمُتَعَارَفَ كِنَايَةً لِمُجَرَّدِ اسْتِتَارِ الْمُرَادِ فَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُمْ لَوْ فَسَّرُوا الْكِنَايَةَ كَمَا فَسَّرَهَا بِهِ عُلَمَاءُ الْبَيَانِ لَمَا احْتَاجُوا إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ، وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ الْكِنَايَةَ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ وَيُرَادَ مَعْنَاهُ لَكِنْ لَا لِذَاتِهِ بَلْ لِيُنْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَعْنًى ثَانٍ هُوَ مَلْزُومٌ لِلْمَعْنَى الْأَوَّلِ كَمَا يُرَادُ بِطُولِ النِّجَادِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ لِيُنْتَقَلَ مِنْهُ إلَى مَا يَلْزَمُهُ مِنْ طُولِ الْقَامَةِ فَيُرَادُ بِالْبَائِنِ

стр. 235

الْأَلْفَاظَ كِنَايَاتٌ بِطَرِيقِ الْمَجَازِ فَلِهَذَا قَالَ: (وَبِتَفْسِيرِ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ لَا يَحْتَاجُونَ إلَى هَذَا التَّكَلُّفِ؛ لِأَنَّهَا عِنْدَهُمْ أَنْ يُذْكَرَ لَفْظٌ وَيُقْصَدَ بِمَعْنَاهُ مَعْنًى ثَانٍ مَلْزُومٌ لَهُ، فَيُرَادُ بِالْبَائِنِ مَعْنَاهُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْهُ بِنِيَّتِهِ إلَى الطَّلَاقِ فَتَطْلُقُ عَلَى صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ لَا أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الطَّلَاقُ) يَتَّصِلُ هَذَا بِقَوْلِهِ فَيُرَادُ بِالْبَائِنِ مَعْنَاهُ. (إلَّا فِي اعْتَدِّي) فَإِنَّهُ يَقَعُ بِهِ الرَّجْعِيُّ، وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ فَتَطْلُقُ عَلَى صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ (لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ مَا يُعَدُّ مِنْ الْأَقْرَاءِ فَإِذَا نَوَاهُ اقْتَضَى الطَّلَاقَ إنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ يَثْبُتُ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُسَبَّبَ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى السَّبَبِ إذَا كَانَ الْمُسَبَّبُ مَقْصُودًا مِنْهُ، وَهَاهُنَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَكَذَا اسْتَبْرِئِي ــ [التلويح] مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ، ثُمَّ يُنْتَقَلُ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ نِيَّةِ الْمُتَكَلِّمِ إلَى مَلْزُومِهِ الَّذِي هُوَ الطَّلَاقُ فَتَطْلُقُ الْمَرْأَةُ عَلَى صِفَةِ الْبَيْنُونَةِ، وَلَا يَكُونُ أَنْتِ بَائِنٌ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ طَالِقٌ عَلَى مَا هُوَ شَأْنُ الْمَجَازِ لِيَلْزَمَ كَوْنُهُ رَجْعِيًّا، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْكِنَايَةِ هُوَ اللَّازِمُ بِالْعَرَضِ وَالْمَلْزُومُ بِالذَّاتِ عَلَى مَا سَبَقَ تَحْقِيقُهُ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَكْتَفِي فِي الْكِنَايَةِ بِمُجَرَّدِ جَوَازِ إرَادَةِ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ فَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ لَا يُقَالُ: اللَّازِمُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَازِمٌ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ فَلَا يُنْتَقَلُ مِنْهُ إلَى الْمَلْزُومِ مَا لَمْ يَصِرْ مُخْتَصًّا بِهِ حَتَّى يَكُونَ الِانْتِقَالُ مِنْ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ، وَالْبَائِنُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لِلطَّلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الطَّلَاقُ رَجْعِيًّا، وَلَا مَلْزُومٍ لَهُ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ قَدْ تَكُونُ مِنْ غَيْرِ وَصْلَةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُرَادُ بِاللَّازِمِ هَاهُنَا مَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ تَابِعِ الشَّيْءِ وَرَدِيفِهِ، وَقَدْ يَحْصُلُ الِانْتِقَالُ عَنْهُ بِوَاسِطَةِ قَرِينَةٍ مِنْ عُرْفٍ أَوْ دَلَالَةِ حَالٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَوْ سُلِّمَ إرَادَةُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فِي الْكِنَايَةِ فَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّهُ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا، وَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، وَلَا يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ فِي الْوَاقِعِ حَتَّى إنَّ قَوْلَنَا: طَوِيلُ النِّجَادِ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ الْقَامَةِ أَوْ كَثِيرُ الرَّمَادِ كِنَايَةٌ عَنْ كَوْنِهِ مِضْيَافًا لَا يُوجِبُ ثُبُوتَ طُولِ النِّجَادِ لَهُ أَوْ كَثْرَةِ الرَّمَادِ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ الطَّلَاقُ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ، وَلِهَذَا جَعَلَ صَاحِبُ الْكَشْفِ تَفْسِيرَ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَيْسَتْ بِكِنَايَاتٍ إذْ لَيْسَ فِيهَا انْتِقَالٌ مِنْ لَازِمٍ إلَى مَلْزُومٍ بَلْ لَمْ يُنْتَقَلْ مِنْ مَعَانِيهَا إلَى شَيْءٍ آخَرَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْبَيْنُونَةُ وَالْحُرْمَةُ وَالْقَطْعُ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ وَفِي مَحَلٍّ خَاصٍّ فِيهِ الِاسْتِتَارُ (قَوْلُهُ إلَّا فِي اعْتَدِّي) ، أَيْ تَطْلُقُ بِصِفَةِ الْبَيْنُونَةِ فِي الْكِنَايَاتِ إلَّا فِي اعْتَدِّي، وَاسْتَبْرِئِي رَحِمَك، وَأَنْتَ، وَاحِدَةٌ فَإِنَّ الْوَاقِعَ بِهَا رَجْعِيٌّ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَ كِنَايَاتٌ بِتَفْسِيرِ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا مَعَانِيهَا لِيُنْتَقَلَ مِنْهَا إلَى الطَّلَاقِ الْمَلْزُومِ إلَّا أَنَّهَا دَلَالَةٌ فِي مَعَانِيهَا عَلَى الْبَيْنُونَةِ بِخِلَافِ لَفْظِ بَائِنٍ، وَحَرَامٍ، وَبَتَّةٍ، وَبَتْلَةٍ، وَبَيَانُ اللُّزُومِ أَنَّ قَوْلَهُ اعْتَدِّي يَحْتَمِلُ عُدِّي الدَّرَاهِمَ أَوْ الدَّنَانِيرَ أَوْ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْك أَوْ مَا يُعَدُّ مِنْ الْأَقْرَاءِ، وَالْمُرَادُ

стр. 236

رَحِمَك بِعَيْنِ هَذَا الدَّلِيلِ) أَيْ الدَّلِيلِ الَّذِي ذُكِرَ فِي اعْتَدِّي فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِاسْتِبْرَاءِ الرَّحِمِ لِتَتَزَوَّجَ زَوْجًا آخَرَ فَإِذَا نَوَى اقْتَضَى الطَّلَاقَ كَمَا مَرَّ (وَكَذَا أَنْتِ وَاحِدَةٌ) ؛ لِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ فَإِذَا نَوَى يَقَعُ بِهَا الرَّجْعِيُّ، وَلَا تَبِينُ لِعَدَمِ دَلَالَتِهِ عَلَى الْبَيْنُونَةِ (التَّقْسِيمُ ــ [التلويح] مُسْتَتِرٌ فَإِذَا نَوَى مَا يُعَدُّ مِنْ الْأَقْرَاءِ ثَبَتَ الطَّلَاقُ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ ضَرُورَةَ أَنَّ وُجُوبَ عَدِّ الْأَقْرَاءِ يَقْتَضِي سَابِقِيَّةَ الطَّلَاقِ تَصْحِيحًا لِلْأَمْرِ، وَالضَّرُورَةُ تَرْتَفِعُ بِإِثْبَاتِ وَاحِدٍ رَجْعِيٍّ فَلَا يُصَارُ إلَى الزَّائِدِ، وَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْمَلْزُومَ الْمُنْتَقَلَ إلَيْهِ فِي الْكِنَايَةِ قَدْ يَكُونُ لَازِمًا مُتَقَدِّمًا عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ فِي الِاقْتِضَاءِ هَذَا إذَا كَانَ قَوْلُهُ اعْتَدِّي بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا، وَأَمَّا إذَا قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَلَا جِهَةَ لِلِاقْتِضَاءِ، وَإِرَادَةُ حَقِيقَةِ الْأَمَرِ بَعْدَ الْأَقْرَاءِ لِيَنْتَقِلَ مِنْهُ إلَى الطَّلَاقِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يُوجِبُ الْعِدَّةَ فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ اعْتَدِّي مَجَازًا عَنْ كُونِي طَالِقًا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ؛ لِأَنَّ الطَّلَاقَ سَبَبٌ لِوُجُوبِ الِاعْتِدَادِ، وَلَا يُجْعَلُ مَجَازًا عَنْ طَلِّقِي إذْ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ، وَلَا عَنْ أَنْتِ طَالِقٌ أَوْ طَلَّقْتُك؛ لِأَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ التَّوَافُقَ فِي الصِّيغَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ إرَادَةُ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ جُعِلَ اللَّفْظُ كِنَايَةً، وَلَمَّا تَعَذَّرَ ذَلِكَ جُعِلَ مَجَازًا، وَأَمَّا بِتَفْسِيرِ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لِاسْتِتَارِ الْمُرَادِ بِهِ، ثُمَّ أَوْرَدَ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْ الطَّلَاقِ بِالِاعْتِدَادِ مَجَازًا بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ أَنَّهُ مَشْرُوطٌ بِكَوْنِ الْمُسَبَّبِ مَقْصُودًا مِنْ السَّبَبِ لِيَصِيرَ بِمَنْزِلَةِ عِلَّةٍ غَائِيَّةٍ فَتَحَقَّقَ أَصَالَتُهُ عَلَى مَا مَرَّ فِي بَابِ الْمَجَازِ، وَظَاهِرٌ أَنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ الطَّلَاقِ هُوَ الِاعْتِدَادُ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الشَّرْطَ فِي إطْلَاقِ اسْمِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ هُوَ اخْتِصَاصُهُ بِالسَّبَبِ لِيَتَحَقَّقَ الِاتِّصَالُ مِنْ جَانِبِهِ أَيْضًا كَاخْتِصَاصِ الْفِعْلِ بِالْإِرَادَةِ، وَالْخَمْرِ بِالْعِنَبِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَالِاعْتِدَادُ شَرْعًا بِطَرِيقِ الْأَصَالَةِ مُخْتَصٌّ بِالطَّلَاقِ، لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ إلَّا بِطَرِيقِ التَّبَعِ وَالشَّبَهِ كَالْمَوْتِ وَحُدُوثِ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ وَارْتِدَادِ الزَّوْجِ وَغَيْرِهَا، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ اعْتَدِّي مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ أَيْ طَلَّقْتُك فَاعْتَدِّي أَوْ اعْتَدِّي لِأَنِّي طَلَّقْتُك، فَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ وَتَجِبُ الْعِدَّةُ، وَفِي غَيْرِهَا يَثْبُتُ الطَّلَاقُ عَمَّا بِنِيَّتِهِ وَلَا تَجِبُ الْعِدَّةُ (قَوْلُهُ، وَكَذَا) أَيْ مِثْلُ اعْتَدِّي، اسْتَبْرِئِي؛ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لَهُ وَتَوْضِيحٌ لِمَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْعِدَّةِ أَعْنِي طَلَبَ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْحَمْلِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْوَطْءِ وَطَلَبِ الْوَلَدِ، وَأَنْ تَكُونَ لِتَتَزَوَّجَ بِزَوْجٍ آخَرَ فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ يَثْبُتُ الطَّلَاقُ اقْتِضَاءً، وَالْمَبَاحِثُ الْمَذْكُورَةُ فِي اعْتَدِّي آتِيَةٌ هَاهُنَا (قَوْلُهُ، وَكَذَا أَنْتِ وَاحِدَةٌ) مَرْفُوعَةٌ أَوْ مَنْصُوبَةٌ أَوْ مَوْقُوفَةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ أَنْتِ وَاحِدَةٌ فِي قَوْمِك أَوْ وَاحِدَةُ النِّسَاءِ فِي الْجَمَالِ أَوْ مُنْفَرِدَةٌ عِنْدِي لَيْسَ لِي غَيْرُك أَوْ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ عَلَى أَنَّهَا وَصْفٌ لِلْمَصْدَرِ فَإِذَا نَوَى ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ

стр. 237

الثَّالِثُ فِي ظُهُورِ) الْمَعْنَى، وَخَفَائِهِ اللَّفْظُ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ الْمُرَادُ يُسَمَّى ظَاهِرًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ثُمَّ إنْ زَادَ الْوُضُوحُ بِأَنْ سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ يُسَمَّى نَصًّا، ثُمَّ إنْ زَادَ حَتَّى سَدَّ بَابَ التَّأْوِيلِ وَالتَّخْصِيصِ يُسَمَّى مُفَسَّرًا، ثُمَّ إنْ زَادَ حَتَّى سَدَّ بَابَ احْتِمَالِ النَّسْخِ أَيْضًا يُسَمَّى مُحْكَمًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ظَاهِرٌ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ نَصٌّ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا؛ لِأَنَّهُ فِي ــ [التلويح] طَالِقٌ طَلْقَةً وَاحِدَةً، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى الْبَيْنُونَةِ فِي الصُّوَرِ الثَّلَاثِ فَيَقَعُ الرَّجْعِيُّ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ قَوْلَهُ أَنْتِ وَاحِدَةٌ لَيْسَ مِنْ بَابِ الْكِنَايَةِ بِتَفْسِيرِ عُلَمَاءِ الْبَيَانِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَبِيلِ الْمَحْذُوفِ لَكِنَّهُ كِنَايَةٌ بِاعْتِبَارِ اسْتِتَارِ الْمُرَادِ [التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ فِي ظُهُورِ الْمَعْنَى وَخَفَائِهِ] (قَوْلُهُ التَّقْسِيمُ الثَّالِثُ) لِلَّفْظِ بِاعْتِبَارِ ظُهُورِ الْمَعْنَى عَنْهُ، وَخَفَائِهِ، وَمَرَاتِبِ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ فَبِاعْتِبَارِ الظُّهُورِ يَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: الظَّاهِرُ، وَالنَّصُّ، وَالْمُفَسَّرُ، وَالْمُحْكَمُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الظَّاهِرِ ظُهُورُ الْمُرَادِ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ مَسُوقًا لَهُ أَوْ لَا، وَفِي النَّصِّ كَوْنُهُ مَسُوقًا لِلْمُرَادِ سَوَاءٌ احْتَمَلَ التَّخْصِيصَ وَالتَّأْوِيلَ أَوْ لَا، وَفِي الْمُفَسَّرِ عَدَمُ احْتِمَالِ التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ سَوَاءٌ احْتَمَلَ النَّسْخَ أَوْ لَا، وَفِي الْمُحْكَمِ عَدَمُ احْتِمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ مَثَّلُوا لِلظَّاهِرِ بِنَحْوِ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ [النساء: ١] الْآيَةَ، وَنَحْوُ ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الْآيَةَ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] الْآيَةَ فَتَكُونُ الْأَرْبَعَةُ أَقْسَامًا مُتَمَايِزَةً بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ وَاعْتِبَارِ الْحَيْثِيَّةِ مُتَدَاخِلَةً بِحَسَبِ الْوُجُودِ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّهَا أَقْسَامٌ مُتَبَايِنَةٌ، وَأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الظَّاهِرِ عَدَمُ كَوْنِهِ مَسُوقًا لِلْمَعْنَى الَّذِي يُجْعَلُ ظَاهِرًا فِيهِ، وَفِي النَّصِّ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ أَوْ التَّأْوِيلِ، أَيْ أَحَدِهِمَا، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ شَيْءٌ مِنْ الْخَاصِّ نَصًّا، وَفِي الْمُفَسَّرِ احْتِمَالُ النَّسْخِ، وَسَيَجِيءُ مِنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا (قَوْلُهُ، ثُمَّ إنْ زَادَ الْوُضُوحُ) أَتَى بِصَرِيحِ الْوُضُوحِ دُونَ الضَّمِيرِ الْعَائِدِ إلَى الظُّهُورِ؛ لِأَنَّ الْوُضُوحَ فَوْقَ الظُّهُورِ، وَلِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي عِبَارَةِ الْقَوْمِ فِي النَّصِّ، وَالْمُفَسَّرِ، وَالْمُحْكَمِ دُونَ الظُّهُورِ (قَوْلُهُ بِأَنْ سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ) دَالٌّ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْوُضُوحِ فِي النَّصِّ هُوَ بِكَوْنِهِ مَسُوقًا لِلْمُرَادِ فَإِنَّ إطْلَاقَ اللَّفْظِ عَلَى مَعْنَى شَيْءٍ، وَسَوْقَهُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ غَيْرُ لَازِمٍ لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا دَلَّتْ الْقَرِينَةُ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ مَسُوقٌ لَهُ فَهُوَ نَصٌّ فِيهِ مِنْ نَصَصْت الشَّيْءَ رَفَعْته، وَنَصَصْت الدَّابَّةَ اسْتَخْرَجْت مِنْهَا بِالتَّكَلُّفِ سَيْرًا فَوْقَ سَيْرِهَا الْمُعْتَادِ (قَوْلُهُ حَتَّى سَدَّ بَابَ التَّأْوِيلِ) مِنْ أَوَّلْت الشَّيْءَ صَرَفْته، وَرَجَعْته، وَهُوَ انْكِشَافُ اعْتِبَارِ دَلِيلٍ يَصِيرُ الْمَعْنَى بِهِ أَغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْ الْمَعْنَى الظَّاهِرِ، وَالتَّفْسِيرُ مُبَالَغَةُ الْفَسْرِ، وَهُوَ الْكَشْفُ فَيُرَادُ بِهِ كَشْفٌ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، وَهُوَ الْقَطْعُ بِالْمُرَادِ، وَلِهَذَا يَحْرُمُ التَّفْسِيرُ بِالرَّأْيِ دُونَ التَّأْوِيلِ؛ لِأَنَّهُ الظَّنُّ بِالْمُرَادِ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى غَيْرِ الظَّاهِرِ بِلَا جَزْمٍ فَيَقْبَلُهُ الظَّاهِرُ وَالنَّصُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُرَادِ احْتِمَالًا بَعِيدًا، وَالنَّصُّ يَحْتَمِلُهُ احْتِمَالًا أَبْعَدَ دُونِ الْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُرَادِ

стр. 238

جَوَابِ الْكُفَّارِ عَنْ قَوْلِهِمْ إنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا (وقَوْله تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ظَاهِرٌ فِي الْحِلِّ نَصٌّ فِي الْعَدَدِ) ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ قَدْ عُلِمَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا وَرَدَ الْأَمْرُ بِشَيْءٍ مُقَيَّدٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِبًا فَالْمَقْصُودُ إثْبَاتُ هَذَا الْقَيْدِ نَحْوُ قَوْلِهِ ﵊ «بِيعُوا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» (وَنَظِيرُ الْمُفَسَّرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] أَوْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، وَالْمُحْكَمِ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] . وَقَوْلُهُ ﵊ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» ) النَّظِيرُ أَنَّ الْأَوَّلَانِ لِلْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ مَذْكُورَانِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ، وَفِي ــ [التلويح] أَصْلًا (قَوْلُهُ، ثُمَّ إنْ زَادَ) أَيْ الْوُضُوحُ حَتَّى سَدَّ احْتِمَالَ النَّسْخِ، أَيْضًا كَمَا سَدَّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ، وَالْمُرَادُ نَسْخُ الْمَعْنَى إذْ الْمُحْكَمُ يَحْتَمِلُ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ نَسْخَ اللَّفْظِ بِأَنْ لَا يَتَعَلَّقَ بِهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ، وَلَا حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْجُنُبِ، وَالْحَائِضُ يُسَمَّى مُحْكَمًا مِنْ أَحْكَمْت الشَّيْءَ، أَيْ أَتْقَنْته، وَبِنَاءٌ مُحْكَمٌ مَأْمُونُ الِانْتِقَاضِ، وَقِيلَ: مِنْ أَحْكَمْت فُلَانًا مَنَعْته فَالْحُكْمُ مُمْتَنِعٌ مِنْ التَّخْصِيصِ وَالتَّأْوِيلِ وَمَنْ أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ النَّسْخُ، وَالتَّبْدِيلُ، وَاعْتَبَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْمُحْكَمِ زِيَادَةَ الْقُوَّةِ لَا زِيَادَةَ الْوُضُوحِ حَيْثُ قَالَ: فَإِذَا ازْدَادَ قُوَّةً، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِلْأَحْكَامِ، وَعَدَمَ احْتِمَالِ النَّسْخِ، وَأَيْضًا إذَا بَلَغَ الْمُفَسَّرُ مِنْ الْوُضُوحِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ الْغَيْرَ أَصْلًا فَلَا مَعْنًى لِزِيَادَةِ الْوُضُوحِ عَلَيْهِ، نَعَمْ يَزْدَادُ قُوَّةً بِوَاسِطَةِ تَأْكِيدٍ وَتَأْيِيدٍ يَدْفَعُ عَنْهُ احْتِمَالَ النَّسْخِ وَالِانْتِقَاضِ. ثُمَّ إنَّهُ بَيَّنَ وَجْهَ زِيَادَةِ الْوُضُوحِ فِي النَّصِّ، وَهُوَ أَنَّهُ يَكُونُ بِكَوْنِهِ مَسُوقًا لِلْمُرَادِ، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ فِي الْمُفَسَّرِ، وَالْمُحْكَمِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ بِوُجُوهٍ مُخْتَلِفَةٍ كَمَا إذَا كَانَ الْكَلَامُ فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ، وَلَا النَّسْخَ أَوْ لَحِقَهُ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ قَاطِعٌ لِاحْتِمَالِ التَّأْوِيلِ أَوْ اقْتَرَنَ بِهِ مَا يَمْنَعُ التَّخْصِيصَ أَوْ يُفِيدُ الدَّوَامَ، وَالتَّأْبِيدَ (قَوْلُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مِثَالٌ لِلظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ الْوَاحِدَ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا فِي مَعْنًى، نَصًّا فِي مَعْنًى آخَرَ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي حِلِّ الْبَيْعِ، وَحُرْمَةِ الرِّبَا إلَّا أَنَّهُ مَسُوقٌ لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَهُمَا رَدًّا عَلَى الْكَفَرَةِ الْقَائِلِينَ بِتَمَاثُلِهِمَا، ثُمَّ أَوْرَدَ مِثَالًا آخَرَ يَكُونُ الظَّاهِرُ بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ، وَالنَّصُّ بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ آخَرَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] ، أَيْ انْكِحُوا الطَّيِّبَاتِ لَكُمْ مَعْدُودَاتٍ هَذَا الْعَدَدَ ثِنْتَيْنِ ثِنْتَيْنِ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا، وَأَرْبَعًا أَرْبَعًا فَإِنَّ لَفْظَ انْكِحُوا ظَاهِرٌ فِي حِلِّ النِّكَاحِ إذْ لَيْسَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ مَسُوقٌ لِإِثْبَاتِ الْعَدَدِ فَيَكُونُ نَصًّا فِيهِ بِاعْتِبَارِ قَوْلِهِ مَثْنَى، وَثُلَاثَ، وَرُبَاعَ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى كَوْنِهِ مَسُوقًا لِإِثْبَاتِ الْعَدَدِ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ حِلَّ النِّكَاحِ قَدْ عُلِمَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فَالْحَمْلُ عَلَى قَصْدِ فَائِدَةٍ جَدِيدَةٍ أَوْلَى إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى كَوْنِ هَذِهِ الْآيَةِ مُتَأَخِّرَةً عَنْ تِلْكَ، وَالثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ

стр. 239

التَّمْثِيلِ بِهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ أَنَّ الْمُفَسَّرَ قَابِلٌ لِلنَّسْخِ وَالْمُحْكَمَ غَيْرُ قَابِلٍ لَهُ، وَالْمِثَالَانِ الْمَذْكُورَانِ، وَهُمَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] وقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ بِحَسَبِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُمْ إنْ أَرَادُوا قَبُولَ النَّسْخِ وَعَدَمَهُ بِحَسَبِ اللَّفْظِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُفَسَّرٌ إذْ لَيْسَ فِي الْآيَتَيْنِ مَا يَمْنَعُ النَّسْخَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ، وَإِنْ أَرَادُوا بِحَسَبِ ــ [التلويح] إذَا أُورِدَ بِشَيْءٍ مُقَيَّدٍ بِقَيْدٍ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّيْءُ وَاجِبًا فَهُوَ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ الْقَيْدِ كَقَوْلِهِ ﵇ «بِيعُوا سَوَاءً بِسَوَاءٍ» ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَا قَرَّرَهُ أَئِمَّةُ الْعَرَبِيَّةِ: مِنْ أَنَّ الْكَلَامَ إذَا اشْتَمَلَ عَلَى قَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ فَذَلِكَ الْقَيْدُ هُوَ مَنَاطُ الْإِفَادَةِ، وَمُتَعَلَّقُ الْإِثْبَاتِ وَالنَّفْيِ، وَمَرْجِعُ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ، وَقَيْدُ الشَّيْءِ بِكَوْنِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ احْتِرَازٌ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ ﵊ «أَدُّوا عَنْ كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ» الْحَدِيثَ (قَوْلُهُ: النَّظِيرَانِ الْأَوَّلَانِ) أَوْرَدَ لِكُلٍّ مِنْ الْمُفَسَّرِ، وَالْمُحْكَمِ مِثَالَيْنِ فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ لِلْمُفَسَّرِ هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ، وَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ لِلْمُحْكَمِ هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي التَّمْثِيلِ بِهِمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ إنْ اشْتَرَطَ فِي الْمُحْكَمِ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ احْتِمَالِ النَّسْخِ بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ دَالٍ عَلَى الدَّوَامِ، وَالتَّأْبِيدِ كَمَا فِي قَوْلِهِ ﵇ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» فَلَيْسَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ مُحْكَمًا، وَإِنْ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَحَلِّ الْكَلَامِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي نَفْسِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ التَّبْدِيلَ أَوْ لَمْ يُشْتَرَطْ شَيْءٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ عَلَى التَّعْيِينِ بَلْ أُرِيدَ عَدَمُ احْتِمَالِ النَّسْخِ بِاعْتِبَارِ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَوْ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ الْكَلَامِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] ، أَيْضًا مُحْكَمٌ؛ لِأَنَّ أَخْبَارَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَحْتَمِلُ النَّسْخَ لِتَعَالِيهِ عَنْ الْكَذِبِ وَالْغَلَطِ، وَمَبْنَى هَذَا الِاعْتِرَاضِ عَلَى تَبَايُنِ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ، وَاشْتِرَاطِ احْتِمَالِ النَّسْخِ فِي الْمُفَسَّرِ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُفَسَّرَ هُوَ قَوْله تَعَالَى ﴿الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى قَوْلِهِ فَسَجَدُوا إلَّا فَالْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ مُتَحَقِّقَةٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ جَمْعٌ ظَاهِرٌ فِي الْعُمُومِ، وَبِقَوْلِهِ كُلُّهُمْ ازْدَادَ وُضُوحًا فَصَارَ نَصًّا، وَبِقَوْلِهِ أَجْمَعُونَ انْقَطَعَ احْتِمَالُ التَّخْصِيصِ فَصَارَ مُفَسَّرًا، وَقَوْلُهُ: فَسَجَدَ إخْبَارٌ لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ فَيَكُونُ مُحْكَمًا وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ نَسْخَ الْمَعْنَى لَا يُتَصَوَّرُ إلَّا فِي كَلَامٍ دَالٍّ عَلَى حُكْمٍ لِلْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِنَسْخِ مَعْنَى اللَّفْظِ الْمُفْرَدِ فَإِذَا اُعْتُبِرَ فِي الْمُفَسَّرِ احْتِمَالُ النَّسْخِ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا مُفِيدًا لِحُكْمٍ، وَاعْتُرِضَ أَيْضًا بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] لَا يَصْلُحُ مِثَالًا لِلْمُفَسَّرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَثْنَى إبْلِيسَ فَيَكُونُ مُحْتَمِلًا لِلتَّخْصِيصِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعٌ؛ لِأَنَّ إبْلِيسَ مِنْ الْجِنِّ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ الِاتِّصَالُ، وَعَدَّ إبْلِيسُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ

стр. 240

مَحَلِّ الْكَلَامِ أَوْ أَعَمَّ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُحْكَمٌ؛ لِأَنَّ الْإِخْبَارَ بِسُجُودِ الْمَلَائِكَةِ لَا يَقْبَلُ النَّسْخَ كَمَا أَنَّ الْإِخْبَارَ بِعِلْمِ اللَّهِ لَا يَقْبَلُهُ فَلِأَجَلِ هَذَا أَوْرَدْت مِثَالَيْنِ فِي الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُفَسَّرِ وَالْمُحْكَمِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] مُفَسَّرٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ كَافَّةً سَدٌّ لِبَابِ التَّخْصِيصِ لَكِنَّهُ يَحْتَمِلُ النَّسْخَ لِكَوْنِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا، وَقَوْلَهُ ﵇ «الْجِهَادُ مَاضٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» مُحْكَمٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ «إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» سَدٌّ لِبَابِ النَّسْخِ (وَالْكُلُّ يُوجِبُ الْحُكْمَ إلَّا أَنَّهُ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ عِنْدَ التَّعَارُضِ، وَإِذَا خَفِيَ فَإِنْ خَفِيَ لِعَارِضٍ يُسَمَّى خَفِيًّا، وَإِنْ خَفِيَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ أُدْرِكَ عَقْلًا فَمُشْكِلٌ أَوْ بَلْ نَقْلًا فَمُجْمَلٌ أَوْ لَا أَصْلًا فَمُتَشَابِهٌ، فَالْخَفِيُّ كَآيَةِ السَّرِقَةِ خَفِيَتْ فِي حَقِّ النَّبَّاشِ وَالطَّرَّارِ لِاخْتِصَاصِهِمَا بِاسْمٍ آخَرَ، فَيُنْظَرَ إنْ كَانَ الْخَفَاءُ لِمَزِيَّةٍ يَثْبُتُ فِيهِ الْحُكْمُ، وَلِنُقْصَانٍ لَا، وَالْمُشْكِلُ إمَّا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى نَحْوُ ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] فَإِنَّ غَسْلَ ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَاجِبٌ وَغَسْلَ بَاطِنِهِ سَاقِطٌ فَوَقَعَ الْإِشْكَالُ فِي الْفَمِ فَإِنَّهُ بَاطِنٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَفْسُدَ الصَّوْمُ بِابْتِلَاعِ الرِّيقِ وَظَاهِرٌ مِنْ وَجْهٍ حَتَّى لَا يَفْسُدَ بِدُخُولِ شَيْءٍ فِي الْفَمِ فَاعْتَبَرْنَا الْوَجْهَيْنِ فَأُلْحِقَ بِالظَّاهِرِ فِي الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى) . حَتَّى وَجَبَ غَسْلُهُ فِي ــ [التلويح] عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، وَهُوَ بَابٌ وَاسِعٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَلِهَذَا يَتَنَاوَلُهُ الْأَمْرُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] بَلْ الْجَوَابُ مَا مَرَّ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَيْسَ بِتَخْصِيصٍ فَإِنْ قِيلَ: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] ، أَيْضًا لَا يَحْتَمِلُ النَّسْخَ لِانْقِطَاعِ الْوَحْيِ فَلَا يَكُونُ مُفَسَّرًا قُلْنَا: الْمُرَادُ الِاحْتِمَالِ فِي زَمَنِ الْوَحْيِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْقُرْآنِ بِمُحْتَمِلٍ لِلنَّسْخِ وَمِثْلُهُ يُسَمَّى مُحْكَمًا لِغَيْرِهِ لِيَشْمَلَ الظَّاهِرَ، وَالنَّصَّ، وَالْمُفَسَّرَ، وَالْمُحْكَمَ (قَوْلُهُ وَالْكُلُّ) أَيْ الظَّاهِرُ، وَالنَّصُّ، وَالْمُفَسَّرُ، وَالْمُحْكَمُ يُوجِبُ الْحُكْمَ، أَيْ يُثْبِتُهُ قَطْعًا، وَيَقِينًا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ حُكْمُ الظَّاهِرِ وَالنَّصِّ وُجُوبُ الْعَمَلِ وَاعْتِقَادُ حَقِّيَّةِ الْمُرَادِ لَا ثُبُوتُ الْحُكْمِ قَطْعًا وَيَقِينًا؛ لِأَنَّ الِاحْتِمَالَ، وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا قَاطِعٌ لِلْيَقِينِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِاحْتِمَالٍ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ الدَّلِيلِ، وَالْحَقُّ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يُفِيدُ الْقَطْعَ وَهُوَ الْأَصْلُ، وَقَدْ يُفِيدُ الظَّنَّ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ احْتِمَالُ غَيْرِ الْمُرَادِ مِمَّا يُعَضِّدُهُ دَلِيلٌ (قَوْلُهُ إلَّا أَنَّهُ يَظْهَرُ التَّفَاوُتُ عِنْدَ التَّعَارُضِ) فَيُقَدَّمُ النَّصُّ عَلَى الظَّاهِرِ، وَالْمُفَسَّرُ عَلَيْهِمَا، وَالْمُحْكَمُ عَلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْأَوْضَحِ، وَالْأَقْوَى أَوْلَى، وَأَحْرَى، وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلِينَ بِحَمْلِ الظَّاهِرِ مَثَلًا عَلَى احْتِمَالِهِ الْآخَرِ الْمُوَافِقِ لِلنَّصِّ مِثَالُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ظَاهِرٌ فِي حِلِّ مَا فَوْقَ الْأَرْبَعِ مِنْ غَيْرِ الْمُحَرَّمَاتِ وقَوْله تَعَالَى ﴿مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣] نَصٌّ فِي وُجُوبِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَرْبَعِ فَيُعْمَلُ بِهِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» نَصٌّ فِي مَدْلُولِهِ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ بِحَمْلِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّوْقِيتِ، وَقَوْلُهُ ﵇ «الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ» مُفَسَّرٌ فَيُعْمَلُ بِهِ (قَوْلُهُ، وَإِذَا خَفِيَ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْ اللَّفْظِ فَخَفَاؤُهُ إمَّا لِنَفْسِ اللَّفْظِ أَوْ لِعَارِضٍ،

стр. 241

الْجَنَابَةِ (وَبِالْبَاطِنِ فِي الصُّغْرَى) فَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ فِي الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ؛ (لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] بِالتَّشْدِيدِ يَدُلُّ عَلَى التَّكَلُّفِ وَالْمُبَالَغَةِ لَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أَوْ لِاسْتِعَارَةٍ بَدِيعَةٍ نَحْوُ ﴿قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٦] فَقَوْلُهُ أَوْ لِاسْتِعَارَةٍ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَالْمُشْكِلُ إمَّا لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى، وَإِنَّمَا أَشْكَلَ هَذَا بِسَبَبِ الِاسْتِعَارَةِ؛ لِأَنَّ الْقَارُورَةَ تَكُونُ مِنْ الزُّجَاجِ لَا مِنْ الْفِضَّةِ فَالْمُرَادُ أَنَّ صَفَاءَهَا صَفَاءُ الزُّجَاجِ، وَبَيَاضَهَا ــ [التلويح] الثَّانِي يُسَمَّى خَفِيًّا، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يُدْرَكَ الْمُرَادُ بِالْعَقْلِ أَوْ لَا: الْأَوَّلُ يُسَمَّى مُشْكِلًا، وَالثَّانِي إمَّا أَنْ يُدْرَكَ الْمُرَادُ بِالنَّقْلِ أَوْ لَا يُدْرَكَ أَصْلًا الْأَوَّلُ يُسَمَّى مُجْمَلًا، وَالثَّانِي مُتَشَابِهًا فَهَذِهِ الْأَقْسَامُ مُتَبَايِنَةٌ بِلَا خِلَافٍ، وَالْمُشْكِلُ مَأْخُوذٌ مِنْ أَشْكَلَ عَلَى كَذَا إذَا دَخَلَ فِي أَشْكَالِهِ وَأَمْثَالِهِ بِحَيْثُ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِدَلِيلٍ يَتَمَيَّزُ بِهِ، وَالْمُجْمَلُ مِنْ أَجْمَلَ الْحِسَابَ رَدَّهُ إلَى الْجُمْلَةِ، وَأَجْمَلَ الْأَمْرَ أَبْهَمَهُ فَإِنْ قِيلَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْخَفِيُّ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ؛ لِأَنَّهُ فِي مُقَابَلَةِ الظَّاهِرِ، وَهُوَ مَا ظَهَرَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ. قُلْنَا الْخَفَاءُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ فَوْقَ الْخَفَاءِ بِعَارِضٍ، فَلَوْ كَانَ الْخَفِيُّ مَا يَكُونُ خَفَاؤُهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ لَمْ يَكُنْ فِي أَوَّلِ مَرَاتِبِ الْخَفَاءِ فَلَمْ يَكُنْ مُقَابِلًا لِلظَّاهِرِ (قَوْلُهُ: إنْ كَانَ الْخَفَاءُ) أَيْ خَفَاءُ اللَّفْظِ فِيمَا خَفِيَ فِيهِ لِمَزِيَّةٍ لَهُ عَلَى مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي تَعَلَّقَ بِهِ الْحُكْمُ يَثْبُتُ فِي حَقِّهِ الْحُكْمُ كَالطَّرَّارِ فَإِنَّهُ سَارِقٌ كَامِلٌ يَأْخُذُ مَعَ حُضُورِ الْمَالِكِ، وَيَقَظَتِهِ فَلَهُ مَزِيَّةٌ عَلَى السَّارِقِ مِنْ الْبَيْتِ فِي مَعْنَى السَّرِقَةِ، وَهُوَ الْأَخْذُ عَلَى سَبِيلِ الْخُفْيَةِ فَيُقْطَعُ، وَإِنْ كَانَ لِنُقْصَانٍ فِي ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ كَالنَّبَّاشِ فَإِنَّهُ نَاقِصٌ فِي مَعْنَى السَّرِقَةِ لِعَدَمِ الْمُحَافَظَةِ بِالْمَوْتَى فَلَا يُقْطَعُ. (قَوْلُهُ وَهَذَا) أَيْ إلْحَاقُ بَاطِنِ الْفَمِ بِالظَّاهِرِ فِي الْغَسْلِ حَتَّى يَجِبَ غَسْلُهُ، وَبِالْبَاطِنِ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى لَا يَجِبَ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّ التَّطَهُّرَ، وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْجَنَابَةِ يَدُلُّ عَلَى التَّكَلُّفِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّطْهِيرِ، وَذَلِكَ فِي غَسْلِ بَاطِنِ الْفَمِ دُونَ تَرْكِهِ؛ وَلِأَنَّ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى أَكْثَرُ وُقُوعًا مِنْ الْكُبْرَى فَهِيَ بِالتَّخْفِيفِ أَلْيَقُ، وَتَرْكُ الْمُبَالَغَةِ فِيهَا أَرْفَقُ، وَأَمَّا دَاخِلُ الْعَيْنِ فَإِيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ يُورِثُ الْعَمَى فَأُلْحِقَ بِالْبَاطِنِ فِي الطَّهَارَتَيْنِ دَفْعًا لِلْحَرَجِ فَإِنْ قِيلَ: مَعْنَى التَّطَهُّرِ مَعْلُومٌ لُغَةً، وَشَرْعًا إلَّا أَنَّهُ مُشْتَبِهٌ فِي حَقِّ دَاخِلِ الْفَمِ، وَالْأَنْفِ كَآيَةِ السَّرِقَةِ فِي الطَّرَّارِ، وَالنَّبَّاشِ فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْخَفِيِّ لَا الْمُشْكِلِ. قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ مَعْلُومٌ شَرْعًا قَبْلَ الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ، كَيْفَ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ بَاقٍ بَعْدُ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ مَعْنَى التَّطَهُّرِ غَسْلُ جَمِيعِ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إلَّا أَنَّ فِيهِ غُمُوضًا لَا يُعْلَمُ قَبْلَ الطَّلَبِ، وَالتَّأَمُّلُ أَنَّ جَمِيعَ ظَاهِرِ الْبَدَنِ هُوَ الْبَشَرَةُ وَالشَّعْرُ مَعَ دَاخِلِ الْفَمِ وَالْأَنْفِ أَوْ بِدُونِهِ (قَوْلُهُ أَوْ لِاسْتِعَارَةٍ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِغُمُوضٍ فِي الْمَعْنَى كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا - قَوَارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الإنسان: ١٥ - ١٦] ، أَيْ تَكَوَّنَتْ مِنْ فِضَّةٍ، وَهِيَ

стр. 242

بَيَاضُ الْفِضَّةِ (، وَالْمُجْمَلُ كَآيَةِ الرِّبَا) فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] مُجْمَلٌ؛ لِأَنَّ الرِّبَا فِي اللُّغَةِ هُوَ الْفَضْلُ، وَلَيْسَ كُلُّ فَضْلٍ حَرَامًا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الْمُرَادَ أَيُّ فَضْلٍ فَيَكُونُ مُجْمَلًا، ثُمَّ لَمَّا بَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ الرِّبَا فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ اُحْتِيجَ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الطَّلَبِ وَالتَّأَمُّلِ لِيُعْرَفَ عِلَّةُ الرِّبَا وَالْحُكْمُ فِي غَيْرِ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ (، وَالْمُتَشَابِهُ كَالْمُقَطَّعَاتِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ) ، وَالْيَدِ، وَالْوَجْهِ ــ [التلويح] مَعَ بَيَاضِ الْفِضَّةِ وَحُسْنِهَا فِي صَفَاءِ الْقَوَارِيرِ وَشَفِيفِهَا فَاسْتَعَارَ الْقَوَارِيرَ لِمَا يُشْبِهُهَا فِي الصَّفَاءِ، وَالشَّفِيفِ اسْتِعَارَةَ الْأَسَدِ لِلشُّجَاعِ، ثُمَّ جَعَلَهَا مِنْ الْفِضَّةِ مَعَ أَنَّ الْقَارُورَةَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الزُّجَاجِ فَجَاءَتْ اسْتِعَارَةً غَرِيبَةً بَدِيعَةً (قَوْلُهُ، وَالْمُجْمَلُ) وَهُوَ مَا خَفِيَ الْمُرَادُ مِنْهُ بِنَفْسِ اللَّفْظِ خَفَاءً لَا يُدْرَكُ إلَّا بِبَيَانٍ مِنْ الْمُجْمَلِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِتَزَاحُمِ الْمَعَانِي الْمُتَسَاوِيَةِ الْأَقْدَامِ كَالْمُشْتَرَكِ، أَوْ لِغَرَابَةِ اللَّفْظِ كَالْهَلُوعِ، أَوْ لِانْتِقَالِهِ مِنْ مَعْنَاهُ الظَّاهِرِ إلَى مَا هُوَ غَيْرُ مَعْلُومٍ كَالصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالرِّبَا. (قَوْلُهُ، وَالْمُتَشَابِهُ) وَهُوَ مَا خَفِيَ بِنَفْسِ اللَّفْظِ وَلَا يُرْجَى دَرْكُهُ أَصْلًا كَالْمُقَطَّعَاتِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ مِثْلُ ﴿الم﴾ [البقرة: ١] سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا أَسْمَاءٌ لِحُرُوفٍ يَجِبُ أَنْ يُقْطَعَ فِي التَّكَلُّمِ كُلٌّ مِنْهَا عَنْ الْآخَرِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَتَسْمِيَتُهَا بِالْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَاتِ مَجَازٌ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَاتِهَا حُرُوفٌ أَوْ لِأَنَّ الْحَرْفَ يُطْلَقُ عَلَى الْكَلِمَةِ (قَوْلُهُ، وَالْيَدِ، وَالْوَجْهِ، وَنَحْوِهِمَا) مِثْلِ الْعَيْنِ، وَالْقَدَمِ، وَالسَّمْعِ، وَالْبَصَرِ، وَالْمَجِيءِ، وَجَوَازِ الرُّؤْيَةِ بِالْعَيْنِ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمَّا دَلَّ النَّصُّ عَلَى ثُبُوتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى مَعَ الْقَطْعِ بِامْتِنَاعِ مَعَانِيهَا الظَّاهِرَةِ الْمُوَافِقَةِ لِمَا فِي الشَّاهِدِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِتَنَزُّهِهِ عَنْ الْجِسْمِيَّةِ، وَالْجِهَةِ، وَالْمَكَانِ فَهَذَا كُلُّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَشَابِهِ يُعْتَقَدُ حَقِّيَّتُهُ، وَلَا يُدْرَكُ كَيْفِيَّتُهُ، وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُ الْمُقَطَّعَاتِ أَسْمَاءَ السُّوَرِ، وَالْوَجْهَ مَجَازًا عَنْ الرِّضَا، وَالْيَدَ عَنْ الْقُدْرَةِ، أَوْ يَجْعَلُ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ فِيهِ الْوَجْهُ وَالْيَدُ وَنَحْوُهُمَا تَمْثِيلًا لَا يُعْتَبَرُ فِي مُفْرَدَاتِهِ تَشْبِيهًا فَلَا يَكُونُ مِنْ قَبِيلِ الْمُتَشَابِهَةِ، وَرُبَّمَا يَسْتَدِلُّ عَلَى ثُبُوتِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ لِلَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهَا صِفَاتٌ كَمَا فِي الشَّاهِدِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِهَا إلَّا أَنَّا قَاطِعُونَ بِامْتِنَاعِ الْجَارِحَةِ وَالْجِهَةِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَتَكُونُ الْكَيْفِيَّةُ مَجْهُولَةً لَا يُرْجَى دَرْكُهَا. وَالْجَوَابُ أَنَّ مَا هُوَ كَمَالٌ فِي الْمَخْلُوقِ رُبَّمَا يَكُونُ نُقْصَانًا فِي الْخَالِقِ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّسَتُّرَ عَمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لِلرُّؤْيَةِ وَالْكَرَامَةِ يَكُونُ مِنْ عَيْبٍ وَنُقْصَانٍ فِي الْمُتَسَتِّرِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَرْئِيًّا. فَيُجَابُ بِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِامْتِنَاعِ الرُّؤْيَةِ أَوْ لِغَايَةِ الْعَظَمَةِ كَمَا قِيلَ: وَلَا سَتْرَ إلَّا هَيْبَةٌ وَجَلَالٌ وَالْحَقُّ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلِيلِ الْقَاطِعِ ثُبُوتُ هَذِهِ الْأُمُورِ فَتَكُونُ حَقًّا إلَّا أَنَّهُ لَا يُرْجَى دَرْكُ الْكَيْفِيَّةِ فَتَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ، لَا يُقَالُ: الرُّؤْيَةُ لَا تَحْتَاجُ إلَى الْجِهَةِ وَالْمَسَافَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرَانَا فَلَا تَكُونُ مِنْ الْمُتَشَابِهِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ الْكَلَامُ فِي الرُّؤْيَةِ بِالْعَيْنِ، وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ. (قَوْلُهُ

стр. 243

وَنَحْوِهِمَا، وَحُكْمُ الْخَفِيِّ الطَّلَبُ، وَالْمُشْكِلِ الطَّلَبُ ثُمَّ التَّأَمُّلُ، وَالْمُجْمَلِ الِاسْتِفْسَارُ ثُمَّ الطَّلَبُ ثُمَّ التَّأَمُّلُ إنْ اُحْتِيجَ إلَيْهِمَا كَمَا فِي الرِّبَا، وَالْمُتَشَابِهِ التَّوَقُّفُ أَيْ حُكْمُ الْمُتَشَابِهِ التَّوَقُّفُ فَهَذَا مِنْ بَابِ الْعَطْفِ عَلَى مَعْمُولَيْ عَامِلَيْنِ، وَالْمَجْرُورُ مُقَدَّمٌ، نَحْوُ فِي الدَّارِ زَيْدٌ، وَالْحُجْرَةِ عَمْرٌو (وَعَلَى اعْتِقَادِ الْحَقِّيَّةِ عِنْدَنَا عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى ﴿إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ [آل عمران: ٧] فَبَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَرَأَ بِالْوَقْفِ عَلَى إلَّا اللَّهُ وَقْفًا لَازِمًا، وَالْبَعْضُ قَرَأَ بِلَا وَقْفٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ، وَالرَّاسِخُونَ غَيْرُ عَالِمِينَ بِالْمُتَشَابِهَاتِ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُلَمَائِنَا وَهَذَا أَلْيَقُ بِنَظْمِ الْقُرْآنِ حَيْثُ جَعَلَ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهَاتِ حَظَّ الزَّائِغِينَ، وَالْإِقْرَارَ بِحَقِيقَتِهِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ دَرْكِهِ حَظَّ الرَّاسِخِينَ، وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: ٧] أَيْ سَوَاءٌ عَلِمْنَا أَوْ لَمْ نَعْلَمْ، وَالْأَلْيَقُ بِهَذَا الْمَقَامِ أَنْ يَكُونَ قَوْله تَعَالَى ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] سُؤَالًا لِلْعِصْمَةِ عَنْ الزَّيْغِ السَّابِقِ ذِكْرُهُ الدَّاعِي إلَى اتِّبَاعِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّذِي يُوقِعُ صَاحِبَهُ فِي الْفِتْنَةِ وَالضَّلَالَةِ وَأَيْضًا عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ يَقُولُونَ آمَنَّا خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ــ [التلويح] ، وَحُكْمُ الْخَفِيِّ الطَّلَبُ) أَيْ الْفِكْرُ الْقَلِيلُ لِنَيْلِ الْمُرَادِ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى أَنَّ خَفَاءَهُ لِمَزِيَّةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَحُكْمُ الْمُشْكِلِ التَّأَمُّلُ، أَيْ التَّكَلُّفُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الْفِكْرِ لِيَتَمَيَّزَ الْمَعْنَى عَنْ إشْكَالِهِ إذْ الْخَفَاءُ فِي الْمُشْكِلِ أَكْثَرُ، وَحُكْمُ الْمُجْمَلِ الِاسْتِفْسَارُ، وَطَلَبُ الْبَيَانِ مِنْ الْمُجْمَلِ فَبَيَانُهُ قَدْ يَكُونُ شَافِيًا لِيَصِيرَ بِهِ الْمُجْمَلُ مُفَسَّرًا كَبَيَانِ الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ كَبَيَانِ الرِّبَا بِالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِي الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ الدُّنْيَا، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَبْوَابَ الرِّبَا فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ إلَى طَلَبِ ضَبْطِ الْأَوْصَافِ الصَّالِحَةِ لِلْعِلِّيَّةِ ثُمَّ تُأَمَّلُ لِتَعْيِينِ الْبَعْضِ، وَزِيَادَةِ صُلُوحِهِ لِذَلِكَ، وَحُكْمُ الْمُتَشَابِهِ التَّوَقُّفُ عَنْ طَلَبِ الْمُرَادِ مَعَ اعْتِقَادِ حَقِّيَّتِهِ بِنَاءً عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى، ﴿إِلا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧] الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ اللَّهِ، وَرَجَّحَهَا بِوَجْهَيْنِ عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى " الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ " الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُمْ أَيْضًا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ أَلْيَقُ بِالنَّظْمِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّ مِنْ الْقُرْآنِ مُتَشَابِهًا جَعَلَ النَّاظِرِينَ فِيهِ فِرْقَتَيْنِ، الزَّائِغِينَ عَنْ الطَّرِيقِ، وَالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، أَيْ الثَّابِتِينَ الْمُسْتَقِيمِينَ الَّذِينَ لَا يَتَهَيَّأُ اسْتِزْلَالُهُمْ وَتَشْكِيكُهُمْ فَجَعَلَ اتِّبَاعَ الْمُتَشَابِهِ حَظَّ الزَّائِغِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، وَجَعَلَ اعْتِقَادَ الْحَقِّيَّةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ الْإِدْرَاكِ حَظَّ الرَّاسِخِينَ بِقَوْلِهِ، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧] ، أَيْ نُصَدِّقُ بِحَقِّيَّتِهِ سَوَاءٌ عَلِمْنَاهُ أَوْ لَمْ نَعْلَمْهُ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى عَلَى الرَّاسِخِينَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ ذَلِكَ لَكَانَ الْأَلْيَقُ بِالنَّظْمِ أَنْ يُقَالَ: وَأَمَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ. الثَّانِي أَنَّهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ، أَيْ مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ

стр. 244

وَالْحَذْفُ خِلَافُ الْأَصْلِ (فَكَمَا اُبْتُلِيَ مَنْ لَهُ ضَرْبُ جَهْلٍ بِالْإِمْعَانِ فِي السَّيْرِ) أَيْ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْمُرَادُ بَذْلُ الْمَجْهُودِ وَالطَّاقَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ (اُبْتُلِيَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ بِالتَّوَقُّفِ) أَيْ عَنْ طَلَبِهِ، وَهَذَا جَوَابُ إشْكَالٍ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلَامَ لِلْإِفْهَامِ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لِلرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ حَظٌّ فِي الْعِلْمِ بِالْمُتَشَابِهَاتِ فَمَا الْفَائِدَةُ فِي إنْزَالِ الْمُتَشَابِهَاتِ فَنُجِيبُ أَنَّ الْفَائِدَةَ هِيَ الِابْتِلَاءُ فَكَمَا اُبْتُلِيَ الْجَاهِلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ اُبْتُلِيَ الرَّاسِخُ بِكَبْحِ عِنَانِ ذِهْنِهِ عَنْ التَّأَمُّلِ وَالطَّلَبِ، فَإِنَّ رِيَاضَةَ الْبَلِيدِ تَكُونُ بِالْعَدْوِ، وَرِيَاضَةَ الْجَوَادِ تَكُنْ بِكَبْحِ الْعِنَانِ وَالْمَنْعِ عَنْ السَّيْرِ (، وَهَذَا أَعْظَمُهَا بَلْوًى، وَأَعَمُّهَا جَدْوًى) أَيْ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الِابْتِلَاءِ أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ بَلْوًى، وَالنَّوْعَانِ مِنْ الِابْتِلَاءِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ ابْتِلَاءِ الْجَاهِلِ، وَالْعَالِمِ، وَإِنَّمَا كَانَ أَعْظَمَهُمَا بَلْوًى؛ لِأَنَّ هَذَا الِابْتِلَاءَ هُوَ أَنْ يُسَلِّمَ ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيُفَوِّضَهُ إلَيْهِ، وَيُلْقِيَ نَفْسَهُ فِي مَدْرَجَةِ الْعَجْزِ، وَالْهَوَانِ، وَيَتَلَاشَى عِلْمُهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ، وَلَا يَبْقَى لَهُ فِي بَحْرِ الْفَنَاءِ اسْمٌ، وَلَا رَسْمٌ ــ [التلويح] الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ بِهِ عَطْفًا لِلرَّاسِخَيْنِ عَلَى اللَّهِ وَتَرْكًا لِلْوَقْفِ عَلَى إلَّا اللَّهُ يَكُونُ يَقُولُونَ كَلَامًا مُبْتَدَأً مُوَضِّحًا لِحَالِ الرَّاسِخِينَ بِحَذْفِ الْمُبْتَدَأِ، أَيْ هُمْ يَقُولُونَ، وَالْحَذْفُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَهَكَذَا صَرَّحَ جَارُ اللَّهِ فِي الْكَشَّافِ، وَالْمُفَصَّلِ بِتَقْدِيرِ الْمُبْتَدَأِ فِي جَمِيعِ مَا هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْفِعْلِيَّةَ صَالِحَةٌ لِلِابْتِدَاءِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى اعْتِبَارِ حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ وَأَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَقُولُونَ حَالًا مِنْ الْمَعْطُوفِ فَقَطْ أَعْنِي الرَّاسِخُونَ لِعَدَمِ الِالْتِبَاسِ. (قَوْلُهُ فَكَمَا اُبْتُلِيَ) لَمَّا ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الرَّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهَةِ؛ لِأَنَّ الْخِطَابَ بِمَا لَا يُفْهَمُ، وَإِنْ جَازَ عَقْلًا فَهُوَ بَعِيدٌ جِدًّا، وَتَخْصِيصُ الْحَالِ أَعْنِي يَقُولُونَ بِالْمَعْطُوفِ مَعَ أَنَّ الْأَصْلَ اشْتِرَاكُهَا بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَهْوَنُ مِنْ الْخِطَابِ بِمَا لَا يُفِيدُ أَصْلًا، وَلَا تَنَاقُضَ فِي حَصْرِ الْحُكْمِ عَلَى مَعْطُوفٍ عَلَيْهِ وَمَعْطُوفٍ بِمَعْنَى انْفِرَادِهِمَا بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمَا مِثْلُ: مَا جَاءَنِي إلَّا زَيْدٌ وَعَمْرٌو، أَيْ لَا بَكْرٌ وَلَا خَالِدٌ، أَشَارَ إلَى الْجَوَابِ بِأَنَّ فَائِدَةَ الْخِطَابِ بِالْمُتَشَابِهِ هِيَ الِابْتِلَاءُ فَإِنَّ الرَّاسِخَ فِي الْعِلْمِ لَا يُمْكِنُ ابْتِلَاؤُهُ بِالْأَمْرِ بِطَلَبِ الْعِلْمِ كَمَنْ لَهُ ضَرْبٌ مِنْ الْجَهْلِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ غَايَةُ مُتَمَنَّاهُ فَكَيْفَ يُبْتَلَى بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: ضَرْبٌ مِنْ الْجَهْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ لِلْجَاهِلِ الَّذِي لَا يَعْلَمُ شَيْئًا، فَلِلرَّاسِخِ فِي الْعِلْمِ نَوْعٌ مِنْ الِابْتِلَاءِ، وَلِمَنْ لَهُ ضَرْبٌ مِنْ الْجَهْلِ نَوْعٌ آخَرُ، وَابْتِلَاءُ الرَّاسِخِ أَعْظَمُ النَّوْعَيْنِ بَلْوَى؛ لِأَنَّ الْبَلْوَى فِي تَرْكِ الْمَحْبُوبِ أَكْثَرُ مِنْ الْبَلْوَى فِي تَحْصِيلِ غَيْرِ الْمُرَادِ، وَأَعُمُّهَا جَدْوًى، أَيْ نَفْعًا؛ لِأَنَّهُ أَشَقُّ فَثَوَابُهُ أَكْثَرُ فَإِنْ قِيلَ: مَا مِنْ آيَةٍ إلَّا، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْ أَحَدٍ، وَهَذَا كَالْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ التَّوَقُّفِ فِي الْمُتَشَابِهِ أُجِيبَ بِأَنَّ التَّوَقُّفَ مَذْهَبُ السَّلَفِ إلَّا أَنَّهُ

стр. 245

وَهَذَا مُنْتَهَى إقْدَامِ الطَّالِبِينَ، وَقَدْ قِيلَ: الْعَجْزُ عَنْ دَرْكِ الْإِدْرَاكِ إدْرَاكٌ (مَسْأَلَةٌ قِيلَ: الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى نَقْلِ اللُّغَةِ، وَالنَّحْوِ، وَالصَّرْفِ، وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ، وَالْمَجَازِ، وَالْإِضْمَارِ، وَالنَّقْلِ) أَيْ يَكُونُ مَنْقُولًا مِنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ إلَى مَعْنًى آخَرَ، (وَالتَّخْصِيصِ وَالتَّقْدِيمِ) ــ [التلويح] لَمَّا ظَهَرَ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَتَمَسَّكُوا بِالْمُتَشَابِهِ فِي آرَائِهِمْ الْبَاطِلَةِ اضْطَرَّ الْخَلَفُ إلَى التَّكَلُّمِ فِي الْمُتَشَابِهِ إبْطَالًا لِأَقَاوِيلِهِمْ، وَبَيَانًا لِفَسَادِ تَأْوِيلِهِمْ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْقَرْنِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي حَتَّى نُقِلَ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهَاتِ عَنْ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَ الْمُتَشَابِهِ، وَأَنَا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ التَّوَقُّفَ إنَّمَا هُوَ عَنْ طَلَبِ الْعِلْمِ حَقِيقَةً لَا ظَاهِرًا، وَالْأَئِمَّةُ إنَّمَا تَكَلَّمُوا فِي تَأْوِيلِهِ ظَاهِرًا لَا حَقِيقَةً، وَبِهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُرْفَعَ نِزَاعُ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْحَقُّ أَنَّ هَذَا لَا يَخُصُّ الْمُتَشَابِهَ بَلْ أَكْثَرُ الْقُرْآنِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّهُ بَحْرٌ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ، وَلَا تَنْتَهِي غَرَائِبُهُ فَأَنَّى لِلْبَشَرِ الْغَوْصُ عَلَى لَآلِيهِ، وَالْإِحَاطَةُ بِكُنْهِ مَا فِيهِ، وَمِنْ هَاهُنَا قِيلَ: هُوَ مُعْجِزٌ بِحَسَبِ الْمَعْنَى، أَيْضًا [مَسْأَلَةٌ الدَّلِيلُ اللَّفْظِيُّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ] (قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ) تَرْجَمَةُ هَذَا الْبَحْثِ بِالْمَسْأَلَةِ لَيْسَتْ كَمَا يَنْبَغِي، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ اعْتِرَاضٌ عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ اللَّفْظَ يُفِيدُ الْقَطْعَ، وَجَوَابٌ عَنْهُ، تَقْرِيرُ الِاعْتِرَاضِ أَنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ مَبْنِيٌّ عَلَى أُمُورٍ ظَنِّيَّةٍ، وَالْمَبْنِيُّ عَلَى الظَّنِّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ، أَمَّا الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى أُمُورٍ وُجُودِيَّةٍ كَنَقْلِ اللُّغَةِ لِمَعْرِفَةِ مَعَانِي الْمُفْرَدَاتِ، وَالنَّحْوِ لِمَعْرِفَةِ مَعَانِي هَيْئَاتِ التَّرَاكِيبِ، وَالصَّرْفِ لِمَعْرِفَةِ مَعَانِي هَيْئَاتِ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَلَى أُمُورٍ عَدَمِيَّةٍ كَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ، وَالْمَجَازِ، وَنَحْوِهِمَا إذْ لَا دَلَالَةَ عَلَى تَعْيِينِ الْمَقْصُودِ مَعَ احْتِمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَالْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ كُلُّهَا ظَنِّيَّاتٌ أَمَّا الْوُجُودِيَّاتُ فَلِتَوَقُّفِ قَطْعِيَّتِهَا عَلَى عِصْمَةِ الرُّوَاةِ إنْ نُقِلَتْ بِطَرِيقِ الْآحَادِ، وَإِلَّا فَعَلَى التَّوَاتُرِ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ، وَأَمَّا الْعَدَمِيَّاتُ فَلِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَهُوَ إنَّمَا يُفِيدُ الظَّنَّ دُونَ الْقَطْعِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِابْتِنَاءِ عَدَمِ الْمَجَازِ أَوْ عَدَمِ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ أَنَّ بَعْضَ الدَّلَائِلِ اللَّفْظِيَّةِ غَيْرُ قَطْعِيَّةٍ فَلَا نِزَاعَ، وَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُ لَا شَيْءٍ مِنْهَا بِقَطْعِيٍّ فَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يُفِيدُهُ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأُمُورَ الْمَذْكُورَةَ ظَنِّيَّةٌ فِي كُلِّ دَلِيلٍ لَفْظِيٍّ، وَقَوْلُهُ أَمَّا فِي الْوُجُودِيَّاتِ فَلِعَدَمِ الْعِصْمَةِ وَعَدَمِ التَّوَاتُرِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّوَاتُرِ فِي الْكُلِّ فَإِنَّ مِنْهَا مَا هُوَ مُتَوَاتِرٌ لُغَةً كَمَعْنَى السَّمَاءِ، وَالْأَرْضِ، وَنَحْوًا كَقَاعِدَةِ رَفْعِ الْفَاعِلِ، وَصَرْفًا كَقَاعِدَةِ أَنَّ مِثْلَ ضَرَبَ: فِعْلٌ مَاضٍ فَيَجُوزُ أَنْ يُؤَلَّفَ مِنْهَا دَلِيلٌ لَفْظِيٌّ، وَقَوْلُهُ فِي الْعَدَمِيَّاتِ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ قُلْنَا مَمْنُوعٌ بَلْ مَبْنَاهَا عَلَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ، وَالْمَجَازَ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَتَوَقَّفُ الدَّلِيلُ عَلَى عَدَمِهَا كُلِّهَا خِلَافُ الْأَصْلِ، وَالْعَاقِلُ لَا يَسْتَعْمِلُ الْكَلَامَ فِي خِلَافِ الْأَصْلِ إلَّا عِنْدَ

стр. 246

وَقَدْ أَوْرَدُوا فِي مِثَالِهِ ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] تَقْدِيرُهُ، وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَسَرُّوا النَّجْوَى كَيْ لَا يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ (وَالتَّأْخِيرِ، وَالنَّاسِخِ، وَالْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ، وَهِيَ ظَنِّيَّةٌ أَمَّا الْوُجُودِيَّاتُ) ، وَهِيَ نَقْلُ اللُّغَةِ، وَالصَّرْفِ، وَالنَّحْوِ (فَلِعَدَمِ عِصْمَةِ الرُّوَاةِ، وَعَدَمِ التَّوَاتُرِ، وَأَمَّا الْعَدَمِيَّاتُ) ، وَهِيَ مِنْ قَوْلِهِ، وَعَدَمِ الِاشْتِرَاكِ إلَى آخِرِهِ (فَلِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى الِاسْتِقْرَاءِ، وَهَذَا بَاطِلٌ) أَيْ مَا قِيلَ: إنَّ الدَّلِيلَ اللَّفْظِيَّ لَا يُفِيدُ الْيَقِينَ (لِأَنَّ بَعْضَ اللُّغَاتِ، وَالنَّحْوِ، وَالتَّصْرِيفِ بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ) كَاللُّغَاتِ الْمَشْهُورَةِ غَايَةَ الشُّهْرَةِ، وَرَفْعِ الْفَاعِلِ، وَنَصْبِ الْمَفْعُولِ، وَأَنَّ ضَرَبَ، وَمَا عَلَى، وَزْنِهِ فِعْلٌ مَاضٍ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ. فَكُلُّ تَرْكِيبٍ مُؤَلَّفٍ مِنْ هَذِهِ الْمَشْهُورَاتِ قَطْعِيٌّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي قَطْعِيَّةَ جَمِيعِ النَّقْلِيَّاتِ، وَمَنْ ادَّعَى أَنْ لَا شَيْءَ ــ [التلويح] قَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَيْهِ، فَاللَّفْظُ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ خِلَافِ الْأَصْلِ يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهُ قَطْعًا، وَلَوْ سُلِّمَ عَدَمُ قَطْعِيَّةِ دَلَالَتِهِ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ قَرِينَةِ خِلَافِ الْأَصْلِ فَيَجُوزُ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَةٌ قَطْعِيَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُرَادُ بِهِ، وَحِينَئِذٍ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا لَزِمَ بُطْلَانُ فَائِدَةِ التَّخَاطُبِ إذْ لَا فَائِدَةَ إلَّا الْعِلْمُ بِمَعَانِي الْخِطَابَاتِ، وَلَوَازِمِهَا، وَبُطْلَانُ كَوْنِ الْمُتَوَاتِرِ قَطْعِيًّا؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ انْضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى تَحَقُّقِ مَعْنَاهُ قَطْعًا، وَهِيَ بُلُوغُ رُوَاتِهِ حَدًّا يَمْتَنِعُ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِثْلُ هَذَا الْكَلَامِ قَطْعِيُّ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ هُوَ الْمُرَادُ لَمْ يَكُنْ الْمُتَوَاتِرُ قَطْعِيًّا. (قَوْلُهُ، وَقَدْ أَوْرَدُوا فِي مِثَالِهِ) هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ يَصْلُحُ مَثَلًا لِمُجَرَّدِ التَّقْدِيمِ لَا لِلتَّقْدِيمِ الْقَادِحِ فِي قَطْعِيَّةِ الْمُرَادِ، وَتَوْسِيطُ هَذَا الْكَلَامِ بَيْنَ التَّقْدِيمِ، وَالتَّأْخِيرِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي؛ لِأَنَّهُمَا مَعًا شَرْطٌ وَاحِدٌ فَلَا يُتَصَوَّرُ افْتِرَاقُهُمَا. (قَوْلُهُ كَيْ لَا يَكُونَ مِنْ قَبِيلِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ) فَإِنْ قِيلَ: هُوَ بِاعْتِبَارِ التَّقْدِيمِ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ لِأَنَّ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ، أَيْضًا يَحْتَمِلُ التَّقْدِيمُ عَلَى أَنْ يُشَبِّهَ الْبَرَاغِيثَ فِي شِدَّةِ نِكَايَتِهَا بِالْعُقَلَاءِ فَيَسْتَعْمِلُ الْوَاوَ ضَمِيرَ جَمْعٍ لَهَا قُلْنَا الْمُرَادُ بِقَبِيلِ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ اللُّغَةُ الضَّعِيفَةُ الَّتِي يُؤْتَى فِيهَا بِالْوَاوِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْفَاعِلَ جَمْعٌ سَوَاءٌ كَانَ الْفَاعِلُ مِنْ الْعُقَلَاءِ أَوْ شَبِيهًا بِهِمْ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَالْآيَةُ بِاعْتِبَارِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ تَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ. (قَوْلُهُ، وَالْمُعَارِضِ) يُشْتَرَطُ عَدَمُ الْمُعَارِضِ الْعَقْلِيِّ؛ لِأَنَّ النَّقْلَ يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ بِخِلَافِ الْعَقْلِ، وَلِأَنَّهُ فَرْعُ الْعَقْلِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ فَلَا يَجُوزُ تَكْذِيبُ الْأَصْلِ لِتَصْدِيقِ الْفَرْعِ الْمُتَوَقِّفِ صِدْقُهُ عَلَى صِدْقِ الْأَصْلِ. (قَوْلُهُ وَمَنْ ادَّعَى) أَوْرَدَ بِطَرِيقِ الْمُعَارَضَةِ دَلِيلًا عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ لَا شَيْءَ مِنْ التَّرْكِيبَاتِ، أَيْ الْأَدِلَّةِ اللَّفْظِيَّةِ بِمُفِيدٍ لِلْقَطْعِ بِمَدْلُولِهِ: تَقْرِيرُهُ أَنَّ الْقَوْلَ بِذَلِكَ إنْكَارٌ لِلْقَطْعِ بِالْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالتَّوَاتُرِ كَوُجُودِ بَغْدَادَ مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَثْبُتُ بِالتَّرْكِيبِ الْخَبَرِيِّ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ إنْ كَانَ مَقْرُونًا بِمُغَالَطَةٍ وَدَلِيلٍ مُزَخْرَفٍ فَهُوَ سَفْسَطَةٌ، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ الْحِكْمَةُ الْمُمَوَّهَةُ اُسْتُعْمِلَتْ فِي إقَامَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى نَفْيِ مَا عُلِمَ تَحَقُّقُهُ بِالضَّرُورَةِ وَإِلَّا فَهُوَ

стр. 247

مِنْ التَّرْكِيبَاتِ بِمُفِيدٍ لِلْقَطْعِ بِمَدْلُولِهِ فَقَدْ أَنْكَرَ جَمِيعَ الْمُتَوَاتِرَاتِ كَوُجُودِ بَغْدَادَ فَمَا هُوَ إلَّا مَحْضُ السَّفْسَطَةِ وَالْعِنَادِ. (وَالْعُقَلَاءُ لَا يَسْتَعْمِلُونَ الْكَلَامَ فِي خِلَافِ الْأَصْلِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، وَأَيْضًا قَدْ نَعْلَمُ بِالْقَرَائِنِ الْقَطْعِيَّةِ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْمُرَادُ، وَإِلَّا تَبْطُلُ فَائِدَةُ التَّخَاطُبِ، وَقَطْعِيَّةُ الْمُتَوَاتِرِ أَصْلًا) ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَسْتَعْمِلُونَ الْعِلْمَ الْقَطْعِيَّ فِي مَعْنَيَيْنِ: أَحَدُهُمَا مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ أَصْلًا كَالْمُحْكَمِ وَالْمُتَوَاتِرِ، وَالثَّانِي مَا يَقْطَعُ الِاحْتِمَالَ النَّاشِئَ عَنْ الدَّلِيلِ كَالظَّاهِرِ، وَالنَّصِّ، وَالْخَبَرِ الْمَشْهُورِ مَثَلًا فَالْأَوَّلُ يُسَمُّونَهُ عِلْمَ الْيَقِينِ، وَالثَّانِي عِلْمَ الطُّمَأْنِينَةِ. التَّقْسِيمُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى فَهِيَ عَلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ جُزْئِهِ أَوْ لَازِمِهِ الْمُتَأَخِّرِ عِبَارَةٌ إنْ سِيقَ الْكَلَامُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إنْ لَمْ يُسَقْ الْكَلَامُ لَهُ، وَعَلَى لَازِمِهِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ اقْتِضَاءً، وَعَلَى الْحُكْمِ فِي شَيْءٍ يُوجَدُ فِيهِ مَعْنًى يُفْهَمُ لُغَةً (أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَنْطُوقِ لِأَجَلِهِ دَلَالَةٌ) اعْلَمْ أَنَّ ــ [التلويح] عِنَادٌ، أَيْ إنْكَارٌ لِلضَّرُورِيِّ، وَكِلَاهُمَا بَاطِلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ إنْكَارٌ لِلْمُتَوَاتِرَاتِ؛ لِأَنَّ كَوْنَ كُلِّ خَبَرٍ ظَنِّيًّا لَا يُنَافِي إفَادَةَ الْمَجْمُوعِ لِلْقَطْعِ بِوَاسِطَةِ انْضِمَامِ دَلِيلٍ عَقْلِيٍّ إلَيْهِ، وَهُوَ جَزْمُ الْعَقْلِ بِامْتِنَاعِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبِ. (قَوْلُهُ كَالْمُحْكَمِ) أَيْ كَالْعِلْمِ الْحَاصِلِ مِنْ الْمُحْكَمِ فَإِنَّهُ قَدْ انْضَمَّتْ إلَيْهِ قَرَائِنُ قَطْعِيَّةُ الدَّلَالَةِ عَلَى عَدَمِ إرَادَةِ خِلَافِ الْأَصْلِ [التَّقْسِيمُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى] (قَوْلُهُ التَّقْسِيمُ الرَّابِعُ فِي كَيْفِيَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى) وَقَدْ حَصَرُوهَا فِي عِبَارَةِ النَّصِّ، وَإِشَارَتِهِ، وَدَلَالَتِهِ، وَاقْتِضَائِهِ، وَوَجْهُ ضَبْطِهِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ أَنَّ الْحُكْمَ الْمُسْتَفَادَ مِنْ النَّظْمِ إمَّا أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِنَفْسِ النَّظْمِ أَوْ لَا، وَالْأَوَّلُ إنْ كَانَ النَّظْمُ مَسُوقًا لَهُ فَهُوَ الْعِبَارَةُ، وَإِلَّا فَهُوَ الْإِشَارَةُ، وَالثَّانِي إنْ كَانَ الْحُكْمُ مَفْهُومًا مِنْهُ لُغَةً فَهِيَ الدَّلَالَةُ أَوْ شَرْعًا فَهُوَ الِاقْتِضَاءُ، وَإِلَّا فَهُوَ التَّمَسُّكَاتُ الْفَاسِدَةُ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ النَّظْمُ إمَّا أَنْ يَكُونَ عَيْنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ جُزْأَهُ أَوْ لَازِمَهُ الْمُتَأَخِّرَ أَوْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ إمَّا أَنْ يَكُونَ سَوْقُ الْكَلَامِ لَهُ فَيُسَمَّى دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ عِبَارَةً أَوَّلًا فَإِشَارَةً، وَالثَّانِي فَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى؛ لَازِمًا " مُتَقَدِّمًا لِلْمَوْضُوعِ لَهُ فَالدَّلَالَةُ اقْتِضَاءٌ، وَإِلَّا فَإِنْ كَانَ يُوجَدُ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى عِلَّةٌ يَفْهَمُ كُلُّ مَنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ، أَيْ وَضْعُ ذَلِكَ اللَّفْظِ لِمَعْنَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَنْطُوقِ لِأَجْلِهَا فَدَلَالَةُ نَصٍّ، وَإِلَّا فَلَا دَلَالَةَ لَهُ أَصْلًا، وَالتَّمَسُّكُ بِمِثْلِهِ فَاسِدٌ فَالْأَقْسَامُ الْمَذْكُورَةُ صِفَةُ الدَّلَالَةِ، وَيَحْصُلُ بِاعْتِبَارِهَا تَقْسِيمُ النَّظْمِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَدُلَّ بِطَرِيقِ الْعِبَارَةِ أَوْ الْإِشَارَةِ أَوْ الِاقْتِضَاءِ أَوْ الدَّلَالَةِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ أَنَّ تَفْسِيرَ الدَّلَالَاتِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مَفْهُومٌ مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ، وَمَأْخُوذٌ مِنْ أَمْثِلَتِهِمْ، وَلَمَّا كَانَ كَلَامُ الْقَوْمِ أَنَّ الثَّابِتَ بِالْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ ثَابِتٌ بِنَفْسِ النَّظْمِ لَزِمَهُ بَيَانُ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَجُزْئِهِ، وَلَازِمِهِ الْمُتَأَخِّرِ ثَابِتٌ بِالنَّظْمِ فَبَيَّنَ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ الْقَوْمُ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] الْآيَةَ وقَوْله تَعَالَى

стр. 248

مَشَايِخَنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى لَمَّا قَسَّمُوا الدَّلَالَاتِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْبَعِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُمْ عَلَى الْحَصْرِ لِئَلَّا يَفْسُدَ تَقْسِيمُهُمْ فَأَقُولُ: الَّذِي فَهِمْت مِنْ كَلَامِهِمْ وَمِنْ الْأَمْثِلَةِ الَّتِي أَوْرَدُوهَا لِهَذِهِ الدَّلَالَاتِ أَنَّ عِبَارَةَ النَّصِّ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَعْنَى الْمَسُوقِ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى عَيْنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَوْ جُزْأَهُ أَوْ لَازِمَهُ الْمُتَأَخِّرَ، وَإِشَارَةُ النَّصِّ دَلَالَتُهُ عَلَى أَحَدِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَسُوقًا لَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالْعِبَارَةِ فِي اصْطِلَاحِهِمْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ وَيَكُونُ سَوْقُ الْكَلَامِ لَهُ، وَالْحُكْمَ الثَّابِتَ بِالْإِشَارَةِ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ وَلَا يَكُونَ سَوْقُ الْكَلَامِ لَهُ، وَمُرَادُهُمْ بِالنَّظْمِ اللَّفْظُ، وَقَدْ قَالُوا قَوْله تَعَالَى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] الْآيَةَ، سِيقَ لِإِيجَابِ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ وَهُوَ إيجَابُ سَهْمٍ مِنْ الْغَنِيمَةِ لَهُمْ هُوَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ، وَقَدْ جَعَلُوهُ عِبَارَةً فِيهِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ ــ [التلويح] ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] . ، وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الثَّابِتِ بِالْعِبَارَةِ وَالْإِشَارَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَجُزْؤُهُ، وَلَازِمُهُ الْمُتَأَخِّرُ، أَوْرَدَ أَمْثِلَةً أُخْرَى تَتْمِيمًا لِلْمَقْصُودِ، وَتَوْضِيحًا لَهُ، وَلَزِمَ تَكَرُّرُ بَعْضِ الْأَمْثِلَةِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْإِشَارَةَ تَسْتَلْزِمُ الْعِبَارَةَ، وَأَنَّ ثُبُوتَ الشَّيْءِ يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ أَجْزَائِهِ، وَلَوَازِمِهِ. ثُمَّ هَاهُنَا أَبْحَاثٌ: الْأَوَّلُ أَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ مَعْنَى السَّوْقِ لَهُ هَاهُنَا مَا ذَكَرَهُ فِي النَّصِّ الْمُقَابِلِ لِلظَّاهِرِ حَتَّى غَيْرَ أَنَّ الْمَسُوقِ لَهُ جَازَ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ الْمَوْضُوعِ لَهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] أَنَّهُ عِبَارَةٌ فِي اللَّازِمِ الْمُتَأَخِّرِ، وَهُوَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالرِّبَا إشَارَةً إلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَهُوَ حِلُّ الْبَيْعِ، وَحُرْمَةُ الرِّبَا وَإِلَى أَجْزَائِهِ كَحِلِّ بَيْعِ الْحَيَوَانِ مَثَلًا، وَحُرْمَةِ بَيْعِ النَّقْدَيْنِ مُتَفَاضِلَةً، وَإِلَى لَوَازِمِهِ كَانْتِقَالِ الْمِلْكِ وَوُجُوبِ التَّسْلِيمِ مَثَلًا فِي الْبَيْعِ وَحُرْمَةِ الِانْتِفَاعِ وَوُجُوبِ رَدِّ الزَّوَائِدِ فِي الرِّبَا، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْأُصُولِيِّينَ أَوْ مَعْنَى الْمَسُوقِ لَهُ هَاهُنَا مَا يَكُونُ مَقْصُودًا فِي الْجُمْلَةِ سَوَاءً كَانَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا كَالْعَدَدِ فِي آيَةِ النِّكَاحِ أَوْ غَيْرَ أَصْلِيٍّ بِأَنْ يُقْصَدَ بِاللَّفْظِ إفَادَةُ هَذَا الْمَعْنَى لَكِنْ لِغَرَضِ إتْمَامِ مَعْنًى آخَرَ كَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ فِيهَا، حَتَّى لَوْ انْفَرَدَ عَنْ الْقَرِينَةِ صَارَ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا بِخِلَافِ الْغَيْرِ الْمَسُوقِ لَهُ فَإِنَّهُ مَا يَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ الْمَعْنَى كَانْعِقَادِ بَيْعِ الْكَلْبِ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «إنَّ مِنْ السُّحْتِ ثَمَنَ الْكَلْبِ» صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْيُسْرِ حَيْثُ جَعَلَ حِلَّ الْبَيْعِ وَحُرْمَةَ الرِّبَا وَالتَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا كُلَّهَا ثَابِتَةً بِعِبَارَةِ النَّصِّ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] . الثَّانِي أَنَّ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ إذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنَ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَلَا جُزْأَهُ وَلَا لَازِمَهُ فَدَلَالَةُ النَّظْمِ عَلَيْهِ، وَثُبُوتُهُ بِهِ مَمْنُوعَةٌ لِلْقَطْعِ بِانْحِصَارِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ الَّتِي لِلْوَضْعِ مَدْخَلٌ فِيهَا فِي الثَّلَاثِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الثَّابِتِ بِدَلَالَةِ النَّصِّ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ، وَلِهَذَا اُشْتُرِطَ فِي فَهْمِهِ الْعِلْمُ بِالْوَضْعِ. الثَّالِثُ أَنَّ الثَّابِتَ بِدَلَالَةِ النَّصِّ كَثِيرًا

стр. 249

لَهُ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي، وَهُوَ زَوَالُ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ جُزْءَ الْمَوْضُوعِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ هُمْ الَّذِينَ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا فَكَوْنُهُمْ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا مِمَّا خَلَّفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ جُزْءٌ لِكَوْنِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا فَيَكُونُ جُزْءَ الْمَوْضُوعِ لَهُ، فَلَمَّا سَمِعُوا دَلَالَتَهُ عَلَى زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا إشَارَةً وَالْإِشَارَةُ ثَابِتَةٌ بِالنَّظْمِ فَيَكُونُ جُزْءُ الْمَوْضُوعِ لَهُ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ، وَأَمَّا أَنَّ اللَّازِمَ الْمُتَأَخِّرَ ثَابِتٌ بِالنَّظْمِ عِنْدَهُمْ فَلِأَنَّهُمْ قَالُوا: إنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] سِيقَ لِإِيجَابِ نَفَقَةِ الزَّوْجَاتِ عَلَى الزَّوْجِ الَّذِي وَلَدْنَ لِأَجْلِهِ، وَهُوَ الْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ فِيهِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْأَبَ مُنْفَرِدٌ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ إذْ لَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي هَذِهِ النِّسْبَةِ فَكَذَا فِي حُكْمِهَا وَهُوَ الْإِنْفَاقُ عَلَى الْوَلَدِ، وَهَذَا الْمَعْنَى لَازِمٌ خَارِجِيٌّ لِلْمَوْضُوعِ لَهُ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ، وَلَمَّا جَعَلُوهُ إشَارَةً إلَى هَذَا الْمَعْنَى جَعَلُوا اللَّازِمَ الْخَارِجِيَّ الْمُتَأَخِّرَ ثَابِتًا بِالنَّظْمِ، فَالْمِثَالُ الْأَوَّلُ عِبَارَةٌ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ إشَارَةٌ إلَى جُزْئِهِ، وَالْمِثَالُ الثَّانِي عِبَارَةٌ فِي الْمَوْضُوعِ لَهُ إشَارَةٌ إلَى لَازِمِهِ، وَهُوَ الِانْفِرَادُ بِنَفَقَةِ الْأَوْلَادِ، وَأَيْضًا إلَى جُزْئِهِ، وَهُوَ أَنَّ النَّسَبَ إلَى الْآبَاءِ إلَى آخِرِ مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَتْنِ. وَإِذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ ــ [التلويح] مَا يَكُونُ مَبْنِيًّا عَلَى عِلَّةٍ فِي مَعْنَى النَّظْمِ لَا يَفْهَمُ كَثِيرٌ مِنْ الْمَاهِرِينَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْمَنْطُوقِ لِأَجْلِهَا كَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي الصَّوْمِ، وَالْحَدِّ فِي اللِّوَاطَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى فَاشْتِرَاطُ فَهْمِ كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَعْرِفُ اللُّغَةَ أَنَّ الْحُكْمَ لِأَجْلِهَا مِمَّا لَا صِحَّةَ لَهُ أَصْلًا. الرَّابِعُ أَنَّ الْجَزْمَ بِأَنَّ الدَّلَالَةَ اللَّفْظِيَّةَ إنَّمَا اُعْتُبِرَتْ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ مَنْ هُوَ عَالِمٌ بِالْوَضْعِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَفْهَمْ الْبَعْضُ لَمْ تَتَحَقَّقْ الدَّلَالَةُ فَاسِدٌ؛ لِأَنَّ الثَّابِتَ بِإِشَارَةِ النَّصِّ قَدْ يَكُونُ غَامِضًا بِحَيْثُ لَا يَفْهَمُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَذْكِيَاءِ الْعَالِمِينَ بِالْوَضْعِ كَانْفِرَادِ الْأَبِ بِالْإِنْفَاقِ، وَاسْتِغْنَاءِ أَجْرِ الرَّضَاعِ عَنْ التَّقْدِيرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلِهَذَا خَفِيَ أَقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مَعَ سَمَاعِهِمْ النَّصَّ، وَعِلْمِهِمْ بِالْوَضْعِ، وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي دَلَالَةِ الِالْتِزَامِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْأُصُولِ، وَالْبَيَانِ مُطْلَقُ اللُّزُومِ عَقْلِيًّا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ بَيِّنًا كَانَ أَوْ غَيْرَ بَيِّنٍ، وَلِهَذَا يَجْرِي فِيهَا الْوُضُوحُ، وَالْخَفَاءُ، وَمَعْنَى الدَّلَالَةِ عِنْدَهُمْ فَهْمُ الْمَعْنَى مِنْ اللَّفْظِ إذَا أُطْلِقَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَالِمِ بِالْوَضْعِ، وَعِنْدَ الْمَنْطِقِيِّينَ مَتَى أُطْلِقَ، فَلِهَذَا اشْتَرَطُوا اللُّزُومَ الْبَيِّنَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْكُلِّ. (قَوْلُهُ، وَإِنَّمَا جَعَلُوا كَذَلِكَ) أَيْ إنَّمَا جَعَلُوا اللَّازِمَ الْمُتَأَخِّرَ ثَابِتًا بِنَفْسِ النَّظْمِ عِبَارَةً أَوْ إشَارَةً، وَاللَّازِمَ الْمُتَقَدِّمَ غَيْرَ ثَابِتٍ بِنَفْسِ النَّظْمِ بَلْ بِطَرِيقِ الِاقْتِضَاءِ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الْمَلْزُومِ إلَى اللَّازِمِ الْمُتَأَخِّرِ نِسْبَةُ الْعِلَّةِ إلَى الْمَعْلُولِ، وَنِسْبَتُهُ إلَى اللَّازِمِ الْمُتَقَدِّمِ نِسْبَةُ الْمَعْلُولِ إلَى الْعِلَّةِ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ أَوَّلًا فَيَصِحَّ الْكَلَامُ فَيَثْبُتَ الْمَلْزُومُ، وَدَلَالَةُ الْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ مُطَّرِدَةٌ بِمَعْنَى أَنَّ كُلَّ عِلَّةٍ تَدُلُّ عَلَى مَعْلُولِهَا كَالشَّمْسِ تَدُلُّ عَلَى الضَّوْءِ

стр. 250

لِزَوْجِهَا نَكَحْت عَلَيَّ امْرَأَةً فَطَلِّقْهَا فَقَالَ: إرْضَاءً لَهَا كُلُّ امْرَأَةٍ لِي فَطَالِقٌ طَلُقَتْ كُلُّهُنَّ قَضَاءً فَالْمَعْنَى الْمَوْضُوعُ لَهُ طَلَاقُ جَمِيعِ نِسَائِهِ، وَقَدْ سِيقَ الْكَلَامُ لِجُزْءِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَهُوَ طَلَاقُ بَعْضِهِنَّ أَيْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ فَيَكُونُ عِبَارَةً فِي جُزْءِ الْمَوْضُوعِ لَهُ وَإِشَارَةً إلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ وَهُوَ طَلَاقُ الْكُلِّ وَأَيْضًا إلَى الْجُزْءِ الْآخَرِ وَهُوَ طَلَاقُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَأَيْضًا إلَى لَازِمِ الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَهُوَ لَوَازِمُ الطَّلَاقِ كَوُجُوبِ الْمَهْرِ، وَالْعِدَّةِ، وَنَحْوِهِمَا وقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] سِيقَ اللَّازِمُ الْمُتَأَخِّرُ، وَهُوَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُمَا فَيَكُونُ عِبَارَةً فِيهِ، وَإِشَارَةً إلَى الْمَوْضُوعِ لَهُ، وَإِلَى أَجْزَائِهِ، وَإِلَى اللَّوَازِمِ الْأُخَرِ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا اللَّازِمَ بِالْمُتَأَخِّرِ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَّوْا دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى اللَّازِمِ الْمُتَقَدِّمِ اقْتِضَاءً، وَإِنَّمَا جَعَلُوا كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ الْمُتَأَخِّرِ كَالْعِلَّةِ عَلَى الْمَعْلُولِ أَقْوَى مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى اللَّازِمِ غَيْرِ الْمُتَأَخِّرِ كَالْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ فَإِنَّ الْأُولَى مُطَّرِدَةٌ دُونَ الثَّانِيَةِ إذْ لَا دَلَالَةَ لِلْمَعْلُولِ عَلَى الْعِلَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُولًا مُسَاوِيًا؛ وَلِأَنَّ النَّصَّ الْمُثْبِتَ لِلْعِلَّةِ مُثْبِتٌ لِلْمَعْلُولِ تَبَعًا لَهَا أَمَّا الْمُثْبِتُ لِلْمَعْلُولِ فَغَيْرُ مُثْبِتٍ لِعِلَّتِهِ الَّتِي ــ [التلويح] وَالنَّارِ عَلَى الدُّخَانِ بِخِلَافِ الْعَكْسِ إذْ الْمَعْلُولُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى عِلَّتِهِ بِشَرْطِ مُسَاوَاتِهِ لَهَا كَالدُّخَانِ عَلَى النَّارِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ أَعَمَّ كَالضَّوْءِ فَإِنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى الشَّمْسِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ حُصُولُهُ بِالنَّارِ أَوْ بِالْقَمَرِ، وَالْمُطَّرِدُ لِكُلِّيَّتِهِ أَقْوَى مِنْ غَيْرِ الْمُطَّرِدِ فَاعْتُبِرَ، وَجُعِلَ نَفْسُ النَّظْمِ الدَّالِّ عَلَى الْمَلْزُومِ دَالًّا عَلَى اللَّازِمِ الْمُتَأَخِّرِ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ غَيْرُ الْمُطَّرِدِ فَلَمْ يُجْعَلْ نَفْسُ النَّظْمِ الدَّالِّ عَلَى الْمَلْزُومِ دَالًّا عَلَى اللَّازِمِ الْمُتَقَدِّمِ. وَأَيْضًا مُثْبِتُ الْعِلَّةِ مُثْبِتٌ لِلْمَعْلُولِ لِكَوْنِهِ تَبَعًا، وَمُثْبِتُ الْمَعْلُولِ لَيْسَ بِمُثْبِتٍ لِلْعِلَّةِ لِكَوْنِهَا أَصْلًا بَلْ لِأَنَّ مُثْبِتَ الْمَعْلُولِ قَدْ يَكُونُ نَفْسَ الْعِلَّةِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: الْمَعْلُومُ كَاللَّازِمِ الْمُتَأَخِّرِ ثَابِتٌ بِعِبَارَةِ النَّصِّ الْمُثْبِتِ لِلْعِلَّةِ كَالْمَلْزُومِ، وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ: الْعِلَّةُ كَاللَّازِمِ الْمُتَقَدِّمِ ثَابِتٌ بِعِبَارَةِ النَّصِّ الْمُثْبِتِ لِلْمَعْلُولِ كَالْمَلْزُومِ. (قَوْلُهُ ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ لِذِي الْقُرْبَى، وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] الْآيَةَ، وَقِيلَ: هُوَ عَطْفٌ عَلَيْهِ بِتَرْكِ الْعَاطِفِ، وَحَقِيقَةُ الْفَقْرِ بِعَدَمِ الْمِلْكِ لَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِيَاجِ وَبُعْدِ الْيَدِ عَنْ الْمَالِ، وَلِهَذَا لَا يُسَمَّى ابْنُ السَّبِيلِ فَقِيرًا فَفِي إطْلَاقِ اسْمِ الْفُقَرَاءِ عَلَيْهِمْ مَعَ كَوْنِهِمْ ذَوِي دِيَارٍ وَأَمْوَالٍ بِمَكَّةَ إشَارَةٌ إلَى زَوَالِ مِلْكِهِمْ عَمَّا خَلَّفُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَأَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ بِالِاسْتِيلَاءِ بِشَرْطِ الْإِحْرَازِ فَإِنْ قِيلَ: هُوَ اسْتِعَارَةٌ شُبِّهُوا بِالْفُقَرَاءِ لِاحْتِيَاجِهِمْ وَانْقِطَاعِ أَطْمَاعِهِمْ عَنْ أَمْوَالِهِمْ بِالْكُلِّيَّةِ بِقَرِينَةِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا، وَالْمُرَادُ السَّبِيلُ الشَّرْعِيُّ لَا الْحِسِّيُّ، وَبِقَرِينَةِ إضَافَةِ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ، وَهِيَ تُفِيدُ الْمِلْكَ؟ . أُجِيبَ بِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحَقِيقَةُ، وَمَعْنَى الْآيَةِ نَفْيُ السَّبِيلِ عَنْ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى لَا يَمْلِكُونَهُمْ بِالِاسْتِيلَاءِ لَا عَنْ أَمْوَالِهِمْ، وَإِضَافَةُ الدِّيَارِ وَالْأَمْوَالِ إلَيْهِمْ مَجَازٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ؛ لِأَنَّ فِي حَمْلِهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَحَمْلِ الْفُقَرَاءِ عَلَى الْمَجَازِ مَصِيرًا إلَى الْخَلَفِ قَبْلَ تَعَذُّرِ الْأَصْلِ، وَهَاهُنَا بَحْثٌ، وَهُوَ
следующие страницы →