﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ (آل عمران: ٦٦).
قال القرطبي: "الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظر على من لا تحقيق عنده .. وقد ورد الأمر بالجدال لمن علم وأيقن، فقال تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (النحل: ١٢٥) ". (١)
وقال ابن كثير: " الآية هذه إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإن اليهود والنصارى تحاجوا في إبراهيم بلا علم .. فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم برد ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة الذي يعلم الأمور على حقائقها وجليتها ". (٢)
وقال ابن تيمية مبيناً ضرر الجدال بلا علم على المسلمين: "وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظرُ ضعيفَ العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل، كما ينهى ذلك الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار، فإنَّ ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة". (٣)
وتجنباً لهذا المحذور أوصى المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي في دورته التاسعة أن " لا يتولى الحوار إلا المختصون من علماء المسلمين "، وأكده في دورته الحادية والعشرين: " أن يتولى تمثيل الرابطة فيها العلماء المختصون بالمواضيع المطروحة في جدول أعمالها ".
٤ - الخروج عن آداب الإسلام في الحوار
ومما يؤخذ على بعض المشاركين في الحوارات العامة، خاصة غير الرسمية منها، - كتلك التي تجري على شبكة الإنترنت - الاستمرار في الحوار، ولو فقد مصداقيته وضل أهدافه، وساء أدبه، فاكتسى من السباب سربالاً، ومن العناد جلباباً.
وهذا ولا ريب من الجدال المذموم، و" قد تكون المصلحة في الامتناع عن مجادلة طائفة منهم أو مع أفراد لسبب أو لآخر، وهذا استثناء ... ". (٤)
стр. 72
وفي نبذ الجدل العقيم الصادر عن طائفة غير مؤمنة، يقول الله تعالى: ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلاً إذا قومك منه يصدون - قالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون - إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل﴾ (الزخرف: ٥٨ - ٥٧).
قال الطبري: " ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد هؤلاء المشركين في محاجتهم إياك بما يحاجونك به طلب الحق، بل هم قوم خصمون، يلتمسون الخصومة بالباطل ". (١)
يقول ابن تيمية: "وقد يُنهى عنها [أي المناظرة] إذا كان المناظَر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله، وهو السوفسطائي، فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بيّنة بنفسها ضرورية، وجحدها الخصم كان سوفسطائياً، ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك". (٢)
وقال ابن سعدي في وصف المجادلة المحمودة: "أن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها، بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق، لا المغالبة ونحوها)). (٣)
ومثل هذا الحوار ينجر عادة إلى السباب المحرم، الذي لا يتوافق مع الدعوة بالحكمة والمجادلة بالتي هي أحسن، بل هو نوع من الرعونة والفحش وسوء الخلق.
وهذه الصفات أبعد ما تكون عن المؤمن، إذ ((ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش ولا البذيء)). (٤)
قال الغزالي: "المؤمن ليس بلعان؛ فينبغي ألا يطلق اللسان باللعنة إلا على من مات على الكفر، أو على الأجناس المعروفين بأوصافهم، دون الأشخاص المعينين، فالاشتغال بذكر الله أولى، فإن لم يكن ففي السكوت سلامة". (٥)
ولما قيل لرسول الله ﷺ : يا رسول الله، ادع على المشركين .. قال: ((إنّي لم أبعث لعّانًا، وإنّما بعثت رحمةً)). (٦)
стр. 73
قال مكي بن إبراهيم: كنا عند ابن عون، فذكروا بلال بن أبي بردة [الوالي] فجعلوا يلعنونه ويقعون فيه لأذاه لابن عون وامتحانه له، وابن عون ساكت، فقالوا: يا ابن عون؛ إنما نذكره لما ارتكب منك! فقال: إنما هما كلمتان تخرجان من صحيفتي يوم القيامة: "لا إله إلا الله"، "ولعن الله فلاناً"، فلأن يخرج من صحيفتي: "لا إله إلا الله"؛ أحب إلي من أن يخرج منها: "لعن الله فلاناً". (١)
وخشية الانجرار إلى السباب وتقويض غايات الحوار ومقاصده نهى الله عن المؤمنين عن سب ولمز آلهة المشركين وأصنامهم، فقال: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ (الأنعام: ١٠٨).
وقد نقل المفسرون في سبب نزولها أن كفار قريش قالوا لأبي طالب: "إما أن تنهى محمداً وأصحابه عن سب آلهتنا والغض منها، وإما أن نسب إلهه ونهجوه"، فنزلت الآية. (٢)
وقد أفاد القرطبي منها النهي عن سب ولمز سائر ما يقدسه الآخرون، لا من باب التعظيم لها، بل سياسة وتألفاً، يقول: "حكمها باق في هذه الأمة على كل حال، فمتى كان الكافر في مَنَعة، وخيف أن يسب الإسلام أو النبي ﵇ أو الله ، فلا يحل لمسلم أن يسُبَّ صلبانهم ولا دينهم ولا كنائسهم ولا يتعرض إلى ما يؤدي إلى ذلك لأنه بمنزلة البعث على المعصية .. وفيها دليل على أن المحقَّ قد يكف عن حق له إذا أدى إلى ضرر يكون في الدين". (٣)
٥ - هجر المصطلحات والأساليب الشرعية
ومما يقع به المتحاورون أحياناً هجر المصطلحات والأساليب والحجج الشرعية والتباعد عنها تقرباً إلى الآخرين أو غيره مما يرونه مصلحة للدعوة.
وهذا الصنيع مجاف، بل منافٍ لما عهد من النبي ﷺ في مخاطبته المشركين.
стр. 74
ومن ذلك أنه لما قدم ضماد مكة أتى النبي ﷺ فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟ فقال رسول الله ﷺ : ((إن الحمد لله نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله))، فكانت هذه الكلمات سبباً في إسلامه، فقال للنبي ﷺ : (أعد علي كلماتك هؤلاء .. لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغنَ ناعوس البحر. فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام). (١)
ولما كتب النبي ﷺ رسائله إلى الملوك صدّرها بالبسملة كما في رسالة هرقل ((بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم .. )). (٢)
قال النووي في فوائد الحديث: "ومنها: استحباب تصدير الكتاب ببسم الله الرّحمن الرّحيم , وإن كان المبعوث إليه كافرًا". (٣)
ولا يمنع هذا مخاطبتهم بلغاتهم وطريقتهم إذا دعت الحاجة إليه، مع الالتزام بالضوابط الشرعية، قال ابن تيمية: "أما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم، فليس بمكروه، إذا احتيج إلى ذلك، وكانت المعاني صحيحة، كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة، وإنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه". (٤)
إن تعرفنا على محظورات الحوار - التي تخرج به عن ضوابط الشريعة الغرَّاء - يؤزنا لممارسة الحوار ضمن ضوابط الشريعة وآدابها، واللذان يكفلان تحقيق المقاصد والغايات الشرعية التي نتوخى الوصول إليها من خلال حوارنا مع الآخرين.
стр. 75
خاتمة
وبعد، فإن من دواعي سرور العقلاء تنامي الدعوة إلى الحوار في أوساط مختلفة من عالمنا الذي ضاقت شعوبه ذرعاً بحوار البندقية، ورأت أن الحوار الحضاري والثقافي يقدم بديلاً مناسباً لحل الخلافات المختلفة التي تنشأ بين الأمم والحضارات المختلفة.
فالحوار الحضاري هو الطريق الأفضل لفهم الآخر والتعرف على رؤاه ومقاصده، بعيداً عن الأحكام المسبقة التي تحمل في طياتها ركام أخطاء التجارب السابقة التي تدفع إلى مزيد من الشقاق والاختلاف، وتولد المزيد من الإحباط، وما يستتبعه من ويلات الحروب والمظالم.
وقد رأينا سبق الإسلام - ومنذ انبثاق فجره الميمون - إلى اعتماد الحوار وسيلة حضارية في التفاعل مع الآخرين، وقد قعّد له قواعده، ورسم له حدوده وضوابطه، ومنع من كل ما من شأنه تهميش هذه الوسيلة الدعوية أو التقليل من حيويتها ونفعها.
ودعاة الإسلام ومؤسسات المجتمع المسلم مطالبة اليوم باستعادة دورها الحضاري، والمبادرة إلى طلب الحوار وعقد ندواته وإشاعة أدبياته، والتصدي للنظريات المتصاعدة التي تدعو للصراع، وتطالب بالحسم قبل بداية دراما نهاية الزمن.
ورابطة العالم الإسلامي إذ تقدم هذه الدراسة، فإنما تؤكد حرص شعوب العالم الإسلامي على إرساء قواعد الحوار وآدابه وتخليصه من شوائبه ومكدراته، وهي تدفع بها مع انطلاقة منتداها العالمي للحوار بين أبناء الأديان والحضارات المختلفة.
والله نسأل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا الزلل، إنه ولي ذلك، وصلى الله وسلم وبارك على نبيه محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 76
المصادر والمراجع
- أحكام أهل الذمة، ابن القيم، تحقيق: يوسف البكري وشاكر العارومي، ط١، دار رمادي للنشر، ١٤١٨هـ.
- الإحكام في أصول الأحكام، علي بن حزم، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ.
- التعريفات، علي الجرجاني، ط١، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٥هـ.
- تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، تحقيق: إبراهيم الأبياري، ط٢، دار الكتاب العربي، ١٤١٣هـ.
- تيسير الكريم الرحمن، ابن سعدي، ط دار المدني، جدة.
- جامع البيان عن تأويل آي القرآن، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت، ١٤٠٥هـ.
- الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله القرطبي، ط٢، دار الشعب، القاهرة، ١٣٧٢هـ.
- حاشية ابن القيم، ابن قيم الجوزية، ط٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ.
- الحوار الإسلامي المسيحي، بسام داود عجك، ط١، دار قتيبة، ١٤١٨هـ.
- الحوار وآدابه، صالح بن حميد، ط١، دار المنارة.
- درء تعارض العقل مع النقل، ابن تيمية، تحقيق: محمد رشاد سالم، ط١، جامعة الإمام محمد بن سعود، ١٣٩٩هـ.
- دعوة التقريب بين الأديان، أحمد عبد الرحمن القاضي، ط١، دار ابن الجوزي، ١٤٢٢هـ.
- الرد على المنطقيين، ابن تيمية، ط٤، المكتبة الإمدادية، لاهور.
- شرح النووي على صحيح مسلم، أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، ط٢،
стр. 77
دار إحياء التراث العربي، بيروت، ١٣٩٣هـ.
- عون المعبود، شرح سنن أبي داود، أبو الطيب محمد العظيم آبادي، ط٢، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤١٥هـ.
- عيون المناظرات، أبو علي السكوني، تحقيق: سعيد غراب، منشورات الجامعة التونسية، ١٩٧٦م.
- الفتاوى الكبرى، ابن تيمية، ط دار المعرفة، بيروت، لبنان.
- الفتاوى الهندية، الشيخ نظام الهندي وآخرون، ط دار المعرفة بيروت، لبنان.
- فتح الباري شرح صحيح البخاري، علي ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩هـ.
- لسان العرب، ابن منظور، ط١، دار صادر، بيروت.
- مجموع الفتاوى، ابن تيمية، طبعة مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٦هـ.
- المصفى من علم الناسخ والمنسوخ، ابن الجوزي، تحقيق: د. صالح الضامن، ط١، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٥هـ.
- مفردات القرآن، الراغب الأصفاني، تحقيق: صفوان عدنان داوودي، ط١، دار القلم، ١٤١٢هـ.
- نواسخ القرآن، ابن الجوزي، ط١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥هـ.