Полный текст (1 008 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
محمد بن أبي بكر، وكذلك كتب إلى عماله في أمهات المدن الإسلامية بجمع الحديث، وممن كتب إليه بذلك محمد بن شهاب الزهري ومن هذا الوقت أقبل العلماء على كتابة السنن وتدوينها، وشاع ذلك في الطبقة التي تلي طبقة الزهري، فكتب ابن جريج بمكة (١٥٠)، وابن إسحاق (١٥١) ومالك (١٧٩) بالمدينة، والربيع بن صبيح (١٦٠)، وسعيد بن أبي عروبة (١٥٦). وحماد بن سلمة (١٧٦) بالبصرة، وسفيان الثوري (١٦١) بالكوفة والأوزاعي (١٥٦) بالشام، وهشيم (١٨٨) بواسط، ومعمر (١٥٣) باليمن وجرير بن عبد الحميد (١٨٨)، وابن المبارك (١٨١) بخراسان.
وكان معظم هذه المصنفات والمجاميع يضم الحديث الشريف وفتاوى الصحابة والتابعين كما يتجلى لنا هذا في موطأ الامام مالك بن أنس.
رابعا: عهد تصنيف العلوم:
بعد المرحلة السابقة رأى بعضهم أن تفرد أحاديث النبي ﷺ في مؤلفات خاصة، فأُلفت المسانيد، وهي كتب تضم أحاديث رسول الله ﷺ بأسانيدها خالية من فتاوى الصحابة والتابعين تجمع فيها أحاديث كل صحابي، ولو كانت في مواضيع مختلفة تحت اسم مسند فلان ومسند فلان وهكذا، وأول من ألف المسانيد أبو داود سليمان بن داود الطيالسي (٢٠٤ هـ)، كما يعتبر مسند الإمام أحمد بن حنبل - وهو من أتباع أتباع التابعين أوفى تلك المسانيد وأوسعها -.
جمع هؤلاء الأئمة الحديث ودونوه بأسانيده، وذكروا طرقاً كثيرة لكل حديث يتمكن بها جهابذة هذا العلم، وصيارفته من معرفة الصحيح من الضعيف والقوي من المعلول.
ثم رأى بعض الأئمة أن يصنفوا في الحديث الصحيح فقط، وكان أول من صنف ذلك الإمام البخاري (٢٥٦ هـ) ثم الإمام مسلم (٢٦١ هـ).
ثم ظهرت الكتب الأربعة مرتبةً على الأبواب كسنن أبي داود السجستاني
стр. 37
(٢٧٥ هـ) وأبي عيسى الترمذي (٢٦٧ هـ)، والنَّسَائِي (٣٥٣ هـ) وابن ماجه (٢٧٣ هـ).
وكانت أسباب النزول القرآني مبثوثة في بطون هذه المؤلفات الضخمة حتى جاءت المرحلة اللاحقة وهي:
خامساً: مرحلة إفراد أسباب النزول بالتأليف:
وسأذكر المؤلفات التي أفردت أسباب النزول بشكل مستقل حسب الوفاة وهي على النحو التالي:
١ - (تفصيل لأسباب التنزيل) عن ميمون بن مهران ت (١١٧ هـ) مخطوط.
٢ - (أسباب النزول) لعلي بن المديني ت (٢٣٤ هـ).
٣ - (القصص والأسباب التي نزل من أجلها القرآن) للمحدث القاضي عبد الرحمن بن محمد بن عيسى بن فطيس ت (٤٠٢ هـ) في نحو مائة جزء ونيف.
٤ - (أسباب النزول) لأبي الحسن علي بن أحمد الواحدي ت (٤٦٨ هـ).
٥ - (أسباب النزول والقصص الفرقانية) لأبي المظفر محمد بن أسعد العراقي الحنفي الحكيمي ت (٥٦٧ هـ) وهو كتاب يخلو من الأسانيد تماماً.
٦ - (الأسباب والنزول على مذهب آل الرسول) لأبي جعفر محمد بن علي بن شهر آشوب الطبري الشيعي ت (٥٨٨ هـ).
٧ - (أسباب النزول) لأبي الفرج ابن الجوزي ت (٥٩٧ هـ).
٨ - (أسباب نزول الآي) للأرتقي ت (٦١٩ هـ). وهو مختصر كتاب الواحدي.
٩ - (عجائب النقول في أسباب النزول) لأبي إسحاق إبراهيم بن عمر
стр. 38
الجعبري ت (٧٣٢ هـ) ذكر السيوطي أنه اختصره من كتاب الواحدي، فحذف أسانيده ولم يزد عليه شيئاً.
١٠ - (سبب النزول في تبليغ الرسول) لابن الفصيح: فخر الدين أحمد بن علي بن أحمد الكوفي ت (٧٥٥ هـ).
١١ - (رسالة في أسباب النزول) لعلي بن شهاب الدين حسن بن محمد الهمذاني ت (٧٨٦ هـ).
١٢ - (العجاب في بيان الأسباب) للحافظ ابن حجر العسقلاني ت (٨٥٢ هـ).
١٣ - (مدد الرحمن في أسباب نزول القرآن) للقاضي زين الدين عبد الرحمن بن علي بن إسحاق التميمي الداري الخليلي المقدسي الشافعي ت (٨٧٦ هـ).
١٤ - الباب النقول في أسباب النزول) للحافظ جلال الدين السيوطي ت (٩١١ هـ).
١٥ - (إرشاد الرحمن لأسباب النزول والنسخ المتشابه وتجويد القرآن) لعطية اللَّه بن عطية البرهاني الشافعي الأجهوري ت (١١٩٠ هـ).
١٦ - (أسباب التنزيل) لأحمد بن علي بن أحمد بن محمود الحنفي (مجهول الوفاة).
١٧ - (أسباب النزول) لعبد الجليل النقشبندي.
أما الكتب الحديثة التي تناولت أسباب النزول فمنها:
أ - (أسباب النزول عن الصحابة والمفسرين) تأليف عبد الفتاح القاضي.
ب - (الصحيح المسند من أسباب النزول) للشيخ مقبل الوادعي.
جـ - (أسباب النزول القرآني) للدكتور غازي عناية.
د - (أسباب نزول القرآن) للدكتور حماد عبد الخالق حلوة.
стр. 39
هـ (أسباب النزول وأثرها في بيان النصوص) للدكتور عماد الدين محمد الرشيد.
و (تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول) الجامع بين روايات الطبري والنيسابوري وابن الجوزي، والقرطبي وابن كثير والسيوطي، تصنيف الشيخ خالد عبد الرحمن العك.
ز - (أسباب النزول وأثرها في التفسير) رسالة جامعية لم تطبع بعد للدكتور عصام الحميدان.
ح - (أسباب النزول) للدكتور الشيخ جمعة سهل. رسالة جامعية لم تطبع بعد.
أما المؤلفات التي تناولت أسباب النزول ضمن موضوعات عديدة فمنها:
أ - (البرهان في علوم القرآن) للإمام بدر الدين محمد بن عبد اللَّه الزركشي ت (٧٩٤ هـ).
ب - (الإتقان في علوم القرآن) تأليف جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي.
جـ (مناهل العرفان في علوم القرآن) للشيخ محمد بن عبد العظيم الزرقاني.
د - (المدخل لدراسة القرآن الكريم) للشيخ الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة.
هـ - (مباحث في علوم القرآن) للدكتور مناع بن خليل القطان.
و (مباحث في علوم القرآن) للدكتور صبحي الصالح.
стр. 40
ز - (دراسات في علوم القرآن الكريم) للدكتور فهد بن عبد الرحمن الرومي.
وبهذا نصل إلى آخر العتبات التاريخية التي انتهى إليها علم أسباب النزول في نشأته وتطوره، على أن كل مرحلتين متتاليتين بينهما قدر من التداخل والمخالطة.
* * *
стр. 41
المبحث الرابع
مصادر أسباب النزول
وأعني بها المؤلفات التي روت أسباب النزول، سواءٌ أكانت مرويةً بأسانيدها كما في أكثر المؤلفات أم بغير أسانيد كما في بعضها الآخر، وتعتبر مرجعا رئيسًا في أسباب النزول.
وهذه المؤلفات يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مصادر رئيسة:
الأول: كتب السنة.
الثاني: كتب التفسير.
الثالث: كتب أسباب النزول، وإليك التعريف بأبرزها:
* المصدر الأول: كتب السنة:
١ - الموطأ للإمام مالك .
المؤلف: إمام دار الهجرة، مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الحِمْيري الأصبحي، أبو عبد اللَّه، ولد سنة ثلاث وتسعين، وطلب العلم وهو حدث فأخذ عن خلق كثير، وتأهل للفتيا، وجلس للإفادة، وله إحدى وعشرون سنة، وكانت وفاته ﵀ سنة تسع وسبعين ومائة، وله من العمر ست وثمانون سنة.
стр. 42
الكتاب: الموطأ.
هذا الكتاب ألفه مالك في الحديث على طريقة الأبواب، ولم يلتزم قصره على الأحاديث المرفوعة إلى رسول اللَّه ﷺ بل أضاف إليه أقوال الصحابة، وفتاوى التابعين.
وحين البداءة بالموضوع يقدم حديث رسول الله ﷺ ثم ما ورد من أقوال الصحابة، ثم ما ورد من فتاوى التابعين، وغالبًا يكونون من أهل المدينة، وأحيانًا يذكر ما عليه العمل أو الأمر المجمع عليه بالمدينة وقد يذكر بعض آرائه الفقهية، ومع هذا فصبغة الكتاب حديثية لا فقهية كما أنه ﵀ لم يتقيد بالمسند المتصل، بل ذكر فيه حتى المرسل والمنقطع والبلاغات، وهي ما يقول فيها مالك: بلغني أو نحوه من غير أن يعين من روى عنه.
وقد روي أن عبد العزيز بن عبد اللَّه الماجشون سبق مالكًا فعمل كتابًا ذكر فيه ما اجتمع عليه أهل المدينة وأنه عمل ذلك كلامًا وآراء بغير حديث، فلما رآه مالك نظر فيه وقال: ما أحسن ما عمل، ولو كنت أنا الذي عملت لابتدأت بالآثار، ثم شددت ذلك بالكلام، ويظهر أن هذا هو الذي قوّى عزمه على إخراج كتابه كما أراد.
وقد اختلف في سبب تسميته (الموطأ) فقيل: إن مالكاً قال: عرضت كتابي هذا على سبعين فقيهًا من فقهاء المدينة، فكلهم واطأني عليه فسميته الموطأ.
وقيل: لأنه بصنيعه هذا قد وطأ العلم والحديث ويسرهما للناس.
وقد روي الموطأ بروايات مختلفة تختلف في ترتيب الأبواب، وفي عدد الأحاديث، وقد ذكر القاضي عياض أن الذي اشتهر من نسخ الموطأ نحو عشرين نسخة، وذكر بعضهم أنها ثلاثون.
والذي يظهر أن سبب الاختلاف يرجع إلى أن الإمام مالكًا كان دائم التهذيب والتنقيح لموطئه وحذف بعض الأحاديث، والذين سمعوا الموطأ سمعوه في أزمان مختلفة، فكان من ذلك الاختلاف في النسخ.
وقد اختلف في عدد أحاديث الموطأ نتيجة لاختلاف النسخ.
أما درجة أحاديثه فمن أهل العلم من قدمه على الصحيحين كأبي بكر بن
стр. 43
العربي ومنهم من جعله في مرتبة دون الصحيحين كابن الصلاح في مقدمته، وقال به ابن حزم وبعض المتأخرين يسوي بين موطأ مالك والصحيحين في الصحة.
وقد اختصر الموطأ: الإمام الخطابي حمْد بن محمد البستي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ. وأبو الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ، وابن رشيق القيرواني المتوفى سنة ٤٥٦ هـ.
أما شروحه فكثيرة أجلها وأوسعها "التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" لأبي عمر يوسف بن عبد البر النمري المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
وقد شرحه أيضا أبو محمد عبد اللَّه بن محمد النحوي البطليوسي المتوفى سنة ٥٢١ هـ.
وكذا القاضي اابو بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٦ هـ، وسماه (القبس).
وممن شرحه الجلال السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وسمى شرحه (كشف المغطا في شرح الموطأ).
وكذا شرحه ولي اللَّه الدهلوي أحمد بن عبد الرحيم المتوفى سنة ١١٧٦ هـ، وسماه (المصفّى).
أما أسباب النزول في الموطأ فهي قليلة، والموجود منها متفرق في أجزاء الكتاب.
٢ - مسند الإمام أحمد بن حنبل .
المؤلف: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الذهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، ولد في ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وطلب الحديث وهو ابن خمس عشرة سنة، عدة شيوخه الذين روى عنهم في المسند مائتان وثمانون ونيف، امتحن في فتنة القول بخلق القرآن، وعُذب على ذلك، فصبر ولم يجبهم، كانت وفاته ﵀ في ربيع
стр. 44
الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين.
الكتاب: المسند.
المسند في اصطلاح المحدثين هو الكتاب الذي جمعت فيه أحاديث كل صحابي على حدة من غير نظر إلى وحدة الموضوع، فحديث صلاة بجانب حديث زكاة وهكذا، فإذا فرغ من حديث الصحابي أخذ في حديث غيره حتى يتم الكتاب.
وقد اختلف أصحاب هذه الطريقة في ترتيب الصحابة، فمنهم من يرتبهم على حسب الفضل بأن يبدأ بالعشرة المبشرين بالجنة ثم بمن بعدهم كما فعل الإمام أحمد، ومنهم من يرتبهم على حروف المعجم كما فعل الطبراني في المعجم الكبير ومنهم من يرتبهم حسب القبائل.
وقد انتقى الإمام مسنده من ألوف الأحاديث التي كان يحفظها ويرويها وقد قال أبو موسى المديني: (هذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتقى من حديث كثير ومسموعات وافرة فجعله إماماً، ومعتمداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً، ثم روى بسنده عن حنبل بن إسحاق قال: جمعنا عمي أنا وصالح وعبد الله، وقرأ علينا المسند، وما سمعه منه تاماً غيرنا، وقال لنا: إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول اللَّه ﷺ فارجعوا إليه، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة).
أما عدد أحاديثه فما بين ثلاثين وأربعين ألفاً، ومن هذه الألوف ما يزيد على ثلاثمائة حديث ثلاثية الإسناد أي بين الرسول فيها والإمام ثلاثة رواة.
وقد زاد على المسند عبد الله بن الإمام، وتلميذه أبو بكر القطيعي لكنهما لم يلتزما فيما زاداه ما التزمه الإمام من شدة التحري والتثبت، فمن ثمَّ وجد في المسند أحاديث ضعيفة.
стр. 45
أما درجة أحاديثه ففيه الصحيح، والحسن والضعيف، والمنكر، بل والموضوع على ندرة جدا، كأحاديث فضائل مرو، وعسقلان، والبرث الأحمر عند حمص كما نبه عليه طائفة من الحفاظ.
وسبب وجود الموضوعات في المسند يعود إلى أمور:
الأول: أن الإمام أحمد كان ينوي تهذيب الكتاب وتنقيحه، لكن حلت به المنية قبل حصول الأُمنية.
الثاني: التساهل في رواية الفضائل فقد روي عنه قوله: (نحن إذا روينا في الحلال والحرام شددنا، وإذا روينا في الفضائل تساهلنا) ولا يعني هذا إخراج الموضوعات لكن النظر يختلف في تحديد الموضوع من الضعيف عند العلماء.
الثالث: ما زاده ابنه عبد اللَّه، وأبو بكر القطيعي وفي تلك الزيادات أحاديث كثيرة موضوعة.
وقد اختصره زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي وسمى مختصره: (در المنتقد من مسند الإمام أحمد) وكذا اختصره سراج الدين عمر بن علي المعروف بابن الملقن الشافعي، المتوفى سنة ٨٠٤ هـ.
أما ترتيبه: فقد قام به أبو بكر محمد بن المحب الصامت فرتبه على معجم الصحابة ورتب الرواة كذلك كترتيب كتب الأطراف، ثم أضاف ابن كثير لهذا الترتيب أحاديث الكتب الستة، ومعجم الطبراني الكبير، ومسند البزار، ومسند أبي يعلى الموصلي إلا مسند أبي هريرة فإنه مات قبل إكماله.
قال ابن الجزري: (وقد بلغني أن بعض فضلاء الحنابلة بدمشق رتبه على ترتيب صحيح البخاري وهو الشيخ أبو الحسن علي بن زكنون الحنبلي).
وقد قيض الله لترتيب المسند في القرن الهجري الأخير أحمد بن عبد الرحمن البنا الشهير بالساعاتي وقد قسمه سبعة أقسام وفق الترتيب التالي: -
١ - التوحيد وأصول الدين. ٢ - الفقه. ٣ - التفسير. ٤ - الترغيب.
стр. 46
٥ - الترهيب. ٦ - التاريخ ويدخل فيه السير والمناقب. ٧ - القيامة وأحوال الآخرة وكل قسم من هذه الأقسام السبعة يشتمل على جملة كتب، وكل كتاب يندرج تحته جملة أبواب، وبعض الأبواب يندرج فيه جملة فصول. وسمى ترتيبه هذا (الفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني).
أما شروحه: فقد شرحه شرحًا وجيزًا أبو الحسن بن عبد الهادي السندي المتوفى سنة ١١٣٨ هـ. كتعليقاته على كتب الحديث الستة.
وكذلك الشيخ أحمد بن عبد الرحمن البنا الساعاتي وهو شرح وجيز على كتابه الجليل (الفتح الرباني) سماه (بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني).
أما أسباب النزول في المسند فهي كثيرة لكنها مفرقة في نواحيه لأنه مرتب على المسانيد.
٣ - المسند الجامع للدارمي .
المؤلف: هو عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام بن عبد اللَّه أبو محمد التميمي ثم الدارمي السمرقندي. طوّف أبو محمد الأقاليم، وصنف التصانيف، يضرب به المثل في الديانة، والحلم، والرزانة، والاجتهاد والعبادة، كانت وفاته سنة خمس وخمسين ومائتين يوم التروية بعد العصر، ودُفن يوم عرفة يوم الجمعة وهو ابن خمس وسبعين سنة - رحمه اللَّه تعالى -.
الكتاب: المسند الجامع.
اعتنى الدارمي في كتابه بإخراج حديث رسول اللَّه ﷺ وآثار الصحابة والتابعين ومن بعدهم من الأئمة أهل العلم في الفقه والزهد ومسائل الفروع وبيان اختلافهم وأدلة مذاهبهم، ولم يقتصر على ما صح عن رسول الله ﷺ -
стр. 47
سندًا ومتنًا، لكنه أخرج في المقدمة شيئًا مرفوعًا إلى النبي ﷺ ليس من وجه صحيح.
وبكل حال فإن غالب ما في الأصول أحاديث صحيحة أو حسنة، والأحاديث الضعيفة غالباً ما تكون في الفضائل والترغيب والترهيب، وربما يوردها في الشواهد والمتابعات.
كما أن المصنف إذا أورد الحديث علق عليه بفائدة فقهية، أو بيان مذهبه، أو قول الأئمة فيه، أو يعدل أو يجرح أحد رواته، أو يذكر اختلاف الحفاظ في إسناده باتصال أو انقطاع.
ومن الملاحظ أيضا أنه رتب كتابه على أبواب الفقه، لكن جعل له مقدمة ضمنها خمسة عشر باباً في فضائل النبي ﷺ ومعجزاته، ثم أتبع تلك المقدمة بأبواب العلم ذكر فيها ستة وخمسين بابًا ... وهكذا.
وله في كتابه أربعة عشر حديثاً ثلاثيًا إلى رسول الله ﷺ .
أما أسباب النزول في هذا المسند فليست كثيرة كما أنها مفرقة في نواحي الكتاب.
٤ - صحيح البخاري .
المؤلف: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدزَبة وهي لفظة بخارية معناها الزراع، ولد أبو عبد اللَّه في شوال سنة أربع وتسعين ومائة، روى عن ألف وثمانين شيخًا، وكانت وفاته - رحمه اللَّه تعالى - سنة ست وخمسين ومائتين.
الكتاب: الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول اللَّه ﷺ وسننه وأيامه.
جمع الإمام الحافظ البخاري كتابه في الأحاديث الصحيحة عن
стр. 48
رسول اللَّه ﷺ بعد أن كان الأئمة يجمعون في مؤلفاتهم بين الصحيح والحسن والضعيف وكان الحامل له على هذا العمل قوله: كنت عند إسحاق بن راهويه فقال: لو جمعتم مختصراً لصحيح سنة رسول اللَّه ﷺ قال: فوقع في قلبي فأخذت في جمع الجامع الصحيح.
وقد مكث في تأليفه ست عشرة سنة، وانتقاه من ستمائة ألف حديث.
ولئن كان الكتاب حديثياً فإنه مع هذا لم يخل من الفوائد الفقهية، فاستخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة فرقها في أبواب كتابه، ففقهه يتجلى في تراجمه، ولذلك قيل: (فقه البخاري في تراجمه). وقد قسم البخاري كتابه إلى كتب والكتب إلى أبواب، فعدة كتبه (٩٧) كتاباً وعدة أبوابه (٣٤٥٠) باباً.
ومما ينبغي أن يعلم أن النسخ كما اختلفت في تقديم بعض الكتب والأبواب على بعض اختلفت في اعتبار بعض الكتب أبواباً وبعض الأبواب كتباً كما يعلم ذلك من مراجعة متن البخاري المطبوع وكتب الشروح، كما أنه يقع في كثير من أبوابه أحاديث كثيرة، وفي بعضها حديث واحد، وفي بعضها آية، وبعضها لا شيء فيه ألبتة، وقد ادعى بعضهم أنه صنع ذلك عمداً، وغرضه أن يبين أنه لم يصح عنده حديث بشرطه في المعنى الذي ترجم عليه.
وقد جرى البخاري في صحيحه على تكراره لبعض الأحاديث، وتقطيعه لها، واختصارها في الأبواب المختلفة.
فأما تكراره فلمعانٍ وفوائد متعددة منها:
١ - أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر ليخرج الحديث عن حد الغرابة.
٢ - تكثير الطرق بأن يورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى فيزداد الحديث صحة وقوة.
٣ - إزالة الشبهة عن ناقليها وذلك في الأحاديث التي يرويها بعض الرواة تامة وبعضهم مختصرة.
ومنها: أحاديث تعارض فيها الوصل والإرسال، ورجح عنده الوصل فاعتمده وأورد المرسل لينبه على عدم تأثيره.
ومنها: أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك.
стр. 49
ومنها: أنه ربما أورد حديثًا عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحًا فيها بالسماع، وأما تقطيعه للحديث فللأسباب التالية:
١ - لأنه إن كان المتن قصيرًا أو مرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا فإنه يعيده بحسب ذلك.
٢ - إن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى يخرج كل جملة في باب مستقل فرارًا من التطويل وربما نشط فساقه بتمامه.
وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصحابي فيقتصر بالنقل على قول صاحب الشرع لأنه موضوع كتابه.
أما المعلقات في صحيحه فمنها ما هو مرفوع ومنها ما هو موقوف، ومنها ما هو بصيغة الجزم كقال وروى، ومنها ما هو بصيغة التمريض كقيل ورُوي.
أما ثلاثيات البخاري فعدتها اثنان وعشرون حديثًا.
أما عدد أحاديثه الموصولة بلا تكرير (٢٦٠٢) حديثًا، وبالمكرر (٧٣٩٧).
أما شروحه فكثيرة أبرزها:
١ - أعلام الحديث لأبي سليمان الخطابي المتوفى (٣٨٨ هـ).
٢ - الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري لشمس الدين الكرماني المتوفى (٧٨٦ هـ).
٣ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري للحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى (٨٥٢ هـ) وهو أجمل الشروح مطلقًا.
٤ - عمدة القاري لبدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥ هـ.
٥ - إرشاد الساري إلى صحيح البخاري لشهاب الدين القسطلاني المتوفى (٩٢٢ هـ).
стр. 50
أما أسباب النزول في هذا الكتاب فهي كثيرة وليس لها كتاب يحويها وإنما هي مفرقة بحسب ما يناسبها من الأبواب.
٥ - صحيح مسلم .
المؤلف: هو الإمام الكبير الحافظ المجود أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم بن ورد بن كوشاذ القشيري النيسابوري ولد سنة أربع ومائتين، وقد روى عن شيوخ كثر، وكانت وفاته ﵀ سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور عن بضع وخمسين سنة.
الكتاب: المسند الصحيح.
هو أحد الكتابين اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب اللَّه ، وقد بالغ مسلم في البحث والتحري عن الرجال وتمحيص المرويات وليس أدل على هذا من انتقائه لكتابه من ألوف الروايات المسموعة، روي عنه أنه قال: (صنفت هذا الحديث من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة)، وقد مكث مع بعض تلاميذه خمس عشرة سنة يكتبون ويحررون حتى أتم تأليفه.
ومن خصائص هذا الصحيح أن مؤلفه سلك فيه طريقة حسنة حيث يجمع المتون كلها بطرقها في موضع ولا يفرقها، إلا أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة، أو إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك فلا بد من إعادة الحديث.
ومن هذه الخصائص التدقيق في الألفاظ والمحافظة عليها ما وسعه الأمر، حتى إذا خالف راو غيره في لفظة والمعنى واحد بيّنه، وكذا إذا قال راو حدثنا، وقال آخر أخبرنا بيّن الخلاف في ذلك، وكذا إذا تغايرت الألفاظ يقول: (واللفظ لفلان) أما التحويل: فإنه سلك مسلك الإيجاز في كتابه بالجمع بين المتفق عليه من رجال الأسانيد وذكر غير المتفق عليه من الرجال وهو ما يعرف بالتحويل وقد أكثر مسلم من هذه الطريقة ورمز إلى ذلك بحرف (ح).
стр. 51
ومن خصائصه أن لا يذكر في كتابه إلا الأحاديث المسندة المرفوعة، فلذلك لم يذكر مع الأحاديث المرفوعة أقوال الصحابة والتابعين.
أما التعاليق: فلم يكثر في كتابه من التعليق فليس فيه منها إلا اثنا عشر موضعاً وهي في المتابعات لا في الأصول، ثم هي موصولة من جهات صحيحة في نفس الكتاب. ومن تحريه وورعه أيضاً أنه إذا ذُكر بعض الرواة باسمه من غير نسبته أو بكنيته فإنه يبين نسبته بما يدل على أنه منه.
ولصحيح مسلم مقدمة قيمة عرض فيها لتقسيم الأخبار، وما يخرجه في صحيحه منها وأحوال الرواة، والكشف عن معايبهم، وبيان حرمة الكذب على رسول اللَّه ﷺ ، والحث على التثبت في الرواية، وبيان أن الإسناد من الدين إلى غير ذلك.
أما تراجم الكتاب: فينبغي أن يعلم أن مسلماً لم يضع لكتابه تراجم للأبواب وإنما جمع الأحاديث المتعلقة بموضوع واحد في مكان واحد، وأحسن من ترجم لهذه الإمام النووي.
أما عدد أحاديثه فيقال إنها أربعة آلاف حديث أصول دون المكررات.
أما شروحه: فمنها (المعلم بفوائد كتاب مسلم) لأبي عبد اللَّه محمد بن علي المازري المتوفى سنة ٥٣٦ هـ.
ومنها: إكمال المعلم في شرح صحيح مسلم للقاضي عياض بن موسى اليحصبي المالكي المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.
ومنها: المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج لأبي زكريا النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ.
ومنها: شرح أبي الفرج عيسى بن مسعود الزواوي المتوفى سنة ٧٤٤ هـ.
أما مختصراته: فمنها:
١ - مختصر الشيخ أبي عبد اللَّه شرف الدين محمد بن عبد الله المرسي المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
٢ - مختصر الشيخ الإمام أحمد بن عمر القرطبي، وله شرح على هذا المختصر سماه المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم.
стр. 52
٣ - مختصر الإمام عبد العظيم بن عبد القوي المنذري. المتوفى سنة ٦٥٦ هـ.
وأما أسباب النزول في هذا الكتاب، فليست مجموعة وإِنَّمَا مفرقة وفق اختلاف الكتب التي تنتمى إليها.
٦ - سنن أبي داود:
المؤلف: سليمان بن الأشعث بن شداد بن عمرو بن عامر الإمام شيخ السنة مقدم الحفاظ أبو داود الأزدي السجستاني محدث البصرة، ولد سنة اثنتين ومائتين، ورحل، وجمع، وصنف وبرع في هذا الشأن، كانت وفاته ﵀ سنة خمس وسبعين ومائتين.
الكتاب: سنن أبي داود.
كانت المؤلفات في الحديث - الجوامع والمسانيد ونحوها - يذكر فيها إلى جانب الأحكام أحاديث الفضائل والقصص والمواعظ والآداب حتى جاء أبو داود فجعل كتابه خاصًا بالسنن والأحكام مع الاستيفاء والاستقصاء.
- ولم يلتزم فيه مؤلفه تخريج الصحيح فحسب بل حتى الحسن لذاته ولغيره والضعيف المحتمل، وما لم يجمع الأئمة على تركه، وأما ما فيه وهن شديد فقد بينه ونبه عليه.
وقد بيّن أبو داود طريقته في سننه وبيان درجة أحاديثها في رسالته التي كتبها إلى أهل مكة جوابًا لهم.
قال ابن القيم عن كتابه: (إنه جمع شمل أحاديث الأحكام، ورتبها أحسن ترتيب، ونظمها أحسن نظام، مع انتقائها أحسن انتقاء، وإطراحه منها أحاديث المجروحين والضعفاء).
стр. 53
أما عدة أحاديثه فأربعة آلاف وثمان مائة حديث قسمها إلى كتب، والكتب إلى أبواب وعدة الكتب خمسة وثلاثون كتابًا منها ثلاثة كتب لم يبوب فيها أبوابًا، وعدة الأبواب واحد وسبعون وثمان مائة وألف، على أن هذا يختلف باختلاف النسخ.
أما شروحه: فمنها.
١ - معالم السنن لأبي سليمان الخطابي المتوفى سنة ٣٨٨ هـ.
٢ - شرح سراج الدين ابن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ فقد شرح زوائده على الصحيحين في مجلدين.
٣ - شرح قطب الدين اليمني الشافعي المتوفى سنة ٦٥٢ هـ في أربعة مجلدات كبار. وغيرها.
أما أسباب النزول هنا فهي مفرقة وفق مناسبات الكتب والأبواب.
٧ - سنن الترمذي:
المؤلف: هو محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن الضحاك الحافظ العلم البارع ابن عيسى السلمي الترمذي ولد في حدود سنة عشر ومائتين، وارتحل فسمع بخراسان والعراق والحرمين، وقد أضر في كبره بعد رحلته وكتابته العلم، وكانت وفاته ﵀ سنة تسع وسبعين ومائتين بترمذ.
الكتاب: جامع الترمذي.
كتاب الترمذي كبقية كتب السنن لم يلتزم فيه مؤلفه تخريج الصحيح وحده، لكنه يبين عن علته إذا كان معلولاً.
وقد التزم أن لا يخرج في كتابه إلا حديثاً عمل به فقيه أو احتج به محتج، وهذا شرط واسع، وكان من طريقته ﵀ أن يترجم الباب الذي فيه حديث مشهور عن صحابي قد صح الطريق إليه، وأخرج من حديثه في الكتب
стр. 54
الصحاح، فيورد في الباب ذلك الحكم من حديث صحابي آخر لم يخرجوه من حديثه، ولا تكون الطرق إليه كالطريق الأول وإن كان الحكم صحيحاً ثم يتبعه بأن يقول: (وفي الباب عن فلان وفلان) ويعد جماعةً فيهم ذلك الصحابي المشهور وأكثر، وقلما يسلك هذه الطريقة إلا في أبواب معدودة.
قال الذهبي عنه: (إنه يترخص في قبول الأحاديث ولا يشدد، ونَفَسُه في التضعيف رخْوٌ).
وكتاب الترمذي يتميز بأمور:
الأول: من جهة حسن الترتيب وعدم التكرار.
الثاني: من جهة ذكر مذاهب الفقهاء ووجوه الاستدلال لكل أحد من أهل المذاهب.
الثالث: من جهة بيان أنواع الحديث من الصحيح والحسن والضعيف والغريب والمعلل.
الرابع: من جهة بيان أسماء الرواة وألقابهم وكناهم ونحوها من الفوائد، وفي آخره كتاب العلل، وفيه من الفوائد الحسنة ما لا يخفى على الفطن.
وللترمذي ثلاثي واحد بينه وبين رسول اللَّه ﷺ ثلاثة رواة.
أما شروحه فمنها:
عارضة الأحوذي على الترمذي لأبي بكر بن العربي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ.
ومنها شرح أبي الفتح محمد بن سيد الناس اليعمري الشافعي المتوفى سنة ٧٣٤ هـ.
بلغ فيه نحو ثلثي الجامع ولم يتم، ثم كمله الحافظ زبن الدين العراقى المتوفى سنة ٨٠٦ هـ.
ومنها: شرح الحافظ زين الدين عبد الرحمن بن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ وغيرها كثير.
стр. 55
أمّا مختصراته:
فمنها مختصر الجامع لنجم الدين محمد بن عقيل الميالسي المتوفى سنة ٧٢٩ هـ.
ومنها: مختصر الجامع لنجم الدين سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي المتوفى سنة ٧١٠ هـ.
أما أسباب النزول هنا فهي مفرقة، وعدد لا بأس به منها موجود في أبواب تفسير القرآن.
٨ - سنن النَّسَائِي .
المؤلف: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر الخراساني النَّسَائِي أبو عبد الرحمن الإمام الحافظ الثبت، ناقد الحديث، ولد بنَسَا في سنة خمس عشرة ومائتين، وطلب العلم في صغره، وكان من بحور العلم مع الفهم والإتقان ونقد الرجال، وحسن التأليف، وكانت وفاته ﵀ سنة ثلاث وثلاثمائة.
الكتاب: المجتبى من السنن.
ألف النَّسَائِي كتابه (المجتبى) مقتصرًا فيه على الصحيح، وذلك بعد أن أهدى كتابه (السنن الكبرى) إلى أمير الرملة، فسأله: هل كل ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيح والحسن وما يقاربها، فقال له: ميز لي الصحيح من غيره، فصنف كتابه السنن الصغرى وسماه المجتبى من السنن، وكتاب السنن مرتب على الأبواب الفقهية كبقية كتب السنن.
وكان النَّسَائِي متشددًا في نقد الرجال، مبالغًا في التحري، فمن ثم قال العلماء إن درجة السنن الصغرى بعد الصحيحين لأنها أقل السنن بعدهما ضعيفا، وليس بقليل من يفضل المجتبى على سنن أبي داود.
стр. 56
وسنن النَّسَائِي (المجتبى) اشتمل على الصحيح والحسن والضعيف لكنه قليل بالنسبة إلى غيره.
وأما ما ذكره بعض أهل العلم من أن كل ما في السنن صحيح فتساهل صريح وقول غير دقيق ولذا قال ابن كثير: (فيه رجال مجهولون إما عيناً وإما حالاً، وفيهم المجروح، وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ومنكرة).
وهذه السنن الصغرى هي التي عدت من الأصول المعتمدة عند أهل الحديث ونقاده، وأما سننه الكبرى فكان من طريقته فيها أن يخرج عن كل من لم يجمع على تركه.
أما شروحه:
فمنها زهر الربى على المجتبى لجلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ، وهو إلى التعليق أقرب منه إلى الشرح.
ومنها: تعليق أبي الحسن السندي المتوفى ١١٣٨ هـ.
أما أسباب النزول عند النَّسَائِي ففي سننه الكبرى جمعها في كتاب التفسير، وفي المجتبى فرقها من نواحيه، ولم يضع فيه كتابًا للتفسير.
٩ - سنن ابن ماجه:
المؤلف: محمد بن يزيد ابن ماجة، أبو عبد اللَّه القزويني، حافظ قزوين في عصره، ولد سنة تسع ومائتين، ارتحل إلى العراقين، ومكة والشام ومصر والري لِكَتْبِ الحديث، وكانت وفاته ﵀ سنة ثلاث وسبعين ومائتين.
الكتاب: سنن ابن ماجه.
هذا الكتاب رابع كتب السنن المشهورة بالأربعة وقد رتبه مؤلفه على الكتب والأبواب، وقد ذكروا أن كتبه اثنان وثلاثون كتاباً، وجملة أبوابه ألف وخمسمائة باب، وجملة ما فيه أربعة آلاف حديث، وهي مرتبة ترتيباً فقهيًا، وقد بدأ كتابه بباب اتباع سنة رسول الله ﷺ .
стр. 57
وهذه السنن متخلفة عن باقي السنن في الرتبة لكثرة الأحاديث الضعيفة فيها حتى قال المزي: (إن كل ما انفرد به ابن ماجه عن الخمسة فهو ضعيف).
أما شروحه: فمنها الديباجة لكمال الدين الدميري المتوفى سنة ٨٠٨ هـ.
ومنها: ما تمس إليه الحاجة على سنن ابن ماجه لسراج الدين بن الملقن المتوفى سنة ٨٠٤ هـ.
أما أسباب النزول عند ابن ماجه فهي قليلة كما أنها مفرقة في نواحي الكتاب.
* المصدر الثاني: كتب التفسير:
لا ريب أن كتب التفسير عمومًا، والتي تعنى بالتفسير بالمأثور خصوصًا لها النصيب الأوفى في إيراد أسباب النزول عند تفسير الآيات، ولبعض هذه المؤلفات التصاق أكبر بأسباب النزول من غيرها، وسأتناول بالتعريف ما رأيت أنه أكثر احتواءً لها.
١ - جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري:
المؤلف: محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الإمام العلم، المجتهد، أبو جعفر الطبري صاحب التصانيف البديعة من أهل آمُل طبرستان، ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، وأكثر الترحال، ولقي نبلاء الرجال، وكان من أفراد الدهر علماً، وذكاءً، وكثرة تصانيف قل أن تر العيون مثله، وكانت وفاته ﵀ سنة عشر وثلاثمائة ببغداد.
الكتاب: جامع البيان عن تأويل آي القرآن.
стр. 58
هذا الكتاب من أقوم كتب التفسير وأشهرها، وعليه يُعول، وإليه يرجع فهو إمام كتب التفسير بلا منازع قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري، فإنه يذكر مقالات السلف بالأسانيد الثابتة، وليس فيه بدعة، ولا ينقل عن المتهمين كمقاتل بن بكير، والكلبي).
وقال عنه أيضاً: (وهو من أجل التفاسير وأعظمها قدرًا) اهـ.
وهذا التفسير وإن اشتُهر عنه أنه من كتب التفسير بالمأثور إلا أن مؤلفه لم يقتصر فيه على المأثور عن السلف بل كان له فيه صولة وجولة ورأي ونظر.
أما منهجه في تفسيره فإنه إذا أراد تفسير الآية يقول: القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا ثم يذكر أحد المعاني في تفسيرها ثم يستشهد على ذلك بما يرويه عن السلف في ذلك المعنى، فإن كان في الآية قولان فأكثر فإنه يعرض كل قول على حدة ثم يمضي في سرد الروايات عن السلف في ذلك المعنى مسندة فإن كان للآية سبب نزول بدا به قبل غيره، وفي ذلك يقول: (وأول ما نبدأ به من القول في ذلك الإبانة عن الأسباب التي البداية بها أولى، وتقديمها قبل ما عداها أحرى).
والطبري من المكثرين من أسباب النزول، فلا تكاد تمر آية وفيها سبب نزول إلا أورده مسندًا، وبأكثر من إسناد، معزوًا لمن قاله من الصحابة والتابعين ثم يتحول بعد ذلك إلى الترجيح والتعليل.
ومن منهج الطبري أنه يفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين وباللغة.
وله عناية فائقة في القراءات فيوردها، ويرجح بينها، وليس بغريب أن يكون كذلك لأنه من علماء القراءات المشهورين.
كما أنه يورد أقوال الفقهاء في آيات الأحكام، وينفرد أحيانًا ببعض الآراء مؤيدًا قوله بالدليل.
стр. 59
ومن منهجه مناقشة المسائل النحوية بعد إيرادها والأقوال فيها، وكثيرًا ما يورد الأعاريب في مواضع من الآيات ويستشهد لما يذهب إليه بالشعر الجاهلي والإسلامي، ولتفسير الطبري مزايا، وعليه مآخذ.
فمن مزاياه:
١ - الالتزام بأحسن طرق التفسير من تفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة وبأقوال الصحابة والتابعين، وتابعيهم.
٢ - جمع أقوال أعلام المفسرين من السلف والاحتفاظ بخلاصة تفاسير مأثورة سابقة، فقدت، وضاعت أصولها.
٣ - ذكر أسانيد الروايات المأثورة ولو تعددت طرقها، وهذا ضروري للحكم على هذه الأحاديث، ولو لم يذكر الأسانيد ما أمكن ذلك.
٤ - جمعه بين الأثر والنظر، والمنقول والمعقول.
٥ - ذكر أقوال المخالفين وأدلتهم، وهذا من الإنصاف والموضوعية.
٦ - ترجيح الراجح من الأقوال في تفسير الآية، وذكر أسباب الترجيح، وعدم ترك القارئ حيران في متاهات الاختلاف.
٧ - تقرير قواعد وأسس التفسير المنهجية، سواءً في بداية تفسيره أم في أثنائه.
أما المآخذ عليه فمنها:
١ - عدم نقد الروايات والطرق والأسانيد التي يوردها، وعدم الحكم عليها.
٢ - الخوض في (مبهمات القرآن) ومحاولة تفسيرها من الإسرائيليات التي لم تصح.
٣ - عدم إسناد القراءات إلى أصحابها من القراء المشهورين وعدم التمييز بين الصحيح والشاذ.
٤ - وجود الجمل الكثيرة المعترضة في الصياغة مما يكلف القارئ (في) إعادة الضمائر في الجمل، وربط الجمل بعضها ببعض.
стр. 60
٢ - تفسير ابن أبي حاتم:
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي الغطفاني من تميم بن حنظلة بن يربوع، وقيل عرف بالحنظلي لأن أباه كان يسكن في درب حنظلة بمدينة الري، العلامة الحافظ، يكنى أبا محمد، ولد سنة أربعين أو إحدى وأربعين ومائتين، كان بحرًا في العلوم، ومعرفة الرجال وكان زاهداً يعد من الأبدال، وكانت وفاته ﵀ سنة سبع وعشرين وثلاثمائة بالري، وله بضع وثمانون سنة.
الكتاب: تفسير القرآن العظيم مسنداً عن رسول الله ﷺ والصحابة والتابعين.
وكان الحامل للمؤلف على تأليف الكتاب أن جماعة من إخوانه سألوه أن يخرج تفسيراً للقرآن مختصراً بأصح الأسانيد، مع حذف الطرق، والشواهد، والحروف، والروايات، وتنزيل السور، وأن يخرج التفسير مجردًا، مع تقصي كل حرف من القرآن له تفسير.
فأجابهم إلى طلبهم، وتحرى إخراج ذلك بأصح الأخبار إسنادًا، وأشبهها متنًا، فإذا وجد التفسير عن رسول اللَّه ﷺ لم يذكر معه أحداً من الصحابة (ممن) أتى بمثل ذلك، وإذا وجده عن الصحابة، فإن كانوا متفقين ذكره عن أعلاهم درجة بأصح الأسانيد، وسمى موافقيهم بحذف الإسناد.
وإن كانوا مختلفين، ذكر اختلافهم، وذكر لكل واحد منهم إسناداً، وسمى موافقيهم بحذف الإسناد، فإن لم يجد عن الصحابة، ووجده عن التابعين، عمل فيه مثل ما عمل في الصحابة، وكذا الأمر في أتباع التابعين وأتباعهم.
وهذا الكتاب قد تميز بأمور:
١ - أنه جمع بين دفتيه تفسير الكتاب بالسنة وآثار الصحابة والتابعين بالإسناد.
٢ - أنه ذكر روايات كثيرة لا توجد عند غيره، وبأسانيده هو.
стр. 61
٣ - أنه حفظ لنا كثيرًا من التفاسير المفقودة مثل تفسير سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان وغيرهما.
٤ - أنه مصدر أصيل معتمد لدى جمهور علماء التفسير في كل العصور بعده، ولهذا نجد معظم التفاسير تنقل عنه كثيرًا من الآثار والروايات التي سردها.
أما أسباب النزول فهي كثيرة في تفسيره، فإن ذكر آية لها سبب ذكره ضمن الروايات فيها.
٣ - تفسير الثعلبي:
المؤلف: هو العلامة، أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، كان أحد أوعية العلم، كان صادقاً موثقًا، بصيرًا بالعربية، طويل الباع في الوعظ، وكانت وفاته ﵀ سنة سبع وعشرين وأربعمائة.
الكتاب: الكشف والبيان عن تفسير القرآن.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا التفسير: (فيه فوائد جليلة، وفيه غث كثير من المنقولات الباطلة وغيرها، والثعلبي فيه سلامة من البدع وإن ذكرها تقليدًا لغيره) اهـ.
وقد ذكر المؤلف الحامل له على التأليف وهو أنه لم يجد في كتب من سبقه كتاباً جامعًا مهذبًا يعتمد عليه، ثم ذكر ما كان من رغبة الناس إليه في إخراج كتاب في تفسير القرآن، فأجاب طلبهم رعاية لحقهم، وتقرباً إلى الله تعالى.
وقد بدأ تفسيره بمقدمة ألقى فيها الضوء عليه، وأبان عن منهجه وطريقته فيه، كما ذكر في أول كتابه أسانيده إلى من يروي عنهم التفسير من علماء السلف مكتفياً بذلك عن تكرارها في ثنايا الكتاب، كما ذكر أسانيده إلى
стр. 62
مصنفات أهل عصره، ومنها كتب الغريب، والمشكل، والقراءات، ثم ذكر بابًا في (فضل) القرآن وأهله، وبابًا في معنى التفسير والتأويل.
كما أن له عناية في اللغة وأصولها، وتصاريفها ويستشهد على قوله بشعر العرب، وكان يتوسع في الأحكام الفقهية، وخصوصًا مذهب الشافعي.
كما كان مولعاً بالأخبار والقصص ولهذا يتوسع في ذكر الإسرائيليات بدون تعقب أو تنبيه كما كان ينقل ما وجد في كتب التفسير حتى من الموضوعات، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والثعلبي هو في نفسه كان فيه خير ودين، وكان حاطب ليل ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع) اهـ.
وكان يذكر القراءات في الآية ويعتني بتوجيهها، والاستدلال لها.
أما أسباب النزول فكان يعتني بسردها، دون عزو أو إسناد كما أنه لا يتعقبها بالتعليق.
٤ - تفسير البغوي:
المؤلف: الإمام العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي المفسر، كان زاهداً قانعاً باليسير، وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها، كانت وفاته ﵀ في مرو الروذ من مدائن خراسان سنة ست عشرة وخمسمائة، وعاش بضعًا وسبعين سنة.
الكتاب: معالم التنزيل:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (تفسير البغوي مختصر من تفسير الثعلبي، وحذف منه الأحاديث الموضوعة، والبدع التي فيه وحذف أشياء غير ذلك) اهـ.
стр. 63
أما منهجه في كتابه فإنه يعتمد على تفسير القرآن بالقرآن، وبالسنة، وبأقوال الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
أما الأحاديث الموضوعة فقد نفاها من كتابه، وكذلك البدع التي ملأ الثعلبي بها كتابه.
أما أحاديث بني إسرائيل فقد اجتنب أكثرها لكنه مع ذلك روى بعضها، وهي في تفسيره أقل من غيره.
كما أن عنايته باللغة والنحو عناية يسيرة سريعة، وإن عرضها كان عرضه إياها موجزًا ومختصرًا.
أما القراءات فله حظ فيها، فكان يفصل فيها، ويبسطها، ويذكر الفرق بين القراءتين.
وكان يذكر المسائل الفقهية، ويعتني بها، ولعل ذلك يعود لكونه من فقهاء الشافعية.
وكان يبين في أوائل السور المكي والمدني، ويعتمد في ذلك على المأثور، وأحيانًا يرجح ويختار، وأحيانًا يدع الأمر مرسلاً بلا تحديد.
أما أسباب النزول فله بها عناية لاعتماده على المأثور في التفسير، مع ما للأسباب من أثر بيِّن في بيان المعنى، وهي كثيرة في تفسيره.
وبالجملة فكتاب البغوي يغلب عليه النقل، ويقل فيه الترجيح والنقد.
٥ - تفسير ابن كثير:
المؤلف: الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن زرع البصري ثم الدمشقي، الفقيه، الشافعي، ولد بقرية من أعمال بُصرى سنة سبعمائة، وقيل إحدى وسبعمائة، ثم انتقل إلى دمشق سنة ست وسبعمائة، برع في الفقه والتفسير والنحو، وأمعن النظر في الرجال والعلل، وكان كثير الاستحضار، قليل النسيان، جيد الفهم، وكانت وفاته ﵀ سنة أربع وسبعين وسبعمائة.
стр. 64
الكتاب: تفسير القرآن العظيم.
هذا الكتاب من أنفع كتب التفسير، وأكثرها شيوعًا، وهو يعد من كتب التفسير بالمأثور.
وقد كان مؤلفه يعتمد في تفسيره طريقة ابن جرير الطبري حيث يفسر القرآن بالقرآن، وبالسنة، وأقوال الصحابة والتابعين.
وكان له عناية بدراسة المسائل الفقهية لكن على نحو معتدل بعيدًا عن المبالغة والتقصير.
كما كان له عناية بالأحداث التاريخية التي تناولها القرآن بالحديث عنها، وهذا ليس بغريب إذا علمنا أن مؤلفه البداية والنهاية يعد من المراجع التاريخية، أما الإسرائيليات فقد كان يكثر منها في تفسيره، وكثيرًا ما كان يتعقبها وينهج في ذلك ما أذن الشارع في نقله منها مما لا يخالف كتابًا ولا سنة.
أما أسباب النزول فهي كثيرة في تفسيره، وأحيانًا يحرر القول في متونها وأسانيدها وأحيانًا أخرى يرويها ولا يتعقبها بشيء.
وكان اهتمامه باللغة في تفسير القرآن ودلالاتها، محدودًا.
ومن مميزات هذا التفسير ما يلي:
١ - اختار أن يفسر القرآن بالمأثور وهذه الطريقة من أحسن الطرق في التفسير.
٢ - سلامة المعتقد في باب الأسماء والصفات، فقد خلا تفسيره من البدع.
٣ - عنايته بنقد الأسانيد، وهذا قليل وجوده في كتب التفسير.
٤ - عدم استطراده في المباحث التي لا تمس التفسير.
أما أبرز المآخذ فمنها:
١ - أنه حفل بالكثير من الإسرائيليات.
٢ - أنه يحشد أعدادًا كبيرة من الأحاديث بأسانيدها في المعنى الواحد وهذا يبلبل القارئ.
стр. 65
٦ - الدر المنثور للسيوطي:
المؤلف: الحافظ جلال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن سابق السيوطي الشافعي، صاحب التصانيف، ولد سنة تسع وأربعين وثمانمائة.
سمع الحديث من جماعة، وأجازه أكابر علماء عصره، وبرز في جميع الفنون وفاق الأقران، واشتهر ذكره، وبعُدَ صيته، وكانت وفاته سنة إحدى عشرة وتسعمائة.
الكتاب: الدر المنثور في التفسير بالمأثور.
هذا الكتاب اختصره المؤلف من كتاب آخر أوسع منه وهو (ترجمان القرآن) ساق فيه التفسير بالأسانيد، فلما رأى الهمم عن تحصيله قاصرة والرغبة في الاقتصار على متون الأحاديث وافرة لخصه في كتابه الدر المنثور، وهذا الكتاب يحوي بين دفتيه الروايات المأثورة من كتب الحديث الصحاح، والسنن، والمسانيد، والمصنفات، وكتب التفسير.
ولم يقتصر كتابه على الصحيح من الروايات بل أورد فيه الضعيف والموضوع والإسرائيليات.
وأما أسباب النزول في كتابه فهي كثيرة ضرورة كثرة المرويات، لكنها بحاجة إلى دراسة نقدية في أسانيدها ومتونها واللَّه أعلم.
* ثالثاً: المصادر المستقلة:
وأعني بها المصادر التي أفردت أسباب النزول بالتناول، وهي كثيرة إلا أني سأقتصر في التعريف على كتابين يعدان من أشهرها، وأكثرها تداولاً بين أهل التخصص وهما:
١ - أسباب النزول للواحدي:
стр. 66
المؤلف: الإمام أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي النيسابوري، الشافعي، صاحب التفسير، صنف التفاسير الثلاثة: - البسيط، والوسيط، والوجيز.
تصدر للتدريس مدة، وعظم شأنه، وكانت وفاته ﵀ سنة ثمان وستين وأربعمائة.
الكتاب: أسباب النزول:
قدم الواحدي كتابه بمقدمة بيَّن فيها أهمية علوم القرآن، والآثار الدالة على جواز تفسيره، وكيف نزل ابتداءً، وأول وآخر ما نزل ثم تكلم عن كل آية لها سبب منقول، ومن منهجه:
أنه رتب الآيات على ترتيب المصحف إلا في مواضع نادرة، كما أنه يذكر اسم السورة، وبعد ذكر الآية يتبعها بذكر السبب أو الأسباب، وأحيانًا يذكر السبب بدون ذكر الآية قبله، وأحيانًا يذكر الخلاف في سبب نزول الآية، وقد يعدد الروايات للسبب الواحد، كما أنه أحيانًا يذكر الحديث المتصل والمرسل بالسند، وأحيانًا بغير سند، لكن إسناده للمتصل أكثر من إسناده للمرسل.
أما إسناده القول للمفسرين فتارة يقول قال المفسرون، أو قال أكثر المفسرين أو قال أهل التفسير، أو عند أكثر المفسرين نزلت في كذا، ونحو هذا، وأحيانًا لا يعين المفسرين، بل يقول قال آخرون، وقال قوم، يروى، روي، ومن الكثير عنده أنه لا ينسب السبب لقائله.
كما أنه في بعض المواضع يبين معاني الآيات، كما أنه قد يذكر بعض الفوائد في معاني الأحاديث، وقد يذكر الآية، ويبين معناها من غير ذكر سبب نزولها وقد يعقب على ذكر الحديث الذي رواه بسنده فيقول رواه البخاري أو مسلم أو الحاكم عن فلان.
стр. 67
كما أنه يذكر بعض الروايات على أنها أسباب نزول وليست كذلك.
٢ - لباب النقول في أسباب النزول:
المؤلف: تقدم التعريف به.
الكتاب:
هذا الكتاب يعد من الكتب الرئيسة في علم أسباب النزول، فقد حوى منها شيئاً كثيراً، واستفاد مؤلفه من كتاب الواحدي الذي سبقه في اقتناص محاسنه وزاد عليها من عنده ومن ذلك:
أ - أنه حفظ في كتابه نصوصًا من كتب مفقودة، فكتابه فيها مرجع أصيل.
ب - حكمه على بعض الأحاديث والآثار بالصحة أو الضعف أو غيرهما.
جـ - نقله لأقوال العلماء في الحكم على بعض الأحاديث والآثار.
د - ذكره لطريق الحديث والأثر مما يعين على الحكم على السبب خاصة إذا كان الكتاب مفقودًا.
هـ - ذكره عدة أسباب لنزول الآية، ومحاولة الجمع بينها.
وتعقيبه على بعض الأقوال العلمية.
ز - ترجيحه واختياره لبعض الأسباب دون بعضها.
حـ - تحديده لظروف نزول الآية هل هي مكية أو مدنية ليلية أو نهارية.
أما ما يلاحظ على كتابه فالآتي:
أ - أنه لم يستوعب جميع الآيات التي ورد فيها سبب نزول.
ب - أنه ذكر بعض الأحاديث والآثار الضعيفة مع أنه أشار في مقدمة كتابه إلى عدم ذكر ذلك.
جـ - في مواضع نادرة لا يرتب الآيات كترتيب المصحف.
стр. 68
المبحث الخامس
بواعث الخطأ في أسباب النزول
من رحمة اللَّه بهذه الأمة حفظه لكتابها الذي لا يقوم دينها إلا به، وصيانته من التحريف والتبديل الذي نال كثيراً من الكتب السماوية السابقة فقال : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، بل زاد على ذلك أن صانه من الاختلاف والتناقض فقال : (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)، فتمت بذلك كلمة ربك صدقاً وعدلاً أن الاختلاف واقع ولا بد إلا من المعصوم - صلوات الله وسلامه عليه - كما قال عنه ربه : (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)، وإن نظرةً في العلوم عامةً على اختلاف مشاربها، وتنوع مصادرها تجد فيها اختلافاً كثيرًا، فما كان بالأمس من النظريات ثابتًا قائماً لا يجوز تكذيبه، أصبح اليوم نائمًا لا يجوز تصديقه، وما كان في السابق من الظنيات أصبح في الحاضر من الحقائق المسلّمات.
وليست علوم الشريعة بجميع تخصصاتها بلا استثناء سِلْمَا من هذا فقد نالها حظها ونصيبها من الاختلاف، إلا أن ما يميز تلك العلوم عن غيرها ثبوت الأصلين شامخين معصومين من الخطأ والزلل، كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ مما يفتح الباب واسعًا لكل من ينشد التحقيق والتدقيق في تحرير المسائل وتصويبها إن استمسك بغرز هذين الأصلين.
وإن علوم التفسير عامة، وأسباب النزول على وجه الخصوص قد أصابها ما أصابها من ذلك، فتجد من يقول: سبب نزول الآية كذا، وآخر يقول: هذا لا يصح أن يكون سببًا لها، وآخر يذكر حدثًا ثم يقول: فأنزل الله، وآخر يذكر القصة نفسها ثم يقول: فتلا عليه، أو يقول: فذلك قوله تعالى.
стр. 69
ومنهم من يقول: نزلت هذه الآية بمكة، وآخر يقول: بل نزلت في المدينة، وثالث يقول: بل نزلت مرتين.
اختلاف وتباين يجعل الحليم حيرانًا، يقرأ وينظر لكنه لم يستفد إلا بلبلة الفكر وتشتت الذهن.
وقد حاولت في هذا المبحث جمع الأسباب التي قادت إلى الوقوع في الخطأ وحصرها مع التمثيل لكل منها بعدد من الأمثلة ليتبين للناظر حقيقة الأمر بدليله.
وإني أعتقد جازماً أن هذا المبحث ثمرة حسنة من ثمار البحث لأمرين:
أولاً: أن العلم بسبب الخطأ سبب للوقاية منه، وقد قيل: من لا يعرف الشوك لا يتقيه.
ثانياً: الوقوف على القواعد المعتبرة، والضوابط المقررة في تحديد سبب النزول من غيره، وإن العلم بالخطأ يورث العلم بالصواب، وقد قيل: وبضدها تتميز الأشياء.
وقد تبين لي بعد التتبع والاستقراء أن البواعث الرئيسة على الخطأ تنحصر في خمسة يندرج تحتها صور متعددة، وأقسام متنوعة، سأذكر تحت كل قسم خمسة أمثلة، وأُحيل في الحاشية إلى المواضع الأخرى.
السبب الأول: أن تقع المخالفة بين سبب النزول وآيات القرآن باعتبار التاريخ وهو قسمان:
أ - أن تقع المخالفة بين ما نزل قبل الهجرة أو بعدها. وإليك الأمثلة:
١ - أخرج ابن ماجه عن خباب ﵁ في قوله: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ) - إلى قوله -: (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدًا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول - النبي ﷺ حقروهم، فأتوه، فخلوا به وقالوا: إنا نريد أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: (نعم) قالوا: فاكتب لنا عليك كتاباً، قال: فدعا
стр. 70
بصحيفة، ودعا علياً ليكتب، ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل ﵇ فقال: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ .... ). مختصراً.
قال ابن عطية: (وهذا تأويل بعيد في نزول الآية لأن الآية مكية وهؤلاء الأشراف لم يفدوا إلا في المدينة، وقد يمكن أن يقع هذا القول منهم، لكنه إن كان وقع فبعد نزول الآية بمدة) اهـ.
وقال ابن كثير: (وهذا حديث غريب، فإن هذه الآية مكية، والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر). اهـ.
٢ - أخرج البخاري ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال أبو جهل: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم، فنزلت: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (٣٣).
وقد أخرج البخاري عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عبَّاسٍ: سورة الأنفال. قال: نزلت في بدر وقال ابن عاشور: (وقد اتفق رجال الأثر كلهم على أنها نزلت في غزوة بدر. قال ابن إسحاق: أُنزلت في أمر بدر سورة الأنفال بأسرها). اهـ.
وجه المخالفة: أن سورة الأنفال بالاتفاق نزلت بعد الهجرة، وأن دعاء أبي جهل كان بمكة لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ) وإنما كان فيهم قبل الهجرة.
٣ - أخرج الترمذي عن ابن أخي عبد اللَّه بن سلام قال: لما أُريد عثمان جاء عبد اللَّه بن سلام، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرتك، قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني فإنك خارجٌ خير لي منك داخل، فخرج عبد اللَّه إلى الناس، فقال: أيها الناس، إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسماني رسول اللَّه ﷺ عبد اللَّه، ونزلت فيَّ آيات من كتاب اللَّه، نزلت فيَّ: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ .. ) ونزلت فيَّ: (قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣).
стр. 71
قال القرطبي: (وكيف يكون عبد اللَّه بن سلام، وهذه السورة مكية، وابن سلام ما أسلم إلا بالمدينة؟).
وقال ابن كثير: (قيل: نزلت في عبد اللَّه بن سلام. قاله مجاهد، وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية، وعبد اللَّه بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي ﷺ المدينة).
وقال ابن عاشور: (وقيل: أُريد به عبد اللَّه بن سلام، الذي آمن بالنبي ﷺ في أول مقدمه المدينة، ويبعده أن السورة مكية).
والآية المقصودة هنا آية سورة الرعد.
٤ - أخرج الترمذي عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كانت بنو سلمة في ناحية المدينة فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد فنزلت هذه الآية: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسول اللَّه ﷺ : (إن آثاركم تكتب فلا تنتقلوا).
قال ابن عطية: (وهذه السورة مكية بإجماع إلا أن فرقة قالت: إن قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) نزلت في بني سلمة، وليس الأمر كذلك إنما نزلت الآية بمكة ولكنه احتج بها عليهم في المدينة). اهـ. باختصار.
وقال ابن كثير عن هذا الحديث: (وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية فاللَّه أعلم). اهـ.
وقال ابن عاشور: (وتوهم راوي الحديث أن هذه الآية نزلت في ذلك وسياق الآية يخالفه، ومكيتها تنافيه). اهـ.
٥ - أخرج أحمد والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: مر يهودي برسول اللَّه ﷺ وهو جالس، قال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السماء على ذِه وأشار بالسبابة، والأرض على ذِه، والجبال على ذِه، وسائر الخلق على ذِه؟ كل ذلك يشير بأصابعه، قال: فأنزل اللَّه : (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ).
قال ابن عطية: (فرسول الله ﷺ تمثل بالآية وقد كانت نزلت). اهـ.
стр. 72
وقال ابن عاشورة (وهو وهم من بعض رواته، وكيف وهذه مكية، وقصة الحبر مدنية). اهـ.
ب - أن تقع المخالفة فيما نزل بعد الهجرة كان في أولها أم في آخرها وإليك الأمثلة:
١ - أخرج مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه (سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: (اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلاً وذكوان وعصية عصت الله ورسوله) ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما أُنزل: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨).
وجه المخالفة: أن قصة رعل، ولحيان، وذكوان وعصية كانت لما قُتل القراء في بئر معونة وذلك في صفر من السنة الرابعة، والآية فى سياق غزوة أحد، فكيف يتقدم النزول على السبب؟
٢ - أخرج أبو داود والترمذي عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: نزلت هذه الآية: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ) في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر، فقال بعض الناس: لعل رسول الله ﷺ أخذها فأنزل اللَّه : (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ .. ) الآية.
أفاد ابن عاشور أن هذا الحديث لا يصح أن يكون سبباً لنزول الآية، إذ كيف تفقد القطيفة يوم بدر، ولا تنزل الآية لأجل هذا إلا يوم أحد مع أن بين الغزوتين سنة وشهرًا.
٣ - أخرج البخاري وأحمد عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت:
стр. 73
كان عمر بن الخطاب يقول لرسول اللَّه ﷺ احجب نساءك قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي ﷺ يخرجن ليلاً إلى ليل قِبَل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس. فقال: عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل اللَّه آية الحجاب.
قال ابن كثير عن هذا الحديث: (المشهور في قصة سودة أنها كانت بعد نزول الحجاب). اهـ. وإذا كان كذلك فكيف تكون القصة سبب نزول الآية ولم تقع إلا بعدها.
٤ - أخرج البخاري وأحمد عن المسور بن مخرمة ومروان في قصة الحديبية قالا: خرج رسول اللَّه ﷺ زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق فذكر الحديث ... إلى أن قالا: وينفلت منهم أبو جندلِ بن سهيل فلحق بأبي بصير فجعل لا يخرج من قريش رجل قد أسلم إلا لحق بأبي بصير حتى اجتمعت منهم عصابة فوالله ما يسمعون بعيرٍ خرجت لقريش إلى الشأم إلا اعترضوا لها، فقتلوهم وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشده باللَّه والرحم: لمَّا أَرسل: فمن أتاه فهو آمن، فأرسل النبي ﷺ إليهم، فأنزل اللَّه تعالى: (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ ... ).
قال ابن حجر: (ظاهره أنها نزلت في شأن أبي بصير، وفيه نظر، والمشهور في سبب نزولها ما أخرجه مسلم من حديث سلمة بن الأكوع، ومن حديث أنس بن مالك أيضاً وأخرجه أحمد والنَّسَائِي من حديث عبد اللَّه بن مغفل بسند صحيح أنها نزلت بسبب القوم من قريش الذين أرادوا أن يأخذوا من المسلمين غِرةً، فظفروا بهم، فعفا عنهم النبي ﷺ فنزلت الآية). اهـ. وهذا كان في الحديبية، وقصة أبي بصير بعد الحديبية.
٥ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم عن أنس بن مالك ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ : لو أتيتَ عبد اللَّه بن أُبي، فانطلق إليه النبي ﷺ وركب
стр. 74
حماراً، فانطلق المسلمون يمشون معه، وهي أرض سبخة، فلما أتاه النبي ﷺ قال: إليك عني، والله لقد آذاني نتن حمارك، فقال رجل من الأنصار منهم: والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه، فغضب لكل واحدِ منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدي والنعال فبلغنا أنها أنزلت: (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا).
قال ابن عاشور: (ويناكد هذا - أي القول بأنها سبب النزول - أن تلك الوقعة كانت في أول أيام قدوم رسول الله ﷺ المدينة، وهذه السورة نزلت سنة تسع من الهجرة). اهـ. مختصرًا.
ومن هنا نعلم أنه من رام السلامة من الخطأ في تحديد السبب فلا بد له من معرفة وقت النزول ووقت السبب.
السبب الثاني: أن تقع المخالفة بين سبب النزول وآيات القرآن باعتبار السياق وهو ثلاثة أقسام:
أ - أن يقع الاختلاف بينهما في الألفاظ وإليك الأمثلة:
١ - أخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: لما نزل تحريم الخمر، قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شفاءً فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال: فدعي عمر فقرئت عليه.
بيان مخالفة السبب للآية من وجهين:
الأول: أن الآية فيها السؤال عن الخمر والميسر جميعاً، بينما حديث عمر فيه الدعاء بالبيان عن الخمر فقط.
الثاني: أن الله قال في الآية: (يَسْأَلُونَكَ) وعمر لم يسأل النبي ﷺ كما يدل على هذا لفظ الحديث، وإنما فيه أنه دعا الله، وفرق بين دعاء اللَّه وسؤال رسوله ﷺ .
стр. 75
٢ - أخرج الترمذي عن عمران بن حصين ﵁ أن رجلاً عضَّ يد رجلٍ فنزع يده، فوقعت ثنيتاه، فاختصموا إلى النبي ﷺ فقال: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك) فأنزل الله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ).
وجه المخالفة هنا: أن النبي ﷺ نفى حقه في الدية فكيف يكون له قصاص مع أن شأن القصاص أعظم وأكبر ثم يقال: فأنزل الله: (وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ). اهـ.
٣ - أخرج مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنَّسَائِي عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: نزلت فيَّ أربع آيات أصبت سيفاً فأتيت به النبي ﷺ فقلت: يا رسول اللَّه نفلنيه: فقال: (ضعه) ثم قام، فقال له النبي ﷺ : (ضعه من حيث أخذته) ثم قام، فقال: نفلنيه يا رسول اللَّه فقال: (ضعه) فقام فقال: يا رسول اللَّه نفلنيه. أَأُجعل كمن لا غناء له؟ فقال له النبي ﷺ : (ضعه من حيث أخذته) قال: فنزلت هذه الآية: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
قال أبو العباس القرطبي عن حديث سعد: (يقتضي أن يكون ثمَّ سؤال عن حكم الأنفال، ولم يكن هنالك سؤال عن ذلك على ما يقتضيه هذا الحديث). اهـ. فالذي وقع في حديث سعد أنه سأل نفلاً وفرق بين من يسأل عن الشيء وبين من يسأل الشيء، فالأول مستفهم والثاني يريد العطاء.
٤ - أخرج البخاري وأحمد ومسلم وأبو داود والنَّسَائِي عن عبد اللَّه بن مسعود ﵁ قال: سألت أو سئل رسول اللَّه ﷺ : أَيُّ الذنب عند اللَّه أكبر؟ قال: (أن تجعل لله ندًا وهو خلقك) قلت: ثم أَيٌّ؟ قال: (ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) قلت: ثم أيّ؟ قال: (أن تزاني بحليلة جارك) قال: ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول اللَّه ﷺ : (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) فالفرق بين الآية وحديث ابن مسعود أن الحديث حصر القتل في الولد خشية الطعام وحصر الزنا بحليلة الجار وهذا الحصر لا يوافق العموم في الآية. اهـ.
следующие страницы →