← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 9552

شرح علل الترمذي

ابن رجب الحنبلي

Полный текст (835 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

المبحث الرابع دراسة أشهر مصادر ابن رجب في العلل تمهيد تنوعت مصادر ابن رجب في شتى فنون الحديث حتى أصبح من المتعذر دراسة هذه المصادر ومعرفة مأخذ ابن رجب من كل منها إلا في رسالة مستقلة في مصادر الكتاب. والجدير بالذكر أن المصادر التي استمد منها ابن رجب هي مصادر أصلية ترجع في غالبها إلى ما قبل القرن الخامس. ولما كانت هذه الدراسة مخصصة في معظمها للكشف عن العلل، فقد رأيت أن أعقد هذا المبحث لدراسة أشهر كتب العلل التي اعتمد عليها ابن رجب، ومن خلال هذه الدراسة تتبين لنا مناهج متنوعة في العلل، كما سنتبين الفرق بين منهج ابن رجب ومنهج من سبقه من المصنفين في العلل. وقد جعلت هذا المبحث في ستة مطالب: المطلب الأول: العلل، لعلي بن المديني. المطلب الثاني: التاريخ والعلل، ليحيى بن معين. المطلب الثالث: علل الإمام أحمد بن حنبل. المطلب الرابع: علل الترمذي الكبير. المطلب الخامس: علل الحديث، لعبد الرحمن بن أبي حاتم. المطلب السادس: العلل الواردة في الأحاديث النبوية، للدارقطني.

стр. 37

المطلب الأول العلل، لعلي بن المديني لا نكاد نجد صفحة من صفحات "شرح علل الترمذي" إلا وفيها قول لعلي بن المديني أو أكثر، وهذه الأقوال استمدها ابن رجب من كتب العلل التي صنفها هذا الإمام الكبير. وقد ذكرت في الفصل الأول من هذا الباب نبذة عن الرجل وما صنفه في العلل، وذكرت طائفة من كتبه مثل: - علل المسند في ثلاثين جزءا. - العلل التي كتبها عنه إسماعيل القاضي، أربعة عشر جزءا. - علل حديث ابن عيينة، ثلاثة عشر جزءا. - الوهم والخطأ في خمسة أجزاء. - اختلاف الحديث، خمسة أجزاء. - العلل المتفرقة، ثلاثون جزءا. ولم تذكر فهارس المخطوطات سوى كتاب بعنوان "علل الحديث ومعرفة الرجال". ويبدو أن كتب ابن المديني الأخرى قد فقدت. أما هذا الجزء المحفوظ فهو ورقات من كتاب في العلل، يغلب على ظني أنه جزء من كتابه "العلل المتفرقة". وقد نشر هذا الجزء بتحقيق الدكتور محمد مصطفى الأعظمي. وهذا الكتاب يمثل صورة للزمرة المنهجية الأولى في العلل التي ذكرناها في المبحث الثاني من هذا الفصل، فهو مسائل متفرقة وأجوبة غير مرتبة تنتقل فجأة من موضوع إلى موضوع، ولكن الكتاب بمجموعه يتناول العلل في أربعة أقسام. القسم الأول: تكلم فيه ابن المديني عن مقدمات عامة في العلل وعلم الرجال، بين فيها

стр. 38

طبقات الرواة في مختلف الأمصار، مع ذكر أول من صنف في الحديث. وفي هذه المقدمات ذكر للمكثرين من الرواة، وإلقاء الضوء على من دار عليه الإسناد منهم من عهد الصحابة - رضوان الله عليهم - إلى زمن ابن المديني. وفيما يلي نص من كلامه: "قال علي: لم يكن من أصحاب النبي ﷺ أحد له أصحاب يفتون بقوله في الفقه إلا ثلاثة: عبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، وكان لكل رجل منهم أصحاب يقولون بقوله ويفتون الناس. وكان أصحاب عبد الله الذين يقرأون بقراءته، ويفتون بقوله، ويذهبون مذهبه: علقمة بن قيس، والأسود بن يزيد، ومسروق بن الأجدع، وعبيدة السلماني، وعمرو بن شرحبيل، والحارث بن قيس، ستة هؤلاء عدهم إبراهيم النخعي، وكان أعلم أهل الكوفة بأصحاب عبد الله وطريقتهم ومذاهبهم إبراهيم والشعبي، إلا أن الشعبي كان يذهب مذهب مسروق، يأخذ من علي وأهل المدينة وغيرهم، وكان إبراهيم يذهب مذهب أصحابه، أصحاب عبد الله هؤلاء. وكان أبو إسحاق وسليمان الأعمش أعلم أهل الكوفة بمذهب عبد الله وطريقته، والحكم بعد هذين، وكان سفيان بن سعيد أعلم الناس بهذين وبحديثهم وطريقهم، ولا يقدم عليهم أحدا". إنها كلمات معدودة يتابع من خلالها ابن المديني الحركة العلمية - الحديث منها خاصة - خلال مئة وخمسين عاما، في الكوفة، بدأها بابن مسعود - رضي الله عن هـ - وانتهى بسفيان الثوري. وانتهج هذا الأسلوب في مدرسة المدينة بدءا بزيد بن ثابت، وفي مدرسة مكة بدءا بابن عباس وانتهاء بابن جريح، كما تعرض للرواة في الشام والبصرة وواسط. وبهذا الأسلوب القائم على استقصاء طبقات الرواة يكون علي بن المديني

стр. 39

قد أرسى أحد الأسس لعلم العلل خاصة وعلم الرجال عامة، ومن خلال كلمات علي بن المديني يصل القارئ إلى التصور الصادق لطرق الرواية وبيان خطوطها عبر الأجيال افتراقا واتفاقا. أما القسم الثاني: ففيه عملية استقصاء للرواية عن بعض الرواة، وجاء هذا بعد أن ذكر مسارات الرواية في البلدان. وفي هذا القسم يتابع الرواية عن شخص واحد، فيذكر من سمع منه، ومن لم يسمع. وقد بدأ بالصحابي الجليل زيد بن ثابت، فذكر من روى عنه من أهل المدينة، ثم من روى عنه من أهل الكوفة، ثم من روى عنه ولم يثبت سماعه منه. ثم ذكر بعض الأحاديث كنماذج تطبيقية. وقد عقد في هذا القسم فصلا عن الحسن البصري، فجاء كلاما ضافيا وافيا أظهر فيه قدرة علمية فائقة فكشف حركة الحديث عن الحسن صحة وعلة. ولعل ابن المديني هو أول من نقل الحديث إلى ميدان الدراسة التحليلية الشاملة المستقصية. ولا بأس أن ننتقل إلى عبارته فلعلها تعطي القارئ مزيد إيضاح وبيان "قال علي: سمع الحسن من عثمان بن عفان وهو غلام، ومن عثمان بن أبي العاص ومن أبي بكر، ولم يسمع من عمران بن حصين شيئا، وليس بصحيح، لم يصح عن الحسن عن عمران سماع من وجه صحيح ثابت. قلت: سمع الحسن من جابر؟ قال: لا. قلت: سمع الحسن من أبي سعيد الخدري؟ قال: لا. كان بالمدينة أيام كان ابن عباس بالبصرة، استعمله عليها علي، وخرج إلى صفين. وقال في حديث الحسن: خطبنا ابن عباس بالبصرة، إنما

стр. 40

هو كقول ثابت، قدم علينا عمران بن حصين، ومثل قول مجاهد: خرج علينا علي، وكقول الحسن: إن سراقة بن مالك بن جعشم حدثهم، وكقوله: غزا بنا مجاشع". ولا يفوتني أن أنبه وأنا أتناول هذا القسم بالعرض، إلى أن الباحثين في الحديث قد يقعون في الوهم والخطأ إذا اعتمدوا على كتب التراجم المشهورة وتركوا كتب العلل، فإن أشخاصا كثيرين يذكر لهم السماع وحقيقة الأمر غير ذلك. والمقارنة بين ما ذكره علي بن المديني هنا عن الحسن البصري، وبين ما ذكره صاحب تهذيب التهذيب تبين للباحث دقة ابن المديني، وتعميم غيره وتوسعه كأن يقول صاحب التهذيب: "روي عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. وعن ثوبان وعمار بن ياسر وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص ومعقل بن سنان لم يسمع منهم، وعن عثمان وعلي وأبي موسى وعمران بن حصين وجندب البجلي وابن عمرو وابن عباس وابن عمر ومعاوية ومعقل بن يسار وجابر وخلق". وفي هذه العبارة سمى قوما، وقال: لم يدركهم، وسمى آخرين، وقال: ولم يسمع منهم. وسمى فئة ثالثة، ولم يذكر نفي الإدراك أو السماع. بينما جاء النفي القاطع بعدم سماع الحسن من بعضهم كعمران بن حصين، وابن عباس، وجابر. القسم الثالث: وهذا القسم ذكر فيه ابن المديني مجموعة من الأحاديث، وبين علة كل واحد منها، وعرض طرقه عرضا مستفيضا سيرا على أسلوبه الذي سبق وأن أشرت إليه، وفيما يلي مثال من هذا القسم: "قال علي: وحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله". قال: رواه صالح، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة. ورواه عقيل، فخالفه صالح في إسناد، فرواه عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن عمر بن الخطاب. ورواه ابن عيينة عن أبي هريرة مرسلا. ورواه معمر عن الزهري عن عبيد الله مرسلا. ورواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة ورواه عمران القطان فخالفهم جميعا فرواه عن معمر عن الزهري عن أنس عن أبي بكر، والحديث حديث عبد الله". القسم الرابع: وفي هذا القسم تعرض لعدد من الرجال، من حيث العدالة والضعف، وثبوت الرواية عنهم أو انقطاعها كما أن فيه البيان لكثير من الوفيات والكنى: قال علي: إسرائيل ضعيف. قال علي: عنبسة البصري الذي يروي عن الحسن، روى عنه عبد الوهاب الثقفي: ضعيف. قال علي: غاضرة بن عروة الفقيمي شيخ مجهول، لم يرو عن غير عاصم بن هلال. وبعد هذه الجولة في كتاب العلل لابن المديني، أقول: إن هذه المعرفة أساسية لرجل العلل، ومن يستوعبها ويتقنها فلا بد أن يصبح من رجال هذا الفن. وكلام علي هذا مبثوث في الكتب التي جاءت بعده، ككتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.

стр. 41

المطلب الثاني التاريخ والعلل، ليحيى بن معين أقول ابن معين التي اعتمد عليها ابن رجب كثيرة جدا، وهي من كتب عديدة لتلاميذ يحيى الذين سجلوا أقواله وأجوبته على أسئلتهم. وأكثر هذه الأقوال من كتاب "التاريخ والعلل" رواية العباس بن محمد الدوري (المتوفى سنة ٢٧١هـ) وهو أكمل الكتب التي جمعت أقوال يحيى، وقد وصل إلينا سليما من كل أذى، ولله الحمد. ومادة هذا الكتاب مجموعة كبيرة من آراء يحيى وأجوبته في ميدان الرجال والعلل. ويبدأ كل قول بكلام لعباس الدوري يقول فيه: سألت يحيى، أو سمعت يحيى. وأما كلام عباس الدوري الخاص به فقليل جدا، ويذكر أحيانا إذا لزم التعقيب على كلام الشيخ لتصحيح رواية أو لتفسير غريب. وكما رأينا في علل ابن المديني فإن كتاب يحيى هذا يسير على نفس الطريقة، ومادته غير منظمة والموضوعات المختلفة متداخلة فيه، فهو يتكلم عن الطبقات، والوفيات والجرح والتعديل، والكنى المتشابهة، والأحاديث المسلسلة. وفيما يلي نص من هذا الكتاب يكشف لنا منهجه: "سمعت يحيى يقول: عمر بن محمد بن زيد صالح الحديث، وكان ينزل عسقلان مرابطا. سألت يحيى عن حديث يحدث به ابن أبي ذئب عن ابن حسنة الجهني فقال يحيى: هو كذا ابن أبي ذئب عن ابن حسنة عن أبي هريرة. سمعت يحيى يقول: لم يسمع محمد بن إسحاق من طلحة بن نافع شيئا، ولم يسمع حديث ابن عباس في البكر، هو حديث ليس له أصل. سمعت يحيى يقول: حديث هشام بن عروة عن أبيه أن بلالا سمع أمية بن خلف يوم بدر، وهو على بعير له وهو يقول: (يا حدراها) ، (ياحدراها) ، قال يحيى: قال أبو عبيدة البصري: يريد: هل أحد رأى مثل هذا. هل أحد رأى مثل هذا. سمعت يحيى يقول:

стр. 42

أبو مسلمة بن محمد ليس حديثة بشيء". وقد دخلت مادة هذا الكتاب في جميع كتب الرجال التي جاءت من بعده. إذ هو من المراجع الأصلية في موضوعه، ولكن هذه المادة دخلت في الكتب الأخرى مبوبة منظمة، فما يتعلق بالضعفاء دخل في كتب الضعفاء وما كان عن الثقات دخل في كتب الثقات. والحصول على المراد من هذا الكتاب صعب وعسير إلا بقراءته كله، والبحث عن نص واحد فيه يلزم منه قراءة مائة وسبع وستين لوحة، وقد لا تجد ما تريد إذا كان النص من رواية غير العباس الدوري كعثمان الدارمي أو ابن محرز، أو ابن الجنيد. وكتاب التاريخ والعلل يقع في أحد عشر جزءا استغرقت مائة وسبعا وستين ورقة، وبالرغم من اختلاط المادة فيه وعدم تبويبها إلا أن الكتاب يقع في أربعة أقسام رئيسية: ١ - قسم عام: تناول فيه قضايا متفرقة لمختلف البلدان. ويهتم في هذا القسم بالصحابة. ٢ - أهل الكوفة: وقد أعطى يحيى بن معين أهل الكوفة النصيب الوافر من اهتمامه فزادت اللوحات التي تناولت أهل الكوفة عن مائة، وأخبارهم تعق بين لوحة ٤٣/أ - ١٤٦/أوبهذا تكون الكوفة قد أخذت ثلثي الكتاب، فهو بحق موسوعة كوفية، وهو عمدة لكل من يدرس أسانيد الكوفة والحديث فيها. ٣ - تسمية أهل واسط والسواد وأهل المدائن وبغداد من لوحة ٤٦/أ - ١٥٢/أ.

стр. 43

٤ - تسمية الشاميين وأهل البصرة والجزيرة إلى نهاية الكتاب لوحة ١٦٧. وقد ذكر ابن معين رسالة الليث إلى مالك، ورسالة مالك إلى الليث. وإلى جانب ما ذكرناه عن مادة هذا الكتاب وأنها مسائل متنوعة في مختلف علوم الحديث وعلله، فإنه يمتاز باحتوائه على مجموعة من الآراء الفقهية المستمدة من السنة، ومن خلالها يظهر مذهب أهل الكوفة الفقهي، وفيما يلي بعضها: "قال يحيى: زكاة الفطر لا بأس أن تعطى فضة. سمعت يحيى يقول: لا بأس بالصلاة على الجنازة بعدما يصلى عليها، ولا بأس بالصلاة على القبر". ومن ذلك: "سمعت يحيى يقول، وسألته عن هذه المسائل: قلت له: كم يصلى بعد الجمعة؟ قال: أربع لا أفصل بينهن بسلام. سألت يحيى عن القراءة خلف الإمام، قال: لا أقرأ خلفه إن جهر، ولا إن خافت. وإن قرأ إنسان فليس به بأس". قلت ليحيى: ما تقول في التكبير بالعيدين السبع والخمس؟ قال: لا أرى أن أرفع يدي في كل تكبيرة". ومع أن هذه هي مجموعة من الآراء الفقهية إلا أنها ذات ارتباط وثيق بعلم العلل، لصدورها من رجل كيحيى بن معين، إذ أنه بمثابة التصحيح والتضعيف لمجموعة من الأحاديث الواردة في هذه الأبواب. علل أحاديث من التاريخ والعلل: وقد اشتمل هذا الكتاب على عدد كبير من الأحاديث المعلة، وبعضها علل في الإسناد والبعض الآخر علل في المتن، ونختار منها بعض الأمثلة:

стр. 44

(أ) (سمعت يحيى يقول: حديث هشام عن أبيه عن عائشة: "كان النبي ﷺ يقبل الهدية"، إنما هو عن هشام عن أبيه فقط) وبهذا يكون يحيى قد كشف علة الحديث. فهو مرسل، وليس بمتصل، لأن التابعي وهو عروة بن الزبير، يقول: كان رسول الله ﷺ . (ب) (سمعت يحيى يقول: كان محمد بن عبيد الطنافسي يصحف في هذا الحديث، عن عبد الملك، عن عطاء: "من قرأ جزءا من القرآن" ... وإنما يريد من قرأ حرفا من القرآن) . (ج) "سمعت يحيى يقول: سعيد بن المسيب قد رأى عمر، وكان صغيرا، قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. وقال يحيى: ابن ثماني سنين يحفظ شيئا! ثم قال: ههنا قوم يقولون: إنه أصلح بين علي وعثمان. وهذا باطل". والكتاب مليء بالأسانيد المعلة التي يناقشها يحيى بأسلوب الحوار مع تلميذه، أو جوابا على سؤاله، وفي كل مرة يكشف عن الخطأ ويبين الصواب. الجرح والتعديل في التاريخ والعلل: يعتبر هذا الكتاب من المصادر الرئيسة في الجرح والتعديل، وقل أن تجد رجلا لم يعط يحيى بن معين رأيا فيه وقد تنوعت في هذا الكتاب أسباب الجرح وأنواعه وألقابه وكذلك التعديل. وقل مبتدع لا تجد له ذكرا في هذا الكتاب. وقد ظهر رأي ابن معين جليا في هذا النص: "قلت ليحيى: هكذا نقول في كل داعية يكتب حديثه إن كان قدريا أو رافضيا، أو غير ذلك من أهل الأهواء، من هو داعية؟ قال: لا يكتب عنهم إلا أن يكونوا ممن يظن بهم ذاك، ولا يدعوا

стр. 45

إليه، كهشام الدستوائي وغيره ممن يرى القدر، ولا يدعو إليه". أما الألفاظ التي يستعملها في التعديل والتجريح فكثيرة منها ثقة: "سألت يحيى عن مسلم بن خالد الزنجي، فقال: ثقة ثقة ولكن ليس بحجة. محمد بن إسحاق ثقة، ولكنه ليس بحجة". "ليس به بأس: وإنما كان فيه شيء، زعموا أنه كان طفيليا". صدوق: "محمد بن أسباط الذي كان بالشام رجل صدوق". وأما ألفاظ التجريح فمنها: ليس بثقة، ليس بشيء، ولا يسوى فلسا، ولا يكتب عنه، لم يكن بثقة ولا مأمون، رجل سوء، بين يدي عدل. اختلاف الأقوال في الجرح والتعديل عند يحيى: يلاحظ من يقرأ كتاب ابن معين أنه يعطي عدة أحكام على الرجل الواحد، فقد جاء في هذا الكتاب قولان مختلفان في الحارث الأعور: "سمعت يحيى يقول: الحارث الأعور، هو الحارث بن عبد الله، ليس به بأس"، فإننا نراه يقول في موضع آخر: حدثنا جرير عن حمزة الزيات، قال: سمع قرة الهمذاني من الحارث الأعور شيئا، فقال له: اقعد حتى أخرج إليك، فدخل مرة الهمذاني واشتمل على سيفه، وأحس الحارث بالشر فذهب". كما ضعف يحيى أسامة بن زيد بن أسلم أكثر من مرة، ثم قال عنه: ثقة.

стр. 46

ومع أن هذه الدراسة ليست موجهة للجرح والتعديل، إلا أن الكلام عن منهج الكتاب لا يكتمل إلا بهذا، بالإضافة إلى أن من العلل ما يرتبط بالجرح، كأن يروي الثقة عن ضعيف أو مجهول وغير ذلك. المطلب الثالث علل الإمام أحمد بن حنبل اعتمد ابن رجب اعتمادا كبيرا على أقوال الإمام أحمد في العلل، وهذا أمر لا بد منه لأن الإمام أحمد يعتبر بحق أستاذ فن العلل، وقد شاعت أقواله فيه وذاعت حتى استعصت على الإحاطة والحصر، ومرجع ذلك علمه الوفير، وشخصيته الفذة يضاف إليه ما امتاز به الإمام أحمد إذ أقبل عليه كثرة من التلاميذ الأوفياء الأذكياء العلماء، فسألوا الكثير، وكتبوا عنه الكثير. وقد كان بعض هؤلاء التلاميذ ممن يشار إليه بالفضل والفقه قبل التحاقه بصحبة الإمام أحمد. وقد اشتهر من هؤلاء عدد تناقل الناس مسائلهم، وجاء ذكرهم كثيرا في "شرح علل الترمذي" لابن رجب، منهم: - مهنا بن يحيى الشامي، كتب عن أحمد بضعة عشر جزءا من المسائل، ولزمه ثلاثا وأربعين سنة، وأول لقيه له في مجلس سفيان بن عيينة. - عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، صحب الإمام أحمد من (سنة ٢٠٢ - ٢٢٧هـ) وكان في أحمد مثل ابن جريح في عطاء لكثرة مسائله. - أحمد بن محمد بن الحجاج أبو بكر المروزي (ت ٢٧٥هـ) . - أحمد بن محمد بن هانئ الطائي الأثرم، نقل عن الإمام أحمد مسائل وصنفها ورتبها أبوابا. - أبو طالب، أحمد بن حميد، المتخصص بصحبة الإمام أحمد ومسائله (ت ٢٤٤هـ) .

стр. 47

- الحربي أبو إسحاق إبراهيم بن إسحاق (ت ٢٨٥هـ) . - حنبل بن هاني (ت ٢٦٥هـ) . - إسماعيل بن سعيد الشالنجي، وله مسائل كثيرة عن أحمد. - أحمد بن محمد أبو الحارث الصائغ، روى عن أحمد بضعة عشر جزءا من المسائل. - صالح بن الإمام أحمد بن حنبل، ومسائله كثيرة ومشهورة، (ت ٢٦٦هـ) . - عبد الله بن الإمام أحمد، ومسائله مشهورة، وأكثرها وصل إلينا (ت ٢٩٠هـ) . - أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني، (ت ٢٦٥هـ) وهو الإمام المشهور. وأما ما وصلنا من هذه المسائل فقليل، وما وصل لم يسلم منه إلا أجزاء يسيرة، فيما عدا كتاب العلل ومعرفة الرجال، وكتاب مسائل الإمام أحمد فقد وصلا كاملين. وأما المسائل الأخرى فقد سلم منها: (أ) جزء من مسائل الميموني. (ب) جزء من مسائل صالح بن الإمام أحمد. (ج) جزء من مسائل المروزي، في العلل. (د) جزء من مسائل الأثرم في العلل. والجدير بالذكر أن هذه الكتب متشابهة في طريقة العرض، وهي غير مرتبة ولا مبوبة بينما نجد المسائل الفقهية قد دخل عليها التبويب والترتيب كمسائل

стр. 48

المروذي في الفقه والجزء الأول من مسائل أحمد، لأبي داود السجستاني. ولمعرفة محتويات هذه الكتب وبيان منهج الإمام أحمد فيها نختار منها كتابا كاملا هو "العلل ومعرفة الرجال". وهو نموذج يمثل كل ما ورد عن الإمام أحمد في العلل. وهذا الكتاب يرويه عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، وتوجد منه نسخة كاملة في مكتبة أيا صوفيا تحت (رقم ٣٣٨٠) ، وهذه النسخة يرويها أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف (ت ٣٥٩هـ) عن عبد الله بن الإمام أحمد، وقد قام الدكتور طلعت فوج بيكيت والدكتور إسماعيل جراح أوغلي بتحقيق الجزء الأول من هذا الكتاب، وقد وجدت في خزانة المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الثاني عشر من العلل ومعرفة الرجال، ولكنه من رواية أبي بكر مكرم بن أحمد بن مكرم عن عبد الله، وعلى هذا الجزء سماع ابن أبي يعلى الفراء. وفي هذا الكتاب أسئلة وسماعات يقول فيها عبد الله: سألت أبي، وسمعت أبي وحدثني أبي، ومادة الكتاب عرضت بلا ترتيب ولا تصنيف. وحتى الخطوط الرئيسة والأقسام الكبيرة، التي رأيناها في علل ابن معين وابن المديني، حتى هذه معدومة في كتاب "العلل ومعرفة الرجال"، ولكن هذا ليس عيبا في الكتاب لأنه إجابات وأخبار عن القضايا اليومية التي تعترض الإمام وتلاميذه، وغزارة المادة والانشغال بالمتابعة والسماع يجعل مهمة التصنيف والترتيب عسيرة. وقد استفاد كل من جاء بعد الإمام أحمد من هذا الكتاب، وكل أخذ منه

стр. 49

ما يدخل في اهتمامه، ومن أكثر الكتب اعتمادا عليه: "كتاب الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم وكتاب "الضعفاء" للعقيلي. أما موضوعات الكتاب فإنها متنوعة، وأستطيع أن أجزم بأن مادته اشتملت على كل أبواب علوم الحديث، ففيه الكلام عن الثقات والرواة عنهم، والضعفاء، والمبتدعة، والمتروكين والمجاهيل، وفيه أخبار المدلسين، والكلام عمن أرسل الحديث، وكثير من تراجم رجال الأخبار فيذكر وفياتهم ومواطنهم، والقسم الأعظم والأكبر هو الكلام عن الأسانيد والمتون المعلة. ولهذا حق لنا أن نقول: إن كتب العلل هي الكتب الأولى لعلوم الحديث. وكما سبق القول، فإن القسم الأعظم من هذا الكتاب يتعلق بروايات الثقات، سواء بذكر علل حديثهم، أو بذكر مراتب الرواة عنهم، أو ما يتعلق بتراجمهم مما له علاقة بحديثهم من رحلة أو اختلاط أو تدليس أو إرسال. والجدير بالذكر أنه يسوق مجموعة كبيرة من الأخبار محورها أحاديث شيخ واحد ويطيل في ذلك فهو يذكر علل أحاديث هشيم بن بشير، شيخه، في قرابة العشرين صفحة من صفحات الكتاب وفيها يلي بعض هذه الأحاديث التي ذكر علتها. قال عبد الله: "حدثني أبي قال: حدثنا هشيم، عن سيار عن أبي وائل، قال: "لا يقرأ القرآن جنب ولا حائض". قال أبي: لم يسمعه هشيم من سيار. "سمعت أبي يقول: حدثنا هشيم قال: أخبرنا منصور، يعني ابن زاذان عن نافع أن امرأة صبحت قوما في سفر.. سمعت أبي يقول: لم يسمع منصور من نافع شيئا".

стр. 50

"حدثني أبي: قال، حدثنا هشيم عن مغيرة عن سماك - يعني ابن سلمة - قال: "رأيت ابن عمرو وابن عباس يتربعان في الصلاة" سمعت أبي يقول: لم يسمعه هشيم من مغيرة". وهكذا فإن الإمام أحمد يستعرض الكثير من حديث هشيم ويكشف عن انقطاع أو تدليس فيه، وقد يثبت السماع النادر له، كأن يقول: هذان الحديثان سمعهما هشيم من جابر الجعفي، وكل شيء حدث عن جابر مدلس إلا هذين: عن أبي جعفر عن ابن عباس "أن النبي ﷺ مر بقدر يغلي فأخذ منها عرقا أو كتفا فأكله، ثم صلى ولم يتوضأ". وذكر حديثا آخر. وفي موضع آخر نجد ذكرا مستفيضا لحصين بن عبد الرحمن المديني ويميزه عن حصين بن عبد الرحمن الحارثي الكوفي. وفي موضع ثالث نجده يستعرض حديث وكيع بن الجراح، من ذلك: "حدثني أبي قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن ابن أبي نجيح عن عبد الله بن أبي كثير، عن أبي المنهال عن ابن عباس، قال أبي: كذا قال وكيع، وهو خطأ: إنما هو عبد الله بن كثير". ثم نجده يعود فيتكلم عن حديث وكيع، رواية ونقدا، في موضع آخر ويفيض في ذلك. ولو قدر لهذا الكتاب أن ترتب مادته، بحيث يجمع ما يتعلق بوكيع، وما يتعلق بشعبة، وما يتعلق بهشيم وغيرهم، لو قدر له ذلك، لكان على غاية من الفائدة لما يذكره من دقائق المعارف عن هؤلاء، وما يعالجه من أحاديثهم رواية ونقدا. وهو ما لا يوجد في كتاب من كتب التراجم المعروفة.

стр. 51

ومن القضايا المهمة في هذا الكتاب حصر الرواة عن شيخ ما، كأن يقول: "هذه تسمية من روى عن عمر بن الخطاب - رضي الله عن هـ - من أهل مكة، روى عن عمر بن الخطاب من أهل مكة: يعلى بن أمية، وعبد الله بن الزبير، وأبو الطفيل، وعبد الله بن صفوان، وعبيد بن عمير. وأملى علي أبي: ومن أهل المدينة: عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر ... " ويذكر عشرات الأسماء. وخلال ذكره لهذه الأسماء يقف عند من اختلفت الأقوال في سماعه عن عمر، فيقول مثلا: وحميد روى عن عمر فلا أدري سمع منه أم لا، وقال ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن حميد: رأيت عمر. ثم يواصل ذكر الرواة عن عمر - رضي الله عن هـ - من أهل البصرة، ثم من روى عن علي - رضي الله عن هـ - من أهل البصرة، ثم من روى عن عثمان من أهل المدينة، ثم من روى عن عمر من أهل الكوفة. وهذا اللون من فنون الحديث نجده عند الإمام أحمد في علله يرتقي إلى أسلوب يدل على معرفته الواسعة، فهو يقول: "هؤلاء الرجال من روى عنهم مسعر من أهل الكوفة وغيرهم، لم يسمع منهم شعبة: عمير بن سعد، وعبد الرحمن بن الأسود، وأبو بكر بن عمرو بن عتبة ... " وهكذا. وفي موضع آخر يقول: "وهؤلاء من روى عنهم شعبة، ولم يسمع منهم سفيان: المنهال بن عمرو، وطلحة بن مصرف، والحكم بن عتبة وأبو عمرو يحيى بن عبيد ... " وهكذا.

стр. 52

وفي موضع ثالث يقول: حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو عن شعبة قال: رأيت محمد بن المنتشر، وحبيب بن سالم والحسن بن أبي الحسن البصري ... ويذكر ما يزيد على المائتين. وفي موضع رابع يقول: "هؤلاء من روى عنهم سفيان ولم يحدث عنه شعبة ... " ويذكر ما يزيد على المائة. وأما الجزء الثاني عشر الذي وجدته في الظاهرية بدمشق فهو من رواية القاضي أبي بكر مكرم بن أحمد بن مكرم البزاز عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل. ومادة هذا الجزء تشبه مادة النسخة الأولى، فهي مسائل وسماعات متفرقة غير منتظمة بترتيب معين. وتجمع بين التضعيف والتوثيق وذكر العلل، والكنى. وفيما يلي مثال من هذا الجزء يدور حول علة حديث: قال أبي كنا عند سليمان بن حرب، فذكرنا المسح على الخفين، فذكرنا أحاديث، فجعل سليمان يقول: ذا لا يحتمل، وذا ما أدري. قلنا إيش عندك؟ قال: خالد عن أبي عثمان عن عمر، قال: "يمسح حتى يأوي إلى فراشه". قلنا: قال بعض الناس خالد لم يسمع من أبي عثمان شيئا، يقول ذلك بعض الناس، "ويروي عن النبي ﷺ أنه كان يوقت". ويقول: خالد عن أبي عثمان! كأنه لم يرض منه بذلك". ونلاحظ في هذا النص النقد الذي وجهه الإمام أحمد لرواية سليمان بن حرب هذه، وسليمان بن حرب من الثقات الحفاظ.

стр. 53

المطلب الرابع علل الترمذي الكبير اشتهر الترمذي ﵀ ونبغ في هذا الفن من فنون الحديث حتى جاء كتابه الجامع كتابا معللا، فكانت ميزة خاصة له دون سائر كتب السنة، وقد ربط الإمام الكبير ربطا محكما بين الحديث وعلله فجعل لجامعه ملحقا سماه "العلل" وضمنه الكلام عن منهجه في الرواية والدراية، سندا ومتنا، وقد رأيت في هذا الكتاب - الصغير في حجمه، الكبير في أهدافه ومعارفه - فلسفة كاملة "للجامع" أولا وللحديث ثانيا، وفيه كشف الترمذي أسانيده وخطته ومصطلحاته ومذهبه في النقد والتعليل، وكما يصلح هذا الكتاب لجامع الترمذي فإنه يصدق في أكثر جوانبه على كتب الحديث الأخرى. وقد تكلمنا عن منهجه ومقاصده في المباحث السابقة. على وجه الإجمال والاختصار، وذلك لأن "العلل الصغير" من خلال شرح ابن رجب، هو موضوع رسالتي هذه، فسأترك الكلام عليه لمن هو أهله، وكفى بابن رجب أهلا لذلك، وسنلتقي به - إن شاء الله - في ستمائة صفحة بعد هذه الدراسة. وأما العلل الكبير، فصفته الكبير تشير إلى أنه أكبر من سابقه وأشمل. وقد كان يظن إلى عهد قريب أنه مفقود، وجاء ذلك في كتاب الدكتور نور الدين العتر "الترمذي والموازنة بين جامعه وبين الصحيحين" والذي نال به درجة الدكتوراه من كلية أصول الدين، جاء في هذا الكتاب قوله: "لكن يد الحدثان

стр. 54

طوت عنا هذا الكتاب، حتى لا نجد منه إلا النقول عنه، ولولا وفرة هذه النقول لما أمكن أن نكتب هذا البحث". ولقد قادت هذه النقول الأستاذ الفاضل إلى القول: "وهذا كتاب صنفه أبو عيسى على الأبواب - فيما يبدو لنا". وبحمد الله وجدت هذا الكتاب باسم: "كتاب فيه علل الترمذي الكبير، رتبه على أبواب الجامع أبو طالب القاضي" وهو من مخطوطات مكتبة أحمد الثالث بتركيا وتحت رقم (٥٣٠) . وجاء في مقدمة هذا الكتاب: "قال الفقيه القاضي أبو طالب وفقه الله: هذا كتاب قصدت فيه ترتيب كتاب العلل لأبي عيسى الترمذي ﵀ على نسق كتاب الجامع له حتى يسهل فيه طلب الحديث، إذ الأحاديث فيه مفرقة منثورة، فلا تضبطها أبواب. فنظرت فيها فرددت أحاديث كتاب العلل إلى ما يليق بها من كتب الجامع، فجعلت الطهارة في كتاب الطهارة، وهكذا إلى آخر الجامع. إلا أن يكون كتاب لم يكن فيه في كتاب العلل حديث فأني أسقطه، وأدخلت أحاديث هذه الكتب تحت أبوابها التي هي تبويب الترمذي على ما أذكره، وذلك إما أن يكون الحديث المذكور في العلل مذكورا بعينه في ذلك الباب من كتاب الجامع، وإما بأن ينبه عليه أبو عيسى بأن يقول: في الباب عن فلان من الصحابة، ويكون الحديث في العلل مخرجا عن ذلك الصحابي، وإما أن يكون مطابقا للحديث الذي تضمنه الباب، وفي معناه فعلى هذا النحو جعلت الأحاديث تحت الأبواب وأسقطت من تراجم الأبواب ما لم يكن في كتاب العلل فيه أحاديث.

стр. 55

وقد تجيء في كتاب العلل أحاديث لا يذكرها أبو عيسى في الجامع ولا يبوب فيه بابا يقتضي أن تجعل فيه، فأفردت لما كان من هذا النوع فصولا في أواخر الكتب التي تكون تلك الأحاديث منها. ونبهت على أنها ليست في الجامع إذ تبين من مطالعة الكتابين ما زاد كتاب العلل على كتاب الجامع. وذلك هو الأقل. وما كان فيه من كلام على رجال جرى ذكرهم في سند حديث فإني سقته حيث سقت الحديث. وما كان من الكلام على رجال لم يقع ذكرهم في حديث، وإنما جاء ذلك منثورا في أثناء الكلام، فإني ذكرت ذلك في آخر الكتاب، في باب الجامع يأتي ذكره هنالك إن شاء الله. ولقد كان يتجه أن يسقط من كتاب العلل ما كان مذكورا في الجامع، حتى لا يذكر فيه إلا ما ليس في الجامع، غير أنا كرهنا أن نسقط منه شيئا فتركناه على ما هو عليه فربما يجيء الباب ويكون فيه الحديث الذي في ذلك الباب من الجامع بنحو الكلام الذي تكلم عليه في الجامع بلا مزيد على ذلك". وفي نهاية هذه المقدمة التفصيلية، التي بين فيها عمله ومنهجه، ذكر إسناد كتاب العلل إلى الترمذي والجدير بالذكر أنه رواه عن شيخه أبي القاسم خلف بن عبد الملك بن بشكوال٠ ومن هذه المقدمة الوافية الضافية تبين لنا ما يلي: ١ - إن الترمذي لم يرتب كتابه "العلل الكبير" على الأبواب، بل ترك مادته منثورة مفترقة. ٢ - إن الذي رتبه على الأبواب هو القاضي أبو طالب، وذلك ليسهل الرجوع إلى الحديث فيه. ٣ - إنه رتب كتاب العلل تماما على أبواب كتاب الجامع الصحيح، واحتفظ بعناوين الأبواب عند الترمذي كما هي في الجامع. فإذا كان باب من أبواب الجامع لا مادة فيه في كتاب العلل، فإنه يسقط الباب ولا يذكره. وفيما يلي تمثيل لعمله من باب الطهارة مقارنا بجامع الترمذي:

стр. 56

رقم الباب أبواب جامع الترمذي/ أبواب علل الترمذي الكبير رقم الباب (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) باب / لا تقبل صلاة بغير طهور باب / فضل الطهور باب / مفتاح الصلاة الطهور باب / ما يقول إذا دخل الخلاء باب / ما يقول إذا خرج من الخلاء باب / النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول باب / الرخصة في ذلك باب / النهي عن البول قائما باب / الرخصة في البول قائما باب / في الاستتار عند الحاجة باب / كراهة الاستنجاء باليمين - باب / ما جاء في فضل الطهور باب / مفتاح الصلاة الطهور باب / ما يقول إذا دخل الخلاء - باب / الرخصة في استقبال القبلة - باب / الرخصة في البول قائما باب / في الاستتار عند الحاجة - (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) ومن هذه المقارنة يظهر الترتيب الذي سار عليه أبو طالب القاضي، والذي وافق ترتيب الجامع، مع إسقاط الباب الذي لم يذكر عنه شيء في كتاب العلل. ٤ - أما الأسس التي اعتمد عليها أبو طالب في إلحاق مادة العلل بالأبواب فهي ما يلي: (أ) إذا كان الحديث المذكور في العلل مذكورا في كتاب الجامع فإنه يضعه تحت نفس العنوان. (ب) إذا كان الحديث المذكور في الجامع قد أشار إليه الترمذي إشارة في الباب بقوله: وفي الباب عن فلان من الصحابة، وقد جاء هذا الحديث مفصلا في العلل فإنه يلحقه في الباب الذي أشار إليه.

стр. 57

(ج) إذا كان الحديث غير مذكور في الجامع ولكنه مطابق لباب من أبوابه فإنه يضعه تحت ذلك الباب. ٥ - أما الأحاديث التي ذكرت في "العلل" ولم ترد في "الجامع" فإن أبا طالب قد جعلها في فصول آخر الكتاب. ٦ - وأما الكلام عن الرجال فترتيبه على ضربين: (أ) إذا كان ذكر هؤلاء الرجال متعلقا بحديث ما، فإنه يساق مع هذا الحديث في بابه. (ب) وإذا كان الكلام عن الرجال عاما لا يرتبط بحديث معين موجود، فإنه يذكره في آخر الكتاب في باب جامع في الرجال. ومن خلال قراءتي لهذا الكتاب أكثر من مرة بحثا عن النصوص التي أوردها ابن رجب عنه، وجدت فيه نموذجا يحتذى لمن يعزم على ترتيب بقية كتب العلل، والتي لا تجنى الفائدة الكاملة منها إلا بترتيبها، وأي كتاب سيكون علل أحمد لو قدر له أن يرتب بمثل هذا الترتيب، وبذلك تجتمع مئات الأحاديث المعلة في أبواب منظمة، وتفهرس أسماء الرجال الواردة فيه فتشكل مصدرا من أهم مصادر البحث في الرجال والتراجم، وبذلك يضاف إلى إمامة صاحبه سهولة تناوله.

стр. 58

لقد سبقت الإشارة إلى أن الدكتور العتر بحث عن نصوص من كتاب العلل فوجد نقولا في بعض الكتب، وكانت هذه النقول الأساس الذي بني عليه دراسته لهذا الكتاب. وقد قابلت هذه النقول بمادة الأصل فوجدتها مطابقة تماما، مما يشهد للنسخة المخطوطة بالسلامة والدقة. ومن هذه النقول ما أخذه من "نصب الراية" وهو حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمسا. قال الترمذي في العلل: سألت محمدا عن هذا الحديث فضعفه وقال: لا أعلم رواه غير ابن لهيعة. وجاء هذا النص في العلل تحت عنوان "في التكبير في العيدين" وفيه: وسألته عن حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ كان يكبر في الفطر والأضحى في الأولى سبع تكبيرات، وفي الثانية خمس تكبيرات". ورواه بعضهم عن ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة، فضعف هذا الحديث، قلت له: رواه غير ابن لهيعة، قال: لا أعلمه. أما مادة هذا الكتاب فأكثرها أحاديث ذكرت عللها، ومعظم هذه المادة موجود في كتاب الجامع، ويبدو أن الترمذي أراد من علله الكبير إفراد العلل بالتصنيف المستقل، ليكون نموذجا للبحث التطبيقي المتخصص في العلل. وقد اكتسبت هذه المادة أهمية كبيرة وذلك لأمور: ١ - أنها في أكثرها آراء للبخاري في العلل ومعرفة الرجال حتى كأن الكتاب للبخاري وليس للترمذي، إذ لا يكاد يخلو حديث من قول الترمذي: وسألت محمدا عن هذا الحديث".

стр. 59

٢ - أن الذي يسأل البخاري هو من أرباب هذا الشأن العارف بمواطن الأوهام واللبس إذ هو ممن دار عليهم هذا العلم في زمنه إلا أنه الترمذي. ٣ - أن الأحاديث المعلة هنا هي في غالبها من الأحاديث المشهورة المتداولة بين الناس. وقد استعرضنا نماذج كثيرة من هذا الكتاب في أسباب العلل وأنواعها. وفيما يلي نموذج من مادة الكتاب: ١ - "حدثنا محمد بن بشار (نا) يحيى بن سعيد، عن أسامة بن زيد عن سالم بن خربوذ أبي النعمان، عن أم حبيبة، قالت: "ربما اختلفت يدي ويد رسول الله ﷺ في الوضوء من إناء واحد" وهكذا روى أبو أسامة وغير واحد عن أسامة بن زيد. وقال وكيع: عن أسامة بن زيد، عن النعمان بن خربوذ قال: سمعت أم حبيبة: ربما اختلفت يدي. فسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: وهم وكيع، والصحيح: عن أسامة بن زيد، عن سالم بن خربوذ، أبي النعمان. قلت لمحمد: روى هذا الحديث قبيصة، عن سفيان عن أسامة، فقال عن أم حبيبة - فقال: أخطأ فيه قبيصة". وفي هذا المثال نرى العلة في حديث رجلين من الثقات وكيع بن الجراح وقبيصة بن ذؤيب. أما الأول فقد وهم في تغيير اسم الراوي، وأما الثاني فقد أعل سنده بالانقطاع. ٢ - وفيما يلي نموذج من آخر الكتاب مما يتعلق بالرجال: "قال أبو عيسى: رأيت محمدا يثني على الأفريقي خيرا، يعني عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، ويقوي أمره، وسألت محمدا عن صالح المري، فقال: هو ضعيف الحديث، ذاهب الحديث، قال أبو عيسى: صالح المري رجل صالح ثقة تفرد بأحاديث عن الثقات يخاف عليه الغلط.

стр. 60

قال محمد: "محمد بن الفضل بن عطية ذاهب الحديث". هذا نموذج من علل الترمذي في الرجال، ويلاحظ فيه رأي الترمذي في مقابل كلام البخاري. أما استمداد ابن رجب من هذا الكتاب، فأمر ملحوظ في شرح العلل حتى انه يعتبر من أبرز مصادره في العلل. المطلب الخامس علل الحديث: لعبد الرحمن بن أبي حاتم (ت ٣٢٧ه ـ) إذا كان القرن الثالث هو عصر السنة الذهبي، فإن النصف الثاني منه هو ثمرته وخلاصته، حيث امتد النقد الحديثي واتسع على يد رجلين من الري هما: أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، ومحمد بن إدريس، أبو حاتم الرازي. وقد قيض الله تعالى لهما تلميذا عالما عارفا يجني علمهما ويلم شتاته، فجاء هذا العلم في كتابين مهمين: الأول: كتاب الجرح والتعديل، والثاني: كتاب "علل الحديث وبيان ما وقع من الخطأ والخلل في بعض طرق الأحاديث المروية في السنن النبوية". وقد نشر هذا الكتاب الأستاذ محب الدين الخطيب ﵀ في المطبعة السلفية سنة ١٣٤٣هـ، وقدم له الأستاذ محب الدين الخطيب ولم تخل مقدمته من أوهام، فقد قال: وأول من ألف فيه - على ما نعلم - الإمام مسلم بن الحجاج القشيري - المتوفى عام (٢٦١هـ) ، ثم جاء بعده الحافظ الكبير عبد الرحمن بن أبي حاتم. ... وممن ألف بعدهما في العلل الإمام الحاكم النيسابوري المتوفى

стр. 61

سنة ٤٠٥هـ، والإمام الدارقطني المتوفى سنة ٤٨٥هـ، فقد وهم بقوله: أول من ألف فيه مسلم، مع العلم أن مسلما مسبوق بهذا، إذ ألف فيه الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني والبخاري، وكلهم من طبقة شيوخ مسلم. وأما قوله: وممن ألف بعدهما في العلل الإمام الحاكم النيسابوري والإمام الدارقطني المتوفى سنة ٤٨٥هـ، فهو خطأ بين إذ الأمام الدارقطني شيخ الحاكم وقد توفي سنة ٣٨٥هـ. ويبدو أن الناشر قد تابع كشف الظنون، الذي ذكر هذه العبارة بهذا الترتيب: وفي التحقيق سقط كثير، وأخطاء في الضبط، ونقص في المقابلة بين النسخ، مما يجعل إعادة تحقيق هذا الكتاب واجبا على ذوي الاختصاص، لا سيما وأن نسخه كثيرة وكاملة. أما مادة هذا الكتاب: فهي أسئلة عبد الرحمن بن أبي حاتم لأبيه وأبي زرعة، أو سماعاته منهما، وكلها تدور على الأحاديث المعلة والأسانيد التي يعتريها الخلل والخطأ. وعبارته تأتي بأحد الأشكال الآتية: سالت أبي، سألت أبا زرعة، سألت أبي وأبا زرعة، سمعت أبي، سمعت أبا زرعة وقولهما قد يسبق بعبارة: "قالا" أو يذكر رأي أحدهما ثم رأي الآخر، والجدير بالذكر أن اتفاقهما هو السائد والغالب في هذه الأجوبة. وهذا يشهد لهذا العلم بوحدة منطقة ومنهجية. أما طريقة عرض هذه المادة: فهذا الكتاب أول كتاب في العلل لقي عناية كبيرة من المصنف فرتبه على أبواب الفقه، بدءا بباب الطهارة، ثم الصلاة، وانتهاء بباب النذر، ولكن رغم هذا الترتيب إلا أن اتساع أبوابه تجعل من الصعوبة بمكان الوصول إلى المطلوب منه ولا بد من تقسيم أبوابه إلى فروع تسهل على الباحثين الرجوع إلى الأحاديث، أو أن تفهرس مادة هذا الكتاب فهرسة مستقلة في آخره ترشد إلى الأحاديث فيه، وفي هذا الكتاب ثلاثة آلاف حديث ذكرت عللها، وهذه العلل

стр. 62

متنوعة وكثيرة، فمنها العلل الخفية كاكتشاف الإرسال والانقطاع، وأخرى بالقوادح الظاهرة كالمنكر والموضوع الضعيف. وأما مادة الرجال فهي مبثوثة خلال الكلام عن الأحاديث والأسانيد. أهمية هذا الكتاب: وترجع أهمية هذا الكتاب إلى مادته الغزيرة في العلل والرجال، وإلى إمامة الرجلين العظيمين، أبي زرعة وأبي حاتم، وإلى تبويبه الذي يجعل الحصول على المبتغى منه أقرب من غيره من كتب العلل الأخرى. وقد اعتمد ابن رجب في كتابه "شرح علل الترمذي" كثيرا على هذا الكتاب، فكان من أهم مصادره. المطلب السادس العلل الواردة في الأحاديث النبوية صنف الإمام أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني (ت ٣٨٥هـ) مصنفات كثيرة في مختلف فنون الحديث إلا أن مصنفه في العلل هو أشهرها وأهمها، وهذا الكتاب يشهد لعلم الدارقطني وتبحره في الحديث وطرقه، ولقد استحق بسببه عظيم الثناء من العلماء. قال ابن كثير في اختصار علوم الحديث، وقد جمع أزمة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدارقطني في كتابه في ذلك، وهو من أجل الكتب، بل أجل ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، ف ﵀ وأكرم مثواه".

стр. 63

وبحق فإن الكتاب موسوعة حديثية، وقد جمع من طرق الحديث وعلله ما يدهش المرء، ويعجزه عن الملاحقة، والاطلاع، فكيف بالابتداء والتصنيف. والكتاب يقع في خمسة مجلدات مخطوطة كبيرة، قدر لي أن أطلع عليها - الحمد لله - بعد جهد جهيد وصبر، إذ لم أوفق بالاطلاع على بعض أجزائه إلا بعد وقت طويل من البحث، وذلك بسبب ضياع بعض هذه الأجزاء، حتى إن فهارس المخطوطات المتخصصة لم تشر إليها، وكم كانت فرحتي عظيمة يوم أن علمت بوجود ثلاث نسخ مخطوطة من هذا الكتاب في دار الكتب بالقاهرة. وبعد الاستعراض السريع لهذا الكتاب للتعرف على مادته ومنهجه ظهر لي أنه كتاب اعتمد أسلوب العلل على الأسانيد خلافا لعلل ابن أبي حاتم الذي اعتمد أسلوب العلل على الأبواب فكتاب الدارقطني هذا هو من كتب العلل الفريدة التي اعتمدت منهجا موحدا، لا كما هو الحال في علل أحمد وابن المديني وابن معين وأصل الترمذي قبل ترتيبه. والمنهج الذي سلكه الدارقطني أنه يذكر الصحابي ومن روى عنه ويذكر العلل في حديث هذا الصحابي من هذه الطريق، ثم ينتقل إلى الصحابي الآخر بعد أن يستوفي الرواة عن الصحابي الأول. ففي الجزء الأول: بدأ بأبي بكر الصديق - رضي الله عن هـ -. وقال: حديث عمر عن أبي بكر، ثم حديث عثمان عن أبي بكر، ثم حديث علي عن أبي بكر.. وفي كل مرة يذكر العلل في هذه الطرق. وأما الجزء الثاني فقد أتم الكلام في أوله عن عبد الله بن مسعود، فعرض حديث عتبة عنه ثم حديث مسروق عنه وهكذا.. ثم ذكر مسند

стр. 64

أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، ثم مسند أبي بردة، ثم مسند معاذ بن جبل، وهكذا ... وفي كل مسند يتناول الرواة عنهم، فيذكر عللهم. وآخره بعض مسند أبي هريرة. أما الجزء الثالث: فأوله بقية مسند أبي هريرة فبدأ بحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة ثم من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ثم المقرونات من حديث أبي سلمة وسعيد عن أبي هريرة. وكذلك فإن الجزء الرابع احتوى بقية مسانيد الصحابة، وهو في جميع هذه الأجزاء يرتب المسانيد حسب الأكثر ثم الأقل فيما عدا مسانيد الخلفاء الراشدين فإنه يبدأ بها، ولو كانت قليلة. وأما الجزء الخامس فقد تضمن مسند النساء الصحابيات بدءا بعائشة - رضي الله عن ها - ثم أم حبيبة وهكذا حتى ينتهي بقوله آخر مسند النساء من كتاب العلل. وقد جاءت عبارة الكتاب على شكل مسائل يقال فيها: وسئل عن حديث فلان عن فلان ورغم ما فيه من منهجية على المسانيد إلا أنه صعب التناول فلا بد من معرفة إسناد الحديث للبحث عن علته ثم نقلب صفحات الكتاب لنهتدي إلى مكان هذا الصحابي فيه ثم الرواة عنه حتى نصل إلى المطلوب، ولو رتب الكتاب ترتيبا أبجديا أو على أبواب الفقه لكانت الفائدة منه أكبر وأعم، وفي هذا يقول ابن كثير: "ولكنه يعوزه شيء لا بد منه وهو أن يرتب على الأبواب ليقرب تناوله للطلاب، أو أن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتبة على أبواب المعجم ليسهل الأخذ منه فإنه مبدد جدا، لا يكاد الإنسان يهتدي إلى مطلوبه منه بسهولة". نماذج من كتاب العلل للدارقطني: ومن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "وسئل عن حديث ابن المسيب عن أبي هريرة أن النبي

стр. 65

صلى الله عليه وسلم حض على صدقة رمضان، فقال: على المرء صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من قمح". فقال: يرويه الزهري واختلف عنه في إسناده، وفي لفظه، فرواه بكر بن الأسود، عن عباد بن العوام، عن سفيان بن حسين عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلا وهو الصواب. وأما في لفظه فإن بكر بن الأسود ذكر في صدقه الفطر، أمر بصاع، وخالفه إسحاق، فقال: "على كل نفس مدان من قمح" وهو المحفوظ عن الزهري وكذلك قال عقيل، وعبد الرحمن بن خالد بن مسافر، ومحمد بن أبي حفصة عن ابن المسيب مرسلا. وكذلك رواه زهرة بن معبد، ويزيد بن قسيط، عن ابن المسيب. وعند ابن عدي فيه أقاويل من هذا. ورواه معمر، عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة. وقيل عن معمر، عن الزهري، عن أبي هريرة. وقال النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ثعلبة بن أبي صعير عن أبيه. وقال يحيى بن خارجة: عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة، عن سليمان بن أرقم، عن أبي هناد، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة. والمحفوظ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وقبل عن سليمان بن أرقم عن الزهري عن قبيصة بن ذؤيب، عن زيد بن ثابت، عن النبي ﷺ . وسليمان بن أرقم متروك". ونلاحظ في هذا الحديث عللا في الإسناد من حيث الوصل والقطع، كما نلاحظ في بعض رواياته علة القوادح الظاهرية، وهي الرواية عن المتروك من الرواة.

стр. 66

كما نلاحظ العلم الغزير الذي يفيض به الدارقطني على سائله، ويعرض من الطرق والأسانيد، واختلاف الرواة ما يصلح تعريفا كاملا بأبعاد علم العلل ومهمة عالم العلل. وقد استفاد ابن رجب من هذا الكتاب وأحال عليه في كثير من مواضع كتابه.

стр. 67

الفصل الثالث دراسة حول علم العلل من خلال كتاب ابن رجب "شرح علل الترمذي " وفيه مباحث: المبحث الأول: في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب. المبحث الثاني: في معرفة العلة والكشف عنها من خلال كتاب ابن رجب. المبحث الثالث: في أنواع العلل من خلال كتاب ابن رجب. المبحث الرابع: في الأشباه في العلل من خلال كتاب ابن رجب.

стр. 68

المبحث الأول في أسباب العلة من خلال كتاب ابن رجب تمهيد لقد حاولت من خلال استقراء "شرح علل الترمذي" لابن رجب، وغيره من كتب العلل أن أحدد أهم الأسباب التي تؤدي إلى حدوث العلة، إذ الكلام عن هذه الأسباب، منظما مجتمعا، لم يقع لي في كتاب من الكتب التي تعرضت للعلل، ومع أن كتاب ابن رجب هو كتاب العلل الوحيد الذي تكلم على العلل كعلم له قواعده وأقسامه إلا أنه لم يفصل أسباب العلل في مبحث مستقل، وإنما عرض لها في مواضع متفرقة. ولعل دراستنا هذه هي بداية المحاولة في هذا الترتيب النظري لعلم العلل. وفيما يلي عرض لهذه الأسباب والكلام عليها، مع ذكر كلام ابن رجب في كل منها: السبب العام: هو الذي يقف وراء الكثير من هذه العلل، إلا أنه الضعف البشري الذي لا يسلم منه مخلوق، ولا عصمة إلا لله ولكتابه ولرسوله ﷺ وما وراء ذلك ناس يصيبون ويخطئون، ويتذكرون وينسون، وينشطون ويغفلون، على ما بينهم من تفاوت في ذلك بين مكثر مقل. ودخول الوهم والخطأ على الصحابة والتابعين والأئمة المتقدمين شيء معروف عند العامة والخاصة، وقد أشار الترمذي في "علله آخر الجامع" إلى

стр. 69

هذا في القسم الرابع من الرواة عنده، وهم الحفاظ الذي يندر أو يقل الغلط في حديثهم، وهؤلاء هم الطبقة العليا من الرواة، فهو لم يصفهم بالضبط التام الكامل، بل قال: وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة. فالضبط التام الكامل هو ضبط نسبي يدخل فيه الوهم والخطأ القليل النادر. وهذا احتراز ينبغي أن يدخل صراحة في شرط رجال الصحيح، وإن كان قد تناوله تعريف الحديث الصحيح بصورة غير مباشرة، عند ذكرهم سلامة الحديث من الشذوذ والعلة القادحة. وقد تناول ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي هذا القسم الرابع الذي ذكره الترمذي بالشرح وذكر أقوال العلماء في أخطاء الثقات وأوهامهم فقال: "وذكر الترمذي ههنا حكم القسم الرابع، وهم الحفاظ المتقنون الذين يقل خطؤهم، وذكر أنه لم يسلم من الخطأ كبير أحد من الأئمة، على حفظهم. وقال ابن معين: من لم يخطئ في الحديث فهو كذاب. وقال أيضا: لست أعجب ممن يحدث فيخطئ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب. وقال ابن المبارك: ومن يسلم من الوهم وقد وهمت عائشة جماعة من الصحابة في رواياتهم وقد جمع بعضهم جزءا في ذلك. ووهم سعيد بن المسيب ابن عباس في قوله: تزوج النبي ﷺ ميمونة وهو محرم". وذكر ابن رجب في ذلك كلاما لأبي الحسن الدارقطني بعد ذكر بعض الأوهام في روايات الصحابة، وقول الدارقطني: مثل هذا في الصحابة، أي الوهم والخطأ.

стр. 70

وأما أوهام كبار أئمة الحديث، فقد ذكر ابن رجب أقوالا فيها: قال أحمد: كان مالك من أثبت الناس وكان يخطئ. وقال البرذعي: شهدت أبا زرعة، وذكر عبد الرحمن بن مهدي ومدحه وأطنب في مدحه، وقال: وهم في غير شيء، ثم ذكر عدة أسماء صحفها. وهذه الأسماء ورد النص بها في كتاب البرذعي وهي: قول ابن مهدي: شهاب بن شريفة، وإنما هو شهاب بن شرنقة. وقال: عن هشام عن الحجاج عن عائذ بن بطة وإنما هو ابن نضلة. وقال: قيس بن جبير، وإنما هو قيس بن حبتر (وزن جعفر) التميمي. وفيما يلي عرض لأحاديث وهم فيها كبار الثقات: منهم شعبة بن الحجاج: وثناء العلماء على شعبة جزيل طويل، فهو أمير المؤمنين في الحديث، ورجل روى عنه شعبة لا يسأل عنه، وكان الثوري يقول: أستاذنا شعبة. وقال الشافعي: لولا شعبة ما عرف الحديث بالعراق. ولكن لشعبة أوهاما، وفي حديثه علل، وإن كانت قليلة، وقد وقف النقاد عليها: مثال: أخرج الترمذي في العلل الكبير قال: حدثنا محمود بن غيلان، قال (أنا) أبو داود، قال: (أنا) شعبة، قال: (أنا) عبد ربه بن سعيد، قال: سمعت أنس بن أبي أنس، عن عبد الله بن نافع بن العمياء، عن عبد الله بن الحارث بن المطلب، أن رسول الله ﷺ قال: "الصلاة مثنى مثنى، تشهد في ركعتين، وتبؤس، وتمسكن، وتقنع وتقول: اللهم، اللهم، فمن لم يفعل ذلك فهي خداج". وقال الليث: (أنا) عبد ربه بن سعيد، عن عمران بن أبي أنس، عن ٩٦ عبد الله بن نافع بن العمياء، عن ربيعة بن الحارث، عن الفضل بن عباس. سمعت محمد بن إسماعيل يقول: رواية الليث بن سعد أصح من حديث شعبة. وشعبة أخطأ في هذا الحديث في مواضيع: - فقال: عن أنس بن أبي أنس، وإنما هو عمران بن أبي أنس. - وقال: عن عبد الله بن الحارث، وإنما هو عن عبد الله بن نافع، عن ربيعة بن الحارث. - وربيعة بن الحارث هو ابن المطلب، فقال: هو: عن المطلب. - ولم يذكر فيه: عن الفضل بن العباس. هذه أوهام لشعبة ذكرها البخاري جوابا على سؤال الترمذي له، وفيها بيان جلي لأخطاء الثقات ولو كانوا بمنزلة شعبة، وقد ذكر ابن أبي حاتم كلاما للإمام أحمد في أوهام شعبة، فقال: (قال أحمد: ما أكثر ما يخطئ شعبة في أسامي الرجال. وقال أحمد: كان شعبة يحفظ، لم يكتب إلا شيئا قليلا، وربما وهم في الشيء) ، وفي العبارة الأخيرة كشف عن مصدر الوهم والخطأ عند هذا الإمام الفذ. ورجل آخر شارك شعبة في الفضل والعصر، ولا يقل عنه إن لم يزد في الحفظ والعلم، وهو إمام دار الهجرة مالك بن أنس. وقد ترجم له ابن رجب ترجمة ضافية وافية جمع شتاتها ودورها من كثير من المراجع في التواريخ والرجال، ولكن هذا الفضل لم يمنع أن يسجل النقاد على مالك مآخذ وعللا في بعض رواياته:

стр. 71

فقد أخذ عليه الجماهير روايته عن عبد الكريم أبي أمية وهو متهم بالكذب. وأما مثال العلة في حديثه، فمما ذكره ابن أبي حاتم في علله. سألت أبي عن حديث رواه مالك، عن عمرو بن الحارث، عن عبيد بن فيروز عن البراء، عن النبي ﷺ في الضحايا" فقال أبي: نقص مالك من هذا الإسناد، إنما هو سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي، عن عبيد بن فيروز، عن البراء، عن النبي ﷺ . واستيفاء لهذا الموضوع نذكر رجلا ثالثا لا يقل عن سابقيه في الإمامة والفضل وهو الليث بن سعد إمام أهل مصر، ومع علو رتبته في الحفظ والضبط إلا أن النقاد سجلوا عليه عللا في حديثه، مثال ذلك، ما رواه ابن أبي حاتم في علله، قال: سمعت أبا زرعة، وحدثنا عن يحيى بن بكير، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: قالوا: يا رسول الله، أصحاب الحمر، قال: "لم ينزل علي في الحمر إلا هذه الآية الفاذة، (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) إلى آخر السورة. قال أبو زرعة: وهم فيه الليث، إنما هو زيد بن

стр. 72

أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ونختم هذا السبب العام، الذي لا يكاد يخرج من تأثيره أحد من الحفاظ، بما ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، وهو نص يؤكد وقوع بعض الأوهام في روايات الحفاظ، ويكشف عن القدر من الخطأ الذي يبقى معه الحافظ، الضابط الإمام، على رتبته في الإمامة والضبط: (أنا) أبي، أخبرنا سليمان بن أحمد الدمشقي، قال: قلت لعبد الرحمن بن مهدي: اكتب عمن يغلط في عشرة؟ قال: نعم. قيل له: يغلط في عشرين قال: نعم. قلت: فثلاثين؟ قال: نعم. قلت: فخمسين؟ قال: نعم. وهكذا، فإنه يمكننا أن نرجع قسما، لا بأس به، من علل الحديث لأخطاء مثل هؤلاء الجهابذة، ويعتبر كشف هذه العلل من أعلى مراتب هذا العلم، وذلك لخفائها واستتارها بمنزلتهم في الحفظ والضبط. وفي هذا درس بالغ لأعداء السنة، والطاغين فيها، ليعلموا أية حراسة حرس الله بها سنة نبيه ﷺ وليدركوا أنه ما دامت منزلة كبار الأئمة لم تمنع من تتبع رواياتهم ونقدها وتمحيصها، وبيان الخطأ فيها، فمن باب أولى أن يكشف وهم غيرهم، وعبث العابثين مهما كانت غايتهم، ومهما استخدموا من أساليب التزوير والكذب. السبب الثاني: هو ما اتصف به بعض رواة الآثار من خفة الضبط، وكثرة الوهم، مع بقاء عدالتهم. وهؤلاء هم الذين ذكرهم الترمذي في علله (آخر الجامع) بقوله: أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهن في حديثهم كثيرا. وعلى أسلوب ابن رجب في توليد الموضوعات من الكلمات، فقد شرح عبارة الترمذي وحشد لها عيون الشواهد من كلام أرباب هذه الصنعة، فقال:

стр. 73

(وهم أيضا أهل صدق وحفظ، ولكن يقع الوهم في حديثهم كثيرا، ولكن ليس هو الغالب عليهم، وهذا هو القسم الذي ذكره الترمذي ههنا. وذكر عن يحيى بن سعيد أنه ترك حديث هذه الطبقة. وعن ابن المبارك وابن مهدي ووكيع وغيرهم أنهم حدثوا عنهم، وهو أيضا رأي سفيان وأكثر أهل الحديث، والمصنفين منهم في السنن والصحاح، كمسلم بن الحجاج وغيره فإنه ذكر في مقدمة كتابه أنه لا يخرج حديث من هو متهم عند أهل الحديث، أو عند أكثرهم، ولا من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط. وذكر قبل ذلك أنه يخرج حديث أهل الحفظ والإتقان، وأنهم على ضربين: أحدهما: من لم يوجد في حديثه اختلاف شديد، ولا تخليط فاحش. والثاني: من هو دونهم في الحفظ والإتقان، وشملهم اسم الصدق والستر، وتعاطى العلم كعطاء بن السائب ويزيد بن أبي زياد وليث بن أبي سليم) . من كل هذا نعلم أن حديث هؤلاء الذين كثر غلطهم، مقبول عند جماهير علماء الحديث، ولا يعين قبول حديثهم أن يؤخذ دونما تمييز بين الصواب والخطأ بل استطاع النقاد أن يحصوا ما لهم من أوهام ويسجلوا شوارد أخبارهم شواذها، فكان نصيب كتب العلل من هذه الأوهام كبيرا. وكثيرا ما نقرأ الحديث في هذه الكتب ثم تذكر علته، ويقال بعد ذلك، أخطأ فيه شريك، وهم فيه عطاء الخراساني ... وهكذا. وقد ذكر ابن رجب في شرحه لعلل الترمذي عددا من هؤلاء الثقات الذين يكثر الخطأ في حديثهم، مع ترجمة قصيرة لكل منهم، فأنار سبيل سالك هذا الدرب بمعرفتهم، وأتاح لدارسي الكتاب فرصة كشف كثير من العلل.

стр. 74

فذكر من هذا الصنف، محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، وعبد الرحمن بن حرملة المدني، وشريك بن عبد الله النخعي قاضي الكوفة، وأبا بكر بن عياش المقرئ الكوفي، والربيع بن صبيح، ومبارك بن فضالة، وسهيل بن أبي صالح، ومحمد بن إسحاق، ومحمد بن عجلان، وحماد بن سلمة، وغيرهم. وسيرا على المنهج التطبيقي الذي التزمته في هذه الدراسة، فسأمثل لحديث هؤلاء الرواة، وأذكر عللا سجلها النقاد في مصنفاتهم عليهم: ومثال ذلك ما ذكره الترمذي في علله قال (حدثنا علي بن نصر الجهضمي، (نا) بشر بن عمر، (نا) شعيب بن زريق أبو شيبة، قال: حدثنا عطاء الخراساني، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله". سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: شعيب بن زريق مقارب الحديث، ولكن الشأن في عطاء الخراساني، ما أعرف لمالك بن أنس رجلا يروي عنه مالك يستحق أن يترك غير عطاء الخراساني. قلت له: ما شأنه؟ قال: عامة أحاديثه مقلوبة. ثم ذكر البخاري أمثلة لهذه الأحاديث المقلوبة التي يرويها عطاء الخراساني. روى عطاء الخراساني، عن سعيد بن المسيب أن رجلا أتى النبي ﷺ وأفطر في رمضان، وبعض أصحاب سعيد بن المسيب يقولون سألت سعيدا عن هذا الحديث، فقال: "كذب على عطاء لم أحدث هكذا".

стр. 75

وروى عطاء، عن أبي سلمة، عن عثمان وزيد بن ثابت في الإيلاء: إذا أمضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة. وروى حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن عثمان: أنه قال في المولي يوقف) . وعطاء الخراساني، بالرغم من أن البخاري جعل عامة أحاديثه مقلوبة ونعته بالضعف، إلا أن بقية العلماء احتجوا بحديثة الخالي من الوهم والخطأ، وروى عنه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، (وقد وثقه ابن معين، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ثقة صدوق، قلت يحتج به، قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه) . وتوثيق هذا العدد الغفير له يدفع رأي البخاري فيه، ومع هذا الدفع تبقى لعطاء أوهامه وعلله. ويشابه عطاء الخراساني في مرتبته وأوهامه شريك بن عبد الله النخعي، فيما يلي مثال على العلة في حديثه: قال الترمذي في علله الكبير: "حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، (نا) يزيد بن هارون عن شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يضع ركبتيه إذا سجد قبل يديه". قال يزيد: لم يرو شريك عن عاصم بن كليب إلا هذا الحديث الواحد. قال أبو عيسى: وروى همام بن يحيى، عن شقيق، عن عاصم بن كليب شيئا من هذا مرسلا، لم يذكر فيه، عن وائل بن حجر، وشريك بن عبد الله كثير الغلط والوهم. وشريك هذا الذي وهم في هذا الحديث كما وهم في غيره، قال عنه ابن معين: ثقة ثقة، وقال عنه العجلي: كوفي ثقة، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وسألت أبي عن شريك وأبي الأحوص أيهما إليك؟ قال: شريك، وقد كان له أغاليط وقال النسائي: ليس به بأس. وقال ابن عدي" والغالب على حديثة الصحة والاستواء، والذي يقع في حديثه من النكرة إنما أتى به من سوء حفظه، والغالب في من يوثق شريكا أنه يذكر خفة ضبطه وكثرة أوهامه ولكنه مع كل هذا يبقى من أهل الصدق والستر ولا تزول عنه رتبة الاحتجاج بحديثه. ولقد وصف بعض الحفاظ الثقات بكثرة الوهم، ولا شك أنهم يقلون في أوهامهم عن مثل شريك وعطاء بن السائب، وهؤلاء مثل عبد الرزاق بن همام، ومعمر بن راشد الصنعانيين، قال ابن أبي حاتم في علله: سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي إسحاق عن صلة، عن عمار، عن النبي ﷺ . "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: الإنفاق من الاقتار ... الحديث". فقالا: هذا خطأ: هذا خطأ. رواه الثوري وشعبة وإسرائيل وجماعة يقولون: عن أبي إسحاق، عن صلة، عن عمار، قوله. لا يرفعه أحد منهم. والصحيح موقوف عن عمار. قلت لهما: الخطأ ممن؟ قال أبي: أرى من عبد الرزاق، أو معمر فإنهما جيعا كثيرو الخطأ". السبب الثالث - الاختلاط أو الآفة العقلية: وقد تكلم ابن رجب عن هذا السبب أثناء الكلام عن اختلاط المشاهير من الثقات. وقد جعل هذا نوعا من القسم الثاني من أقسام علم العلل، وبيان ذلك: أنه قسم علم العلل إلى قسمين: القسم الأول: في معرفة مراتب الثقات، قول من يقدم منهم عند الاختلاف.
следующие страницы →