← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 953

إعجاز القرآن للباقلاني

الباقلاني

Полный текст (402 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الجاهلية وكهانتها؟ ". ومنها: " دعني من أراجيز الاعراب ". ومنها: " أسجاعة بك؟ ". ومنها: " أسجع كسجع الجاهلية؟ قيل: يا رسول الله، إنه شاعر. ومنها: " لسنا من أساجيع الجاهلية في شئ " ومنها. " إنما هذا من إخوان الكهان ". ومنها: " إن هذا ليقول بقول شاعر، بل فيه - أي في الجنين - غرة " ومنها: " أسجع كسجع الاعراب؟ " وقد فهم كثير من العلماء أن هذا الحديث إنما ورد في ذم السجع، والتنفير منه. ولا شك أنهم واهمون في ذلك. ولو كان النبي أراد إلى ذمه لقال: " أسجعا " فقط. وإنما أراد النبي بقوله هذا، كما يتضح من سياق الحديث، إنكار تشادق هذا الساجع في دفعه حقا وجب عليه وعلى عاقلته، وقعقعته بالسجع على طريقة الكهان في الجاهلية. وقد أغرب الباقلانى في استنباطه من هذا الحديث ص ٨٨: أن النبي ﷺ رأى أن السجع مذموم، فلا يصح أن يكون في دلالته على نبوته! وكيف يذم النبي السجع وكثير من كلامه مسجوع؟ يقول: " أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الارحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام؟ " وقد أخطأ الباقلانى في قوله: إن السجع من الكلام يتبع المعنى فيه اللفظ الذى يؤدى السجع. فليس السجع كذلك على الاطلاق، وإنما هذا نوع من السجع ردئ لا يقع إلا في كلام الضعفاء. ومنه نوع آخر يقع فيه اللفظ موقعه الرائع، وهو مع ذلك تابع للمعانى. وهذا هو النوع المحمود منه الذى جاء في المأثور الصحيح عن بلغاء الجاهلية، وفصحاء الاسلام، وورد في أحاديث الرسول على أكمل وجه وأتم نسق اتفق وجوده في كلام البشر، وإليه يريغ المثبتون للسجع في القرآن، القائلون بأن ما كان منه كذلك هو نهاية النهايات، وأبعد الغايات في البلاغة، وقد بان بطلاوته وصفاء لفظه وتمكن معناه - عن جميع ما جرى هذا المجرى من كلام الخلق. ولو قد تدبر الباقلانى ما حكاه من قول المثبتين للسجع في القرآن: إنه مما يبين

стр. 72

به فضل الكلام، وأنه من الأجناس التي يقع فيها التفاضل في البيان والفصاحة، كالتجنيس والالتفات، وما أشبه ذلك من الوجوه التى تعرف بها الفصاحة لو تدبر هذا القول، ولم يكن مدفوعا إلى معارضته لمخالفته مذهب أصحابه - لرآه قولا وجيها، ولما وجد بين السجع وبين أنواع البديع التى ذكرها من فرق، ولقال عنه مثل قوله عن البديع ص ١٧٠: " ولكن قد يمكن أن يقال في البديع الذي حكيناه وأضفناه إليهم: إن ذلك باب من أبواب البراعة، وجنس من أجناس البلاغة، وأنه لا ينفك القرآن عن فن من فنون بلاغاتهم، ولا وجه من وجوه فصاحاتهم، وإذا أورد هذا المورد، ووضع هذا الموضع، كان جديرا " ولو صنع ذلك لاهتدى إلى سواء الصراط، ولما ذهب يتمحل العلل الواهية لنفى السجع من القرآن، كقوله: " لو كان الذي في القرآن على ما تقدرونه سجعاً لكان مذموماً مرذولاً، لأن السجع إذا تفاوتت أوزانه، واختلفت طرقه - كان قبيحاً من الكلام! وللسجع منهج مرتب محفوظ، وطريق مضبوط، متى أخل به المتكلم وقع الخلل في كلامه، ونسب إلى الخروج عن الفصاحة..فلو كان ما تلى عليهم من القرآن سجعا لقالوا، نحن نعارضه بسجع معتدل، فنزيد في الفصاحة على طريقة القرآن، ونتجاوز حده في البراعة والحسن ". وفوق ما في كلامه هذا من خطأ وتهافت، فإن فيه هفوة أخرى، إذ حكم قواعد البلاغة في القرآن، مع أن القرآن هو الاساس الذى يجب أن تحاكم إليه قواعد البلاغة، وأن تجرى على سننه، ووفق أحكامه. وكقوله: " ولا بد لمن جوز السجع في القرآن وسلك ما سلكوه، من أن يسلم ما ذهب إليه النظام وعباد وهشام، ويذهب مذهبهم في أنه ليس في نظم القرآن وتأليفه إعجاز، وأنه يمكن معارضته، وإنما صرفوا عنه ضرباً من الصرف! ويتضمن كلامه تسليم الخبط في طريقة النظم، وأنه منتظم من فرق شتى، ومن أنواع مختلفة ينقسم إليها خطابهم ولا يخرج عنها! ويستهين ببديع نظمه، وعجيب تأليفه الذي وقع التحدي إليه "! ! وهذه إلزامات عجيبة لا تلزم المثبتين للسجع في القرآن بحال من الاحوال،

стр. 73

لانهم يرون أن السجع الرائع مظهر من مظاهر الاقتدار على البلاغة، والامتلاك لزمام الفصاحة، وأن السجع الكثير في القرآن قد جاء في أرفع صور البيان، وباين كل أسجاع الساجعين، كما يؤمنون بأن سر إعجاز القرآن نظمه البديع، وبلاغته الرائعة المجاوزة لجميع بلاغات العرب. وأى فارق بين مشاركة القرآن كله لغيره من الكلام في كونه كلاما عربيا مؤلفا من ألفاظ فصيحة بليغة، وبين مشاركة بعض آية في كونها جاءت مسجوعة؟ وكيف يكون السجع المحمود من أمارات الفصاحة المعدودة، التى يقصد إليها أعلام البلغاء في بعض كلامهم لتوشيته وتزيينه، وتحسينه بعقد المناسبة بين ألفاظه ثم نجرد القرآن منه، وننفيه عنه بزعمنا، مع ادعائنا أنه قد اشتمل على أنواع البلاغة والفصاحة جميعا؟ ولئن قال الباقلانى: " إن السجع عيب يجب تفيه عن القرآن، فإنى أقول: إن السجع من الميزات البلاغية التى يجدر بنا أن ننزه القرآن عن خلوه منها. * * * والفصل السابع من فصول إعجاز القرآن ص ١٠١ في ذكر البديع من الكلام، بدأه الباقلانى بقوله: إن سأل سائل فقال: هل يمكن أن يعرف إعجاز القرآن من جهة تضمنه البديع؟ قيل: ذكر أهل الصنعة ومن صنف في هذا المعنى من صفة البديع ألفاظاً نحن نذكرها، ثم نبين ما سألوه عنه، ليكون الكلام وارداً على أمر مبين، وباب مقرر مصور ". ثم نقل جملة من بديع الشعر، بعضها من كتابي البديع لابن المعتز، ونقد الشعر لقدامة بن جعفر، وقال ص ١٦٢: " وقد قدر مقدرون أنه يمكن استفادة إعجاز القرآن من هذه الأبواب التي نقلناها، وأن ذلك مما يمكن الاستدلال به عليه. وليس كذلك عندنا، لأن هذه الوجوه إذا وقع التنبيه عليها أمكن التوصل إليها بالتدريب والتعود والتصنع لها، والوجوه التي نقول: إن إعجاز القرآن يمكن أن يعلم منها، فليس مما يقدر البشر على التصنع له والتوصل إليه بحال ". وختم كلامه في هذا الفصل بقوله: " إنا لا نجعل الإعجاز متعلقاً بهذه الوجوه الخاصة، ووقفاً عليها، ومضافاً إليها، وإن صح أن تكون

стр. 74

هذه الوجوه مؤثرة في الجملة، آخذة بحظها من الحسن والبهجة، متى وقعت في الكلام على غير وجه التكلف المستبشع، والتعمل المستشنع ". * * * والفصل الثامن في كيفية الوقوف على إعجاز القرآن. وعنده: أن إعجاز القرآن لا يخفى على العربي البليغ الذى قد تناهى في معرفة اللسان العربي، ووقف على طرقها ومذاهبها، ولا يشتبه على ذي بصيرة، ولا يخيل عند أخى معرفة. وأما من لم يبلغ في الفصاحة الحد الذي يتناهى إلى معرفة أساليب الكلام، ووجوه تصرف اللغة، فهو كالأعجمي في أنه لا يمكنه أن يعرف إعجاز القرآن إلا بأن يعلم أن العرب قد عجزوا عنه، وإذا عجز هؤلاء عنه فهو عنه أعجز. ثم نقل الباقلانى نصوصا من خطب النبي وكتبه، وكلام أبى بكر وعمر وعثمان وعلى وابن عباس وعبد الله بن مسعود ومعاوية وعمر بن عبد العزيز والحجاج وقس ابن ساعدة وأبى طالب. وقد استغرقت هذه النصوص من ص ١٩٦ - إلى ص ٢٣٤. وثم قال: إنه نسخ لقارئ كتابه جملاً من كلام الصدر الأول ومحاوراتهم وخطبهم، ليتأملها بسكون طائر، وخفض جناح، وتفريغ لب، وجمع عقل حتى يقع له الفصل بين كلام الآدميين،. وبين كلام رب العالمين، ويعلم أن نظم القرآن يخالف نظمهم، ويتبين الحد الذى يتفاوت بين كلام البليغين والخطيبين والشاعرين، وبين نظم القرآن جملة. ثم عقد بابا جليل الشأن عظيم الخطر ص ٢٣٦، لبيان أن نظم القرآن يزيد في فصاحته على كل نظم، قال فيه: " إذا أردنا تحقيق ما ضمناه لك، فمن سبيلنا أن نعمد إلى قصيدة متفق على كبر محلها. وصحة نظمها، ووجوه بلاغتها، ورشاقة معانيها، وإجماعهم على إبداع صاحبها فيها، مع كونه من الموصوفين بالتقدم في الصناعة والمعروفين بالحذق في البراعة، فنقفك على مواضع خللها، وعلى تفاوت نظمها، وعلى اختلاف فصولها، وعلى كثرة فضولها، وعلى شدة تعسفها، وبعض تكلفها، وما تجمع من كلام رفيع، يقرن بينه وبين كلام وضيع، وبين لفظ سوقي، يقرن بلفظ ملوكي ". وبعد أن عرض لكلام مسيلمة، رجع إلى ما ضمنه من الكلام على الأشعار

стр. 75

المتفق على جودتها. فمهد لذلك بالكلام على جودة شعر امرئ القيس وبراعته وفصاحته، وما ابتدعه في طرق الشعر، ثم عرض لنقد معلقته حيث يقول ص ٢٤٣: " ونظم القرآن جنس متميز، وأسلوب متخصص، وقبيل عن النظير متخلص، فإذا شئت أن تعرف عظم شأنه، فتأمل ما نقوله في هذا الفصل لامرئ القيس في أجود أشعاره، وما نبين لك من عواره على التفصيل ". ثم مضى في نقد المعلقة، وانتهى منه في ص ٢٧٧ بعد أن بين أن " هذه القصيدة قد ترددت بين أبيات سوقية مبتذلة، وأبيات متوسطة، وأبيات ضعيفة مرذولة، وأبيات وحشية غامضة مستكرهة، وأبيات معدودة بديعة، وأن وحشيها مستنكر يروع السمع، ويهول القلب، ويكد اللسان، ويعبس معناه في وجه كل خاطر ويكفهر مطلعه على كل متأمل أو ناظر، ولا يقع بمثله التمدح والتفاصح ". ثم قال ص ٢٧٧: " وقد بينا لك أن هذه القصيدة ونظائرها تتفاوت في أبياتها تفاوتاً بيناً في الجودة والرداءة، والسلاسة والانعقاد، والسلامة والانحلال والتمكن والاستصعاب، والتسهل والاسترسال، والتوحش والاستكراه، وله شركاء في نظائرها، ومنازعون في محاسنها، ومعارضون في بدائعها. ولا سواء كلام ينحت من الصخر تارة، ويذوب تارة، ويتلون تلون الحرباء، ويختلف اختلاف الأهواء، ويكثر في تصرفه اضطرابه، وتتقاذف به أسبابه، وبين قول يجري في سبكه على نظام، وفي رصفه على منهاج، وفي وضعه على حد. وفي صفائه على باب، وفي بهجته ورونقه على طريق، مختلفة مؤتلف، ومؤتلفه متحد، ومتباعده متقارب، وشارده مطيع، ومطيعه شارد، وهو على متصرفاته واحد لا يستصعب في حال، ولا يتعقد في شأن ". ثم عرض لنظم القرآن ونهجه، فقال: " فأما نهج القرآن ونظمه، وتأليفه ورصفه، فإن العقول تتيه في جهته، وتحارفى بحره، وتضل دون وصفه. ونحن نذكر لك في تفصيل هذا ما تستدل به على الغرض، وتستولي به على الأمد، وتصل به إلى المقصد، وتتصور إعجازه كما تتصور الشمس، وتتيقن تناهي بلاغته كما تتيقن الفجر، وأقرب عليك الغامض، وأسهل لك العسير ".

стр. 76

ثم ذكر آيات كثيرة، وبين أسرار إعجازها بيانا شافيا كافيا، على نحو رائع جميل، كقوله في ص ٢٩٤: " ما رأيك في قوله تعالى: (إن فرعون علا في الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيعَاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُم، يُذَبِّحُ أَبناءَهُم ويَسْتَحْييِ نِسَاءَهُم، إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين) ؟ هذه تشتمل على ست كلمات، سناؤها وضياؤها على ما ترى، وسلاستها وماؤها على ما تشاهد، ورونقها على ما تعاين، وفصاحتها على ما تعرف. وهي تشتمل على جملة وتفصيل، وجامعة وتفسير: ذكر العلو في الأرض باستضعاف الخلق بذبح الولدان وسبي النساء، وإذا تحكم في هذين الامرين فما ظنك بما دونهما؟ ! لان النفوس لا تطمئن على هذا الظلم، والقلوب لا تقر على هذا الجور. ثم ذكر الفاصلة التي أوغلت في التأكيد، وكفت في التظليم، وردت آخر الكلام على أوله، وعطفت عجزه على صدره. ثم ذكر وعده تخليصهم بقوله: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنْ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُواْ فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ) . وهذا من التأليف بين المؤتلف، والجمع بين المستأنس ". وقد استغرق كلامه على تلك الآيات من ص ٢٨١ - إلى ٣٢٢، ثم رجع إلى حديثه عن امرئ القيس وعمن عارض القرآن بشعره، ثم قال ص ٢٢٧: " فإن قال قائل: أجدك تحاملت على امرئ القيس، ورأيت أن شعره يتفاوت بين اللين والشراسة، وبين اللطف والشكاسة، وبين التوحش والاستئناس، والتقارب والتباعد، ورأيت الكلام الأعدل أفضل، والنظام المستوثق أكمل، وأنت تجد البحتري يسبق في هذا الميدان، ويفوت الغاية في هذا الشأن، وأنت ترى الكتاب يفضلون كلامه على كل كلام، ويقدمون رأيه في البلاغة على كل رأي، وكذلك تجد لأبي نواس من بهجة اللفظ، ودقيق المعنى، ما يتحير فيه أهل الفضل..فكيف يعرف فضل ما سواه عليه؟ " ثم خلص من الاجابة عن هذا السؤال، وقال في ص ٣٣٣: " ونحن نعمد إلى بعض قصائد البحتري فنتكلم عليها، كما تكلمنا على قصيدة امرئ القيس، ليزداد الناظر في كتابنا بصيرة، ويستخلص من سر المعرفة سريرة، ويعلم كيف تكون الموازنة، وكيف تقع المشابهة والمقاربة. ونجعل تلك القصيدة التى نذكرها

стр. 77

أجود شعره " وهى التى مطلعها: أهلاً بذلكم الخيالِ المقبلِ * * فعل الذي نهواه أو لم يفعل ثم أخذ في نقدها حتى قال في ص ٣٧٣: " وإنما اقتصرنا على ذكر قصيدة البحتري، لأن الكتاب يفضلونه على أهل دهره، ويقدمونه على من في عصره. ومنهم من يدّعي له الإعجاز غلواً، ويزعم أنه يناغي النجم في قوله علوا. فبينا قدر درجته، وموضع رتبته، وحد كلامه. وهيهات أن يكون المطموع فيه كالمأيوس منه، وأن يكون الليل كالنهار، والباطل كالحق، وكلام رب العالمين ككلام البشر " والحق أن نقد الباقلانى لمعلقة امرئ القيس وقصيدة البحترى، من نماذج النقد الادبى الرائعة، وصوره الرفيعة البارعة، غير أنه شان حسنها، وشاب صفاءها، بتحامله عليهما، وإسرافه في نقد أبياتهما، كقوله في نقد قول امرئ القيس ص ٢٥٣: ويوم دخلتُ الخِدْرَ خدِرَ عُنَيْزَةٍ * * فقالت: لكَ الويلات إنك مرجلى قوله: " دخلت الخدر خدر عنيزة " ذكره تكريراً لإقامة الوزن، لا فائدة فيه غيره، ولا ملاحة له ولا رونق! وقوله: " فقالت: لك الويلات إنك مرجلي " كلام مؤنث من كلام النساء، نقله من جهته إلى شعره! وليس فيه غير هذا! وكقوله ص ٢٣٥ في نقد قول البحترى: أهلاً بذلكم الخيالِ المقبلِ * * فعل الذي نهواه أو لم يفعلِ برق سرى في بطنِ وجرة فاهتدت * * بسناه أعناق الركاب الضلل البيت الأول في قوله: " ذلكم الخيال " ثقل روح وتطويل وحشو، وغيره أصلح له. وأخف منه قول الصَّنَوْبَرِي: أهلاً بذاك الزَّورِ من زَوْرِ * * شمس بدت في فلك الدورِ وعذوبة الشعر تذهب بزيادة حرف أو نقصان حرف، فيصير إلى الكزازة، وتعود ملاحته بذلك ملوحة، وفصاحته عياً، وبراعته تكلفاً، وسلاسته تعسفاً،

стр. 78

وملاسته تلويا وتعقدا، فهذا فصل. وفيه شئ آخر وهو: أن هذا الخطاب إنما يستقيم مهما خوطب به الخيال حال أقباله، فأما أن يحكي الحال التي كانت وسلفت على هذه العيادة، ففيه عهدة، وفي تركيب الكلام عن هذا المعنى عقدة. وهو لبراعته وحذقه في هذه الصنعة - يعلق نحو هذا الكلام، ولا ينظر في عواقبه، لأن ملاحة قوله تغطي على عيون الناظرين فيه نحو هذه الأمور. ثم قوله: " فعل الذي نهواه أو لم يفعل "، ليست بكلمة رشيقة، ولا لفظة ظريفة، وإن كانت كسائر الكلام ". ولست أشك في أن الباقلانى قد حاد عن جادة الصواب عند ما حكم بأن بيت الصنوبرى أخف من بيت البحترى. وغنى عن البيان أن بيت الصنوبرى ثقيل بالغ الثقل، وحسبه أن يجتمع في شطره الاول " الزور من زور " وأن يكون في شطره الثاني كلمة " الدور "، ليأخذ سبيله إلى مستقره في حضيض الشعر الاوهد. وأما نقد الباقلانى لبيت البحترى الثاني، فإنى أورده ليكون بيانا لمنهجه في نقده ولانه استطرد فيه إلى نقد امرئ القيس بنقد لطيف ذهب به، ولم يسبقه أحد إليه. قال: " فأما بيته الثاني، فهو عظيم الموقع في البهجة، وبديع المأخذ، حسن الرواء، أنيق المنظر والمسمع، يملا القلب والفهم، ويفرح الخاطر، وتسرى بشاشته في العروق. وكان البحتري يسمي نحو هذه الأبيات عروق الذهب، وفي نحوه ما يدل على براعته في الصناعة، وحذقه في البلاغة. ومع هذا كله فيه ما نشرحه من الخلل، مع الديباجة الحسنة، والرونق المليح. وذلك أنه جعل الخيال كالبرق لإشراقه في مسراه، كما يقال: إنه يسري كنسيم الصبا، فيطيب ما مر به كذلك يضئ ما مر حوله، وينور ما مر به. وهذا غلو في الصنعة، إلا أن ذكره " بطن وجرة " حشو، وفي ذكره خلل، لأن النور القليل يؤثر في بطون الأرض وما اطمأن منها، بخلاف ما يؤثر في غيرها، فلم يكن من سبيله أن يربط ذلك ببطن وجرة. وتحديده المكان - على الحشو - أحمد من تحديد امرئ القيس من ذكر " سقط اللوى بين الدخول فحومل، فتوضح فالمقراة " لم يقنع بذكر حد، حتى حده بأربعة حدود، كأنه يريد بيع المنزل فيخشى أن أخلَّ

стр. 79

بحد أن يكون بيعة فاسداً أو شرطه باطلاً! فهذا باب. ثم إنما يذكر الخيال بخفاء الأثر، ودقة المطلب، ولطف المسلك. وهذا الذى ذكره يضاد هذا الوجه، ويخالف ما وضع عليه أصل الباب. ولا يجوز أن يقدر مقدر أن البحتري قطع الكلام الأول، وابتدأ بذكر برق لمع من ناحية حبيبه من جهة بطن وجرة، لان هذا القطع إن كان فعله، كان خارجاً به، عن النظم المحمود، ولم يكن مبدعاً، ثم كان لا تكون فيه فائدة، لأن كل برق شعل وتكرر وقع الاهتداء به في الظلام، وكان لا يكون بما نظمه مفيداً ولا متقدماً. وهو على ما كان من مقصده، فهو ذو لفظ محمود، ومعنى مستجلب غير مقصود، ويعلم بمثله أنه طلب العبارات، وتعليق القول بالاشارات. وهذا من الشعر الحسن الذى يحلو لفظه، وتقل فوائده ". ومن شواهد تجنى الباقلانى على البحترى قوله في ص ٢٤٠: " وأما قوله: ما الحسنُ عندك يا سعاد بمُحْسِنٍ * * فيما أتاه ولا الجمال بِمُجْمِلِ عذل المشوق وإن من سيما الهوى * * في حيث يجهله لجاج العذل قوله في البيت الأول: " عندك " حشو، وليس بواقع ولا بديع، وفيه كلفة، والمعنى الذي قصده، أنت تعلم أنه متكرر على لسان الشعراء. وفيه شئ آخر، لأنه يذكر أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده. وتهييم قلبه، وضد هذا المعنى هو الذي يميل إليه أهل الهوى والحب. وبيت كشاجم أسلم من هذا وأبعد من الخلل، وهو قوله: بحياة حُسنك أَحْسني، وبحقِّ من * * جَعَل الجمالَ عليك وقفاً أَجْمِلي " ولست أرى رأى الباقلانى في أن كلمة " عندك " قد وقعت حشوا متكلفا، ليست بواقعة ولا بديعة، وإنما هي في هذا المقام قد وقعت موقعها الطبيعي البديع ولم يجتلبها التكلف حشوا لا يغنى غناءه في تأدية المعنى، وإنما هي أصيلة في أصل المعنى، ولا يؤدى معناها غيرها. ولست أشك كذلك في أن بيت البحترى أمثل من بيت كشاجم. ويخيل إلى أن الباقلانى قد ضل عنه معنى بيت البحترى، إذ فهم أنه " يذكر

стр. 80

أن حسنها لم يحسن في تهييج وجده وتهييم قلبه ". وإنى أفهم أن المعنى الذى أراغ إليه البحترى: أن حسنها لم يحسن إليه بما يود الحبيب من حبيبه أن يحسن إليه به، مما يمتع نفسه، ويروى ظمأ حبه، وأن جمالها لم يجمل بإصفاء المودة، وإنالة جنى الحب المشتهى. وبذلك يتسق معنى البيت، مع المعنى الذى يميل إليه أهل الهوى. والحب. ولئن كان الباقلانى قد أخطأ في نقد بيت البحترى الاول، وضل عن معناه، فإنه أصاب في نقده للبيت الثاني، حيث يقول: " وأما البيت الثاني فإن قوله: " في حيث " حشا بقوله كلامه، ووقع ذلك مستنكراً وحشياً نافراً عن طبعه، جافياً في وضعه، فهو كرقعة من جلد في ديباج حسن! فهو يمحو حسنه، ويأتي على جماله. ثم في المعنى شئ، لأن لجاج العذل لا يدل على هوى مجهول، ولو كان مجهولاً لم يهتدوا للعذل عليه. فعلم أن المقصد استجلاب العبارات. ثم لو سلم من هذا الخلل لم يكن في البيت معنى بديع، ولا شئ يفوت قول الشعراء في العذل، فإن ذلك جملهم الذلول، قولهم المكرر المقول " * * * ثم قال الباقلانى في ص ٣٧٤ " وأما الغرض الذي صنفنا فيه، في التفصيل والكشف عن إعجاز القرآن، فلم نجده على التقريب الذي قصدنا، وقد رجونا أن يكون ذلك مغنيا ووافيا. وقد قصدنا فيما أمليناه الاختصار، ومهدنا الطريق ". ثم عرض لنقد الجاحظ في ص ٣٧٧: بأن كلامه قريب، ومنهاجه معيب ونطاق قوله ضيق. ومن أجل ذلك يستعين بكلام غيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه، من بيت سائر، ومثل نادر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة، فإذا أطال ولم يستعن بكلام غيره، كان كلامه ككلام غيره. ثم زعم أن أبا الفضل بن العميد قد سلك مسلكه، ونازعه طريقته، فلم يقصر عنه. ولعله قد بان تقدمه عليه، لأنه يأخذ في الرسالة الطويلة فيستوفيها على حدود مذهبه، ولا يقتصر على أن يأتي بالأسطر من نحو كلامه، كما ترى الجاحظ يفعل

стр. 81

في كتبه، متى ذكر من كلامه سطراً أتبعه من كلام الناس أوراقاً، وإذا ذكر منه صفحة بنى عليه من قول غيره كتابا ". وفى هذا الكلام حق كثير، وظلم مبين، وأين كلام ابن العميد من سحر الجاحظ؟ هيهات هيهات أن يقارنه أو يقاربه. * * * ثم عقد فصلا في ص ٣٨٠ لبيان أن عجز سائر أهل الاعصار عن الاتيان بمثل القرآن ثابت، كعجز أهل العصر الاول. ثم أعقبه بفصل في التحدي ووجه الحاجة إليه في باب القرآن ص ٣٨٢. وتلاه بفصل في قدر المعجز من القرآن عند الاشاعرة والمعتزلة ص ٣٨٦. " فذهب عامة الاشاعرة إلى أن أقل ما يعجز عنه من القرآن: السورة، قصيرة كانت أو طويلة، أو ما كان بقدرها. قال الاشعري: فإذا كانت الآية بقدر حروف سورة، وإن كانت سورة الكوثر، فذلك معجز، ولم يقم دليل على عجزهم عن المعارضة في أقل من هذا القدر. وذهبت المعتزلة إلى أن كل سورة برأسها فهي معجزة ". وبعده فصل في أنه هل يعلم إعجاز القرآن ضرورة؟ ص ٣٩٣ وقد ذهب إلى أن الأعجمي لا يمكنه أن يعلم إعجازه إلا استدلالا، وكذلك غير البليغ من العرب، فأما البليغ الذى أحاط بمذاهب العربية وغرائب الصنعة، فإنه يعلم من نفسه ضرورة عجزه عن الاتيان بمثله، ويعلم عجز غيره بمثل ما يعرف عجز نفسه. وجعل الفصل الذى يليه ص ٣٩٤ فيما يتعلق به الاعجاز: أهو الحروف المنظومة؟ أم الكلام القائم بالذات؟ أم غير ذلك؟ وذهب إلى أن التحدي واقع إلى أن يأتوا بمثل الحروف المنظومة، التي هي عبارة عن كلام الله تعالى، في نظمها وتأليفها، وهي حكاية لكلامه، ودلالات عليه، وأما رات له، على أن يكونوا مستأنفين لذلك، لا حاكمين لما أتى به النبي ﷺ . ثم ذكر فصلا في وصف وجوه من البلاغة، بدأه بقوله: " ذكر بعض أهل الأدب والكلام: أن البلاغة على عشرة أقسام..". وهذا البعض الذى لم يشأ

стр. 82

أن يصرح باسمه، هو معاصره أبو الحسن: على بن عيسى الرماني المعتزلي وقد نقل الباقلانى هذا الفصل الطويل بأمثلته من كتابه: " النكت في إعجاز القرآن "، وعلق عليه تعليقات شتى. وقد ذيلت كل مثال نقله بما قاله الرماني فيه، لتتم فائدة القارئ، وليستبين الفرق بين الرجلين. ثم عقد الباقلانى فصلا في حقيقة المعجز ص ٤٣٦، فبين معنى إعجازه على أصول الاشاعرة بأنه لا يقدر العباد عليه، وإنما ينفرد الله بالقدرة عليه، ولما لم يقدر عليه أحد شبه بما يعجز عنه العاجز، وإنما لا يقدر العباد على مثله، لأنه لو صحّ أن يقدروا عليه بطلت دلالة المعجز، وقد أجرى الله العادة بأن يتعذر فعل ذلك منهم وأن لا يقدروا عليه. ولو كان غير خارج عن العادة لاتوا بمثله، أو عرضوا عليه من كلام فصحائهم وبلغائهم ما يعارضه. فلما لم يشتغلوا بذلك علم أنهم فطنوا لخروج ذلك عن أوزان كلامهم، وأساليب نظامهم، وزالت أطماعهم عنه. وتعرض في هذا الفصل لنظم القرآن ص ٤٣، وأن أصحابه قالوا فيه: إن الله يقدر على نظم هيئة أخرى تزيد في الفصاحة عليه، كما يقدر على مثله وأما بلوغ بعض نظم القرآن الرتبة التى لا مزيد عليها، فقد قال مخالفونا: إن هذا غير ممتنع. والذى نقوله: إنه لا يمتنع أن يقال إنه يقدر الله تعالى على أن يأتي بنظم أبلغ وأبدع من القرآن كله. وأما قدر العباد فهي متناهية في كل ما يقدرون عليه، مما تصح قدرتهم عليه ". وعقد بعد ذلك فصلا في كلام النبي ﷺ ، وأمور تتصل بالاعجاز، بين فيه أنه محال أن يكون القرآن من كلامه ﵇، ورد فيه على قول من يقول لولا أن كلامه معجز لم يشتبه على ابن مسعود الفصل بين المعوذتين وبين غيرهما من القرآن، وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم لا. وقال: إن هذا من تخليط الملحدين، وإن الذى يروونه في ذلك خبر واحد، لا يسكن إليه في مثل هذا ولا يعمل به. وقد جوز أن يكون أبى قد كتب دعاء القنوت على ظهر مصحفه لئلا ينساه، كما جوز أن يكون ابن مسعود قد شذ عن

стр. 83

مصحفه إثبات المعوذتين، أو أن يكون الناقل اشتبه عليه الامر، لان مصحفه مخالف في النظم والترتيب مصحف عثمان. وقال: " ولو كان قد أنكر السورتين على ما ادعوا، لكانت الصحابة تناظره على ذلك، وكان يظهر وينتشر، فقد تناظروا في أقل من هذا، وهذا أمر يوجب التكفير والتضليل فكيف يجوز أن يقع التخفيف فيه؟ ! وقد علمنا إجماعهم على ما جمعوه في المصحف، فكيف يقدح بمثل هذه الحكايات الشاذة المولدة في الاجماع المتقرر، والاتفاق المعروف؟ " ثم قال: " ولو كان القرآن من كلامه، لكان البون بين كلامه وبينه مثل ما بين خطبة وخطبة ينشئهما رجل واحد، وكانوا يعارضونه، لأنا قد علمنا أن القدر الذي بين كلامهم وبين كلام النبي ﷺ ، لا يخرج إلى حد الإعجاز، ولا يتفاوت التفاوت الكثير، ولا يخفى كلامه من جنس أوزان كلامهم، وليس كذلك نظم القرآن، لانه خارج من جميع ذلك ". ثم أجاب إجابة دقيقة موفقة على اعتراض أورده في ص ٤٤٦ وهو: " ولو كان القرآن معجزاً لم يختلف أهل الملة في وجه إعجازه؟ " ثم أعقبه بفصل موجز لبيان أن من شرط المعجز أن يعلم أنه أتى به من ظهر عليه. ثم ذكر الباقلانى الفصل الاخير من كتابه ص ٤٥٢، وقال في مستهله: " قد ذكرنا في الإبانة عن معجز القرآن وجيزاً من القول، رجونا أن يكفي، وأملنا أن يقنع، والكلام في أوصافه - إن استقصى - بعيد الأطراف، واسع الأكناف، لعلو شأنه، وشريف مكانه. والذي سطرناه في الكتاب، وأن كان موجزاً، وما أمليناه فيه، وإن كان خفيفاً، فإنه ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه ويهدى إلى الحجة، ومتى عظم محل الشئ فقد يكون الإسهاب فيه عيَّاً، والإكثار في وصفه تقصيرا..ولولا أن العقول تختلف، والأفهام تتباين، والمعارف تتفاضل - لم نحتج إلى ما تكلفنا، ولكن الناس يتفاوتون في المعرفة، ولو اتفقوا فيها لم يجز أن يتفقوا في معرفة هذا الفن، أو يجتمعوا في الهداية إلى هذا العلم، لاتصاله بأسباب خفية، وتعلقه بعلوم غامضة الغور، عميقة القعر، كثيرة المذاهب، قليلة

стр. 84

الطلاب، ضعيفة الاصحاب، وبحسب تأتى مواقعه تقع الإفهام دونه، وعلى قدر لطف مسالكه يكون القصور عنه. فإذا كان نقد الكلام كله صعباً، وتمييزه شديداً، والوقوع على اختلاف فنونه متعذراً، وهذا في كلام الآدميين، فما ظنك بكلام رب العالمين؟ " ثم قال: " وقد بينا في نظم القرآن أن الجملة تشتمل على بلاغة منفردة، والأسلوب يختص بمعنى آخر من الشرف ". وأطلق لقلمه العنان في وصف القرآن وما اشتمل من جوامع المعاني وعظيم البلاغة وعجيب النظم المفارق لسائر النظوم، فأتى في ذلك بما يلذ ويشوق. ويعجب ويطرب، ومن قوله في هذا المعنى: " تجد فيه الحكمة وفصل الخطاب مجلوة عليك في منظر بهيج، ونظم أنيق، ومعرض رشيق، غير معتاص على الأسماع، ولا مغلق على الأفهام، ولا مستكره في اللفظ ولا مستوحش في المنظر، غريب في الجنس، غير غريب في القبيل، ممتلئ ماء ونضارة، ولطفاً وغضارة، يسري في القلب كما يسري السرور، ويمر إلى مواقعه كما يمر السهم، ويضئ كما يضئ الفجر، ويزخر كما يزخر البحر، طموح، العباب، جموح على المتناول المنتاب، كالروح في البدن، والنور المستطير في الافق،. والغيث الشامل، والضياء الباهر، (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ، من توهم أن الشعر يلحق شأوه بان ضلاله، ووضح جهله، إذ الشعر سمت قد تناولته الألسن، وتداولته القلوب، وانثالت عليه الهواجس، وضرب الشيطان فيه بسهمه، وأخذ منه بحظه. وما دونه من كلامهم فهو أدنى محلاً، وأقرب مأخذاً، وأسهل مطلبا. والقرآن كتاب دل على صدق متحمله، ورسالة دلت على صحة قول المرسل بها، وبرهان شهد له براهين الانبياء المتقدمين،. وبينة على طريقة ما سلف إلى الاولين. تحداهم به. إذ كان من جنس القول الذى زعموا أنهم أدركوا فيه النهاية، وبلغوا فيه الغاية، فعرفوا عجزهم، كما عرف قوم عيسى نقصانهم فيما قدروا من بلوغ أقصى الممكن في العلاج، والوصول إلى أعلى مراتب الطب، فجاءهم بما بهرهم من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وكما أتى موسى بالعصا التي تلقفت ما برعوا فيه من سحرهم، وأتت

стр. 85

على ما أجمعوا عليه من أمرهم، وكما سخر لسليمان الريح والطير والجن حين كانوا يولعون به من فائق الصنعة وبدائع اللطف. ثم كانت هذه المعجزة مما يقف عليه الأول والآخر وقوفاً واحداً، ويبقى حكمها إلى يوم القيامة..فتأمل ما عرفناك في كتابنا، وفرغ له قلبك. واجمع عليه لبك، ثم اعتصم بالله يهدك، وتوكل عليه يعنك ويجرك،. واسترشده يرشدك، وهو حسبي وحسبك، ونعم الوكيل " * * * رأى الرافعى في إعجاز القرآن: قال في كتاب " تاريخ آداب العرب " ٢ / ١٥٣: " وجاء القاضى أبو بكر الباقلانى المتوفى سنة ٤٠٣ فوضع كتابه المشهور " إعجاز القرآن " الذى أجمع المتأخرون من بعده على أنه باب في الاعجاز على حدة، والغريب أنه لم يذكر فيه كتاب الواسطي، ولا كتاب الرماني، ولا كتاب الخطابى الذى كان يعاصره، وأومأ إلى كتاب الجاحظ بكلمتين لا خير فيهما، فكأنه هو ابتدأ التأليف في الاعجاز بما بسط في كتابه واتسع، وفى ذلك ما يثبت لنا أن عهد هذا التأليف لا يرد في نشأته إلى غير الجاحظ. على أن كتاب الباقلانى وإن كان فيه الجيد الكثير، وكان الرجل قد هذبه وصفاه وتصنع له، إلا أنه لم يملك فيه بادرة عابها هو من غيره، ولم يتحاش وجها من التأليف لم يرضه من سواه، وخرج كتابه كما قال هو في كتاب الجاحظ: " لم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى ". فإن مرجع الاعجاز فيه إلى الكلام، وإلى شئ من المعارضة البيانية بين جنس وجنس من القول، ونوع وآخر من فنونه، وقد حشر إليه أمثلة من كل قبيل من النظم والنثر، ذهبت بأكثره، وغمرت جملته، وعدها في محاسنه وهى من عيوبه، وكان الباقلانى، ﵀ وأثابه، واسع الحيلة في العبارة، مبسوط اللسان إلى مدى بعيد، يذهب في ذلك مذهب الجاحظ ومذهب مقلده ابن العميد، على بصر وتمكن وحسن تصرف، فجاء كتابه وكأنه في غير ما وضع له، لما فيه من الاغراق في الحشد، والبالغة في الاستعانة، والاستراحة إلى النقل إذ كان أكبر

стр. 86

غرضه في هذا الكتاب أن " ينبه على الطريقة، ويدل على الوجه، ويهدي إلى الحجة " وهذه ثلاثة لو بسطت لها كل علوم البلاغة وفنون الادب - لوسعتها، وهى مع ذلك حشو ووصل. على أن كتابه قد استبد بهذا الفرع من التصنيف في الاعجاز، واحتمل المؤنة فيه بجملتها من الكلام والعربية والبيان والنقد، ووفى بكثير مما قصد إليه من أمهات المسائل والاصول التى أوقع الكلام عليها، حتى عدوه الكتاب وحده، لا يشرك العلماء معه كتابا آخر في خطره ومنزلنه، وبعد غوره، وإحكام ترتيبه، وقوة حجته، وبسط عبارته، وتوثيق سرده، فانظر ما عسى أن يكون غيره مما سبقه أو تلاه. وما زاد الباقلانى، ﵀، على أن ضمن كتابه روح عصره، وعلى أن جعله في هذا الباب كالمستحث للخواطر الوانية، والهمم المتثاقلة في أهل التحصيل والاستيعاب الذين لم يذهبوا عن معرفة الادب، ولم يغفلوا عن وجه اللسان ولم ينقطعوا دون محاسن الكلام وعيونه، ولم يضلوا في مذاهبه وفنونه، حتى قال: " إن الناقص في هذا الصنعة كالخارج عنها، والشادي فيها كالبائن منها " وقد كانت علوم البلاغة لم تهذب لعهده، ولم يبلغ منها الاستنباط العلمي ولم تجرد فيها الامهات والاصول، ككتب عبد القاهر ومن جاء بعده، فبسط الرجل من ذلك شيئا، وأجمل شيئا، وهذب شيئا، ونحا في الانتقاد منحى الذين سبقوه من العلماء بالشعر وأهل الموازنة بين الشعراء، وكانت تلك العصور بهم حفيلة. وبالجملة فقد وضع ما لم يكن يمكن أن يوضع أوفى منه في عصره "

стр. 87

وقد طبع كتاب " إعجاز القرآن " عدة طبعات: الاولى بمطبعة الاسلام بمصر في سنة ١٣١٥. والثانية على هامش كتاب الاتقان للسيوطي المطبوع بالمطبعة الميمنية بالقاهرة سنة ١٣١٧. والثالثة على هامشه كذلك في المطبعة الازهرية بالقاهرة سنة ١٣١٨. والطبعة الرابعة في المطبعة السلفية سنة ١٣٤٩، وهى بتحقيق الاستاذ محب الدين الخطيب. وقد عارضها بنسخة مخطوطة في دار الكتب المصرية، وصدرها بكلمة طيبة عن الباقلانى. ومع أن هذه الطبعة أحسن طبعات الكتاب جميعا، فإنها لم تخل من شوائب التصحيف والتحريف، والنقص الكثير: وفيها ما هو أكثر من ذلك. فقد كرر فيها كلام الباقلانى من السطر الحادى عشر من صفحة ١٧ إلى السطر الاول من ص ١٩، فأعيد بنصه وفصه ابتداء من السطر الثاني والعشرين من صفحة ٢١٧ إلى السطر التاسع من صفحة ٢١٩، مع أنه مقحم في هذا الموضع إقحاما يأباه المقام. ومن أمثلة النقص الواقع فيها: ما جاء في ص ٤١: " وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة. فرأيناه غير مختلف " وقد ورد هذا الكلام في طبعتنا كاملا ص ٥٦ ". عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتا بينا، ويختلف اختلافا كبيرا. ونظرنا القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ". ومنها في ص ٧٠ وكقول على " حين سئل عن قول النبي ﷺ : إنما قال ذلك والدين في قل ". وهو في طبعتنا: " حين سئل عن قول النبي ﷺ : غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود -: إن النبي ﷺ إنما قال ذلك والدين في قل ". ومنها ما جاء في ص ٧٧ " ومن البليغ عندهم الغلو، كقول النمر بن تولب " وهو في طبعتنا: " ومن البليغ عندهم الغلو والافراط في الصفة، كقول النمر بن تولب ". ومنها في ص ٨٣ " إذا فريق منكم بربهم يشركون. ويعدون من البديع الموازنة.

стр. 88

وفى طبعتنا ص ١٣٣ "..يشركون. ومن هذا الجنس قول هند بنت النعمان للمغيرة بن شعبة، وقد أحسن إليها: برتك يد نالتها خصاصة بعد ثروة، وأغناك الله عن يد نالت ثروة بعد فاقة. ويعدون من البديع الموازنة ". ومنها في ص ٨٧ " ونحوه صحة التفسير، كقول القائل ". وفى طبعتنا ص ١٤٣ " ونحوه صحة التفسير، وهو أن توضع معان تحتاج إلى شرح أحوالها، فإذا شرحت أثبتت تلك المعاني من غير عدول عنها، ولا زيادة ولا نقصان، كقول القائل ". وفى نفس الصفحة منها: " ومن البديع التكميل والتتميم، كقول نافع بن خليفة ". وهو في صفحتنا نفسها: " ومن البديع التكميل والتتميم وهو أن يأتي بالمعنى الذى بدأ به بجميع المعاني المصحة المتممة لصحته، المكملة لجودته، من غير أن يخل ببعضها، ولا أن يغادر شيئا منها. كقول القائل: وما عسيت أن أشكرك عليه من مواعيد لم تشن بمطل، ومرافد لم تشب بمن، وبشر لم يمازجه ملق، ولم يخالطه مذق. وكقول نافع بن خليفة ". ومنها في ص ٢٢٠ " وكذلك لم يشتبه دعاء القنوت في أنه هل هو من القرآن أم، ولا يجوز أن يخفى عليهم " وهو في طبعتنا ص ٢٤٢ "..هو من القرآن أم لا، قيل: هذا من تخليط الملحدين، لان عندنا أن الصحابة لم يخف عليهم ما هو من القرآن، ولا يجوز أن يخفى عليهم ". وقد رمزت إلى طبعة السلفية برمز " س " ووضعت كل زيادة عليها بين هاتين العلامتين [] . وأمثلة التحريف والتصحيف كثيرة مبينة في أماكنها من الكتاب، ولكنا نذكر منها: جاء في ص ٦٦ منها " وفطنوا لحسنه فتتبعوه من بعد، وبنوا عليه وطلبوه، ورتبوا فيه المحاسن التي يقع الاضطراب بوزنها، وتهش النفوس إليها ". والصواب في طبعتنا ص ٩٧ " التى يقع الاطراب بوزنها ". وجاء في ص ٩٧ " كامرئ القيس، وزهير، والنابغة وإلى يومه، ونحن نبين تميز كلامهم ". والصواب في طبعتنا ص ١٦٧ " والنابغة، وابن هرمة، ونحن

стр. 89

نبين تميز كلامهم ". وجاء في ص ١٣١ " وإنما قرع له الأصمعي إلى إفادته هذه الفائدة خشية أن يعاب عليه ". والصواب في طبعتنا ص ٢٤٥ " وإنما فزع الأصمعي إلى إفادته هذه الفائدة، خشية أن يعاب عليه ". وجاء في ص ١١٤ " هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله، ﷺ سهيل بن عمرو: اصطلحنا على وضع الحرب عن الناس عشرين سنة يأمن فيه الناس ". والصواب في طبعتنا ص ٢٠٥ " اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ". وجاء في ص ١٣٠ في كلام الباقلانى عن امرئ القيس: " ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته، وربما عثرت في وجهه على أشياء كثيرة، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة ". والصواب في طبعتنا ص ٢٤٢ ". وربما غيرت في وجهه أشياء كثيرة ". وجاء في كلام الباقلانى على بيت امرئ القيس: وما ذرفت عيناكِ إلا لتضربي * * بسهميكِ في أعشار قلب مقتل ص ١٣٨ " لأنه إن كان محتاجاً - على ما وصف به نفسه من الصبابة فقلبه كله لها، فكيف يكون بكاؤها هو الذي يخلص قلبه لها؟ " والصواب كما في طبعتنا ص ٢٦٠ " لانه إن كان محبا - على ما وصف به نفسه من الصبابة. " ص ١٠٠ " ثم ترى أنفس الشعراء تتشوق إلى معارضته، وتساويه في طريقته وربما عثرت في جهة على أشياء كثيرة، وتقدمت عليه في أسباب عجيبة " والصواب كما في طبعتنا ص ٢٤٢ ". وربما غبرت في وجهه أشياء كثيرة. " ومن أجل ذلك وأمثاله رأيت أن أنشر الكتاب نشرة علمية قويمة، تقوم أوده، وتكمل نقصه، وكان لى ما أردت، بحمد الله وتوفيقه.

стр. 90

وقد اعتمدت في نشره على أربع نسخ خطية: فالنسخة الاولى: صورتها عن نسخة المتحف البريطاني رقم ٧٧٤٩ وعدد أوراقها ١٣٩ ورقة، وخطها نسخ جميل وقد ضبطت كلماتها بالحركات. وكتب في آخرها بخط يخالف خطها: " هذا ما كتبه المؤلف لخزانة كتب عضد الدولة، وطالع فيه الحسن ابن المؤلف، سنة تسع وتسعين بعد الثلثمائة ". ولست أمترى في أن هذه العبارة مزورة. قد كتبها كاتب ليضفى على النسخة قيمة تاريخية ليتسنى له بيعها بثمن مرتفع. وبعيد أن يكتب الباقلانى هذه النسخة لمكتبة عضد الدولة، ويكون فيها: " خطبة لقس بن ساعدة الايادي رضى الله عنه! "، ولا يعنى بتصحيحها وهذه النسخة مترعة بالتحريف، وتنقص بعض النصوص، كما هو مبين في أماكنه من الكتاب. وقد رمزت إلى هذه النسخة بالرمز " م ". والنسخة الثانية: صورتها عن نسخة مكتبة " كوبريلى " بالآستانة، وهى تقع في ١٠٤ ورقات، ومقاسها ٥، ٨ ٢٥ X، ١٦ وخطها نسخ مشكول بالحركات، وهى مخرومة من وسطها، وقد كتب في آخرها بخط ناسخها: " وكان الفراغ من نسخه سلخ الشهر المعظم رجب سنة ثمانية عشر وستمائة. علقه الشريف حسن بن الشريف محمد، بن الشريف على بن الشريف حسين، الحسينى، السمرقندى الناسخ، وصلوات الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما " وقد رمزت إليها بالحرف " ك ". والنسخة الثالثة: مخطوطة خاصة مجهولة التاريخ، وليس عليها ما يدل على اسم ناسخها، وهى مكتوبة بخط مغربي دقيق، غير مضبوطة وتقع في ١١٢ ورقة وقد فقدت منها الورقة الاولى، وقد رمزت إليها بالحرف " ب ". والنسخة الرابعة صورتها عن النسخة المحفوظة بمكتبة " الاسكوريال " بأسبانيا تحت رقم ١٤٣٥ وهى تقع في ١٢٥ ورقة، وقد جاء في آخرها: " وكان الفراغ منه في غرة ذى الحجة سنة ثلاث وعشرين وأربعمائة، نسخته من أصل الفقيه الامام أبى الحجاج: يوسف بن عبد العزيز اللخمى، الذى عليه خط شيخه عمدة أهل الحق، أبى عبد الله التميمي. وأخبرني أنه نسخها من نسخة صحيحة عليها

стр. 91

مكتوب: فرغ من نسخها في جمادى الآخرة سنة إحدى وأربعمائة. وقال لى: توفى القاضى المؤلف، ﵀، سنة أربع وأربعمائة. وعارضت نسختي هذه بالاصل، وقرأتها عليه وهو يمسك أصله، والحمد لله رب العالمين " وقد رمزت إلى هذه النسخة بحرف " ا ". * * * وبعد، فإنى أحمد الله سبحانه أن وفقني لاخراج الكتاب على هذا النحو، فإن كنت أصبت فالخير أردت، وإن تكن الاخرى فحسبي أننى بذلت فيه وسعى، وفى لفتات النقاد ما يكمل النقص ويسد الخلل، والله ولى التوفيق. السيد أحمد صقر القاهرة يوم الخميس (١٨ من المحرم سنة ١٣٧٤ هـ (١٦ من سبتمبر ١٩٥٤ م

стр. 92

إعجاز القرآن للباقلاني أبى بكر محمد بن الطيب

стр. 93

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله المنعم على عباده بما هداهم إليه من الايمان، والمتمم إحسانه بما أقام لهم من جلى البرهان، الذى حمد نفسه بما (١) أنزل من القرآن، ليكون بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وهاديا إلى ما ارتضى لهم من دينه، وسلطانا أوضح وجه تبيينه (٢) ، ودليلا على وحدانيته، ومرشدا إلى معرفة عزته وجبروته، ومفصحا عن صفات جلاله، وعلو شأنه وعظيم (٣) سلطانه، وحجة لرسوله الذى أرسله به، وعلما على صدقه، وبينة على أنه أمينه على وحيه، وصادع بأمره. فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، ورسالة تشتمل على قول مؤديها. بين فيه سبحانه أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها، أو (٤) حجة تتلوها، وأن الذهاب عنها كالذهاب عن الضروريات، والتشكك في المشاهدات. ولذلك قال عز ذكره: (ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم / لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين) (٥) . وقال : (ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا: إنما سكرت أبصارنا، بل نحن قوم مسحورون) (٦) . فله الشكر على جزيل إحسانه، وعظيم مننه. والصلاة على محمد المصطفى وآله، وسلم ومن أهم ما يجب على أهل دين الله كشفه، وأولى ما يلزم بحثه،

стр. 94

ما كان لاصل دينهم قواما، ولقاعدة توحيدهم عمادا (١) ونظاما وعلى صدق نبيهم، ﷺ ، برهانا، ولمعجزته ثبتا وحجة (٢) . ولا سيما أن الجهل ممدود الرواق، شديد النفاق (٣) ، مستول على الآفاق، والعلم إلى عفاء ودروس، وعلى خفاء وطموس، وأهله في جفوة الزمن البهيم (٤) ، يقاسون من عبوسه لقاء الاسد الشتيم (٥) حتى صار ما يكابدونه قاطعا عن الواجب من سلوك مناهجه، والاخذ في سبله. / فالناس بين رجلين: ذاهب عن الحق، ذاهل عن الرشد، وآخر مصدود عن نصرته، مكدود في صنعته. فقد أدى ذلك إلى خوض الملحدين، في أصول الدين، وتشكيكهم أهل الضعف في كل يقين. وقد قل أنصاره، واشتغل عنه أعوانه، وأسلمه أهله. فصار عرضة لمن شاء أن يتعرض فيه، حتى عاد مثل الامر الاول على ما خاضوا فيه عند ظهور أمره. فمن قائل قال: إنه سحر (٦) ، وقائل يقول: إنه شعر (٧) ، وآخر يقول: إنه أساطير الاولين (٨) ، وقالوا: لو نشاء لقلنا مثل هذا (٩) . إلى الوجوه التى حكى الله عنهم أنهم قالوا فيه، وتكلموا به، فصرفوه إليه. وذكر لى عن بعض جهالهم أنه جعل يعدله ببعض الاشعار، ويوازن

стр. 95

بينه وبين غيره من الكلام، ولا يرضى بذلك حتى يفضله عليه! وليس هذا ببديع من ملحدة هذا العصر، وقد سبقهم إلى عظم (١) / ما يقولونه إخوانهم من ملحدة قريش وغيرهم. إلا أن أكثر من كان طعن فيه في أول أمره استبان رشده، وأبصر قصده، فتاب وأناب، وعرف من (٢) نفسه الحق بغريزة طبعه، وقوة إتقانه، لا لتصرف لسانه، بل لهداية (٣) ربه وحسن توفيقه. والجهل في هذا الوقت أغلب، والملحدون (٤) فيه عن الرشد أبعد، وعن الواجب أذهب. وقد كان يجوز أن يقع ممن عمل الكتب النافعة في معاني القرآن، وتكلم في فوائده من أهل صنعة العربية وغيرهم من أهل صناعة الكلام، أن يبسطوا القول في الابانة عن وجه معجزته، والدلالة على مكانه. فهو أحق بكثير مما صنفوا فيه من القول في الجزء ﴿والطفرة﴾ (٥) ، ودقيق الكلام في الاعراض، وكثير من بديع الاعراب وغامض النحو. فالحاجة إلى هذا أمس، والاشتغال به أوجب. وقد قصر بعضهم في هذه المسألة، حتى أدى ذلك إلى تحول قوم منهم إلى مذاهب البراهمة فيها، ورأوا أن عجز أصحابهم عن نصرة هذه المعجزة يوجب أن لا مستنصر (٦) فيها، ولا وجه لها، حين رأوهم قد برعوا في لطيف ما أبدعوا، وانتهوا إلى الغاية فيما أحدثوا / ووضعوا. ثم رأوا ما صنفوه في هذا المعنى غير كامل في بابه، ولا مستوفى في وجهه، قد أخل بتهذيب طرقه، وأهمل ترتيب بيانه. وقد يعذر بعضهم في تفريط يقع منه فيه، وذهاب عنه، لان هذا الباب مما لا يمكن إحكامه إلا بعد (٧) التقدم في أمور شريفة المحل، عظيمة المقدار، دقيقة المسلك لطيفة المأخذ.

стр. 96

وإذا انتهينا إلى تفصيل القول فيها، استبان ما قلناه من الحاجة إلى هذه المقدمات، حتى يمكن بعدها إحكام القول في هذا الشأن. وقد صنف " الجاحظ " في نظم القرآن كتابا، لم يزد فيه على ما قاله المتكلمون قبله، ولم يكشف عما يلتبس في أكثر هذا المعنى. * * * وسألنا سائل أن نذكر جملة من القول جامعة، تسقط الشبهات، وتزيل الشكوك التى تعرض للجهال، وتنتهى إلى ما يخطر لهم، ويعرض لافهامهم من الطعن في وجه المعجزة. فأجبناه إلى ذلك، متقربين إلى الله ، ومتوكلين عليه وعلى حسن توفيقه ومعونته. ونحن نبين ما سبق فيه البيان من غيرنا، ونشير إليه ولا نبسط القول، لئلا يكون ما ألفناه مكررا ومقولا، بل يكون مستفادا من جهة هذا الكتاب خاصة. / ونصف ما يجب وصفه من القول في تنزيل متصرفات الخطاب، وترتيب وجوه الكلام، وما تختلف فيه طرق البلاغة، وتتفاوت من جهته سبل البراعة، وما يشتبه له ظاهر الفصاحة، ويختلف فيه المختلفون من أهل صناعة العربية، والمعرفة بلسان العرب في أصل الوضع. ثم ما اختلفت به مذاهب مستعمليه في فنون ما ينقسم إليه الكلام، من شعر ورسائل وخطب، وغير ذلك من مجارى الخطاب. وإن كانت هذه الوجوه الثلاثة أصول ما يبين فيه التفاصح، وتقصد فيه البلاغة، لان هذه أمور يتعمل لها في الاغلب، ولا يتجوز فيها. ثم من بعد هذا (١) الكلام الدائر في محاوراتهم. والتفاوت فيه أكثر،

стр. 97

لان التعمل فيه أقل، إلا من غزارة طبع، أو فطانة تصنع وتكلف. ونشير إلى ما يجب في كل واحد من هذه الطرق، ليعرف عظيم محل القرآن، وليعلم ارتفاعه عن مواقع هذه الوجوه، وتجاوزه الحد الذى يصح أو يجوز أن يوازن بينه وبينها، أو يشتبه ذلك على متأمل. ولسنا نزعم أنه يمكننا أن نبين ما رمنا بيانه، وأردنا شرحه وتفصيله، لمن كان عن معرفة الادب ذاهبا (١) وعن وجه اللسان غافلا، لان ذلك / مما لا سبيل إليه، إلا أن يكون الناظر فيما نعرض عليه مما قصدنا إليه من أهل صناعة العربية، قد وقف على جمل من محاسن الكلام ومتصرفاته ومذاهبه، وعرف جملة من طرق المتكلمين، ونظر في شئ من أصول الدين. وإنما ضمن الله فيه البيان لمثل من وصفناه، فقال: (كِتَابٌ فَصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٢) . وقال: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون) (٣) .

стр. 98

/ فصل في أن نبوة النبي ﷺ معجزتها القرآن الذي يوجب الاهتمام التام بمعرفة إعجاز القرآن، أن بنوة نبينا ﵇ بنيت (١) على هذه المعجزة، وإن كان قد أيد بعد ذلك بمعجزات كثيرة. إلا أن تلك المعجزات قامت في أوقات خاصة، وأحوال خاصة، وعلى أشخاص خاصة. ونقل بعضها نقلاً متواتراً يقع به العلم وجوداً. وبعضها مما نقل نقلاً خاصاً، إلا أنه حكى بمشهد من الجمع العظيم وأنهم شاهدوه، فلو كان الأمر على خلاف ما حكى لا نكروه، أو لا نكره بعضهم، فحل محل المعنى الأول، وإن لم يتواتر أصل النقل فيه. وبعضها مما نقل من جهة الآحاد، وكان وقوعه بين يدي الآحاد. فأما دلالة القرآن فهي عن معجزة عامة، عمت الثقلين، وبقيت بقاء العصرين. ولزوم الحجة بها في أول وقت ورودها إلى يوم القيامة على حد واحد، وإن كان قد يعلم بعجز أهل العصر الأول عن الاتيان / بمثله - وجه دلالته، فيغني ذلك عن نظر مجدد في عجز أهل هذا العصر عن الإتيان (٢) بمثله. وكذلك قد يغني عجز أهل هذا العصر عن الإتيان بمثله، عن النظر في حال أهل العصر الأول. وإنما ذكرنا هذا الفصل، لما حكي عن " بعضهم " أنه زعم أنه وإن كان قد عجز عنه أهل العصر الأول فليس أهل هذا العصر بعاجزين عنه، ويكفي عجز أهل العصر الأول في الدلالة، لانهم خصوا بالتحدى دون غيرهم (٣) .

стр. 99

ونحن نبين خطأ هذا القول في موضعه، إن شاء الله. فأما الذي يبين ما ذكرناه من أن الله تعالى حين ابتعثه جعل معجزته القرآن، وبنى أمر نبوته عليه - فسور كثيرة وآيات نذكر بعضها، وننبه بالمذكور على غيره، فليس يخفى بعد التنبيه على طريقه. فمن ذلك قوله تعالى: (الّر. كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِليكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظًّلًمَاتِ إِلى النُّورِ بإِذْنِ رَبِّهمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (١) فأخبر أنه أنزله ليقع الاهتداء به، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، ولا يكون حجة إن لم يكن معجزة. / وقال : (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكينَ استَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ) (٢) فلولا أن سماعه إياه حجة عليه لم يقف أمره على سماعه. ولا يكون حجة إلا وهو معجزة. وقال : (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) . وهذا بيّن جداً فيما قلناه، من إنه جعله سبباً لكونه منذراً. ثم أوضح ذلك بأن قال: (بِلِسَانٍ عَرَبيٍّ مُّبِينٍ) (٣) . فلولا أن كونه بهذا اللسان حجة، لم يعقب كلامه الأول به. وما من سورة افتتحت بذكر الحروف المقطعة إلا وقد أشبع فيها بيان ما قلناه. ونحن نذكر بعضها لتستدل بذلك على ما بعده. وكثير من هذه السور إذا تأملته فهو من أوله إلى آخره مبني على لزوم حجة القرآن، والتنبيه على وجه معجزته. فمن ذلك سورة المؤمن (٤) . قوله : (حم. تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم) ثم وصف نفسه بما هو أهله من قوله تعالى: (غَافِرِ الذَّنبِ، وَقَابِلِ التَّوْبِ، شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الَّطْولِ، لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ، إِليْهِ الْمَصِيرُ. مَا يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إَلا الَّذينَ كفروا فلا يغررك / تقلبهم في

стр. 100

البلاد) فدلّ على أن الجدال في تنزيله كفرٌ وإلحاد. ثم أخبر بما وقع (١) من تكذيب الأمم برسلهم، بقوله : (كَذْبَتْ قَبْلَهُم قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِم، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهمْ لِيَأْخُذُوهُ، وَجَادَلُواْ بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق) فتوعدهم بأنه آخذهم في الدنيا بذنبهم في تكذيب الانبياء. ورد براهينهم فقال تعالى: (فَأَخَذْتُهُم فَكيْفَ كَانَ عِقَابِ) . ثم توعدهم بالنار، فقال تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النَّارِ) . ثم عظّم شأن المؤمنين بهذه الحجة، بما أخبر من استغفار الملائكة لهم، وما وعدهم عليه من المغفرة، فقال تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد رَبِّهمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ للَّذِينَ آمنوُا: رَبَّنَا وسعت كل شئ رَحْمَةً وَعِلْماً، فَاغْفِرْ للَّذِينَ تَابُواْ وَاتَّبعُوا سَبيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجحيمِ) . فلولا أنه برهان قاهر لم يذم الكفار على العدول عنه، ولم يحمد المؤمنين على المصير إليه. ثم ذكر تمام الآيات في دعاء الملائكة للمؤمنين، ثم عطف على وعيد الكافرين، فذكر آيات، ثم قال: (هُوَ الَّذي يُرِيكُمْ آياتِهِ) . فأمر بالنظر في آياته وبراهينه، إلى أن قال: (رَفِيعُ الَّدرَجاتِ ذو العرش، يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده، لينذر يوم التلاق) / فجعل القرآن والوحي به كالروح، لأنه يؤدي إلى حياة الأبد، ولأنه لا فائدة للجسد من دون الروح. فجعل هذا الروح سبباً (٢) للانذار، وعلماً عليه، وطريقاً إليه. ولولا أن ذلك برهان بنفسه لم يصح أن يقع به الانذار والأخبار عما يقع عند مخالفته، ولم يكن الخبر عن الواقع في الآخرة عند ردهم دلالته (٣) من الوعيد - حجة ولا معلوماً صدقه، فكان لا يلزمهم قبوله. فلما خلص من الآيات في ذكر الوعيد على ترك القبول، ضرب لهم

стр. 101

المثل بمن خالف الآيات، وجحد الدلالات والمعجزات، فقال: (أَوَ لَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبةُ الَّذينَ كَانُواْ مِنْ قَبْلهِمْ، كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الارض، فأخذهم الله بذنوبهم، وما كان لهم من الله من واق) . ثم بين أن عاقبتهم صارت إلى السوأى، بأن رسلهم كانت تأتيهم بالبينات، وكانوا لا يقبلونها منهم. فعلم أن ما قدم ذكره في السورة بينه رسول الله ﷺ . ثم ذكر قصة موسى ويوسف ﵉، ومجيئهما بالبينات، ومخالفتهم حكمها، إلى أن قال تعالى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْر سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللهِ وَعِندَ الَّذينَ آمنُواْ، كَذَلِكَ يَطْبَعَ اللهُ / عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارِ) . فأخبر أن جدالهم في هذه الآيات لا يقع بحجة، وإنما يقع عن جهل، وإن الله يطبع على قلوبهم، ويصرفهم عن تفهم وجه البرهان. لجحودهم وعنادهم واستكبارهم. ثم ذكر كثيراَ من الاحتجاج على التوحيد، ثم قال تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلى الَّذينَ يُجَادِلُونَ في آياتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) . ثم بين هذه الجملة، وإن من آياته الكتاب، فقال: (الَّذِينَ كَذَّبَوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) . إلى أن قال: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يأتي بآية إلا بإذن الله) . فدل على أن الآيات على ضربين: أحدهما كالمعجزات التي هي أدلة (١) في دار التكليف، والثاني الآيات التي ينقطع عندها العذر، ويقع عندها العلم الضروري، وإنها إذا جاءت ارتفع التكليف، ووجب الاهلاك. إلى أن قال تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لَمَّا رَأَوْا بَأسَنَا) . فأعلمنا أنه قادر على هذه الآيات، ولكنه إذا أقامها زال التكليف، وحقت العقوبة على الجاحدين.

стр. 102

وكذلك ذكر في (حم) السجدة (١) على هذا المنهاج الذي شرحنا، فقال : (حم. تنزيل الكتاب مِنَ الرحَّمْنِ الرَّحِيمِ. كِتَابٌ فَصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ. بَشِيراً وَنَذِيراً) فلولا أنه جعله / برهاناً لم يكن بشيراً ولا نذيراً، ولم يختلف بأن يكون عربياً مفصلاً أو بخلاف (٢) ذلك. ثم أخبر عن جحودهم وقلة قبولهم، بقوله تعالى: (فَأعْرَضَ أَكْثَرُهُم فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ) . ولولا أنه حجة لم يضرهم الإعراض عنه. وليس لقائل أن يقول: قد يكون حجة ولكن (٣) يحتاج في كونه حجة إلى دلالة أخرى، كما أن الرسول ﷺ حجة، ولكنه يحتاج إلى دلالة على صدقه، وصحة نبوته. وذلك: أنه إنما احتج عليهم بنفس هذا التنزيل، ولم يذكر حجة غيره. ويبين ذلك: أنه قال عقيب هذا: (قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحُى إِلَيَّ) . فأخبر أنه مثلهم لولا الوحي. ثم عطف عليه بحمد المؤمنين به المصدقين له، فقال: (إِنَّ الَّذينَ آمنَوُا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونِ) . ومعناه: الذين آمنوا بهذا الوحي والتنزيل، وعرفوا هذه الحجة. ثم تصرف في الاحتجاج على الوحدانية والقدرة، إلى أن قال: (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عادِ وثَمُودَ) . فتوعدهم بما أصاب من قبلهم من المكذبين بآيات الله من قوم عاد / وثمود في الدنيا. ثم توعدهم بأمر الآخرة، فقال: (وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) ، إلى انتهاء ما ذكره فيه. ثم رجع إلى ذكر القرآن، فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَسْمَعُواْ لِهذَا القُرْآنِ والْغَوْا فيه لعلكم تغلبون) .

стр. 103

ثم أثنى بعد ذلك على من تلقاه بالقبول، فقال: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوْا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الملائِكَةُ ألاَّ تَخَافُوا ولا تَحْزَنُوا وَأَبشِروا) . ثم قال: (وَإمَّا ينزغنك من الشيطان نزع فاستعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَليمُ) . وهذا ينبه على أن النبي ﷺ يعرف إعجاز القرآن، وأنه دلالة له على جهة الاستدلال، لأن الضروريات لا يقع فيها نزع الشيطان. ونحن نبين ما يتعلق بهذا الفصل في موضعه. ثم قال: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنَا) ، إلى أن قال: (إَنَّ الَّذِينَ كفرا بِالذِّكْرِ لّمَّا جَاءَهُمْ، وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ، لاَّ يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفِهِ) . وهذا وإن كان متأولاً على أنه لا يوجد فيه غير الحق مما يتضمنه من أقاصيص الأولين وأخبار المرسلين، وكذلك لا يوجد خلف فيما يتضمنه (١) من الأخبار عن الغيوب وعن الحوادث التي أنبأ أنها تقع في الاتى - فلا يخرج عن أن يكون متأولاً على ما يقتضيه نظام الخطاب، مع أنه لا يأتيه ما يبطله من شبهة سابقة / تقدح في معجزته أو تعارضه في طريقه. وكذلك لا يأتيه من بعده قط أمر يشكك في وجه دلالته [وإعجازه] . وهذا أشبه بسياق الكلام ونظامه. ثم قال: (وَلَوْ جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا: لولا فصلت آياته، أأَعْجمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ) (٢) فأخبر أنه لو كان أعجمياً لكانوا يحتجون في رده: إما بأن ذلك خارج عن عرف خطابهم، أو كانوا يعتذرون بذهابهم عن معرفة معناه وبأنهم لا يبين (٣) لهم وجه الإعجاز فيه. لأنه ليس من شأنهم ولا من لسانهم، أو بغير ذلك من الأمور، وأنه إذا تحداهم إلى ما هو من لسانهم وشأنهم فعجزوا عنه - وجبت الحجة عليهم به، على ما نبينه في وجه هذا الفصل. إلى أن قال: (قُلْ أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به، من أضل ممن هو في شقاق بعيد) .

стр. 104

والذى ذكرناه من نظم هاتين السورتين ينبه على غيرهما من السور، فكر هنا سرد القول فيها. فليتأمل المتأمل ما دللناه عليه يجده كذلك. ثم مما يدل على هذا قوله : (وقالوا: لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عند الله، وإنما أنا نذير مبين. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم) (١) فأخبر أن الكتاب آية من / آياته، وعلم من أعلامه، وإن ذلك يكفي في الدلالة، ويقوم مقام معجزات غيره وآيات سواه من الأنبياء، صلوات الله عليهم. ويدل عليه قوله : (تبارك الذي نزل الفرقان عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً، الَّذِي لَهُ ملك السموات والارض) (٢) . ويدل عليه قوله: (أم يقولون افترى على الله كذبا، فإن يشإ الله يختم على قلبك، ويمحوا الله الباطل ويحق الحق بكلماته) (٣) . فدل على أنه جعل قلبه مستودعاً لوحيه، ومستنزلاً لكتابه، وأنه لو شاء صرف ذلك [عنه﴾ إلى غيره. وكان له حكم دلالته على تحقيق الحق، وإبطال الباطل مع صرفه عنه. ولذلك أشباه كثيرة تدل على نحو الدلالة التي وصفناها. فبان بهذا وبنظائره (٤) ما قلناه، من أن بناء نبوته ﷺ على دلالة القرآن ومعجزته، وصار له من الحكم في دلالته على نفسه وصدقه أنه يمكن أن يعلم أنه كلام الله تعالى، وفارق حكمه حكم غيره من الكتب المنزلة على الأنبياء، لأنها لا تدل على أنفسها إلا بأمر زائد عليها، ووصف منضاف (٥) إليها، لأن نظمها ليس معجزاً (٦) ، وإن / كان ما تتضمنه (٧) من الأخبار عن الغيوب (٨) معجزاً. وليس كذلك القرآن، لأنه يشاركها في هذه الدلالة، ويزيد عليها

стр. 105

في أن نظمه معجز، فيمكن أن يستدل به عليه، وحل في هذا من وجه محل سماع الكلام من القديم ، لأن موسى ﵇ لما سمع كلامه علم أنه في الحقيقة كلامه. وكذلك من يسمع القرآن يعلم أنه كلام الله، وإن اختلف الخال في ذلك من بعض الوجوه، لأن موسى ﵇ سمعه من الله ، وأسمعه نفسه متكلماً، وليس كذلك الواحد منا. وكذلك قد يختلفان في غير هذا الوجه، وليس ذلك قصدنا بالكلام في هذا الفصل. والذى نرومه الآن ما بيناه من اتفاقهما في المعنى الذى وصفناه، وهو: أنه ﵇ يعلم أن ما يسمعه كلام الله من جهة الاستدلال، وكذلك نحن نعلم ما نقرؤه (١) من هذا على جهة الاستدلال.

стр. 106

/ فصل في [بيان وجه] الدلالة على أن القرآن معجز قد ثبت بما بينا في الفصل الأول أن نبوة نبينا ﷺ مبنية على دلالة معجزة القرآن. فيجب أن نبين وجه الدلالة من ذلك: قد ذكر العلماء أن الأصل في هذا هو: أن يعلم أن القرآن، الذى هو متلو محفوظ مرسوم في المصاحف، هو الذي جاء به النبي ﷺ ، وأنه هو الذي تلاه على من في عصره ثلاثا وعشرين سنة. والطريق إلى معرفة ذلك هو النقل المتواتر، الذي يقع عنده العلم الضروري به. وذلك أنه قام به في المواقف، وكتب به إلى البلاد، وتحمله عنه إليها من تابعه، وأورده على غيره ممن لم يتابعه، حتى ظهر فيهم الظهور الذي لا يشتبه على أحد، ولا يخيل أنه قد خرج من أتى بقرآن يتلوه، ويأخذه على غيره، ويأخذه غيره على الناس، حتى انتشر ذلك في أرض العرب كلها، وتعدى إلى الملوك المصاقبة لهم، كملك الروم والعجم والقبط والحبش، وغيرهم من ملوك الاطراف. ولما ورد ذلك مضاداً لأديان أهل ذلك العصر كلهم، ومخالفاً لوجوه اعتقاداتهم المختلفة في الكفر - وقف جميع أهل الخلاف على جملته، ووقف جميع أهل دينه الذين أكرمهم الله بالإيمان على جملته / وتفاصيله، وتظاهر بينهم، حتى حفظه الرجال، وتنقلت به الرحال، وتعلمه الكبير والصغير، إذ كان عمدة دينهم، وعلماً عليه، والمفروض تلاوته في صلواتهم، والواجب استعماله في أحكامهم.

стр. 107

ثم تناقله خلف عن سلف هم (١) مثلهم في كثرتهم وتوفر دواعيهم على نقله، حتى انتهى إلينا، على ما وصفناه من حاله. فلن يتشكك أحد، ولا يجوز أن يتشكك، مع وجود هذه الأسباب، في أنه أتى بهذا القرآن من عند الله تعالى. فهذا أصل. وإذا ثبت هذا الأصل وجوداً، فإنا نقول: إنه تحداهم إلى (٢) أن يأتوا بمثله، وقرعهم على ترك الإتيان به، طول السنين التي وصفناها، فلم يأتوا بذلك. [وهذا أصل ثان] . والذي يدل على هذا الأصل: أنا قد علمنا أن ذلك مذكور في القرآن في المواضع الكثيرة، كقوله: (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبِ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأتُواْ بِسُورَةٍ مِن مِّثْلِهِ، وَادْعُواْ شَهدَاءَكُمِ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينْ. فَإِن لَّم تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتي وَقُودُها النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ للِّكَافِرِينَ) (٣) . وكقوله: (أم يَقُولُونَ افتَراهُ، قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُورٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ، وَادعُواْ مَن اسْتَطَعْتُم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن / لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُم فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُّنْزِلَ بِعِلِمِ اللَّهِ، وأَنْ لاَّ إلهَ إلاَّ هُوَ، فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُون) (٤) . فجعل عجزهم عن الإتيان بمثله دليلاً على أنه منه، ودليلاً على وحدانيته. وذلك يدل عندنا على بطلان قول من زعم أنه لا يمكن أن تعلم بالقرآن الوحدانية، وزعم أن ذلك مما لا سبيل إليه إلا من جهة العقل، لأن القرآن كلام الله ، ولا يصح أن يعلم الكلام حتى يعلم المتكلم أو لا. فقلنا: إذا ثبت بما نبينه إعجازه، وأن الخلق لا يقدرون عليه - ثبت أن الذي أتى به غيرهم، وأنه إنما يختص بالقدرة عليه من يختص بالقدرة عليهم، وأنه صدق. وإذا كان كذلك كان ما يتضمنه صدقاً، وليس إذا أمكن معرفته من جهة العقل امتنع أن يعرف من [طريق القرآن، بل

стр. 108

يمكن عندنا أن يعرف من] الوجهين. وليس الغرض تحقيق القول في هذا الفصل، لأنه خارج عن مقصود كلامنا، ولكنا ذكرناه من جهة دلالة الآية عليه. ومن ذلك قوله : (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتو ابمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كَانَ بَعْضُهُم لِبَعْضٍ ظَهيراً) (١) وقوله: (أمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ، بَلْ لاَّ يُؤْمِنْونَ. فَلْيَأْتُواْ بِحَديثٍ / مِّثْلِهِ إن كانوا صادقين) (٢) فقد ثبت بما بيناه أنه تحداهم إليه، ولم يأتوا بمثله. وفي هذا أمران: أحدهما التحدي إليه. والآخر أنهم لم يأتوا له بمثل (٣) . والذي يدل على ذلك النقل المتواتر الذي يقع به العلم الضروري، فلا يمكن جحود واحد من هذين الامرين. وإن قال قائل: لعله لم يقرأ عليهم الآيات التي فيها ذكر التحدي، وإنما قرأ عليهم ما سوى ذلك من القرآن -: كان ذلك قولا باطلا، يعلم بطلانه بمثل (٤) ما يعلم به بطلان قول [من زعم] أن القرآن أضعاف هذا! وهو يبلغ حمل جمل! وأنه كتم، وسيظهره [المهدي] ! ! ! أو يدعي أن هذا القرآن ليس هو الذي جاء به النبي ﷺ ، وإنما هو شئ وضعه عمر أو عثمان، ﵄، حيث وضع (٥) المصحف. أو يدعى فيه زيادة أو نقصانا. وقد ضمن الله حفظ كتابه أن يأتيه الباطل من بين يديه أو من خلفه، ووعده الحق. وحكاية قول من قال ذلك يغني عن الرد عليه. لأن العدد الذين / أخذوا القرآن في الأمصار وفي البوادي، وفي الاسفار والحضر، وضبطوه حفظا،

стр. 109

من بين صغير وكبير، وعرفوه حتى صار لا يشتبه على أحد منهم حرف - لا يجوز عليهم السهو والنسيان، ولا التخليط فيه والكتمان. ولو زادوا أو نقصوا أو غيروا لظهر. وقد علمت أن شعر امرئ القيس وغيره - على أنه لا يجوز أن يظهر ظهور القرآن، ولا أن يحفظ كحفظه، ولا أن يضبط كضبطه، ولا أن تمس الحاجة إليه إمساسها (١) إلى القرآن - لو زيد فيه بيت، أو نقص منه بيت، لا، بل لو غير فيه لفظ - لتبرأ منه أصحابه، وأنكره أربابه. فإذا كان ذلك مما لا يمكن [أن يكون] في شعر امرئ القيس ونظرائه، مع أن الحاجة إليه تقع لحفظ العربية، فكيف يجوز أو يمكن ما ذكروه في القرآن، مع شدة الحاجة إليه في [الصلاة التى هي] أصل الدين، ثم في الأحكام والشرائع، واشتمال الهمم المختلفة على ضبطه: فمنهم من يضبطه لإحكام قراءته ومعرفة وجوهها، وصحة أدائها. ومنهم من يحفظه للشرائع والفقه. ومنهم من يضبطه ليعرف تفسيره ومعانيه. ومنهم من يقصد بحفظه الفصاحة والبلاغة. / ومن الملحدين من يحصله لينظر في عجيب شأنه. وكيف يجوز على أهل هذه الهمم المختلفة والآراء المتباينة - على كثرة أعدادهم، واختلاف بلادهم، وتفاوت أغراضهم - أن يجتمعوا على التغيير والتبديل والكتمان؟ ! ويبين ذلك: أنك إذا تأملت ما ذكر في أكثر السور مما بينا، ومن نظائره في رد قومه عليه ورد غيرهم، وقولهم: (لَوْ نَشَاء لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا) (٢) [وقول بعضهم: إن ذلك سحر] ، وقول بعضهم: (ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إِنْ هَذَا إلاَّ اخْتِلاقٌ) (٣) إلى الوجوه التي يصرف إليها قولهم في الطعن عليه.

стр. 110

فمنهم من يستهين بها (١) ويجعل ذلك سبباً لتركه الإتيان بمثله. ومنهم من يزعم أنه مفترى، فلذلك لا يأتي بمثله ومنهم من يزعم أنه دارس، وأنه أساطير الاولين. وكرهنا أن نذكر كل آية تدل على تحديه، لئلا يقع التطويل. ولو جاز أن يكون بعضه مكتوما لجاز على كله. ولو جاز أن يكون بعضه موضوعا لجاز ذلك في كله. فثبت بما بيناه أنه تحداهم به، وأنهم لم يأتوا بمثله (٢) . وهذا الفصل قد بينا أن الجميع قد ذكروه وبنوا عليه. / فإذا ثبت هذا وجب أن يعلم بعده أن تركهم للإتيان بمثله كان لعجزهم عنه. والذي يدل على أنهم كانوا عاجزين عن الإتيان بمثل القرآن: أنه تحداهم إليه حتى طال التحدي، وجعله دلالة على صدقه ونبوته، وضمن (٣) أحكامه استباحة دمائهم وأموالهم وسبي ذريتهم، فلو كانوا يقدرون على تكذيبه لفعلوا، وتوصلوا إلى تخليص أنفسهم وأهليهم وأموالهم من حكمه، بأمر قريب، هو عادتهم في لسانهم، ومألوف من خطابهم، وكان ذلك يغنيهم عن تكلف القتال، وإكثار المراء والجدال، وعن الجلاء عن الأوطان، وعن تسليم الأهل والذرية للسبي. فلما لم تحصل هناك معارضة منهم، علم أنهم عاجزون عنها. يبين ذلك أن العدو يقصد لدفع قول (٤) عدوه بكل ما قدر عليه من المكايد، لا سيما مع استعظامه ما بدهه بالمجئ من (٥) خلع آلهته، وتسفيه رأيه في ديانته، وتضليل آبائه، والتغريب عليه بما جاء به، وإظهار أمر يوجب الانقياد لطاعته، والتصرف على حكم إرادته، والعدول عن إلفه وعادته، والانخراط، في سلك الاتباع بعد أن كان متبوعاً، والتشييع بعد
следующие страницы →