← Общие книги

Общие книги · id 95567

الحوار مع أتباع الأديان - مشروعيته وآدابه

منقذ السقار

Полный текст (77 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الحوار مع أتباع الأديان (مشروعيته وآدابه) د. منقذ بن محمود السقار

стр. 2

مقدمة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أنبياء الله أجمعين، عليهم وعلى نبينا أزكى الصلاة وأتم التسليم، وبعد: فقد خلق الله آدم ﵇، وندبه وذريته من بعده إلى عمارة الأرض بمنهج الله: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ (البقرة: ٣٠)، ودعاهم ﵎ إلى التمسك بهديه الذي أرسل به أنبياءه: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (البقرة: ٣٨). وشاء الله بحكمته البالغة أن يختلف البشر في اتباعهم لأنبياء الله ورسله، فمنهم شقي وسعيد، وأرسل الله الأنبياء يقيمون حجته على خلقه، يدعونهم إلى دين الله الذي ارتضاه لخلقه ديناً ليكونوا من السعداء، ويحذرونهم من عصيان أمره حتى لا يكونوا من الأشقياء، ولكن إرسالهم لن يمنع تحقق ما قد سبق في علم الله، فإن أكثر الناس لا يؤمنون ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾ (يوسف: ١٠٣). وأمام هذه السنة الكونية فإن المسلم مطالب بدعوة الآخرين إلى الحق الذي شرح الله به صدره، وهو على يقين بأن هداية الله قد لا تكتب لكثيرين ممن يدعوهم، فلا يمنعه ذلك من بلاغهم: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: ٤٨). وحين يعرض الناس عن دعوة الله ولا يؤمنون بها، فإن المسلم لا يتوقف عن التفاعل مع الآخرين اجتماعياً وحضارياً، رائده في ذلك كتاب ربه، وأسوته نبيه ﷺ ، إذ القرآن أمر بالإحسان إلى الوالدين والجار، ولو كانوا على غير دين الإسلام، كما حثّ على البر وحسن العشرة مع الذين لم يتصدوا لمقاتلة المسلمين والاعتداء عليهم، كما كانت حياته ﷺ نبراساً في التسامح وحسن التعايش مع الآخرين، ممن اختاروا إلفهم من العقائد والأديان. واليوم وقد أصبح العالم قرية صغيرة تتلاقح فيها الثقافات عبر وسائل الإعلام المختلفة، تزداد الحاجة إلى الحوار، وإلى ضرورة تأصيله من الناحية

стр. 3

الشرعية، والمسلمون حين يمارسونه هم بأمسِّ الحاجة إلى معرفة مسوغاته الشرعية وآدابه ومحظوراته. وإسهاماً منا في هذا الباب نضع بين يدي القارئ الكريم هذا الجهد المتواضع، والذي نرجو أن يعالج بموضوعية علمية هذه المسألة الشائكة، التي كثر الجدال حولها بين مؤيد مندفع ومعارض متشكك. وحين نتحدث عن الحوار فإنا لا نقصد بحال من الأحوال الحوار الذي يقوم على وحدة الأديان والتلفيق بينها وصهرها في دين عالمي جديد قائم على الجمع بين المتناقضات، الكفر والإيمان، التوحيد والوثنية، فتلك الدعوة دسيسة تسترت بالحوار ينأى المسلم بنفسه عنها، كما سنبينه في حينه. ويسر رابطة العالم الإسلامي في باكورة انطلاقة منتداها العالمي للحوار الحضاري أن تتقدم بهذه الدراسة، وهي جهد تضعه بين يدي المخلصين المعنيين بالحوار والساعين إلى نجاحه. واللهَ نسأل أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

стр. 4

التعريفات أ. الحوار أصله من الحور، وهو الرجوع عن الشيء إلى الشيء. يقول ابن منظور: " الحَوْر: هو الرجوع عن الشيء إلى الشيء .. والمحاورة: المجاوبة، والتحاور التجاوب، والمحاورة: مراجعة المنطق، والكلام في المخاطبة ". (١) وقال الراغب الأصفهاني: "المحاورة والحوار: المرادّة في الكلام، ومنه التحاور". (٢) وهذه المعاني اللغوية وردت في سياق الآيات الكريمة التي ورد فيها مادة (حور). قال تعالى: ﴿إنه ظن أن لن يحور﴾ (الانشقاق:١٤). قال القرطبي: "أي لن يرجع حياً مبعوثاً .. فالحور في كلام العرب الرجوع". وقال تعالى: ﴿فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالاً وأعز نفراً﴾ (الكهف ٣٤). قال القرطبي: " أي يراجعه في الكلام ويجاوبه، والمحاورة: المجاوبة. والتحاور التجاوب". (٣) وقال تعالى: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما﴾ (المجادلة: ١)، قال في الجلالين: "تراجعكما" (٤) أي في الكلام. وورد هذا المعنى أيضاً في غير ما حديث نبوي, من ذلك أن النبي ﷺ كان يستعيذ من: ((الحَوْر بعد الكَوْر)). (٥) قال القرطبي: "يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة". (٦)

стр. 5

وقال ﷺ : ((من دعا رجلاً بالكفر أو قال: عدو الله. وليس كذلك، إلا حار عليه)) (١) قال النووي: " رجع عليه ". (٢) ومما سبق تبين أن الحوار في معناه اللغوي هو مراجعة الكلام وتداوله، وهو ما يكون عادة بين شخصين أو بالأحرى بين طرفين أو أكثر. ولم تبعد تعريفات أهل الاصطلاح للحوار عن المعاني اللغوية السابقة، فقد أكدتها وأضافت إليها بعض المعاني والقيم الأخلاقية التي ينبغي توفرها في الحوار. ومن هذه التعريفات تعريف الدكتور صالح بن حميد، إذ اعتبر الحوار: " مناقشة بين طرفين أو أطراف، يُقصد بها تصحيح كلامٍ، وإظهار حجَّةٍ، وإثبات حقٍ، ودفع شبهةٍ، وردُّ الفاسد من القول والرأي ". (٣) وعرّفه بسام داود عجك بأنه: "محادثة بين شخصين أو فريقين , حول موضوع محدد , لكل منهما وجهة نظر خاصة به، هدفها الوصول إلى الحقيقة , أو إلى أكبر قدر ممكن من تطابق وجهات النظر، بعيداً عن الخصومة أو التعصب، بطريقة تعتمد على العلم والعقل , مع استعداد كلا الطرفين لقبول الحقيقة, ولو ظهرت على يد الطرف الآخر". (٤) وهكذا فالمحاورة هي تجاذب الكلام بين المختلفين، وما أضافه العلماء في تعريفه من شروط إنما هي ضوابط أخلاقية يفترض توفرها في الحوار ليكون مثمراً ومجدياً. ب. الجدال الجدال لغة: من جَدَلَ الحبل إذا فَتَلَه، قال ابن منظور: "الجدل: اللدد في الخصومة والقدرة عليها .. ويقال: جادلت الرجل فجدلته جدلاً، أي: غلبته. ورجل جدِل، إذا كان أقوى في الخصام. وجادله أي: خاصمه مجادلة وجدالاً ". (٥)

стр. 6

وعن معنى الجدل عند أهل الاصطلاح يقول ابن منظور: "الجدل مقابلة الحجة بالحجة، والمجادلة: المناظرة والمخاصمة". (١) وعرفه الجرجاني بأنه: "القياس المؤلف من المشهورات والمسلمات، والغرض منه إلزام الخصم، وإفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان"، كما عرَّفه أنه: "دفع المرء خصمه عن إفساد قوله بحجة أو شبهة". (٢) وأما الجويني فيرى أن الجدال: "إظهار المتنازعَيْن مقتضى نظرَتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامها من الإشارة والدلالة". (٣) وفي المعجم الوسيط: "طريقة في المناقشة والاستدلال، وهو عند مناطقة المسلمين قياس مؤلف من مشهورات أو مسلمات". (٤) وقد ورد إطلاق (الجدل) في نصوص القرآن والسنة على نوعين متباينين: الأول: الجدل المذموم، وهو الذي يدور في طلب المغالبة لا الحق، أو الذي فيه نوع من الخصومة واللدد، ومنه قول الله تعالى: ﴿وقالوا ءآلهتنا خيرٌ أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قومٌ خصمون﴾ (الزخرف: ٥٨)، ومثله قول الله تعالى في ذم جدال الكافرين: ﴿ما يجادل فى آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾ (غافر: ٤)، وقوله تعالى: ﴿وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾ (غافر: ٥)، وقوله تعالى: ﴿لا جدال في الحج﴾ (البقرة: ١٩٧) قال ابن منظور: "قالوا: معناه لا ينبغي للرجل أن يجادل أخاه، فيخرجه إلى ما لا ينبغي". (٥) وفي الحديث: ((ما ضَلَّ قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أُوتوا الجدل)). (٦)

стр. 7

والمراد بذلك كله الجدل على الباطل وطلب المغالبة به، لا الجدل بحثاً عن الحق وفي طلبه، فإن ذلك اللون من ألوان الجدل محمود. والثاني: الجدل المحمود، وهو الذي يكون في طلب الحق بالأسلوب الحسن بعيداً عن الخصومة، ومنه قوله : ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: ١٢٥). وهو بهذا المعنى مرادف للحوار، قال تعالى واصفاً حديث المرأة إلى النبي ﷺ بالحوار والجدال، فقال: ﴿قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير﴾ (المجادلة: ١). قال ابن كثير: " وهو يحاوره، أي: يجادله ". (١) وهكذا فالجدال صورة من صور الحوار، وقد أمر بها الله ورسوله، وتجنباً لما قد يكتنفه من اللدد في الخصومة فإنهما أمرا بالمجادلة بالتي هي أحسن، بعيداً عن ضروب الجدل المذموم الذي يفضي إلى الشقاق. ج. المناظرة المناظرة لغة "من النظير، أو من النظر بالبصيرة" كما عند الجرجاني، وقال ابن منظور: "والمنظر والمنظرة: ما نظرت إليه فأعجبك أو ساءك ... النظر: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه منك ". (٢) أما في الاصطلاح فقد عرفها الجرجاني: "النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب". (٣) وعرفها ابن منظور: "أن تناظر أخاك في أمر إذا نظرتما فيه معاً كيف تأتيانه". (٤) وقال الزَّبيدي: "والمناظرة المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كل ما يراه ببصيرته". (٥)

стр. 8

قال محمد الأمين الشنقيطي في تعريف المناظرة: "المحاورة في الكلام بين شخصين مختلفين يقصد كل واحد منهما تصحيح قوله وإبطال قول الآخر، مع رغبة كل منهما في ظهور الحق". (١) فالمناظرة تفيد النظر والتفكر في الأمور والبحث عن الحق عن طريق المحاورة مع الآخرين. وحوار المناظرة يكون بين شخصين أو فريقين حول موضوع معين، بغية الوصول إلى تبيان الحق وكشف الباطل، مع توفر الرغبة الصادقة في ظهور الحق والانصياع له.

стр. 9

حتمية الخلاف إن التعدّد في المخلوقات وتنوّعها سنة الله في الكون وناموسه الثابت، فلكل شيء في هذا الخلق طبيعته وخصائصه وصفاته التي تقارب غيره أحياناً، وتتنافر عنها في أحايين أخرى، وهكذا فطبيعة الوجود في الكون أساسها التّنوّع والتّعدّد. والإنسانية خلقها الله وفق هذه السنة الكونية، فاختلف البشر إلى أجناس مختلفة وطبائع شتى، وكلّ من تجاهل وتجاوز أو رفض هذه السُّنة الماضية لله في خلقه، فقد ناقض الفطرة وأنكر المحسوس. وقد جاء في القرآن الكريم ذكر بعض صور الاختلاف بين البشر، كاختلاف الألوان واللغات، وهما فرع عن اختلاف الأجناس والقوميات: ﴿ومن آياته خلق السّموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إنّ في ذلك لآيات للعالمين﴾ (الروم: ٢٢). وقد أكدت الآيات أن اختلاف البشر في شرائعهم هو أيضاً واقع بمشيئة الله تعالى ومرتبط بحكمته، يقول الله: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً﴾ (المائدة: ٤٨). قال ابن كثير: "هذا إخبار عن الأمم المختلفة الأديان باعتبار ما بعث الله به رسله الكرام من الشرائع المختلفة في الأحكام المتفقة في التوحيد ". (١) وقال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمةً واحدةً ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ (هود: ١١٨ - ١١٩). قال ابن حزم: "وقد نص تعالى على أن الاختلاف ليس من عنده، ومعنى ذلك أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى إرادة كونٍ، كما أراد الكفر وسائر المعاصي". (٢)

стр. 10

قال القرطبي: " ﴿ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة﴾ قال سعيد بن جبير: على ملة الإسلام وحدها .. ﴿ولا يزالون مختلفين﴾ أي: على أديان شتى قاله مجاهد وقتادة ". (١) وقال ابن كثير: " ﴿ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك﴾ أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم .. قال الحسن البصري: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك، فمن رحم ربك غير مختلف". (٢) ويقول الفخر الرازي: " والمراد اختلاف الناس في الأديان والأخلاق والأفعال". (٣) بل يرى الحسن البصري ومقاتل وعطاء وغيرهم من المفسرين أن الله خلق الناس ليختلفوا، وذلك لقوله: ﴿ولا يزالون مختلفين - إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم﴾ (هود: ١١٨ - ١١٩). وذهب آخرون من المفسرين ومنهم ابن عباس ومجاهد وقتادة إلى أن اسم الإشارة يعود إلى الرحمة، أي: خلقهم ليرحمهم. وذهب ابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما إلى عود الإشارة إلى الإثنين معاً، أي: خلقهم ليختلفوا، وليرحم من سلك الصراط المستقيم. (٤) يقول ابن سعدي: " يخبر الله تعالى أنه لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الدين الإسلامي، فإن مشيئته غير قاصرة، ولا يمتنع عليه شيء، ولكنه اقتضت حكمته أن لا يزالوا مختلفين، مخالفين للصراط المستقيم، متبعين للسبل الموصلة إلى النار .. ". وعن قوله سبحانه: ﴿ولذلك خلقهم﴾ قال: "أي اقتضت حكمته، أنه خلقهم ليكون منهم السعداء [و] الأشقياء، والمتفقون والمختلفون، والفريق

стр. 11

الذي هدى الله، والفريق الذي حقت عليهم الضلالة، ليتبين للعباد عدله وحكمته، وليظهر ما كمن في الطباع البشرية من الخير والشر .. ". (١) وفي معنى الآية يقول محمد رشيد رضا: " ﴿لو شاء ربك﴾ أيها الرسول الحريص على إيمان قومه الآسف على إعراض أكثرهم عن إجابة دعوته واتباع هدايته ﴿لجعل الناس أمة واحدة﴾ على دين واحد بمقتضى الغريزة والفطرة، لا رأي لهم فيه ولا اختيار، وإذاً لما كانوا هم هذا النوع من الخلق المُسمّى البشر وبنوع الإنسان، بل كانوا في حياتهم الاجتماعية كالنحل أو كالنمل، وفي حياتهم الروحية كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحقِّ وطاعة الله ، فلا يقع بينهم اختلاف. ولكنّه خلقهم بمقتضى حكمته كاسبين للعلم لا مُلْهَمين. وعاملين بالاختيار". (٢) ولما كان الاختلاف والتّعدّد آية من آيات الله، فإنّ الذي يسعى لإلغاء هذا التّعدّد كلية، فإنما يروم محالاً ويطلب ممتنعاً، لذا كان لابد من الاعتراف بالاختلاف. والاعتراف بوقوع هذا الخلاف لا يعني إقرار هذه المختلفات ولا تسويغ الاختلاف فيها، لكنه يفرض على أهل الحق أن يتصدوا لهداية من قدروا على هدايته من المختلفين عنهم، مع يقينهم بالعجز عن إنقاذ الكثيرين ممن اختار العماية، قال تعالى: ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً﴾ (الرعد: ٣١). قال القرطبي: " والمعنى على هذا: أفلم يعلم الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعاً أن يشاهدوا الآيات ". (٣) وعليه فإن هداية الجميع من المحال، فإن أكثر الناس لا يعلمون الحق، وأكثرهم لا يؤمنون به إن علموا به، وواجب الدعاة الدأب في دعوتهم وطلب أسباب هدايتهم، أي بذل الجهد في إزالة الخلاف ورفعه.

стр. 12

فإن أعرض من أعرض عن الإسلام فإنما أمر الله المسلمين بإبلاغ رسالاته في الدنيا، والله يتولى حساب المعرضين في الآخرة، قال الله مخاطباً نبيه ﷺ : ﴿فإن تولوا فإنما عليك البلاغ﴾ (النحل: ٨٢). قال القرطبي: " فإن تولوا أي أعرضوا عن النظر والاستدلال والإيمان؛ فإنما عليك البلاغ، أي ليس عليك إلا التبليغ، وأما الهداية فإلينا". (١) وقال تعالى: ﴿فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصيرٌ بالعباد﴾ (آل عمران: ٢٠). قال الطبري: " وإن أدبروا معرضين عما تدعوهم إليه من الإسلام وإخلاص التوحيد لله رب العالمين، فإنما أنت رسول مبلغ، وليس عليك غير إبلاغ الرسالة إلى من أرسلتك إليه من خلقي وأداء ما كلفتك من طاعتي، ﴿والله بصير بالعباد﴾ يعني بذلك: والله ذو علم بمن يقبل من عباده ما أرسلتك به إليه، فيطيعك بالإسلام، وبمن يتولى منهم عنه معرضاً فيرد عليك ما أرسلتك به إليه، فيعصيك بإبائه الإسلام ". (٢) قال الشوكاني في سياق شرحه لقول الله تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ (الرعد: ٤٠): " أي: فليس عليك إلا تبليغ أحكام الرسالة، ولا يلزمك حصول الإجابة منهم، لما بلّغته إليهم، ﴿وعلينا الحساب﴾ أي: محاسبتهم بأعمالهم ومجازاتهم عليها، وليس ذلك عليك. وهذا تسلية من الله سبحانه لرسوله ﷺ ، وإخبار له أنه قد فعل ما أمره الله به، وليس عليه غيره، وأن من لم يجب دعوته ويصدق نبوته، فالله سبحانه محاسبه على ما اجترم واجترأ عليه من ذلك". (٣) وقال تعالى: ﴿فذكر إنما أنت مذكر - لست عليهم بمسيطر﴾ (الغاشية: ٢١ - ٢٢). قال الطبري: " يقول: لست عليهم بمسلَّط، ولا أنت بجبار تحملهم على ما تريد، يقول: كِلْهم إليّ، ودعهم وحكمي فيهم ... ". (٤)

стр. 13

قال ابن كثير: " ﴿فإن أعرضوا﴾ يعني المشركين ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ (الشورى: ٤٨) أي: ﴿لست عليهم بمصيطر﴾ (الغاشية: ٢٢)، وقال : ﴿ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء﴾ (البقرة: ٢٧٢)، وقال تعالى: ﴿فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب﴾ (الرعد: ٤٠)، وقال جل وعلا في آية الشورى: ﴿إن عليك إلا البلاغ﴾ (الشورى: ٤٨) أي: إنما كلفناك أن تبلغهم رسالة الله إليهم". (١) فالإسلام - كما رأينا - يعترف بوجود الاختلاف وعدم إمكانية جمع الناس على دين واحد، ويطلب من الدعاة ورثة الأنبياء القيام بواجب البلاغ في الدنيا واستفراغ الوسع في الإرشاد والنصح للعالمين، ثم الله يتولى - بحكمه وعدله - يوم القيامة حساب المعاندين وجزاء المؤمنين.

стр. 14

تاريخ الحوار منذ سطع نور الإسلام على الدنيا أدرك المسلمون طبيعة دينهم وعالمية رسالته، فقاموا يدعون الناس إلى هديه، فبدأ الحوار بين المسلمين ومشركي قريش، وسجل القرآن في آياته الكثير من هذه الحوارات، وتولى فيها الرد على المشركين. وكان من أهم مناسبات الحوار هجرة أصحاب النبي ﷺ إلى الحبشة، وحوارهم مع النجاشي حول قول المسلمين في المسيح وأمه ﵉. وحين انتقل النبي ﷺ إلى المدينة بدأ الحوار مع أهل الكتاب من قطّان المدينة المنورة، وقد نقل القرآن الكثير من الحوارات التي طَلب من النبي ﷺ أن يجريها مع أهل الكتاب، والكثير منها كان يبدأ بقوله تعالى: ﴿يا أهل الكتاب﴾ (النساء: ١٧١، المائدة: ١٥، ١٩، ٥٩، ٦٨، ٧٧). ومن حواره ﷺ مع يهود المدينة أن حبراً من اليهود يقال له مالك بن الصيف جاء يخاصم النبي ﷺ ، فقال له النبي ﷺ : ((أنشدك بالذي أنزل التوراة على موسى، أما تجد في التوراة أن الله يبغض الحبر السمين؟)) وكان حبراً سميناً. فغضب فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فقال له أصحابه الذين معه: ويحك، ولا موسى؟ فقال: والله ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله: ﴿وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى﴾ (الأنعام: ٩١). (١) وكان أهم اتصال بالنصرانية قدوم وفد نصارى نجران إلى المدينة وبقاؤهم فيها أياماً يناظرون رسول الله ﷺ وقد أذن لهم رسول الله بالصلاة في مسجده، وقال لأصحابه: ((دعوهم)) (٢)، ونزل بسبب هذه الزيارة بضع وثمانون آية من صدر سورة آل عمران.

стр. 15

ولم تنقل إلينا كتب السنة إلا النزر اليسير عما دار بينهم وبين رسول الله ﷺ . ومما نقل في ذلك ما ذكره ابن جرير في تفسيره أنه جاء راهبا نجران إلى النبي ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام، فقال أحدهما: إنا قد أسلمنا قبلك. فقال: ((كذبتما. إنه يمنعكما عن الإسلام ثلاثة: عبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير، وقولكم لله ولد)). قال: من أبو عيسى؟ وكان ﷺ لا يعجل حتى يأتي أمر ربه، فأنزل الله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾ (آل عمران: ٥٩). (١) وذكر الطبري بإسناده أيضاً أن نصارى نجران قالوا: " ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى. قالوا: فحسبنا. فأنزل الله : ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله﴾ (آل عمران: ٧). (٢) لكن الذي يثير الانتباه في زيارة وفد نصارى نجران ما نقله الطبري من اجتماع النبي ﷺ بهم في حضور وفد من يهود المدينة، فقد روى بإسناده إلى ابن عباس أنه "اجتمعت نصارى نجران وأحبار اليهود عند رسول الله، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً. وقالت النصارى: ما كان إبراهيم إلا نصرانياً. فأنزل الله: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً﴾ (آل عمران: ٦٧). (٣) وحين رجع وفد نجران إلى بلاده لم ينقطع حوارهم مع المسلمين، ذلك أن النبي ﷺ أرسل معهم المغيرة بن شعبة، فكانوا يحاورونه ويطرحون عليه الأسئلة عن القرآن، ومن ذلك أنه أشكل عليهم مؤاخاة القرآن بين مريم وهارون، وبينهما زمن مديد، فقالوا للمغيرة: "ألستم تقرؤون: ﴿يا أخت هارون﴾ (مريم: ٢٨)، وقد علمتم ما بين موسى وعيسى ... ". (٤)

стр. 16

كما استقبل النبي ﷺ في مسجده عدي بن حاتم الطائي، وحاوره في أخذه المرباع من قومه، وهو لا يحل له في دينه، ودعاه للإسلام فأسلم. (١) واستقبل أيضاً الجارود بن عمرو في وفد عبد القيس، وكان نصرانياً؛ فدعاه إلى الإسلام، فأسلم. (٢) كما كانت مراسلة النبي ﷺ لملوك النصارى ومقدميهم نوعاً من الحوار، فقد أرسل أصحابه بكتبه إلى النجاشي وهرقل والمقوقس عظيم القبط وهوذة الحنفي صاحب اليمامة؛ يدعوهم للإسلام. مع أن كتب التاريخ لم تنقل إلينا الكثير مما جرى بين سفراء النبي ﷺ والمرسلين إليهم إلا أنه من المؤكد تحاورهم، إذ هو ما تقتضيه السفارة. ومما نقل في ذلك حوار حاطب بن أبي بلتعة مع المقوقس، فقد سأله المقوقس عن حرب النبي ﷺ مع أعدائه، فأجابه حاطب بأنه يَغلِب ويُغلَب، فقال المقوقس: أنبي الله يُغلب؟ فأجاب حاطب: أولد الله يُصلب؟ (٣) ومثله ما رواه ابن عبد البر في الاستيعاب من حديث حاطب بن أبي بلتعة أن المقوقس جمع بطارقته فقال: إني سأكلمك بكلام أحب أن تفهمه مني. قال: قلت: هلم. قال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبياً؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يدع على قومه، حيث أخرجوه من بلدته إلى غيرها؟ فقلت له: فعيسى ابن مريم، أتشهد أنه رسول الله؟ فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا صلبه ألّا يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله إليه في سماء الدنيا؟ قال: أحسنت، أنت حكيم جاء من عند حكيم. (٤) وحين دخل المسلمون مصر وبلاد الشام تحولت تلك الشعوب النصرانية إلى الإسلام دين الفاتحين الجدد، وهذا التحول ثمرة لأسباب متضافرة،

стр. 17

أهمها الحوار الذي شاع بين المسلمين والنصارى في تلك الربوع. ولئن كان التاريخ ذهل عن تسجيل حوارات عوام المسلمين مع غيرهم، والذي أسفر عن دخولهم الإسلام، فإنه لم يغفل عن تسجيل الحوارات التي جرت في قصور السلاطين من المسلمين وغيرهم. ومنه حوار الخليفة هارون الرشيد مع طبيبه النصراني، واستعانته بعالم خراسان محمد بن عمر بن واقد. (١) كما جمع الخليفة المأمون بين كلثوم بن عمرو العتابي وابن فروة النصراني، وتناظرا بين يديه في قول النصارى بألوهية المسيح. (٢) كما وفد القاضي أبو بكر محمد الباقلاني على ملك الروم في القسطنطينية بأمر من المعتضد العباسي، والحوار الذي جرى بينه وبين ملك الروم وراهبهم مشهور في كتب التاريخ. (٣) ونقل صاحب عيون المناظرات قصة فيلسوف نصراني قدم بغداد، وأسلم بعد حواره مع نخبة من علماء المسلمين، جمعهم الخليفة في قصره، منهم الصالحي والجبائي والكعبي والأشعري. (٤) وبعيداً عن قصور الأمراء تحاور العلماء المسلمون مع غيرهم، ولعل من أوائل ما نقل في هذا الصدد حوار أبي حنيفة النعمان بن ثابت مع طائفة من الملاحدة حول سببية العالم. (٥) وكذلك حوار الفخر الرازي الطويل مع قسيس في خوارزم في موضوعات أهمها نبوة النبي ﷺ وهل معجزات عيسى تدل على نبوته أو ألوهيته؟ (٦)

стр. 18

ثم مناظرة ابن القيم لأحد رؤساء اليهود حول نبوة النبي ﷺ . (١) كما كتب العلماء العشرات من الكتب والردود على مختلف محاوريهم، فازدهر حوار الكتب، ومنه كتاب "الجواب الصحيح" لابن تيمية، وهو يرد فيه على كتاب ورد من قبرص بعنوان: "الكتاب المنطيقي الدولة خاني المبرهن عن الاعتقاد الصحيح والرأي المستقيم " لراهب صيدا الأسقف بولص الراهب. كما كتب أبو الوليد الباجي رسالة رد فيها على رسالة وجهها راهب فرنسا إلى المقتدر أمير سرقسطة يدعوه فيها للدخول في النصرانية. (٢) وكتب أبو عبيدة الخزرجي القرطبي كتابه المشهور باسم " مقامع هامات الصلبان، ومراتع روضات الإيمان " (٣) رداً على أسئلة كان يثيرها قسيس من القوط على نفر من المسلمين بطليطلة. ولم تنقطع الحوارات والكتب المتبادلة بين المسلمين وغيرهم، وإن خَفَت بريقها مع تراجع الحركة العلمية عند المسلمين. ومع بداية الحركة الاستعمارية الغربية تجدد الحوار بين المسلمين ومستعمريهم، ولعل من أبرز ما يذكر في هذا الصدد الحوار الذي جرى بين العلامة رحمة الله الهندي والقس كئي ومساعده القس فرنج، ثم جرت المناظرة الكبرى بينه وبين القس فندر في شهر رجب من عام ١٢٧٠هـ رداً على النشاط التنصيري في الهند. وفي القرن الميلادي العشرين نشط الحوار بين الأديان، ودعي المتحاورون إلى عدد من المؤتمرات، منها مؤتمر تاريخ الأديان الدولي في بروكسل في عام ١٩٣٥م، والمؤتمر العالمي للأديان المنعقد في لندن عام ١٩٣٦م، ثم في جامعة السوربون عام ١٩٣٧م. ونشطت الدعوة إلى حوار الأديان إثر انعقاد مجمع الفاتيكان الثاني

стр. 19

١٩٦٥م والذي دعا لاستئناف الحوار مع الأديان، وأنشأ مؤسسات خاصة بذلك داخل الفاتيكان تولت الدعوة لعدد من المؤتمرات واللقاءات بين القيادات الدينية في العالم، ثم توالت الحوارات والدعوات من مختلف المؤسسات والمنظمات والدول الإسلامية وغيرها. والمتأمل في هذه القراءة التاريخية السريعة في تاريخ الحوار؛ لن تخطئ عينه رؤية ما قدمه الإسلام من نماذج حوارية فريدة منذ بعث النبي ﷺ ، نماذج لم تتوقف في تاريخنا الطويل، وهي تدعونا لاستئناف الحوار الحضاري وتنشيطه من جديد، وأخذ زمام المبادرة إليه، استجابة لأمر الله تعالى، وتأسياً واتباعاً لنهج نبينا ﷺ .

стр. 20

أنواع الحوار ومشروعيتها إن المتتبع لتاريخ الحوار بين أهل الإسلام وغيرهم من أتباع الملل في القديم والحديث يجد أنواعاً ثلاثة من الحوار تتداخل فيما بينها أحياناً، وتفترق في أحايين أُخر. وفي هذا المبحث نود الوقوف مع كل نوع منها وبيان حكمه وأهم موضوعاته وخصائصه. أ. حوار الدعوة وهو أهم أنواع الحوار وأعظمها، حيث عمد أنبياء الله وورثتُهم من العلماء والدعاة إلى حوار الكافرين بغية تعريفهم بدين الله وإنقاذهم به، فالحوار الدعوي أحد أعظم وسائل الدعوة إلى الإسلام، حيث يعمد المحاور المؤمن إلى تبيان مبادئ الإسلام وفضائله ويوضح لمحاوريه ما أعده الله للمؤمنين به من عظيم الأجر وحسن المثوبة، وما توعد به الكافرين من أليم عذابه وعقابه. ولما كان لا يتصور رجوع الناس عن معتقداتهم وإلفهم لمجرد عظة سمعوها، إذ تثور في الأذهان تساؤلات تبحث عمن يجيب عنها، ويجلي الحق فيها، كان لا بد من الحوار. لذا تتركز موضوعات حوار الدعوة حول التعريف بالله ﵎ وصفاته، وبالإيمان ونواقضه، وباليوم الآخر وسبيل النجاة والخلاص فيه. ويمتاز حوار الدعوة عن غيره من أنواع الحوار بخصائص وسمات، منها: - الهدف من حوار الدعوة، الدعوة إلى الإسلام والسعي إلى إقناع الآخرين بأن الإسلام هو دين الله الذي لا يقبل الله من العباد غيره. - التركيز في مجادلة أهل الكتاب على القضايا العقدية الفاصلة، ومحاجتهم، ومناظرتهم، لدحض شبهاتهم، ونقض حججهم، بأسلوب علمي رفيق، ثم مباهلتهم إن لزم الأمر.

стр. 21

- أخذ المسلمين بزمام المبادرة في هذا اللون من الحوار، إذ هو استجابة لطبيعة دينهم، ويتحقق ذلك باستضافتهم في دار المسلمين، واستقبال وفودهم، والكتابة إليهم، وغشيانهم في محافلهم وبيوتهم لدعوتهم، إذ الدعوة والبلاغ واجب المسلم بمقتضى إسلامه. - تغلب الصفة والعلاقات الشخصية على هذا اللون من ألوان الحوار الذي يبتعد عن الصفة الرسمية التي تغلب على حوار التعامل والتعايش كما سيتبين في حينه. والمتتبع لما ورد ذكره في القرآن عن أحوال الأنبياء يظهر له أهمية هذا اللون من ألوان الحوار، الذي لم تُغفِله دعوة نبي منهم أو مصلح ممن تبعهم بإحسان. فها هو نوح ﵇ يجادل ويحاور قومه قروناً طويلة، من غير كلل ولا ملل، دعاهم ليلاً ونهاراً، أسر لهم، وأعلن لهم جهاراً، فقالوا: ﴿يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين﴾ (هود: ٣٢). وعلى هذا الهدي سار أنبياء الله من بعد نوح، فقصَّ الله علينا في القرآن حوار إبراهيم مع النمرود، وحوار موسى مع فرعون، بل وذكر لنا الكثير من حوار الأنبياء مع أقوامهم. قال ابن تيمية: " فأما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى عن الأنبياء ﵈ وأمر بها في مثل قوله تعالى: ﴿قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا﴾ (هود: ٣٢) وقوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ (الأنعام: ٨٣) وقوله: ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ (البقرة: ٢٥٨) وقوله: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: ١٢٥) وأمثال ذلك فقد يكون واجباً أو مستحباً، وما كان كذلك لم يكن مذموماً في الشرع". (١) وأرسل الله محمداً خاتم الرسل داعياً إلى الله ومبشراً بدينه، آمراً إياه بدعوة العالمين إلى هذا الدين: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة

стр. 22

وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: ١٢٥). وقد اعتبر العلماء المجادلة والمناظرة والحوار من واجبات الإسلام التي أوجبها الله على أهل العلم والبصيرة، واستدلوا بما سبق ذكره من نصوص قرآنية تحدثت عن أمر الله لأنبيائه بالحوار أو فعلهم عليهم الصلاة والسلام. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في سياق حديثه عن قول الله تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: ١٢٥): "والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين، فهذا واجب على الكفاية منهم. وأما ما وجب على أعيانهم، فهذا يتنوع بتنوع قدرهم وحاجتهم ومعرفتهم ". (١) وفي هذا الصدد يستدل ابن حزم على وجوب الجدال والمناظرة بقول النبي ﷺ : ((جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)). (٢) ويقول: "وهذا حديث في غاية الصحة، وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله". (٣) وبالنظر إلى آثار الحوار ونجاعة طريقته في نشر الحق يجزم ابن حزم بفضل هذا الأسلوب من أساليب الدعوة، ويراه أنجع من غيره من وسائل حماية الدعوة كالجهاد في سبيل الله، إذ "قد تُهزم العساكر الكبار، والحجة الصحيحة لا تُغلب أبداً، فهي أدعى إلى الحق، وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمّة .. لأن السيف مرة لنا، ومرة علينا، وليس كذلك البرهان، بل هو لنا أبداً، ودامغ لقول مخالفينا، ومزهق له أبداً. ورُبَّ قوة باليد قد دمغت بالباطل حقاً كثيراً، فأزهقته ... وقد قتل أنبياء كثير وما غُلبت حجتهم قط ".

стр. 23

وفي المقابل، فإن "أفاضل الصحابة الذين لا نظير لهم؛ إنما أسلموا بقيام البراهين على صحة نبوة محمد ﷺ عندهم، فكانوا أفضل ممن أسلم بالغلبة بلا خلاف من أحد المسلمين". (١) ويثني ابن حزم بدليل آخر، فيقول: "أول ما أمر الله نبيه محمداً ﷺ أن يدعو له الناس بالحجة البالغة بلا قتال، فلما قامت الحجة وعاندوا الحق أطلق الله تعالى عليهم السيف حينئذ، وقال تعالى: ﴿قل فلله الحجة البالغة﴾ (الأنعام: ١٤٩). وقال تعالى: ﴿بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق﴾ (الأنبياء: ١٨) ". (٢) يقول ابن تيمية: "فكل من لم يناظر أهل الإلحاد والبدع مناظرة تقطع دابرهم لم يكن أعطى الإسلام حقه، ولا وفّى بموجب العلم والإيمان، ولا حصل بكلامه شفاء الصدور وطمأنينة النفوس، ولا أفاد كلامه العلم واليقين". (٣) وكأني به ﵀ يرد على ما سيقول الصفدي في ترجمته، فقد قال: "وضيّع الزمان في رده على النصارى والرافضة ومن عاند الدين وناقضه، ولو تصدى لشرح البخاري أو لتفسير القرآن العظيم لقلّد أعناق أهل العلوم بدرِّ كلامه النظيم". (٤) ويقول ابن القيم داعياً إلى محاورة أهل الكتاب: "جواز مجادلة أهل الكتاب ومناظرتهم، بل استحباب ذلك، بل وجوبه إذا ظهرت مصلحته من إسلام من يرجى إسلامه منهم وإقامة الحجة عليهم، ولا يهرب من مجادلتهم إلا عاجز عن إقامة الحجة، فليولِ ذلك إلى أهله، وليخلِ بين المطي وحاديها، والقوس وباريها ". (٥)

стр. 24

وأما موضوع الدعوة والحوار فإنه حول أصول الدين وسبيل سعادة الدارين: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون﴾ (آل عمران: ٦٤). قال الطبري: " قل يا محمد لأهل الكتاب - وهم أهل التوراة والإنجيل - ﴿تعالوا﴾ هلموا ﴿إلى كلمة سواء﴾، يعني إلى كلمة عدل بيننا وبينكم، والكلمة العدل هي أن نوحد الله، فلا نعبد غيره، ونبرأ من كل معبود سواه، فلا نشرك به شيئاً. وقوله: ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً﴾ يقول: ولا يدين بعضنا لبعض بالطاعة فيما أمر به من معاصي الله ويعظمه بالسجود له كما يسجد لربه، ﴿فإن تولوا﴾ يقول: فإن أعرضوا عما دعوتهم إليه من الكلمة السواء التي أمرتك بدعائهم إليها، فلم يجيبوك إليها، فقولوا أيها المؤمنون للمتولين عن ذلك: ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾ ". (١) والنبي ﷺ كانت دعوته ترجماناً واقعاً لما أمر الله تعالى به من دعوة، فقد دعا ﷺ المشركين إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم ومللهم، وكان ﷺ يدعوهم ويحاورهم، وخص أهل الكتاب بمزيد من عنايته، وكان أبرز هذه الحوارات حواره مع نصارى نجران، ومكاتباته لملوك الأرض. كما كان رسول الله ﷺ يغشى الناس في مجالسهم يدعوهم ويحاورهم، ومنه ما رواه الإمام أحمد من حديث عوف بن مالك قال: انطلق النبي ﷺ يوماً وأنا معه، حتى دخلنا كنيسة اليهود بالمدينة يوم عيد لهم، فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله ﷺ : ((يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً يشهدون أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، يحبط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضبَ الذي غضب عليه)). قال: فأسكتوا، ما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم، فلم يجبه أحد، ثم ثلّث فلم يجبه أحد.

стр. 25

فقال: ((أبيتم، فوالله إني لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا النبي المصطفى، آمنتم أو كذبتم)). ثم انصرف وأنا معه، حتى إذا كدنا أن نخرج، نادى رجل من خلفنا: كما أنت يا محمد. قال: فأقبل. فقال ذلك الرجل: أي رجل تعلمون فيكم يا معشر اليهود؟ قالوا: والله ما نعلم أنه كان فينا رجل أعلم بكتاب الله منك ولا أفقه منك ولا من أبيك قبلك ولا من جدك قبل أبيك. قال: فإني أشهد له بالله أنه نبي الله الذي تجدونه في التوراة. قالوا: كذبت. ثم ردوا عليه قوله، وقالوا فيه شراً. قال رسول الله ﷺ : ((كذبتم، لن يقبل قولكم، أما آنفاً فتثنون عليه من الخير ما أثنيتم، ولما آمن كذبتموه، وقلتم فيه ما قلتم، فلن يقبل قولكم)). قال: فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله ﷺ وأنا وعبد الله بن سلام، وأنزل الله فيه: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾ (الأحقاف: ١٠). (١) ومن صور الحوار في الصدر الأول ما يحكيه ثوبان ﵁، إذ يقول: كنت قائماً عند رسول الله ﷺ ، فجاء حبر من أحبار اليهود فقال: السلام عليك يا محمد. فدفعتُه دفعة كاد يصرع منها. فقال: لم تدفعني؟ فقلت: ألا تقول: يا رسول الله؟ فقال اليهودي: إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله. فقال رسول الله ﷺ : ((إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي)). فقال اليهودي: جئت أسألك. فقال له رسول الله ﷺ : ((أينفعك شيء إن حدثتك؟)) قال: أسمع بأذني. فنكت رسول الله ﷺ بعود معه فقال: ((سل)). فقال اليهودي: أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات؟ فقال رسول الله ﷺ : ((هم في الظلمة دون الجسر)). قال: فمن أول الناس إجازة؟ قال: ((فقراء المهاجرين)). قال اليهودي: فما تحفتهم حين يدخلون الجنة؟ قال: ((زيادة كبد النون)).

стр. 26

قال: فما غذاؤهم على إثرها؟ قال: ((ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها)). قال: فما شرابهم عليه؟ قال: ((من عين فيها تسمى سلسبيلا)). قال: صدقت. قال: وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان؟ قال: ((ينفعك إن حدثتك؟)) قال: أسمع بأذني. قال: جئت أسألك عن الولد. قال: ((ماء الرجل أبيض، وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فعلا منيُُّ الرجل منيَّ المرأة أذكرا بإذن الله، وإذا علا منيُّ المرأة منيَّ الرجل آنثا بإذن الله)). قال اليهودي: لقد صدقت، وإنك لنبي، ثم انصرف فذهب، فقال رسول الله ﷺ : ((لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه، وما لي علم بشيء منه، حتى أتاني الله به)). (١) إذاً نخلص إلى القول بأن حوار الدعوة واجب ديني تتابعت النصوص على الدعوة إليه، وهو مطلب أخلاقي يفرضه علينا رحمتنا بالآخرين، وحرصنا على هدايتهم، واستنقاذهم من أوضار الكفر والعقاب الأخروي. ب. حوار التعامل رأينا أن بقاء الاختلاف بين البشر في أديانهم ومللهم واقع، شاءه الله بمشيئته وإرادته الكونية، فكيف يتعايش المختلفون؟ وماهو الأسلوب الأمثل لبناء العلاقات البشرية؟ أوليس هو الحوار والتعايش والبحث عن القواسم الحياتية المشتركة؟ إن الضرورة الحياتية تؤزنا للبحث عن قواسم مشتركة نبني عليها علاقاتنا، وهو ما يملي على المختلفين في عقائدهم ومذاهبهم اللجوء إلى لون آخر من ألوان الحوار، وهو حوار التعامل، وهو حوار بعيد عن أصول الدين والمعتقد، حوار تفرضه السياسة الشرعية، وتمليه طبيعة التعايش بين

стр. 27

البشر؛ بحكم الجوار والمصالح المتبادلة. وقد بينت الشريعة بنصوصها أو بقواعدها العامة الأسس والضوابط المتعلقة بهذا اللون من ألوان الحوار. وقد ظهر مثل هذا اللون من حوار التعامل والتقارب المعيشي منذ نشأة الدولة الإسلامية في المدينة، حيث عقد النبي ﷺ عهوداً مع يهود المدينة، كما أبرم صلح الحديبية مع كفار قريش، وحوى الفقه الإسلامي بمذاهبه المختلفة تراثاً ضخماً في مجال العلاقات الدولية التي بينت للمسلمين أصول التعامل مع مختلف البشر. ويركز هذا اللون من الحوار على النقاط المشتركة التي يتفق عليها المتحاورون، فيهدفون إلى تعميقها والتكاتف في سبيلها، وغالباً ما تصطبغ بالصبغة الأخلاقية أو المصلحية، كالحوار حول السلام العالمي والتعايش بين الأمم ومكافحة الشذوذ ومعالجة قضايا الانحلال الأخلاقي والتفكك الأسري. وأبرز معالم هذا النوع من الحوار: - الاعتراف بوجود الآخر واختياره للدين والمعتقد. - الاعتراف باختلاف المتحاورين وخصوصية كل دين، ونبذ التوفيق والتلفيق بين أديان الأطراف المتحاورة. - تجنب أو الحذر في البحث في المسائل العقدية الفاصلة، حفاظاً على استمرارية الحوار وضمان ديمومة التعاون على تحقيق القيم أو المصالح المشتركة. - تجنب إطلاق الألفاظ المفسدة لأجواء الحوار، كإطلاق الكفر على المحاورين أو الحديث عن خلودهم في النار أو الطعن في مقدساتهم، وتجنب هذا ليس تسويغاً له البتة. - إبراز أوجه التشابه والاتفاق بين الأطراف المتحاورة، والتركيز عليها لاستثمارها وتنميتها، وإقصاء أوجه التباين والافتراق لما لها من أثر سلبي على الحوار.

стр. 28

- الدعوة إلى معرفة الآخر كما يريد هو أن يُعرف، ورفع الأحكام المسبقة عنه، مع التأكيد على الدعوة إلى نسيان الماضي التاريخي، والاعتذار عن أخطائه، والتخلص من آثاره. وهذا اللون من الحوار مشروع وجائز، فقد شهد النبي ﷺ في شبابه حلف المطيبين الذين اتفقوا على رد المظالم وإعانة المظلوم، وهو لون من اللقاء حول أسباب التعايش. وحين بُعث ﵊ أكد مشروعية مثل هذا العمل النبيل والتزامه به فقال: ((ما شهدت من حلف إلا حلف المطيبين , وما أحب أن أنكثه، وأن لي حمر النعم))، وفي رواية أنه قال: ((ولو دعيت به اليوم في الإسلام لأجبت)). وفي رواية عزاها ابن كثير في السيرة إلى الحميدي: ((لو دعيت به في الإسلام لأجبت؛ تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوماًً)). (١) فقد أقر ﷺ اللقاء مع الكافر على مثل هذه القيمة النبيلة والخصلة الحميدة. قال ابن حجر في الفتح: " وكان حلفهم أن لا يعين ظالم مظلوماً بمكة, وذكروا في سبب ذلك أشياء مختلفة محصلها: أن القادم من أهل البلاد كان يقدم مكة، فربما ظلمه بعض أهلها فيشكوه إلى من بها من القبائل، فلا يفيد , فاجتمع بعض من كان يكره الظلم ويستقبحه، إلى أن عقدوا الحلف , وظهر الإسلام وهم على ذلك ". (٢) وقال القرطبي ﵀: "ذكر ابن إسحاق قال: اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه، حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، وهو الذي قال فيه

стр. 29

الرسول ﷺ : ((لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت))، وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله ﵇: ((وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)) (١)، لأنه موافق للشرع إذا أمر بالانتصاف من الظالم". (٢) قال المباركفوري: "قوله: ((أوفوا)) من الوفاء، وهو القيام بمقتضى العهد ((بحلف الجاهليّة)) أي العهود الّتي وقعت فيها، ممّا لا يخالف الشّرع لقوله تعالى: ﴿أوفوا بالعقود﴾ (المائدة: ١) لكنّه مقيّدٌ بما قال الله تعالى: ﴿وتعاونوا على البرّ والتّقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ (المائدة: ٢)، ((فإنّه)) أي الإسلام ((لا يزيده)) أي حلف الجاهليّة الّذي ليس بمخالفٍ للإسلام ((إلّا شدّةً)) أي شدّة توثّقٍ، فيلزمكم الوفاء به". (٣) قال ابن القيم: " وأمّا قول النّبيّ ﷺ : ((شهدت حلفاً في الجاهليّة ما أحبّ أنّ لي به حمر النّعم , لو دعيت إلى مثله في الإسلام لأجبت))، فهذا - والله أعلم - هو حلف المطيّبين , حيث تحالفت قريش على نصر المظلوم , وكفّ الظّالم ونحوه , فهذا إذا وقع في الإسلام كان تأكيدًا لموجب الإسلام وتقوية له. وأمّا الحلف الّذي أبطله فهو تحالف القبائل: بأن يقوم بعضها مع بعض وينصره، ويحارب من حاربه , ويسالم من سالمه. فهذا لا يعقد في الإسلام". (٤) قال ابن حجر: " ذكره ابن إسحاق وغيره , وكان جمع من قريش اجتمعوا فتعاقدوا على أن ينصروا المظلوم وينصفوا بين النّاس ونحو ذلك من خلال الخير , واستمرّ العمل بهذا الحلف بعد البعثة النبوية , ويستفاد من حديث عبد الرّحمن بن عوف أنّهم استمرّوا على ذلك في الإسلام , وإلى ذلك الإشارة في حديث جبير بن مطعم ... ". (٥)

стр. 30

ومما يؤكد ديمومة هذا الحلف في الإسلام أنه كان بين الحسين بن علي وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال كان بينهما بذي المروة، فكان الوليد يتحامل على الحسين بن علي بسلطانه في حقه، فقال الحسين بن علي: أحلف بالله لتنصفني من حقي، أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله ﷺ ، ثم لأدعون بحلف الفضول. فقال عبد الله بن الزبير، وهو عند الوليد، حين قال الحسين ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا بها لآخذن سيفي، ولأقومن عنده ومعه، حتى ينصف من حقه، أو نموت جميعاً". (١) وقد يشكل هنا قول النبي ﷺ : ((لا حلف في الإسلام))، فيفهم منه قطع الحلف، وهذا المعنى غير صحيح، فالرواية في صحيح مسلم من حديث جبير بن مطعم: ((لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة)). (٢) وتأكيداً لهذا الفهم نسوق رواية البخاري عن أنس بن مالك، لما سئل: أبلغك أن النبي ﷺ قال: ((لا حلف في الإسلام))؟ قال: قد حالف النبي ﷺ بين قريش والأنصار في داري. (٣) قال الطبري: " ما استدل به أنس على إثبات الحلف لا ينافي حديث جبير بن مطعم في نفيه , فإنّ الإخاء المذكور كان في أوّل الهجرة، وكانوا يتوارثون به , ثم نسخ من ذلك الميراث وبقي ما لم يبطله القرآن، وهو التّعاون على الحقّ والنّصر والأخذ على يد الظالم كما قال ابن عباس: إلا النصر والنصيحة والرفادة ويوصى له." (٤) وقال القرطبي: "قال العلماء: فهذا الحلف الذي كان في الجاهلية هو

стр. 31

الذي شده الإسلام، وخصه النبي ﵊ من عموم قوله: ((لا حلف في الإسلام)) والحكمة في ذلك أن الشرع جاء بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه وإيصاله إلى المظلوم، وأوجب ذلك بأصل الشريعة إيجاباً عاماً على قدر من المكلفين، وجعل لهم السبيل على الظالمين، فقال تعالى: ﴿إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم﴾ (الشورى: ٤٢) ". (١) وقال ابن حجر: "ويمكن الجمع بأن المنفيّ ما كانوا يعتبرونه في الجاهليّة من نصر الحليف ولو كان ظالماً، ومن أخذ الثّأر من القبيلة بسبب قتل واحد منها، ومن التّوارث ونحو ذلك , والمثبت ما عدا ذلك من نصر المظلوم والقيام في أمر الدّين ونحو ذلك من المستحبّات الشّرعيّة كالمصادقة والمواددة وحفظ العهد". (٢) وهكذا، فإن الأمة المسلمة لا تتوقف في حوارها مع الآخرين على القضايا الدينية، بل تمد أيديها إلى الآخرين، وهي تسعى في حوارها إلى تحقيق المصالح المشتركة التي تنشدها الأطراف المختلفة، عبر حوار التعامل والتعايش الذي يؤمِّن المزيد من الاستقرار والرخاء لشعوب الإنسانية، ويعين البشرية على تجاوز الكثير من الشرور على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي والسياسي، وغيرها. ج. حوار الوحدة وهو الحوار الذي يهدف إلى إزالة الفروق والاختلافات العقدية والشعائرية بين المتحاورين وتمييع خصائص الأديان وتجاوزها تجاه وحدة الأديان والتقريب بينها. وهذه الدعوة التلفيقية قديمة متجددة، ترعاها مؤسسات من مختلف الملل والنحل، ولكل منها أهدافه التي يرنو من خلالها إلى اجتذاب الآخرين

стр. 32

وصهرهم في بوتقته. ولعل من أبرز من ينادي بالوحدة بين الأديان؛ الحركة الماسونية بمناشطها ومؤسساتها المختلفة وامتداداتها المعاصرة، يقول محمد رشاد فياض رئيس محفل الشرف الأعظم الماسوني محققاً هدف الماسونية المزعوم المتمثل في الإخاء الإنساني: "الميمات الثلاثة في الموسوية والمسيحية والمحمدية يجتمعون [هكذا] في ميم واحدة هي ميم الماسونية، لأن الماسونية عقيدة العقائد .. وإن باءَيْ البوذية والبرهمية يجتمعان في باء البناء، بناء هيكل المجتمع الإنساني". (١) ووصل هذا الاتجاه التلفيقي إلى المسلمين أول ما وصل عن طريق غلاة الصوفية من القائلين بالحلول والاتحاد، كابن سبعين وابن هود والتلمساني .. حيث يجوزون التدين بمختلف الأديان، يقول ابن تيمية: " بل يجوزون التهود والتنصر، وكل من كان من هؤلاء واصلاً إلى علمهم فهو سعيد، وهكذا تقول الاتحادية منهم, كابن سبعين وابن هود والتلمساني ونحوهم، ويدخلون مع النصارى بيعهم، ويصلون معهم إلى الشرق، ويشربون معهم ومع اليهود الخمر، ويميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين". (٢) يقول ابن عربي: لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي ... إذا لم يكن دينه إلى ديني داني لقد صار قلبي قابلاً كل صورة فمرعى لغزلان ودير لرهبان وبيت لأوثان وكعبة طائف وألواح توراة ومصحف قرآن أدين بدين الحب أنّى توجهت ... ركائبه فالحب ديني وإيماني وقد كان جهل التتار بالإسلام سبباً في تبنيهم لهذه الدعوة أيضاً، يقول ابن تيمية رحمة الله عليه: "فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك

стр. 33

الكفار على دين المسلمين ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين ... وكذلك الأكابر من وزرائهم وغيرهم يجعلون دين الإسلام كدين اليهود والنصارى، وأن هذه كلها طرق إلى الله بمنزلة المذاهب الأربعة عند المسلمين، ثم منهم من يرجح دين اليهود أو دين النصارى، ومنهم من يرجح دين المسلمين، وهذا القول فاش غالب فيهم حتى في فقهائهم وعبّادهم، لاسيما الجهمية من الاتحادية الفرعونية ونحوهم، فإنه غلبت عليهم الفلسفة، وهذا مذهب كثير من المتفلسفة أو أكثرهم". (١) ويقول ﵀: " وهذا من جنس جهال التتر أول ما أسلموا، فإن الإسلام عندهم خير من غيره، وإن كان غيره جائزاً ". (٢) ثم دبَّت الحياة من جديد في فكرة وحدة الأديان على أيدي البهائية الباطنية، ثم جمال الدين الأفغاني ومدرسته العقلانية، فقد أسس محمد عبده، والقس الإنجليزي إسحاق تيلور، وجمال رامز بك (قاضي بيروت)، بمشاركة نفر من الإيرانيين، أسسوا جمعية سرية للتقريب بين الأديان في بيروت، وذلك عام (١٣٠١هـ/ ١٨٨٣م). يقول الأفغاني في الأعمال الكاملة: " هكذا نجد الأديان الثلاثة: الموسوية والعيسوية والمحمدية على تمام الاتفاق في المبدأ والغاية .. لقد لاح لي بارق أمل كبير: أن تتحد أهل الأديان الثلاثة مثل ما اتحدت الأديان في جوهرها وأصلها وغايتها". ثم يشنع الأفغاني على الذين يصرون على اختلاف الأديان الذين أسماهم: "المزاربة الذين جعلوا كل فرقة بمنزلة حانوت، وكل طائفة كمنجم من مناجم الذهب والفضة، ورأس مال تلك التجارات ما أحدثوه من الاختلافات الدينية والطائفية والمذهبية". (٣)

стр. 34

وفي عام ١٩٨٧م دعا المفكر الفرنسي روجيه جارودي ـ عقب إعلانه اعتناق الإسلام ـ إلى الملتقى الإبراهيمي في قرطبة، واتخذ من (القلعة الحرة) مقراً لمؤسسته ومتحفه ومناشطها التلفيقية التوحيدية. يقول جارودي: "إنني عندما أعلنت إسلامي لم أكن أعتقد بأني أتخلى عن مسيحيتي ولا عن ماركسيتي، ولا أهتم بأن يبدو هذا متناقضاً أو مبتدعاً". ويقول: "هذا النضال هو نضال كل أصحاب العقيدة أو المؤمنين بعقيدة، مهما يكن نوع إيمانهم، ولا يهمني ما يقوله الإنسان عن عقيدته: أنا مسلم، أو: أنا مسيحي، أو: أنا يهودي، أو: أنا هندوسي". (١) وأبرز معالم هذا الاتجاه من اتجاهات الحوار: - اعتقاد كل طرف صحة إيمان الطرف الآخر، وتسويغه، من غير أن يقتضي ذلك الخروج عن المعتقد الأصلي. - اعتقاد صحة جميع صور العبادات، فالكل يعتبرونه طريقاً موصلاً إلى رضا الله، لأنه تعظيم وعبادة لله، وعليه فلا يحكم على شيء من صور العبادة المختلفة بالبطلان. - الاشتراك في صلوات وممارسات وطقوس تجمع بين أتباع الأديان في محل واحد، وذلك حرصاً على إزالة الفروق وتمييعها. - تجنب البحث في المسائل المختلف عليها، والتي تظهر التناقض والاختلاف بين الفرقاء الذين يراد جمعهم في نسق واحد. - اعتماد أسلوب التلفيق والتوفيق بين المتناقضات والمختلفات للوصول إلى صورة مشتركة، تتجاوز الاختلافات. - تبادل التهاني والزيارات والمجاملات في المناسبات الدينية المختلفة. وقد كان لعلماء الإسلام وقفات صارمة مع هذا الاتجاه التلفيقي أو التوفيقي بين الأديان، حيث رأوا مناقضته لأصول الإسلام ومبادئه، وأنه من المداهنة

стр. 35

التي حرمها الله ورسوله، قال تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ (هود: ١١٣)، قال أبو العالية: " لا ترضوا أعمالهم، فتمسكم النار " قال ابن زيد: "الركون الإدهان، وقرأ: ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ (القلم: ٩)، قال: تركن إليهم، ولا تنكر عليهم الذي قالوا، وقد قالوا العظيم من كفرهم بالله وكتابه ورسله". (١) قال الطبري مبيناً ما في الآية من تحذير من اللين والمطاوعة في الدين: " ود هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم، فيلينون لك في عبادتك إلهك". (٢) ولا يخفى أن المداراة أو الرفق من آداب الإسلام في معاملة المخالفين، ولا يخفى على المحقق الفرق بينه وبين الإدهان المحرم، قال القرطبي في التفريق بينهما: "والفرق بين المداراة والمداهنة أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا , وهي مباحة, وربما استُحبت , والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا ". (٣) ومن صور المداهنة التي يقع بها المتحاورون في وحدة الأديان، تسميتهم للمعابد والكنائس بيوت الله، وهي إلى كفران الله وعصيانه أقرب. قال شيخ الإسلام حين سئل عن تسمية البِيَع بيوت الله: "ليست بيوت الله، وإنما بيوت الله المساجد، بل هي [أي البيع] بيوت يكفر فيها بالله .. فالبيوت بمنزلة أهلها، وأهلها كفار، فهي بيوت عبادة الكفار". (٤) لكن تلك المداهنة المحرمة دون الحكم بإيمان أهل الملل وتسويغ معتقداتهم، أو حتى الارتياب في ثبوت كفرهم وبطلان عقائدهم وعباداتهم، فإن الشك في كفرهم وفساد مذهبهم كفر مخرج من الملة.

стр. 36

يقول القاضي عياض: "ولهذا نكفر من دان بغير ملة المسلمين من الملل، أو وقف فيهم، أو شك، أو صحح مذهبهم، وإن أظهر مع ذلك الإسلام، واعتقده، واعتقد إبطال كل مذهب سواه، فهو كافر بإظهاره ما أظهر من خلاف ذلك". (١) يقول ابن تيمية: "ومعلوم بالاضطرار من دين المسلمين وباتفاق جميع المسلمين أن من سوغ اتباع غير دين الإسلام، أو اتباع شريعة غير شريعة محمد ﷺ فهو كافر، وهو ككفر من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض الكتاب". (٢) وهكذا فإن الإسلام يرفض دعوات الحوار التي ترنو إلى إشاعة وحدة الأديان وصهرها، ويراها ناقضاً من نواقض الإسلام. وصدق الشاعر، وهو يصف حال أولئك الذين يرومون جمع النقائض: أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يمان

стр. 37

وحدة الدين إن من الضروري أن نفرق - في هذا الباب - بين وحدة الدين ووحدة الأديان، إذ وحدة الأديان دعوة للتلفيق بين الأديان المحرفة بما أضافه إليها البشر، فهو يهدف لصهر الحق في الباطل للوصول إلى صيغة مشتركة تجمع بينهما. أما وحدة الدين فهي حقيقة لا مناص منها، إذ الدين الذي أرسل الله به جميع رسله دين واحد، هو الاستسلام لله وتوحيده جل وعلا. فهذه لباب دعوة الأنبياء ومحورها، وعليه نستطيع القول بأن الإسلام والاستسلام لله هو دين الله الوحيد: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران: ٨٥). وقد سجل القرآن هذا المعنى ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾ (الأنبياء: ٢٥). فالتوحيد نداء الأنبياء، نبياً تلو نبي، إلى أقوامهم، فهو الأصل العظيم الذي نادى به نوح ودعا إليه هود وصالح وشعيب من بعده: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إلهٍ غيره﴾ (المؤمنون: ٢٣)، (هود: ٥٠، ٦٠)، (الأعراف: ٨٥). وفي مقابله حذر الأنبياء أقوامهم من الشرك ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين - بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ (الزمر: ٦٥ - ٦٦). ومنه توعد المسيح قومه: ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصارٍ﴾ (المائدة: ٧٢). فهذا الدين العظيم حقيقته التوحيد والاستسلام لله تعالى، لذا أطبق الأنبياء على تسميته بالإسلام: فأبو الأنبياء نوح يقول لقومه: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين﴾ (يونس: ٧٢)، يقول ابن القيم: " فهذا نوح الذي غرق أهل الأرض بدعوته وجعل جميع الآدميين من ذريته يذكر أنه أمر أن يكون من المسلمين". (١)

стр. 38

وإبراهيم يدعو ربه: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمةً مسلمةً لك﴾ (البقرة: ١٢٨). وإلى عبادة الله وتوحيده دعا لوط ﵇ قومه، لكن النتيجة ﴿فما وجدنا فيها غير بيتٍ من المسلمين﴾ (الذاريات: ٣٦). وهذا الذي قرت به عين يعقوب قبل مماته ﴿إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق إلهاً واحداً ونحن له مسلمون﴾ (البقرة: ١٣٣). كما طلب موسى من قومه الإذعان لمقتضيات الإسلام الذي دخلوا فيه ﴿يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين﴾ (يونس: ٨٤)، فاستجاب لندائه سحرة فرعون وقالوا: ﴿ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين﴾ (الأعراف: ١٢٦). وبمثل هذا دعا يوسف: ﴿توفني مسلماً وألحقني بالصالحين﴾ (يوسف: ١٠١). ولما دخلت ملكة سبأ بلاط سليمان نادت: ﴿رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين﴾ (النمل: ٤٤). وأنزل الله التوراة ليحكم بها أنبياء الله المسلمين: ﴿يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا﴾ (المائدة: ٤٤). فالدين عند الله واحد، اسمه الإسلام، وحقيقته الاستسلام لله بتوحيده وطاعته جل وعلا، وهذا فقط ما ينجي البشرية عند باريها: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران: ٨٥) فهذا الاسم اختاره الله لدينه وأوليائه: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل﴾ (الحج: ٧٨). وقال رسول الله ﷺ : ((أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعَلّات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد)) (١)، قال ابن حجر: "ومعنى الحديث أن أصل دينهم واحد، وهو التوحيد، وإن اختلفت فروع الشرائع". (٢) وقد قال ﷺ : ((مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً، فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبِنة، فيتم بنيانك، فقال ﷺ : فكنت أنا اللبِنة)). (٣)

стр. 39

يقول ابن القيم: "فهؤلاء الأنبياء كلهم وأتباعهم، كلهم يذكر الله تعالى أنهم كانوا مسلمين، وهذا مما يبين أن قوله تعالى ﴿ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران: ٨٥)، وقوله: ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (آل عمران: ١٩)، لا يختص بمن بعث إليه محمد ﷺ ، بل هو حكم عام في الأولين والآخرين. ولهذا قال تعالى: ﴿ومن أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفاً واتخذ الله إبراهيم خليلاً﴾ (النساء: ١٢٥)، وقال تعالى: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين - بلى من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (البقرة: ١١١ - ١١٢) ". (١) قال شيخ الإسلام: " فدين الأنبياء واحد، وهودين الإسلام، كلهم مسلمون مؤمنون، كما قد بين الله في غير موضع من القرآن، لكن بعض الشرائع تتنوع ". (٢) وصدق الله العظيم وهو يربط رسالته الخاتمة برسالاته السابقة: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه﴾ (الشورى: ١٣).

стр. 40

آداب الحوار لن يجد المتأمل في آيات القرآن وهدي سيد الأنام كبير صعوبة في التوصل إلى آداب الحوار وأخلاقياته، فالقرآن أوضح بجلاء ما ينبغي على المسلم أن يتصف به وهو يحاور غير المسلمين، بينما كان هدي النبي ﷺ ترجمان ذلك ومصداقه. والآداب في هذا الباب كثيرة، منها: ١. القول الحسن أثناء الحوار لما كان الحوار وسيلة من وسائل الدعوة والتعريف بالإسلام، توجب على الدعاة أن يتخلقوا حال دعوتهم بأخلاق الإسلام، ويجتنبوا السوء من القول، ويلتزموا الحسن منه، قال الله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ (البقرة: ٨٣). قال القرطبي: " وهذا كله حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً، ووجهه منبسطاً طلقاً مع البر والفاجر والسني والمبتدع من غير مداهنة، ومن غير أن يتكلم معه بكلام يظن أنه يرضي مذهبه، لأن الله تعالى قال لموسى وهارون: ﴿فقولا له قولاً ليناً﴾ (طه: ٤٤)، فالقائل ليس بأفضل من موسى وهارون، والفاجر ليس بأخبث من فرعون، وقد أمرهما الله تعالى باللين معه. وقال طلحة بن عمر: قلت لعطاء: إنك رجل يجتمع عندك ناس ذوو أهواء مختلفة، وأنا رجل فيّ حدة، فأقول لهم بعض القول الغليظ. فقال: لا تفعل، يقول الله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسناً﴾ فدخل في هذه الآية اليهود والنصارى ". (١) وقال الحسن: "لين القول من الأدب الحسن الجميل والخلق الكريم، وهو مما ارتضاه الله، وأحبه ... قال عطاء بن أبي رباح: من لقيت من الناس فقل له حسناً من القول ". (٢)
следующие страницы →