Полный текст (1 008 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
وقد قال أبو العباس القرطبي ﵀ بعد أن ساق الأسباب السابقة: (وأقرب هذه الأقوال وأصحها: قول عائشة - إن شاء اللَّه تعالى - وقد اتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً كمن خاف فدل ذلك على أن الآية نزلت جواباً لمن خاف وأن حكمها أعم من ذلك).
فإن قال قائل: عائشة لم تسند هذا إلى رسول الله ﷺ .
فالجواب من ابن عاشور: (وهو أن سياق كلامها يؤذن بأنه عن توقيف، ولذلك أخرجه البخاري في باب تفسير سورة النساء بسياق الأحاديث المرفوعة اعتداداً بأنها ما قالت ذلك إلا عن معاينة حال النزول، وأفهام المسلمين التي أقرها الرسول ﵊ لا سيمًا وقد قالت: ثم إن الناس استفتوا رسول اللَّه ﷺ وعليه فيكون إيجاز لفظ الآية اعتداداً بما فهمه الناس مما يعلمون من أحوالهم).
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة ما ذكرته عائشة ﵂ في اليتيمة التي يرغب في مالها وجمالها ويريد أن يتزوجها وليُّها لكنه لا يقسط لها في صداقها ولا يعطيها حقها منه، فأمروا أن يتركوهن ويلتمسوا غيرهن من النساء اللاتي يطالبن بحقوقهن أو يطالب بها أولياؤهن لصحة سنده، وتصريحه بالنزول وموافقته للفظ الآية واتفاق جمهور المفسرين عليه. وسيأتي مزيد بحث لهذا إن شاء الله تعالى عند نزول قوله تعالى: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ). واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 352
٤٥ - قال الله تعالى: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري ومسلم عن عائشة ﵂ قالت: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أنزلت في والي اليتيم الذي يقيم عليه ويصلح في ماله، إن كان فقيراً أكل منه بالمعروف.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء عن عائشة ﵂ في ذكر نزول الآية بدون قصة وقد أورده بعض المفسرين عند ذكر الآية كالقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور لكنهم لم يشيروا إلى أن الحديث سبب نزولها.
وقد أخرج أبو داود والنَّسَائِي وابن ماجه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلاً أتى النبي ﷺ فقال: إني فقير ليس لي شيء، ولي يتيم، قال: فقال: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل).
стр. 353
وهذا الحديث ليس فيه ذكر لسبب النزول لكن إذا ضممته إلى حديث عائشة في قولها: أنزلت في والي اليتيم، وقولها: إن كان فقيراً أكل منه بالمعروف، فإنه يوافقه من وجهين:
الأول: أن الرجل في حديث عمرو بن شعيب هو ولي اليتيم، والآية أنزلت في والي اليتيم.
الثاني: أن الرجل قال إني فقير ليس لي شيء، وهذا يوافق قولها: إن كان فقيرًا أكل منه بالمعروف، ولعل مما يعضد هذا النظر سياق الآية فإنه يوافق كثيرًا حديث عمرو بن شعيب ففي الآية: (وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا) وفي الحديث: (كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر).
ولقائل أن يقول إن النبي ﷺ قال هذا الحديث أخذاً واستنباطاً من الآية فوافق لفظه لفظها.
فالجواب: أن هذا ممكن لكن يعكر عليه قول عائشة: أُنزلت في والي اليتيم فإن هذا مشعر بوجود سبب، ولو لم يوجد حديث عمرو بن شعيب لكان الجزم ممكناً بأنها أرادت التفسير ولم ترد الحديث عن سبب نزول معين والله أعلم.
* النتيجة:
الحديث المذكور لا يتضمن التصريح بالسببية، لكن بضم الحديثين إلى بعضهما، وانضمامهما إلى الآية الكريمة يغلب على الظن نزول الآية بسبب سؤال الرجل للنبي ﷺ عن أكله من مال اليتيم والعلم عند الله تعالى.
* * * * *
стр. 354
٤٦ - قال الله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج أحمد والترمذي وابن ماجه عن جابر ﵁ قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول اللَّه ﷺ بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يدع لهما مالاً، ولا ينكحان إلا ولهما مال قال: فقال: (يقضي الله فى ذلك) قال: فنزلت آية الميراث فأرسل رسول اللَّه ﷺ إلى عمهما، فقال: (أعط ابنتي سعد الثلثين، وأمهما الثمن، وما بقي فهو لك).
ولفظ أبي داود: (فقال رسول اللَّه ﷺ : يقضي الله فى ذلك) قال: ونزلت سورة النساء: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ) الآية.
стр. 355
٢ - أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن جابر ﵁ قال: عادني النبي ﷺ وأبو بكر في بني سَلِمة ماشيين، فوجدني النبي ﷺ لا
стр. 356
أعقل، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رش عليَّ فأفقت، فقلت: ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول اللَّه، فنزلت: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ).
стр. 357
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، فأما حديث جابر ﵁ في قصة ابنتي سعد بن الربيع فقد ذكره جمع من المفسرين وجعلوه من أسباب نزولها كالبغوي، وابن العربي، وابن عطية، والقرطبي، وابن كثير، وابن عاشور.
قال ابن العربي بعد أن ساق هذا الحديث عن عبد اللَّه بن محمد بن عقيل الذي عليه يدور الإسناد: (هو مقبول لهذا الإسناد).
وقال القرطبي: (إن هذه الآية نزلت في ورثة سعد بن الربيع، وقيل: نزلت في ورثة ثابت بن قيس بن شماس، والأول أصح عند أهل النقل فاسترجع رسول الله ﷺ الميراث من العم) اهـ باختصار.
وقال ابن كثير بعد أن ساق الحديثين حديث الإغماء وحديث ابنتي سعد: (والظاهر أن حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعاً للبخاري فإنه ذكره هاهنا، والحديث الثاني عن جابر - في قصة ابنتي سعد - أشبه بنزول هذه الآية والله أعلم) اهـ.
وقال ابن حجر معلقًا على اختلاف الروايات: (وآية المواريث نزلت قبل ذلك بمدة - يعني (يُوصِيكُمُ اللَّهُ) - كما أخرج أحمد وأصحاب السنن وصححه الحاكم من طريق عبد اللَّه بن محمد بن عقيل عن جابر ثم ساق الحديث ... وهذا ظاهر في تقدم نزولها - لأنها نزلت بعد أحد - نعم وبه احتج من قال إنها لم تنزل في قصة جابر إنما نزلت في قصة ابنتي سعد بن الربيع، وليس ذلك
стр. 358
بلازم إذ لا مانع أن تنزل في الأمرين معاً، ويحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها وهي قوله: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) في قصة جابر، ويكون مراد جابر فنزلت: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ) أي ذكر الكلالة المتصل بهذه الآية والله أعلم) اهـ.
هكذا قال ﵀ وإِنَّمَا ذكرتُ كلامه لأُبين قوله في قصة ابنتي سعد بن الربيع وأنها إن لم تكن السبب الوحيد لنزول الآية فهي أحد السببين.
وأما قوله: يحتمل أن يكون نزول أولها في قصة البنتين، وآخرها وهي قوله: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) في قصة جابر ففي هذا الكلام عندي نظر ظاهر، إذ كيف يكون آخرها في قصة جابر وهي قوله: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) مع أن هذه بإجماع العلماء يُراد بها الإخوة لأم، وهذا ما لا يصدق على جابر، ولا يتفق مع حال أخواته لأنهن شقيقاته، فسبحان من لا يضل ولا ينسى.
أما حديث جابر ﵁ في قصة الإغماء فالاختلاف فيه جِدُّ كبير فقد جاء أيضًا في القصة نفسها أن الآية التي نزلت هي قوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً)، وجاء أيضًا أن الآية التي نزلت هي آخر آية من سورة النساء في الكلالة، وقد تقدم قريبًا أن سبب نزول قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ) قصة ابنتي سعد بن الربيع وهذا الاختلاف أدى إلى الإطالة في دراسة أسانيدها، خلاصتها اجتهاد بعض الرواة في تعيين الآية. وستأتي إن شاء اللَّه تعالى دراسة الأسباب المعنية في مواضعها أما الآية التي هنا فلا صلة لها بقصة جابر ﵁ في قضية الإغماء والله أعلم.
* النتيجة:
أن هذه الآية نزلت بسبب شكوى زوج سعد بن الربيع ﵁ إلى رسول اللَّه ﷺ عمهما الذي أخذ مال ابنتي سعد، ولم يدع لهما شيئاً، وذلك لأن الحديث يحتمل التحسين كما أنه صريح في السببية، وقد قال به جمع من العلماء مع موافقته لسياق القرآن والله أعلم.
стр. 359
٤٧ - قال اللَّه تعالى: (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج ابن ماجه عن جابر بن عبد اللَّه ﵁ قال: مرضت فأتاني رسول اللَّه ﷺ يعودني هو وأبو بكر معه وهما ماشيان، وقد أُغمي عليَّ فتوضأ رسول اللَّه ﷺ فصب عليَّ من وضوئه، فقلت: يا رسول اللَّه كيف أصنع؟ كيف أقضي في مالي؟ حتى نزلت آية الميراث في آخر النساء: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية، ولم يذكر هذا الحديث جمهور المفسرين عند تفسيرهم لها، وهذا هو الصواب لأمور:
١ - أن ابن عيينة اضطرب في تعيين الآية كما تقدم بيان ذلك عند دراسة السبب السادس والأربعين.
٢ - قوله حتى نزلت آية الميراث في آخر النساء (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) مع أن هذه الآية ليست في آخر النساء، بل في أولها.
стр. 360
٣ - أن قوله: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً) لا يناسب قصة جابر في هذا الحديث لأن الآية تتحدث عن ميراث الأخوة لأم، بينما كان جابر ﵁ شقيقاً لأخواته وليس أخاً من الأم كما هو معلوم، وفي ظني أن الذي أوجد الاشتباه تكرر لفظ الكلالة في الآيتين، وإلا فالفرق ظاهر بين الآيتين كظهوره بين الحكمين والله أعلم.
* النتيجة:
أن هذا الحديث ليس سبب نزولها لاضطرابه في متنه وإسناده ومخالفته لسياق القرآن، وإعراض المفسرين عنه. واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 361
٤٨ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج البخاري وأبو داود والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ). قال: كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها وإن شاؤوا زوجوها، وإن شاؤوا لم يزوجوها، فهم أحق بها من أهلها فنزلت هذه الآية في ذلك.
٢ - أخرج أبو داود عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) وذلك أن الرجل كان يرث امرأةَ ذي قرابته فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها فأحكم الله عن ذلك ونهى عن ذلك.
стр. 362
٣ - أخرج النَّسَائِي عن أبي أمامة ﵁ قال: لما توفي أبو قيس بن الأسلت، أراد ابنه أن يتزوج امرأته من بعده، فكان ذلك لهم في الجاهلية، فأنزل اللَّه : (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة. وقد أورد جمهور المفسرين هذه الأحاديث أو بعضها عند بيانهم لسبب نزول هذه الآية منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والسعدي والشنقيطي، وابن عاشور.
قال الطبري: (إنهن في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره ومنها بنفسها، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت فحرم اللَّه تعالى ذلك على عباده، وحظر عليهم نكاح حلائل آبائهم ونهاهم عن عضلهن عن النكاح) اهـ.
وقال السعدي: (كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى
стр. 363
قريبه، كأخيه وابن عمه ونحوهما، أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره أحبت أو كرهت، فإن أحبها، تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها، حتى تبذل له شيئاً من ميراث قريبه، أو من صداقها). اهـ.
وقال الشنقيطي: (وقد كان من مختلقات العرب في الجاهلية إرث الأقارب أزواج أقاربهم كان الرجل منهم إذا مات وألقى ابنه وأخوه مثلاً ثوباً على زوجته ورثها وصار أحق بها من نفسها إن شاء نكحها بلا مهر، وإن شاء أنكحها غيره وأخذ مهرها، وإن شاء عضلها حتى تفتدي منه إلى أن نهاهم اللَّه عن ذلك بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا). اهـ.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية ما ذكره ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: كان الرجل إذا مات فيهم كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، أو زوجها من يشاء، أو لم يزوجها عضلاً منهم وظلماً فأنزل اللَّه الآية إحقاقاً للحق وإزهاقاً للباطل وتبياناً لحقوق الطرفين، وإنما اخترت هذا السبب دون سواه لصحة إسناده، وصراحة ألفاظه، واتفاقه مع سياق الآية وأقوال المفسرين.
وأما السببان الآخران المذكوران عن ابن عبَّاسٍ، وأبي أمامة ﵁ فقد تقدم الكلام في بيان ضعفهما وعدم نهوضهما للاحتجاج بهما.
*تنبيه:
تقدم في كلام بعض المفسرين أنهم كانوا في الجاهلية يفعلون هذا، ومما لا يخفى أن هذا الذي وقع لم يكن في الجاهلية، إنما كان في الإسلام، ويؤيده النداء بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فلعل مراد العلماء أن أصل الفعل ابتداءً كان في الجاهلية، وامتد حتى مجيء الإسلام فكانوا يفعلونه فيه واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 364
٤٩ - قال اللَّه تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي، والنَّسَائِي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول اللَّه ﷺ يوم حنين، بعث جيشاً إلى أوطاسٍ. فلقوا عدواً. فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبايا. فكأن
стр. 365
ناساً من أصحاب رسول اللَّه ﷺ تحرجوا من غِشْيَانِهِن من أجل أزواجهن من المشركين فأنزل اللَّه في ذلك: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن.
وفي رواية للنسائي عن أبي سعيد ﵁ قال: أصابوا سبياً لهن أزواج فوطئوا بعضهن، فكأنهم أشفقوا من ذلك فأنزل اللَّه : (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد جمهور المفسرين حديث أبي سعيد الأول منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والشنقيطي.
قال القرطبي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد: (وهذا نص صحيح صريح في أن الآية نزلت بسبب تحرج أصحاب النبي ﷺ عن وطء المسبيات ذوات الأزواج فأنزل اللَّه تعالى في جوابهم (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وهو الصحيح إن شاء اللَّه تعالى). اهـ.
стр. 366
وقال ابن كثير في معنى الآية: (أي وحرم عليكم من الأجنبيات المحصنات وهن المزوجات إلا ما ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن فإن الآية نزلت في ذلك). اهـ ثم ساق الحديث.
وقال الشنقيطي: (وقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات، المتزوجات، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات؛ لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فإن السبي يرفع حكم الزوجية الأولى في الكفر وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته إلى أن قال .. ويؤيده سبب النزول). اهـ ثم ساق الحديث.
* النتيجة:
أن سبب نزول الآية الكريمة هو ما جاء في حديث أبي سعيد ﵁ حين ظهروا على عدوهم فتحرجوا من غشيان نسائهم من أجل أزواجهم لأن الحديث في ذلك صريح صحيح يتفق مع لفظ الآية وإجماع المفسرين عليه واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 367
٥٠ - قال الله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد والترمذي عن أم سلمة ﵂ أنها قالت: يا رسول اللَّه يغزو الرجال ولا نغزو ولنا نصف الميراث فأنزل اللَّه: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد جمهور المفسرين هذا الحديث عند تفسير الآية الكريمة منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
وقد تبين بدراسة السند ضعف الحديث إلى أم سلمة ﵂ وأن الصواب فيه أنه من مراسيل مجاهد ولأجل شهرته ذكره المفسرون قال الطبري: (وذكر أن ذلك نزل في نساء تمنين منازل الرجال وأن يكون لهم ما لهم فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله إذ كانت الأماني تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق). اهـ.
وقال ابن العربي: (يُروى أن أم سلمة قالت: يا رسول اللَّه، يغزو الرجال ولا نغزو ... ) اهـ.
стр. 368
وصرح في موضع آخر بهذا حيث قال عن روايات الحديث: (وهي أحاديث حسان لم تبلغ درجة الصحة) اهـ.
وقال ابن عطية: (سبب الآية أن النساء قلن: ليتنا استوينا مع الرجال في الميراث وشركناهم في الغزو، وروي أن أم سلمة قالت ذلك أو نحوه) اهـ.
وقال ابن كثير: (الآية نهت عن تمني عين نعمة الآخر يقول: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي في الأمور الدنيوية وكذا الدينية لحديث أم سلمة وابن عبَّاسٍ وهكذا قال عطاء بن أبي رباح نزلت في النهي عن تمني ما لفلان وفي تمني النساء أن يكن رجالاً فيغزون). اهـ بتصرف يسير.
والظاهر واللَّه أعلم أن الحديث وإن لم يصح سنده إلى أم سلمة ﵂ فإنه مؤيد بوجهين:
أ - سياق الآية ومطابقته لسياق الحديث من وجوه:
١ - إن الآية نهت أن يتمنى المفضول ما حازه الفاضل، وهذا يطابق قولها في الحديث يغزو الرجال ولا نغزو ولنا نصف الميراث، فإنها أرادت بهذا أن تغزو النساء كالرجال وأن يكون ميراثها مساوياً لميراث الرجال، وهذا هو التمني.
٢ - قوله في الآية: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) يوافق في الحديث يغزو الرجال ولا نغزو ولنا نصف الميراث، فإنها تتحدث عن رجال ونساء وهو ما بيّنته الآية.
٣ - قوله: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) يوافق في الحديث رغبتها في الغزو وفضله أُخروي ويوافق رغبتها في النصف الثاني من الميراث وهو فضل دنيوي فأرشدها الله وغيرها إلى - سؤاله من فضله فإن خزائن السماوات والأرض بيديه.
وختمُ الآية بالعلم مناسب كل المناسبة إذ بعلمه ميّز بين الجنسين وقدّر لكل واحد منهما ما يستحقه وفرض عليه من التكاليف ما يطيقه فسبحان العليم الخبير.
стр. 369
ب - أن الحديث مؤيد بقول جماهير السلف يتابعهم ويوافقهم عليه جمهور المفسرين ولا ريب أن مثل هذا يوجب للمرء جزمًا أن للحديث أصلاً.
* النتيجة:
أن سبب النزول المذكور لم يصح سنده إلى أم سلمة ﵂ وإنما هو من مراسيل مجاهد ﵀ لكن الحديث يعتضد بسياق الآية القرآني كما تقدم وبقول المفسرين به وتقديمهم إياه واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 370
٥١ - قال الله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج أبو داود عن داود بن الحصين قال: كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع وكانت يتيمة في حجر أبي بكر فقرأت: (والذين عاقدت أيمانكم) فقالت: لا تقرأ (والذين عاقدت أيمانكم) إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى الإسلام، فحلف أبو بكر ألا يورثه، فلما أسلم أمر اللَّه تعالى نبيه ﵊ أن يؤتيه نصيبه، زاد عبد العزيز: فما أسلم حتى حمل على الإسلام بالسيف.
стр. 371
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول الآية الكريمة ولم أجد فيما أعلم أحداً من المفسرين ذكر هذا الحديث إلا ابن كثير ﵀ مع اختلاف يسير في لفظه حيث جاء فيه فقرأت عليها (والذين عاقدت أيمانكم) فقالت: لا ولكن (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ .. ) ثم ذكر الحديث إلى أن قال: وهذا قول غريب.
قلت: ولعل غرابته سببُ إعراض المفسرين عنه، فإن المعروف في تفسير قوله تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أنها فيمن جرى بينهم تحالف وتعاقد على المعونة والنصرة، وقد قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) أي ورثة ويعني بقوله: (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) من تركة والديه وأقربيه من الميراث فتأويل الكلام، ولكم أيها الناس جعلنا عصبةً يرثونه مما ترك والده وأقربوه من ميراثهم له، وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ): أي والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة أنتم وهم فآتوهم نصيبهم من الميراث كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة إن اللَّه شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات وقد كان هذا في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك وأُمروا أن يوفوا لمن عاقدوا) اهـ بتصرف.
فإذا تقرر أن قوله تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) فيمن جرى بينهم
стр. 372
تحالف وتعاقد فكيف يقال إن سبب نزولها أبو بكر وابنه عبد الرحمن حين أبى الإسلام فحلف أبو بكر أن لا يورثه مع أن الصلة بينهما صلة نسب وقرابة وليست صلة حلف ومعاقدة.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور في سبب نزول الآية الكريمة لم يصح سنده، ومتنه أيضاً غريب لمناقضته ومخالفته لظاهر الآية فلا يكون سبباً لنزولها لا سيمًا وقد أعرض عنه المفسرون والله أعلم.
* * * * *
стр. 373
٥٢ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
١ - أخرج أبو داود والترمذي، عن علي ﵁ أن رجلاً من الأنصار دعاه وعبد الرحمن بن عوف فسقاهما قبل أن تحرم الخمر، فأمّهُم علي في المغرب فقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فخلط فيها فنزلت: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ).
стр. 374
٢ - أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁ قال: حرمت الخمر ثلاث مرات، قدم رسول اللَّه ﷺ المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر فسألوا رسول الله ﷺ عنهما، فأنزل الله على نبيه ﷺ : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ)، إلى آخر الآية، فقال الناس: ما حرم علينا إنما قال: (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) وكانوا يشربون الخمر.
حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه في المغرب، خَلَط في قراءته فأنزل اللَّه فيها آية أغلظ منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا
стр. 375
تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) وكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق.
ثم نزلت آية أغلظُ من ذلك: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) فقالوا: انتهينا ربنا، فقال الناس: يا رسول اللَّه، ناس قتلوا في سبيل اللَّه، وماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر، ويأكلون الميسر، وقد جعله اللَّه رجساً من عمل الشيطان فأنزل اللَّه: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا) إلى آخر الآية فقال النبي ﷺ : (لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم).
٣ - أخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بيانا شفاءً. فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال: فدعي عمر، فقرئت عليه. فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً فنزلت الآية التي في النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فكان منادي رسول اللَّه ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً. فنزلت الآية التي في المائدة، فدعي عمر فقرئت عليه، فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال: فقال عمر: انتهينا، انتهينا.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية الكريمة حيث ورد فيها ثلاثة أسباب
стр. 376
الأول لعلي والثاني لأبي هريرة والثالث لعمر ﵃ جميعاً.
فأما حديث علي ﵁ في شأن التخليط في القراءة فقد ذكره جمهور المفسرين منهم الطبري والبغوي وابن العربي وابن عطية والقرطبي وابن كثير وابن عاشور.
قال الطبري بعد أن ساق حديث علي: (وأولى القولين في ذلك بتأويل الآية، تأويل من قال: ذلك نهي من الله المؤمنين عن أن يقربوا الصلاة وهم سكارى من الشراب قبل تحريم الخمر للأخبار المتظاهرة عن أصحاب رسول الله ﷺ بأن ذلك كذلك نهي من الله وأن هذه الآية نزلت فيمن ذكرتُ أنها نزلت فيه) اهـ.
وقال ابن العربي بعد أن ساق الحديث: (وهذا حديث صحيح من رواية العدل عن العدل) اهـ.
وقال ابن عطية: (سبب النهي عن قرب الصلاة في حال سكر أن جماعة من أصحاب رسول الله ﷺ شربت الخمر عند أحدهم قبل التحريم .. فذكر الحديث إلى أن قال: فنزلت الآية) اهـ.
أما حديث أبي هريرة ﵁ فقد تقدم الكلام على إسناده وما فيه من الضعف الشديد.
وأما حديث عمر ﵁ فقد تبين من دراسته أنه حديث صحيح، وقبل الحديث عن الجمع بين هذه الأحاديث، لا بد من البيان لحديث علي ﵁ وأنه قد وقع في سنده ومتنه اضطراب يوجب القدح فيه، لكن لعل مما يعضده ويقويه ما يلي:
١ - موافقة لفظه للفظ الآية القرآني فإنهم صلوا وهم سكارى، وخلطوا في القراءة وهذا عين ما نهت عنه الآية.
٢ - أن جمهور المفسرين ذكروه سببًا لنزول الآية مما يدل على اعتبارهم له وصحته عندهم وكلام ابن العربي المتقدم يدل على هذا.
стр. 377
٣ - أن حديث أبي هريرة على ما فيه من الضعف، يشهد له، فقد جاء فيه (حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين، أمَّ أصحابه في المغرب، خلط في قراءته فأنزل الله فيها آية أغلظ منها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى).
أما الجمع بين الأحاديث فيمكن القول إن حديث علي وأبي هريرة متطابقان في لفظيهما، وحديث عمر لا ينافيهما لأنه قال: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شفاءً، فربما كان دعاؤه أحدَ أسباب نزول الآية.
* النتيجة:
أن حديث علي ﵁ المذكور في سبب نزول الآية لم يسلم من النقد سنداً ومتناً ولعله يعتضد بما تقدم ويكون سبباً لنزول الآية الكريمة وذلك لموافقته لسياق القرآن واحتجاج المفسرين به وتصريحه بالنزول. واللَّه أعلم.
* * * * *
стр. 378
٥٣ - قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج البخاري ومسلم والنَّسَائِي عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول اللَّه ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول اللَّه ﷺ على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق، فقالوا: ألا
стр. 379
ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول اللَّه ﷺ والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول اللَّه ﷺ واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكر، وقال ما شاء اللَّه أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول اللَّه ﷺ على فخذي، فقام رسول اللَّه ﷺ حين أصبح على غير ماء، فأنزل اللَّه آية التيمم فتيمموا، فقال أُسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية حيث ذكر بعض المفسرين هذه القصة عند تفسيرهم لهذه الآية كالطبري والبغوي والقرطبي وابن كثير.
قال ابن العربي: (ولقد عجبتُ من البخاري بوَّب في كتاب التفسير في سورة النساء على الآية التي ذُكر فيها التيمم، وأدخل حديث عائشة فقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ) وبوّب في سورة المائدة فقال: باب (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) وأدخل حديث عائشة بعينه وإنما أراد أن يدل على أن الآيتين تحتمل كل واحدة منهما قصة عائشة) اهـ.
стр. 380
وقال ابن كثير: (ذكر سبب نزول مشروعية التيمم وإنما ذكرنا ذلك هاهنا لأن هذه الآية التي في النساء متقدمة النزول على آية المائدة، وبيانه أن هذه نزلت قبل تحريم الخمر، والخمر إنما حرم بعد أُحد بيسير في محاصرة النبي ﷺ لبني النضير، وأما المائدة فإنها من آخر ما نزل لا سيما صدرها فناسب أن يذكر السبب هنا وباللَّه الثقة) اهـ.
* النتيجة:
وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث موسع لهذه المسألة المعضلة عند آية سورة المائدة وبيان النتيجة هناك والله أعلم.
* * * * *
стр. 381
٥٤ - قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج النَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة، قالت له قريش: أنت خير أهلِ المدينة وسيدهم؟ قال: نعم، قالوا: ألا ترى إلى هذا المُنْبَتِر من قومه يزعم أنه خير منا؟ ونحن - يعني: أهل الحجيج وأهل السدانة - قال: أنتم خير منه فنزلت: (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ) ونزلت: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) إلى قوله: (فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا).
стр. 382
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد ذكر جمهور المفسرين هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن عطية والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور.
قال الطبري: (إن اللَّه وصف الذين أُوتوا نصيبًا من الكتاب من اليهود بتعظيمهم غير الله بالعبادة والإذعان له بالطاعة في الكفر باللَّه ورسوله ومعصيتهما، وأنهم قالوا إن أهل الكفر باللَّه أولى بالحق من أهل الإيمان به، وإن دين أهل التكذيب للَّه ولرسوله أعدل وأصوب من دين أهل التصديق للَّه ولرسوله، وذُكر أن ذلك من صفة كعب بن الأشرف وأنه قائل ذلك) اهـ.
وقال ابن كثير: قوله: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا) أي يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب اللَّه الذي بأيديهم) اهـ.
والظاهر - واللَّه أعلم - أن الصحيح في السبب المذكور أنه مرسل لكنه يعتضد بأمرين:
стр. 383
الأول: مطابقة السبب المذكور للفظ الآية فإن القائل في الآية من الذين أُوتوا نصيباً من الكتاب، والرجل المذكور في الحديث كعب بن الأشرف اليهودي.
وقوله: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) هو قوله لكفار قريش أنتم خير من محمد.
وقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا) هم اليهود كما أخبر اللَّه عنهم بقوله: (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ).
الثاني: أن هذا السبب قد قال به جمهور المفسرين واعتمدوه سبباً لنزول الآية ولا ريب أن اجتماع المفسرين على قولٍ كهذا مع ما يحتف به من قرائن يوجب غلبة الظن أن للحديث أصلاً، أما نزول آية الكوثر فستأتي دراستها إن شاء اللَّه تعالى في سورة الكوثر.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور وإن كان مرسلاً فإن قرائن السببية تحيط به وذلك لموافقته للفظ الآية، وتصريحه بالنزول، واحتجاج المفسرين به على النزول والله أعلم.
* * * * *
стр. 384
٥٥ - قال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ أنه قال: نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديِّ السهمي، إذ بعثه رسول الله ﷺ في السرية.
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد أورد المفسرون هذا الحديث وجعلوه سبب نزولها منهم الطبري والبغوي وابن العربي والقرطبي وابن كثير والطاهر بن عاشور وقد ورد بسط هذه القصة في موضع آخر عن علي ﵁ -
стр. 385
فقد قال: بعث النبي ﷺ سريَّةً فاستعمل عليها رجلاً من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: أليس أمركم النبي ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطباً، فجمعوا، فقال: أوقدوا ناراً، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهمُّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضاً، ويقولون: فررنا إلى النبي ﷺ من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي ﷺ ، فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف).
قال أبو عمر ابن عبد البر: (وكان في عبد اللَّه بن حذافة دعابة معروفة ومن دعابته أن رسول الله ﷺ أمَّره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطباً ويوقدوا ناراً فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها فأبوا فقال لهم: ألم يأمركم رسول اللَّه ﷺ بطاعتي وقال من أطاع أميري فقد أطاعني، فقالوا: ما آمنا باللَّه واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار، فصوّب رسول الله ﷺ فعلهم وقال لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) وهو حديث صحيح الإسناد مشهور) اهـ.
وهذا الكلام من ابن عبد البر يدل على أنه يرى أن أمير السرية المذكور في حديث علي ﵁ هو عبد الله بن حذافة المذكور في حديث ابن عباس ﵄ لأن سياق الحديث الذي ذكره يوافق حديث علي ﵁ تماماً.
وقد تبع ابنُ القيم ابنَ عبد البر على هذا فقال بعد سياقه لحديثي ابن عباس وعلي ﵃: (وهذا هو عبد اللَّه بن حذافة السهمي).
стр. 386
ففسر الأمير المبهم في حديث علي، بالرجل المذكور في حديث ابن عباس وهو عبد الله بن حذافة.
* النتيجة:
أن الحديث المذكور سبب نزول الآية الكريمة لصحة سنده، وصراحة لفظه، واحتجاج المفسرين به وموافقته للفظ الآية. والله أعلم.
* * * * *
стр. 387
٥٦ - قال اللَّه ثعالى: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)
* سَبَبُ النُّزُولِ:
أخرج الإمام أحمد والبخاري، ومسلم وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي وابن ماجه عن عروة بن الزبير أن الزبير كان يحدث: أنه خاصم رجلاً من الأنصار قد شهد بدراً إلى النبي ﷺ في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبي ﷺ للزبير: (اسق ثم أرسل إلى جارك) فغضب الأنصاري وقال: يا رسول اللَّه أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول اللَّه ﷺ ثم قال للزبيرِ: (اسق ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر). فاستوعى النبي ﷺ حينئذٍ للزبير حقه، وكان النبي ﷺ قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعةً له وللأنصاري، فلما أحفظ الأنصاري رسول اللَّه ﷺ استوعى رسول اللَّه ﷺ للزبير حقه في صريح الحكم.
قال عروة: قال الزبير: واللَّه ما أحسب هذه الآية أُنزلت إلا في ذلك (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
стр. 388
وفي رواية للبخاري: فقال الزبير: والله إن هذه الآية أنزلت في ذلك: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ).
* دِرَاسَةُ السَّبَبِ:
هكذا جاء في سبب نزول هذه الآية وقد اختار هذا الحديث سبباً لنزول الآية بعض المفسرين كالبغوي والقرطبي وابن كثير.
قال القرطبي بعد أن ساق الأسباب المذكورة لنزول الآية: (وإذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففقهها أنه ﵊ سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: (اسق يا زُبير)). اهـ. وهذا يدل على اختياره لهذا السبب.
وقال أبو العباس القرطبي: (قوله: (إن رجلاً من الأنصار) قيل: إن هذا الرجل كان من الأنصار نسباً، ولم يكن منهم نصرةً وديناً، بل كان منافقاً لما صدر عنه من تهمة رسول الله ﷺ بالجور في الأحكام لأجل قرابته ولأنه لم يرض بحكمه ولأن الله تعالى قد أنزل فيه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) هذا هو الظاهر من حاله ويحتمل أنه لم يكن منافقاً، ولكن أصدرَ ذلك منه بادرةُ نفس وزلة شيطان) اهـ.
стр. 389
فقوله: ولأن الله تعالى قد أنزل فيه (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ) يدل على أنه يرى القصة سبباً لنزول الآية.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الآية نزلت فيمن ذكرهم اللَّه بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ .. ).
قال الطبري: (وهذا القول أعني قول من قال: عنى به المحتكمان إلى الطاغوت اللذان وصف اللَّه شأنهما في قوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) أولى بالصواب، لأن قوله: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) في سياق قصة الذين أسدى الله الخبر عنهم بقوله: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) ولا دلالة تدل على انقطاع قصتهم، فإلحاق بعض ذلك ببعض ما لم تأت دلالة على انقطاعه أولى) اهـ.
وقال ابن العربي مؤيدًا: (اختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي ثم تتناول بعمومها قصة الزبير وهو الصحيح) اهـ.
وقال ابن عاشور: (والظاهر عندي أن الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشرٍ المنافق فظنها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري) اهـ.
فهذا ما احتج به الفريقان، فالأولون احتجوا بصحة إسناد القصة والتنصيص على أنها سبب النزول من قِبل الزبير وغيره وهو صاحب القصة.
والآخرون احتجوا بسياق الآيات القرآني وأنها نزلت فيمن يريد التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين.
والظاهر والله أعلم أن القول الثاني أسعد بالصواب لوجوه:
الأول: أن سياق الآيات متصل بعضه ببعض لم يفصل بينها فاصل غريب ففي أولها قول اللَّه: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ .. ) وفي آخرها قوله سبحانه:
стр. 390
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ .. ) فالآيات في أولها وآخرها تتحدث عن التحاكم إلى الله أو الطاغوت ومن المعلوم أن وحدة اللفظ دليلُ وحدة المعنى.
الثاني: أن الزبير ﵁ كان لا يجزم بأن الآية نزلت في قصته فقد قال ابن حجر ﵀: (والراجح رواية الأكثر وأن الزبير كان لا يجزم بذلك).
ولا ريب أن تردد صاحب القصة في الجزم بنزولها يوجب لغيره التردد والريب.
الثالث: قال ابن حجر: (روى إسحاق بن راهويه في تفسيره بإسناد صحيح عن الشعبي، قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة فدعا اليهودي المنافق إلى النبي ﷺ لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافقُ اليهودي إلى حكامهم لأنه علم أنهم يأخذونها فأنزل اللَّه هذه الآيات إلى قوله: (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) اهـ.
وهذا اختيار مجاهد أيضًا كما رواه ابن أبي حاتم عنه.
ولا يخفى أن الشعبي ومجاهداً من كبار التابعين وقد صحبا صحابيين كبيرين فالأول قد صحب ابن مسعود في الكوفة والثاني قد صحب ابن عبَّاسٍ في مكة ولا شك أن هذه القرينة توجب لقولهما أصلاً، كيف لا وقد عرفت منزلة هذين الصحابيين في تفسير القرآن، وسموهما فيه.
فإن قيل: فلماذا حسب الزبير ﵁ أن الآية نزلت فيه؟
فالجواب ما ذكره ابن عاشور في قوله: (الظاهر عندي أن الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة المنافق فظنها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري) اهـ.
* النتيجة:
أن الآية لم تنزل بسبب قصة الزبير مع الأنصاري لأن الزبير لم يكن يجزم بذلك وإذا كان صاحب القصة مترددا فغيره أولى بالتردد، ولأن السياق القرآني يدور حول تحاكم المنافقين إلى الطاغوت، واعتبار السياق أولى لبعده عن الاحتمال. والله أعلم.
следующие страницы →