← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 9508

التلويح على التوضيح لمتن التنقيح

السعد التفتازاني

Полный текст (833 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

(فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا﴾ [النساء: ٢٥] الْآيَةَ يُوجِبُ عَدَمَ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَ طَوْلِ الْحُرَّةِ عِنْدَهُ، وَيَجُوزُ عِنْدَنَا) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥] عَلَّقَ جَوَازَ نِكَاحِ الْأَمَةِ بِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْقُدْرَةُ عَلَى نِكَاحِ الْحُرَّةِ ثَابِتَةً يَثْبُتُ عَدَمُ جَوَازِ نِكَاحِ الْأَمَةِ عِنْدَهُ فَيَصِيرُ مَفْهُومُ هَذِهِ الْآيَةِ مُخَصِّصًا عِنْدَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] ، وَعِنْدَنَا لَمَّا لَمْ يَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ لَا يَصْلُحُ مُخَصِّصًا، وَلَا نَاسِخًا لِتِلْكَ الْآيَةِ، فَيَثْبُتُ الْجَوَازُ بِتِلْكَ الْآيَةِ (وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى) أَيْ هَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى (أَنَّ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - اعْتَبَرَ الْمَشْرُوطَ بِدُونِ الشَّرْطِ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْحُكْمَ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ فَالتَّعْلِيقُ قَيَّدَهُ) أَيْ الْحُكْمَ (بِتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ، وَأَعْدَمَهُ) أَيْ الْحُكْمَ (عَلَى غَيْرِهِ فَيَكُونُ لَهُ) أَيْ لِلتَّعْلِيقِ (تَأْثِيرٌ فِي الْعَدَمِ) أَيْ عَدَمِ الْحُكْمِ (وَنَحْنُ نَعْتَبِرُهُ مَعَهُ) أَيْ نَعْتَبِرُ الْمَشْرُوطَ مَعَ الشَّرْطِ (فَإِنَّ الشَّرْطَ وَالْجَزَاءَ كَلَامٌ وَاحِدٌ أَوْجَبَ الْحُكْمَ عَلَى تَقْدِيرٍ، وَهُوَ سَاكِتٌ عَنْ غَيْرِهِ فَالْمَشْرُوطُ بِدُونِ الشَّرْطِ مِثْلُ أَنْتِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ) أَيْ ــ [التلويح] مَالِيَّةً بِأَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً أَوْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ أَوْ يَكْسُوَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحْنَثَ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ السَّبَبَ يَنْعَقِدُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَأَثَرُ الشَّرْطِ إنَّمَا هُوَ فِي تَأْخِيرِ الْحُكْمِ إلَى زَمَانِ وُجُودِهِ لَا فِي مَنْعِ السَّبَبِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ: هَذَا لَيْسَ مِنْ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ فِي شَيْءٍ بِالْمَعْنَى الَّذِي نَحْنُ فِيهِ قُلْنَا: لَمَّا قُرِّرَ هَذَا الْأَصْلُ فِي نَحْوِ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلَتْ الدَّارَ حَيْثُ كَانَ قَوْلُهُ أَنْتِ طَالِقٌ سَبَبًا، وَالدُّخُولُ شَرْطًا أَشَارَ إلَى أَنَّهُ جَازَ فِي السَّبَبِ وَالشَّرْطِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ وُجِدَ فِيهِ صُورَةُ التَّعْلِيقِ، وَأَدَوَاتُ الشَّرْطِ أَوْ لَا، فَإِنَّ الْحَلِفَ عِنْدَهُ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ بِدَلِيلِ إضَافَتِهَا إلَيْهِ، وَالْحِنْثُ شَرْطٌ لِتَوَقُّفِ وُجُوبِ أَدَائِهَا عَلَيْهِ إجْمَاعًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ فِي مَعْنَى مَنْ حَلَفَ فَلْيُكَفِّرْ إنْ حَنِثَ فَيَصِيرُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ. (قَوْلُهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ جَوَّزَ تَعْجِيلَ الْكَفَّارَةِ لَا بِقَوْلِهِ فَإِنَّ الْيَمِينَ سَبَبٌ. (قَوْلُهُ وَفِي الْبَدَنِيِّ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ) أَيْ نَفْسُ الْوُجُوبِ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ لَا يَثْبُتُ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ إجْمَاعًا، وَالْوُجُوبُ فِي الْبَدَنِيِّ: إمَّا عَيْنُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ أَوْ هُمَا مُتَلَازِمَانِ لَا انْفِكَاكَ بَيْنَهُمَا فَلَا يَثْبُتُ الْوُجُوبُ حَيْثُ لَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فَتَعْجِيلُهُ قَبْلَ الشَّرْطِ يَكُونُ تَعْجِيلًا قَبْلَ الْوُجُوبِ فَلَا يَصِحُّ كَمَا لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ قَبْلَ الْوَقْتِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحُلُولِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ قَدْ يَنْفَصِلُ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي صَلَاةِ النَّائِمِ وَالنَّاسِي فَإِنَّهَا وَاجِبَةٌ لِوُجُودِ السَّبَبِ، وَتَعَلُّقِ الْخِطَابِ، وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ الْأَدَاءِ بَلْ يَظْهَرُ الْأَثَرُ فِي حَقِّ الْقَضَاءِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْوَقْتِ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ، وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِنَفْسِ الْمَالِ

стр. 282

الْمَشْرُوطِ، وَهُوَ قَوْلُنَا أَنْتِ طَالِقٌ فِي قَوْلِنَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، إذَا أُخِذَ مُجَرَّدًا عَنْ الشَّرْطِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ فِي أَنْتِ طَالِقٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِكَلَامٍ بَلْ مَجْمُوعُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ كَلَامٌ وَاحِدٌ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ كَمَا زَعَمَ (فَعَلَى هَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّهُ اعْتَبَرَ الْمَشْرُوطَ بِدُونِ الشَّرْطِ، وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا الْمَشْرُوطَ مَعَ الشَّرْطِ (الْمُعَلَّقِ بِالشَّرْطِ) نَحْوُ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ انْعَقَدَ سَبَبًا عِنْدَهُ لَكِنَّ التَّعْلِيقَ أَخَّرَ الْحُكْمَ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ (عَلَى مَا ذَكَرْنَا) مِنْ أَنَّ الْمَشْرُوطَ بِدُونِ الشَّرْطِ مُوجِبٌ لِلْحُكْمِ عَلَى جَمِيعِ التَّقَادِيرِ، وَالتَّعْلِيقُ قَيَّدَ الْحُكْمِ بِتَقْدِيرٍ مُعَيَّنٍ، وَأَعْدَمَ الْحُكْمَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ التَّقَادِيرِ فَصَارَ أَنْتِ طَالِقٌ سَبَبًا لِلْحُكْمِ، وَيَكُونُ تَأْثِيرُ التَّعْلِيقِ فِي تَأْخِيرِ الْحُكْمِ لَا فِي مَنْعِ السَّبَبِيَّةِ (فَأَبْطَلَ تَعْلِيقَ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ انْعَقَدَ سَبَبًا عِنْدَهُ فَإِنَّ وُجُودَ الْمِلْكِ شَرْطٌ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ بِالِاتِّفَاقِ، وَالْمُعَلَّقُ انْعَقَدَ سَبَبًا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِذَا عُلِّقَ الطَّلَاقُ أَوْ الْعَتَاقُ بِالْمِلْكِ فَالْمِلْكُ غَيْرُ مَوْجُودٍ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ فَيَبْطُلُ التَّعْلِيقُ (وَجُوِّزَ تَعْجِيلُ النَّذْرِ الْمُعَلَّقِ) فَإِنَّ التَّعْجِيلَ بَعْدَ وُجُودِ السَّبَبِ قَبْلَ: وُجُوبُ الْأَدَاءِ صَحِيحٌ ــ [التلويح] فَلَا يُطَابِقُ أُصُولَهُمْ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ إلَّا بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بَلْ لَا مَعْنَى لَهُ إلَّا الْخِطَابُ الْمُتَعَلِّقُ بِفِعْلِ الْمُكَلَّفِ، وَلِهَذَا صَرَّحُوا فِي نَحْوِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وَ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْحَذْفِ بِقَرِينَةِ دَلَالَةِ الْعَقْلِ عَلَى أَنَّ الْأَحْكَامَ إنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْأَفْعَالِ دُونَ الْأَعْيَانِ، وَذَهَبَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، وَمِنْ تَابَعَهُمَا إلَى أَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ كَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ، وَمَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ خُرُوجُهَا أَنْ تَكُونَ مَحَلًّا لِلْفِعْلِ شَرْعًا كَمَا أَنَّ حُرْمَةَ الْفِعْلِ خُرُوجُهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ شَرْعًا فَلَا ضَرُورَةَ إلَى اعْتِبَارِ الْحَذْفِ أَوْ الْمَجَازِ، وَأَيْضًا مَعْنَى الْحُرْمَةِ الْمَنْعُ فَمَعْنَى حُرْمَةِ الْفِعْلِ أَنَّ الْعَبْدَ مُنِعَ عَنْ اكْتِسَابِهِ وَتَحْصِيلِهِ فَالْعَبْدُ مَمْنُوعٌ، وَالْفِعْلُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: لَا تَشْرَبْ هَذَا الْمَاءَ، وَهُوَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَمَعْنَى حُرْمَةِ الْعَيْنِ أَنَّهَا مُنِعَتْ عَنْ الْعَبْدِ تَصَرُّفًا فِيهَا فَالْعَيْنُ مَمْنُوعَةٌ وَالْعَبْدُ مَمْنُوعٌ عَنْهُ، وَذَلِكَ كَمَا إذَا صَبَّ الْمَاءَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ فَهَذَا أَوْكَدُ، وَأَبْلَغُ. وَذَكَرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ إنَّمَا أَنْكَرُوا حُرْمَةَ الْأَعْيَانِ لِئَلَّا يَلْزَمَهُمْ نِسْبَةُ خَلْقِ الْقَبِيحِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ قَبِيحٌ، وَالْأَقْرَبُ مَا ذَكَرَ فِي الْأَسْرَارِ أَنَّ الْحِلَّ أَوْ الْحُرْمَةَ إذَا كَانَ لِمَعْنًى فِي الْعَيْنِ أُضِيفَ إلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا سَبَبُهُ كَمَا يُقَالُ: جَرَى النَّهْرُ فَيُقَالُ حُرِّمَتْ الْمَيْتَةُ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهَا لِمَعْنًى فِيهَا، وَلَا يُقَالُ: حُرِّمَتْ شَاةُ الْغَيْرِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا لِاحْتِرَامِ الْمَالِكِ لَا لِمَعْنًى فِيهَا. (قَوْلُهُ، وَعِنْدَنَا لَا يَنْعَقِدُ) أَيْ الْمُعَلَّقُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ، وَلَهُمْ فِي بَيَانِ ذَلِكَ طَرِيقَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْمُعَلَّقَ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ جُزْءِ السَّبَبِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ الدُّخُولِ

стр. 283

بِالِاتِّفَاقِ كَتَعْجِيلِ الزَّكَاةِ قَبْلَ الْحُلُولِ إذَا وُجِدَ السَّبَبُ، وَهُوَ النِّصَابُ فَالنَّذْرُ الْمُعَلَّقُ انْعَقَدَ سَبَبًا عِنْدَهُ فَيَجُوزُ التَّعْجِيلُ (وَكَفَّارَةُ الْيَمِينِ إذَا كَانَتْ مَالِيَّةً) فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَوَّزَ تَعْجِيلَ الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ قَبْلَ الْحِنْثِ فَإِنَّ الْيَمِينَ سَبَبٌ لِلْكَفَّارَةِ عِنْدَهُ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَيَثْبُتُ نَفْسُ الْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ وُجُوبُ الْأَدَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ، وَهُوَ الْحِنْثُ (لِأَنَّ الْمَالِيَّ يَحْتَمِلُ الْفَصْلَ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ، وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الثَّمَنِ بِأَنْ يَثْبُتَ الْمَالُ فِي الذِّمَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ بِخِلَافِ الْبَدَنِيِّ) فَفِي الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ الْفَصْلُ بَيْنَ نَفْسِ الْوُجُوبِ وَوُجُوبِ الْأَدَاءِ ثَابِتٌ كَمَا فِي الثَّمَنِ فَإِنَّ نَفْسَ الْوُجُوبِ بِالشِّرَاءِ، وَوُجُوبَ الْأَدَاءِ بِالْمُطَالَبَةِ فَأَمَّا فِي الْبَدَنِيَّةِ فَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَفِي الْمَالِيِّ لَمَّا ثَبَتَ نَفْسُ الْوُجُوبِ بِنَاءً عَلَى السَّبَبِ أَفَادَ صِحَّةَ الْأَدَاءِ، وَفِي الْبَدَنِيِّ لَمَّا لَمْ يَثْبُتْ لَمْ يَصِحَّ الْأَدَاءُ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فَلَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَفِي فَصْلِ الْأَمْرِ يَأْتِي أَنَّ فِي الْعِبَادَةِ الْبَدَنِيَّةِ لَا يَنْفَكُّ نَفْسُ الْوُجُوبِ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ. (وَعِنْدَنَا لَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مَا يَكُونُ طَرِيقًا إلَى الْحُكْمِ، وَقَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ لَيْسَ كَذَلِكَ عَلَى مَا عَهِدْنَا مِنْ الْأَصْلِ) ، وَهُوَ أَنَّا نَعْتَبِرُ الْمَشْرُوطَ ــ [التلويح] بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ مِنْ أَنْتِ طَالِقٌ، وَجُزْءُ السَّبَبِ لَا يَكُونُ سَبَبًا الثَّانِي: أَنَّ التَّعْلِيقَ مَانِعٌ لِلْمُعَلَّقِ مِنْ الْوُصُولِ إلَى الْمَحَلِّ، وَالْأَسْبَابُ الشَّرْعِيَّةُ لَا تَصِيرُ أَسْبَابًا قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَحَلِّ؛ لِأَنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا يَكُونُ طَرِيقًا إلَى الشَّيْءِ وَمُفْضِيًا إلَيْهِ، فَكَمَا لَا يَكُونُ شَطْرُ الْبَيْعِ عِلَّةً لِلْبَيْعِ لِعَدَمِ التَّمَامِ كَذَلِكَ بَيْعُ الْحُرِّ لِعَدَمِ الْوُصُولِ إلَى الْمَحَلِّ، وَأُورِدَ عَلَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْإِضَافَةَ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَانِعَةً مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّعْلِيقَ يَمِينٌ، وَهِيَ لِتَحْقِيقِ الْبِرِّ فِيهِ إعْدَامُ مُوجَبِ الْمُعَلَّقِ لَا وُجُودُهُ فَلَا يَكُونُ الْمُعَلَّقُ مُفْضِيًا إلَى وُجُودِ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْإِضَافَةِ فَإِنَّهَا لِثُبُوتِ الْحُكْمِ بِالْإِيجَابِ فِي وَقْتِهِ لَا لِمَنْعِ الْحُكْمِ فَيَتَحَقَّقُ السَّبَبُ لِوُجُودِهِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ إذْ الزَّمَانُ مِنْ لَوَازِمِ الْوُقُوعِ، وَأُورِدَ عَلَى الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَصِلْ إلَى الْمَحَلِّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ كَمَا إذَا قَالَ لِلْأَجْنَبِيَّةِ: أَنْتِ طَالِقٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَرْجُوَّ الْوُصُولِ بِوُجُودِ الشَّرْطِ، وَانْحِلَالِ التَّعْلِيقِ جُعِلَ كَلَامًا صَحِيحًا لَهُ عَرْضِيَّةٌ أَنْ يَصِيرَ سَبَبًا كَشَطْرِ الْبَيْعِ حَتَّى لَوْ عُلِّقَ بِشَرْطٍ لَا يُرْجَى الْوُقُوفُ عَلَى وُجُودِهِ لَغَا مِثْلُ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ) يُشْكِلُ بِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهَا إلَّا بِزِيَادَةِ صَدَاقٍ، فَقَالَ إنْ تَزَوَّجْتُهَا فَهِيَ طَالِقٌ ثَلَاثًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَا طَلَاقَ قَبْلَ النِّكَاحِ» فَإِنَّ الْحَدِيثَ مُفَسَّرٌ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ نَسْخُهُ أَوْ عَدَمُ صِحَّتِهِ. (قَوْلُهُ، وَالسَّبَبُ لِلْكَفَّارَةِ هُوَ الْحِنْثُ عِنْدَنَا) لِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ

стр. 284

مَعَ الشَّرْطِ فَلَا يَكُونُ مُوجِبَا لِلْوُقُوعِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ الْجَزَاءَ بِمَنْزِلَةِ أَنْتِ فِي قَوْلِنَا أَنْتِ طَالِقٌ فَلَا يَنْعَقِدُ سَبَبًا لِلْحُكْمِ بَلْ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ (فَيَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ لِلْبِرِّ فَكَيْفَ تَكُونُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ بَلْ سَبَبُهَا الْحِنْثُ) ؟ لَمَّا لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا عِنْدَنَا اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي الْمَسَائِلِ الْمَذْكُورَةِ فَيَجُوزُ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ بِالْمِلْكِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ مُتَحَقِّقٌ عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ قَطْعًا، وَلَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ النَّذْرِ، وَالْكَفَّارَةِ عِنْدَنَا؛ لِأَنَّ التَّعْجِيلَ قَبْلَ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ بِالِاتِّفَاقِ، وَالسَّبَبُ إنَّمَا يَصِيرُ سَبَبًا عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ فِي بَابِ النَّذْرِ، وَالسَّبَبُ لِلْكَفَّارَةِ، هُوَ الْحِنْثُ عِنْدَنَا فَإِنَّ الْيَمِينَ لَمْ تَنْعَقِدْ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا انْعَقَدَتْ لِلْبِرِّ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى تَقْدِيرِ الْحِنْثِ فَلَا يَكُونُ الْيَمِينُ سَبَبًا لِلْكَفَّارَةِ بَلْ هِيَ شَرْطٌ لَهَا، وَالْحِنْثُ سَبَبٌ. (وَفَرْقُهُ بَيْنَ الْمَالِيِّ وَالْبَدَنِيِّ غَيْرُ صَحِيحٍ إذْ الْمَالُ غَيْرُ مَقْصُودٍ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى) ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْأَدَاءُ فَيَصِيرُ كَالْبَدَنِيَّةِ (وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ) أَيْ عَلَى مَذْهَبِنَا (بَيْنَ الشَّرْطِ، وَبَيْنَ الْأَجَلِ وَشَرْطِ الْخِيَارِ فَإِنَّ هَذَيْنِ دَخَلَا عَلَى الْحُكْمِ أَمَّا الْأَجَلُ فَظَاهِرٌ) فَإِنَّهُ دَاخِلٌ عَلَى ــ [التلويح] أَنَّ الْيَمِينَ انْعَقَدَتْ لِلْبِرِّ، وَوُضِعَتْ لِلْإِفْضَاءِ إلَيْهِ، وَالْكَفَّارَةُ إنَّمَا تَجِبُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْبِرِّ فَلَا يَكُونُ الْيَمِينُ مُفْضِيًا إلَيْهَا لِامْتِنَاعِ إفْضَاءِ الشَّيْءِ إلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، وَالثَّانِي أَنَّ السَّبَبَ يَجِبُ تَقَرُّرُهُ عِنْدَ وُجُودِ الْمُسَبَّبِ، وَالْيَمِينُ لَا يَبْقَى عِنْدَ وُجُودِ الْكَفَّارَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ الْحِنْثِ الَّذِي هُوَ نَقْضٌ لِلْيَمِينِ بَلْ السَّبَبُ هُوَ الْحِنْثُ لِكَوْنِهِ مُفْضِيًا إلَى الْكَفَّارَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ جِنَايَةٌ وَهَتْكٌ لَكِنَّهَا لَا تُوجَدُ بِدُونِ الْيَمِينِ فَيَكُونُ شَرْطًا، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: عَلَى الْأَوَّلِ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفْضِيَ الْيَمِينُ إلَى الْكَفَّارَةِ بِطَرِيقِ الِانْقِلَابِ وَالْخَلْفِيَّةِ عَنْ الْبِرِّ كَالصَّوْمِ وَالْإِحْرَامِ فَإِنَّهُمَا يَمْنَعَانِ عَنْ ارْتِكَابِ مَحْظُورَيْهِمَا وَبَعْدَ الِارْتِكَابِ يَصِيرَانِ سَبَبَيْنِ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ بِطَرِيقِ الِانْقِلَابِ؟ وَعَلَى الثَّانِي لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى الْخَلَفُ أَعْنِي الْكَفَّارَةَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْعِلَّةِ كَالْمَهْرِ يَبْقَى بَعْدَ انْقِطَاعِ النِّكَاحِ بِالطَّلَاقِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ عِلَّةٌ لِإِيجَابِ الْأَصْلِ لَا لِلْبَقَاءِ، وَالْخَلَفُ يَخْلُفُهُ فِي الْبَقَاءِ، وَفِي كَوْنِ سَبَبِ الْكَفَّارَةِ هُوَ الْإِحْرَامُ أَوْ الصَّوْمُ نَظَرٌ بَلْ السَّبَبُ هُوَ الْجِنَايَةُ عَلَيْهِمَا. (قَوْلُهُ، وَفَرْقُهُ) أَيْ فَرْقُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ الْحُقُوقِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ بِأَنَّهُ يَنْفَصِلُ فِي الْمَالِيَّةِ الْوُجُوبُ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فَيَنْعَقِدُ السَّبَبُ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ الْأَدَاءُ بِخِلَافِ الْبَدَنِيَّةِ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ الْوَاجِبَ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعِبَادِ هُوَ الْعِبَادَةُ، وَهُوَ فِعْلٌ يُبَاشِرُهُ الْعَبْدُ بِخِلَافِ هُوَ نَفْسُهُ ابْتِغَاءً لِمَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمَالُ لَا يَكُونُ مَقْصُودًا فِي ذَلِكَ بَلْ آلَةً يَتَأَدَّى بِهَا الْوَاجِبُ بِمَنْزِلَةِ مَنَافِعِ الْبَدَنِ فَتَصِيرُ الْحُقُوقُ الْمَالِيَّةُ كَالْبَدَنِيَّةِ فِي أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْوُجُوبِ هُوَ الْأَدَاءُ، وَأَنَّ تَعْلِيقَ وُجُوبِ الْأَدَاءِ بِالشَّرْطِ يَمْنَعُ تَمَامَ السَّبَبِيَّةِ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَإِنَّمَا

стр. 285

الثَّمَنِ لَا عَلَى الْبَيْعِ (وَأَمَّا خِيَارُ الشَّرْطِ فَلِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَحْتَمِلُ الْحَظْرَ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْخِيَارُ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَدُخُولُهُ عَلَى الْحُكْمِ دُونَ السَّبَبِ أَسْهَلُ مِنْ دُخُولِهِ عَلَيْهِمَا، وَأَمَّا الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ فَيَحْتَمِلَانِ الْحَظْرَ) أَيْ الشَّرْطَ، وَالْبَيْعُ لَا يَحْتَمِلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِالشَّرْطِ قِمَارًا فَشَرْطُ الْخِيَارِ شَرْطٌ مَعَ الْمُنَافِي فَإِنْ كَانَ دَاخِلًا عَلَى السَّبَبِ يَكُونُ دَاخِلًا عَلَى السَّبَبِ وَالْحُكْمِ مَعًا فَدُخُولُهُ عَلَى الْحُكْمِ فَقَطْ أَسْهَلُ مِنْ دُخُولِهِ عَلَيْهِمَا فَأَمَّا الطَّلَاقُ، وَالْعَتَاقُ فَيَحْتَمِلَانِ الشَّرْطَ، وَالْأَصْلُ أَنْ يَدْخُلَ التَّعْلِيقُ فِي السَّبَبِ كَيْ لَا يَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْ السَّبَبِ، وَلَا مَانِعَ مِنْ دُخُولِهِ عَلَى السَّبَبِ فَيَدْخُلُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ (الْبَابُ الثَّانِي فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ) أَيْ فِي إفَادَةِ اللَّفْظِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ كَالْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَنَحْوِهِمَا (اللَّفْظُ الْمُفِيدُ لَهُ) إمَّا خَبَرٌ إنْ احْتَمَلَ الصِّدْقَ، وَالْكَذِبَ (مِنْ حَيْثُ هُوَ) أَيْ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ الْعَوَارِضِ كَكَوْنِهِ خَبَرَ مُخْبِرٍ صَادِقٍ (أَوْ إنْشَاءٌ) إنْ لَمْ يَحْتَمِلْ (وَأَخْبَارُ الشَّارِعِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] (آكَدُ) أَيْ مِنْ الْإِنْشَاءِ (لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى الْوُجُودِ) اعْلَمْ أَنَّ إخْبَارَ الشَّارِعِ يُرَادُ بِهِ الْأَمْرُ مَجَازًا، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ الْأَمْرِ إلَى الْإِخْبَارِ؛ لِأَنَّ الْمُخْبَرَ بِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَخْبَارِ يَلْزَمُ كَذِبُ الشَّارِعِ، وَالْمَأْمُورُ بِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ فِي الْأَمْرِ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فَإِذَا أُرِيدَ الْمُبَالَغَةُ فِي وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ عُدِلَ إلَى لَفْظِ الْإِخْبَارِ مَجَازًا (وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ فَالْمُعْتَبَرُ مِنْ أَقْسَامِهِ هَاهُنَا الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ، فَالْأَمْرُ، قَوْلُ الْقَائِلِ ــ [التلويح] جَازَتْ النِّيَابَةُ فِي الْمَالِيَّةِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ، وَمُخَالَفَةُ هَوَى النَّفْسِ بِخِلَافِهِ فِي الْبَدَنِيَّةِ، وَسَيَجِيءُ فِي بَابِ الْأَمْرِ أَنَّ الْوُجُوبَ يَنْفَصِلُ عَنْ وُجُوبِ الْأَدَاءِ فِي الْبَدَنِيَّةِ، وَإِنَّمَا قَالَ: فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَالَ هُوَ الْمَقْصُودُ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ إذْ بِهِ يَنْتَفِعُ الْإِنْسَانُ، وَيَنْدَفِعُ الْخُسْرَانُ. (قَوْلُهُ وَتَبَيَّنَ الْفَرْقُ) لَمَّا جَعَلَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ بِمَنْزِلَةِ التَّأْجِيلِ، وَشَرْطَ الْخِيَارِ فِي أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ السَّبَبَ عَنْ (الِانْعِقَادِ) وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ الْحُكْمَ فَقَطْ أَشَارَ إلَى الْفَرْقِ بِأَنَّ التَّأْجِيلَ إنَّمَا دَخَلَ عَلَى الثَّمَنِ فَيُفِيدُ تَأْخِيرَ لُزُومِ الْمُطَالَبَةِ، وَلَا مَعْنَى لِمَنْعِهِ السَّبَبَ عَنْ الِانْعِقَادِ وَالْمِلْكَ عَنْ الثُّبُوتِ إذْ لَا جِهَةَ لِتَأْثِيرِ الشَّيْءِ فِيمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ، وَشَرْطُ الْخِيَارِ دَخَلَ فِي الْحُكْمِ فَقَطْ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ لِضَرُورَةِ دَفْعِ الْغَبْنِ، وَالضَّرُورَةُ تَنْدَفِعُ بِدُخُولِهِ فِي مُجَرَّدِ الْحُكْمِ بِأَنْ يَنْعَقِدَ السَّبَبُ وَيَتَأَخَّرَ الْحُكْمُ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِذَلِكَ حَيْثُ يُمْكِنُ لِصَاحِبِ الْخِيَارِ فَسْخُ الْبَيْعِ بِدُونِ رِضَا صَاحِبِهِ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي السَّبَبِ؛ لِأَنَّ دُخُولَهُ عَلَى السَّبَبِ دُخُولٌ عَلَى الْحُكْمِ وَتَأْخِيرٌ لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُسَبِّبِ ثَابِتٌ بِهِ، وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعَتَاقُ فَهُمَا مِنْ الْإِسْقَاطَاتِ دُونَ الْإِثْبَاتَاتِ فَيَحْتَمِلَانِ الشَّرْطَ فَيُعْمَلُ بِالْأَصْلِ، وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَ التَّعْلِيقُ عَلَى السَّبَبِ لِئَلَّا يَلْزَمَ تَأْخِيرُ الْحُكْمِ عَنْ سَبَبِهِ، وَأَنْ يُحْمَلَ الشَّيْءُ عَلَى كَمَالِهِ، وَكَمَالُ التَّعْلِيقِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى السَّبَبِ إذْ لَا ضَرُورَةَ هُنَا فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى مُجَرَّدِ الْحُكْمِ وَحَمْلِ

стр. 286

اسْتِعْلَاءً افْعَلْ، وَالنَّهْيُ قَوْلُهُ اسْتِعْلَاءً لَا تَفْعَلْ، وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي هَذَا الْقَوْلِ اتِّفَاقًا مَجَازٌ عَنْ الْفِعْلِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَعِنْدَ الْبَعْضِ حَقِيقَةٌ، فَمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ (لِلْإِيجَابِ يَدُلُّ عَلَى إيجَابِ فِعْلِ الرَّسُولِ ﷺ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ أَمْرٌ حَقِيقَةً، وَكُلُّ أَمْرٍ لِلْإِيجَابِ احْتَجُّوا عَلَى الْأَصْلِ) ــ [التلويح] التَّعْلِيقِ عَلَى النَّاقِصِ مِنْهُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ الْحَظْرَ أَيْ الشَّرْطَ لِكَوْنِهِ مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ فَيَصِيرُ بِالشَّرْطِ قِمَارًا وَهُوَ حَرَامٌ مَحْضٌ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الْإِعْتَاقُ أَيْضًا مِنْ الْإِثْبَاتَاتِ دُونَ الْإِسْقَاطَاتِ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُ أَنَّهُ إثْبَاتُ الْقُوَّةِ الْحُكْمِيَّةِ لَا أَنَّهُ إزَالَةُ الرِّقِّ [الْبَابُ الثَّانِي فِي إفَادَةِ اللَّفْظِ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ] [الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةُ لِلْأَمْرِ] (قَوْلُهُ الْبَابُ الثَّانِي) أَيْ الثَّانِي مِنْ الْبَابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَوْرَدَ فِيهِمَا أَبْحَاثَ الْكِتَابِ فِي الْمَبَاحِثِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِإِفَادَةِ اللَّفْظِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ الْوُجُوبِ وَالْحُرْمَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَذَلِكَ مَبَاحِثُ الْأَمْرِ، وَالنَّهْيِ. (قَوْلُهُ اللَّفْظُ الْمُفِيدُ لَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إلَّا أَنَّ الْخَبَرَ وَالْإِنْشَاءَ مِنْ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِمُطْلَقِ الْحُكْمِ قَيَّدَ اللَّفْظَ بِالْمُفِيدِ لِيَخْرُجَ الْمُفْرَدُ عَنْ مَوْرِدِ الْقِسْمَةِ فَلَا يَنْتَقِضُ حَدُّ الْإِنْشَاءِ بِهِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ وَالْكَذِبَ، وَقَيَّدَ الِاحْتِمَالَ بِكَوْنِهِ بِالنَّظَرِ إلَى نَفْسِ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ؛ لِأَنَّهُ بِالنَّظَرِ إلَى الْعَوَارِضِ قَدْ لَا يَحْتَمِلُ الْكَذِبَ كَخَبَرِ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَا لَا يَحْتَمِلُ الصِّدْقَ بِاعْتِبَارِ الْعَارِضِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ: السَّمَاءُ تَحْتَنَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَهَذَا غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِيهِ فَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ احْتِمَالُ أَحَدِهِمَا، وَمَعْنَى احْتِمَالِهِ لَهُمَا إمْكَانُ اتِّصَافِهِ بِهِمَا فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَمَا يُوصَفُ بِهِ الْقَائِلُ يُوصَفُ بِهِ الْقَوْلُ، لَا يُقَالُ: الصِّدْقُ مُطَابَقَةُ نِسْبَةِ الْخَبَرِ لِلْوَاقِعِ، وَالْكَذِبُ عَدَمُهَا فَتَعْرِيفُ الْخَبَرِ بِهِمَا دَوْرٌ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: هَذَا تَقْسِيمٌ بِاعْتِبَارِ اللَّازِمِ الْمَشْهُورِ لَا تَعْرِيفٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمَاهِيَّةُ الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ وَاضِحَةٌ عِنْدَ الْعَقْلِ، وَالْمَقْصُودُ تَفْسِيرُ لَفْظِ الْخَبَرِ، وَتَعْرِيفُ الْخَبَرِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَدْلُولُ لَفْظِ الْخَبَرِ لَا مِنْ حَيْثُ الْمَاهِيَّةِ، وَالْمَأْخُوذُ فِي تَعْرِيفِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ نَفْسُ مَاهِيَّةِ الْخَبَرِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَدْلُولُ هَذَا اللَّفْظِ فَلَا دَوْرَ. (قَوْلُهُ، وَإِخْبَارُ الشَّارِعِ) لَمَّا كَانَ مَدْلُولُ الْخَبَرِ هُوَ الْحُكْمَ بِثُبُوتِ مَفْهُومٍ لِمَفْهُومٍ أَوْ نَفْيِهِ عَنْهُ فَالْمَحْكُومُ بِهِ فِي خَبَرِ الشَّارِعِ إنْ كَانَ هُوَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيُّ مِثْلَ ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] فَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْعَلَ مَجَازًا عَنْ الْإِنْشَاءِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَوَجْهُ إفَادَتِهِ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَنْ يُجْعَلَ الْإِثْبَاتُ مَجَازًا عَنْ الْأَمْرِ، وَالنَّفْيُ مَجَازًا عَنْ النَّهْيِ فَيُفِيدُ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ بِأَبْلَغِ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ إذَا حُكِمَ بِثُبُوتِ الشَّيْءِ أَوْ نَفْيِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لَزِمَ كَذِبُ الشَّارِعِ، وَهُوَ مُحَالٌ بِخِلَافِ الْأَمْرِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ كَذِبُ الشَّارِعِ. فَإِنْ قُلْت هَذَا إنَّمَا يُتَصَوَّرُ إذَا كَانَ الْخَبَرُ عَلَى حَقِيقَتِهِ، وَأَمَّا إذَا جُعِلَ مَجَازًا عَنْ الْأَمْرِ فَمِنْ أَيْنَ يُتَصَوَّرُ الْكَذِبُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ قُلْت نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ صُورَةِ

стр. 287

وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي الْفِعْلِ (بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] أَيْ فِعْلُهُ (وَعَلَى الْفَرْعِ) ، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَهُ ﵇ لِلْإِيجَابِ (بِقَوْلِهِ ﵇ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» قُلْنَا لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِرَاكَ خِلَافُ الْأَصْلِ؛ وَلِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ وَلَمْ يَقُلْ افْعَلْ يَصِحُّ نَفْيُهُ) أَيْ نَفْيُ الْأَمْرِ أَيْ يَصِحُّ لُغَةً، وَعُرْفًا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ، وَمِنْ هَذَا الدَّلِيلِ ظَهَرَ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي ــ [التلويح] الْخَبَرِ فَإِنْ قُلْت فَفِي مِثْلِ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ مَجَازٌ عَنْ الْأَمْرِ هُوَ مَجْمُوعُ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ أَمْ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ وَحْدَهُ قُلْت مَيْلُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ إلَى الثَّانِي، وَأَنَّ الْمَعْنَى، وَالْوَالِدَاتُ لِيُرْضِعْنَ، وَبَعْضُهُمْ يَمِيلُونَ إلَى الْأَوَّلِ زَعْمًا مِنْهُمْ أَنَّ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ لَا يَكُونُ جُمْلَةً إنْشَائِيَّةً، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ التَّلْخِيصِ. (قَوْلُهُ، وَأَمَّا الْإِنْشَاءُ) فَهُوَ إمَّا طَلَبِيٌّ أَوْ غَيْرُ طَلَبِيٍّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ، وَالْمُعْتَبَرُ مِنْهُمَا فِي بَحْثِ إفَادَةِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ إذْ بِهِمَا يَثْبُتُ أَكْثَرُ الْأَحْكَامِ وَعَلَيْهِمَا مَدَارُ الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا صُدِّرَ بَعْضُ كُتُبِ الْأُصُولِ بِبَابِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ قَالَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَحَقُّ مَا يُبْتَدَأُ بِهِ فِي الْبَيَانِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ؛ لِأَنَّ مُعْظَمَ الِابْتِلَاءِ بِهِمَا، وَبِمُعْرِفَتِهِمَا يَتِمُّ مَعْرِفَةُ الْأَحْكَامِ، وَيَتَمَيَّزُ الْحَلَالُ وَالْحَرَامُ، وَإِنَّمَا قَالَ: هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي عِلْمِ الْمَعَانِي هُوَ الِاسْتِفْهَامُ لِكَثْرَةِ مَبَاحِثِهِ. (قَوْلُهُ فَالْأَمْرُ قَوْلُ الْقَائِلِ اسْتِعْلَاءً) أَيْ عَلَى سَبِيلِ طَلَبِ الْعُلُوِّ وَعَدِّ نَفْسَهُ عَالِيًا افْعَلْ، وَاحْتَرَزَ بِقَيْدِ الِاسْتِعْلَاءِ عَنْ الدُّعَاءِ، وَالِالْتِمَاسِ مِمَّا هُوَ بِطَرِيقِ الْخُضُوعِ أَوْ التَّسَاوِي، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْعُلُوَّ لِيَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى افْعَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ وَلِهَذَا يُنْسَبُ إلَى سُوءِ الْأَدَبِ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ مَاذَا تَأْمُرُونَ مَجَازًا، أَيْ تُشِيرُونَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ افْعَلْ مَا يَكُونُ مُشْتَقًّا مِنْ مَصْدَرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ اشْتِقَاقِ افْعَلْ مِنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِ صِيغَةِ افْعَلْ صَادِرَةً عَنْ الْقَائِلِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَعَلَى التَّكَلُّمِ بِالصِّيغَةِ وَطَلَبِ الْفِعْلِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ الْأَمْرُ اقْتِضَاءُ فِعْلٍ غَيْرِ كَفٍّ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ غَيْرِ كَفٍّ عَنْ النَّهْيِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ نَحْوُ اُكْفُفْ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُرَادَ غَيْرُ كَفٍّ عَنْ الْفِعْلِ الَّذِي اُشْتُقَّتْ مِنْهُ صِيغَةُ الِاقْتِضَاءِ، وَبِاعْتِبَارِ الثَّانِي، وَهُوَ كَوْنُ الْأَمْرِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ يُشْتَقُّ مِنْهُ الْفِعْلُ وَغَيْرُهُ مِثْلُ أَمَرَ يَأْمُرُ، وَالْآمِرُ وَالْمَأْمُورُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَا الْقَوْلُ يُطْلَقُ بِمَعْنَى الْمَقُولِ، وَبِمَعْنَى الْمَصْدَرِ فَالتَّعْرِيفُ الْمَذْكُورُ يُمْكِنُ تَطْبِيقُهُ عَلَى الِاعْتِبَارَيْنِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَنْسَبُ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ، وَالنَّهْيَ مِنْ أَقْسَامِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِنْشَاءُ قِسْمًا مِنْ اللَّفْظِ الْمُفِيدِ لَكِنْ يَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ اصْطِلَاحُ الْعَرَبِيَّةِ فَالتَّعْرِيفُ غَيْرُ جَامِعٍ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ عِنْدَهُمْ أَمْرٌ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى طَرِيقَ الِاسْتِعْلَاءِ أَوْ غَيْرِهِ، وَإِنْ أُرِيدَ اصْطِلَاحُ الْأُصُولِ فَغَيْرُ مَانِعٍ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ افْعَلْ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعْلَاءِ قَدْ يَكُونُ لِلتَّهْدِيدِ وَالتَّعْجِيزِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَيْسَتْ بِأَمْرٍ، لَا يُقَالُ: الْمُرَادُ

стр. 288

هُوَ مَصْدَرٌ لَيْسَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ لَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا الدَّلِيلِ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ اسْمٌ لَيْسَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ. (، وَتَسْمِيَتُهُ أَمْرًا مَجَازٌ إذْ الْفِعْلُ يَجِبُ بِهِ) قَوْلُهُ إذْ الْفِعْلُ إلَخْ بَيَانٌ لِعَلَاقَةِ الْمَجَازِ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالْفِعْلِ (سَلَّمْنَا أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ) أَيْ فِي الْفِعْلِ (لَكِنَّ الدَّلَائِلَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ لِلْإِيجَابِ لَا الْفِعْلِ) أَيْ الدَّلَائِلُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْقَوْلِيَّ لِلْإِيجَابِ لَا الْفِعْلِ ــ [التلويح] صِيغَةُ افْعَلْ مُرَادًا بِهَا مَا يَتَبَادَرُ مِنْهَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَيْدُ الِاسْتِعْلَاءِ مُسْتَدْرَكًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فَإِنْ قِيلَ: وَيَرِدُ عَلَى عَكْسِ التَّعْرِيفِ قَوْلُ الْأَدْنَى لِلْأَعْلَى افْعَلْ تَبْلِيغًا أَوْ حِكَايَةً عَنْ الْآمِر الْمُسْتَعْلِي فَإِنَّهُ أَمْرٌ، وَلَيْسَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ مِنْ الْقَائِل؟ قُلْنَا: مِثْلُهُ لَا يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ مَقُولُ هَذَا الْقَائِلِ الْأَدْنَى بَلْ مَقُولُ الْمُبَلَّغِ عَنْهُ، وَفِيهِ اسْتِعْلَاءٌ مِنْ جِهَتِهِ. (قَوْلُهُ، وَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ) أَعَادَ صَرِيحَ اللَّفْظِ دُونَ الْكِنَايَةِ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ الِاسْمَ دُونَ الْمُسَمَّى كَمَا يُقَالُ: الْأَسَدُ حَقِيقَةٌ فِي السَّبُعِ مَجَازٌ فِي غَيْرِهِ، يَعْنِي أَنَّ أَمَرَ حَقِيقَةٌ فِي صِيغَةِ افْعَلْ اسْتِعْلَاءً بِالِاتِّفَاقِ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ مَجَازًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَحَقِيقَةً عِنْدَ الْبَعْضِ حَتَّى يَكُونَ مُشْتَرَكًا فَقَدْ ذَهَبَ أَبُو الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيُّ إلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ وَالشَّيْءِ وَالْفِعْلِ، وَالصِّفَةِ وَالشَّأْنِ لِتَبَادُرِ الذِّهْنِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ إلَى هَذِهِ الْأُمُورِ، وَرُدَّ بِالْمَنْعِ بَلْ يَتَبَادَرُ إلَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ، وَقِيلَ: هُوَ حَقِيقَةٌ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ أَعْنِي مَفْهُومَ أَحَدِهِمَا دَفْعًا لِلْمَجَازِ وَالِاشْتِرَاكِ، وَهُوَ قَوْلٌ حَادِثٌ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ، أَيْضًا فَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى الْإِيجَابِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ أَمْرٌ وَكُلُّ أَمْرٍ لِلْإِيجَابِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِعُمُومِ الْمُشْتَرَكِ لِيَكُونَ قَوْلُنَا كُلُّ أَمْرٍ شَامِلًا لِلْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَالْقَوْلُ بِكَوْنِ فِعْلِهِ ﵇ لِلْإِيجَابِ فَرْعٌ عَلَى كَوْنِهِ أَمْرًا فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا نُقِلَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلٌ فَإِنْ كَانَ سَهْوًا أَوْ طَبْعًا أَوْ خَاصًّا بِهِ فَلَا يُجَابُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ بَيَانًا لِمُجْمَلِ الْكِتَابِ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ حَقِيقَةً أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِكَذَا، وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْبَعْضُ نَعَمْ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ لَا، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَلِلْمُخَالِفِينَ مَقَامَانِ: أَحَدُهُمَا الْأَصْلُ، وَهُوَ أَنَّ الْفِعْلَ أَمْرٌ، وَالثَّانِي مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلْإِيجَابِ فَاحْتَجُّوا عَلَى الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ، أَيْ فِعْلُهُ؛ لِأَنَّهُ الْمَوْصُوفُ بِالرَّشِيدِ، وَكَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨] ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٢] ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣] ، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ، وَاحْتَجُّوا عَنْ الْفَرْعِ بِقَوْلِهِ ﵇ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» قَالَهُ حِينَ شُغِلَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ فَقَضَاهَا مُرَتَّبَةً فَثَبَتَ بِهَذَا النَّفْيِ أَنَّ فِعْلَهُ وَاجِبُ

стр. 289

فَإِنَّ تِلْكَ الدَّلَائِلَ غَيْرُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] يُرَادُ بِهَا الْأَمْرُ الْقَوْلِيُّ، وَلَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الْفَعْلِيِّ، وَسَيَأْتِي، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَالضَّمِيرُ فِي أَمْرِهِ إنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ رَاجِعًا إلَى الرَّسُولِ فَالْقَوْلُ مُرَادٌ إجْمَاعًا فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يُرَادُ بِهِ أَكْثَرُ مِنْ مَعْنًى ــ [التلويح] الِاتِّبَاعِ، وَهُوَ مَعْنَى كَوْنِهِ لِلْإِيجَابِ كَمَا ثَبَتَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] أَنَّ قَوْلَهُ مُوجِبٌ فَإِنْ قُلْت: أَيُّ حَاجَةٍ إلَى الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْفَرْعِ بَعْدَ إثْبَاتِ الْأَصْلِ؟ قُلْت فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ مَعَ ابْتِنَائِهِ عَلَى الْأَصْلِ وَثُبُوتِهِ بِأَدِلَّتِهِ ثَابِتٌ بِدَلِيلٍ مُسْتَقِلٍّ. (قَوْلُهُ قُلْنَا) لَمَّا احْتَجَّ الْخَصْمُ عَلَى كُلٍّ مِنْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ عَلَى حِدَةٍ احْتَجَّ الْمُصَنِّفُ عَلَى بُطْلَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا مَعَ إشَارَةٍ إلَى جَوَابٍ عَنْ احْتِجَاجِهِ، وَالِاحْتِجَاجُ عَلَى بُطْلَانِ الْأَصْلِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ فِي الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ بِمَعْنَى أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِخُصُوصِهِ اتِّفَاقًا فَلَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ أَيْضًا يَلْزَمُ الِاشْتِرَاكُ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ لِإِخْلَالِهِ بِالتَّفَاهُمِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا بِدَلِيلٍ، وَالْمَجَازُ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ رَاجِحٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا إنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ بِخُصُوصِهِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ كَوْنِ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي أَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَا يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا كَالْحَيَوَانِ فَإِنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْإِنْسَانِ وَالْفَرَسِ، وَلَيْسَ بِمُشْتَرَكٍ بَلْ هُوَ مُتَوَاطِئٌ، الثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ لَمَا صَحَّ نَفْيُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ النَّفْيِ مِنْ لَوَازِمِ الْحَقِيقَةِ، وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا وَلَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ صِيغَةُ افْعَلْ يَصِحُّ عُرْفًا وَلُغَةً أَنْ يُقَالَ إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ، وَالدَّلِيلُ الْأَوَّلُ أَعَمُّ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ مَصْدَرٌ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْفَعْلِ بِالْفَتْحِ أَعْنِي مَصْدَرَ فَعَلَ حَتَّى يُشْتَقَّ مِنْهُ أَمَرَ بِمَعْنَى فَعَلَ، وَيَأْمُرُ بِمَعْنَى يَفْعُلُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ اسْمُ مَصْدَرٍ لَا يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْفِعْلِ بِالْكَسْرِ، وَهُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الشَّأْنِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ، وَفِي هَذَا الْكَلَامِ إشَارَةٌ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ أَنَّ الْأَمْرَ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى نَفْسِ صِيغَةِ افْعَلْ اسْتِعْلَاءً، وَعَلَى اقْتِضَاءِ الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الِاسْتِعْلَاءِ، وَالْأَوَّلُ اسْمٌ وَالثَّانِي مَصْدَرٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَوْلِ، وَالْخَبَرِ، وَالْخِلَافُ فِي أَنَّ الْأَوَّلَ هَلْ يُطْلَقُ حَقِيقَةً عَلَى الْحَاصِلِ مِنْ الْمَصْدَرِ أَعْنِي الشَّأْنَ، وَالثَّانِي هَلْ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ بِمَصْدَرِ فَعَلَ يَفْعُلُ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ احْتِجَاجِ الْخَصْمِ بِأَنَّ تَسْمِيَةَ الْفِعْلِ أَمْرٌ كَمَا فِي ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ قَبِيلِ الْمَجَازِ بِاعْتِبَارِ إطْلَاقِ اسْمِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ يَجِبُ بِالْأَمْرِ وَيَثْبُتُ بِهِ فَيَكُونُ مِنْ آثَارِهِ، وَقَدْ يُقَالُ: شَبَّهَ الدَّاعِيَ إلَى الْفِعْلِ بِالْأَمْرِ فَسَمَّى الْفِعْلَ أَمْرًا تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ كَتَسْمِيَةِ الْمَشْئُونِ أَيْ الْمَقْصُودِ بِالشَّأْنِ الَّذِي هُوَ

стр. 290

وَاحِدٍ عَلَى أَنَّا لَا نَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُرَادٍ بَلْ هُوَ مُحْتَاجٌ إلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْفِعْلُ، وَنَحْنُ فِي صَدَدِ الْمَنْعِ فَصَحَّ مَا قُلْنَا إنَّ الدَّلَائِلَ الدَّالَّةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِيجَابِ لَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْإِيجَابِ. (وَاللَّفْظُ كَافٍ) أَيْ الْأَمْرُ الْقَوْلِيُّ كَافٍ (لِلْمَقْصُودِ، وَهُوَ الْإِيجَابُ، وَالتَّرَادُفُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَإِيجَابُ فِعْلِهِ ﵇ اُسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ ﵇ صَلُّوا عَلَى أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى الْأَصْحَابِ صَوْمَ الْوِصَالِ، وَخَلْعَ النِّعَالِ مَعَ أَنَّهُ ــ [التلويح] مَصْدَرٌ شَأَنْتُ، أَيْ قَصَدْت، وَذَكَرَ الْإِمَامُ فِي الْمَحْصُولِ أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ لَفْظِ الْأَمْرِ فِي الْآيَةِ هُوَ الْقَوْلُ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ [هود: ٩٧] ، أَيْ أَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] فَوَصْفُهُ بِالرُّشْدِ مَجَازٌ مِنْ بَابِ وَصْفِ الشَّيْءَ بِوَصْفِ صَاحِبِهِ، (وَقَوْلُهُ سَلَّمْنَا) لَمَّا كَانَ الْأَصْلُ، وَهُوَ كَوْنُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً فِي الْفِعْلِ بَحْثًا لُغَوِيًّا رُبَّمَا يُمْكِنُ إثْبَاتُهُ بِالنَّقْلِ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَالشُّيُوعِ فِي الِاسْتِعْمَالِ سَلَّمَهُ وَاشْتَغَلَ بِمَا هُوَ مِنْ مَبَاحِثِ الْأُصُولِ، وَهُوَ كَوْنُ الْفِعْلِ مُوجِبًا أَوْ غَيْرَ مُوجِبٍ فَأَبْطَلَ التَّفْرِيعَ أَوَّلًا، وَالْفَرْعَ ثَانِيًا، وَالدَّلِيلَ ثَالِثًا أَمَّا الْأَوَّلُ؛ فَلِأَنَّ الدَّلَائِلَ الْمَذْكُورَةَ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ إنَّمَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ الْمَخْصُوصِ لِلْإِيجَابِ، وَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى فِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِلْإِيجَابِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ غَيْرُ مُرَادٍ بِأَنَّ الْقَوْلَ مُرَادٌ إجْمَاعًا فَلَا يُرَادُ الْفِعْلُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا عُمُومَ لَهُ، وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الْخَصْمِ عُمُومَ الْمُشْتَرَكِ أَعْرَضَ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ إلَى الْمَنْعِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ هُوَ الَّذِي يَسْتَدِلُّ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا فَيَكْفِينَا أَنْ نَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْأَمْرَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ مُرَادٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْوُجُوبِ أَمَّا فِي غَيْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] فَظَاهِرٌ عَلَى مَا سَتَعْرِفُهُ، وَأَمَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَلِتَوَقُّفِهِ عَلَى عُمُومِ الْمُشْتَرَكِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ، وَأَمَّا الثَّانِي، وَهُوَ إبْطَالُ كَوْنِ الْفِعْلِ مُوجِبًا فَلِأَنَّ تَعَدُّدَ الدَّالِّ مَعَ اتِّحَادِ الْمَدْلُولِ خِلَافُ الْأَصْلِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِوَاحِدٍ اتِّفَاقًا، وَهَاهُنَا اللَّفْظُ مَوْضُوعٌ لِلْإِيجَابِ اتِّفَاقًا فَالْقَوْلُ بِكَوْنِ الْفِعْلِ أَيْضًا لِلْإِيجَابِ مَصِيرٌ إلَى مَا هُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا فِي تَعَدُّدِ الْمَدْلُولِ مَعَ اتِّحَادِ الدَّالِّ أَعْنِي الِاشْتِرَاكَ، وَإِطْلَاقُ التَّرَادُفِ عَلَى تَوَافُقِ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْإِيجَابِ خِلَافُ الِاصْطِلَاحِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى تَوَافُقِ اللَّفْظَيْنِ لَكِنَّ الْمَقْصُودَ وَاضِحٌ، وَقَدْ يُقَالُ: إنَّ الْمَوْضُوعَ لِلْمَعَانِي إنَّمَا هِيَ الْعِبَارَاتُ لَا غَيْرُ، وَهِيَ وَافِيَةٌ بِالْمَقَاصِدِ بَلْ زَائِدَةٌ عَلَيْهَا فَيَكُونُ الدَّالُّ عَلَى الْإِيجَابِ هُوَ الْقَوْلُ لَا الْفِعْلُ، وَأَيْضًا الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَاصِدِ لِكَوْنِهِ مَبْنَى الْأَحْكَامِ، وَمَنَاطَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ بِالصِّيغَةِ، وَلَا يَحْصُلَ بِغَيْرِهَا كَمَقَاصِدِ الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ لَا تَحْصُلُ إلَّا بِصِيَغِهَا، وَكِلَاهُمَا

стр. 291

فَعَلَ، وَمُوجَبُهُ التَّوَقُّفُ عِنْدَ ابْنِ سُرَيْجٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَهِيَ سِتَّةَ عَشَرَ) : الْإِيجَابُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] النَّدْبُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] التَّأْدِيبُ كَقَوْلِهِ: ﵇ «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» الْإِرْشَادَاتُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الْإِبَاحَةُ نَحْوُ ﴿كُلُوا﴾ [البقرة: ١٦٨] التَّهْدِيدُ نَحْوُ ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] الِامْتِنَانُ نَحْوُ ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٨٨] الْإِكْرَامُ نَحْوُ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] التَّعْجِيزُ نَحْوُ ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ [البقرة: ٢٣] التَّسْخِيرُ نَحْوُ ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥] الْإِهَانَةُ نَحْوُ ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] التَّسْوِيَةُ: نَحْوُ ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦] الدُّعَاءُ: نَحْوُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي التَّمَنِّي: نَحْوُ أَلَا أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيلُ أَلَا انْجَلِي الِاحْتِقَارُ نَحْوُ ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ [يونس: ٨٠] التَّكْوِينُ: نَحْوُ ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] (قُلْنَا لَوْ وَجَبَ التَّوَقُّفُ هُنَا لَوَجَبَ فِي النَّهْيِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَعَانٍ) ، وَهِيَ التَّحْرِيمُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبَا﴾ [آل عمران: ١٣٠] ، وَالْكَرَاهَةُ كَالنَّهْيِ عَنْ ــ [التلويح] ضَعِيفٌ؛ لِأَنَّ انْحِصَارَ الْمَوْضُوعِ فِي اللَّفْظِ، وَفَاءٌ بِالْمَقَاصِدِ فِي حَيِّزِ الْمَنْعِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لَا يُنَافِي كَوْنَ الْفِعْلِ لِلْإِيجَابِ؛ لِأَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَا يَدَّعُونَ كَوْنَهُ مَوْضُوعًا لِذَلِكَ بَلْ يَدَّعُونَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْنَا اتِّبَاعُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَفْعَالِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِسَهْوٍ، وَلَا طَبْعٍ، وَلَا مُخْتَصَّةٍ بِهِ لِلدَّلَائِلِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَلِكَ، وَعِظَمُ الْمَقْصُودِ لَا يَقْتَضِي اتِّحَادَ الدَّالِّ عَلَيْهِ بَلْ تَعَدُّدَهُ لِشِدَّةِ الِاهْتِمَامِ، وَكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ، وَلِهَذَا كَثُرَتْ الْأَلْفَاظُ الْمُتَرَادِفَةُ فِيمَا لَهُمْ بِهِ اهْتِمَامٌ، وَأَمَّا الثَّالِثُ، وَهُوَ إبْطَالُ احْتِجَاجِهِمْ عَلَى الْفَرْعِ فَلِأَنَّ كَوْنَ فِعْلِهِ مُوجِبًا مُسْتَفَادًا مِنْ قَوْلِهِ ﵇ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» ، وَهُوَ صِيغَةُ الْأَمْرِ لَا مِنْ نَفْسِ الْفِعْلِ، وَإِلَّا لَمَا اُحْتِيجَ إلَى هَذَا الْأَمْرِ بَعْدَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: ٩٢] ، وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ كَوْنَ الْفِعْلِ مُوجِبًا مُسْتَفَادٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ عَيْنُ دَعْوَى الْخَصْمِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ: وُجُوبُ الِاتِّبَاعِ فِي الصَّلَاةِ ثَبَتَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا بِالْفِعْلِ فَالْمُوجِبُ هُوَ الْقَوْلُ لَا غَيْرُ، ثُمَّ عَارَضَ تَمَسُّكَهُمْ بِالسُّنَّةِ بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ قَالُوا رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَقَالَ: ﵇ إنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُ، وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا» ، وَبِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ وَاصَلَ فَوَاصَلَ أَصْحَابُهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ أَيُّكُمْ مِثْلِي يُطْعِمُنِي رَبِّي، وَيَسْقِينِي فَلَوْ كَانَ الْفِعْلُ مُوجِبًا لَمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ، وَنِعْمَ مَا قَالَ الْإِمَامُ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُمْ لَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِ فَكَيْفَ صَارَ اتِّبَاعُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلًا، وَلَمْ يَصِرْ مُخَالَفَتُهُمْ فِي الْبَعْضِ دَلِيلًا. ١ - (قَوْلُهُ وَمُوجَبُهُ) لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا هُوَ الْمَدْلُولُ

стр. 292

الصَّلَاةِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالتَّنْزِيهُ نَحْوُ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] ، وَالتَّحْقِيرُ نَحْوُ ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] ، وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ: نَحْوُ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] ، وَالْإِرْشَادُ: نَحْوُ ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١] ، وَالشَّفَقَةُ نَحْوُ النَّهْيِ عَنْ اتِّخَاذِ الدَّوَابِّ كَرَاسِيَّ وَالْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدٍ (وَلِأَنَّ النَّهْيَ أَمْرٌ بِالِانْتِهَاءِ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ لِاسْتِعْمَالِهِ فِي مَعَانٍ فَلَا يَبْقَى الْفَرْقُ بَيْنَ قَوْلِك (افْعَلْ وَلَا تَفْعَلْ) ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُوجَبُهُمَا التَّوَقُّفَ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ وَطَلَبِ التَّرْكِ ثَابِتٌ بَدِيهَةً. (وَهَذَا الِاحْتِمَالُ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ) يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِهَا حَقَائِقُ الْأَشْيَاءِ فَإِنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَ مِثْلَ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ يَجُوزُ أَنْ ــ [التلويح] الْحَقِيقِيُّ لِلَفْظِ الْأَمْرِ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا هُوَ الْمَدْلُولُ الْحَقِيقِيُّ لِمُسَمَّاهُ أَعْنِي لِصِيغَةِ افْعَلْ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ ابْنُ سُرَيْجٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ، أَيْ الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِهِ التَّوَقُّفُ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ بَعْضُهَا حَقِيقَةً اتِّفَاقًا، وَبَعْضُهَا مَجَازٌ اتِّفَاقًا فَعِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَكُونُ مُحْتَمِلًا لِمَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَالِاحْتِمَالُ يُوجِبُ التَّوْقِيفَ إلَى أَنْ يَتَبَيَّنَ الْمُرَادُ فَالتَّوَقُّفُ عِنْدَهُ فِي تَعْيِينِ الْمُرَادِ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ لَا فِي تَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَوْضُوعُ الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ لِلْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَالتَّهْدِيدِ، وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ إلَى التَّوَقُّفِ، وَتَعْيِينِ الْمَوْضُوعِ لَهُ أَنَّهُ الْوُجُوبُ فَقَطْ أَوْ النَّدْبُ فَقَطْ أَوْ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا لَفْظًا. (قَوْلُهُ التَّأْدِيبُ) هُوَ قَرِيبٌ مِنْ النَّدْبِ إلَّا أَنَّ النَّدْبَ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالتَّأْدِيبَ لِتَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَإِصْلَاحِ الْعَادَاتِ، وَكَذَا الْإِرْشَادُ قَرِيبٌ مِنْهُ إلَّا أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِالْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالتَّهْدِيدُ هُوَ التَّخْوِيفُ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ الْإِنْذَارُ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلا﴾ [الزمر: ٨] فَإِنَّهُ إبْلَاغٌ مَعَ تَخْوِيفٍ، وَقَوْلُهُ كُلُوا لِلِامْتِنَانِ عَلَى الْعِبَادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢] ، وَقَوْلُهُ اُدْخُلُوهَا، أَيْ الْجَنَّةَ لِلْإِكْرَامِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ﴿بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦] ، وَقَوْلُهُ: انْجَلِي، أَيْ انْكَشِفِي جَعَلَهُ لِلتَّمَنِّي؛ لِأَنَّهُ اسْتَطَالَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى كَانَ انْجِلَاؤُهَا بِالصُّبْحِ مِنْ قَبِيلِ الْمُحَالَاتِ الَّتِي لَا رَجَاءَ فِي حُصُولِهَا، وَقَوْلُهُ أَلْقُوا احْتِقَارٌ لِسِحْرِ السَّحَرَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْمُعْجِزَةِ الْبَاهِرَةِ بِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَالتَّكْوِينُ هُوَ الْإِيجَادُ. (قَوْلُهُ قُلْنَا) إبْطَالُ دَلِيلِ التَّوَقُّفِ بِأَنَّهُ مَنْقُوضٌ بِالنَّهْيِ فَإِنَّهُ أَيْضًا يُسْتَعْمَلُ لِمَعَانٍ مَعَ أَنَّ مُوجَبَهُ لَيْسَ التَّوَقُّفَ لِلْعِلْمِ الضَّرُورِيِّ بِأَنَّهُ لَيْسَ مُوجَبُ " افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ " وَاحِدًا ثُمَّ عَارَضَهُ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُوجَبُ الْأَمْرِ هُوَ التَّوَقُّفَ لَكَانَ مُوجَبُ النَّهْيِ، أَيْضًا التَّوَقُّفَ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ بِالِانْتِهَاءِ وَكَفِّ النَّفْسِ عَنْ الْفِعْلِ، ثُمَّ أَبْطَلَ الْمُقَدِّمَةَ الْقَائِلَةَ: إنَّ الِاحْتِمَالَ يُوجِبُ التَّوَقُّفَ بِوَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ لِاحْتِمَالِ تَبَدُّلِهَا فِي السَّاعَاتِ أَوْ بُطْلَانَ حَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَتَحَقَّقُ حَمْلُهَا عَلَى مَعَانِيهَا لِاحْتِمَالِ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ مَجَازٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ. الثَّانِي إلَّا إنْ بَانَ أَنَّهُ إنَّمَا يُنَافِي الْقَطْعَ بِأَحَدِ الْمَعَانِي لَا الظُّهُورَ فِيهِ، وَنَحْنُ لَا نَدَّعِي أَنَّ الْأَمْرَ مُحْكَمٌ فِي أَحَدِ الْمَعَانِي

стр. 293

لَا يَكُونَ زَيْدٌ زَيْدًا بَلْ عُدِمَ الشَّخْصُ الْأَوَّلُ، وَخُلِقَ مَكَانَهُ شَخْصٌ آخَرُ، وَهُوَ عَيْنُ مَذْهَبِ السُّوفُسْطائيَّةِ النَّافِينَ حَقَائِقَ الْأَشْيَاءِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ حَقَائِقُ الْأَلْفَاظِ إذْ مَا مِنْ لَفْظٍ إلَّا وَلَهُ احْتِمَالٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ مِنْ نَسْخٍ أَوْ خُصُوصٍ أَوْ اشْتِرَاكٍ أَوْ مَجَازٍ فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ تَبْطُلُ دَلَالَاتُ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي الْمَوْضُوعِ لَهَا (وَأَيْضًا لَمْ نَدَّعِ أَنَّهُ مُحْكَمٌ، وَعِنْدَ الْعَامَّةِ مُوجَبُهُ وَاحِدٌ إذْ الِاشْتِرَاكُ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ هِيَ الْأَدْنَى، وَالنَّدْبُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ لَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ جَانِبِ الْوُجُودِ، وَأَدْنَاهُ النَّدْبُ، وَالْوُجُوبُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] يُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ خَوْفُ إصَابَةِ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ بِمُخَالَفَةِ الْأَمْرِ إذْ لَوْلَا ذَلِكَ الْخَوْفُ لَقَبُحَ التَّحْذِيرُ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ وَاجِبًا إذْ لَيْسَ عَلَى تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ. وَ ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، الْقَضَاءُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَعْنَى الْحُكْمِ، وَأَمْرًا ــ [التلويح] بِحَيْثُ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ أَصْلًا بَلْ نَدَّعِي أَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الْوُجُوبِ مَثَلًا، وَيَحْتَمِلُ الْغَيْرَ، وَعِنْدَ ظُهُورِ الْبَعْضِ لَا وَجْهَ لِلتَّوَقُّفِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ حَتَّى يُوجَدَ صَارِفٌ عَنْهُ، وَهَاهُنَا نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ الْوَاقِفِينَ فِي الْأَمْرِ، وَاقِفُونَ فِي النَّهْيِ، وَثُبُوتُ الْفَرْقِ بَيْنَ طَلَبِ الْفِعْلِ، وَطَلَبِ التَّرْكِ لَا يُنَافِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّوَقُّفَ فِي الْأَمْرِ تَوَقُّفٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ طَلَبُ الْفِعْلِ جَازِمًا (وَ) هُوَ الْوُجُوبُ أَوْ رَاجِحًا (وَ) هُوَ النَّدْبُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ التَّرْكِ، وَالتَّوَقُّفُ فِي النَّهْيِ تَوَقُّفٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ هُوَ طَلَبُ التَّرْكِ جَازِمًا وَهُوَ التَّحْرِيمُ، أَوْ رَاجِحًا وَهُوَ الْكَرَاهَةُ مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِطَلَبِ الْفِعْلِ فَالتَّوَقُّفُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَوَقُّفٌ فِيمَا يَحْتَمِلُهُ فَمِنْ أَيْنَ يَلْزَمُ التَّسَاوِي، وَعَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ، وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ احْتِمَالٌ نَاشِئٌ عَنْ الدَّلِيلِ عَلَى تَعَدُّدِ الْمَعَانِي، وَهُوَ الْوَضْعُ أَوْ الشُّيُوعُ وَكَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ احْتِمَالِ تَبَدُّلِ الْأَشْخَاصِ أَوْ احْتِمَالِ الْأَلْفَاظِ لِغَيْرِ مَعَانِيهَا الْحَقِيقِيَّةِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؟ (قَوْلُهُ وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ نَحْوُ ﴿وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٩٠] هَكَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا لَا تَعْتَذِرُوا، وَالْحَقُّ أَنَّهُ سَقَطَ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ قَلَمِ الْكَاتِبِ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُكْتَبَ هَكَذَا، وَبَيَانُ الْعَاقِبَةِ نَحْوُ ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] ، وَالْيَأْسُ نَحْوُ ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦] . (قَوْلُهُ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ) أَيْ اعْتِبَارُهُ، وَالتَّوَقُّفُ بِسَبَبِهِ يُبْطِلُ الْحَقَائِقَ. (قَوْلُهُ وَعِنْدَ الْعَامَّةِ) أَيْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنْ وَضْعِ الْكَلَامِ هُوَ الْإِفْهَامُ، وَالِاشْتِرَاكُ مُخِلٌّ بِهِ فَلَا يُرْتَكَبُ إلَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ، وَهَذَا يَنْفِي الْقَوْلَ بِاشْتِرَاكِهِ لَفْظًا بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ عَلَى مَا نُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَوْ بَيْنَهُمَا، وَبَيْنَ الْإِبَاحَةِ أَوْ بَيْنَ

стр. 294

مَصْدَرٌ مِنْ غَيْرِ لَفْظِهِ أَوْ حَالٌ أَوْ تَمْيِيزٌ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنْ الْقَضَاءِ مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] ؛ لِأَنَّ عَطْفَ الرَّسُولِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى يَمْنَعُ ذَلِكَ، وَلَا يُرَادُ الْقَضَاءُ الَّذِي يُذْكَرُ فِي جَنْبِ الْقَدَرِ بِعَيْنِ ذَلِكَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ، وَالْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَوْلُ لَا الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ الْفِعْلُ فَإِمَّا أَنْ يُرَادَ فِعْلُ الْقَاضِي أَوْ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ لَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا فَعَلَ فِعْلًا فَلَا مَعْنَى لِنَفْيِ الْخِيَرَةِ، وَإِنْ أُرِيدَ فِعْلُ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ فَالْمُرَادُ إذَا قَضَى بِأَمْرٍ فَالْأَصْلُ عَدَمُ تَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَأَيْضًا يَكُونُ الْمَعْنَى إذَا حَكَمَ بِفِعْلٍ لَا تَكُونُ الْخِيَرَةُ، وَالْحُكْمُ بِفِعْلٍ مُطْلَقًا لَا يُوجِبُ نَفْيَ الْخِيَرَةِ إذْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِإِبَاحَةِ فِعْلٍ أَوْ نَدْبِهِ، وَإِنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ فَهُوَ الْمُدَّعِي فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ مَا ذَكَرْنَا لَا الْفِعْلُ. وَ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] فَالذَّمُّ عَلَى تَرْكِهِ يُوجِبُ الْوُجُوبَ وَ ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ، وَهَذَا حَقِيقَةٌ لَا مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ) ذَهَبَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ ــ [التلويح] الثَّلَاثَةِ وَبَيْن التَّهْدِيدِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشِّيعَةُ، وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ، وَلَا يَنْفِي الْقَوْلَ بِاشْتِرَاكِهِ مَعْنًى بَيْنَ الْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ مُوجَبَهُ وَاحِدٌ، وَهُوَ الطَّلَبُ جَازِمًا كَانَ أَوْ رَاجِحًا، وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ بِتَرْجِيحِ الْفِعْلِ، أَوْ بَيْنَ الْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُرْتَضَى مِنْ الشِّيعَةِ فَإِنَّ مُوجَبَهُ حِينَئِذٍ، أَيْضًا وَاحِدٌ، وَهُوَ الْإِذْنُ فِي الْفِعْلِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ مُوجَبَهُ وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِي ذَلِكَ الْوَاحِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: إنَّهُ الْإِبَاحَةُ؛ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْفِعْلِ، وَأَدْنَاهُ الْمُتَيَقَّنُ إبَاحَتُهُ، وَقَالَ أَبُو هَاشِمٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ، وَعَامَّةُ الْمُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُ النَّدْبُ؛ لِأَنَّهُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ فَلَا بُدَّ مِنْ رُجْحَانِ جَانِبِهِ عَلَى جَانِبِ التَّرْكِ، وَأَدْنَاهُ النَّدْبُ لِاسْتِوَاءِ الطَّرَفَيْنِ فِي الْإِبَاحَةِ، وَكَوْنِ الْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ أَمْرًا زَائِدًا عَلَى الرُّجْحَانِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءُ إنَّهُ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ كَمَالُ الطَّلَبِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ الْكَمَالُ؛ لِأَنَّ النَّاقِصَ ثَابِتٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ فَمَنْ جَعَلَهُ لِلْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ جَعَلَ النُّقْصَانَ أَصْلًا وَالْكَمَالَ عَارِضًا، وَهُوَ قَلْبُ الْمَعْقُولِ، وَلَمَّا كَانَ هَذَا إثْبَاتًا لِلُّغَةِ بِالتَّرْجِيحِ أَعْرَضَ عَنْهُ الْمُصَنِّفُ ﵀، وَتَمَسَّكَ بِالنَّصِّ وَدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ أَمَّا النَّصُّ فَآيَاتٌ مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] فَإِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالْوَصْفِ مُشْعِرٌ بِالْعِلِّيَّةِ فَخَوْفُهُمْ، وَحَذَرُهُمْ مِنْ إصَابَةِ الْفِتْنَةِ فِي الدُّنْيَا أَوْ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ بِسَبَبِ مُخَالَفَتِهِمْ الْأَمْرَ، وَهِيَ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ كَمَا أَنَّ مُوَافَقَتَهُ الْإِتْيَانُ بِهِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ لَا عَدَمُ اعْتِقَادِ حَقِّيَّتِهِ، وَلَا حَمْلُهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أَوْ النَّدْبِ مَثَلًا فَيُحْمَلُ عَلَى غَيْرِهِ يُقَالُ: خَالَفَنِي فُلَانٌ عَنْ كَذَا إذَا أَعْرَضَ عَنْهُ، وَأَنْتَ قَاصِدٌ

стр. 295

أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ ﵀ إلَى أَنَّ هَذَا مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَالْمُرَادُ التَّمْثِيلُ لَا حَقِيقَةُ الْقَوْلِ، وَذَهَبَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى أَنَّ حَقِيقَةَ الْكَلَامِ مُرَادَةٌ بِأَنْ أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى سُنَنَهُ فِي تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُكَوِّنَهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُوَ الْكَلَامُ النَّفْسِيُّ الْمُنَزَّهُ عَنْ الْحُرُوفِ وَالْأَصْوَاتِ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّانِي فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا عَلَى الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ قَرِينَةً لِلْإِيجَادِ، وَمَثَّلَ سُرْعَةَ الْإِيجَادِ بِالتَّكَلُّمِ بِهَذَا الْأَمْرِ وَتَرَتُّبِ وُجُودِ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَوْلَا أَنَّ الْوُجُودَ مَقْصُودٌ مِنْ الْأَمْرِ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّمْثِيلُ. (فَيَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا بِهَذَا الْأَمْرِ) أَيْ إرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ يُوجَدُ الْمَأْمُورُ بِهِ (فَكَذَا فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ كُنْ فَاعِلًا لِهَذَا الْفِعْلِ) أَيْ يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا فِي كُلِّ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ كُلَّ أَمْرٍ فَإِنَّ مَعْنَاهُ كُنْ فَاعِلًا لِهَذَا الْفِعْلِ فَقَوْلُهُ: صَلِّ، أَيْ ــ [التلويح] إيَّاهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ فَالْمَعْنَى يُخَالِفُونَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ أَوْ أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَى تَضْمِينِ الْمُخَالَفَةِ مَعْنَى الْإِعْرَاضِ، أَيْ يُعْرِضُونَ عَنْ الْأَمْرِ وَلَا يَأْتُونَ بِالْمَأْمُورِ بِهِ، فَسَوْقُ الْآيَةِ لِلتَّحْذِيرِ عَنْ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا يَحْسُنُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِيهَا خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ إذْ لَا مَعْنَى لِلتَّحْذِيرِ عَمَّا لَا يُتَوَقَّعُ فِيهِ مَكْرُوهٌ، وَلَا يَكُونُ فِي مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ خَوْفُ الْفِتْنَةِ أَوْ الْعَذَابِ إلَّا إذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ وَاجِبًا إذْ لَا مَحْذُورَ فِي تَرْكِ غَيْرِ الْوَاجِبِ، لَا يُقَالُ: هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ بِقَوْلِهِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ﴾ [النور: ٦٣] ، وَهُوَ أَوَّلُ الْمَسْأَلَةِ وَعَيْنُ النِّزَاعِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ أَمْرِهِ عَامًّا، وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ، وَلَا نِزَاعَ فِي كَوْنِ بَعْضِ الْأَوَامِرِ لِلْوُجُوبِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ يُسْتَعْمَلُ لِلْإِيجَابِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْأَمْرُ بِالْحَذَرِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى هَاهُنَا لِلنَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ بَلْ الْحَذَرُ عَنْ إصَابَةِ الْمَكْرُوهِ وَاجِبٌ، وَأَمْرِهِ مَصْدَرٌ مُضَافٌ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى مَعْهُودٍ فَيَكُونُ عَامًّا لَا مُطْلَقًا وَعَلَى تَقْدِيرٍ كَوْنِهِ مُطْلَقًا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ؛ لِأَنَّ الْمُدَّعَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ، وَلَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِغَيْرِهِ مَجَازًا بِمَعُونَةِ الْقَرَائِنِ، وَالْأَقْرَبُ أَنْ يُقَالَ الْمَفْهُومُ مِنْ الْآيَةِ التَّهْدِيدُ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ وَإِلْحَاقُ الْوَعِيدِ بِهَا فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ حَرَامًا وَتَرْكًا لِلْوَاجِبِ لِيَلْحَقَ بِهَا الْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى، ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] ، الضَّمِيرُ فِي لَهُمْ لِمُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ جُمِعَ لِعُمُومِهَا بِالْوُقُوعِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَفِي أَمْرِهِمْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ جُمِعَ لِلتَّعْظِيمِ، وَالْمَعْنَى مَا صَحَّ لَهُمْ أَنْ يَخْتَارُوا مِنْ أَمْرِهِمَا شَيْئًا، وَيَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُطَاوَعَةُ وَجَعْلُ اخْتِيَارِهِمْ تَبَعًا لِاخْتِيَارِهِمَا فِي جَمِيعِ أَوَامِرِهِمَا بِدَلِيلِ وُقُوعِ الْأَمْرِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ مِثْلُ إذَا جَاءَك رَجُلٌ فَأَكْرِمْهُ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِوُقُوعِهِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ.

стр. 296

كُنْ فَاعِلًا لِلصَّلَاةِ: وَزَكِّ، أَيْ كُنْ فَاعِلًا لِلزَّكَاةِ فَثَبَتَ أَنَّ كُلَّ أَمْرٍ أَمْرٌ بِالْكَوْنِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَكَوَّنَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (إلَّا أَنَّ هَذَا) أَيْ كَوْنَ الْوُجُودِ مُرَادًا مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (يُعْدِمُ الِاخْتِيَارَ فَلَمْ يَثْبُتْ الْوُجُودُ، وَيَثْبُتْ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ وَغَيْرِهَا مِنْ النُّصُوصِ) ــ [التلويح] ثُمَّ لَا بُدَّ هَاهُنَا مِنْ بَيَانٍ الْأَمْرَيْنِ: أَحَدِهِمَا أَنَّ الْقَضَاءَ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْحُكْمِ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ إتْمَامُ الشَّيْءِ قَوْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] ، أَيْ حَكَمَ أَوْ فِعْلًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢] ، أَيْ خَلَقَهُنَّ وَأَتْقَنَ أَمْرَهُنَّ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِسْنَادَ إلَى الرَّسُولِ يَأْبَى عَنْ هَذَا الْمَعْنَى فَتَعَيَّنَ الْأَوَّلُ، وَأَمَّا إطْلَاقُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ الْإِلَهِيَّةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُوجِبُهُ فَمَجَازٌ، وَثَانِيهمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ هُوَ الْقَوْلُ دُونَ الْفِعْلِ أَوْ الشَّيْءِ عَلَى مَا ذَكَرُوا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [آل عمران: ٤٧] ، أَيْ إذَا أَرَادَ شَيْئًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ فَعَلَ فِعْلًا فَلَا مَعْنَى لِنَفْيِ خِيَرَةِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَوْ أُرِيدَ حَكَمَ بِفِعْلٍ أَوْ شَيْءٍ اُحْتِيجَ إلَى تَقْدِيرِ الْبَاءِ، وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ ارْتِكَابِهِ لَا يَصِحُّ نَفْيُ الْخِيَرَةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِنَدْبِ فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ إبَاحَتِهِ، وَحِينَئِذٍ تَثْبُتُ الْخِيَرَةُ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ بِفِعْلٍ مُوجِبًا لِنَفْيِ الْخِيَرَةِ يُثْبِتُ الْمُدَّعَى، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ يَقْتَضِي نَفْيَ الْخِيَرَةِ لِلْعِبَادِ وَلُزُومَ الْمُتَابَعَةِ وَالِانْقِيَادِ فَظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ، مِنْ أَمْرِهِمْ هُوَ الْقَوْلُ الْمَخْصُوصُ إمَّا بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ أَوْ نَفْسِ الصِّيغَةِ سَوَاءٌ جُعِلَ أَمْرًا نَصْبًا عَلَى الْمَصْدَرِ أَوْ التَّمْيِيزِ لِمَا فِي الْحُكْمِ مِنْ الْإِبْهَامِ أَوْ الْحَالِ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى اسْمِ الْفَاعِلِ كَمَا تَقُولُ جَاءَنِي زَيْدٌ رُكُوبًا فَأَعْجَبَنِي رُكُوبُهُ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: ١٢] أَيْ مَا مَنَعَكَ مِنْ السُّجُودِ عَلَى زِيَادَةِ لَا أَوْ مَا دَعَاك إلَى تَرْكِ السُّجُودِ مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الشَّيْءِ دَاعٍ إلَى نَقِيضِهِ، وَالِاسْتِفْهَامُ لِلتَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ وَالِاعْتِرَاضِ وَهُوَ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الْأَمْرِ لِلْإِيجَابِ لِيَسْتَحِقَّ تَارِكُهُ الذَّمَّ، وَإِلَّا فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إنَّك مَا أَلْزَمْتَنِي السُّجُودَ فَعَلَامَ اللَّوْمُ وَالْإِنْكَارُ وَالتَّوْبِيخُ فَإِنْ قُلْت هَذَا لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَى كَوْنِ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ لِلْوُجُوبِ، وَلَا نِزَاعَ لِأَحَدٍ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ لِذَلِكَ، وَإِنَّمَا النِّزَاعُ فِي كَوْنِهِ حَقِيقَةً لَهُ، وَخَاصًّا بِهِ. قُلْت إطْلَاقُ قَوْلِهِ ﴿اسْجُدُوا لآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢] دُونَ أَنْ يَقُولَ: إذْ أَمَرْتُك أَمْرًا يُجَابُ وَإِلْزَامُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ لِلْوُجُوبِ، وَهُوَ الْمُدَّعِي (إذْ) لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ الْمُقَيَّدَ بِالْقَرِينَةِ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ الْإِيجَابِ مَجَازًا، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: إلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَجَازٌ عَنْ سُرْعَةِ الْإِيجَادِ وَسُهُولَتِهِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ، تَمْثِيلًا لِلْغَائِبِ أَعْنِي تَأْثِيرَ قُدْرَتِهِ فِي الْمُرَادِ بِالشَّاهِدِ أَعْنِي أَمْرَ الْمُطَاعِ لِلْمُطِيعِ فِي حُصُولِ الْمَأْمُورِ بِهِ مِنْ غَيْرِ

стр. 297

كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ، وَلِلْعُرْفِ فَإِنَّ كُلَّ مَنْ يُرِيدُ طَلَبَ الْفِعْلِ جَزْمًا يَطْلُبُ بِهَذَا اللَّفْظِ (مَسْأَلَةٌ، وَكَذَا بَعْدَ الْحَظْرِ) لِمَا قُلْنَا، وَقِيلَ: لِلنَّدْبِ كَمَا فِي ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] أَيْ اُطْلُبُوا الرِّزْقَ، وَقِيلَ لِلْإِبَاحَةِ كَمَا فِي فَاصْطَادُوا قُلْنَا ثَبَتَ ذَلِكَ ــ [التلويح] امْتِنَاعٍ وَتَوَقُّفٍ وَلَا افْتِقَارٍ إلَى مُزَاوَلَةِ عَمَلٍ وَاسْتِعْمَالِ آلَةٍ، وَلَيْسَ هَاهُنَا قَوْلٌ وَلَا كَلَامٌ وَإِنَّمَا وُجُودُ الْأَشْيَاءِ بِالْخَلْقِ وَالتَّكْوِينِ مَقْرُونًا بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ حَقِيقَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَجْرَى سُنَنَهُ فِي تَكْوِينِ الْأَشْيَاءِ أَنْ يُكَوِّنَهَا بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ تَكْوِينُهَا بِغَيْرِهَا، وَالْمَعْنَى نَقُولُ لَهُ: اُحْدُثْ فَيَحْدُثُ عَقِيبَ هَذَا الْقَوْلِ لَكِنَّ الْمُرَادَ الْكَلَامُ الْأَزَلِيُّ الْقَائِمُ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَا الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْأَصْوَاتِ وَالْحُرُوفِ؛ لِأَنَّهُ حَادِثٌ فَيَحْتَاجُ إلَى خِطَابٍ آخَرَ، وَيَتَسَلْسَلُ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ قِيَامُ الصَّوْتِ وَالْحَرْفِ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ خِطَابُ التَّكْوِينِ عَلَى الْفَهْمِ، وَاشْتَمَلَ عَلَى أَعْظَمِ الْفَوَائِدِ، وَهُوَ الْوُجُودُ جَازَ تَعَلُّقُهُ بِالْمَعْدُومِ بَلْ خِطَابُ التَّكْلِيفِ أَيْضًا أَزَلِيٌّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْمَعْدُومِ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الشَّخْصَ الَّذِي سَيُوجَدُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ، وَبَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ فِي الْأَزَلِ لَا يُسَمَّى خِطَابًا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى مُخَاطَبٍ، وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ، أَيْ سَوَاءٌ كَانَ قَوْله تَعَالَى ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧] مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً يَكُونُ الْوُجُودُ وَالْحُدُوثُ مُرَادًا مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَعْنِي كُنْ. أَمَّا عَلَى الثَّانِي فَظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى نَقُولُ: حَدَثَ فَيَحْدُثُ، أَيْ كُلَّمَا وُجِدَ الْأَمْرُ بِالْوُجُودِ تَحَقَّقَ الْوُجُودُ عَقِيبَهُ، وَأَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْأَمْرَ قَرِينَةَ الْإِيجَادِ، وَمَثَّلَ سُرْعَةَ الْإِيجَادِ بِالتَّكَلُّمِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَتَرَتُّبِ وُجُودُ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْوُجُودُ مَقْصُودًا بِأَمْرِ كُنْ لَمَا صَحَّ هَذَا التَّمْثِيلُ لِعَدَمِ الْجَامِعِ، فَسَوَاءٌ جَعَلْنَا هَذَا الْكَلَامَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوُجُودُ مُرَادًا بِأَمْرِ كُنْ (وَ) كَمَا يَكُونُ الْوُجُودُ مُرَادًا بِأَمْرِ كُنْ يَكُونُ مُرَادًا بِجَمِيعِ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّهَا كُلُّهَا مِنْ قَبِيلِ أَمْرِ كُنْ؛ لِأَنَّ مَعْنَى أَقِيمُوا الصَّلَاةَ كُونُوا مُقِيمِينَ لِلصَّلَاةِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ فِي أَمْرِ التَّكْوِينِ هُوَ الْكَوْنُ بِمَعْنَى الْحُدُوثِ مِنْ كَانَ التَّامَّةِ، وَفِي أَمْرِ التَّكْلِيفِ هُوَ الْكَوْنُ بِمَعْنَى وُجُودِ الشَّيْءِ عَلَى صِفَةٍ مِنْ كَانَ النَّاقِصَةِ، وَإِذَا كَانَ كُلُّ أَمْرٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى طَلَبًا لِلْكَوْنِ يَجِبُ تَكُونُ الْمَطْلُوبِ، أَيْ حُدُوثُ الشَّيْءِ فِي أَمْرِ التَّكْوِينِ وَحُصُولُ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي أَمْرِ التَّكْلِيفِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ جُعِلَ الْوُجُودُ وَالتَّكْوِينُ مُرَادًا مِنْ جَمِيعِ الْأَوَامِرِ حَتَّى أَمْرِ التَّكْلِيفِ لَزِمَ إعْدَامُ اخْتِيَارِ الْعَبْدِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ الْمُكَلَّفِ بِهِ بِأَنْ يَحْدُثَ الْفِعْلُ شَاءَ أَوْ لَمْ يَشَأْ كَمَا فِي أَمْرِ الْإِيجَادِ، وَحِينَئِذٍ تَبْطُلُ قَاعِدَةُ التَّكْلِيفِ إذْ لَا بُدَّ فِيهِ أَنْ يَكُونَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعُ اخْتِيَارٍ، وَإِنْ كَانَ ضَرُورِيًّا تَابِعًا لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠] ، وَإِلَّا لَصَارَ مُلْحَقًا بِالْجَمَادَاتِ فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُ الْوُجُودِ مُرَادًا فِي أَمْرِ التَّكْلِيفِ بَلْ نَقَلَ الشَّرْعُ لُزُومَ الْوُجُودِ لِلْأَمْرِ إلَى

стр. 298

بِالْقَرِينَةِ، أَيْ النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ فِي الْآيَتَيْنِ ثَبَتَا بِالْقَرِينَةِ فَإِنَّ الِابْتِغَاءَ وَالِاصْطِيَادَ إنَّمَا أُمِرَ بِهِمَا لِحَقِّ الْعِبَادِ وَمَنْفَعَتِهِمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَثْبُتَا عَلَى وَجْهٍ تَنْقَلِبُ الْمَنْفَعَةُ مَضَرَّةً بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ (مَسْأَلَةٌ: وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ فَاسْتِعَارَةٌ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَالْجَامِعُ جَوَازُ الْفِعْلِ لَا إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّيِّ عَلَى الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ مُبَايِنَةٌ لِلْوُجُوبِ لَا جُزْؤُهُ) . اعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي ــ [التلويح] لُزُومِ الْوُجُوبِ لَهُ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُفْضٍ إلَى الْوُجُودِ نَظَرًا إلَى الْعَقْلِ وَالدِّيَانَةِ فَصَارَ لَازِمُ الْأَمْرِ هُوَ الْوُجُوبُ بَعْدَمَا كَانَ لَازِمُهُ الْوُجُودَ. حَاصِلُ مَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ اعْتِبَارَ جَانِبِ الْأَمْرِ يُوجِبُ وُجُودَ الْمَأْمُورِ بِهِ حَقِيقَةً، وَاعْتِبَارَ كَوْنِ الْمَأْمُورِ مُخَاطَبًا مُكَلَّفًا يُوجِبُ التَّرَاخِيَ إلَى حِينِ إيجَادِهِ فَاعْتَبَرْنَا الْمَعْنَيَيْنِ فَأَثْبَتنَا بِالْأَمْرِ آكَدَ مَا يَكُونُ مِنْ وُجُوهِ الطَّلَبِ وَهُوَ الْوُجُوبُ خَلَفًا مِنْ الْوُجُودِ، وَقُلْنَا بِتَرَاخِي الْوُجُوبِ إلَى حِينِ اخْتِيَارِهِ فَإِنْ قُلْت فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَمْرُ حَقِيقَةً فِي طَلَبِ الْوُجُودِ وَإِرَادَتِهِ مَجَازًا فِي الْإِيجَابِ قُلْت: نَعَمْ بِحَسَبِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ إذْ لَا وُجُوبَ إلَّا بِالشَّرْعِ فَإِنْ قُلْت: الْكَلَامُ فِي مَدْلُولِ صِيغَةِ الْأَمْرِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ الْوُجُوبُ قُلْت: نَعَمْ بِمَعْنَى أَنَّهُ لِطَلَبِ وُجُودِ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ مَعَ الْمَنْعِ عَنْ النَّقِيضِ، وَهُوَ إيجَابٌ وَإِلْزَامٌ لَكِنَّهُ مِنْ الْعِبَادِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْوُجُودَ لِجَوَازِ تَخَلُّفِ مَطَالِبِهِمْ عَنْ الطَّلَبِ فَالْأَمْرُ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الْإِلْزَامِ وَطَلَبِ الْفِعْلِ وَإِرَادَتِهِ جَزْمًا، وَحَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي الْإِيجَابِ بِمَعْنَى الطَّلَبِ وَالْحُكْمِ بِاسْتِحْقَاقِ تَارِكِهِ الذَّمَّ وَالْعِقَابَ لَا بِمَعْنَى إرَادَةِ وُجُودِ الْفِعْلِ، وَالْأَدِلَّةُ يَدُلُّ بَعْضُهَا عَلَى الْأَوَّلِ وَبَعْضُهَا عَلَى الثَّانِي، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ فِي اللُّغَةِ لِإِرَادَةِ الْمَأْمُورِ بِهِ بَلْ لِطَلَبِهِ، وَهُوَ لَا يَسْتَلْزِمُ الْإِرَادَةَ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَعَهَا فَيَحْصُلُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ بِدُونِهَا فَلَا يَحْصُلُ، وَلَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوَامِرِ الْعِبَادِ فِي نَفْسِ مَدْلُولِ اللَّفْظِ، وَلَا بِأَنَّ أَوَامِرَ الشَّرْعِ مَجَازَاتٌ لُغَوِيَّةٌ، وَأَيْضًا لَوْ كَانَ أَمْرُ كُنْ لِطَلَبِ وُجُودِ الْحَادِثِ وَإِرَادَةِ تَكَوُّنِهِ مِنْ غَيْرِ تَخَلُّفٍ وَتَرَاخٍ وَكَانَ أَزَلِيًّا لَزِمَ قِدَمُ الْحَوَادِثِ، وَأَيْضًا إذَا كَانَ أَزَلِيًّا لَمْ يَصِحَّ تَرَتُّبُهُ عَلَى تَعَلُّقِ الْإِرَادَةِ بِوُجُودِ الشَّيْءِ عَلَى مَا تُنْبِئُ عَنْهُ الْآيَةُ فَالْأَوْلَى أَنَّ الْكَلَامَ مَجَازٌ وَتَمْثِيلٌ لِسُرْعَةِ التَّكْوِينِ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ وَكَلَامٍ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ، أَيْ تَرَكْت مُوجَبَهُ، دَلَّ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَاصٍ، وَكُلُّ عَاصٍ يَلْحَقُهُ الْوَعِيدُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣] ، أَيْ مَاكِثًا الْمُكْثَ الطَّوِيلَ، وَالْوَعِيدُ عَلَى التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُودِ، وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] ذَمَّهُمْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ، وَهُوَ مَعْنَى الْوُجُوبِ فَإِنْ قِيلَ: مِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ أَنَّ الْوَعِيدَ وَالذَّمَّ عَلَى تَرْكِ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَوْ سُلِّمَ فَمِنْ أَيْنَ يُعْلَمُ الْوُجُوبُ فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ قُلْنَا مِنْ تَرَتُّبِ الْوَعِيدِ وَالذَّمِّ عَلَى نَفْسِ مُخَالَفَةِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ. وَأَمَّا دَلَالَةُ

стр. 299

الْوُجُوبِ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ يَكُونُ بِطَرِيقِ الْمَجَازَ لَا مَحَالَةَ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ فَقَدْ ذَكَرَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا فَعِنْدَ الْكَرْخِيِّ وَالْجَصَّاصِ مَجَازٌ فِيهِمَا، وَعِنْدَ الْبَعْضِ حَقِيقَةٌ، وَقَدْ اخْتَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا. وَتَأْوِيلُهُ أَنَّ الْمَجَازَ فِي اصْطِلَاحِهِ لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى خَارِجٌ عَنْ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَأَمَّا إذَا أُرِيدَ بِهِ جَزَاءُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَإِنَّهُ لَا يُسَمِّيهِ مَجَازًا بَلْ يُسَمِّيهِ حَقِيقَةً قَاصِرَةً، وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْمَوْضُوعِ أَنَّ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ مِنْ الْوُجُوبِ بَعْضُهُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَاصِرٌ لَا مُغَايِرٌ أَمَّا فِي اصْطِلَاحِ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَالْمَجَازُ لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ سَوَاءٌ كَانَ جُزْأَهُ أَوْ مَعْنًى خَارِجًا عَنْهُ، وَهَذَا التَّعْرِيفُ صَحِيحٌ عِنْدَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ــ [التلويح] الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ مُوجَبَ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هُوَ الْوُجُوبُ فَلِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعُرْفِ، وَاللُّغَةِ عَلَى أَنَّ مَنْ يُرِيدُ طَلَبَ الْفِعْلِ مَعَ الْمَنْعِ عَنْ تَرْكِهِ يَطْلُبُهُ بِمِثْلِ صِيغَةِ افْعَلْ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ جَزْمًا وَهُوَ الْوُجُوبُ، وَأَيْضًا لَمْ يَزَلْ الْعُلَمَاءُ يَسْتَدِلُّونَ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي إثْبَاتِ مَدْلُولَاتِ الْأَلْفَاظِ. (قَوْلُهُ مَسْأَلَةٌ) اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ فِي مُوجَبِ الْأَمْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ حَظْرِهِ، وَتَحْرِيمِهِ فَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ أَيْضًا لِلْوُجُوبِ بِالدَّلَالَةِ الْمَذْكُورَةِ فَإِنَّهَا لَا تُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَارِدَةِ بَعْدَ الْحَظْرِ وَغَيْرِهِ، وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الدَّلَائِلُ الْمَذْكُورَةُ إنَّمَا هِيَ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ وَالْوُرُودُ بَعْدَ الْحَظْرِ قَرِينَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ رَفْعُ التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَبَادَرِ إلَى الْفَهْمِ، وَهُوَ حَاصِلٌ بِالْإِبَاحَةِ، وَالْوُجُوبُ أَوْ النَّدْبُ زِيَادَةٌ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ دَلِيلٍ، وَقِيلَ لِلنَّدْبِ كَالْأَمْرِ بِطَلَبِ الرِّزْقِ، وَكَسْبِ الْمَعِيشَةِ بَعْدَ الِانْصِرَافِ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ الْجُمُعَةِ فَسَاوِمْ بِشَيْءٍ، وَإِنْ لَمْ تَشْتَرِهِ، وَقِيلَ: لِلْإِبَاحَةِ كَالْأَمْرِ بِالِاصْطِيَادِ بَعْدَ الْإِحْلَالِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمِثَالَ الْجُزْئِيَّ لَا يُصَحِّحُ الْقَاعِدَةَ الْكُلِّيَّةَ لِجَوَازِ أَنْ يَثْبُتَ النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ فِي الْآيَتَيْنِ بِمَعُونَةِ الْقَرِينَةِ، وَهِيَ أَنَّ مِثْلَ الْكَسْبِ وَالِاصْطِيَادِ إنَّمَا شُرِعَ حَقًّا لِلْعَبْدِ فَلَوْ وَجَبَ لَصَارَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ فَيَعُودُ عَلَى مَوْضُوعِهِ بِالنَّقْضِ، وَذَكَرَ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ أَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] لِلْإِيجَابِ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «طَلَبُ الْكَسْبِ بَعْدَ الصَّلَاةِ هُوَ الْفَرِيضَةُ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، وَتَلَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] » الْآيَةَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ بَعْدَ الْحَظْرِ لِلْإِبَاحَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَلِلْوُجُوبِ عِنْدَ الْبَعْضِ، وَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى التَّوَقُّفِ، وَلَيْسَ الْقَوْلُ بِكَوْنِهِ لِلنَّدَبِ مِمَّا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ، وَلَا نِزَاعَ فِي الْحَمْلِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْمَقَامُ عِنْدَ انْضِمَامِ الْقَرِينَةِ. [مَسْأَلَةٌ إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ] (قَوْلُهُ: مَسْأَلَةٌ) قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ فَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَالْجَصَّاصُ إنَّهُ مَجَازٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ لَيْسَ فِي صِيغَةِ

стр. 300

لَكِنْ يُحْمَلُ غَيْرُ الْمَوْضُوعِ لَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْخَارِجِيِّ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ إطْلَاقِ الْغَيْرِ عَلَى الْجُزْءِ فَإِنَّ الْجُزْءَ عِنْدَهُ لَيْسَ عَيْنًا، وَلَا غَيْرًا عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ تَفْسِيرِ الْغَيْرِ فِي عِلْمِ الْكَلَامِ فَحَاصِلُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ إطْلَاقَ الْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ أَهُوَ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ؟ وَمَعْنَى الِاسْتِعَارَةِ أَنْ تَكُونَ عَلَاقَةُ الْمَجَازِ وَصْفًا بَيِّنًا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَالْمَجَازِيِّ كَالشَّجَاعَةِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ، وَالْأَسَدِ (وَالْأَصَحُّ الثَّانِي) ، وَهُوَ إطْلَاقُ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ؛ لِأَنَّا سَلَّمْنَا أَنَّ الْإِبَاحَةَ مُبَايِنَةٌ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ ــ [التلويح] الْأَمْرِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ فَخْرَ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَمَا أَثْبَتَ كَوْنَهَا حَقِيقَةً لِلْوُجُوبِ خَاصَّةً، وَنَفَى الِاشْتِرَاكَ اخْتَارَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةٌ إذَا أُرِيدَ بِهِ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ، وَقَالَ هَذَا أَصَحُّ: وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ عَلَى كَوْنِهِ مَجَازًا بِصِحَّةِ النَّفْيِ مِثْلَمَا أُمِرْتَ بِصَلَاةِ الضُّحَى أَوْ صَوْمِ أَيَّامِ الْبِيضِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا عَلَى كَوْنِ " صَلُّوا صَلَاةَ الضُّحَى أَوْ صُومُوا أَيَّامَ الْبِيضِ " مَجَازًا، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ الْأَمْرِ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ لَيْسَ بِحَقِيقَةٍ بَلْ الْخِلَافُ فِي أَنَّ إطْلَاقَ لَفْظِ أَمْرٍ عَلَى الصِّيغَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِي الْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ٦٠] ، وقَوْله تَعَالَى ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] ، وَنَحْوُ ذَلِكَ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا، وَهَذَا مَا ذُكِرَ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ، وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ خِلَافًا لِلْكَرْخِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ الرَّازِيِّ وَهُوَ الْجَصَّاصُ، وَالْمُبَاحُ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ خِلَافًا لِلْكَعْبِيِّ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ حَقِيقَةٌ فِي النَّدْبِ؛ لِأَنَّ الْمَنْدُوبَ طَاعَةٌ، وَالطَّاعَةُ فِعْلُ الْمَأْمُورِ بِهِ؛ وَلِأَنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ مُطْبِقُونَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ يَنْقَسِمُ إلَى أَمْرِ إيجَابٍ، وَأَمْرِ نَدْبٍ، وَهَذَا لَا يُنَافِي كَوْنَ صِيغَةِ الْأَمْرِ مَجَازًا فِي النَّدْبِ، وَأَمَّا الْإِبَاحَةُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ مَجَازًا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلطَّلَبِ، وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ تَرْجِيحَ الْمَأْمُورِ بِهِ عَلَى مُقَابِلِهِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْكَعْبِيِّ فَالْمُبَاحُ وَاجِبٌ لِكَوْنِهِ تَرْكَ الْحَرَامِ أَوْ مُقَدِّمَةً لَهُ فَيَكُونُ مَأْمُورًا بِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُبَاحَ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ تَرْكُ الْحَرَامِ لَا يَتَعَيَّنُ لِذَلِكَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَحْصُلَ تَرْكُ الْحَرَامِ بِمُبَاحٍ آخَرَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ وَاجِبًا مُخَيَّرًا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مُبْهَمًا مِنْ أُمُورٍ مَحْصُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَالْمُبَاحَاتُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا تَرْكُ الْحَرَامِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ فَهَذَا مَحْمَلٌ جَيِّدٌ لِكَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْلَا نَظْمُ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ، وَتَخْصِيصُ الْخِلَافِ بِالْكَرْخِيِّ وَالْجَصَّاصِ؛ فَلِهَذَا ذَهَبَ أَكْثَرُ الشَّارِحِينَ إلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي صِيغَةِ الْأَمْرِ، وَأَوَّلُوا كَلَامَ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْأَمْرَ حَقِيقَةُ الْوُجُوبِ خَاصَّةً عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَلِلنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ عِنْدَ انْضِمَامِ الْقَرِينَةِ كَمَا أَنَّ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ حَقِيقَةٌ فِي الْكُلِّ خَاصَّةً بِدُونِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَفِي الْبَاقِي مَعَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَلَمَّا كَانَ فَسَادُ هَذَا التَّأْوِيلِ ظَاهِرَ التَّأْدِيَةِ إلَى إبْطَالِ الْمَجَازِ بِالْكُلِّيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَرِينَةِ حَقِيقَةٌ فِي الْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ

стр. 301

مَعْنَى الْإِبَاحَةِ جَوَازُ الْفِعْلِ، وَجَوَازُ التَّرْكِ، وَمَعْنَى الْوُجُوبِ جَوَازُ الْفِعْلِ مَعَ حُرْمَةِ التَّرْكِ لَكِنَّ مَعْنَى قَوْلِنَا أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِبَاحَةِ هُوَ أَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ مِنْ الْإِبَاحَةِ ــ [التلويح] فِي الْحَقِيقَةِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيمَا وُضِعَ لَهُ أَيْ دَلَّ عَلَيْهِ بِلَا قَرِينَةٍ ذَكَرُوا لَهُ تَأْوِيلًا آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُسْتَعْمَلَ فِي جُزْءِ مَا وُضِعَ لَهُ لَيْسَ بِمَجَازٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ فِي الْمَجَازِ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَالْجُزْءُ لَيْسَ غَيْرَ الْكُلِّ كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ عَيْنَهُ لِأَنَّ الْغَيْرَيْنِ مَوْجُودَانِ يَجُوزُ وُجُودُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِدُونِ وُجُودِ الْآخَرِ وَيَمْتَنِعُ وُجُودُ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ فَلَا يَكُونُ غَيْرَهُ. فَعِنْدَهُ اللَّفْظُ إنْ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ أَيْ فِي مَعْنًى خَارِجٍ عَمَّا وُضِعَ لَهُ فَمَجَازٌ، وَإِلَّا فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ فِي عَيْنِهِ فَحَقِيقَةٌ وَإِلَّا فَحَقِيقَةٌ قَاصِرَةٌ، وَكُلٌّ مِنْ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ بِمَنْزِلَةِ الْجُزْءِ مِنْ الْوُجُوبِ فَتَكُونُ صِيغَةُ الْأَمْرِ الْمَوْضُوعَةِ لِلْوُجُوبِ حَقِيقَةً قَاصِرَةً فِيهِمَا فَيُؤَوَّلُ الْخِلَافُ إلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَهَا فِي النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ لِيَكُونَ مَجَازًا أَوْ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لِيَكُونَ حَقِيقَةً قَاصِرَةً فَذَهَبَ الْبَعْضُ إلَى أَنَّهُ اسْتِعَارَةٌ بِجَامِعِ اشْتِرَاكِ الثَّلَاثَةِ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ إلَّا أَنَّهُ فِي الْوُجُوبِ مَعَ امْتِنَاعِ التَّرْكِ وَفِيهِمَا مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْإِبَاحَةِ، وَعَلَى رُجْحَانِ الْفِعْلِ فِي النَّدْبِ فَكُلٌّ مِنْ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ مُقَيَّدٌ بِجَوَازِ التَّرْكِ، وَلَا يَجْتَمِعُ مَعَ الْوُجُوبِ الْمُقَيَّدِ بِامْتِنَاعِ التَّرْكِ فَلَا يَكُونُ جُزْءًا لَهُ لِامْتِنَاعِ تَحَقُّقِ الْكُلِّ بِدُونِ الْجُزْءِ فَالْمُرَادُ بِالْمُبَايَنَةِ امْتِنَاعُ اجْتِمَاعِ الْإِبَاحَةِ، وَالْوُجُوبِ فِي فِعْلٍ وَاحِدٍ لِامْتِنَاعِ صِدْقِ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الْجُزْئِيَّةَ كَالسَّقْفِ، وَالْبَيْتِ. فَالْحَاصِلُ أَنَّ لَيْسَ النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ مُجَرَّدَ جَوَازِ الْفِعْلِ لِيَكُونَ جُزْءًا لِلْوُجُوبِ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ بَلْ الثَّلَاثَةُ أَنْوَاعٍ مُتَبَايِنَةٌ دَاخِلَةٌ تَحْتَ جِنْسِ الْحُكْمِ يَخْتَصُّ الْوُجُوبُ بِامْتِنَاعِ التَّرْكِ، وَالنَّدْبُ بِجَوَازِهِ مَرْجُوحًا، وَالْإِبَاحَةُ بِجَوَازِهِ عَلَى التَّسَاوِي. وَلِهَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ مِنْ الْوُجُوبِ بَعْضُهُ فِي التَّقْدِيرِ كَأَنَّهُ قَاصِرٌ لَا مُغَايِرٌ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ جُزْءًا قَاصِرًا بِالتَّحْقِيقِ، وَذَهَبَ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إلَى مَا اخْتَارَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ إطْلَاقِ اسْمِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ لَكِنْ قَرَّرَهُ عَلَى وَجْهٍ يَنْدَفِعُ عَنْهُ الِاعْتِرَاضُ السَّابِقُ، وَحَاصِلُهُ أَنْ لَيْسَ مَعْنَى كَوْنِ الْأَمْرِ لِلنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ، وَجَوَازِ التَّرْكِ مَرْجُوحًا أَوْ مُتَسَاوِيًا حَتَّى يَكُونَ الْمَجْمُوعُ مَدْلُولَ اللَّفْظِ لِلْقَطْعِ بِأَنَّ الصِّيغَةَ لِلطَّلَبِ، وَلَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ أَصْلًا بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّدْبِ أَوْ الْإِبَاحَةِ أَعْنِي جَوَازَ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ لَهُمَا، وَلِلْوُجُوبِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ أَوْ امْتِنَاعِهِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ جَوَازُ التَّرْكِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى حُرْمَةِ التَّرْكِ، وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ مُجَرَّدَ جَوَازِ الْفِعْلِ جُزْءٌ مِنْ الْوُجُوبِ الْمُرَكَّبِ مِنْ جَوَازِ الْفِعْلِ مَعَ امْتِنَاعِ التَّرْكِ فَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ الصِّيغَةَ الْمَوْضُوعَةَ

стр. 302

وَهُوَ جَوَازُ الْفِعْلِ فَقَطْ لَا أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كِلَا جُزْأَيْهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ أَصْلًا بَلْ إنَّمَا يَثْبُتُ جَوَازُ التَّرْكِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى حُرْمَةِ التَّرْكِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ آخَرُ لِلْوُجُوبِ فَيَثْبُتُ جَوَازُ التَّرْكِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الْأَصْلِ لَا بِلَفْظِ الْأَمْرِ فَجَوَازُ الْفِعْلِ الَّذِي يَثْبُتُ بِالْأَمْرِ جُزْءٌ لِلْوُجُوبِ فَيَكُونُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ دَالٌّ عَلَى جَوَازِ (الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ جُزْؤُهُمَا) أَيْ الْإِبَاحَةِ، وَالْوُجُوبِ (لَا عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ الَّذِي بِهِ الْمُبَايَنَةُ لَكِنْ يَثْبُتُ ذَا لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى حُرْمَةِ التَّرْكِ الَّتِي هِيَ جُزْءٌ آخَرُ ــ [التلويح] لِلْوُجُوبِ فِي مُجَرَّدِ جَوَازِ الْفِعْلِ مِنْ قَبِيلِ اسْتِعْمَالِ الْكُلِّ فِي الْجُزْءِ، وَيَكُونُ مَعْنَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْإِبَاحَةِ أَوْ النَّدْبِ اسْتِعْمَالَهَا فِي جُزْأَيْهِمَا الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْجِنْسِ لَهُمَا فَيَثْبُتُ الْفَصْلُ الَّذِي هُوَ جَوَازُ التَّرْكِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ لَا بِدَلَالَةِ اللَّفْظِ، وَيَثْبُتُ رُجْحَانُ الْفِعْلِ فِي النَّدْبِ بِوَاسِطَةِ الْقَرِينَةِ. فَإِنْ قُلْت: الْوُجُوبُ هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى طَلَبِ الْفِعْلِ، وَمَنْعِ النَّقِيضِ أَوْ الْأَثَرِ الثَّابِتِ بِهِ أَعْنِي كَوْنَ الْفِعْلِ مَطْلُوبًا مَمْنُوعُ التَّرْكِ أَوْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يُحْمَدُ فَاعِلُهُ، وَيُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا أَوْ كَوْنُهُ بِحَيْثُ يُثَابُ فَاعِلُهُ، وَيُعَاقَبُ أَوْ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ تَارِكُهُ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ جَوَازَ الْفِعْلِ جُزْءٌ مِنْ مَفْهُومِهِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ أَنَّ عَدَمَ الْمُعَاقَبَةِ جُزْءٌ لَهُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَوَازِ الْفِعْلِ فَمَمْنُوعٌ بِمُقَدَّمَتَيْهِ. قُلْت: هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ فِي الْفِعْلِ مَعَ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ، وَالْإِبَاحَةُ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ لَا فِي الْفِعْلِ، وَلَا فِي التَّرْكِ، وَأَنَّ الْمَأْذُونَ فِيهِ جِنْسٌ لِلْوَاجِبِ، وَالْمُبَاحِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالْمُرَادُ بِجَوَازِ الْفِعْلِ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ فِيهِ، وَهُوَ كَوْنُهُ مَأْذُونًا فِيهِ، وَالْمُنَاقَشَةُ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تَلِيقُ بِهَذِهِ الصِّنَاعَةِ. أَلَا يُرَى أَنَّ قَوْلَهُمْ الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ وُجُوبَ الْقِيَامِ مَثَلًا هُوَ الْمَدْلُولُ الْمُطَابِقُ لِلَفْظِ قُمْ بَلْ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لِطَلَبِ الْقِيَامِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ، وَالْمَنْعِ عَنْ التَّرْكِ. فَإِنْ قُلْت قَدْ صَرَّحُوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَمْرِ فِي النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَإِرَادَتِهِمَا مِنْهُ، وَلَا ضَرُورَةَ فِي حَمْلِ كَلَامِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي جِنْسِ النَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ عُدُولًا عَنْ الظَّاهِرِ، وَمَا ذُكِرَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ أَصْلًا إنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْحَقِيقَةِ فَغَيْرُ مُفِيدٍ، وَإِنْ أَرَادَ بِحَسَبِ الْمَجَازِ فَمَمْنُوعٌ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ جَزْمًا فِي طَلَبِ الْفِعْلِ مَعَ إجَازَةِ التَّرْكِ. وَالْإِذْنُ فِيهِ مَرْجُوحًا أَوْ مُسَاوِيًا بِجَامِعِ اشْتِرَاكِهِمَا فِي جَوَازِ الْفِعْلِ وَالْإِذْنِ فِيهِ قُلْت كَمَا صَرَّحُوا بِاسْتِعْمَالِ الْأَسَدِ فِي الْإِنْسَانِ الشُّجَاعِ، وَإِرَادَتِهِ مِنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مِنْ أَفْرَادِ الشُّجَاعِ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّ لَفْظَ الْأَسَدِ يَدُلُّ عَلَى ذَاتِيَّاتِ الْإِنْسَانِ كَالنَّاطِقِ مَثَلًا فَإِذَا كَانَ الْجَامِعُ هَاهُنَا هُوَ جَوَازَ الْفِعْلِ، وَالْإِذْنَ فِيهِ، وَيُثْبِتُ خُصُوصِيَّةَ كَوْنِهِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ أَوْ بِدُونِهِ بِالْقَرِينَةِ كَمَا أَنَّ الْأَسَدَ يُسْتَعْمَلُ فِي الشُّجَاعِ

стр. 303

لِلْوُجُوبِ) ، وَهَذَا بَحْثٌ دَقِيقٌ مَا مَسَّهُ إلَّا خَاطِرِي (هَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَ وَأُرِيدَ الْإِبَاحَةُ أَوْ النَّدْبُ مَا إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي الْوُجُوبِ لَكِنْ عَدَمُ الْوُجُوبِ بِالنَّسْخِ حَتَّى يَبْقَى النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَكُونُ مَجَازًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ دَلَالَةُ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ. وَالْمَجَازُ اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ مَا وُضِعَ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ) أَيْ هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا، وَهُوَ أَنَّ دَلَالَةَ الْأَمْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِطَرِيقِ إطْلَاقِ لَفْظِ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ أَمْ بِطَرِيقِ الِاسْتِعَارَةِ إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ إذَا اُسْتُعْمِلَ الْأَمْرُ، وَأُرِيدَ بِهِ النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَمَّا إذَا اُسْتُعْمِلَ الْأَمْرُ، وَأُرِيدَ بِهِ الْوُجُوبُ، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ، وَبَقِيَ النَّدْبُ أَوْ الْإِبَاحَةُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَالْأَمْرُ هَلْ يَكُونُ مَجَازًا أَمْ لَا فَأَقُولُ لَا يَكُونُ ــ [التلويح] وَيُعْلَمُ كَوْنُهُ إنْسَانًا بِالْقَرِينَةِ أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إطْلَاقُ لَفْظِ الْإِنْسَانِ عَلَى الْفَرَسِ بِجَامِعِ كَوْنِهِ حَيَوَانًا أَوْ مَاشِيًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ بَلْ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى مُطْلَقِ الْحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ دَلَالَةٍ عَلَى خُصُوصِهِ، وَبِالْجُمْلَةِ لَا يَخْفَى عَلَى الْمُتَأَمِّلِ الْمُنْصِفِ الْفَرْقُ بَيْنَ صِيغَةِ افْعَلْ، وَلَا تَفْعَلْ عِنْدَ قَصْدِ الْإِبَاحَةِ بِأَنَّ مَدْلُولَ الْأَوَّلِ جَوَازُ الْفِعْلِ، وَمَدْلُولَ الثَّانِي جَوَازُ التَّرْكِ لَا أَنَّ مَدْلُولَ كُلٍّ مِنْهُمَا جَوَازُ الْفِعْلِ مَعَ جَوَازِ التَّرْكِ فَإِنْ قُلْت فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا: هَذَا الْأَمْرُ لِلنَّدْبِ، وَقَوْلِنَا هُوَ لِلْإِبَاحَةِ، إذْ الْمُرَادُ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ قُلْت: الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ لِلنَّدْبِ أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي جَوَازِ الْفِعْلِ مَعَ قَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى أَوْلَوِيَّةِ الْفِعْلِ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهِ لِلْإِبَاحَةِ أَنَّهُ خَالٍ عَنْ ذَلِكَ كَمَا إذَا قُلْنَا يُرْمَى الْحَيَوَانُ أَوْ يَطِيرُ حَيَوَانٌ فَإِنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ وَاحِدٌ إلَّا أَنَّ الْأَوَّلَ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْسَانِ، وَالثَّانِي فِي الطَّيْرِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْبَحْثَ الدَّقِيقَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّحْقِيقِ. (قَوْلُهُ هَذَا إذَا اُسْتُعْمِلَ) يَعْنِي أَنَّ الْوُجُوبَ هُوَ عَدَمُ الْحَرَجِ فِي الْفِعْلِ مَعَ الْحَرَجِ فِي التَّرْكِ فَارْتِفَاعُهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِارْتِفَاعِ الْجُزْأَيْنِ جَمِيعًا، وَأَنْ يَكُونَ بِارْتِفَاعِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ، وَبَقَاءِ الْجَوَازِ الثَّابِتِ فِي ضِمْنِ الْوُجُوبِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَدُلُّ؛ لِأَنَّ دَلِيلَ الْوُجُوبِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ، وَامْتِنَاعِ التَّرْكِ، وَدَلِيلَ النَّسْخِ لَا يُنَافِي الْجَوَازَ لِجَوَازِ أَنْ يَرْتَفِعَ الْمُرَكَّبُ بِارْتِفَاعِ أَحَدِ جُزْأَيْهِ فَبَقِيَ دَلِيلُ الْجَوَازِ سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ هَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، وَأَمَّا عِنْدَ قِيَامِ الدَّلِيلِ فَلَا نِزَاعَ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ جَوَازَ الْوَاجِبِ لَا يَرْتَفِعُ بِنَسْخِ الْوُجُوبِ بَلْ يَتَوَقَّفُ عَلَى قِيَامِ الْمُحَرَّمِ، وَدَلَالَةَ أَمْرِ الْوُجُوبِ عَلَى جَوَازِ الْفِعْلِ دَلَالَةَ الْحَقِيقَةِ عَلَى مَدْلُولِهَا التَّضَمُّنِيِّ لَا دَلَالَةَ الْمَجَازِ عَلَى مَدْلُولِهِ الْمَجَازِيِّ فَعَلَى تَقْدِيرِ نَسْخِ الْوُجُوبِ، وَبَقَاءِ الْجَوَازِ لَا يَصِيرُ اللَّفْظُ مَجَازًا أَوْ حَقِيقَةً قَاصِرَةً عَلَى اخْتِلَافِ الرَّأْيَيْنِ حَتَّى يَلْزَمَ انْقِلَابُ اللَّفْظِ عَنْ الْحَقِيقَةِ إلَى الْمَجَازِ فِي إطْلَاقٍ وَاحِدٍ [فَصْلٌ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَ الْبَعْضِ يُوجِبُ الْعُمُومَ وَالتَّكْرَارَ] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) عُمُومُ الْفِعْلِ شُمُولُهُ أَفْرَادَهُ، وَتَكْرَارُهُ وُقُوعُهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، وَذَلِكَ بِإِيقَاعِ أَفْعَالٍ مُتَمَاثِلَةٍ فِي أَوْقَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ مُطْلَقًا يَجِبُ

стр. 304

مَجَازًا؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ لَفْظٌ أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ مَا وُضِعَ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْأَمْرِ الْوُجُوبُ بَلْ يَكُونُ دَلَالَةَ الْكُلِّ عَلَى الْجُزْءِ، وَالدَّلَالَةُ لَا تَكُونُ مَجَازًا فَإِنَّكَ إذَا أَطْلَقْتَ الْإِنْسَانَ، وَأَرَدْت بِهِ الْحَيَوَانَ النَّاطِقَ فَإِنَّ اللَّفْظَ يَدُلُّ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَجْزَاءِ، وَلَا مَجَازَ هُنَا بَلْ إنَّمَا يَكُونُ مَجَازًا إذَا أَطْلَقْتَ الْإِنْسَانَ، وَأَرَدْتَ بِهِ الْحَيَوَانَ فَقَطْ أَوْ النَّاطِقَ فَقَطْ، وَإِنَّمَا قُلْنَا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَلَى مَذْهَبِنَا إذَا نُسِخَ الْوُجُوبُ لَا تَبْقَى الْإِبَاحَةُ الَّتِي تَثْبُتُ فِي ضِمْنِ الْوُجُوبِ كَمَا أَنَّ قَطْعَ الثَّوْبِ كَانَ وَاجِبًا بِالْأَمْرِ إذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ فَإِنَّهُ لَمْ يَبْقَ الْقَطْعُ مُسْتَحَبًّا، وَلَا مُبَاحًا. (فَصْلٌ: الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عِنْدَ الْبَعْضِ يُوجِبُ الْعُمُومَ، وَالتَّكْرَارَ؛ لِأَنَّ " اضْرِبْ " مُخْتَصَرٌ مِنْ أَطْلَبُ مِنْكَ الضَّرْبَ، وَالضَّرْبُ اسْمُ جِنْسٍ يُفِيدُ الْعُمُومَ، وَلِسُؤَالِ السَّائِلِ فِي الْحَجِّ ــ [التلويح] فِيهِ الْمُدَاوَمَةُ، وَإِنْ كَانَ مُوَقَّتًا يَجِبُ إيقَاعُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُدَّةَ الْعُمُرِ مِثْلُ صَلُّوا الْفَجْرَ يَجِبُ الْعَوْدُ إلَى الصَّلَاةِ فِي كُلِّ فَجْرٍ فَيَتَلَازَمَانِ فِي مِثْلِ صَلُّوا، وَصُومُوا لِامْتِنَاعِ إيقَاعِ الْأَفْرَادِ فِي زَمَانٍ، وَيَفْتَرِقَانِ فِي مِثْلِ طَلِّقِي نَفْسَك لِجَوَازِ أَنْ يَقْصِدَ الْعُمُومَ دُونَ التَّكْرَارِ، وَعَامَّةُ أَوَامِرِ الشَّرْعِ مِمَّا يَسْتَلْزِمُ فِيهِ الْعُمُومُ التَّكْرَارَ فَلِذَا يَقْتَصِرُ فِي تَحْرِيرِ الْمَبْحَثِ عَلَى ذِكْرِ التَّكْرَارِ، وَقَدْ يُذْكَرُ الْعُمُومُ أَيْضًا نَظَرًا إلَى تَغَايُرِ الْمَفْهُومَيْنِ، وَصِحَّةِ افْتِرَاقِهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَمْرَ الْمُقَيَّدَ بِقَرِينَةِ الْعُمُومِ، وَالتَّكْرَارِ أَوْ الْخُصُوصِ، وَالْمَرَّةِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعُمُومَ فِي الْأَفْرَادِ، وَالتَّكْرَارَ فِي الزَّمَانِ، أَمَّا الْعُمُومُ فَلِدَلَالَتِهِ عَلَى مَصْدَرٍ مُعَرَّفٍ بِاللَّامِ؛ لِأَنَّ اضْرِبْ مُخْتَصَرٌ مِنْ أَطْلُبُ مِنْكَ الضَّرْبَ عَلَى قَصْدِ إنْشَاءِ الطَّلَبِ دُونَ الْإِخْبَارِ عَنْهُ، وَسَتَعْرِفُ جَوَابَهُ، وَأَمَّا التَّكْرَارُ، فَلِأَنَّ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ فَهِمَ التَّكْرَارَ مِنْ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ حِينَ سَأَلَ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ لَا يُقَالُ: لَوْ فَهِمَ لَمَا سَأَلَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ عَلِمَ أَنْ لَا حَرَجَ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ فِي حَمْلِ الْأَمْرِ بِالْحَجِّ عَلَى مُوجِبِهِ مِنْ التَّكْرَارِ حَرَجًا عَظِيمًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ فَسَأَلَ. وَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ فَهِمَ التَّكْرَارَ، بَلْ إنَّمَا سَأَلَ لِاعْتِبَارِهِ الْحَجَّ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ مِنْ الصَّلَاةِ، وَالصَّوْمِ، وَالزَّكَاةِ حَيْثُ تَكَرَّرَتْ بِتَكَرُّرِ الْأَوْقَاتِ، وَإِنَّمَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ رَأَى الْحَجَّ مُتَعَلِّقًا بِالْوَقْتِ، وَهُوَ مُتَكَرِّرٌ، وَبِالسَّبَبِ أَعْنِي الْبَيْتَ، وَهُوَ لَيْسَ بِمُتَكَرِّرٍ، وَفِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ أَنَّ السَّائِلَ هُوَ سُرَاقَةُ قَالَ فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ وَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْأَمْرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ الْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ فَهُوَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ «النَّبِيَّ ﵊ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا

стр. 305

أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ) . سَأَلَ أَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فِي الْحَجِّ أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ فَهِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْحَجِّ يُوجِبُ التَّكْرَارَ (قُلْنَا اعْتَبَرَهُ بِسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَحْتَمِلُهُ؛ لِمَا قُلْنَا غَيْرَ أَنَّ الْمَصْدَرَ نَكِرَةٌ فِي مَوْضِعِ الْإِثْبَاتِ فَيَخُصُّ عَلَى احْتِمَالِ الْعُمُومِ، وَعِنْدَ بَعْضِ عُلَمَائِنَا لَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَخْصُوصًا بِوَصْفٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قُلْنَا لُزُومٌ لِتَجَدُّدِ السَّبَبِ لَا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ، وَعِنْدَ عَامَّةِ عُلَمَائِنَا لَا يَحْتَمِلُهُمَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْمَصْدَرِ فَرْدٌ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ مُتَيَقَّنٌ أَوْ مَجْمُوعُ الْأَفْرَادِ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الْمَجْمُوعُ، وَذَا مُحْتَمَلٌ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنِّيَّةِ عَلَى الْعَدَدِ الْمَحْضِ) أَيْ لَا يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ الْمَحْضِ (فَفِي طَلِّقِي نَفْسَكِ يُوجِبُ الثَّلَاثَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَيَحْتَمِلُ الِاثْنَيْنِ، وَالثَّلَاثَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَنَا يَقَعُ عَلَى الْوَاحِدِ، وَيَصِحُّ نِيَّةُ الثَّلَاثِ لَا الِاثْنَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الثَّلَاثَ مَجْمُوعُ أَفْرَادِ الطَّلَاقِ فَيَكُونُ وَاحِدًا اعْتِبَارِيًّا، وَلَا يَصِحُّ نِيَّةُ الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ عَدَدٌ مَحْضٌ، وَلَا دَلَالَةَ لِاسْمِ الْفَرْدِ عَلَى الْعَدَدِ فَذَكَرُوا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ ــ [التلويح] ثَلَاثًا فَقَالَ: لَوْ قُلْتُ نَعَمْ لَوَجَبَ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَالْمَعْنَى لَوْ قُلْت نَعَمْ لَتَقَرَّرَ الْوُجُوبُ كُلَّ عَامٍ عَلَى مَا هُوَ الْمُسْتَفَادُ مِنْ الْأَمْرِ، قُلْنَا: لَا بَلْ مَعْنَاهُ لَصَارَ الْوَقْتُ سَبَبًا؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ صَاحِبَ الشَّرْعِ، وَإِلَيْهِ نَصْبُ الشَّرَائِعِ. الثَّانِي مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْعُمُومَ، وَالتَّكْرَارَ، وَلَكِنْ يَحْتَمِلُهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ لِطَلَبِ الْفِعْلِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مَرَّةً، وَمُتَكَرِّرًا، وَلِهَذَا يَتَقَيَّدُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِثْلُ اضْرِبْهُ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ، وَذَلِكَ لِمَا مَرَّ مِنْ سُؤَالِ الْأَقْرَعِ، وَمِنْ كَوْنِهِ مُخْتَصَرًا مِنْ أَطْلُبُ مِنْك ضَرْبًا أَوْ أَفْعَلُ ضَرْبًا، وَالنَّكِرَةُ فِي الْإِثْبَاتِ تَخُصُّ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَدَّرَ الْمَصْدَرُ مَعْرِفَةً بِدَلَالَةِ الْقَرِينَةِ فَيُفِيدُ الْعُمُومَ، وَوَحَّدَ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ يَحْتَمِلُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعُمُومِ، وَالتَّكْرَارِ وَاحِدٌ. الثَّالِثُ مَذْهَبُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ إلَّا إذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أَوْ مُقَيَّدًا بِثُبُوتِ وَصْفٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قَيَّدَ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ بِتَحَقُّقِ وَصْفِ دُلُوكِ الشَّمْسِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ التَّكْرَارَ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَوَامِرِ إنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ تَجَدُّدِ السَّبَبِ الْمُقْتَضِي لِتَجَدُّدِ الْمُسَبِّبِ لَا مِنْ مُطْلَقِ الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ أَوْ الْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ أَوْ الْمُقَيَّدِ بِوَصْفٍ، وَلَا يَلْزَمُ تَكَرُّرُ الْمَشْرُوطِ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الشَّرْطِ لَا يَقْتَضِي وُجُودَ الْمَشْرُوطِ بِخِلَافِ السَّبَبِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي وُجُودَ الْمُسَبَّبِ فَإِنْ قُلْت: الْكَلَامُ فِي الْأَمْرِ الْمُطْلَقِ، وَالْمُعَلَّقِ بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ مُقَيَّدٍ فَلَا يَكُونُ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ، وَحِينَئِذٍ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ لَا لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْخَصْمَ لَمْ يَدَّعِ أَنَّهُ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ بَلْ لِلْمُقَيَّدِ بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ قُلْت: قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ الْمُطْلَقِ هُوَ

стр. 306

بَيَانًا لِثَمَرَةِ الِاخْتِلَافِ وَلَمْ يَذْكُرُوا ثَمَرَةَ الِاخْتِلَافِ بَيْنَنَا، وَبَيْنَ مَنْ قَالَ لَا يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ فَأَوْرَدْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، وَهِيَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَطَلِّقِي نَفْسَكِ فَعَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ يَنْبَغِي؛ أَنْ يَثْبُتَ التَّكْرَارُ وَإِنَّمَا قُلْتُ يَنْبَغِي لِأَنَّهُ لَا رِوَايَةَ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَكِنْ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِمْ، وَهُوَ أَنَّهُ يُوجِبُ التَّكْرَارَ إذَا كَانَ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ يَجِبُ أَنْ يَثْبُتَ التَّكْرَارُ عِنْدَهُمْ. (وَفِي إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَطَلِّقِي نَفْسَكِ يَنْبَغِي ــ [التلويح] الْمُجَرَّدُ عَنْ قَرِينَةِ التَّكْرَارِ أَوْ الْمَرَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مُوَقَّتًا بِوَقْتٍ أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَخْصُوصًا بِوَصْفٍ أَوْ مُجَرَّدًا عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ لَا إشْكَالَ، وَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْمُعَلَّقَ بِالشَّرْطِ أَوْ الْوَصْفِ يَحْتَمِلُ التَّكْرَارَ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ يُوجِبُهُ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ حَتَّى لَا يَنْتَفِي إلَّا بِدَلِيلٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَطَلِّقِي نَفْسَك، وَلِهَذَا عَبَّرَ فِي التَّقْوِيمِ عَنْ هَذَا الْمَذْهَبِ بِأَنَّ الْمُطْلَقَ لَا يَقْتَضِي تَكْرَارًا لَكِنَّ الْمُعَلَّقَ بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ. فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُؤَثِّرُ التَّعَلُّقُ فِي إثْبَاتِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ قُلْنَا لَيْسَ بِبَعِيدٍ فَإِنَّ الْقَيْدَ رُبَّمَا يَصْرِفُ اللَّفْظَ عَنْ مَدْلُولِهِ كَصِيَغِ الطَّلَاقِ أَوْ الْعَتَاقِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُوجِبُ الْوُقُوعَ فِي الْحَالِ وَإِذَا عُلِّقَ بِالشَّرْطِ يَتَأَخَّرُ الْحُكْمُ إلَى زَمَانِ وُجُودِ الشَّرْطِ. الرَّابِعُ مَذْهَبُ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمْرَ لَا يَحْتَمِلُ الْعُمُومَ، وَالتَّكْرَارَ بَلْ هُوَ لِلْخُصُوصِ، وَالْمَرَّةِ سَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا مِثْلُ اُدْخُلْ الدَّارَ أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ وَصْفٍ مِثْلُ إنْ دَخَلْت السُّوقَ فَاشْتَرِ اللَّحْمَ لَا يَقْتَضِي إلَّا اشْتِرَاءَ اللَّحْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ الْعُمُومُ، وَالتَّكْرَارُ مِنْ دَلِيلٍ خَارِجِيٍّ كَتَكَرُّرِ السَّبَبِ مَثَلًا، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْإِمَامِ السَّرَخْسِيِّ: الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ، وَلَا يَحْتَمِلُهُ سَوَاءٌ كَانَ مُطْلَقًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ أَوْ مَخْصُوصًا بِصِفَةٍ إلَّا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْفِعْلِ يَقَعُ عَلَى أَقَلِّ جِنْسِهِ، وَهُوَ أَدْنَى مَا يُعَدُّ بِهِ مُمْتَثِلًا، وَيُحْتَمَلُ كُلُّ الْجِنْسِ بِدَلِيلِهِ، وَهُوَ النِّيَّةُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَدُلُّ عَلَى مَصْدَرٍ مُفْرَدٍ، وَالْمُفْرَدُ لَا يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ بَلْ عَلَى الْوَاحِدِ حَقِيقَةً، وَهُوَ الْمُتَيَقَّنُ فَيَتَعَيَّنُ، أَوْ اعْتِبَارًا أَعْنِي الْمَجْمُوعَ مِنْ حَيْثُ هُوَ مَجْمُوعٌ فَإِنَّهُ يُقَالُ: الْحَيَوَانُ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ الْأَجْنَاسِ، وَالطَّلَاقُ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ التَّصَرُّفَاتِ، وَكَثْرَةُ الْأَجْزَاءِ أَوْ الْجُزْئِيَّاتِ لَا يَمْنَعُ الْوَحْدَةَ الِاعْتِبَارِيَّةَ، وَهُوَ مُحْتَمَلٌ فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَإِنْ قِيلَ لَوْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ لَمَا صَحَّ تَفْسِيرُهُ بِهِ مِثْلُ: طَلِّقِي نَفْسَكِ ثِنْتَيْنِ أَوْ صُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ كُلَّ يَوْمٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ بَلْ تَغْيِيرٌ إلَى مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ، وَلِهَذَا قَالُوا: إذَا قُرِنَ بِالصِّيغَةِ ذِكْرُ الْعَدَدِ فِي الْإِيقَاعِ يَكُونُ الْوُقُوعُ بِلَفْظِ الْعَدَدِ لَا بِالصِّيغَةِ حَتَّى لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: طَلَّقْتُك ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً، وَقَدْ مَاتَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الْعَدَدِ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ، وَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ طَلَّقْتُك، وَطَلِّقِي نَفْسَك فَقَدْ سَبَقَ فِي بَحْثِ الِاقْتِضَاءِ. وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا نُسَلِّمُ؛ أَنَّ الْمُفْرَدَ لَا يَقَعُ عَلَى الْعَدَدِ فَإِنَّ الْمُفْرَدَ الْمُقْتَرِنَ بِشَيْءٍ مِنْ

стр. 307

أَنْ يَثْبُتَ التَّكْرَارُ عَلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ لَا عِنْدَنَا وقَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] لَا يُرَادُ بِهِ كُلُّ الْأَفْرَادِ إجْمَاعًا فَيُرَادُ الْوَاحِدُ فَلَمْ يَدُلَّ عَلَى الْيَسَارِ) . (فَصْلٌ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعَانِ: أَدَاءٌ) أَيْ تَسَلُّمُ عَيْنِ الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ (، وَقَضَاءٌ) أَيْ تَسْلِيمُ مِثْلِ الْوَاجِبِ بِهِ، وَقُلْنَا فِي الْأَوَّلِ الثَّابِتُ بِهِ لِيَشْمَلَ النَّفَلَ. ــ [التلويح] أَدَوَاتِ الْعُمُومِ، وَالِاسْتِغْرَاقِ يَكُونُ بِمَعْنَى كُلِّ فَرْدٍ لَا بِمَعْنَى مَجْمُوعِ الْأَفْرَادِ فَإِنْ زَعَمْت أَنَّهُ أَيْضًا وَاحِدٌ اعْتِبَارِيٌّ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ إذْ لَا نَعْنِي بِاحْتِمَالِ الْأَمْرِ لِلْعُمُومِ، وَالتَّكْرَارِ سِوَى أَنَّهُ يُرَادُ إيقَاعُ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْفِعْلِ (قَوْلُهُ وقَوْله تَعَالَى فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) قَدْ فَرَّعُوا عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، وَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْجِنْسِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ مَسْأَلَةَ عَدَمِ قَطْعِ يَسَارِ السَّارِقِ فِي الْكَرَّةِ الثَّانِيَةِ، وَكَلَامُ الْقَوْمِ صَرِيحٌ فِي ابْتِنَائِهَا عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَاعِلِ، وَهُوَ السَّارِقُ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ أَنَّ كُلَّ اسْمِ فَاعِلٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ لُغَةً مِثْلُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] لَمْ يَحْتَمِلْ الْعَدَدَ أَيْ كُلُّ اسْمِ فَاعِلٍ دَلَّ عَلَى مَصْدَرِهِ لَمْ يَحْتَمِلْ مَصْدَرُهُ الْعَدَدَ فَاللَّامُ فِي الْمَصْدَرِ عِوَضٌ عَنْ الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَضَمِيرٌ لَمْ يُحْتَمَلُ لِمَصْدَرِهِ، وَبِهِ يَحْصُلُ الرَّبْطُ فَيَصِحُّ الْكَلَامُ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الْفَاعِلِ لَا يَحْتَمِلُ الْعَدَدَ بِمَنْزِلَةِ الْمَصْدَرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فَمَعْنَى السَّارِقُ الَّذِي سَرَقَ سَرِقَةً وَاحِدَةً، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ الْوَاحِدُ الِاعْتِبَارِيُّ الَّذِي هُوَ مَجْمُوعُ السَّرِقَاتِ، وَإِلَّا لَتَوَقَّفَ قَطْعُ السَّارِقِ عَلَى آخِرِ الْحَيَاةِ إذْ لَا يُعْلَمُ تَحَقُّقُ جَمِيعِ سَرِقَاتِهِ إلَّا حِينَئِذٍ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْوَاجِبُ بِسَرِقَةٍ وَاحِدَةٍ قَطْعُ يَدٍ وَاحِدَةٍ بِالْإِجْمَاعِ فَالْمَعْنَى الَّذِي سَرَقَ، وَاَلَّتِي سَرَقَتْ سَرِقَةً وَاحِدَةً يُقْطَعُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمَا يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ الْيُمْنَى بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ، وَالسُّنَّةِ قَوْلًا، وَفِعْلًا، وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَيْمَانَهُمَا فَلَا يَكُونُ قَطْعُ الْيُسْرَى مُرَادًا أَصْلًا، وَلَا يُمْكِنُ تَكَرُّرِ الْحُكْمِ بِتَكَرُّرِ السَّبَبِ لِفَوَاتِ الْمَحَلِّ، وَهُوَ الْيَمِينُ بِخِلَافِ تَكَرُّرِ الْجَلْدِ بِتَكَرُّرِ الزِّنَا فَإِنَّ الْمَحَلَّ بَاقٍ، وَهُوَ الْبَدَنُ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ظَاهِرٌ فِي ابْتِنَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَصْدَرِ الْأَمْرِ أَعْنِي اقْطَعُوا فَإِنَّ الْوَاحِدَ الْحَقِيقِيَّ مُتَعَيِّنٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِالسَّرِقَةِ إلَّا يَدٌ وَاحِدَةٌ، وَقَطْعُ الْيَمِينِ مُرَادٌ إجْمَاعًا فَلَا تَدُلُّ الْآيَةُ عَلَى قَطْعِ الْيَسَارِ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ النَّصُّ، وَإِنَّمَا عَدَلَ عَنْ تَقْرِيرِ الْقَوْمِ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْفَاعِلِ كَالسَّارِقِ مَثَلًا عَامٌّ، وَعُمُومُهُ يَقْتَضِي عُمُومَ الْمَصْدَرِ ضَرُورَةَ امْتِنَاعِ قِيَامِ الْوَاحِدِ الْحَقِيقِيِّ بِالْمَجْمُوعِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوَحْدَةِ وَحْدَةُ الْمَصْدَرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ السَّارِقِ مَثَلًا. [فَصْلٌ الْإِتْيَانُ بِالْمَأْمُورِ بِهِ نَوْعَانِ أَدَاءٌ وَقَضَاءٌ] (قَوْلُهُ فَصْلٌ) لَا نِزَاعَ فِي أَنَّ إطْلَاقَ الْأَدَاءِ، وَالْقَضَاءِ بِحَسَبِ اللُّغَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالْمُؤَقَّتَاتِ، وَغَيْرِهَا مِثْلُ أَدَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْأَمَانَةِ، وَقَضَاءِ الْحُقُوقِ، وَقَضَاءِ الْحَجِّ، وَالْإِتْيَانِ ثَانِيًا

стр. 308

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التلويح] بَعْدَ فَسَادِ الْأَوَّلِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَمَّا بِحَسَبِ اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ فَعِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ﵁ يَخْتَصَّانِ بِالْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الْأَدَاءُ إلَّا فِيمَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْقَضَاءُ فَلِهَذَا قَالُوا: الْأَدَاءُ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا أَوَّلًا، وَالْقَضَاءُ مَا فُعِلَ بَعْدَ وَقْتِ الْأَدَاءِ اسْتِدْرَاكًا لِمَا سَبَقَ لَهُ مِنْ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا، وَقَوْلُهُمْ مُطْلَقًا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ لِيَدْخُلَ فِيهِ قَضَاءُ النَّائِمِ، وَالْحَائِضِ إذْ لَا وُجُوبَ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنْ وُجِدَ السَّبَبُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ كَيْفَ، وَجَوَازُ التَّرْكِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَهُوَ يُنَافِي الْوُجُوبَ، وَالْإِعَادَةُ مَا فُعِلَ فِي وَقْتِ الْأَدَاءِ ثَانِيًا لِخَلَلٍ فِي الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: لِعُذْرٍ فَالصَّلَاةُ بِالْجَمَاعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا تَكُونُ إعَادَةً عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ طَلَبَ الْفَضِيلَةِ عُذْرٌ لَا عَلَى الْأَوَّلِ لِعَدَمِ الْخَلَلِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْإِعَادَةَ قِسْمٌ مُقَابِلٌ لِلْأَدَاءِ، وَالْقَضَاءُ خَارِجٌ عَنْ تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ بِقَوْلِهِ أَوَّلًا بِنَاءَ عَلَى أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ فَعَلَ فَإِنَّ الْإِعَادَةَ مَا فُعِلَ ثَانِيًا لَا أَوَّلًا. وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ إلَى أَنَّهَا قِسْمٌ مِنْ الْأَدَاءِ، وَإِنَّ قَوْلَهُ فِي تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ أَوَّلًا مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: الْمُقَدَّرُ لَهُ شَرْعًا احْتِرَازًا عَنْ الْقَضَاءِ فَإِنَّهُ وَاقِعٌ فِي وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا ثَانِيًا حَيْثُ قَالَ ﵇ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَذَلِكَ وَقْتُهَا فَقَضَاءُ صَلَاةِ النَّائِمِ أَوْ النَّاسِي عِنْدَ التَّذَكُّرِ قَدْ فُعِلَ فِي وَقْتِهَا الْمُقَدَّرِ لَهَا ثَانِيًا لَا أَوَّلًا، وَعِنْدَ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَدَاءُ، وَالْقَضَاءُ مِنْ أَقْسَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُوَقَّتًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُوَقَّتٍ فَالْأَدَاءُ تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا ثَبَتَ بِالْأَمْرِ وَاجِبًا كَانَ أَوْ نَفْلًا، وَالْقَضَاءُ تَسْلِيمُ مِثْلِ مَا وَجَبَ بِالْأَمْرِ، وَالْمُرَادُ بِالثَّابِتِ بِالْأَمْرِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالْأَمْرِ لَا مَا ثَبَتَ وُجُوبُهُ بِهِ إذْ الْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ السَّبَبُ، وَحِينَئِذٍ يَصِحُّ تَسْلِيمُ عَيْنِ الثَّابِتِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ وَصْفٌ فِي الذِّمَّةِ لَا يَقْبَلُ التَّصَرُّفَ مِنْ الْعَبْدِ فَلَا يُمْكِنُ أَدَاءُ عَيْنِهِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُمْتَنِعَ تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا وَجَبَ بِالسَّبَبِ، وَثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ لَا تَسْلِيمُ عَيْنِ مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ بِالْأَمْرِ كَفِعْلِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَوْ إيتَاءِ رُبُعِ الْعُشْرِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْعَيْنِيَّةَ، وَالْمِثْلِيَّةَ بِالْقِيَاسِ إلَى مَا عُلِمَ ثُبُوتُهُ مِنْ الْأَمْرِ لَا مَا ثَبَتَ بِالسَّبَبِ فِي الذِّمَّةِ، وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ إلَى مَا يُقَالُ: إنَّ الشَّرْعَ شَغَلَ الذِّمَّةِ بِالْوَاجِبِ، ثُمَّ أَمَرَ بِتَفْرِيغِهَا فَأَخَذَ مَا يَحْصُلُ بِهِ فَرَاغُ الذِّمَّةِ حُكْمَ ذَلِكَ الْوَاجِبِ كَأَنَّهُ عَيْنُهُ، وَالثَّابِتُ بِالْأَمْرِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ بِصَرِيحِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] أَوْ بِمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ، وَمَعْنَى تَسْلِيمِ الْعَيْنِ أَوْ الْمِثْلِ فِي الْأَفْعَالِ، وَالْأَعْرَاضِ إيجَادُهَا، وَالْإِتْيَانُ بِهَا كَأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَالْعَبْدُ يُؤَدِّيهَا، وَيُسَلِّمُهَا إلَيْهِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ التَّقْيِيدَ بِالْوَقْتِ لِيَعُمَّ أَدَاءَ الزَّكَوَاتِ، وَالْأَمَانَاتِ، وَالْمَنْذُورَاتِ، وَالْكَفَّارَاتِ، وَقَالَ: الثَّابِتُ بِالْأَمْرِ دُونَ الْوَاجِبِ بِهِ لِيَعُمَّ أَدَاءَ النَّوَافِلِ فَاعْتُبِرَ فِي الْقَضَاءِ الْوُجُوبُ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى كَوْنِ الْمَتْرُوكِ لَا مَضْمُونًا، وَالنَّفَلُ لَا يُضْمَنُ بِالتَّرْكِ، وَأَمَّا إذَا شَرَعَ فِيهِ، وَأَفْسَدَهُ فَقَدْ صَارَ بِالشُّرُوعِ وَاجِبًا فَيُقْضَى، وَالْمُرَادُ بِالْوَاجِبِ هَاهُنَا مَا يَعُمُّ الْفَرْضَ أَيْضًا، وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَ مِثْلَ الْوَاجِبِ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ

стр. 309

(وَيُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ مَجَازًا) . (، وَالْقَضَاءُ يَجِبُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ عِنْدَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ ــ [التلويح] عِنْدِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ احْتِرَازًا عَنْ صَرْفِ دَرَاهِمِ الْغَيْرِ إلَى دَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ قَضَاءً، وَلِلْمَالِكِ أَنْ يَسْتَرِدَّهَا مِنْ رَبِّ الدَّيْنِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى أَنْ يَكُونَ ظُهْرَ يَوْمِهِ قَضَاءً مِنْ ظُهْرِ أَمْسِهِ أَوْ عَصْرِهِ قَضَاءً مِنْ ظُهْرِهِ لَا يَصِحُّ مَعَ قُوَّةِ الْمُمَاثَلَةِ بِخِلَافِ صَرْفِ النَّفْلِ مَعَ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِيهِ أَدْنَى فَإِنْ قُلْت: يَدْخُلُ فِي تَعْرِيفِ الْأَدَاءِ الْإِتْيَانُ بِالْمُبَاحِ الَّذِي وَرَدَ بِهِ الْأَمْرُ كَالِاصْطِيَادِ بَعْدَ الْإِحْلَالِ، وَلَا يُسَمَّى أَدَاءً قُلْت: الْمُبَاحُ لَيْسَ بِمَأْمُورٍ بِهِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فَالثَّابِتُ بِالْأَمْرِ لَا يَكُونُ إلَّا وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا، وَلِهَذَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَعْدَ مَا فَسَّرَ الْأَدَاءَ بِتَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَاجِبِ بِالْأَمْرِ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي الْأَدَاءِ قِسْمٌ آخَرُ، هُوَ النَّفَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الْأَمْرَ حَقِيقَةً فِي الْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ يَعْنِي أَنَّ الْأَدَاءَ، وَالْقَضَاءَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَإِنْ جُعِلَ الْأَمْرُ اسْمًا لِلطَّلَبِ الْجَازِمِ كَمَا هُوَ رَأْيُ الْبَعْضِ اخْتَصَّ الْأَدَاءُ بِالْوَاجِبِ، وَلِهَذَا جَعَلْنَاهُ مِنْ أَقْسَامِ مُوجِبِ الْأَمْرِ، وَإِنْ جُعِلَ اسْمًا لِلطَّلَبِ جَازِمًا كَانَ أَوْ رَاجِحًا عَلَى التَّرْكِ أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ دَخَلَ فِي الْمَأْمُورِ بِهِ الْوَاجِبُ، وَالْمَنْدُوبُ، وَالْمُبَاحُ فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالنَّفْلِ، وَهُوَ مَا يُثَابُ فَاعِلُهُ، وَلَا يُسِيءُ تَارِكُهُ، وَهَذَا مَعْنَى الْمَنْدُوبِ أَدَاءً فَيُفَسَّرُ بِتَسْلِيمِ عَيْنِ الْوَاجِبِ أَوْ الْمَنْدُوبِ، وَلَا يَخْتَصُّ بِمُوجِبِ الْأَمْرِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمُبَاحِ إذْ لَيْسَ فِي الْعُرْفِ إطْلَاقُ الْأَدَاءِ عَلَيْهِ كَالِاصْطِيَادِ مَثَلًا إلَّا مَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْكَشْفِ مِنْ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُسَمَّى أَدَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِكَوْنِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً لِلنَّدْبِ، وَالْإِبَاحَةِ بِأَنَّ الْكُلَّ مُوجِبُ الْأَمْرِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَوَهَّمَ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ هُوَ أَنَّهُ قَدْ يَدْخُلُ فِي الْأَدَاءِ قِسْمٌ آخَرُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَجْعَلُ صِيغَةَ الْأَمْرِ حَقِيقَةً فِي الْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ أَيْ يَجْعَلُهَا مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْوُجُوبِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَالنَّدْبِ لَفْظًا أَوْ يَجْعَلُهَا مَوْضُوعَةً لِلْإِذْنِ فِي الْفِعْلِ فَيَكُونُ حَقِيقَةً فِي كُلٍّ مِنْ الثَّلَاثَةِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِعْلُ الْمُبَاحِ أَيْضًا أَدَاءً لَاكْتَفَى بِقَوْلِ مَنْ يَجْعَلُهَا حَقِيقَةً فِي الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ بِاعْتِبَارِ الِاشْتِرَاكِ لَفْظًا أَوْ مَعْنًى، وَقَدْ أَطْلَعْنَاك عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ هُنَا لَفْظُ الْأَمْرِ لَا صِيغَتُهُ، وَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى مَا سَبَقَ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي اسْمِ الْأَمْرِ حَقِيقَةً فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ أَوْ مُطْلَقِ الطَّلَبِ جَازِمًا أَوْ رَاجِحًا أَوْ مُسَاوِيًا. لَكِنَّ التَّحْقِيقَ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الطَّلَبِ الْجَازِمِ أَوْ الرَّاجِحِ فَيَدْخُلُ فِي الثَّابِتِ بِالْأَمْرِ الْوَاجِبُ وَالْمَنْدُوبُ، وَإِنْ كَانَ صِيغَةُ الْأَمْرِ مَجَازًا فِي النَّدْبِ فِي الْأَحْكَامِ الثَّابِتَةِ بِالْأَلْفَاظِ الْمَجَازِيَّةِ ثَابِتَةً بِالنَّصِّ لَا مَحَالَةَ، وَلَا يَدْخُلُ الْمُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ بِالْأَمْرِ إلَّا عَلَى قَوْلِ الْكَعْبِيِّ. (قَوْلُهُ يُطْلَقُ كُلٌّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الْأَدَاءِ، وَالْقَضَاءِ عَلَى الْآخَرِ مَجَازًا شَرْعِيًّا لِتَبَايُنِ الْمَعْنَيَيْنِ مِنْ اشْتِرَاكِهِمَا فِي تَسْلِيمِ الشَّيْءِ إلَى مَنْ يَسْتَحِقُّهُ، وَفِي إسْقَاطِ الْوَاجِبِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] أَيْ أَدَّيْتُمْ فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ

стр. 310

عُرِفَتْ فِي وَقْتِهَا فَإِذَا فَاتَ شَرَفُ الْوَقْتِ لَا يُعْرَفُ لَهُ مِثْلٌ إلَّا بِنَصٍّ، وَعِنْدَ عَامَّةِ أَصْحَابِنَا يَجِبُ بِمَا أَوْجَبَ الْأَدَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ بِسَبَبِهِ لَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ عِنْدِهِ يَصْرِفُهُ إلَى مَا عَلَيْهِ فَمَا فَاتَ إلَّا شَرَفُ الْوَقْتِ، وَقَدْ فَاتَ غَيْرَ مَضْمُونٍ إلَّا بِالْإِثْمِ إذَا كَانَ عَامِدًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وَقَوْلُهُ ﵇ «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ» الْحَدِيثَ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وَقَالَ ﵇ «مَنْ نَامَ عَلَى صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ ذَلِكَ وَقْتُهَا» اسْتَدَلَّ بِالْآيَةِ، وَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ شَرَفَ الْوَقْتِ غَيْرُ ــ [التلويح] وَكَقَوْلِك أَدَّيْت الدَّيْنَ، وَنَوَيْت أَدَاءَ ظُهْرِ الْأَمْسِ، وَأَمَّا بِحَسَبِ اللُّغَةِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الْقَضَاءَ حَقِيقَةٌ فِي تَسْلِيمِ الْعَيْنِ وَالْمِثْلِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْإِسْقَاطُ، وَالْإِتْمَامُ، وَالْإِحْكَامُ، وَأَنَّ الْأَدَاءَ مَجَازٌ فِي تَسْلِيمِ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ يُنْبِئُ عَنْ شِدَّةِ الرِّعَايَةِ، وَالِاسْتِقْصَاءِ فِي الْخُرُوجِ عَمَّا لَزِمَهُ، وَذَلِكَ بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ دُونَ الْمِثْلِ (قَوْلُهُ وَالْقَضَاءُ) لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْقَضَاءَ بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ يَكُونُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَضَاءِ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ فَعِنْدَ الْبَعْضِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ أَيْ نَصٍّ مُبْتَدَأٍ مُغَايِرٍ لِلنَّصِّ الْوَارِدِ بِوُجُوبِ الْأَدَاءِ فَفِي عِبَارَةِ أَكْثَرِ الْمَشَايِخِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ هَاهُنَا مَا يُعْلَمُ بِهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَا مَا يَثْبُتُ بِهِ الْوُجُودُ كَالْوَقْتِ مَثَلًا، وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فِي أَثْنَاءِ الدَّلِيلِ، وَعِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا كَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ، وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرِ الْإِسْلَامِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى الْقَضَاءُ يَجِبُ بِالدَّلِيلِ الَّذِي أَوْجَبَ الْأَدَاءَ احْتَجَّ الْفَرِيقُ الْأَوَّلُ بِأَنَّ إقَامَةَ الْفِعْلِ فِي الْوَقْتِ إنَّمَا عُرِفَتْ قُرْبَةً شَرْعًا بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَلَا يُمْكِنُنَا إقَامَةُ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ فِي وَقْتٍ آخَرَ مَقَامَهُ بِالْقِيَاسِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ، وَتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّ إقَامَةَ الْخُطْبَةِ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ لَيْسَتْ مَشْرُوعَةً فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَكَذَا الْجَهْرُ بِالتَّكْبِيرِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ فِي غَيْرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ: فَإِذَا فَاتَ شَرَفُ الْوَقْتِ لَا يُعْرَفُ لَهُ أَيْ لِلْفِعْلِ الَّذِي عُرِفَ كَوْنُهُ قُرْبَةً مِثْلٌ إلَّا بِنَصٍّ إذْ لَا مَدْخَلَ لِلرَّأْيِ فِي مَقَادِيرِ الْعِبَادَاتِ، وَهَيْئَاتِهَا، وَإِثْبَاتِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا لَا يُقَالُ: لَوْ وَجَبَ بِنَصٍّ جَدِيدٍ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً فَلَمْ تَصِحَّ تَسْمِيَتُهُ قَضَاءً حَقِيقَةً؛ لِأَنَّا نَقُولُ سُمِّيَ قَضَاءً لِكَوْنِهِ اسْتِدْرَاكًا لِوُجُوبٍ سَابِقٍ بِخِلَافِ الْوَاجِبِ ابْتِدَاءً. وَاحْتَجَّ الْفَرِيقُ الثَّانِي بِأَنَّ الْفِعْلَ لَمَّا وَجَبَ فِي وَقْتِهِ بِسَبَبِهِ أَيْ بِدَلِيلِهِ الدَّالِّ عَلَيْهِ لَا يَسْقُطُ وُجُوبُهُ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَالْحَالُ أَنَّ لِلْفِعْلِ مِثْلًا مِنْ عِنْدِ الْمُكَلَّفِ يَصْرِفُهُ إلَى مَا وَجَبَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ يُقَرِّرُ تَرْكَ الِامْتِثَالِ، وَهُوَ يُقَرِّرُ مَا عَلَيْهِ مِنْ الْعُهْدَةِ، وَاحْتُرِزَ بِقَوْلِهِ، وَلَهُ مِثْلٌ مِنْ عِنْدِهِ عَنْ الْجُمُعَةِ، وَتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ حَيْثُ لَمْ يُشْرَعْ إقَامَةُ الْخُطْبَةِ مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَالْجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِنْ قِيلَ: مِنْ جُمْلَةِ الْهَيْئَاتِ وَالْأَوْصَافِ هُوَ الْوَقْتُ، وَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ قُلْنَا فَيُقْصَرُ الْفَوَاتُ عَلَى مَا تَحَقَّقَ الْعَجْزُ فِي حَقِّهِ، وَهُوَ إدْرَاكُ شَرَفِ الْوَقْتِ، وَيَبْقَى أَصْلُ الْعِبَادَةِ مَقْدُورًا مَضْمُونًا فَيُطَالَبُ بِالْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَتِهِ بِأَنْ يُصْرَفَ إلَيْهِ

стр. 311

مَضْمُونٍ أَصْلًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَامِدًا فِي التَّرْكِ. (وَإِذَا ثَبَتَ فِي الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَهُوَ مَعْقُولٌ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِمَا كَالْمَنْذُورَاتِ الْمُعَيَّنَةِ، وَالِاعْتِكَافِ قِيَاسًا، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ لِإِعْلَامِ أَنَّ مَا وَجَبَ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ غَيْرُ سَاقِطٍ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ، وَأَنَّ شَرَفَ الْوَقْتِ سَاقِطٌ لَا لِلْإِيجَابِ ابْتِدَاءً) جَوَابُ إشْكَالٍ مُقَدَّرٍ، وَهُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا وَجَبَ بِالنَّصِّ وَهُوَ ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَيَكُونُ، وَاجِبًا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ لَا بِالسَّبَبِ الَّذِي أَوْجَبَ الْأَدَاءَ فَقَالَ فِي جَوَابِهِ، وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ النَّصِّ لِإِعْلَامِ إلَخْ، وَأَيْضًا (لَا يَرِدُ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ، وَالْمَنْذُورَاتِ قِيَاسًا؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا الْأَصْلُ) ، وَهُوَ أَنَّ الْقَضَاءَ يَجِبُ بِمَا أَوْجَبَ الْأَدَاءَ (قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ الْمَنْذُورِ فِي رَمَضَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ) أَيْ إذَا نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ، وَلَمْ يَعْتَكِفْ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ يَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ ــ [التلويح] مَا هُوَ مَشْرُوعٌ لَهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ، وَيُمَاثِلُهُ فِي الْهَيْئَاتِ، وَالْأَذْكَارِ حِسًّا، وَعَقْلًا، وَفِي إزَالَةِ الْمَأْثَمِ شَرْعًا، وَإِنْ لَمْ يُمَاثِلْهُ فِي إحْرَازِ الْفَضِيلَةِ فَإِنْ قِيلَ: الْوَاجِبُ بِصِفَةٍ لَا يَبْقَى بِدُونِهَا كَالْوَاجِبِ بِالْقُدْرَةِ الْمُيَسَّرَةِ يَسْقُطُ بِسُقُوطِهَا قُلْنَا: نَعَمْ إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ مَقْصُودَةً، وَالْوَقْتُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعِبَادَةِ هُوَ تَعْظِيمُ اللَّهِ تَعَالَى، وَمُخَالَفَةُ الْهَوَى، وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَامْتِنَاعُ التَّقْدِيمِ عَلَى الْوَقْتِ إنَّمَا هُوَ لِامْتِنَاعِ تَقْدِيمِ الْحُكْمِ عَلَى السَّبَبِ فَإِنْ قِيلَ: الْفَائِتُ يُقَابَلُ بِالْمِثْلِ أَوْ الضَّمَانِ فَمَا الَّذِي قُوبِلَ بِهِ شَرَفُ الْوَقْتِ الْفَائِتِ قُلْنَا: قَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ مُقَابَلَتِهِ بِالْمِثْلِ إذَا لَمْ يُشْرَعْ لِلْعَبْدِ مَا يُمَاثِلُ شَرَفَ الْوَقْتِ، وَأَمَّا الْمُقَابَلَةُ بِالضَّمَانِ فَقَدْ انْتَفَتْ فِي غَيْرِ الْعَمْدِ لِقَوْلِهِ ﵇ «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ، وَالنِّسْيَانُ» ، وَيَثْبُتُ تَحْقِيقُ الْإِثْمِ فِي الْعَمْدِ بِالنَّصِّ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَأْثِيمِ تَارِكِ الْوَاجِبِ بِتَأْخِيرِهِ عَنْ وَقْتِهِ، ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ كَلَامِ الْقَوْمِ أَنْ يُرَادَ الْآيَةُ، وَالْحَدِيثُ فِي هَذَا الْمَقَامِ لِلتَّمَسُّكِ بِهِمَا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مِنْ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ لَا يَسْقُطُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ إلَّا أَنَّ الْمُصَنِّفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ صَرَّحَ بِأَنَّهُ تَعْلِيلٌ لِمَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا كَانَ عَامِدًا وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَامِدًا لَا يَكُونُ شَرَفُ الْوَقْتِ مَضْمُونًا أَصْلًا، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ جَعَلَ جَزَاءَ التَّرْكِ غَيْرَ عَامِدٍ، وَهُوَ الْإِتْيَانُ بِالصَّوْمِ فِي أَيَّامٍ أُخَرَ، وَالصَّلَاةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ، مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِشَيْءٍ آخَرَ بَلْ مَعَ إيمَاءٍ إلَى أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَأْتِيِّ بِهِ فِي وَقْتِهِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهُ الِاسْتِدْلَالَ بِهِمَا عَلَى عَدَمِ سُقُوطِ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ لِخُرُوجِ الْوَقْتِ إلَّا أَنَّهُ نَبَّهَ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ عَلَى زِيَادَةِ فَائِدَةٍ. وَبِالْجُمْلَةِ بَقَاءُ الْوُجُوبِ بَعْدَ الْوَقْتِ ثَابِتٌ فِي الصَّوْمِ بِنَصِّ الْكِتَابِ، وَفِي الصَّلَاةِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ، وَكِلَاهُمَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى؛ لِأَنَّ خُرُوجَ الْوَقْتِ لَا يَصْلُحُ مُسْقِطًا، وَلَا عَجْزَ فِي حَقِّ أَصْلِ الْعِبَادَةِ فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ فِي غَيْرِ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ كَالْمَنْذُورِ، وَالِاعْتِكَافِ قِيَاسًا عَلَيْهِمَا بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عِبَادَةٌ، وَجَبَتْ بِسَبَبِهَا فَإِنْ قِيلَ: هَذَا حُجَّةٌ عَلَيْكُمْ لَا لَكُمْ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ قَضَاءِ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ ثَبَتَ بِنَصِّ الْكِتَابِ

стр. 312

الْمَنْذُورِ فِي رَمَضَانَ آخَرَ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِمَا أَوْجَبَ الْأَدَاءَ، وَالْأَدَاءُ قَدْ أَوْجَبَهُ النَّذْرُ، وَالنَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ لَمْ يُوجِبْ صَوْمًا مَخْصُوصًا بِالِاعْتِكَافِ فَيَجُوزُ الْقَضَاءُ فِي رَمَضَانَ آخَرَ. (قُلْنَا: الْقَضَاءُ هَاهُنَا يَجِبُ بِمَا أَوْجَبَ الْأَدَاءَ) أَيْ النَّذْرُ (وَهُوَ يَقْتَضِي صَوْمًا مَخْصُوصًا بِالِاعْتِكَافِ لَكِنَّهُ) أَيْ الصَّوْمَ الْمَخْصُوصَ بِالِاعْتِكَافِ (سَقَطَ فِي رَمَضَانَ بِعَارِضِ شَرَفِ الْوَقْتِ فَإِذَا فَاتَ هَذَا) أَيْ عَارِضُ شَرَفِ الْوَقْتِ (بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ دَرْكُهُ إلَّا بِوَقْتٍ مَدِيدٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْحَيَاةُ وَالْمَوْتُ) وَهُوَ مِنْ شَوَّالٍ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ (عَادَ إلَى الْأَصْلِ مُوجِبًا لِصَوْمٍ مَقْصُودٍ) أَيْ لِصَوْمٍ مَخْصُوصٍ بِالِاعْتِكَافِ (فَوُجُوبُ الْقَضَاءِ مَعَ سُقُوطِ شَرَفِ الْوَقْتِ أَحْوَطُ مِنْ وُجُوبِهِ مَعَ رِعَايَةِ شَرَفِ الْوَقْتِ إذْ سُقُوطُهُ يُوجِبُ صَوْمًا مَقْصُودًا، وَفَضِيلَةُ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ أَحْوَطُ مِنْ فَضِيلَةِ شَرَفِ الْوَقْتِ) هَذَا هُوَ مُرَادُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ، وَكَانَ هَذَا أَحْوَطَ الْوَجْهَيْنِ، وَالْإِشَارَةُ تَرْجِعُ إلَى السُّقُوطِ فِي قَوْلِهِ فَسَقَطَ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ ــ [التلويح] وَالسُّنَّةِ، وَوُجُوبَ قَضَاءِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ بِالْقِيَاسِ فَيَكُونُ الْقَضَاءُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، وَدَلِيلٍ مُبْتَدَأٍ لَا بِمَا أَوْجَبَ الْأَدَاءَ، قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّصَّ لِإِيجَابِ الْقَضَاءِ بَلْ لِلْإِعْلَامِ بِبَقَاءِ الْوَاجِبِ، وَسُقُوطِ شَرَفِ الْوَقْتِ لَا إلَى مِثْلٍ، وَضَمَانٍ فِيمَا إذَا كَانَ إخْرَاجُ الْوَاجِبِ عَنْ الْوَقْتِ بِعُذْرٍ، وَالْقِيَاسُ مُظْهِرٌ لَا مُثْبِتٌ فَيَكُونُ بَقَاءُ وُجُوبِ الْمَنْذُورِ، وَالِاعْتِكَافِ ثَابِتًا بِالنَّصِّ الْوَارِدِ فِي بَقَاءِ وُجُوبِ الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ، وَيَكُونُ الْوُجُوبُ فِي الْكُلِّ بِالسَّبَبِ السَّابِقِ لَا يُقَالُ: لَوْ ثَبَتَ الْقَضَاءُ بِالْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَكَانَ الْأَمْرُ مُقْتَضِيًا لَهُ، وَنَحْنُ قَاطِعُونَ بِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: صُمْ يَوْمَ الْخَمِيسِ لَا يَقْتَضِي صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَيْضًا لَوْ اقْتَضَاهُ لَكَانَ أَدَاءً بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ: صُمْ إمَّا يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَإِمَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَكَانَا سَوَاءً فَلَا يَعْصِي بِالتَّأْخِيرِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ أُمِرَ بِالصَّوْمِ، وَبِإِيقَاعِهِ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ فَلَمَّا فَاتَ إيقَاعُهُ فِي يَوْمِ الْخَمِيسِ الَّذِي بِهِ كَمَالُ الْمَأْمُورِ بِهِ بَقِيَ الْوُجُوبُ مَعَ نَقْصٍ فِيهِ وَحِينَئِذٍ لَا يَلْزَمُ اقْتِضَاءُ خُصُوصِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَلَا كَوْنُهُ أَدَاءً فِيهِ، وَلَا كَوْنُ صَوْمِ الْيَوْمَيْنِ سَوَاءً. (قَوْلُهُ فَإِنْ قِيلَ:) لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَعْتَكَفَ رَمَضَانَ أَوْ أَعْتَكَفَ هَذَا الشَّهْرَ مُشِيرًا إلَى رَمَضَانَ فَصَامَهُ، وَلَمْ يَعْتَكِفْ لَزِمَهُ قَضَاءُ الِاعْتِكَافِ شَهْرًا مُتَتَابِعًا بِصَوْمٍ مُبْتَدَأٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْضِيَهُ فِي رَمَضَانَ آخَرَ مُكْتَفِيًا بِصَوْمِهِ خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀ فَلَوْ كَانَ الْقَضَاءُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، وَهُوَ النَّذْرُ لَجَازَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ رَمَضَانَ الْآخَرَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي كَوْنِ الصَّوْمِ مَشْرُوعًا فِيهِ مُسْتَحَقًّا عَلَيْهِ، وَكَوْنُ الِاعْتِكَافِ فِيهِ صَحِيحًا، وَلَمَّا لَمْ يَجُزْ عُلِمَ أَنَّهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ هُوَ التَّفْوِيتُ، وَهُوَ سَبَبٌ مُطْلَقٌ يُوجِبُ الِاعْتِكَافَ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ بِهِ بِمَنْزِلَةِ مَا إذَا نَذَرَ ابْتِدَاءً أَنْ يَصُومَ شَهْرًا فَظَاهِرُ هَذَا التَّقْرِيرِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّبَبِ الْجَدِيدِ أَوْ السَّبَبِ

стр. 313

مِنْ الزِّيَادَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ، وُجُوبَ الْقَضَاءِ مَعَ سُقُوطِ زِيَادَةٍ تَثْبُتُ بِشَرَفِ الْوَقْتِ أَحْوَطُ مِنْ الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَهُوَ أَنْ يَجِبَ الْقَضَاءُ مَعَ وُجُوبِ رِعَايَةِ شَرَفِ الْوَقْتِ كَمَا أَنَّ الْأَدَاءَ وَجَبَ مَعَهُ فَكَأَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ فِي سُقُوطِ شَرَفِ الْوَقْتِ تَرْكَ الِاحْتِيَاطِ فَنُجِيبُ بِأَنَّ هَذَا أَحْوَطُ مِنْ وُجُوبِ رِعَايَةِ شَرَفِ الْوَقْتِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى الْأَحْوَطِيَّةِ مَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ إلَخْ فَمَعْنَاهُ أَنَّ شَرَفَ الْوَقْتِ أَوْجَبَ زِيَادَةً، وَأَوْجَبَ نُقْصَانًا فَالزِّيَادَةُ هِيَ أَفْضَلِيَّةُ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى صِيَامِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَالنُّقْصَانُ هُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ فَلَمَّا مَضَى رَمَضَانُ سَقَطَ وُجُوبُ رِعَايَةِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إمْكَانِ الْمَوْتِ قَبْلَ رَمَضَانَ آخَرَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطُ ذَلِكَ النُّقْصَانُ الْمُنْجَبِرُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ أَيْضًا، وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ بِالطَّرِيقَةِ الْأُولَى. وَوَجْهُ الْأَوْلَوِيَّةِ أَنَّ الْعِبَادَةَ مِمَّا يُحْتَاطُ فِي إثْبَاتِهِ فَسُقُوطُ النُّقْصَانِ أَوْلَى مِنْ سُقُوطِ الزِّيَادَةِ، وَأَيْضًا سُقُوطُ الزِّيَادَةِ بِشَرَفِ الْوَقْتِ إنَّمَا يَثْبُتُ بِخَوْفِ الْمَوْتِ، وَسُقُوطُ النُّقْصَانِ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ يَثْبُتُ بِخَوْفِ الْمَوْتِ، وَالنَّذْرِ بِالِاعْتِكَافِ أَيْضًا فَإِذَا سَقَطَتْ الزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ سَقَطَ النُّقْصَانُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى. وَسُقُوطُ ــ [التلويح] الْأَوَّلِ هُوَ سَبَبُ الْحُكْمِ لَا النَّصِّ الدَّالِّ عَلَى ثُبُوتِ الْحُكْمِ، وَإِلَّا لَكَانَ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُقَالَ: السَّبَبُ الْمُوجِبُ لِلْأَدَاءِ هُوَ النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَالسَّبَبُ الْجَدِيدُ هُوَ قِيَاسُ الْمَنْذُورِ عَلَى الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ بَلْ النَّصُّ الْوَارِدُ فِي وُجُوبِ قَضَائِهِمَا، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: كَوْنُ سَبَبِ الْقَضَاءِ هُوَ النَّذْرَ كِنَايَةً عَنْ وُجُوبِهِ بِالنَّصِّ الدَّالِّ عَلَى وُجُوبِ الْمَنْذُورِ، وَكَوْنُهُ هُوَ التَّفْوِيتَ كِنَايَةً عَنْ وُجُوبِهِ بِالْقِيَاسِ عَلَى الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ تَعْبِيرًا بِاللَّازِمِ عَنْ الْمَلْزُومِ، وَفِي لَفْظِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إشَارَةٌ خَفِيَّةٌ إلَى هَذَا الْمَعْنَى. أَوْ يُقَالُ: هَذَا تَمْثِيلٌ لِإِيجَابِ الشَّارِعِ الْفِعْلَ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِإِيجَابِ الْمُكَلَّفِ إيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَالْمَسْأَلَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ فِيمَا أَوْجَبَهُ الْمُكَلَّفُ عَلَى نَفْسِهِ يَكُونُ بِمُوجِبٍ جَدِيدٍ لَا بِالْمُوجِبِ الْأَوَّلِ فَكَذَا فِي إيجَابِ الشَّارِعِ، وَتَقْرِيرُ الْجَوَابِ ظَاهِرٌ مِنْ الْكِتَابِ، وَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنَّ الِاعْتِكَافَ الْوَاجِبَ بِالنَّذْرِ مُطْلَقًا يَقْتَضِي صَوْمًا، وَلِلِاعْتِكَافِ أَثَرٌ فِي إيجَابِهِ، وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا النُّقْصَانُ فِي مَسْأَلَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَارِضِ شَرَفِ الْوَقْتِ، وَمَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ فَقَدْ فَاتَ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ اكْتِسَابِ مِثْلِهِ إلَّا بِالْحَيَاةِ إلَى رَمَضَانَ آخَرَ، وَهُوَ وَقْتٌ مَدِيدٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْحَيَاةُ، وَالْمَمَاتُ فَلَمْ تَثْبُتْ الْقُدْرَةُ فَسَقَطَ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ الزِّيَادَةِ فَبَقِيَ مَضْمُونًا بِإِطْلَاقِهِ، وَكَانَ هَذَا أَحْوَطَ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ الزِّيَادَةِ لَمَّا احْتَمَلَ السُّقُوطَ، فَالنُّقْصَانُ، وَالرُّخْصَةُ الْوَاقِعَةُ بِالشَّرَفِ لَأَنْ يَحْتَمِلَ السُّقُوطَ، وَالْعَوْدَ إلَى الِاعْتِكَافِ

стр. 314

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [التلويح] أَوْلَى فَإِذَا عَادَ لَمْ يَتَأَدَّ فِي رَمَضَانَ الثَّانِي فَقَوْلُهُ يَقْتَضِي صَوْمًا مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الصَّوْمِ فِي الِاعْتِكَافِ الْوَاجِبِ لِقَوْلِهِ ﵇ «لَا اعْتِكَافَ إلَّا بِالصَّوْمِ» ، وَإِيجَابُ الشَّيْءِ إيجَابٌ لِتَوَابِعِهِ، وَشَرَائِطِهِ الَّتِي لَا يَتَوَسَّلُ إلَيْهِ إلَّا بِهَا، وَيَكُونُ مِمَّا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مِمَّا يُلْتَزَمُ بِالنَّذْرِ حَتَّى لَوْ نَذَرَ صَلَاةً، وَهُوَ مُتَوَضِّئٌ جَازَ أَدَاؤُهَا بِهِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى وُضُوءٍ لِأَجْلِهَا، وَقَوْلُهُ: وَإِنَّمَا جَاءَ هَذَا النُّقْصَانُ أَيْ عَدَمُ وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ بِالِاعْتِكَافِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِوَاسِطَةِ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ بِشَرَفِهِ، وَاخْتِصَاصِهِ بِفَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ فِيهِ لَا يَقْبَلُ إيجَابَ الصَّوْمِ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ فَلَوْ لَمْ يَسْقُطْ وُجُوبُ الصَّوْمِ الْمُخَصَّصِ بِالِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الْوَقْتِ لَمَا أَمْكَنَ إدْرَاكُ فَضِيلَةِ الِاعْتِكَافِ فِي هَذَا الْوَقْتِ الشَّرِيفِ فَثَبَتَ بِعَارِضِ شَرَفِ الْوَقْتِ نُقْصَانٌ هُوَ عَدَمُ وُجُوبِ صَوْمٍ مَخْصُوصٍ بِالِاعْتِكَافِ، وَزِيَادَةٌ هِيَ فَضِيلَةُ الْعِبَادَةِ فِي الْوَقْتِ الشَّرِيفِ، وَفَضْلُ صِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى صِيَامِ سَائِرِ الْأَيَّامِ، وَقَوْلُهُ فَلَمْ تَثْبُتْ الْقُدْرَةُ أَيْ عَلَى اكْتِسَابِ مِثْلِ مَا فَاتَ مِنْ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ الثَّابِتَةِ بِشَرَفِ الْوَقْتِ فَسَقَطَ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ اكْتِسَابِهِ فَبَقِيَ الِاعْتِكَافُ مَضْمُونًا بِإِطْلَاقِهِ إذْ لَا عَجْزَ عَنْهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي صَوْمًا مَقْصُودًا مَخْصُوصًا بِهِ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ صَلَاةٍ وَجَبَتْ مَعَ شَرَفِ الْوَقْتِ، وَقَدْ تَحَقَّقَ الْعَجْزُ عَنْ إدْرَاكِ شَرَفِ الْوَقْتِ لِخُرُوجِهِ فَبَقِيَ أَصْلُ الصَّلَاةِ مَضْمُونًا بِشَرَائِطِهَا، وَقَوْلُهُ، وَكَانَ هَذَا أَيْ سُقُوطُ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ زِيَادَةِ الْفَضِيلَةِ، وَبَقَاءِ الِاعْتِكَافِ مَضْمُونًا بِإِطْلَاقِهِ أَحْوَطُ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْقَضَاءِ مَعَ سُقُوطِ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَجِبَ الْقَضَاءُ بِصَوْمٍ مَخْصُوصٍ، وَالْآخَرُ وُجُوبُ الْقَضَاءِ مَعَ رِعَايَةِ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَقْضِيَ الِاعْتِكَافَ فِي رَمَضَانَ آخَرَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهِ أَحْوَطَ الْوَجْهَيْنِ: هُوَ أَنَّ مَا ثَبَتَ بِشَرَفِ الْوَقْتِ مِنْ الزِّيَادَةِ لَمَّا احْتَمَلَ السُّقُوطَ بِمُضِيِّ رَمَضَانَ فَالنُّقْصَانُ الثَّابِتُ، وَالرُّخْصَةُ الْوَاقِعَةُ بِشَرَفِ الْوَقْتِ أَوْلَى بِاحْتِمَالِ السُّقُوطِ، وَالْعَوْدَةِ إلَى الْكَمَالِ الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي الِاعْتِكَافِ، وَهُوَ أَنْ يَقْتَرِنَ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ مَخْصُوصٍ بِهِ، وَإِذَا عَادَ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ إلَى كَمَالِهِ لَمْ يَتَأَدَّ بِالِاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ الثَّانِي لِخُلُوِّهِ عَنْ الصَّوْمِ الْمَخْصُوصِ بِالِاعْتِكَافِ؛ وَلِأَنَّهُ وَجَبَ كَامِلًا فَلَا يَتَأَدَّى نَاقِصًا. وَوَجْهُ أَوْلَوِيَّةِ سُقُوطِ النُّقْصَانِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْعِبَادَةِ أَحْوَطُ مِنْ تَرْكِهَا، وَإِيجَابَهَا أَوْلَى مِنْ نَفْيِهَا، وَزِيَادَتَهَا خَيْرٌ مِنْ النُّقْصَانِ فِيهَا فَسُقُوطُ النُّقْصَانِ فِيهَا يَكُونُ أَوْلَى مِنْ سُقُوطِ الزِّيَادَةِ، وَأَيْضًا سُقُوطُ النُّقْصَانِ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُوبِ صَوْمٍ مَخْصُوصٍ بِهِ فَهُوَ تَكْثِيرٌ لِلْعِبَادَةِ، وَتَكْمِيلٌ لِلِاعْتِكَافِ فَيَكُونُ أَوْلَى، وَثَانِيهِمَا: أَنَّ مُوجِبَ سُقُوطِ الزِّيَادَةِ أَمْرٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ خَوْفُ الْمَوْتِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي، وَمُوجِبُ سُقُوطِ النُّقْصَانِ أَمْرَانِ: خَوْفُ الْمَوْتِ، وَالنَّذْرُ بِالِاعْتِكَافِ: أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ خَوْفَ

стр. 315

النُّقْصَانِ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ فَعُلِمَ أَنَّ سُقُوطَ شَرَفِ الْوَقْتِ يُوجِبُ وُجُوبَ صَوْمٍ مَقْصُودٍ، وَلَا شَكَّ أَنَّ وُجُوبَ الْقَضَاءِ مَعَ فَضِيلَةِ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ أَحْوَطُ مِنْ وُجُوبِ الْقَضَاءِ ــ [التلويح] الْمَوْتِ قَبْلَ دُخُولِ رَمَضَانَ الثَّانِي يُوجِبُ قَضَاءَ الِاعْتِكَافِ قَبْلَهُ، وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ إلَّا بِسُقُوطِ النُّقْصَانِ، وَإِيجَابِ صَوْمٍ مَخْصُوصٍ بِهِ، وَأَمَّا الثَّانِي؛ فَلِأَنَّ الِاعْتِكَافَ شَرْعٌ بِصَوْمٍ لَهُ أَثَرٌ فِي إيجَابِهِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ إلَّا بِعَارِضٍ فَبِالنَّذْرِ بِالِاعْتِكَافِ يَثْبُتُ صَوْمٌ مَخْصُوصٌ بِهِ، وَهُوَ مَعْنَى سُقُوطِ النُّقْصَانِ فَإِذَا ثَبَتَ مَا يُثْبِتُهُ خَوْفُ الْمَوْتِ فَأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ مَا يُثْبِتُهُ خَوْفُ الْمَوْتِ، وَشَيْءٌ آخَرُ مَعَ تَحَقُّقِهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ قُوَّةَ السَّبَبِ، وَكَثْرَتِهِ أَدْعَى إلَى وُجُودِ الْمُسَبِّبِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اجْتِمَاعُ الْمُؤَثِّرَيْنِ عَلَى أَثَرٍ وَاحِدٍ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِثْبَاتِ هَاهُنَا الِاسْتِلْزَامُ وَالِاقْتِضَاءِ لَا التَّأْثِيرُ، وَالْإِيجَادُ فَإِنْ قُلْت: الزِّيَادَةُ، وَالنُّقْصَانُ قَدْ ثَبَتَا بِعَارِضِ شَرَفِ الْوَقْتِ فَيَسْقُطَانِ لِفَوَاتِهِ لِانْعِدَامِ الْأَثَرِ بِانْعِدَامِ الْمُؤَثِّرِ فَلَا حَاجَةَ إلَى مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّطْوِيلِ قُلْت السَّبَبُ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِحُدُوثِ الْمُسَبِّبِ دُونَ بَقَائِهِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِانْعِدَامِهِ كَالصَّلَاةِ وَجَبَتْ بِالْوَقْتِ، وَبَقِيَ الْوُجُوبُ بَعْدَ انْقِضَائِهِ فَلَا بُدَّ فِي بَيَانِ الْمَطْلُوبِ مِمَّا ذَكَرُوا فِيهِ إشَارَةً إلَى الْجَوَابِ عَمَّا يُقَالُ: إنَّ سُقُوطَ شَيْءٍ لَا يَصْلُحُ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ فَيَكُونُ وُجُوبُهُ ثَابِتًا بِلَا دَلِيلٍ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ النَّذْرَ بِالِاعْتِكَافِ مُوجِبٌ لِصَوْمٍ مَقْصُودٍ إلَّا أَنَّ عَارِضَ شَرَفِ الْوَقْتِ كَانَ مَانِعًا عَنْ ثُبُوتِ الْحُكْمِ فَبَعْدَ انْعِدَامِهِ ثَبَتَ الْحُكْمُ لِوُجُودِ سَبَبِهِ مَعَ عَدَمِ الْمَانِعِ، وَقَوْلُهُ؛ لَأَنْ يَحْتَمِلَ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى أَنَّهَا اللَّامُ الدَّاخِلَةُ عَلَى الْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الَّتِي مُبْتَدَؤُهَا أَنْ يَحْتَمِلَ، وَخَبَرُهَا أَوْلَى، وَضَمِيرُ يَحْتَمِلُ عَائِدٌ إلَى النُّقْصَانِ وَالرُّخْصَةِ وَحْدَهُ لِاتِّحَادِهِمَا مَعْنًى إذْ الْمُرَادُ بِهِمَا عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ. وَقَوْلُهُ رَمَضَانَ آخَرَ، وَرَمَضَانُ الثَّانِي بِتَنْكِيرِ الْوَصْفِ، وَتَعْرِيفِهِ أُخْرَى مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ عَلَمٌ إذَا قُصِدَ بِهِ مُعَيَّنٌ، وَمُنَكَّرٌ إذَا قَصَدْت بِهِ مُبْهَمًا مِثْلُ مَرَرْت بِزَيْدٍ الْفَاضِلِ، وَزَيْدٍ آخَرَ فَأَرَادَ بِرَمَضَانَ آخَرَ رَمَضَانَ مُغَايِرًا لِلَّذِي نَذَرَ الِاعْتِكَافَ فِيهِ أَيًّا كَانَ، وَبِرَمَضَانَ الثَّانِي الَّذِي يَلِيهِ، وَهُوَ مُعَيَّنٌ. إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ فِي تَقْرِيرِ السُّؤَالِ، وَلَا يُجْزِئُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ الْآخَرَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالنَّكِيرِ، وَلِذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِي رَمَضَانَ آخَرَ لِإِبْهَامِهِ، وَإِلَى رَمَضَانَ الْآخَرَ لِتَعَيُّنِهِ، وَالْعَلَمُ هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِالْإِضَافَةِ، وَرَمَضَانُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَذْفِ لِتَخْفِيفِ ذِكْرِهِ فِي الْكَشَّافِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ رَمَضَانُ عَلَمًا لَكَانَ شَهْرُ رَمَضَانَ بِمَنْزِلَةِ إنْسَانِ زَيْدٍ، وَلَا يَخْفَى قُبْحُهُ، وَلِهَذَا كَثُرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ شَهْرُ رَمَضَانَ، وَلَمْ يُسْمَعْ شَهْرُ رَجَبٍ، وَشَهْرُ شَعْبَانَ عَلَى الْإِضَافَةِ (قَوْلُهُ، وَسُقُوطُ النُّقْصَانِ عِبَارَةٌ عَنْ وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ) ذَكَرَهُ قُبَيْلَ هَذَا عَلَى قَصْدِ التَّفْسِيرِ وَهَاهُنَا عَلَى قَصْدِ التَّقْرِيرِ لِيَسْتَنْتِجَ مِنْهُ أَنَّ سُقُوطَ شَرَفِ الْوَقْتِ يُوجِبُ وُجُوبَ صَوْمٍ مَقْصُودٍ

стр. 316

مَعَ فَضِيلَةِ شَرَفِ الْوَقْتِ إذْ فَضِيلَةُ شَرَفِ الْوَقْتِ فَضِيلَةٌ يَغْلِبُ فَوْتُهَا بِخِلَافِ فَضِيلَةِ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ، وَهَذَا الْبَحْثُ مِنْ مُشْكِلَاتِ مَبَاحِثِ أُصُولِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَدْ فَسَّرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي الْوَجْهَانِ بِغَيْرِ مَا فَسَّرْت لَكِنْ لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْكِيَاسَةِ الْمُمَارِسِينَ لِلْعُلُومِ أَنَّ الدَّلِيلَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى الْأَحْوَطِيَّةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْت لَا مَا تَوَهَّمُوهُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مُلْهِمِ الصَّوَابَ. (وَالْأَدَاءُ إمَّا كَامِلٌ، وَهُوَ أَنْ يُؤَدَّى بِالْوَصْفِ الَّذِي شُرِعَ كَالْجَمَاعَةِ ــ [التلويح] لِأَنَّهُ يُوجِبُ سُقُوطَ النُّقْصَانِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ. وَسُقُوطُ الْعَدَمِ ثُبُوتٌ؛ لِأَنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْبَاتٌ فَيَكُونُ سُقُوطُ النُّقْصَانِ عِبَارَةً عَنْ وُجُوبِ صَوْمٍ مَقْصُودٍ فَيَكُونُ مُوجِبُ السُّقُوطِ مُوجِبًا لَهُ (قَوْلُهُ إذْ فَضِيلَةُ شَرَفِ الْوَقْتِ فَضِيلَةٌ يَغْلِبُ فَوْتُهَا) ؛ لِأَنَّ الِاعْتِكَافَ مَشْرُوعٌ فِي جَمِيعِ الشُّهُورِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، وَهَذِهِ الْفَضِيلَةُ لَا تُوجَدُ إلَّا فِي وَاحِدٍ مِنْهَا بِخِلَافِ فَضِيلَةِ الصَّوْمِ الْمَقْصُودِ فَإِنَّ فَوْتَهَا نَادِرٌ لَا يَكُونُ إلَّا بِنَذْرِ الِاعْتِكَافِ فِي رَمَضَانَ (قَوْلُهُ وَقَدْ فَسَّرَ فِي بَعْضِ الْحَوَاشِي الْوَجْهَانِ بِغَيْرِ مَا فَسَّرْت) فَقِيلَ: أَحَدُهُمَا إيجَابُ الْقَضَاءِ بِمَا أَوْجَبَ الْأَدَاءَ، وَالْآخَرُ: إيجَابُهُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ هُوَ التَّفْوِيتُ، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ، وَإِلَّا لَزِمَ أَنْ لَا يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فِي صُورَةِ الْفَوَاتِ دُونَ التَّفْوِيتِ كَمَا إذَا حَدَثَ بِهِ فِي رَمَضَانَ مَرَضٌ مَانِعٌ مِنْ الِاعْتِكَافِ دُونَ الصَّوْمِ كَالْإِسْهَالِ مَثَلًا، وَقِيلَ أَحَدُهُمَا: إيجَابُ الْقَضَاءِ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ، وَالْآخَرُ إسْقَاطُ الْقَضَاءِ بِزَوَالِ الْوَقْتِ لِتَعَذُّرِ الِاعْتِكَافِ بِلَا صَوْمٍ، وَتَعَذُّرِ إيجَابِ الصَّوْمِ بِلَا مُوجِبٍ كَمَا هُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَالْأَوَّلُ أَحْوَطُ؛ لِأَنَّ فِيهِ إسْقَاطَ النُّقْصَانِ، وَإِعَادَةَ الْوَاجِبِ إلَى صِفَةِ الْكَمَالِ بِإِيجَادِ مَا هُوَ تَبَعٌ لَهُ بِوُجُوبِهِ، وَفِي الثَّانِي إسْقَاطُ أَصْلِ الْوَاجِبِ لِتَعَذُّرِ إيجَابِ التَّبَعِ. وَالدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ أَحْوَطُ مِنْ الثَّانِي بِهَذَيْنِ التَّفْسِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ نَتِيجَةَ الدَّلِيلِ هُوَ عَدَمُ التَّأَدِّي فِي رَمَضَانَ الثَّانِي فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْوَجْهُ الثَّانِي الْغَيْرُ الْأَحْوَطِ هُوَ التَّأَدِّي فِي رَمَضَانَ الثَّانِي بِأَنْ يَجِبَ الْقَضَاءُ مَعَ رِعَايَةِ الزِّيَادَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ لَا الْوُجُوبُ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَمَا فِي التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ، وَلَا سُقُوطُ الْقَضَاءِ عَنْ أَصْلِهِ كَمَا فِي التَّفْسِيرِ الثَّانِي، وَلِهَذَا اعْتَرَفَ الذَّاهِبُونَ إلَى التَّفْسِيرَيْنِ بِأَنَّ الْمَذْكُورَ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى الْأَحْوَطِيَّةِ بَلْ بَيَانًا لِإِمْكَانِ إيجَابِ الْقَضَاءِ بِصَوْمٍ مَقْصُودٍ بِمَعْنَى أَنَّ الزِّيَادَةَ الثَّابِتَةَ لِلْعِبَادَةِ بِشَرَفِ الْوَقْتِ وَقَدْ تَسْقُطُ بِزَوَالِ الْوَقْتِ كَمَا فِي الصَّوْمِ، وَالصَّلَاةِ فَسُقُوطُ النُّقْصَانِ، وَهُوَ عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ، وَالْعَوْدُ مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ عَوْدٌ مِنْ الْكَمَالِ إلَى النُّقْصَانِ، وَهَذَا عَوْدٌ مِنْ النُّقْصَانِ إلَى الْكَمَالِ، وَمِنْ الرُّخْصَةِ إلَى الْعَزِيمَةِ، وَلَمَّا سَقَطَ النُّقْصَانُ، وَعَادَ إلَى الْكَمَالِ لَمْ يَتَأَدَّ فِي رَمَضَانَ الثَّانِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ لَا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ (قَوْلُهُ، وَالْأَدَاءُ) قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَأْمُورَ

стр. 317

أَوْ قَاصِرٌ إنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ كَصَلَاةِ الْمُنْفَرِدِ، وَالْمَسْبُوقُ مُنْفَرِدٌ أَوْ شَبِيهٌ بِالْقَضَاءِ كَفِعْلِ اللَّاحِقِ فَإِنَّهُ أَدَاءٌ بِاعْتِبَارِ الْوَقْتِ، وَقَضَاءٌ؛ لِأَنَّهُ يَقْضِي مَا انْعَقَدَ لَهُ إحْرَامُ الْإِمَامِ بِمِثْلِهِ فَكَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَعَلَى هَذَا إنْ اقْتَدَى الْمُسَافِرُ بِمِثْلِهِ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، ثُمَّ أَقَامَ) إمَّا بِدُخُولِ مِصْرِهِ لِيَتَوَضَّأَ، وَإِمَّا بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِ مِصْرِهِ (، وَقَدْ فَرَغَ إمَامُهُ يَبْنِي رَكْعَتَيْنِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَضَاءٌ) ، وَالْقَضَاءُ لَا يَتَغَيَّرُ أَصْلًا لَا بِإِقَامَةٍ، وَلَا بِالسَّفَرِ (وَإِنْ لَمْ يَفْرُغْ) أَيْ إمَامُهُ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ اقْتَدَى مُسَافِرٌ بِمُسَافِرٍ فِي الْوَقْتِ ثُمَّ سَبَقَ الْمُقْتَدِي حَدَثٌ فَدَخَلَ مِصْرَهُ لِلْوُضُوءِ أَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ، وَالْإِمَامُ لَمْ يَفْرُغْ يُتِمُّ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ اعْتَرَضَتْ عَلَى الْأَدَاءِ فَصَارَ فَرْضًا أَرْبَعًا (أَوْ كَانَ هَذَا الْمُسَافِرُ مَسْبُوقًا) أَيْ كَانَ الْمُسَافِرُ الَّذِي اقْتَدَى بِمُسَافِرٍ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْوَقْتِ مَسْبُوقًا أَيْ اقْتَدَى بَعْدَ مَا صَلَّى الْإِمَامُ رَكْعَةً فَلَمَّا تَمَّ صَلَاةُ الْإِمَامِ نَوَى الْمُقْتَدِي الْإِقَامَةَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ اعْتَرَضَتْ عَلَى قَدْرِ مَا سَبَقَ، وَهُوَ مُؤَدٍّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ كُلِّ ــ [التلويح] بِهِ إمَّا أَدَاءٌ أَوْ قَضَاءٌ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْهُمَا إمَّا مَحْضٌ إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَبَهُ الْآخَرِ أَوْ غَيْرُ مَحْضٍ إنْ كَانَ فَيَصِيرُ أَرْبَعَةً، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ: الْأَمْرُ يَتَنَوَّعُ بِنَوْعَيْنِ، وَكُلُّ نَوْعٍ مِنْهُمَا يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ الْأَدَاءِ الْمَحْضِ، وَالْقَضَاءِ الْمَحْضِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْأَدَاءَ الْمَحْضَ إنْ كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِجَمِيعِ الْأَوْصَافِ الْمَشْرُوعَةِ فَأَدَاءٌ كَامِلٌ، وَإِلَّا فَقَاصِرٌ، وَالْقَضَاءُ الْمَحْضُ إمَّا أَنْ يُعْقَلَ فِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فَقَضَاءٌ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُعْقَلَ فَقَضَاءٌ بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ فَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَصِيرُ الْأَقْسَامُ سِتَّةً، وَإِلَيْهِ أَشَارَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ صِفَةَ حُكْمِ الْأَمْرِ أَدَاءٌ، وَقَضَاءٌ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ فَالْأَقْسَامُ بِحَسَبِ الْإِجْمَالِ أَرْبَعَةٌ، وَبِحَسَبِ التَّفْصِيلِ سِتَّةٌ، ثُمَّ كُلٌّ مِنْ السِّتَّةِ إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ يَصِيرُ اثْنَيْ عَشَرَ قِسْمًا فَظَاهِرُ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ تَقْسِيمَ مُطْلَقِ الْأَدَاءِ إلَى الْكَامِلِ، وَالْقَاصِرِ حَاصِلٌ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْيِ، وَالْإِثْبَاتِ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّبِيهُ بِالْقَضَاءِ قِسْمًا مِنْهُمَا، وَقَدْ جَعَلَهُ قَسِيمًا لَهُمَا إلَّا أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَاهُ. وَفِي الْعِبَارَةِ اخْتِصَارٌ أَيْ الْأَدَاءُ إمَّا مَحْضٌ، وَهُوَ كَامِلٌ أَوْ قَاصِرٌ وَإِمَّا تَشْبِيهٌ بِالْقَضَاءِ (قَوْلُهُ كَالْجَمَاعَةِ) يَعْنِي فِيمَا شُرِعَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ مِثْلُ الْمَكْتُوبَاتِ، وَالْعِيدَيْنِ، وَالْوِتْرِ فِي رَمَضَانَ، وَالتَّرَاوِيحِ، وَإِلَّا فَالْجَمَاعَةُ صِفَةُ قُصُورٍ بِمَنْزِلَةِ الْأُصْبُعِ الزَّائِدَةِ، ثُمَّ الصَّلَاةُ الَّتِي شُرِعَتْ فِيهَا الْجَمَاعَةُ إمَّا أَنْ تُؤَدَّى كُلُّهَا بِالْجَمَاعَةِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ الْكَامِلُ أَوْ كُلُّهَا بِالِانْفِرَادِ، وَهُوَ الْأَدَاءُ الْقَاصِرُ أَوْ يُؤَدَّى بِالِانْفِرَادِ بَعْضُهَا فَقَطْ فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا الْأَوَّلَ فَهُوَ أَيْضًا قَاصِرٌ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا الْآخَرَ فَهُوَ أَدَاءٌ شَبِيهٌ بِالْقَضَاءِ، وَفِي لَفْظِ الْمُصَنِّفِ ﵀ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ، وَالْمَسْبُوقُ مُنْفَرِدًا أَيْ فِيمَا سُبِقَ بِهِ فَيَكُونُ أَدَاؤُهُ قَاصِرًا فَفِي التَّمْثِيلِ لِلْقَاصِرِ بِالْمِثَالَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِبَادَةً تَامَّةً كَالصَّلَاةِ، وَقَدْ يَكُونُ

стр. 318

الْوُجُوهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ بَاقٍ، وَلَمْ يَلْتَزِمْ أَدَاءَ هَذَا الْقَدْرِ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَكُونَ قَاضِيًا لِمَا الْتَزَمَ أَدَاءَهُ مَعَ الْإِمَامِ أَمَّا اللَّاحِقُ فَإِنَّهُ الْتَزَمَ أَدَاءَ جَمِيعِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ فَيَكُونُ فِي الْمِقْدَارِ الَّذِي سَبَقَهُ الْحَدَثُ، وَلَمْ يُؤَدِّ مَعَ الْإِمَامِ قَاضِيًا. (أَوْ تَكَلَّمَ) أَيْ تَكَلَّمَ اللَّاحِقُ (بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ أَوْ قَبْلَهُ، وَنَوَى الْإِقَامَةَ) (يُتِمُّ أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ أَدَاءٌ فَيَتَغَيَّرُ بِالْإِقَامَةِ) لِأَنَّ عَلَيْهِ الِاسْتِئْنَافَ فَإِذَا اسْتَأْنَفَ يَكُونُ مُؤَدِّيًا مِنْ كُلِّ الْوُجُوهِ فَنِيَّةُ الْإِقَامَةِ اعْتَرَضَتْ عَلَى الْأَدَاءِ فَيُتِمُّ أَرْبَعًا (وَلِهَذَا لَا يَقْرَأُ اللَّاحِقُ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّ اللَّاحِقَ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ لَا يَقْرَأُ، وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ أَيْ إذَا سَهَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ كَالْمُقْتَدِي إذَا سَهَا لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ (بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ) فَإِنَّهُ مُنْفَرِدٌ فِيمَا سُبِقَ فَيَقْرَأُ، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. (، وَأَمَّا الْقَضَاءُ فَإِمَّا بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ كَالصَّلَاةِ لِلصَّلَاةِ، وَإِمَّا بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ كَالْفِدْيَةِ لِلصَّوْمِ، وَثَوَابِ النَّفَقَةِ لِلْحَجِّ، وَكُلُّ مَا لَا يُعْقَلُ لَهُ مِثْلٌ قُرْبَةٌ لَا يُقْضَى إلَّا بِنَصٍّ كَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالْأُضْحِيَّةِ) ، وَتَكْبِيرَاتِ التَّشْرِيقِ فَإِنَّهَا عَلَى صِفَةِ الْجَهْرِ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْإِخْفَاءُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ، وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] (فَإِنَّ كَوْنَهَا قُرْبَةً مَخْصُوصٌ بِزَمَانٍ، وَلَا يُقْضَى تَعْدِيلُ الْأَرْكَانِ ــ [التلويح] بَعْضًا مِنْهَا كَفِعْلِ الْمَسْبُوقِ، وَيَلْزَمُ ذَلِكَ فِي الْكَامِلِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْبَعْضَ الْمُؤَدَّى بِالْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَاصِرًا كَانَ كَامِلًا، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ الْقَاصِرَ، وَالشَّبِيهَ بِالْقَضَاءِ هُوَ أَدَاءُ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا فِي الصُّورَتَيْنِ، وَالتَّمْثِيلُ بِالْمِثَالَيْنِ تَنْبِيهٌ عَلَى تَفَاوُتِ الْقُصُورِ زِيَادَةً وَنُقْصَانًا. (قَوْلُهُ كَفِعْلِ اللَّاحِقِ) هُوَ الَّذِي أَدْرَكَ أَوَّلًا الصَّلَاةَ بِالْجَمَاعَةِ، وَفَاتَهُ الْبَاقِي بِأَنْ نَامَ خَلْفَ الْإِمَامِ، ثُمَّ انْتَبَهَ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ خَلْفَ الْإِمَامِ فَتَوَضَّأَ، وَجَاءَ بَعْدَ فَرَاغِهِ، وَأَتَمَّ صَلَاتَهُ فَفِعْلُهُ أَدَاءٌ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ فِي الْوَقْتِ قَضَاءٌ بِاعْتِبَارِ فَوَاتِ مَا الْتَزَمَهُ مِنْ الْأَدَاءِ مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ يَقْضِي مَا انْعَقَدَ لَهُ إحْرَامُ الْإِمَامِ مِنْ الْمُتَابَعَةِ لَهُ، وَالْمُشَارَكَةِ مَعَهُ بِمِثْلِهِ أَيْ بِمِثْلِ مَا انْعَقَدَ لَهُ الْإِحْرَامُ لَا بِعَيْنِهِ لِعَدَمِ كَوْنِهِ خَلْفَ الْإِمَامِ حَقِيقَةً إلَّا أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْعَزِيمَةُ فِي حَقِّهِ الْأَدَاءَ مَعَ الْإِمَامِ لِكَوْنِهِ مُقْتَدِيًا، وَقَدْ فَاتَهُ ذَلِكَ بِعُذْرٍ جَعَلَ الشَّرْعُ أَدَاءَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَالْأَدَاءِ مَعَ الْإِمَامِ فَصَارَ كَأَنَّهُ خَلْفَ الْإِمَامِ أَدَاءً، وَلَمَّا كَانَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ قَضَاءً بِاعْتِبَارِ الْوَصْفِ جُعِلَ أَدَاءً شَبِيهًا بِالْقَضَاءِ لَا شَبِيهًا بِالْأَدَاءِ (قَوْلُهُ فِي الْوَقْتِ) إذْ لَوْ اقْتَدَى بِهِ خَارِجَ الْوَقْتِ لَمْ يَتَغَيَّرْ الْحَالُ. (قَوْلُهُ: وَقَدْ فَرَغَ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ ثُمَّ أَقَامَ، وَالْمَعْنَى أَنَّ دُخُولَ الْمِصْرِ أَوْ نِيَّةَ الْإِقَامَةِ يَكُونُ مَعَ حُصُولِ فَرَاغِ الْإِمَامِ (قَوْلُهُ وَالْقَضَاءُ لَا يَتَغَيَّرُ) ؛ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ لَمْ يَتَغَيَّرْ فِي نَفْسِهِ لِانْقِضَائِهِ، وَالْخُلْفُ لَا يُفَارِقُ الْأَصْلَ (قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْقَضَاءُ) يَعْنِي أَنَّهُ إمَّا مَحْضٌ بِمِثْلٍ مَعْقُولٍ

стр. 319

لِأَنَّ إبْطَالَ الْأَصْلِ بِالْوَصْفِ بَاطِلٌ، وَالْوَصْفُ وَحْدَهُ لَا يَقُومُ بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْإِثْمُ، وَكَذَا صِفَةُ الْجَوْدَةِ) أَيْ لَا تُقْضَى؛ لِأَنَّ إبْطَالَ الْأَصْلِ إلَخْ (إذَا أَدَّى الزُّيُوفَ فِي الزَّكَاةِ فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَوْجَبْتُمْ الْفِدْيَةَ فِي الصَّلَاةِ قِيَاسًا) أَيْ عَلَى الصَّوْمِ؟ هَذَا الْإِشْكَالُ عَلَى قَوْلِهِ، وَمَا لَا يُعْقَلُ لَهُ مِثْلٌ، قَوْلُهُ لَا يُقْضَى إلَّا بِنَصٍّ، وَقَدْ عُدِمَ النَّصُّ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ إذَا فَاتَتْ الصَّلَاةُ لِلشَّيْخِ الْفَانِي، وَالنَّصُّ وَرَدَ فِي الصَّوْمِ بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ، وَهَذَا حُكْمٌ لَا يُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُقَاسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَأَمَّا الْأُضْحِيَّةُ فَلِأَنَّ إرَاقَةَ الدَّمِ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَيَّامِ، وَلَا يُدْرَى أَنَّ التَّصَدُّقَ بِعَيْنِ الشَّاةِ أَوْ بِقِيمَتِهَا هَلْ هُوَ مِثْلُ قُرْبَةِ الْإِرَاقَةِ أَمْ لَا (وَالتَّصَدُّقُ بِالْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ قُلْنَا يُحْتَمَلُ فِي الصَّوْمِ التَّعْلِيلُ بِالْعَجْزِ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ احْتِيَاطًا فَيَكُونُ آتِيًا بِالْمَنْدُوبِ أَوْ الْوَاجِبِ، وَنَرْجُو الْقَبُولَ) فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْفِدْيَةُ وَاجِبَةً قَضَاءً لِلصَّلَاةِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً فَلَا أَقَلَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ آتِيًا بِالْمَنْدُوبِ وَمُحَمَّدٌ قَالَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَرْجُو الْقَبُولَ. (فِي الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ التَّصَدُّقُ بِالْعَيْنِ إلَّا أَنَّهُ نُقِلَ إلَى الْإِرَاقَةِ تَطْيِيبًا لِلطَّعَامِ، وَتَحْقِيقًا لِضِيَافَةِ اللَّهِ لَكِنْ لَمْ نَعْمَلْ بِهَذَا التَّعْلِيلِ الْمَظْنُونِ) ، وَهُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْعِبَادَةِ الْمَالِيَّةِ التَّصَدُّقُ بِالْعَيْنِ (وَفِي الْوَقْتِ) حَتَّى لَمْ نَقُلْ إنَّ التَّصَدُّقَ بِالْعَيْنِ فِي الْوَقْتِ يَجُوزُ (فِي مَعْرِضِ النَّصِّ، وَعَمِلْنَا بِهِ بَعْدَ الْوَقْتِ احْتِيَاطًا فَلِهَذَا) الْإِشَارَةُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِ، وَعَمِلْنَا بِهِ بَعْدَ الْوَقْتِ (إذَا جَاءَ الْعَامُ الثَّانِي لَمْ يَنْتَقِلْ إلَى التَّضْحِيَةِ ــ [التلويح] أَوْ غَيْرِ مَعْقُولٍ وَإِمَّا غَيْرُ مَحْضٍ (قَوْلُهُ: وَثَوَابُ النَّفَقَةِ لِلْحَجِّ) يُشِيرُ إلَى قَوْلِ الْعَامَّةِ أَنَّ الْحَجَّ يَقَعُ عَنْ الْمُبَاشِرِ، وَلِلْآمِرِ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ؛ لِأَنَّ النِّيَابَةَ لَا تَجْرِي فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ إلَّا أَنَّ فِي الْحَجِّ شَائِبَةَ الْمَالِيَّةِ مِنْ جِهَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الزَّادِ، وَالرَّاحِلَةِ فَمِنْ جِهَة الْمُبَاشَرَةِ يَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ، وَمِنْ جِهَةِ الْإِنْفَاقِ عَنْ الْآمِرِ.، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ بِظَوَاهِر الْأَحَادِيثِ، وَعَلَى التَّقْدِيرِ فَالْوَاجِبُ عَلَى الْآمِرِ مُبَاشَرَةُ الْأَفْعَالِ، وَالصَّادِرُ عَنْهُ هُوَ الْإِنْفَاقُ، وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مَعْقُولَةٍ، وَفِي قَوْلِهِ، وَثَوَابُ النَّفَقَةِ لِلْحَجِّ يُسَامَحُ؛ لِأَنَّ التَّمْثِيلَ إمَّا لِلْقَضَاءِ أَوْ لِلْمِثْلِ، وَالثَّوَابُ لَيْسَ شَيْئًا مِنْهُمَا. (قَوْلُهُ، وَلَا يَقْضِي تَعْدِيلَ الْأَرْكَانِ) الْفَائِتَ فِي الصَّلَاةِ، وَلَا صِفَةَ الْجَوْدَةِ الْفَائِتَةِ فِي الدَّرَاهِمِ الْمُؤَدَّاةِ فِي الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَقْضِيَ الْوَصْفَ وَحْدَهُ، وَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْقَلُ لَهُ مِثْلٌ، وَلَا يُوجَدُ لَهُ نَصٌّ أَوْ مَعَ الْأَصْلِ بِأَنْ يَقْضِيَ صَلَاةً مُعْتَدِلَةَ الْأَرْكَانِ أَوْ يَقْضِيَ نَفْسَ الرُّكْنِ بِصِفَةِ الِاعْتِدَالِ، وَيَقْضِيَ دَرَاهِمَ جِيَادًا، وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إبْطَالِ الْأَصْلِ بِوَاسِطَةِ بُطْلَانِ الْوَصْفِ، وَهُوَ نَقْضُ الْأُصُولِ، وَقَلْبُ الْمَعْقُولِ (قَوْلُهُ فَقُلْنَا بِالْوُجُوبِ احْتِيَاطًا) أَيْ لَا قِيَاسًا، وَلَا دَلَالَةً؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُؤَثِّرَ فِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ كَالْعَجْزِ مَثَلًا مَشْكُوكٌ لَا مَعْلُومٌ إلَّا أَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ التَّعْلِيلِ بِالْعَجْزِ تَكُونُ الْفِدْيَةُ فِي الصَّلَاةِ أَيْضًا وَاجِبَةً بِالْقِيَاسِ الصَّحِيحِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ التَّعْلِيلِ تَكُونُ حَسَنَةً مَنْدُوبَةً تَمْحُو سَيِّئَةً فَيَكُونُ الْقَوْلُ بِالْوُجُوبِ أَحْوَطَ

стр. 320

لِأَنَّهُ لَمَّا اُحْتُمِلَ جِهَةُ أَصَالَتِهِ، وَوَقَعَ الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِالشَّكِّ، وَإِمَّا قَضَاءٍ يُشْبِهُ الْأَدَاءَ) عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ، وَإِمَّا بِمِثْلٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ (كَمَا إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الْعِيدِ رَاكِعًا كَبَّرَ فِي رُكُوعِهِ) أَيْ كَبَّرَ تَكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ (فَإِنَّهُ، وَإِنْ فَاتَ مَوْضِعُهُ، وَلَيْسَ لِتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ قَضَاءٌ إذْ لَيْسَ لَهَا الْمِثْلُ قُرْبَةً لَكِنْ لِلرُّكُوعِ شَبَهٌ بِالْقِيَامِ فَيَكُونُ شَبِيهًا بِالْأَدَاءِ) . (، وَحُقُوقُ الْعِبَادِ أَيْضًا تَنْقَسِمُ إلَى هَذَا ــ [التلويح] وَيُرْجَى قَبُولُهَا، وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الزِّيَادَاتِ فِي فِدْيَةِ الصَّلَاةِ تُجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (قَوْلُهُ: وَفِي الْأُضْحِيَّةِ) عَطْفٌ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ أَيْ قُلْنَا بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِمَا ذُكِرَ، وَبِوُجُوبِ التَّصْدِيقِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ فِي الْأُضْحِيَّةِ؛ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مَالِيَّةٌ تَثْبُتُ فِي قُرْبَةٍ بِالْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْأَصْلُ فِي الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ التَّصَدُّقُ بِالْعَيْنِ مُخَالَفَةٌ لِهَوَى النَّفْسِ بِتَرْكِ الْمَحْبُوبِ إلَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ بِالْعَيْنِ نُقِلَ فِي الْأُضْحِيَّةِ إلَى إرَاقَةِ الدَّمِ تَطْيِيبًا لِلطَّعَامِ بِإِزَالَةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مَالُ الصَّدَقَةِ مِنْ أَوْسَاخِ الذُّنُوبِ، وَالْآثَامِ فَبِالْإِرَاقَةِ يَنْتَقِلُ الْخُبْثُ إلَى الدِّمَاءِ فَتَصِيرُ ضِيَافَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَطْيَبَ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا هُوَ مَادَّةُ الْكِرَامِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ، وَالْفَقِيرُ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَفْسُ التَّضْحِيَةِ، وَالْإِرَاقَةِ أَصْلًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ مَعْنَى التَّصَدُّقِ فَفِي الْوَقْتِ لَمْ نَعْمَلْ بِالتَّعْلِيلِ الْمَظْنُونِ، وَلَمْ نَقُلْ بِجَوَازِ التَّصَدُّقِ بِالْعَيْنِ أَوْ الْقِيمَةِ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ لِقِيَامِ النَّصِّ الْوَارِدِ بِالتَّضْحِيَةِ وَبَعْدَ الْوَقْتِ عَمِلْنَا بِالْأَصْلِ، وَأَوْجَبْنَا التَّصَدُّقَ بِعَيْنِ الشَّاةِ الَّتِي عُيِّنَتْ لِلتَّضْحِيَةِ أَوْ بِالْقِيمَةِ إنْ اُسْتُهْلِكَتْ الْمُعَيَّنَةُ أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ شَيْئًا احْتِيَاطًا فِي بَابِ الْعِبَادَةِ، وَأَخَذَ بِالْمُحْتَمَلِ لَا عَمَلًا بِالْقِيَاسِ فِيمَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فَقَوْلُهُ فِي الْوَقْتِ، وَفِي مَعْرِضِ النَّصِّ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ لَمْ نَعْمَلْ بِهَذَا التَّعْلِيلِ نَظَرًا إلَى عِبَارَةِ الْمَتْنِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَ فِي الْوَقْتِ مُتَعَلِّقًا بِالتَّصَدُّقِ بِالْعَيْنِ مِنْ كَلَامِ شَرْحِ (قَوْلِهِ لَمْ يَبْطُلْ بِالشَّكِّ) أَيْ بِاحْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الْإِرَاقَةُ أَصْلًا، وَقَدْ قَدَرَ عَلَى الْمِثْلِ بِمَجِيءِ أَيَّامِ النَّحْرِ. فَإِنْ قُلْت فَكَيْفَ يَنْتَقِلُ الْحُكْمُ إلَى الصَّوْمِ فِيمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ عَنْ الصَّوْمِ فَقَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ؟ قُلْت؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْأَصْلِ فِي الشَّهْرِ هُوَ الصَّوْمُ لَيْسَ بِمَشْكُوكٍ بَلْ مُتَيَقَّنٌ فَعِنْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ تَيَقَّنَ بَقَاءَ وُجُوبِ الصَّوْمِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] (قَوْلُهُ لَكِنَّ لِلرُّكُوعِ شَبَهٌ بِالْقِيَامِ) مِنْ جِهَةِ بَقَاءِ الِانْتِصَابِ، وَالِاسْتِوَاءِ فِي النِّصْفِ الْأَسْفَلِ مِنْ الْبَدَنِ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ الْقُعُودُ بِانْتِفَائِهِ؛ لِأَنَّ اسْتِوَاءَ أَعَالِي الْبَدَنِ مَوْجُودٌ فِي الْحَالَيْنِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِقِيَامٍ حَقِيقَةً لِمَكَانِ الِانْحِنَاءِ قَوْلُهُ (تَنْقَسِمُ إلَى هَذَا الْوَجْهِ) الصَّوَابُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا هُوَ لَفْظُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. (قَوْلُهُ، وَالْبَيْعُ) أَيْ وَكَتَسْلِيمِ عَيْنِ الْحَقِّ فِي الْبَيْعِ، وَفِي عَقْدِ الصَّرْفِ، وَالسَّلَمِ فَيَكُونُ هَذَا الْعَطْفُ مِنْ قَبِيلِ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا لِأَنَّ الرَّدَّ يَقْتَضِي سَابِقِيَّةَ الْأَخْذِ فَيَصِحُّ فِي الْغَصْبِ دُونَ الْبَيْعِ، وَفِي التَّمْثِيلِ بِالْأَمْثِلَةِ الْأَرْبَعَةِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَدَاءَ الْكَامِلَ قَدْ
следующие страницы →