Полный текст (835 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
حديث يرويه عبد الجبار بن وائل عن أبيه، نجد النقاد يقولون: "عبد الجبار لم يدرك أباه، ولد بعد وفاة أبيه".
٧ - معرفة من أرسل ومن دلس ومن اختلط:
وقد اعتنت كتب العلل اعتناء كبيرا بهذه المعرفة وكثير اما تجد فيها علل الإرسال والتدليس والاختلاط، كما نجد تحديدات دقيقة للاختلاط وتفاوت المراسيل وما دلس من الأسانيد. وقد توسع ابن رجب في الكلام عن الإرسال والتدليس والاختلاط، وقد عرضنا للاختلاط في أسباب العلل، وعرضنا للإرسال في مباحث دراسة علوم المصطلح عند ابن رجب.
٨ - معرفة أهل البدع والأهواء:
وقد سبق وأن ذكرت أن هذه المعرفة جزء من معرفة المدارس الحديثية ولكنها هنا تهتم بالرواة كأفراد كل على حدة. وقد يكون الغالب على مدرسة ما التشيع ولكن فيها الناصبي، والخارجين والمعتزلي، وغير ذلك ...
وعلى صفحات كتب العلل نجد كلاما كثيرا حول هذا الجانب مثل: "يونس بن عباد كان خبيث الرأي"، "كان يزيد بن عبد الرحمن شيخا فقيرا مرجئيا".
هذه بعض جوانب المعرفة التي لا بد منها للمشتغل بالعلل، وتركت غيرها، لأن الموضوع لا يتسع لعلوم الحديث، إذ ظهر لي بعد البحث والاستقصاء أن أكثر علوم الحديث استمد من علم العلل، وأن أقدم المحاولات في هذا الميدان هي كتب ابن المديني وأحمد الترمذي وأبي زرعة وأبي حاتم وهي كتب شاملة تطبيقية.
стр. 107
وقد قصدت من ذكر هذه الجوانب التمثيل لا الحصر. ولعل أبرز ثمرات هذا الموضوع القناعة التامة بأن علم العلل عماده المعرفة المستفيضة أفقيا وعموديا وهو ما يعبر عنه بعلم الرواية والدراية. ومن تتوافر له هذه المعرفة تنكشف له العلاقات بين الروايات، فيصبح مجال الحديث، سندا ومتنا، بمتناول بصيرته. وعند التعليل يستفيد من كل هذه الجوانب، فجزى الله علماءنا عن أمتهم خير الجزاء، فلقد، والله، حملوا الأمانة التي لا تحملها الجبال الراسيات
стр. 108
المبحث الثالث في أنواع العلل من خلال كتاب ابن رجب
ويشتمل على:
المطلب الأول: علة الإسناد.
المطلب الثاني: علة المتن. ***
المطلب الأول علل الإسناد
أولا - علة موضوعها:
إبطال السماع الصريح أو نفي السماع المتوهم بالعنعنة
اتصال الحديث شرط من شروط صحته، والأصل ان التصريح بالسماع من الراوي الثقة معتبر، وكذلك الحال فيما يروى من الأسانيد ويكون "معنعنا" أو "مؤننا" فإنه معتبر كذلك إذا كان الراوي ثقة، بريئا من التدليس. ولكن رغم التصريح بالسماع، ورغم المعاصرة الأكيدة بين الراوي والمروي عنه وسلامة الراوي من التدليس رغم كل هذا قد يكشف النقاد من أهل صنعة العلل أن الإسناد منقطع، ولا حقيقة لهذا السماع.
وقد أطال الإمام ابن رجب في هذا الموضوع وبحثه تحت عنوان
стр. 109
"التدليس" وقد أفردنا للعنعنة مبحثا مستقلا عرضنا فيه كلام ابن رجب ﵀ وحررنا هذه المسألة.
وفيما يلي طائفة من الأمثلة على هذه العلة استقينا بعضها من شرح علل الترمذي لابن رجب، وأكثرها من كتب العلل الأخرى، وذلك بهدف إبراز قيمة كتب العلل الأخرى، وتقديم نماذج منها للباحثين والمطلعين، ومن جهة أخرى فإن هذه الكتب مليئة بالأمثلة الصالحة لكل نوع من أنواع العلة، ولقيمة العلل في هذه الدراسة فسأمثل لكل نوع منها بما فيه الكفاية - إن شاء الله -.
قال ابن رجب:
قال أحمد: "البهي ما أراه سمع من عائشة، إنما يروى عن عروة عن عائشة، رغم أنه يقول في حديث زائدة، عن السدي: حدثتني عائشة". ونقل ابن رجب عن ابن مهدي ما يؤكد هذا، فقال: "وكان ابن مهدي سمعه من زائدة، وكان يدع منه "حدثتني عائشة".
وبهذا تكون العلة في هذا الإسناد إبطال السماع، وإثبات أن الوهم دخل عليه. ومثل هذه العلة كثير في الأسانيد، قال ابن رجب:
"وكان أحمد يستنكر دخول التحديث في كثير من الأسانيد، ويقول: هو خطأ، يعني ذكر السماع.
قال في رواية هدبة، عن قتادة، ثنا خلاد الجهني، وهو خطأ، خلاد قديم ما رأى قتادة خلادا. وذكروا لأحمد قول من قال: عن عراك بن مالك سمعت عائشة، فقال: هذا خطأ. وأنكره وقال: عراك من أين سمع عائشة؟ إنما يروى عن عروة، عن عائشة".
ولقد أفرد ابن رجب ﵀ قاعدة من القواعد التي في كتابه لهذا النوع من العلل، تحت عنوان: "ذكر الأسانيد التي لا يثبت منها شيء،
стр. 110
أو لا يثبت منها إلا شيء يسير". واستعرض أسانيد كثيرة العدد من الثقات الحفاظ، بعضها لم يثبت منه شيء البتة، وبعضها ثبت منها قليل من كثير.
وأما نفي السماع المتوهم بالعنعنة: ففي هذا يقول ابن رجب "في شرح علل الترمذي":
"وقد ذكر الترمذي في كتاب العلم أن سماع سعيد بن المسيب عن أنس ممكن، لكن لم يحكم لروايته عنه بالاتصال. وقد حكى بعض أصحابنا عن أحمد مثله" والحديث الذي رواه سعيد بن المسيب عن أنس هو:
عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ "يا بني إن قدرت أن تصبح، وتمسي، ليس في قلبك غش لأحد فافعل" وقال الترمذي: "لا نعرف لسعيد بن المسيب رواية عن أنس إلا هذا الحديث".
وفيما يلي بعض الأمثلة الأخرى لهذا النوع من العلة:
مثال:
قال الترمذي في علله الكبير: "ثنا يحيى بن أكثم، ثنا يحيى بن آدم، ثنا زهير بن معاوية، عن حميد الطويل، عن ثابت، عن أنس بن مالك، قال: لبى رسول الله ﷺ بالعمرة والحج معا، قال لبيك بعمرة وحجة".
سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: "هذا خطأ، أصحاب حميد يقولون: عن حميد سمع أنسا".
وقول البخاري هذا يعني أن رواية حميد عن ثابت غير صحيحة، بل الوارد هو ما ذكره أصحاب حميد أنه سمع أنسا، ومع أن روايات أصحاب حميد ظاهرها سلامة الإسناد، إلا أن البخاري كشف عن وهم في هذا السماع، وأن
стр. 111
حميدا لم يسمع أنسا، كما ورد في روايات أصحاب حميد. وفي هذا يقول الترمذي:
"قال محمد: حدثنا عمرو بن خالد، نا زهير، قال: قدمت البصرة فرأيت حميدا، وعنده أبو بكر بن عياش، جعل حميد يقول: قال أنس، قال أنس، فلما فرغ، قلت له: أسمعت هذا؟ قال: سمعت عمن حدث عنه".
ويلاحظ على هذا الحديث أن الإسنادين التقيا بزهير بن معاوية.
أما الأول وهو المعل ففيه زهير عن حميد، عن ثابت، عن أنس.
وأما الثاني ففيه زهير، عن حميد، عمن حدث عن أنس، عن أنس.
ويكون البخاري قد كشف علة الحديث وأثبت أن حميدا لم يسمع من أنس وإنما بينهما واسطة، وقد بين أن الوهم إنما دخل من إكثار حميد من القول: قال أنس، فجعل أصحاب حميد هذه العبارة: سمع أنسا.
مثال:
ومنه قول الحسن: خطبنا ابن عباس.
وهذا مثال آخر فيه تصريح بالسماع إلا أن حقيقته غير ذلك.
وهذا الإسناد روي عن يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن، وعقب عليه الترمذي بقوله: "روى غير يزيد بن هارون، عن حميد، عن الحسن، قال: خطب ابن عباس، وكأنه رأى هذا أصح وإنما قال محمد هذا، لأن ابن عباس كان في البصرة في أيام علي، والحسن البصري في أيام عثمان وعلي كان بالمدينة".
وبهذا يظهر لنا البخاري ﵀ علة الحديث ومدارها على يزيد بن هارون الذي قال: خطبنا، وقد حاول بعض النقاد التماس تأويل للحسن
стр. 112
ل البصري، وقالوا: خطبنا أي خطب الناس، ولو تنبهوا لمثل ما تنبه له البخاري لأدركوا العلة، ولما احتاجوا لمثل هذا التأويل البعيد.
مثال:
ومن الأمثلة التي يظهر فيها علم العلل بجلاء ويظهر فيها خفاء هذا العلم على غير الأئمة ما ذكره أبو عبد الله الحاكم في كتابه "معرفة علوم الحديث"، قال:
"مثاله ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، فقال: (ثنا) محمد بن إسحاق الصغاني، قال (ثنا) حجاج بن محمد، قال، قال ابن جريح، عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذاك.
وقال أبو عبد الله: هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح، وله علة فاحشة، قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، إلا انه معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهيب، قال: (ثنا) سهيل، عن عون بن عبد الله، قوله..
قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماع من سهيل".
وقول البخاري هذا زاده أبو زرعة وأبو حاتم إيضاحا وبيانا، وحاولا الكشف عن سبب العلة ومصدرها. فقد روى ابن أبي حاتم في علله هذا الحديث فقال:
"سألت أبي وأبا زرعة عن هذا الحديث، فقالا: هذا خطأ رواه وهيب
стр. 113
عن سهيل عن عون بن عبد الله "موقوف"، وهذا أصح، قلت لأبي: ممن هو؟ قال: يحتمل أن يكون الوهم من ابن جريح، ويحتمل أن يكون من سهيل، وأخشى أن يكون ابن جريح دلس هذا الحديث عن موسى بن عقبة، ولم يسمعه من موسى وإنما أخذه من بعض الضعفاء، سمعت أبي مرة أخرى يقول:
لا أعلم روي هذا الحديث عن سهيل إلا ما يرويه ابن جريح عن موسى بن عقبة، فأخشى أن يكون أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى. إذ لم يروه أصحاب سهيل. لا أعلم روي هذا الحديث في شيء من طرق أبي هريرة".
وبهذا يكون أئمة علماء الحديث والعلل في عصرهم، البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم، قد اتفقوا على خطأ نسبة سماع موسى بن عقبة من سهيل، وهي علة على جانب من الخفاء حتى عبر عنها الحاكم بقوله: هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح.
وأختم كلامي في هذا النوع من أنواع العلل بعبارة لأبي عبد الله الحاكم (٤٠٥هـ) يقول فيها:
"هذا باب يطول، فليعلم صاحب الحديث أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ولا من ابن عمر، ولا من ابن عباس شيئا قط، وأن الأعمش لم يسمع من أنس، وأن الشعبي لم يسمع من صحابي غير أنس، وأن الشعبي لم يسمع من عائشة، ولا من عبد الله بن مسعود، ولا من أسامة بن زيد، وأن قتادة لم يسمع من صحابي غير أنس وأن عامة حديث عمرو بن دينار عن الصحابة حوالة، وأن ذلك كله يخفى إلا على الحفاظ للحديث".
ثانيا - علة موضوعها:
إبدال الإسناد كله أو بعضه
وهذا نوع من أنواع العلل التي منشؤها إبدال الإسناد كله أو بعضه،
стр. 114
ورغم هذا الخطأ بقي الإسناد المعل يحمل السلامة الظاهرة حتى كشف النقاد عن علته وعرفوا وجه التغيير الذي طرأ على الأصل. وقد يكون هذا الوهم ناشئا عن ملابسات خاصة بالإسناد، وقد يكون ناشئا عن الوهم المجرد، دون ملابسات خاصة ومثال الملابسات الخاصة أن يشتهر إسناد معين على لسان راو معين، كمالك، عن نافع، عن ابن عمر، أو كسعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، أو كأبي بردة عن أبيه.
فكل حديث يروى عن مالك قد يسبق اللسان إلى: نافع عن ابن عمر، وفي واقع الأمر يكون مالك قد رواه عن غير نافع.
وقد أفرد ابن رجب ﵀ في "شرح علل الترمذي" قاعدة لهذا النوع من العلة، وكأنها إشارة منه ﵀ للباحثين أن يحصروا الأسانيد المشهورة، ثم يفتشوا عن كل إسناد خرج عن طريق المشهور.
(قاعدة) :
قال ابن رجب: "قال أحمد، في رواية ابنه عبد الله: ثنا محمد بن فضيل، ثنا عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة عن النبي ﷺ فذكر بضعة عشر حديثا كلها بهذا الإسناد إلا حديث "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر" فإنه قال: عن عمارة بن القعقاع عن أبي صالح، عن أبي هريرة".
وفي قاعدة أخرى من قواعد ابن رجب هذه يقول ﵀:
(قاعدة) :
قال العجلي: "كل شيء روي عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني سوى رأيه فهو عن علي، وكل شيء روى إبراهيم النخعي عن عبيدة سوى رأيه فإنه عن عبد الله إلا حديثا واحدا".
стр. 115
مثال:
وقد مثل ابن رجب ﵀ لهذا النوع فذكر حديثنا "في رفع اليدين في الصلاة" "رواه حصين بن عبد الرحمن، عن عمرو بن مرة، عن علقمة بن وائل، عن أبيه، عن النبي ﷺ ورواه شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي، عن وائل بن حجر، عن النبي ﷺ ."
وسئل عن ذلك أحمد: فقال: شعبة أثبت في عمرو بن مرة من حصين، القول قول شعبة، من أين يقع شعبة، عن أبي البختري، عن عبد الرحمن اليحصبي عن وائل؟.
قال ابن رجب "يشير إلى أن هذا إسناد غريب لا يحفظه إلا حافظ بخلاف علقمه بن وائل عن أبيه فإنه طريق مشهور"
مثال:
ومن الأمثلة التي ذكرها ابن رجب لمثل هذا النوع قوله:
"روى حماد بن سلمة، عن ثابت، عن حبيب، عن أبي سبيعة الضبعي، عن الحارث، أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أحب فلانا. قال: "أعلمته"؟ قال: لا ... الحديث، قال ابن رجب: هكذا رواه حماد بن سلمة، وهو أحفظ أصحاب ثابت، وأثبتهم في حديثه. وخالفه من لم يكن في حفظه بذاك من الشيوخ فرووه عن ثابت، عن أنس، عن النبي ﷺ وحكم الحفاظ هنا بصحة قول حماد، وخطأ من خالفه، منهم أبو حاتم، والنسائي، والدارقطني.
قال أبو حاتم: مبارك لزم الطريق. يعني أن رواية ثابت، عن أنس سلسلة معروفة، مشهورة، تسبق إليها الألسنة والأوهام، فيسلكها من قل حفظه بخلاف ما قاله حماد بن سلمة، فإن في إسناد ما يستغرب فلا يحفظه إلا حافظ وأبو حاتم كثيرا ما يعلل الأحاديث بمثل هذا".
وقد تكون علة الإسناد إبدال صحابي بآخر، ومثاله فيما يلي:
مثال:
أخرج الترمذي في العلل الكبير، قال: "حدثنا أحمد بن مبيع، نا يزيد بن هارون أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البراد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:
"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها: فله قيراطان، أحدهما، أو أصغرهما مثل أحد". سألت محمدا عن هذا الحديث سالم البراد، عن ابن عمر، فقال: رواه عبد الملك بن عمير، عن سالم البراد، عن أبي هريرة، وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء، ابن عمر أنكر على أبي هريرة، حديثه" ومحمد في هذا المثال هو البخاري. ويقصد بقوله وحديث ابن عمر ليس بشيء أي هذا الإسناد الذي فيه ابن عمر لا يثبت. وقد استدل البخاري على علة الحديث بأن ابن عمر أخذ على أبي هريرة روايته مثل هذا الحديث، واستنكر.
أما الدارقطني فقد ذكر في علله أسانيد كثيرة دخل الوهم على بعض رواتها فغيروا فيها:
مثال:
"وسئل، أي الدارقطني، عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة صليت مع النبي ﷺ العصر، فلما انصرف رأى رجلين لم يصليا، فقال: علي بهما: ما لكما لم تصليا معنا؟ قالا: كنا في منازلنا، فظننا أنك قد صليت فصلينا، قال: لا تفعلا، إذا جئتما مسجدا والناس يصلون، فصليا معهم".
стр. 116
فقال - أي الدارقطني - يرويه هشام بن حسان، اختلف عليه فيه.
فرواه الحكم بن عبده، وهو بصري سكن مصر، عن هشام، عن ابن سيرين عن أبي هريرة، ووهم فيه على هشام بن حسان، وروي هذا الحديث عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه، عن النبي ﷺ " وبهذا يكون الدارقطني قد كشف علة هذا الإسناد وهي تغيير فاحش أصابه، ومصدر هذا الوهم هو الحكم بن عبده، الراوي عن هشام بن حسان.
وقد تكون العلة تغييرا أو تصحيفا طرأ على الاسم، ومثال ذلك ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي قال: "روى زهير بن معاوية عن واصل بن حبان، عن ابن بريدة، عن أبيه، عن النبي ﷺ عدة أحاديث منها "حديث الكمأة وحديث الحبة السوداء و"حديث عرضت على الجنة".
قال أحمد وأبو داود: انقلب على زهير اسم صالح بن حيان، فقال واصل ابن حبان، يعني إنما يروي عن صالح بن حيان فسماه واصلا. وقال ابن معين: سمع منهما معا فجعلهما واحدا، وسماه واصل ابن حبان، قال أبو حاتم زهير مع اتقانه أخطأ في هذا ولم يسمع من واصل بن حبان ولم يدركه، إنما سمع من صالح بن حيان".
والذي أخطأ في هذا الإسناد رجل كبير من الأعلام الثقات، ولولا فطنة أحمد وأبي حاتم وأبي داود لكان من العسير كشف مثل هذا الوهم لا سيما وأن في الرواة الثقات. واصل بن حبان الأسدي، المتوفى سنة ١٢٩، وهو ثقة، وصالح بن حيان القرشي، المتوفى سنة ١٤٠هـ.
هذه بعض أمثلة من الأوهام الواقعة في حديث الثقات والتي نشا عنها تغيير في الإسناد كله أو بعضه، أو قلب للأسماء والكنى، وسنختم هذا النوع بأمثلة تبين أن العلة تغيير في أسماء الرواة لعيب في نطق الراوي عنهم، كما جاء في علل الإمام أحمد، قال:
"ابن الثلب إنما هو ابن التلب، ولكن شعبة كان في لسانه شيء. ولعل غندرا لم يفهم عنه".
وقد وقع في مثل هذا أبو يوسف القاضي تلميذ أبي حنيفة، قال أحمد: "كانت فيه لثغة فكان يقول: مطيف بن طييف الحايثي، بدل من مطرف بن طريف الحارثي".
ثالثا - علة موضوعها:
الوهم في رفع الوقوف، أو وصل المرسل أو ما فيه انقطاع
وهذا النوع من العلة هو ميدان العلل الأوسع والأكبر، والذي لا تكاد تخلو منه صفحة من كتب هذا الفن، ولذا فقد نص ابن رجب على الاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع فقال: والوجه الثاني، "من وجوه معرفة صحة الحديث وسقمه" معرفة مراتب الثقات، وترجيح بعضهم على بعض عند الاختلاف، إما في الإسناد، وإما في الوصل والإرسال، وإما في الوقف والرفع".
فقد يروى الحديث مرفوعا ولكن النقاد يكشفون عن وهم في رفعه ويثبتون أن وقفه أصح، وقد يروى الحديث متصلا، وإرساله أثبت وآكد. أو قد يروى متصلا وهو في الحقيقة معضل أو منقطع.
مثال:
وقد ذكر ابن رجب ﵀ في شرح علل الترمذي أحاديث رفعها
стр. 117
سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده عن النبي ﷺ ووقفها نافع مولى ابن عمر، عن ابن عمر، عن عمر. ورجح ابن رجب وقف هذه الأحاديث.
قال ابن رجب:
"وسئل أحمد إذا اختلفا فلأيهما يقضي؟ فقال: كلاهما ثبت. ولم ير أن يقضي لأحدهما على الآخر، نقله عنه المروذي، ونقل عثمان الدارمي عن ابن معين نحوه، مع أن المروذي نقل عن أحمد أنه مال إلى قول نافع في حديث "من باع عبدا له مال"، وهو وقفه. وكذلك نقل غيره عن أحمد أنه رجح قول نافع في وقف حديث "فيما سقت السماء العشر" ورجح النسائي والدارقطني قول نافع في وقف ثلاثة أحاديث: "فيما سقت السماء العشر" وحديث: "تخرج نار من قبل اليمن" وكذا حكى الأثرم عن غير أحمد أنه رجح قول نافع في هذه الأحاديث وفي حديث: "الناس كابل مائة".
مثال:
وتوضيحا لهذه العلة، وهي الوهم في رفع الموقوف، نسوق مثالا من علل الدارقطني جاء فيه
"وسئل عن حديث محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أحبب حبيبك هونا، ... الحديث" فقال: يرويه الحسن بن دينار، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ واختلف عنه:
- فرواه سويد بن عمرو، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة.
- وخالفه الحسن بن أبي جعفر، رواه عن أيوب، عن حميد الحميري، عن علي بن أبي طالب.
стр. 118
- وقال هارون بن إبراهيم الأهوازي: عن ابن سيرين عن حميد الحميري، عن علي يرفعه.
- قال الدارقطني: والصحيح عن علي موقوف".
مثال:
ومن الأمثلة على ما كان الإرسال هو أولى والأرجح من الاتصال ما ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي، في معرض الكلام عن هشام بن عروة، وأن الإمام أحمد قال: "إن عيسى بن يونس أسند عنه ما كان يرسله الناس، كحديث الهدية".
وحديث الهدية هذا ما روي "أن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية ويثيب عليها، فهذا الحديث رواه عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعلق البخاري على هذا الإسناد بقوله: لم يذكر وكيع ومحاضر عن هشام، عن أبيه، عن عائشة.
مثال:
ومثال آخر ذكره ابن رجب في شرح علل الترمذي، قال:
ومنهم حمد بن يحيى الأبح، له أوهام عن ثابت منها حديثه عن أنس مرفوعا مثل أمتي مثل المطر. والصواب: عن ثابت عن الحسن مرسلا.
ومما كان موقوفا، والمرفوع أولى وأصح، ما ذكره ابن رجب في اختلاط ابن علية وحماد بن زيد في أيوب.
قال ابن رجب: "ورجحت طائفة ابن علية على حماد. قال البرذيجي:
стр. 119
ابن علية أثبت من روى عن أيوب، وقال بعضهم: حماد بن زيد. وقال: ولم يختلفا إلا في حديث أوقفه ابن علية، ورفعه حماد وهو حديث أيوب عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ "ليس أحد منكم ينجيه عمله، قالوا: ولا أنت؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل".
قال ابن رجب: وليس وقف هذا الحديث مما يضره، فإن ابن سيرين كان يقف الأحاديث كثيرا، والناس كلهم يخالفونه فيرفعونها".
وقد يكون الحديث متصلا، ولكن النقاد يكشفون عن علة فيه، وهي قطعه على التابعي، ومثاله ما ذكره الترمذي في علله الكبير، قال: "حدثنا هناد، (نا) محمد بن فضيل عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ "إن الصلاة أولا وآخرا".
حدثنا هناد، (نا) أبو أسامة، عن الفزاري، عن الأعمش، قال: قال مجاهد: كان يقال "إن للصلاة أولا وآخرا"، فذكره بنحوه.
سألت محمدا، (يعني البخاري) ، عن هذا الحديث، فقال: وهم فيه محمد بن فضيل والصحيح حديث الأعمش عن مجاهد.
رابعا - علة موضوعها:
جمع الشيوخ وبقاء اللفظ واحدا
الأصل أن يوجد بعض الاختلاف في روايات الحديث الواحد، لتصرف الرواة في لفظ الحديث، دون المعنى، فإذا روي أحد الرواة حديثا واحدا عن عدد من الشيوخ ثم ساق اللفظ سياقا واحدا، فإن هذا دليل على الوهم والخطأ إلا أن يكون الراوي مبرزا في الحفظ جدا.
قال ابن رجب في شرح علل الترمذي:
"ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة، وساق الحديث سياقة
стр. 120
واحدة، فالظاهر أن لفظهم لم يتفق فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ، متقن لحديثه، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم، كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره".
وقد مثل ابن رجب لهذا النوع من الإسناد المعلل بأمثلة كثيرة:
مثال:
قال ابن رجب: "قال أحمد في رواية الأثرم في حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة، عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي ﷺ "في آنية المشركين".
قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال ثم يجعله إسنادا واحدا، وهم يختلفون".
"وقال أحمد: ابن إسحاق حسن الحديث، لكن إذا جمع بين رجلين. قلت: كيف؟ قال: يحدث عن الزهري وآخر، يحمل حديث هذا على هذا".
وممن يعل حديثه إذا جمع الشيوخ ليث بن أبي سليم، وعطاء بن السائب والواقدي، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمري.
خامسا - علة موضوعها:
جرح الراوي
عرفنا فيما سبق أن ميدان علم العلل حديث الثقات فيكشف عن أوهامهم وأخطائهم، ورأينا ابن رجب يحدد مهمة علم العلل بأنه يبحث في مراتب الثقات، وقول من منهم يرجح عن الاختلاف، كما رأينا يجعل علم الجرح
стр. 121
قسيما لعلم العلل، ويكل امر المجروحين من المحدثين إلى الكتب التي صنفت فيهم.
كل هذا إذا روى المجروح حديثا، لكن إذا روى الثقة عن المجروح فإن هذه الرواية قد تعمي حال المجروح على كثير من الناس، وعندها فلا بد من أن يتدخل العالم بالعلل ليكشف عن موضع العلة، وإذا بها رواية العدل عن المجروح.
هذا النوع من علة الإسناد تكلم عنه ابن رجب كثيرا في شرح علل الترمذي كأن يقول:
" قاعدة:
قال أحمد: كل من روى عنه مالك فهو ثقة. قال النسائي: لا نعلم مالكا روى عن إنسان ضعيف مشهور بالضعف إلا عاصم بن عبيد الله فإنه روى عنه حديثا، وعن عمرو بن أبي عمرو، وهو أصلح من عاصم، وعن شريك بن أبي نمر، وهو أصلح من عمرو.
ولا نعلم مالكا حدث عن أحد يترك حديثه، إلا عن عبد الكريم أبي أمية". ويقول ابن رجب ﵀ في موضع آخر:
وأما علي بن عاصم فهو علي بن عاصم بن صهيب بن سنان الواسطي، يكنى أبا الحسن، وقد رماه طائفة بالكذب، منهم يزيد بن هارون وغيره، وكذبه - أيضا - ابن معين، وكان أحمد يحسن القول فيه، ويوثقه ويقول: إنه يخطئ".
ومن هنا يتأكد لنا أن دخول هذا النوع من الجرح في علم العلل إنما كان لعلاقته الوطيدة برواية الثقات.
стр. 122
مثال:
قال الترمذي في علله الكبير: (ثنا) قتيبة بن سعيد (نا) أبو صفوان، عن يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أبي سلمة عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: روى ابن المبارك، عن يونس عن الزهري، قال: أخبرت عن أبي سلمة، عن عائشة، وروى موسى بن عقبة وابن أبي عتيق، عن الزهري، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة، عن عائشة.
قال محمد (هو البخاري) : وسليمان بن أرقم متروك، ذاهب الحديث".
وفي هذا الحديث نجد الزهري يروي عن سليمان بن أرقم، والزهري إمام من الأئمة الأعلام، وهو ثقة من كبار الثقات، وروايته هذه عن سليمان بن أرقم قد تجعل الحديث فوق التهمة والظنة عند كثير من الناس.
مثال آخر:
جاء في علل ابن أبي حاتم: "سئل أبو زرعة عن حديث كان حدث به قديما، عن محمد بن جامع العطار عن معتمر بن سليمان، عن الحجاج الباهلي، وهو الأحول، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: أرادت عائشة أن تشتري بريرة فتعتقها، فقال مواليها: لا، إلا أن تجعل الولاء لنا. فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اشتريها فإن الولاء لمن أعتق ... الخ الحديث.
فقال أبو زرعة: اضربوا عليه، وأبى أن يقرأه، وقال: خطأ، وأظنه من محمد بن جامع. وقال: محمد بن جامع شيخ فيه لين".
стр. 123
ونلاحظ في هذا الحديث قول ابن أبي حاتم.
وسئل أبو زرعة عن حديث كان يحدث به قديما.
وبهذا يكون إلحاق هذا الجرح بالعلل لأن أبا زرعة حدث به قديما، ولم يكن حال محمد بن جامع مكشوفا له كما يبدو من العبارة.
المطلب الثاني العلة في متن الحديث
رأينا فيما سبق عللا وقعت في سند الحديث كرفع الوقوف، ووصل المرسل وزيادة راو، أو إبداله، أو تحريف في أسماء الرواة. وأما مبحثنا هذا فهو معقود للتعرف على علة المتن. والمتن هو ما ينقل عن النبي ﷺ من قول، أو فعل، أو تقرير، أو صفة خلقية، أو خلقية أو ما ينقل عن الصحابة والتابعين وقد يتعرض هذا المتن لأوهام النقلة فتدخل عليه علة من العلل فتحيله عن معناه، أو تحرف لفظه، أو تدخل فيه ما ليس منه.
ويمكننا أن نرجع علل المتون إلى الأنواع التالية:
الأول: ما كانت علته إحالة المعنى كليا أو جزئيا.
الثاني: ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه.
الثالث: ما كانت علته مخالفة الراوي الذي رواه لمقتضاه.
الرابع: ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه، ليس منه.
الخامس: ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبوة.
ولقد بث ابن رجب ﵀ هذه الأنواع على شكل أمثلة ومباحث وقواعد في كتابه شرح علل الترمذي. وفيما يلي تفصيل لهذه الأنواع مستفيدين من أمثلة ابن رجب ومباحثه وقواعده:
النوع الأول:
إحالة معنى الحديث إذا كان راويه غير عالم باللغة ولا بالمراد من اللفظ،
стр. 124
وقد تكلم ابن رجب ﵀ على راوية الحديث بالمعنى، ونقل جوازها عن جمهور العلماء بشرط أن يكون الراوي ملما باللغة، عارفا، عالما، بصيرا بمواقع الألفاظ، وما يحيلها عن المراد.
ولا بد أن يكون الراوي عارفا المراد من الحديث ليحمله على هذا المراد، ولا يصرفه لغيره.
قال ابن رجب: "وقد روى كثير من الناس الحديث بمعنى فهموه منه، فغيروا المعنى، مثل ما اختصر بعضهم من حديث عائشة في حيضها في الحج، أن النبي ﷺ قال لها، وكانت حائضا: "انقضي رأسك وامتشطي". وأدخله في أبواب غسل الحيض. وقد أنكر أحمد ذلك على من فعله، لأنه يخل بالمعنى، فإن هذا لم تؤمر به في الغسل من الحيض عند انقطاعه، بل في غسل الحائض إذا أرادت الإحرام".
قال ابن رجب ﵀: وروى بعضهم حديث إذا قرأ الإمام فأنصتوا، بما فهمه من المعنى، فقال: إذا قرأ الإمام (ولا الضالين) فأنصتوا فحمله على فراغه من القراءة، لا على شروعه فيها. ومثل هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم في العلل، قال:
"وسألت أبا زرعة عن حديث أبي الأحوص عن سماك، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله ﷺ "اشربوا في الظروف ولا تسكروا".
قال أبو زرعة: وفي هذا الحديث أخطأ أبو الأحوص فصحف في الإسناد، فقال: بردة وهو بريدة، وقلب في الإسناد فقال: عن أبيه، عن أبي بريدة، وهو ابن بريدة، عن أبيه. ثم قال أبو زرعة:
стр. 125
وأفحش من ذلك وأشنع تصحيفة في المتن: "اشربوا في الظروف ولا تسكروا" وقد روى هذا الحديث عن ابن بريدة، عن أبيه عن النبي ﷺ من طرق كثيرة، ونصه:
"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء، فاشربوا في الأسقية، ولا تشربوا مسكرا".
وفي حديث بعضهم عن بريدة قال: واجتنبوا كل مسكر، ولم يقل أحد من الرواة ولا تسكروا.
النوع الثاني - ما كانت علته تحريفا في لفظ من ألفاظه:
وقد مثل له ابن رجب بمن حرف كلمة "نؤديه" فجعلها "نورثه" وبدل أن يجعل الحديث في صدقة الفطر، وهو: كنا نؤديه على عهد رسول الله ﷺ قال: الجد.
وقد سبق الكلام عن هذا في أسباب العلل.
النوع الثالث - ما كانت علته مخالفة راويه لمقتضاه:
هذا النوع من العلة أفرد له ابن رجب قاعدة من قواعد كتابه شرح علل الترمذي، فقال:
" قاعدة: في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه "
. وقال ابن رجب: قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحفاظ أحاديث كثيرة بمثل هذا.
فمنها: أحاديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في المسح على الخفين، ضعفها أحمد ومسلم وغير واحد
وقال أحمد أبو هريرة ينكر المسح على الخفين فلا يصح له فيه رواية.
стр. 126
ومنها: أحاديث ابن عمر في المسح على الخفين أيضا، أنكرها أحمد، وقال: ابن عمر أنكر على سعد بن أبي وقاص، المسح على الخفين، فكيف يكون عنده عن النبي ﷺ فيه رواية.
ومنها: حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه قال للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام أقرائك".
قال أحمد: كل من روى هذا عن عائشة فقد أخطأ، لأن عائشة تقول: الأقراء الأطهار، لا الحيض".
ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي في علله الكبير، قال:
"حدثنا أحمد بن منيع نا يزيد بن هارون، أنا إسماعيل بن أبي خالد، عن سالم البراد، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال:
"من صلى على جنازة فله قيراط، ومن تبعها حتى يفرغ منها فله قيراطان أحدهما أو أصغرهما مثل أحد.
سألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: رواه عبد الملك بن عمير عن سالم البراد عن أبي هريرة وهو الصحيح، وحديث ابن عمر ليس بشيء.
ابن عمر أنكر على أبي هريرة حديثه".
هكذا أعل البخاري هذا الحديث.
ومن ذلك: ما أخرجه الترمذي في علله أيضا: "ثنا علي بن حجر، ثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، أن النبي ﷺ قال: "من ذرعه القيء فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدا فليقض".
سألت محمدا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عيسى بن
стр. 127
يونس، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، وقال: ما أراه محفوظا.
قال: وقد روى يحيى بن أبي كثير عن عمر بن الحكم، أن أبا هريرة كان لا يرى القيء يفطر الصائم".
النوع الرابع - ما كانت علته إدراج كلام آخر فيه:
وصورة هذا النوع من العلة أن يدخل في سياق الحديث ما ليس منه، سواء أكان هذا الدخل حديثا آخر أو بعض حديث، أم كان كلاما للراوي يوضح به المراد من الحديث، وفي كلتا الحالتين يظهر الحديث مع ما أدرج فيه حديثا واحدا دونما تمييز بينهما أو فاصل يحدد كلا منهما.
ومثال إدراج الحديث في الحديث ما ذكره ابن رجب في معرض كلامه، عن جعفر بن برقان، فقال: "وكذا قال العقيلي هو ضعيف في روايته عن الزهري وذكر له حديثه عن الزهري عن سالم عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه نهى عن لبستين، وبيعتين، ونكاحين، وعن مطعمين، وذكر الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وأن يأكل الرجل وهو منبطح على وجهه"، وقال: لا يتابع عليه من حديث الزهري.
وأما الجلوس فيروى من غير حديث الزهري بأسانيد صالحة ما خلا الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر فالرواية فيها لين انتهى كلام ابن رجب
ومراد ابن رجب أن جعفر بن برقان روى عن الزهري النهي عن الجلوس على مائدة يشرب عليها الخمر، وروى أحاديث أخرى من غير طريق محمد بن شهاب الزهري فأدخل كل هذه الأحاديث في إسناد واحد وهو الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ .
стр. 128
وقد خرجنا هذا الحديث في مكانه من شرح العلل، وذكرنا قول أبي زرعة فيه:
حديث جعفر بن برقان إنما هو عن قبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة - وحديث "نهى أن يتزوج الرجل المرأة على عمتها"، وحديث "المنابذة والملامسة"، إنما هو عن الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبي سعيد.
وأما ما كان الإدراج فيه دخول كلام من الراوي على متنه فمثاله حديث الاستسعاء، وهو ما أخرجه أبو داود من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال:
من أعتق شقصا أو شقيصا له في مملوك فخلاصه عليه في ماله، إن كان له مال، فإن لم يكن له مال قوم العبد قيمة عبد، ثم استسعى لصاحبه في قيمته غير مشقوق عليه.
وقد روي هذا الحديث من طرق أصح وأكثر، وليس فيها ذكر الاستسعاء.
وفي هذا نقل ابن رجب كلاما عن الإمام أحمد أنه لا يعبأ برواية سعيد بن أبي عروبة هذه التي ذكر فيها الاستسعاء، وقدم رواية شعبة وهمام عن قتادة ولم يذكرا الاستسعاء، ونقل ابن رجب قول الإمام أحمد: "ولا أذهب إلى الاستسعاء".
وقد تعرضنا لهذا الحديث في زيادة الثقة، وقد خرجنا رواياته في شرح العلل.
وقد بين الحاكم في معرفة علوم الحديث مكان الإدراج في هذا الحديث فقال: "حديث العتق ثابت صحيح وذكر الاستسعاء فيه من قول قتادة، وقد
стр. 129
وهم من أدرجه في كلام النبي ﷺ ويشهد بصحة ذلك ما روي عن قتادة عن النضر بن أنس، عن بشير بن نهيك عن أبي هريرة أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك فغرمه النبي ﷺ قال همام: "وكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى العبد".
فقول همام هذا أكد لنا بأن الاستسعاء مدرج في الحديث. وليس في الحديث زيادة ثقة، لأن زيادة الثقة هي جزء من الحديث روي من بعض الطرق ولم يرو من بعضها الآخر.
النوع الخامس - ما كانت علته أنه لا يشبه كلام النبي ﷺ :
ومن ذلك ما يشبه كلام القصاص: وقد مثل له ابن رجب في شرح علل الترمذي بحديث يرويه عمر بن يزيد الرفاء، عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ قال: "ما بال أقوام يشرفون المترفين، ويستخفون بالعابدين، ويعملون بالقرآن ما وافق أهواءهم وما خالف أهواءهم تركوه، فعند ذلك يؤمنون ببعض الكتاب، ويكفرون ببعض، يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر المقدور، والأجل المكتوب، والرزق المقسوم، ألا يسعون فيما لا يدرك بالسعي من الجزاء الموفور، والسعي المشكور، والتجارة التي لا تبور".
قيل في هذا أنه يشبه كلام القصاص، واستغرب عن شعبة، وحمله النقاد على رجل كذاب اسمه عبد الله بن المسور المدائني.
قال ابن رجب: ومنه قول أبي أحمد الحاكم، في حديث علي الطويل في الدعاء لحفظ القرآن، إنه يشبه أحاديث القصاص كذلك.
стр. 130
وقال في موضع آخر: ومن ذلك أنهم يعرفون الكلام الذي يشبه كلام النبي ﷺ من الكلام الذي لا يشبه كلامه قال ابن أبي حاتم الرازي، عن أبيه: تعلم صحة الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكون كلاما يصلح أن يكون مثل كلام النبوة.
ويعرف سقمه وإنكاره بتفرد من لم تتضح عدالته، والله أعلم.
هذه بعض أنواع علة المتن، وهي الأنواع التي وقعت لي في شرح علل الترمذي وفي كتب العلل التي اطلعت عليه، وهذه الأنواع ليست على سبيل الحصر، وإنما على سبيل التمثيل، وإنني لا أدعي استقراء كتب العلل كلها لإخراج كل أنواع العلة، لأن هذا بحث يحتاج إلى سنين، وتفنى فيه أعمار.
المبحث الرابع الأشباه في العلل
تمهيد:
رأينا في الأنواع السابقة نماذج من العلل كشفها النقاد بعبارات صريحة واضحة لا لبس فيها، وذلك لقيام الأدلة الكاملة عندهم.
وأما هذا المبحث فقد أفردته للأشباه في العلل. وعنوان هذا المبحث رأيت أنه يصلح لأن تنطوي تحته هذه العلل التي يكشف عنها الناقد بقوله: حديث فلان أشبه أو أشبه بالصواب. أو يقول: حديث فلان أشبه بحديث فلان أو يقول الناقد: هذا الحديث يشبه حديث القصاص، هذه مادة هذا المبحث، وهذا الذي أقصده بالأشباه، ولعلي لا أستبق الموضوع إن قلت أن الأشباه تعبير عن الكشف الظني للعلة الذي يحتمل أمورا كثيرة، وإن كان قول الناقد هذا هو الأرجح من غيره.
وننطلق في هذا المبحث من قاعدة رسمها ابن رجب ﵀ فقال:
(قاعدة مهمة) :
حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم، لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان فيعللون الأحاديث بذلك. وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحصره وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم، والمعرفة، التي خصوا بها عن سائر أهل العلم، كما سبق ذكره في غير موضع.
стр. 131
ثم مثل ابن رجب ﵀ لهذا بأمثلة، منها:
شعيب بن أبي حمزة، عن ابن المنكدر.
روى عنه أحاديث منها حديث ابن المنكدر عن جابر، مرفوعا: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ... الحديث، وله علة ذكرها ابن أبي حاتم عن أبيه، قال: قد طعن في هذا الحديث، وكان قد عرض شعيب بن أبي حمزة على ابن المنكدر كتابا، فأمر بقراءته عليه، فعرف بعضا، وأنكر بعضا، وقال لابنه أو ابن أخيه: اكتب هذه الأحاديث، فروى شعيب ذلك الكتاب، وعرض علي بعض تلك الأحاديث فرأيتها مشابهة لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث.
قلت - أي ابن رجب - ومصداق ذلك ما ذكره أبو حاتم أن شعيب بن أبي حمزة روى عن ابن المنكدر، عن جابر حديث الاستفتاح في الصلاة بنحو سياق حديث علي، وروى عن شعيب عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة فرجع الحديث إلى الأعرج. وإنما رواه الناس عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن علي بن أبي طالب.
ومن جملة من رواه عن الأعرج بهذا الإسناد إسحاق بن أبي فروة.
وقيل إنه رواه عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج، وروى عن محمد بن حمير، عن شعيب بن أبي حمزة، عن ابن أبي فروة، وابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
ورواه أبو معاوية، عن شعيب، عن إسحاق عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع عن محمد بن مسلمة.
فظهر بهذا أن الحديث عند شعيب عن ابن أبي فروة
وكذا قال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من حديث إسحاق بن أبي فروة يرويه شعيب عنه.
стр. 132
وحاصل الأمر أن حديث الاستفتاح رواه شعيب عن إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر، فمنهم من ترك إسحاق، وذكر ابن المنكدر، ومنهم من كنى عنه فقال عن ابن المنكدر وآخر، وكذا وقع في سنن النسائي.
وهذا مما لا يجوز فعله وهو أن يروي الرجل حديثا عن اثنين، أحدهما مطعون فيه والآخر ثقة، فيترك ذكر المطعون فيه، ويذكر الثقة. وقد نص الإمام أحمد على ذلك، وعلله بأنه ربما كان في حديث الضعيف شيء ليس في حديث الثقة. وهو كما قال، فإنه ربما كان سياق الحديث للضعيف، وحديث الآخر محمولا عليه.
فهذا الحديث يرجع إلى رواية إسحاق بن أبي فروة وابن المنكدر ويرجع إلى حديث الأعرج.
ورواية الأعرج له معروفة عن ابن أبي رافع عن علي وهو الصواب عند النسائي والدارقطني وغيرهما
وهذا الاضطراب في الحديث الظاهر أنه من ابن أبي فروة لسوء حفظه وكثرة اضطرابه في الأحاديث وهو يروي عن ابن المنكدر.
وقد روى هذا الحديث يزيد بن عياض بن جعدبة، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن ابن أبي رافع، عن علي.
ويمكن أن نلخص ما مضى بما يلي:
١ - الصحيح ما رواه الناس ومنهم إسحاق بن أبي فروة عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن علي أن النبي ﷺ كان إذا قام يصلي قال: الله أكبر وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ... الخ الآية.
стр. 133
٢ - وأما إسحاق بن أبي فروة فقد روى هذا الحديث من طريقين:
الأولى: ابن أبي فروة، عن ابن المنكدر، عن الأعرج، عن محمد بن مسلمة.
الثانية: ابن أبي فروة، عن الأعرج، عن عبيد الله بن رافع، عن محمد بن مسلمة.
٣ - رواه شعيب عن ابن المنكدر وإسحاق بن أبي فروة، علما بأنه لم يسمعه من ابن المنكدر، وإنما من إسحاق، فسلك به طريق إسحاق إلى محمد بن مسلمة وسوى بين إسناد ابن المنكدر وإسناد إسحاق بن أبي فروة.
٤ - ترك بعض الرواة إسحاق بن أبي فروة، وذكر ابن المنكدر، وبعضهم قال: ابن المنكدر وآخر، يكنى عن إسحاق بن أبي فروة.
٥ - وهكذا دخل إسناد إسحاق بن أبي فروة في إسناد ابن المنكدر، وانتهى بإسقاط إسحاق من الإسناد.
ولما عرف النقاد تفرد إسحاق في ذكر محمد بن مسلمة علموا بعد ذلك أن هذا الحديث من حديث إسحاق ولو لم يذكر هو في السند. فقالوا: شعيب عن ابن المنكدر يشبه حديث إسحاق بن أبي فروة.
وبالرغم من أنني حاولت جهدي أن أسهل وأوضح، إلا أن الأمر يبقى على جانب من الصعوبة. وذلك لما في هذه الأسانيد من التداخل إذ أنها تلتقي في راو وتفترق عند آخر، وتبدو وكأنها جهاز دقيق الآلات، تتشابك بداخله الخيوط والأسلاك، ولكنه لا يعدم من يعرف أجزاءه ويتابع أسلاكه وخيوطه.
مثال:
قال ابن رجب: "سعيد بن سنان ويقال سنان بن سعيد يروى عن أنس ويروى عنه أهل مصر. قال أحمد: تركت حديثه، حديثه مضطرب. وقال: بشبه حديثه حديث الحسن لا يشبه أحاديث أنس".
стр. 134
قال ابن رجب: "ومراده أن الأحاديث التي يرويها عن أنس مرفوعة إنما تشبه كلام الحسن البصري أو مراسليه. وقال الجوزجاني: أحاديثه واهية لا تشبه أحاديث الناس عن أنس".
وهكذا يتضح لنا أن أحاديث سعيد بن سنان إنما يرويها عن الحسن لا عن أنس لعدة قرائن:
١ - إن هذا الرجل معروف باضطرابه.
٢ - إن هذه الأحاديث غريبة عن أنس ولم يروها الناس عنه
٣ - إن هذه الأحاديث معروفة عن الحسن، لا عن أنس.
مثال:
قال ابن رجب ﵀:
قال البرذعي: "قال لي أبو زرعة: خالد بن يزيد المصري وسعيد بن أبي هلال صدوقان، وربما وقع في قلبي من حسن حديثهما.
قال: وقال لي أبو حاتم: أخاف أن يكون بعضهما مراسيل عن ابن أبي فروة وابن سمعان". قال ابن رجب:
"ومعنى ذلك أنه عرض حديثهما على حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، فوجده يشبهه ولا يشبه حديث الثقات الذين يحدثان عنهما فخاف (أبو زرعة) أن يكونا أخذا حديث ابن أبي فروة وابن سمعان، ودلساه عن شيوخهما".
هذا كلام ابن رجب، وفيه تفسير واضح لشك أبي زرعة في هذين الرجلين، ثم كيف تحقق من صحة هذا الشك.
стр. 135
مثال: قال ابن رجب ﵀:
"روى القواريري، عن ابن بكر الحنفي، عن عاصم بن محمد العمري، ثنا سعيد المقبري، عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ : قال الله تعالى: ابتلي عبدي المؤمن، فإن لم يشكني إلى عواده أطلقته من أسارى ثم أبدلته لحما خيرا من لحمه.
هذا الحديث ليس من أحاديث سعيد المقبري، بل هو يشبه أحاديث عبد الله بن سعيد المقبري: ودليل ذلك كما يقول ابن رجب ﵀:
١ - هذا حديث منكر بهذا الإسناد وإنما رواه عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد المقبري، عن أبيه.
٢ - رواه معاذ بن معاذ، عن عاصم بن محمد، عن عبد الله بن سعيد، عن أبيه. وعبد الله بن سعيد شديد الضعف، قال: يحيى القطان ما رأيت أحدا أضعف منه".
مثال: قال ابن رجب ﵀:
"روى أبو جعفر العقيلي في كتابه "الضعفاء" قال: حدثنا إبراهيم بن محمد، وعلي بن عبد العزيز، قالا: حدثنا عمر بن يزيد الشيباني الرفا، قال: حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عن النبي ﷺ ، قال:
"ما بال أقوام يشرفون المترفين، ويستخفون بالعابدين، ويعلمون بالقرآن ما وافق أهواءهم، وما خالف أهواءهم تركوه، فعند ذلك مؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، يسعون فيما يدرك بغير سعي من القدر والمقدور، والأجل المكتوب، الرزق المقسوم، إلا يسعون فيما لا يدرك إلا بسعي من الجزاء الموفور، والسعي المشكور والتجارة التي لا تبور"؟
стр. 136
قال العقيلي: "ليس لهذا الحديث أصل من حديث شعبة، هذا الكلام عندي، والله أعلم، يشبه كلام عبد الله بن المسور الهاشمي المدائني، وكان يضع الحديث. وقد روى عن عمرو بن مرة، عنه. ولعل هذا الشيخ - الذي هو عمر بن يزيد الرفا - روى عن رجل عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن المسور فأحاله على شعبة".
وهكذا أدرك العقيلي، وهو الناقد البصير، أن هذا الحديث من المحتمل أن يكون لرجل لم يذكر نهائيا في هذا الإسناد، وذلك:
١ - لغرابته عن شعبة، ولكون هذا الشيخ (عمر بن يزيد) مجهولا.
٢ - لشبهه بأحاديث القصاص الذين يتألفون قلوب الناس بأحاديث يضعونها، فإن من يمعن النظر في هذا الحديث يرى فيه أثر الصنعة.
٣ - لما كان عمرو بن مرة معروفا بالرواية عن أحد الكذابين، وهو عبد الله بن المسور، فإن العقيلي يرى أن هذا الحديث يشبه أحاديث هذا الوضاع، ولا يشبه حديث شعبة.
هذه أمثلة ذكرها ابن رجب لهذا الضرب من العلة، وجعل لها قاعدة من قواعده، وصفها بالأهمية كما رأينا.
وكتب العلل مليئة بهذا النوع من العلة وكثيرا ما يقال: حديث فلان أشبه، أو أشبه بالصواب، أو أشبه لسبب من الأسباب المرجحة.
وفيما يلي بعض الأمثلة من كتب العلل الأخرى توقفنا على مزيد من البيان والإيضاح.
جاء في علل الدارقطني: "سئل عن حديث عمر عن أبي بكر أنه قبل الحجر، وقال: لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبلك ما قبلتك. فقال:
стр. 137
يرويه سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمير، واختلف عنه.
- فرواه أبو بكر الأعشى وهو عبد الحميد بن أبي أويس أخو إسماعيل بن أبي أويس عن سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، عن عيسى بن طلحة، عن عمر، عن أبي بكر.
- وخالفه خالد بن مخلد، وعبد الله بن وهب، فروياه عن سليمان بن بلال: عن شريك بن أبي نمر، عن عيسى بن طلحة عن رجل حدثه لم يسميا عمر لا غيره، عن أبي بكر.
وقولهما أشبه بالصواب. وتابعهما عبد الملك بن مسلمة عن سليمان بن بلال".
فالإسناد الذي أبهم فيه رجل أشبه بالصواب.
قال ابن أبي حاتم: "سالت أبي عن حديث رواه الأعمش وفضيل بن عمرو، عن علقمة، عن عبد الله، قال النبي ﷺ : "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر" ... وذكر الحديث.
ورواه ابن أبجر، عبد الملك بن سعيد بن أبجر، عن أبي معشر، عن إبراهيم عن الأسود، عن عبد الله، موقوفا.
أيهما أصح. فقال: الأعمش وفضيل أضبط من أبي معشر، وهو أشبه بالصواب".
قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عن حديث رواه موسى بن خلف، وحماد بن زيد، وأحسبه عن أنس. وقال موسى: عن أنس، عن النبي ﷺ "من كانت له ابنتان أو ثلاث كنت أنا وهو كهاتين. قال أبي:
стр. 138
رواه حماد بن سلمة عن ثابت، عن عائشة، عن النبي ﷺ هو أشبه بالصواب وحماد أثبت الناس في ثابت، وعلي بن زيد".
هذه أمثلة كان الحكم فيها بصيغة أشبه بالصواب، وذلك عند مقارنة إسنادين، أو رواية رجلين، ويكون أحدهما أقرب إلى الصحة من الآخر.
وكثيرا ما تكون هذه العبارة مبررة بقرينة تؤيدها. وفيما يلي عبارات من العلل لابن أبي حاتم ومن العلل الكبير للترمذي فيها مثل هذا التبرير:
- قال أبو زرعة: محمد بن يزيد أشبه عن أبيه، لأنه أفهم لحديث أبيه.
- حديث عنبسة وعمرو أشبه عندي. إذ اتفق عليه النفسان، وهما الرواة عن الزبير بن عدي.
- قال أبو زرعة: عبد الله بن الربيع، عن أبي بردة، عن الربيع بن خيثم أشبه، الرواية من طريق الثوري.
- "قال أبي: ابن عباس أشبه، لأن أيوب أشبههم وأحفظهم". أي الرواية التي تنتهي بابن عباس أشبه من الرواية الأخرى، لأن رواية ابن عباس جاءت من طريق أيوب.
- "لم يسمع يحيى بن أبي كثير من نوف شيئا، إنما روى عن زيد بن سلام عن أبي سلام عن نوف وهو أشبه"، أي أن الرواية الثانية سليمة من الانقطاع، خلافا للأولى.
стр. 139
هذه أشبه، وزكريا لزم الطريق، ومعنى لزم الطريق دخل على إسناد آخر لشهرة رجاله، وترك إسناده الصحيح.
- مرسل أشبه، يحيى بن جعدة لم يلق ابن مسعود.
- لا يشبه هذا الحديث حديث الأعمش، لأن الأعمش لم يرو عن أبي تميمة شيئا، وهو بأبي إسحاق أشبه. أي أن الوهم أدخل الأعمش مكان أبي إسحاق.
- لا يرفعون هذا الحديث، والموقوف عندنا أشبه.
- حديث عقيل، عن الزهري أشبه من حديث عبد الله بن بشير، عنه، لأن عقيلا معروف بالرواية عن الزهري.
- وحديث يونس بن أبي إسحاق أشبه من حديث عمار بن زريق عن أبي إسحاق، لأن عمار بن زريق سمع من أبي إسحاق بأخرة.
- وحديث همام عن قتادة أشبه، وهو ثقة حافظ.
وذلك في مقابل رواية عبد الأعلى بن سعيد عن قتادة.
- حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة أشبه، وعكرمة بن عمار يغلط الكثير في أحاديث يحيى بن أبي كثير، وفي ذلك ترجيح رواية محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة، على رواية عكرمة بن عمار عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
стр. 140
- قال أبي، حديث منصور أشبه، لأن حديث أبي هاشم رواه حجاج بن دينار، عن أبي هاشم وحجاج ليس بالقوي، وفي حديث الربيع بن أنس دونه مصعب بن حيان، عن مقابل بن حيان. قال أبو زرعة: حديث منصور أشبه، لأن الثوري رواه وهو أحفظهم.
- حديث أبي معمر أشبه من حديث عبد الصمد بن عبد الوارث، لأن ابن بريدة يروي عن ابن عمر في حديث عبد الصمد، قلت لأبي: ابن بريدة أدرك ابن عمر؟ قال: أدركه ولم يبين سماعه منه.
- وهيب أشبه، ووهيب أتقن وأوثق من أبي معاوية.
- وحديث إسرائيل أشبه، إذ كان هو أحفظ.
- وهو أشبه عندي، لأن الثوري أحفظهم.
- قال أبي: لا يحتمل عندي أن يكون من حديث ابن عمر، عبد الله بن عمرو أشبه. وذلك في حديث: كل مسكر حرام، وهو مشهور عن ابن عمرو، وتشابه عمر وعمرو يوقع في مثل هذا الوهم، فقال أبوا حاتم "بابن عمرو أِشبه".
- قيل لأبي: أيهما أصح؟ قال: المسعودي أفهم بحديث عون، وهو أشبه.
стр. 141
هذه الأمثلة تعرض لأسانيد وقع الاختلاف فيها، فحاول النقاد بيان الأشبه بالصواب، وكذلك الحال عندما يقع الاختلاف في المتون، فإنهم يلتمسون لأحدهما المرجح على بقيتها، وذلك فيما لا يمكن فيه الجمع من هذه المتون.
مثال:
قال الترمذي: "حدثنا أبو موسى بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة، عن الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد: كنا نصوم يوم عاشوراء ونعطي زكاة الفطر قبل أن ينزل علينا.. الحديث.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن القاسم، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد، قال: أمرنا بصوم عاشوراء.
سألت محمدا عن هذا الحديث فقلت له: حديث الحكم، عن القاسم بن مخيمرة، عن عمرو بن شرحبيل، عن قيس بن سعد أصح؟ أو حديث سلمة بن كهيل عن القاسم، عن أبي عمار، عن قيس بن سعد؟.
فقال لم أسمع أحدا يفضي في هذا بشيء، إلا أن حديث سلمة بن كهيل أشبه عندي، لأن هذا خلاف ما يروى عن النبي ﷺ في زكاة الفطر. قال ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر".
ولما كان التمييز بين الأسانيد "بهذه العبارة" يحمل ما يبرره، فلا بأس أن نقول: إننا نعرف أن سندا ما هو أشبه بالصواب، لأحد الأسباب التالية:
١ - أشبه، لأنه أضبط، أو أتقن، أو أوثق، أو أثبت في شيخ ما، أو أفهم بحديث أبيه أو شيخه أو قطرة.
стр. 142
٢ - أشبه، لأن رواته أكثر.
٣ - أشبه، لأن سمع وغيره لم يسمع، أو أدرك وغيره لم يدرك.
٤ - أشبه، لأن هذا الحديث مشهور عنه وغريب عن غيره.
٥ - أشبه، لأن غيره لزم الطريق.
٦ - أشبه، لأن غيره خلاف ما يروى عن النبي ﷺ .
وهكذا فقد دلنا استقراء هذه العبارة في كتب العلل أنها تعني الأسلم والأقرب إلى الصواب. وينبغي أن أنبه إلى أن هذا لا يعني دائما صحة الإسناد في اصطلاح المحدثين، إذ قد يكون الإسناد أشبه بالصواب ويكون مرسلا أو معضلا والله أعلم
стр. 143
الفصل الرابع دراسة لمباحث في مصطلح الحديث من كتاب شرح علل الترمذي
стр. 144
تمهيد
تعرضنا فيما سبق للمادة الرئيسة في شرح علل الترمذي وهي مادة علم العلل، وحاولنا إبراز بناء متكامل لهذا العلم، مستمدا من كتاب ابن رجب، ومسترشدا بالأصول التي اعتمد عليها. وأما الجزء التالي من الدراسة فجعلته لدراسة مباحث في مصطلح الحديث خرج فيها ابن رجب عن المألوف، وأظهر فيها براعة وإبداعا، وقد جعلت هذا الفصل في ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: في المرسل.
المبحث الثاني: في العنعنة. المبحث الثالث: في زيادة الثقة.
стр. 145
المبحث الأول في المرسل عند ابن رجب مقارنا بآراء غيره من العلماء
تعريف المرسل في الاصطلاح:
يطلق المرسل عند علماء المصطلح على قول التابعي: قال رسول الله ﷺ ، وهو ما اختاره الحاكم في معرفة علوم الحديث، وسار عليه أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته، تابعه على ذلك شراح المقدمة ومختصروها.
أما الخطيب البغدادي فقد أطلق المرسل على ما انقطع إسناده مطلقا، وعليه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وأبو زرعة وأبو حاتم الرازيان،والدارقطني وهو المشهور عند الفقهاء والأصوليين.
следующие страницы →