← Джавами‘

Джавами‘ · id 95660

مقالات موقع الدرر السنية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (1 507 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر. والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله: (وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (١٤/ ٤٨٣) ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الإعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة. ويمكن إجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت إليها هذه الورقة في الخطوط التالية: -أن العبودية هي الغاية الكبرى, أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها. -أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الإلهية التي تضمنها الوحي, وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية. -أن أشرف مراتب العمارة هي العمارة الإيمانية, وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين. -أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة. -أن الإسلاميين ليسوا ضد المثاقفة, ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار, ويفرق بين مستويات الإنتاج في الحضارات الأخرى. -أن خطاب أنسنة التراث آل إلى تغييب دور النص في تشكيل التراث, ورد العلوم الإسلامية إلى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح, بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة. -أن المغالاة في مفهوم الإنسان آلت إلى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية. - أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بالقرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الإيماني. -أن المغالاة في النسبية يقود إلى العدمية, بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الإحسان, والإغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم. -أن الغضب لله ورسوله إذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولا نزقا ولا دوغمائية ولا وصاية ولا إقصاء. -أن الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة, من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية. -أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول إلى تعظيم شكلي نظري لا حقيقة له, لأن الجزئي معتبر في إقامة الكلي. -أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار, بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث. -أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يستهان بسطوتها على العامل للإسلام الشغوف باستمالة المدعوين. -أن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 1262

اللبراليون الجدد .. عمالة تحت الطلب ترجمة: إبراهيم عرفة أحمد كتب جون بي آلترمان ( Jon B. Alterman) مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي ( Center for Strategic and International Studies) مقالاً تحت هذا العنوان تحدث فيه عن تنامي الدعم الغربي لليبراليين العرب محذراً من أن تعاظم هذا الدعم سيضر الليبراليين العرب ولن يفيدهم، ومحذراً الغربيين من الرهان عليهم. ويعد هذا المقال اختصاراً لمقال آخر كان قد كتبه: ((أصبحت الحاجة ماسة إلى الليبراليين العرب أكثر من أي وقت مضى؛ حيث يرى فيهم بعض الغربيين الأمل والقوى القادرة على مواجهة خطر «القاعدة» لذلك يدعوهم كبار مسؤولي الحكومات في واشنطن ولندن وباريس وغيرها من العواصم الغربية إلى موائد الأكل وشرب الخمر. لقد ازداد الدعم الغربي لليبراليين العرب، لكن يبدو أن تنامي هذا الدعم قد يحدث تأثيراً معاكساً؛ فبدلاً من أن يؤدي إلى تقويتهم فإنه سيؤدي إلى تهميشهم ووصمهم بالعمالة، بل جعل الكثيرين يتشككون في الإصلاح السياسي الذي يسعى الغرب إلى تحقيقه في المنطقة. يعتبر اتخاذ السياسة الغربية لليبراليين العرب قاعدة انطلاق لتنفيذ سياساتها في المنطقة أمراً منطقياً؛ بالنظر إلى التجانس الموجود بين الطرفين؛ فالليبراليون العرب على مستوى تعليمي جيد، ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وفي بعض الأحيان يتحدثون الفرنسية أيضاً. فالساسة الغربيون يجدون الراحة في التعامل معهم وهم كذاك يحبون التعامل مع الغرب. لكن إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فيجب أن نعترف أن الليبراليين العرب القدامى قد كبر سنهم وازدادت عزلتهم وتضاءل عددهم، ولم يعد لهم إلا تأثير محدود في مجتمعاتهم والقليل من الشرعية؛ فهم بالنسبة لمواطني بلدانهم وبخاصة الشباب منهم لا يمثلون أمل المستقبل، بل يمثلون الأفكار الغابرة التي لم تنجح في الماضي، ولم يعد لديهم القدرة على استمالة قلوب وعقول أبناء بلدانهم. إن اهتمام الغرب المتزايد بالليبراليين العرب يُنذر بتأزم موقفهم، ويجعلهم يوصَمون بالعمالة، ليس العمالة الهادفة إلى تحقيق الحرية والتقدم، ولكن العمالة للغرب ومساعدته في مساعيه لإضعاف وإخضاع العالم العربي. بل الأسوأ من ذلك جعلهم يتحولون إلى الغرب؛ حيث يجدون حفاوة الاستقبال تاركين بذلك مجتمعاتهم؛ لأنهم لا يجدون فيها تلك الحفاوة التي يجدونها في الغرب. إن الناظر إلى حال الليبراليين العرب يجد أن السواد الأعظم منهم ينتظر أن تأتي الولايات المتحدة لتسلمهم مفاتيح البلاد التي يعيشون فيها؛ في الوقت الذي تقوم فيه الجماعات المحافظة بعمل برامج نشطة إبداعية مبهرة يقدمون من خلالها مجموعة من الخدمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. مع هذا؛ فإن كثيراً من الليبراليين يعتقدون حتى الآن أن دورهم ينتهي بمجرد كتابة مقالة. وإن من غير المحتمل أن يؤدي هذا الدعم المتنامي إلى انغماس هؤلاء الأشخاص في مجتمعاتهم، بل على العكس؛ فإن ذلك الدعم سيشكل حافزاً لهم لتعلم كيفية الحصول على المساعدات من الهيئات الغربية التي تقدم المعونة. وقد ذكر لي أحد أصدقائي بالإدارة الأمريكية أن نموذج المتلقين للمعونة التي تقدمها الإدارة الأمريكية هو ابن لأحد السفراء من أم ألمانية وتصادف أنه يدير منظمة أهلية. إن تقديم المساعدات إلى تلك المنظمات لا يجعلها تبدو نبتاً للوطن بل على العكس يقلل من ذلك التصور. إن السياسة الحكيمة تقتضي تنفيذ النقاط الثلاث الأساسية التالية بدلاً من الرهان على الليبراليين العرب: أولاً: أن نستثمر الحرية؛ وذلك بأن ندعم الحرية للجميع ليس فقط لمن يدعمون أفكارنا، بل ولمن يعارضونها.

стр. 1263

وقد يرى بعضنا أن الضغط على الحكومات العربية لإتاحة المجال أمام حرية التعبير وحرية إنشاء الجمعيات الأهلية والانضمام لها يشكل خطراً كبيراً، خاصة في ظل الحرب العالمية على الإرهاب. لكن ذلك أمر غاية في الأهمية؛ لأن تلك الحرية ستوجِدُ سوقاً حرة تُعرض فيها كل الأفكار، وهو الأمر الذي سيمكِّن الليبراليين من كسب الدعم الشعبي بدلاً من أن يُنظَر إليهم على أنهم قد اختيروا من الغرب ليكونوا بديلاً عن القوميين والمحافظين والراديكاليين. نحن دائماً ندعي أننا نرغب في أن تقوم دولة عظمى بإدارة الشرق الأوسط كي تتيح المجال للمنافسة. إذاً لماذا لا نرحب بتلك المنافسة بين الأفكار المبنية على مبدأ تكافؤ الفرص للجميع؟ ثانياً: يجب أن نقلل من الشروط والصفات المطلوبة في المنظمات التي نقدم لها الدعم، فعدم تقديم الدعم لمنظمات تقوم بأعمال إرهابية يعد أمراً طبيعياً، لكن سياسة منع الدعم عن المنظمات التي لا تقدم الدعم لسياستنا تعتبر هزيمة لأنفسنا، وستؤدي بنا إلى العزلة، كما ستضعف من مصداقية كل من نرغب في العمل معه. ثالثاً وأخيراً: يجب استحداث أنشطة جديدة لا تحمل ختم الإدارة الأمريكية؛ هذه الأنشطة الجديدة يمكن أن تنفذ بمشاركة من الحلفاء الأوروبيين الذين يشعر الكثير منهم بالقلق من تأزم الوضع السياسي والاجتماعي في العالم العربي. بعض الأنشطة الأخرى يمكن أن تقوم بها المنظمات الأهلية والجامعات ومؤسسات أخرى، الهدف من ذلك ليس إخفاء الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في هذه الأنشطة، بل الهدف هو جذب قطاع كبير من المجتمعات الشرق أوسطية إلى قطاع كبير من المجتمعات الغربية. كما يجب أن لا نتخلى عن الليبراليين العرب؛ فكثير منهم يقاتل بشجاعة في سبيل تحقيق أفكار ندعمها، والتخلي عنهم سيبعث برسائل خاطئة. لكن في الوقت نفسه يجب أن لا نعلق أملنا على نجاحهم؛ فالأفضل لنا أن نحقق نجاحات جزئية مع قطاع كبير من العامة بدلاً من أن نحقق نجاحاً كبيراً مع مجموعة من النخبة المنعزلة والتي لا تتمتع بأي تفويض شعبي. إننا نريد أن نروِّج للفكر التحرري بين جماهير العالم العربي الموجودة في القاهرة وبغداد وبيروت، وليس في واشنطن ولندن وباريس؛ لذلك يجب أن يأتي الدعم المقدم إليهم من حكومات تلك الدول وليس من الحكومات الغربية. وإذا نسينا ذلك فعندئذ لن نكون قد أسأنا لأنفسنا فقط، بل سنكون قد أسأنا في حقهم أيضاً.))

стр. 1264

موقف العلامة محمد بن عثيمين من التصوير ١٨/ ٧/١٤٢٨ هـ فضيلةَ الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر البراك وفقه الله سلام عليك ورحمة الله وبركاته ... أما بعد: فقد قرأتُ كلام الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀ في التصوير في المجلد الثاني عشر من مجموع الفتاوى له، وقد لحظتُ فيه أشياء أشكلتْ، مثل قوله: "إن التصوير الفوتوغرافي ليس تصويراً، ومع ذلك لا يجوز اقتناء الصور للذكرى"، ومع تردد في بعض المواضع في حكم التصوير، وفي حكم النظر إلى بعض الصور ... آمل تعليقكم على ذلك. الجواب: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإنّ مَنْ يُمعن النظر في أجوبة الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀ في التصوير، والنظر إلى الصور واقتنائها، يلاحظ أن تصوُّره للواقع فيه تشوّش، أي: إنه لم يتصور الواقع تصوراً تاماً، ولهذا وقع في كلامه في هذا الموضوع بعض الأمور التي تُسْتَغربُ مِنْ مثله، عفا الله عنه، ويمكن أن يتخذ منها أهل الأهواء والشهوات طريقاً إلى ترويج ما يهوونه من برامج الإعلام المرئية، ونشر أنواع الصور في الصحف والمجلات. وأهم ما لدينا من كلام الشيخ ﵀ في هذا الموضوع أجوبته كما في مجموع الفتاوى له في ج ١٢ من صفحة ٣١١ إلى ٣٢٧ ومدار كلامه ﵀ على ثلاث مسائل: ١ - حكم التصوير. ٢ - اقتناء الصور. ٣ - النظر إلى الصور. وحاصل كلامه في حكم التصوير أنه يختلف باختلاف المصوَّر، واختلافِ الوسيلة في التصوير، وعلى هذا فالتصوير باعتبار حكمه عند الشيخ ثلاثة أنواع: ١ - تصوير مباح على الصحيح، وهو تصوير الجمادات والنباتات. ٢ - تصوير محرم، وهو تصوير ذوات الأرواح باليد. ٣ - تصوير مختلف فيه، وهو تصوير ذوات الأرواح بالكاميرا. والشيخ ﵀ في الأغلب من ظاهر كلامه يختار جواز هذا النوع ما لم يُتَوَصَل به إلى ما هو محرم فيحرم، واحتج الشيخ لما ذهب إليه: أولاً: بأن التصوير بالكاميرا ليس هو من فعل المكلف، فلا يكون تصويرا. ثانياً: أن التصوير الذي بالكاميرا ليس فيه مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل للصورة التي خلقها الله بواسطة الآلة، وليس للإنسان في هذا فعل إلا توجيه الآلة وتحريكها، فنقل الصورة لا يتوقف على خبرة المحرك بالآلة ومعرفته بالرسم، وأيَّد ﵀ ذلك بمَثَل، وهو أن تصوير الخط كما في الصكوك والوثائق ما هو إلا نقلٌ لخط الكاتب، وليس خطاً لمن نقله بالآلة، فيقال: هذا خط فلان الذي هو كاتب الأصل. هذا حاصل ما احتج به الشيخ ﵀، وهو مسبوق إلى هذا، وما سمَّاه الشيخ نقلاً للصورة هو ما سمَّاه غيره من المجيزين للتصوير بحبس الظل، ويسمون التصوير بالكاميرا التصوير الضوئي. والجواب عن الأول -وهو أن التصوير بالكاميرا ليس تصويراً لأن ذلك ليس من فعل المكلف- أن يقال: هذا غير مُسَلَّم، فإنه تصوير لغةً وعرفاً، فإنه يقال للآلة: آلة التصوير، ولمُشغِّلها: المُصور، ولفعله: التصوير، وللحاصل بها: صورة، وهذا التصوير من فعل المكلف ولكن بالوسيلة، وهو من فعل المكلَّف، ولكن بالوسيلة الحديثة ((الكاميرا))، ومما يدل على أنه من فعل المكلَّف أن له أحكاماً، فقد يكون مباحاً وقد يكون حراماً كما تقدم. ويجاب عن الثاني -وهو أن التصوير بالكاميرا ليس فيه مضاهاة لخلق الله تعالى ... إلخ- بأن ذلك ممنوع؛ فالمضاهاة مقصودة للمصور وحاصلة. وتسمية ذلك ((نقلاً)) تغيير لفظٍ لا يغير من الحقيقة شيئاً، فلا يؤثر في الحكم.

стр. 1265

والصورة التي خلقها الله لا تنتقل عن محلها، فإنها لو انتقلت لخلا محلُّها، ومعلوم أن الصورة عَرَض لا يقوم بنفسه، فلا يوصف بالانتقال، بل الزوال، فالصورة الحاصلة بالكاميرا تضاهي الصورة القائمة بالمصوَّر وليست إياها، ولهذا يتصرف المصوِّر في الصورة بالتصغير والتكبير والتحسين والتقبيح. ولو كانت الصورة محضَ نقل لما أمكن التصرف فيها. فتبيَّن أن التصوير بالكاميرا تصويرٌ حقيقةً، لا نقلٌ للصورة التي خلقها الله، لأن ذلك متعذر. ولتصرف المصور في الصورة الحاصلة بالآلة. وأما صورة الخط فلا يقال فيها: إن هذا خط فلان، بل صورة خطه، ولهذا يفرق بين الأصل والصورة، فيقال في الوثيقة: هذا أصل وهذا صورة، ولا يُعوَّل في الإثبات على الصورة في الكثير من الأمور المهمة، بل لابُد من إحضار الأصل. والله أعلم. وأما المسألة الثانية، وهي حكم اقتناء الصور، فقد ذهب الشيخ ﵀ إلى تحريم اقتنائها للذكرى، وتحريم تعليقها، وقد أشار في ذلك إلى دلالة السنة على تحريم اتخاذها واقتنائها في غير ما يُمتهن. (ج ١٢ ص ٣٢٥) والسنة التي أشار إليها مثل حديث عائشة ﵂ في قصة القرام التي سترت به سَهْوة لها، أي فُرْجة، وكان فيه تصاوير، فلما رآه النبي ﷺ هتكه وتَلَوَّن وجهه، وقال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" قالت عائشة: فجعلناه وسادة أو وسادتين. متفق عليه. وكذلك قوله ﷺ : "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ثم قال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة" متفق عليه. وقد استوفى الشيخ ﵀ ذكر الأدلة على حكم اقتناء الصور في الجواب المُطول المفصل الوارد في ج١٢ في الصفحات من ٣١١ إلى ٣١٧. وسواء عنده أكانت الصورة كاملة أم غير كاملة إذا كان الرأس موجوداً لحديث أن جبريل ﵇ لما امتنع من دخول بيت النبي ﷺ لوجود التمثال الذي بالباب، أمر أن يُقطع رأس التمثال حتى يكون كهيئة الشجرة، ونقل الشيخ ﵀ عن الإمام أحمد قوله: "الصورة الرأس" ومثله عن ابن عباس ﵁. وأكد الشيخ أنه لا يزول حكم الصورة حتى يُبان الرأس إبانةً تامةً، وكأنه يشير إلى ما يفعله المحتالون على تحليل الحرام من تصوير الجسم وتصوير الرأس فوقه مع الفصل بينهما بخط، وقد نص ﵀ على جواز اقتناء الصورة أو ما فيه صورة مما تدعو إليها الحاجة أو الضرورة، كالصورة لإثبات الشخصية، والصور التي في النقود. وبين ﵀ أن ما يحرم اقتناؤه من الصور يتفاوت حكمه باعتبار مقصود مقتنيها، وباعتبار المصوَّر، كاقتناء صور العظماء وصور النساء، ولا سيما مع تعليقها أغلظ تحريماً من غيرها لما يتضمنه ذلك من المفاسد. وقد أجاد وأفاد ﵀ في مسألة اقتناء الصور هذه، وإن كان تصويرها بالكاميرا. ولكن هذا يُضعف ما ذهب إليه من جواز تصوير ذوات الأرواح بالكاميرا. فإن القول بجواز التصوير بالكاميرا مع تحريم اقتناء الصورة فيه نوع تناقض. مما يدل على أن قوله بجواز التصوير ليس هو فيه على طمأنينة. ويؤيد ذلك أنه نص في جوابه المفصل المشار إليه على أن التصوير بالكاميرا من المتشابهات، حيث قال بعد ذكر الخلاف: "والاحتياط الامتناع من ذلك، لأنه من المتشابهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". (ج١٢/ ٣١٢)

стр. 1266

وبناءً على ما تقدم يتبين أنه لا يصح إطلاق نسبة القول بجواز التصوير بالكاميرا إلى الشيخ، فإما أن يقال: (عنه في ذلك روايتان)، أو يقال: (إن قوله بالجواز لم يكن مطمئناً إليه وإن احتج له ببعض الشبهات العقلية، فقد ذكر القولين وحجج الفريقين، ومال في أغلب أجوبته إلى القول بالجواز). وقد اشتهر عنه القول بالجواز، وأخذ بذلك كثير من طلاب العلم وغيرهم تقليدا، كما تعلق به أصحاب الأهواء الذين لا يأخذون من أهل العلم إلا ما يوافق أهواءهم، فعمت البلوى بهذا التصوير واستباحه أكثر الناس؛ جهلاً وتقليداً وهوى، وهذا كله لا يضر الشيخ، فهو علامة مجتهد متحر ٍللحق، فأمره دائر بين الأجر والأجرين، إن شاء الله. فإن المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد. والمقلدون للشيخ لم يمعنوا النظر في سائر أجوبته، لذلك لم يعرفوا حقيقة مذهبه في هذه المسألة. وأما أصحاب الأهواء فلا يعنيهم التحقق من مذهب العالم وفتواه، بل يكفيهم أن يظفروا منه بما يوافق مرادهم ويصلح للتشبث به لترويح باطلهم. وفي كلام العلماء ما يُعد من المتشابه الذي يجب رده إلى الواضح من كلامهم، وسبيل أهل الزيغ اتباع المتشابه من كل كلام، كما قال تعالى: ﴿فَأما الّذين فِي قُلُوبهمْ زيْغ فَيَتّبعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتغاءَ تَأوِيلِه﴾ [آل عمران:٧] وهذا منشأ ضلال فرق الضلال من هذه الأمة، فنعوذ بالله من سبيل الغي والضلال. وخلاصة القول أن المبيحين للتصوير بالكاميرا أو التصوير الضوئي أصناف: ١ - علماء مجتهدون في معرفة الحق بريئون من الهوى، فهم في التصوير متأولون، وهذا الصنف قليل. ٢ - علماء مجتهدون متأثرون في اجتهادهم بضغط الواقع وشيء من الهوى. ٣ - مقلدون بحسن نية. ٤ - مقلدون مع شهوة وهوى، وهؤلاء يكثرون في المنتسبين إلى العلم والدين. ٥ - متبعون لأهوائهم لا يعنيهم أن يكون التصوير حراماً أو حلالاً، لكنهم يدفعون بالشبهات وبالخلاف من أنكر عليهم، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون، فالناس في هذا المقام كما قال الله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَالله ُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون﴾ [آل عمران:١٦٣]. وأما المسألة الثالثة، وهي حكم النظر إلى الصحف والمجلات والتلفاز فقد فصّل فيه الشيخ من جهة نوع المصوَّر ومن جهة أثر النظر: فعنده أن الصورة إذا كانت لحيوانات، أي لغير آدمي جاز النظر إليها، لكن لا يجوز اقتناء الصحف من أجلها وإن كانت لآدمي ففيه تفصيل، وهذا نص كلامه: "وإن كانت صور آدمي، فإن كان يشاهدها تلذذاً أو استمتاعاً بالنظر فهو حرام، وإن كان غير تلذذ ولا استمتاع، ولا يتحرك قلبه ولا شهوته بذلك، فإن كان ممن يحل النظر، كنظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة أو إلى الرجل أيضاً، على القول الراجح فلا بأس به، لكن لا يقتنيه من أجل هذه الصور" وهذا تفصيل حسن لا إشكال فيه، ولكنه ﵀ قال بعد ذلك: ((وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه، كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضوع شك وتردد)). (ج ١٢/ ٣٢٦) وقد ذكر بعد ذلك منشأ هذا الشك والتردد عنده وهو أمران: الأول: تردده في دلالة حديث "لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" هل النهي عن نعت صورتها الظاهرة كمحاسن وجهها، أو النهي عن نعت ما تحت الثياب من العورة؟ والشيخ يميل إلى الاحتمال الثاني، من أجل لفظ المباشرة ومن أجل زيادة النسائي في الحديث ولفظه: "لا تباشر المرأةُ المرأةَ في الثوب الواحد".

стр. 1267

فيقال: هب أن المراد من الحديث المعنى الثاني، فتحريم النظر إلى المرأة الأجنبية لا يتوقف على دلالة هذا الحديث، فقد جاء في الكتاب والسنة ما يدل على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، قال تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم﴾ [المؤمنون:٣٠] وقال ﷺ : (لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) رواه الإمام أحمد وغيره عن علي ﵁، وهو صحيح بمجموع طرقه. وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: سألت النبي ﷺ عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري. الأمر الثاني -مما أوجب التردد في تحريم النظر إلى صورة المرأة الأجنبية بغير شهوة-: ما ذكره من الفرق العظيم في التأثير بين الحقيقة والصورة. فيقال: أولاً: هذا لا يُسلم على الإطلاق، فقد تكون الصورة أعظم تأثيراً لما يجري فيها من التحسين والتلوين، والعناية في تحديد مواضع الفتنة. وثانياً: دعوى الفرق في التأثير بين الحقيقة والصورة -وإن سُلِّم في الجملة- فإنه يرد على ما قرره ﵀ في الاحتجاج لجواز التصوير بالكاميرا، حيث ذكر أن التصوير بالكاميرا نقلٌ للصورة التي خلقها الله، وهذا يقتضي أن تكون الصورة كالحقيقة في التأثير. نعم؛ إذا كانت المرأة الأجنبية حاضرة يُطمع في الوصول إليها، فهي من هذه الجهة أعظم تأثيراً على الناظر من الصورة. وبهذا يتبين أن النظر إلى صورة المرأة الأجنبية كالنظر إلى المرأة الأجنبية في التأثير والتحريم، وإن وُجد تفاوت بينها، فما كان أعظم تأثيراً كان النظر إليه أشد تحريما. هذا كله في النظر إلى المرأة الأجنبية أو صورتها بغير شهوة، أما إذا كان بشهوة فقد تقدم نص الشيخ على التحريم مطلقاً. وذكر ﵀ في هذا المقام شيئاً من الفرق في النظر إلى صورة المرأة الأجنبية بين المعينة وغير المعينة فإن كان النظر بشهوة وتلذذ فهو حرام، وإن كان بغير شهوة؛ فإن كانت الصورة لامرأة معينة، فالقول بتحريم النظر حينئذ قال فيه الشيخ: ((فيه نظر)) جزء ١٢ ص ٣٢٧ وإن كانت الصورة لغير معينة وبغير شهوة، ولا يخشى أن تجر إلى محظور شرعي، فالنظر في هذه الحال جائز. وهذا التفصيل من الشيخ ﵀ لم يذكر عليه دليلا. وحاصل ما تقدم أن رأي الشيخ في حكم التصوير بالكاميرا ليس مستقراً ولا محرراً، وإن كان الغالب على كلامه ظاهرُه القول بالجواز، وما ذكره من الأدلة على ذلك ضعيفة ومنقوضة كما تقدم، وكذلك ما ذكره من التفصيل في مسألة النظر إلى صور الآدميين فيه ما لا يتجه، كالفرق في النظر إلى صور المرأة الأجنبية بين المعينة وغير المعينة. وكذلك تردده في حكم نظر الرجل إلى صورة المرأة الأجنبية بناءً على الفرق في تأثير النظر بين الحقيقة والصورة. وهذا التفصيل وهذا التردد يمكن أن يكون شبهة لأصحاب الأهواء والشّهوات، من مطالعي الصّحف والشّاشات بإطلاق أبصارهم فيما يُعرض ويُنشر. وإذا كان معظم ما ينشر ويعرض من صور النساء يقصد منه الإغراء وجذب الأنظار وإشباع الشهوات، والدعاية إلى ترويج الصور والمجلات والمبيعات. فلا متمسك لأهل الباطل في كلام الشيخ ﵀. فإن النظر إلى ما يُعرض وينشر في وسائل الإعلام من صور النساء الفاتنات لإمتاع القراء والمشاهدين كله حرام عند الشيخ. وأما ما قرره الشيخ في مسألة اقتناء الصور فهو واضح بيّن لا إشكال فيه. والذي أراه صواباً هو تحريم التصوير بالكاميرا، وأنه داخل في عموم أدلة تحريم التصوير، وتحريم اقتناء الصور، وتحريم النظر إلى صور ما يحرم النظر إليه من الرجال والنساء، وأن الصورة كالحقيقة في ذلك، ويحسُن هنا ذكر جملة من الأحاديث الوردة في حكم التصوير:

стр. 1268

فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة) متفق عليه، وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : (أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله). ولهما عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ : (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم). ولهما عنه مرفوعاً: (من صور صورة في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ). وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ : (لَعَن المصورين). والأحاديث الدالة على تحريم تصوير ذوات الأرواح وأنه من كبائر الذنوب وتحريم اقتناء الصور كثيرة مشهورة محفوظة في دواوين السنة. وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن شريعة محمد ﷺ عامة وباقية إلى قيام الساعة، لعموم رسالته وختم النبوة به ﷺ ، فأحكام شريعته وخصوصها لا تختص بزمانه بل هي دائمة إلى أن يأتي أمر الله ﵎، ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، فنصوص تحريم التصوير شاملة لكل تصوير بأي وسيلة، مما كان في عهده ﷺ أو يكون بعده، والله الذي أنزل هذه الشريعة يعلم ما سيحدث من وسائل التصوير، فيجب تحكيم نصوص الكتاب والسنة وإعمال عُموماتها وإطلاقاتها، ما لم يثبت ما يوجب التخصيص أو التقييد، كما يجب التحاكم إليها عند التنازع كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ [النساء:٥٩]. وبعد؛ فعلى الجميع أن يتقوا الله ويلتمسوا رضاه، ويجتنبوا ما حرم عليهم وما يقرب إلى الحرام من المشتبهات. هذا ونسأل الله أن يلهمنا الصواب، ويهدينا سبيل الرشد في القول والعمل. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أملاه عبد الرحمن بن ناصر البراك الأستاذ (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود غرة رجب ١٤٢٨ المصدر: موقع الشيح عبد الرحمن بن صالح البراك

стр. 1269

خرافة السر (قراءة تحليلية لكتاب "السر" و"قانون الجذب ") بقلم: عبد الله بن صالح العجيري وقفت منذ مدة على كتاب (السر) ( the Secret) (١) لمؤلفته الاسترالية (روندا بايرن) (٢) وذلك في نسخته الإنجليزية، وقد حقَّق الكتاب حينها ولا يزال مبيعات هائلة بلغت ملايين النسخ، وتصدَّر قوائم الكتب الأفضل مبيعاً في المجتمعات الغربية، وتُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة من لغات العالم الحية، وحصد في طريقه أناساً فأخذ من أموالهم وعقولهم ما أخذ. وزاد من حمى انتشار الكتاب ما حضي به من حفاوةٍ إعلاميةٍ كبيرةٍ، حتى تنقَّلت مؤلفته ومشاركوها ليحلوا ضيوفاً في برامج فضائيةٍ واسعة الانتشار كبرنامج (لاري كنج) و (أوبرا) وغيرهما (٣)، ليكون ذلك سبيل دعاية لفكرة الكتاب وتسويقاً علنياً (للسر). ولقد طالعت هذا (السر) وقرأته فوجدت كتابَ دجلٍ وخرافةٍ، يراد تمريرها عبر بهرجةٍ لفظيةٍ، وزخرفةٍ كلاميةٍ، ودعاوى فارغةٍ، فتركت الكتاب ولم أحفل به كونه من الباطل البين، ولم أُعنَ حينها بالكتابة حوله كونه مكتوباً بلغته الأم مما ساهم في تحجيم انتشاره وتضييق عدد قرائه عندنا (٤). لكن حين تُرجم الكتاب إلى العربية، وأخذت إعلاناته تطل علينا في الشوارع، ويُسوَّق له على مستوى عالٍ، تغير الحالُ، وتبدَّلَ الرأي. فها هو الكتاب (يخبط خبطته) التجارية عندنا كما فعل في أماكن أخرى، وهاهو يزلزلُ بتلك (الخبطة) عقول أناسٍ وقلوبهم، ليحصد في طريقه المعجبين والمؤمنين. وما عليك إلا أن تبحث في الإنترنت باستعمال (اسم الكتاب= السر) أو (اسم المؤلفة=روندا بايرن) لترى حجم انتشار هذا العمل، وعظيم الاحتفاء به، وذلك في عشرات المواقع والمنتديات العربية، بل تسرب هذا الاحتفاء للصحافة المحلية، فأخذ بعض الصحفيين يمدح الكتاب ويروج له، فمثلاً:

стр. 1270

• يقول أحد الكتاب في مقال له منشور بصحيفة عكاظ (العدد ٢٠٩٦) مثنياً على الكتاب، ومظهراً ابتهاجه بمضامينه: ("السر" لـ"روندا بيوني" واحد من سلسلة نادرة من الكتب فيه تألق ذهني محض يمدك ببهجة طويلة الأجل ويسهل عليك عملية التنفس ويثير فيك الرغبة في الحلم في معركة حياتية نحتاج فيها جميعاً أن نعيد برمجة أحلامنا بعد مراجعة الظروف). • ويقول كاتب آخر في مقال له في جريدة الرياض (العدد ١٤٥٠٩) بعد أن عرض لخلاصة الكتاب: (هذا هو "السر" الذي حقق النجاح للكثيرين أعرضه لكم لأنني أحبكم وأتمنى أن تحققوا كل ما تصبون إليه، ولا أرجو من ذلك إلا أن تذكروا بالخير من كشفه لكم متمنياً للجميع النجاح). • وتقول إحدى الكاتبات في مقال لها (العمق والأثر) والمنشور بجريدة اليوم (العدد ١٢٨٠٥): (لأول مرة في حياتي انتهي من قراءة كتاب وأقلبه لأقرأه من جديد في اللحظة ذاتها التي انتهيت فيها منه. قرأته في المرة الأولى لأفهم سر رواج ذلك الكتاب في أمريكا وكيفية عمل (السر) وهذا هو اسم الكتاب ( the Secret) وقرأته في المرة الثانية وأنا (زعلانه) وعدم رضاي لم يكن بسبب الكتاب ومحتواه ولكن بسبب فقداننا نحن العرب المسلمين لمن يكتب لنا بتلك الطريقة السهلة بقربها ووضوحها وبعدها عن أسلوب الوعظ ومفرداته المتكررة في كل الكتب والمحاضرات). وتقول في آخر مقالها مكمّلة نقمتها على المكتبة العربية: (نبحث في المكتبة العربية عن كتاب من ذلك النوع فلا نجد، لأنهم جميعا يخافون من مغبة التفكير، ويميلون إلى المنقول، فنكرر أنفسنا، ونكرر معارفنا، بالأسلوب الذي لا نجرؤ على تجاوزه. وهو أسلوب الأمر وأسلوب النهي الذي جاء به كتاب (لاتحزن) كمثال. فالكتاب رغم اختلافه عن غيره إلا أنه لم يتجاوز تلك الأساليب بدءاً من العنوان ومروراً بصيغ الأمر المتكرِّرة كثيراً في الكتاب. ربما كان اختلاف الكتاب في أنه بسط الأسلوب القديم ومزج في الأثر على القراء بين الآيات والأحاديث والتجارب الإنسانية من خلال أبيات من الشعر. ولكننا نبحث عن المزيد من العمق ومزيدٍ من القرب الذي يترك فينا أثراً قويا كما فعل كتاب السر). فهل كتاب (السر) جديرٌ حقيقة بمثل هذا الثناء، أم أنه نتاج التغيير ليس إلا. فإذا ما اعتدنا الأسلوب الجديد، انقلبنا عليه وصار محل نقمتنا. ومن غريب ما قالته في مقالها هذا وهي تحدثنا عن حقيقة (السر) قولها: (فكل ما وجدته في الكتاب الذي شارك فيه مجموعة من المسيحيين وربما اليهود هو التالي: ? إن الدعاء مخ العبادة فألحوا في الدعاء. ? لئن شكرتم لأزيدنكم. ? تفاءلوا بالخير تجدوه. ? الإيمان العميق بالله وبقدرته. هذه النقاط الأربع هي الأسس التي بنيت عليها فكرة الكتاب). فهل هذه هي الأسس التي بني عليها الكتاب فعلاً، أم أنه مبني على ضدها ونقيضها؟! كما ستراه إن شاء الله. إن مثل هذه القراءة السطحية تنم عن إشكاليةٍ عميقةٍ عند كثير من قرائنا الذين يقرؤون ولكن لا يفهمون ما يقرؤون، أو يفهمون حسب مزاجهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء فهم حقيقة الكلام كما هو. بل جلُّ همهم البحث عن الجديد لمجرد كونه جديداً، ولمجرد خروجه عن المألوفِ، حتى لو كان المألوف حقاً لا مريةَ فيه، والجديد باطلاً!! • ويقال في كاتبة أخرى ما قيل هنا حيث ادعت ذات الدعوى في مقال لها معنون بـ (السر) وذلك في جريدة اليوم (العدد ١٢٣٦١)، قالت بعد ما تكلمت عن بعض أفكار الكتاب: (هي الأفكار الرئيسة في كل الأديان. الدعاء، الإيمان العميق بأن الكون مسخر لنا وبأن الخير غير محدود، وبأن الشعور بالرضا والشكر والحمد يولد خيرات أكثر. وهذا ما نجده في القانون القرآني أيضا: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وأن التفاؤل يجلب فعلا المسرات، أي كما قال محمد ﷺ (تفاءلوا بالخير تجدوه)) وتقول أيضاً مبينة منهجيتها في قراءة هذا الكتاب: (كلما كنت أقرأ فقرة أو قسما من الكتاب، بشكل لا شعوري أجد نفسي أفكر فيما يقابله في القرآن الكريم أو في التراث الإسلامي أو الإنجيل أو البوذية). ولقد ذهبت إلى إحدى مراكز البيع الرئيسة فهالني تهافت الناس على شرائه، ثم هالني أن الكتاب قد نفدت نسخه تماماً بعد أيام قلائل، ليس في الفرع الذي ذهبت إليه فحسب بل في مختلف الفروع وعلى مستوى مدنٍ مختلفة. فما السرُّ في انتشار (السر)، وما حقيقة السِّر المضمَّن في (السر)؟!

стр. 1271

رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ في الجِدَالِ والحِوارِ مع أهْلِ الكِتَاب ِ راجعه وقدم له/ الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف تأليف/ الشريف محمد بن حسين الصمداني تقديم الحمد لله الذي أمر وأوجب جدال الكفار ومحاورتهم بقوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل ١٦/ ١٢٥] والقائل: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [سورة العنكبوت ٢٩/ ٤٦] والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي امتثل لأمر الله وجادلهم في مكة والمدينة وفي حال القوة والضعف وفي السلم والحرب وأمر بذلك وسماه جهاداً فقال ﵊: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أحمد وغيره. قال ابن حزم ﵀ "وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله"، وهذا الواجب قد فرَّط فيه كثيرٌ من الدعاة والمصلحين، ففي الوقت الذي نجد فيه دعاة التقريب بين الأديان ودعاة العصرانية ينشطون لذلك ويعقدون الندوات والمؤتمرات تارة باسم التعاون وأخرى باسم التسامح والتعايش وثالثة لتحاشي النزاعات وصدام الحضارات -زعموا- وغير ذلك من التُرَّهات؛ في الوقت نفسه نجد تقاعساً كبيراً وعزوفاً من دعاة الحق عن هذا النوع من الجهاد وأحسنهم حالاً من اهتم بدعوة أهل الكتاب -وفي هذا خيرٌ كبير- مع أن دعوة أهل الكتاب والمشركين ليست هي جدالهم ومحاورتهم وما يُدرأ من المفاسد والشرور بالجدال لا يمكن درؤه بمجرد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي أُمرنا بها، قال شيخ الإسلام ﵀ "أما الجدلُ فلا يدعى به، بل هو من باب دفع الصائل؛ فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن" والله قد يدفع بالحجة واللسان ما لا يدفعه بالسنان قال العلامة ابن حزم ﵀: "ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبداً فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة". وما أحوج من أراد أن يتصدى لهذا النوع من الجهاد أن تكون له رؤية شرعية يتسلح بها في جهاده لأعداء الله، هذا وقد تكفل أخونا الفاضل الشريف محمد بن حسين الصمداني بإيضاح هذه الرؤية من خلال كتابة هذا البحث الموسوم بـ ((رؤية شرعية في الجدال والحوار مع أهل الكتاب)) وقد قرأته ووجدته بحثاً قيماً يجدر بمن تصدى للحوار مع أهل الكتاب أن يستفيد منه وقد ذكر فيه مؤلفه -جزاه الله خيراً- مباحث مهمة استوقفني منها الشرط الأول من شروط المحاور المسلم ولوازمه وهو الأهلية وإعطاء الإسلام حقه من النصرة والبيان ومن لوازم هذا الشرط -كما ذكر -: ١ - العلم والعدل. ٢ - معرفة ما ينكي وينجع في رد صيال الخصم وجداله. ٣ - الصدع بالحق والجهر به. وقد علمت أنه أطلعه على عددٍ من المشايخ الفضلاء وطلاب العلم فاستحسنوه. أسأل الله أن يجزي الباحث خير الجزاء، وأن يرزقنا وإياه الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا وأن ينصر جنده ويعلي كلمته إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ... أقوال ابن تيمية وابن حزم منقولة من أصل البحث فليرجع إليها.

стр. 1272

التدين الجديد وأثره في تمرير ثقافة التغريب في مجتمعاتنا أنور قاسم الخضري مقدمة: استطاعت الصحوة الإسلامية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي فرض نفسها كواقع ملموس في الحياة العامة، والأوساط الاجتماعية المختلفة؛ ذلك أنها خاطبت كافة الشرائح والفئات والنخب - بغض النظر عن مدى مضمون هذا الخطاب وسلامته!! ونظراً لأن الإنسان متدين بالفطرة، فهناك تيار عام وظاهر اليوم ينحو باتجاه الشخصية المتدينة، بعد أن سادت لفترة من الفترات طبيعة اللامبالاة والإعراض والتخلي عن الدين، وذلك تحت وطأة التوجه العلماني الذي عمل على تغييب الخطاب الديني ومحاربته وصدِّ الناس عنه. والقارئ أو المستمع أو المشاهد أو الزائر - في العالم العربي والإسلامي- لا يخطئ مظاهر التدين التي تنتشر في أوساط المجتمع وتلوح على مؤسساته وأنشطته وتعاطيه مع الأحداث .. هنا وهناك. ويبقى من الضروري في ظل هذا الاتساع والانتشار السريع والمتزايد دراسة الظواهر المصاحبة لهذا التوجه (أو التيار) الديني .. أو ما اصطلح عليه "الصحوة الإسلامية". وهذه الضرورة لدراسة من هذا النوع تنبع من عدة جوانب: أولاً: أن توجه الناس نحو التدين يرافقه غالباً جهل بأحكام الدين ومقاصد الشريعة، الأمر الذي قد يوقع البعض في الغلو أو المحدثات أو إضافة شيء إلى العقائد والعبادات والشرائع، وهو ليس منها أصلاً! وبالتالي فيجب على العلماء والدعاة مواجهة أي خطأ من هذا النوع مع نشوء بوادره، كما كان هديه ﷺ مع أصحابه، فحديث "ذات أنواط"، وحديث الثلاثة نفر الذين سألوا عن عبادة الرسول ﷺ فتقالُّوها .. وغيرها، هي من باب حرص الشارع على ألاَّ تخرج طبيعة التدين الناشئ في النفس البشرية عن حدود الشرع ومقاصد الدين. ثانياً: أن هناك من شياطين الإنس والجن -في كل زمان ومكان ومجتمع- من يحاول أن يحرف توجه الناس إلى التدين إلى مسار مخالف، أو منحرف، مع كونه يبدو في مظهره أنه المسار الصحيح؛ وأغلب انحرافات الأمم عن التدين إنما وقعت في بداياتها الأولى بشيء يسير من المخالفات التي لبست عليهم الشياطين فيها، ليصبغوها بصبغة التدين، ثمَّ ما لبثت أن صارت طرقاً مضاهية للدين، ولكل طريقة أشياع، ولكل شيعة مطاع!! ثالثاً: أن التدين في غالبه هو استجابة لخطاب ديني موجه، وبحسب سلامة هذا الخطاب وصحة مضامينه تكون سلامة الأتباع وصحة أعمالهم وأقوالهم ومعتقداتهم. ونظراً لكثرة الخلاف وتعدد الاجتهادات على مدار أكثر من أربعة عشر قرناً، فإن من الصعب على العامة والجماهير الغفيرة المقبلة على التدين الوصول إلى الرؤية الصحيحة والمناهج الحقة والتغذية المتكاملة والمتزنة والمتدرجة، والتي يصلون بها إلى مراتب الكمال البشري بصوره المختلفة؛ وهذا قد يؤدي بهم إلى الانتقاء والاختيار من "المعروض" وبحسب الرغبة والحاجة، وبالتالي تصنع الجماهير لأنفسها في ظل غياب الخطاب والتوجيه الموحد "تديناً جديداً"، يحمل ملامح غير متجانسة وعناصر غير مترابطة ... وهو بدوره قد يشكل وعياً جمعياً ضاغطاً، وأخطر ما فيه أنه غير موجه ولا إرادي، ومع مرور الوقت يربوا فيه الصغير ويهرم فيه الكبير، ويصبح ديناً له مفاهيمه وقيمه وسننه وشرائعه!! فإذا أراد العالِم أن ينكر على أهله قالوا: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ [الزخرف:٢٣]. التدين بين الجديد والقديم:

стр. 1273

إن التدين باعتباره جهدا بشريا في جانب التعاطي مع الدين وتطبيقه في الحياة، يتغير ويتبدل ويتجدد، بحسب أحوال الناس وظروفهم المحيطة ووفرة القائمين بواجب الدعوة والتذكير والإرشاد والتعليم. ومن الطبيعي أن يعتريه نقص أو قصور أو خلل، لأن هذا شأن النفس الإنسانية والمجتمع البشري. ومن هنا فإن تسمية ما يحدثه الناس في واقعهم الديني بـ"التدين الجديد" أمر لا غبار عليه، وهو من باب الاصطلاح على الظواهر الجديدة؛ والمهم في الأمر هو التوصيف الموضوعي لهذا الاسم بما يتطابق مع واقعه؛ حتى لا تبنى بقية الأحكام بعيدا من الواقع وحقائق الأمور! ولست أول من يلتفت إلى هذه الظاهرة ويسميها بهذا الاسم، فهناك من كتب عن "الدعاة الجدد" وآخرون كتبوا عن "المتدينون الجدد"، وهي في مجموعها كتابات تتطرق إلى الظاهرة من رؤى مختلفة! وتحليلات متباعدة! فماذا نقصد بـ"التدين الجديد"؟! إن هذا المفهوم متصل بمصطلح "المتدينون الجدد" باعتبارهم النموذج المادي لهذا المفهوم! وعليه فما هي خصائص هذه الفئة من المتدينين، والتي تميزهم عن غيرهم ليحملوا هذا اللقب؟ خصائص "المتدينين الجدد": ظهر في الفترة الأخيرة من العقد الماضي دعاة: "استطاعوا أن ينتقلوا بالأفكار الدعوية والتربوية إلى مدارات جديدة ومختلفة، ومنها إعادة عرض الأفكار الدعوية بشكل جديد، معتمدين على تقنيات حديثة، وأساليب مستحدثة، ومن هذه المشروعات المزدهرة في مصر: مدارس القرآن التي انتشرت بمنهجية متطورة وأسلوب عمل محترف، واعتماد على تقنيات جديدة، وكذلك العدد الضخم من الجمعيات الخيرية والأهلية التي تدار بمجلس إدارة أقل من الثلاثين عمرا، وبأفكار تنموية رائدة". مرجع (٣) وانطلق أتباعهم: "نحو عمل اجتماعي شبابي لا يقول: نحن إسلاميون، بل ينخرط فيه الجميع، محجبات وغير محجبات، متمسكون بالصلاة أو غير ذلك!!، ولم يجعل هدفه التغيير الكامل لهؤلاء الأفراد، ولكن التعاون على أهداف بعينها: زيارة لملجأ أو المشاركة في إنشاء مستشفى أو غير ذلك". مرجع (١) ومما يلاحظ على هؤلاء الأتباع وجود الهم للإسلام، لكن وكما يقول أحمد زين: "التعاطي ونمط المعيشة والتصورات تتم وفقا لنمط الحياة الغربية بصورة طاغية ولافتة، وأعتقد أن الرجوع للأحكام الفقهية يمكن أن يدين نموذجا هذا توجهه، كما أن هذه الفترة التي نحياها كفيلة من الناحية الحضارية أن تُوجه نحو أنماط أخرى من الحياة مختلفة عن هذا النموذج، كما أتصور أن التعاطي مع الأغاني والسينما -الغربية خاصة- وغير ذلك لا يُرضَى عنه فقهيا بجملته". مرجع (٤) إنه جيل يتلقى ثقافته بنفسه عن طريق الكم الهائل من الفضائيات ومواقع الإنترنت! ويتمتع بقدر من المكانة الاجتماعية، باعتبار الطبقة التي نشأ فيها وظهر منها! كما أنه متمرد اجتماعيا نتيجة الحرية التي يتلقها في أسرته! وله علاقاته المنفتحة مع الجنس الآخر في العائلة والجيرة والدراسة والعمل! ويشكل مواقعه الخاصة على الإنترنت، والتي تجمع بين ما هو إسلامي وما هو مخالف للإسلام .. فصور مشاهير الممثلين والرياضيين والمغنيين .. إلخ، مع روابط الأغاني والموسيقى (المنتخبة)!! ويعد برامجه المتنوعة على القنوات الفضائية، وهي متأثرة إلى حد بعيد بالبرامج المختلطة الأخرى! إنه جيل منطلق يريد تحقيق الأفكار التي اقتنع بها، ونشر الآراء التي تبناها! مستغلا الوسائل العصرية كالفضائيات والإنترنت والصحافة والمجلات! وتتوفر له كافة وسائل الترفيه والمتعة! وإمكانيات الاستقلال بأعمال خاصة! وليس عند هذا الجيل إشكالية في التعايش مع المفهوم العلماني للدين! نظرا لمفهوم "الإرجاء" الشائع في أوساطه، ولاختلاط المفاهيم والأحكام الشرعية لديه.

стр. 1274

وهؤلاء في الغالب هم نتاج فقهاء الرُّخص والتيسير والتسامح، ونتاج ما عرف بـ "الدعاة الجدد"، لذلك فلا غرابة أن تجد في سلوكياتهم الكثير من المخالفات الشرعية الظاهرة! وفيما ينظرون إلى أنفسهم بأنهم عاملين ودعاة للإسلام (الذي يحملونه)، تظهر على أشخاصهم وسلوكياتهم مخالفات شرعية، هي في نظرهم أمورا مباحة أو سهلة!! وبالتالي فإن أعمالهم العشوائية والمستقلة تأخذ طابعا منافسا للطابع التقليدي للجهود والأعمال القائمة! ومن الأمثلة على دعاة هذا التيار الأستاذ عمرو خالد: "فهو من هذا الوسط، الذي يذهب للنادي ويختلط مع فتيات عائلته، فهو لن يقدم وجهة نظر مثالية أو متخيَّلة، بل على العكس، سيقدم وجهة نظر واقعية تحاول أن تتحرك بالواقع بعض الشيء، لا أن تتجاوزه وتتخطاه، فليس ثمة فراغ اجتماعي، بل هو مجرد التعديل على النمط، فلا مشكلة أن تتحدث الفتاة في التليفون مع ابن عمها، ولا مانع أن ترافقه إلى عمل أو زيارة، ولا مشكلة أن يتصلا ببعضهما لترتيب زيارة إلى ملجأ أو رحلة جماعية مع بعض المسنين، أو ينزلا في سيارة أحدهما لشراء احتياجات هذه الرحلة، وهذا ما يمكن أن يفسر ابتعاد عمرو خالد عن هذه المساحة، وعدم محاولة أن يتدخل في مساحة لن يستجيب له أحد فيها؛ فالجانب الاجتماعي والفقهي سيتعرض لحراك كبير داخل الحركة تأثرًا بهذا الجيل الجديد". مرجع (١) "وعلى سبيل المثال فإن مفهوم عزل الرجل عن المرأة في الزيارات الاجتماعية قد اكتسح سلوكيات الأفراد، على الرغم من أن داعية كبيرًا بحجم مرشد الإخوان عمر التلمساني كان قد أصدر كتاب (المرأة ومكانتها السامية) سخر فيه من هذا المفهوم، وأثبت بأحاديث صحاح أن المرأة يمكن أن تقدم لضيوف زوجها واجب الضيافة، وحمل بشدة على موجبي النقاب على المرأة"!! مرجع (١)، بتصرف "إنني ألمح خلف هذه السلوكيات ثقة غير محدودة بالنفس، كما أشعر بتجاوز شديد للمرجعيات الفقهية، بالإضافة إلى عملية انتقاء مخلة، سواء بالنسبة لمصادر التلقي (الدعاة غالبا)، أو في الفتاوى التي تُختار، ولا شك أن تنامي معارف هؤلاء المتدينين الحياتية وقدرتهم المبهرة على التوصل للمعلومات (لا العلم)، والثقة الشديدة بالنفس تشعرهم بالقدرة - ولو الزائفة - على الاجتهاد .. فتكون المعادلة: اجتهاد العلماء الميسر + اجتهاد شبابي واثق بلا حدود ودون ثقافة شرعية = حالات تساهل وترخص". مرجع (٤) يقول الدكتور صلاح عبد المتعال الخبير الاجتماعي المصري، المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، وهو من المتابعين والمراقبين لهذه الظاهرة، في حوار له مع موقع "إسلام أون لاين": "في تصوري ظاهرة الدعاة الجدد ظاهرة محمودة، وعلينا تشجيعها ومباركتها، وإن كان لي عليها تحفظ؛ وهو أنها تبتسر الدين وتنتقص من شمولية الإسلام، وإن كان بعضهم لا يريد أن يتناول الإسلام بمفهومه الشامل، ولا يتطرق إلى أمور سياسية حتى لا تمنعه السلطات. غير أنه على أي حال جهد مشكور، وكلٌ يؤجر حسب نيته". مرجع (٧) ويفسر نجاح تيار "الدعاة الجدد" في: " أنه يقدم للشباب وجبة شهية من (الدين اللذيذ)، دون (التكليف المر)؛ فلم يحمِّلهم هم هذا الدين؛ حيث عرض عليهم دينا "لا شوكة فيه". وقد ذكرني ذلك ببعض الفرق المتصوفة التي تتقرب إلى الله وتقوم الليل وتصوم وتتعبد، أما المسئولية السياسية ومعايشة مشكلات الناس .. فلا". مرجع (٧)

стр. 1275

أما الكاتب عاصف بيات، فيرى أن: "هناك تحولا من التركيز على فكرة "الحاكمية للإسلام" إلى التدين الشخصي والأخلاق في المعاملات اليومية، وهو تحول من فلسفة تستهدف الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة إلى استهداف الطبقات العليا في السلم الاجتماعي، وهذا التحول يجعل الإسلام ليس مشروعا سياسيا بقدر ما هو نشاط دعوي يهدف إلى الخلاص الذاتي". مرجع (٨) إنهم "يتحركون في المساحات الممكنة بعيدا عن المشاكل، مفضلين ألا تهدر أوقاتهم في محاولة تغيير ما قد يبدو مستحيلا"؛ بحسب وجهة نظر نهى الإبياري .. وهي تكتب عن حالة أندونيسيا كمثال! وحول سؤال لصحيفة «الشرق الأوسط» لـ"باتريك هاني" عن مدى احتمال تحول خطاب عمرو خالد و"الدعاة الجدد" إلى وجهة سياسية؟! يجيب: "الابتعاد عن السياسة كان سر نجاح هذه الظاهرة، وما يميزها عن خطاب جماعات الإسلام السياسي الآخذ في الأفول، كما أن التدين الجديد ذا الطابع (المتعولم) والذي يتصاعد خطابه عالمياً دائماً ما يتكون وينمو خارج السياسة، إضافة إلى أن خطاب عمرو هو بالأساس خطاب للطبقات العليا والصاعدة التي لا مصلحة لها في أي تغيير سياسي ولا تملك تصوراً ولا رغبة فيه". راجع صحيفة "الشرق الأوسط" في ١٣/ ١٢/م، مرجع (٩). مظاهر "التدين الجديد" وآثاره: إن جيل "المتدينين الجدد" ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد كما يبدو للتدين الذي بدأ في منتصف القرن الماضي وعاش دوامة الصراع السياسي بين العلمانية والإسلام، وبدا في حينه أنه لم يحقق شيئا فاتخذ طابع الكسب الجماهيري لمواجهة المد العلماني، ومن ثم ترخص في كثير من الأمور تماشيا مع الظروف والملابسات التي أحاطت به في ذلك الوقت! وهو كأي تغير ناشئ له مظاهره التي لا تخطئها العين أو السمع في المجتمع أو عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة، وهنا نضع سردا عاما لهذه الظواهر من خلال مشاهدات شخصية أو كتابات تطرقت للموضوع! ومن أول مظاهر "التدين الجديد" أنه تدين في أوساط اجتماعية ثرية ورفيعة ومثقفة بل ومنفتحة، يقول أحمد زين: "إذا ركزنا على المجتمع المصري كمثال؛ فسنجد تغيرًا يُلحَظ في المجتمع المصري -ربما منذ ١٩٩٨م- في خريطة التدين به، فثمة انتقال لثقل التدين نحو طبقات أعلى اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأقوى وأكثر تأثيرًا". مرجع (١) ويضيف: "لكن في العقد الذي نعيشه برزت مظاهر التدين وسط طبقات أكثر ثراءً، أو بشكل أدق: الطبقات "الأكثر ثراءً" .. مجتمعات (مارينا) التي غزاها الحجاب، ومساجد النوادي الراقية (الشمس والصيد وسبورتنج) التي امتلأت بجمهور كان قد تعود على ارتياد أماكن اللهو، وقد نشر هذا الجمهور في أنديته صلاة القيام والدروس الدينية، وشهدت الجامعة الأمريكية -وهي مكان نخبة النخبة ماديا في مصر- صعودًا لتيار إسلامي متعدد الوجهات والاتجاهات". مرجع (١) وهو تدين في أوساط الفتيان والفتيات، أي شريحة الشباب! ففي تونس: "يرى الباحثون أن هناك إقبالا متزايدا من قبل فئات الشباب على المساجد، ومن النساء والفتيات -خصوصا في المدن الكبرى- على ارتداء الحجاب، على الرغم من وجود نص قانوني صريح مانع له". مرجع (٢) لكن طبيعة هذا الإقبال في تونس: "ترتبط بتوجه اجتماعي وأخلاقي محض، يقوم على وعي المتدينين بأهمية النأي بالتزامهم الديني عن أي صراع سياسي أو حزبي"؛ وهذا البعد عن الجانب السياسي ليس إلا نتيجة للحرب التي لاقتها الأجيال السابقة، إلى درجة ينتقدها الغرب على هذه الأنظمة العميلة له أصلا!

стр. 1276

وقد صاحب تدين هذه الشريحة من الناس مظاهر غريبة عن الوسط المتدين حقا: "فلا مشكلة أن تتحدث الفتاة في التليفون مع ابن عمها، ولا مانع أن ترافقه إلى عمل أو زيارة، ولا مشكلة أن يتصلا ببعضهما لترتيب زيارة إلى ملجأ أو رحلة جماعية مع بعض المسنين، أو ينزلا في سيارة أحدهما لشراء احتياجات هذه الرحلة"! مرجع (١) وتجاوز الأمر إلى الفضائيات الرسمية وغير الرسمية: "فلم يعد التلفزيون الرسمي يظهر المتدين بالصورة الساذجة التي تلمز الدين وقيمه، بل ظهرت المحجبات في الأعمال الدرامية وانتشرت فيه البرامج الدينية حتى في أوقات ذروة المشاهدة، ووصل الأمر إلى أن تكون البرامج الدينية من السهرات الأساسية (نور على نور، ورب اشرح لي صدري) ".مرجع (١) وقد بلغت آثار هذا التيار على الصحوة الإسلامية، يقول أحمد زين: لقد بدأ التأثير في الحركة الإسلامية بالفعل خاصة في الجانب الاجتماعي الذي هو وثيق الصلة بالجانب الفقهي؛ فقد أصبح داخل الحركة الإسلامية الآن شبه حراك في هذين الجانبين، خاصة أن الحركة قد دعمت نمطًا معينا خلال الثمانينيات. مما يلفت النظر الآن - مثلا وليس حصرًا- أن كثيرا من السيدات والفتيات المنتسبات للحركة قد استبدلن بـ (الخمار التقليدي) الذي تعود عليه المجتمع المصري والذي كانت توصف كل من تلبسه بـ (الأخت) .. استبدلن به غطاء الرأس والصدر القصير المتعدد الأنماط والألوان. هذا التغير وإن أخذ شكلا مظهريا إلا أنه ينبئ عن حراك ما، هذا الحراك ربما يكون تم تحت ضغط الأناقة التي يبدو عليها حجاب المتدينات الجدد، وانخراط الكثيرات منهن في مناشط الحركة، وربما تحت ضغط الانفتاح على أشكال الحجاب المختلفة (الإيراني والخليجي والأوربي ... )، التي وسعت الخيارات أمام هذا الجمهور الذي تعود على نمط واحد من الاختيارات. ولكنه في رأيي يبقى تأثرا بالتدين الجديد، وثورة على النمط التقليدي الذي دعمته الحركة -ولو بطريق غير مباشر- في فترة الثمانينيات. ومن هذا التأثير تغير الأنماط السائدة في المناشط الاجتماعية؛ كالأفراح والزيارات؛ فأصبح من الطبيعي والمعتاد أن تكون هناك أفراح مختلطة أو رحلات مشتركة، أو ما شابه". مرجع (٣) ويضيف قائلا: "ثانية هذه الملاحظات العابرة حول التأثيرات أيضا: التعامل مع الفنون؛ فالقطاعات الشبابية داخل الحركة الإسلامية أصبحت تتعامل مع الفنون بقوة؛ بل أصبحت بعض التزكيات داخل الحركة توصي بمشاهدة بعض الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، وكثيرة هي النقاشات حول الأعمال الفنية حتى الهوليودية منها داخل مواقع الإنترنت، وساحات الحوار المتعلقة بالحركات الإسلامية". مرجع (٣) يقول أحمد زين من واقع تعامله مع هذا الوسط: "أعتقد أنني تعاملت كثيرا مع المتدينين الجدد فتيانا وفتيات، سواء في العمل أو الدراسة أو العمل الخيري وغير ذلك من مناشط، وفي كثير من هذه الاحتكاكات تولدت عندي بعض الملاحظات التي أثارت دهشتي؛ فهذه الشريحة التي ترى نفسها ملتزمة بالإسلام، وبعضهم يمارس بعض الواجبات الدعوية، وكثيرا ما يحدثك عن قصة التزامه، وعن روعة التدين الذي وجد نفسه من خلاله، ومع كل هذه المظاهر؛ فإن ثمة ترخصا تلاحظه على سلوكياتهم، وسأحاول وضع هذه المظاهر بين قوسين دون ترتيب: (فتيات يضعن الماكياج الخفيف- يتساهلن في التعطر والنمص- ملابس ضيقة أحيانا- مزاح وضحكات عالية بين الجنسين- حديث بين فتى وفتاة بعيدا عن المجموع، لا مانع أن يكون استشارة أو شكوى- متابعة أحدث الأفلام في السينما العربية والغربية- سماع الموسيقى الغربية ومتابعة أخبار الفنانين- عدم ظهور الاهتمام بغض البصر ... إلخ).

стр. 1277

هذه المظاهر يمكن التأكيد عليها من خلال متابعة جمهور الدعاة الجدد من خلال الفضائيات، أو حتى من خلال التجمعات الشبابية في صلاة القيام أو الاعتكاف في رمضان". مرجع (٤) ويضيف متابعا: "يحضرني مثال تعجبت له، وهو أن إحدى رموز المتدينات الجديدات وهي مذيعة شهيرة لبرنامج ديني؛ هو المصدر الأكثر شهرة وأهمية بالنسبة لمصادر التلقي للتدين الجديد -سأغفل دور هذه المذيعة في توجيه الظاهرة، لكنني سأعتبرها إحدى أفراد الظاهرة في التعريف بها- سردت بموقع برامجها على الإنترنت قائمة طويلة من المغنين والممثلين العرب والهوليوديين والأفلام والأغاني الأمريكية، ورغم أنها تقول في نهاية حوارها: (إن الحشمة تعطي للمرأة الجمال الحقيقي وهو جمال الأخلاق)، فإنها في بداية الحوار وصفت بـ (الجمال المبتسم) -لاحظ الدلالة، وأخيرا فإنها تحلم للإسلام، يقول الحوار: (أما أكثر حلم تتشوق لتحقيقه فهو تغيير شكل البرامج التي تقدم الإسلام ... )، وتقول: (أريد أن أعرض الإسلام بصورة تجعل كل فرد في العالم يفهم المعنى الصحيح لهذا الدين القويم) ". مرجع (٤) ومن المظاهر المصاحبة -وربما تكون أيضا من الأسباب- في هذه الظاهرة: "القص واللصق من الفتاوى والاجتهادات والتي تجري على أشدها لإكساب المشروعية لكثير من الأفعال التي درج الشباب عليها؛ فبدلا من أن يتنازل عن عادات ما قبل التدين إذا به يحاول أن يجد لها مبررا شرعيا محترما". مرجع (٤) وحتى لا نتجاوز في القول، ونعمم في الأحكام، فإن مظاهر "التدين الجديد" -الذي نحن بصدده- تختلف من بلد لآخر .. بحسب طبيعة الدعاة فيه، ومدى محافظة المجتمع أو انفتاحه، لكن هناك مظاهر مشتركة إلى حد ما؛ وهي في حد نظري: - تصنيف الفقهاء والعلماء إلى متشددين ومتسامحين، وأخذ الفتاوى عن الطرف الثاني بمبرر تسامحهم ليس إلا!! أي عدم الاعتماد على العلمية والموضوعية في انتقاء الأقوال، وإهمال النصوص والبحث عن الرخص بشكل واضح! - وجود مظاهر مخالفة للشريعة في السلوك أو إهمال واجبات بدعاوى تقسيم الدين إلى قشور ولباب!! فالأزياء ذات الزينة والجمال مع حجاب (الشعر فقط) لدى الفتيات أصبح مظهرا للتدين المقبول والمشجع عليه، بل خصصت إحدى القنوات الفضائية المنتسبة للإسلام برنامجا عن الأزياء لتقديم "الموضة" التي يمكن أن تظهر بها المرأة المسلمة في الشارع والعمل .. مع وجود مقدمة وعارضات أزياء "إسلاميات"!! ويا لها من طرفة!! - البرامج التلفزيونية التي يقوم عليها شباب من الجنسين ليتناولوا مسائل دينية ونفسية وتربوية من منظور "إسلامي"، مع تبادل الحوار والطرفة والجلسة "الأخوية"! من مثل برنامج "يللا شباب" على الـ M.B.C. - الاختلاط في أوساط الشباب والفتيات السالك في هذا السبيل من "التدين الجديد"، في الجامعات والمعاهد، إلى درجة خروج رحلات مشتركة .. في بعض الدول! وتعد هذه الرحلات برامج دعوية "يجدد فيها الإيمان"!

стр. 1278

- صبغ المخالفات الواقعة في المجتمع بالصبغة الدينية في بعض الأحوال، أو إعطاءها الشرعية، وقد يصل الأمر إلى الحكم على أحوال شركية وأقوال كفرية بأنها صور من الإبداع الذي لا صلة للدين في الحكم عليه، وبالتالي يثنى على بعض المرتدين ويحكم لهم بالإسلام!! فالإسلام عند أتباع هذا الفريق قومية ينتسب إليها وليس دينا يلتزم به!! ففي اليمن مثلا، نشرت صحيفة منسوبة إلى الإسلام قصيدة كفرية، تحت مبرر الإبداع! فما كان من الحركة التي تقوم على هذه الصحيفة إلا أن شكلت لجنة شرعية للرقابة على الصحيفة، بعدما ترددت الانتقادات حول هذا الأمر، فاعترضت اللجنة بدورها على رئيس التحرير، فما كان منه إلا أن قدم استقالته .. رافضا تدخل العلماء فيما لا يحسنون! - نشر ثقافة التسامح مع الكفار فضلا عن المبتدعة، وهو تسامح يتجاوز الثوابت الشرعية في تأصيل الرؤية تجاههم وإبداء المواقف إزاء أعمالهم! والتعامل معهم! أحد دعاة هذا المسلك ظهر ليروي تجربته عند تعلمه اللغة في دولة غربية على نظام الالتحاق بالأسر .. فذكر تجربته هذه مشيدا -والحق يقال- (ببعض القيم)! لدى هذه الأسرة على مستوى الأبوين والأبناء .. دون أي تعليق على هذا المسلك في الدراسة والمخالفات التي تحيط به! بل قدمت التجربة كأنموذج للكيفية التي ينبغي أن نستفيد بها من الغرب وخبراته في العيش!! -هكذا!! كما أن بعض اللقاءات المتلفزة بين الشباب (مقدمي هذا النوع من البرامج) وبين شخصيات غربية تكسر الحواجز النفسية مع الكافر من خلال السلوك المقدم والثقافة المصاحبة لهذه اللقاءات!! - جمع المتناقضات في الشخصية المتدينة، في المظهر، وفي السلوك، وفي التصور .. ! خذ مثلا الزي والسيما الخارجية هي ذاتها عند هذا الفريق قبل وبعد "التدين"! في حين يتكلم هؤلاء عن الفن الإسلامي والموسيقى الإسلامية و .. و .. ، إلا أن الزي لا ينقسم فيما يبدو إلى زي إسلامي (أي بشروطه ومواصفاته) وغير إسلامي! مثال آخر، يحاول هذا الصنف من "المتدينين الجدد" الجمع بين العادات الخاطئة القديمة والعادات الجديدة، فالخدينات (أي الصاحبات) سلوك قائم قبل وبعد "التدين"!! الفارق هو (القشور) التي يحرص عليها الطرفين في التعامل! مشاهدة "الأفلام والمسلسلات" المحافظة وسماع الأغاني الكلاسيكية أو الموسيقى غير الصاخبة .. فوارق!! لكنها ليست جوهرية بين ما قبل "التدين" وما بعده!! - الاهتمام بجانب حسن السلوك مع الآخرين والإحسان إليهم بالعطاء والعون .. وببعض أعمال القلوب التي قد لا تخلو منها قلوب العامة على فطرتها، هذا مع شيء من الرقائق، وإغفال جوانب مهمة في مسائل العقيدة والإيمان والتوحيد والولاء والبراء، وحقيقة اتباع النبي ﷺ ودعوته، ومسائل الأحكام التي خالفها كثير من الناس اليوم حتى اندرست! وهذه المظاهر تتفاوت من شخص لآخر، لكنها بطبيعة الحال موجودة وقائمة ومنتشرة في هذه الأوساط. أسباب ظاهرة "التدين الجديد": ١) الدعاة الجدد: ظهر في الآونة الأخيرة طائفة من الدعاة الذين ينتسبون إلى النخب المتعلمة والمثقفة والطبقة الاجتماعية الثرية، يتقنون فنون الإلقاء والخطاب الوعظي والقصصي ويظهرون على الجماهير من خلال الشاشات الفضائية؛ (في وقت تعاني فيه الساحة الإعلامية من جفاف روحي وفراغ إيماني في برامجها الهابطة إلى مستوى الحضيض).

стр. 1279

هؤلاء الدعاة الذين برزوا في الآونة الأخيرة، وأصبح الحديث والكتابة عنهم بمصطلح "الدعاة الجدد"، ليس لهم توجه واحد، أو منهج يجمعهم؛ فلكل منهم ثقافته واهتماماته وأفكاره، وليس من السهل الحكم عليهم إجمالا! وحديثنا عنهم في هذه السطور، هو من باب الكلام العام! وما قد نطلقه من أحكام ليست بالضرورة تشملهم جميعا! فمنهم من يستغرق في محاضراته ودروسه في الحديث عن الأمور الحياتية اليومية: اهتمامات الناس، واحتياجاتهم الخاصة؛ بلغة ميسرة، إنهم يجيبون الناس على سؤالين مهمين: ماذا أفعل؟ وكيف؟ والبعض منهم يقدم: "محمدا ﵊ كرجل أعمال ناجح جدا" في حديثه عنه أمام الناس! لكن الدعاة الجدد رغم تنوعهم واختلاف مشاربهم، يلتقون في أربع نقاط: فهم جميعا قادمون من قطاعات التعليم العالي، واكتسبوا ثقافتهم الدينية بأنفسهم، وينتمون غالبا إلى أوساط ثرية وراقية، وفي حين يظهرون مستقلين عن "المؤسسة الدينية الرسمية" من جهة و"الجماعات الإسلامية". من جهة أخرى .. يسيرون في مسعى توفيقي بين الإسلام والواقع الذي تعيشه الشريحة المخاطبة، "فرسالتهم تعمل أساسا في وسط تسوده الثقافة الاستهلاكية؛ حيث لا محالة من خلق تناغم بين قيم الدين والمكانة في المجتمع. إن هذا النوع من الدعوة يشبه في ذلك اتجاه الكنيسة المثودية في أمريكا والتي يتبعها الأغنياء في الأساس؛ لأنه يمكنهم في ظلها الجمع ببساطة بين الإيمان والثروة وهذا ما يفعله "الدعاة الجدد": جعل الأغنياء يشعرون بالرضا عن ثرواتهم". مرجع (٨)، بتصرف. إن هدفهم الرئيس هو "تصحيح القيم الأخلاقية لدى الأفراد فيما يتعلق بسلوكياتهم اليومية". مرجع (٨) وليس لدى -هؤلاء- من مشروع سوى رفع المستوى الأخلاقي لدى الشباب المنفتحين على الحداثة، من خلال خطاب ديني يحمل قيم تحقيق الذات، على النمط الليبرالي الجديد: الطموح والثروة والنجاح والمثابرة في العمل والفاعلية والاهتمام بالذات. وهذه الطائفة من الدعاة تتميز بلغة سهلة ومظهر عصري غير تقليدي (!)، أي قريب لمظهر المتلقي، وتقدم استشارات نفسية وتربوية واجتماعية وإدارية، مازجة بين الثقافة الغربية والموروث الإسلامي .. وإلى هنا يظل الأمر طبيعياً، وليس فيه ما يمنع من سماع الناس لهؤلاء والاستفادة مما لديهم واستشارتهم في مجال تخصصهم؛ إلا أن الأمر تجاوز ذلك، إلى حدِّ الاقتداء بهذه الطائفة من الدعاة في مظهرها العام وسلوكها في الحياة وتعاطيها مع المسائل ورؤيتها للقضايا، ليصبحوا مرجعية للمتلقين عنهم وأسوة للأتباع المتأثرين بنجاحاتهم وشهرتهم الإعلامية. إن "الدعاة الجدد" يوصلون للشباب رسالة أنه "بإمكانهم أن يصبحوا متدينين، وفي الوقت نفسه أن يمارسوا حياتهم الطبيعية من عمل ودراسة وترفيه، كما يمكنهم أن يظهروا بمظهر عصري يشبه أبناء جيلهم، والأهم من ذلك أنه يمكن للشباب أن يكون متدينا ويحتفظ في الوقت نفسه بسلطته ومكانته الاجتماعية". مرجع (٨)، بتصرف. إن تيار الدعاة الجدد لا يكتفي باختيار الأماكن التي تتناسب مع جمهوره؛ بل هو نفسه في مظهره يشبه هذا الجمهور؛ فبعكس الشيوخ التقليديين يرتدي هؤلاء الدعاة البدلة أو الجينز وربطة العنق، وهو أيضا حليق الذقن؛ في حين يقدمون للشباب إمكانية أن يجمع بين التدين والاستمتاع بالحياة العصرية، مع شيء من الضوابط الأخلاقية! فأصبحت طائفة "الدعاة الجدد" -إن صح التعبير- تزاحم دور علماء الدين وفقهاء الشريعة، أدركت ذلك أم لم تدرك، وشاركت فيه أو لم تشارك، وأصبحت المخالفات الظاهرة التي ترتكبها هذه الطائفة، أو الانحرافات التي تحملها أحياناً، محط اقتداء من الجماهير.

стр. 1280

وقد وصل الأمر بالبعض إلى إلغاء الحقائق المعلومة من الدين والواقع تجاه مخالفة ظاهرة، كمخالفات فرقة كـ"الصوفية" مثلاً .. تحت تأثير بعض هؤلاء "الدعاة الجدد" من التيار الصوفي!! وأحيانا يعطي "الدعاة الجدد" صورة مشوهة عن العلماء والدعاة والفقهاء، وانطباعا عن توجه ناقد لهم .. باعتبار أنهم متشددون أو أنهم مختلفون أو غير مواكبين للحياة العصرية اليوم!! ٢) دور بعض أهل العلم والفتيا في تتبع الرخص والتوسع في التسهيل: إن البداية تكون بفتاوى تيسر على الناس وترخص لهم في بعض المسائل، وشيئا فشيئا يتولد عند هؤلاء الأتباع فقه مبني على تتبع الأقوال والاجتهادات الموافقة للهوى، وإذا كانت إرادة الفقيه من التيسير تقريب الناس من الدين وتحبيبه إليهم .. فإن النتيجة تكون بابا يخرج منه الناس من الدين .. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً! يقول أحمد زين: إن "البراح في المساحات الفقهية للعلماء الذين ينتهجون التيسير والتسهيل على المسلمين؛ أوجد -عند هؤلاء المتدينين- رأيا متساهلا في كل قضية فقهية، وأنه لا جناح عليهم في انتهاجه؛ فهو رأي فقهي معتبر من عالم معتبر". بتصرف؛ ويضيف: "وأنا أرى أن ظاهرة القص واللصق من الفتاوى والاجتهادات تجري على أشدها لإكساب المشروعية لكثير من الأفعال التي درج الشباب عليها؛ فبدلا من أن يتنازل عن عادات ما قبل التدين إذا به يحاول أن يجد لها مبررا شرعيا محترما". مرجع (٤) وهذا القول لأحمد زين جاء من استقراء: فـ "من خلال فتاوى المرأة على موقع "إسلام أون لاين. نت" نستطيع أن نرسم صورة لحركة المرأة في المجتمع؛ فهي تصافح ابن عمها أو ابن عمتها عند الضرورة (فتوى: مصافحة الرجل للمرأة .. الحكم والضوابط، د. القرضاوي)، وهي تقابل مطلقها لأغراض شريفة (هل يجوز للمرأة المطلقة أن تتقابل مع من طلقها بعد الطلاق لأغراض شريفة؟ د. القرضاوي)، وتستطيع أن تتابع رياضيين يرتدون الشورت (فتوى: ضوابط النظر بين الرجل والمرأة، د. القرضاوي)، كما أنه لا بأس أن ترقق المرأة حاجبيها (فتوى: ترقيق المرأة حواجبها، الشيخ عطية صقر)، وتستطيع أن تخطب لنفسها من أرادت (فتوى: ما حكم أن تخطب المرأة الرجل؟ د. علي جمعة)، ويجوز أن تضع العطر الخفيف (فتوى: حكم وضع المرأة للعطر، الشيخ عطية صقر)، وهي تخدم الضيوف (فتوى: خدمة الزوجة للضيوف، عطية صقر)، كما يجوز لها ركوب الدراجة (فتوى بدون اسم مفت)، كما يجوز لها العدو في الشارع (فيصل مولوي)، كما يجوز لها قراءة القرآن أمام الرجال (فتوى: د. نصر فريد واصل) ... إلخ"!! وهذه الفتاوى تستند في غالبها إلى دليل شرعي أو قاعدة شرعية أو قول سابق، وصادرة عن أشخاص منتسبين للفقه، لكنها في الحقيقة فتاوى تأخذ بالأقوال الشاذة والأدلة الضعيفة أو المرجوحة، وتفترض في بيئة المستفتي أنها محافظة .. سليمة من الفتن! وتشكل عند الجمهور المتساهل منهجا مبيحا للمحرمات، التي هي دون الكبائر المعدودة على أصابع اليدين!! ويقابل هذه الفتاوى المتساهلة: "إلحاح الدعاة الجدد على الرجاء ورحمة الله وغفران الذنوب مهما كانت، وهي مساحة لا شك فيها ولا إنكار لها، إن الإلحاح عليها كأنها المسار الوحيد .. والخيار الفذ أوجد خللا لدى المتعرضين لهذا الخطاب، ووجههم إلى مزيد من الجرأة على الحرام مع التأكد من مغفرة الله لهم، وكذلك من تركيز بعض الدعاة الجدد على مسألة أعمال القلوب وأهميتها والتقليل من شأن أعمال الجوارح والسلوكيات والأخلاق". مرجع (٤) بتصرف ٣) القنوات الفضائية:

стр. 1281

إن وسائل الإعلام -اليوم- تقع تحت ضغط الجماهير التي بدأت تنفر من المستوى الهابط الذي وصلت إليه كثير من البرامج، وتطالب -في ذات الوقت- ببديل إسلامي يتفق مع الهوية الثقافية والحضارية للأمة في ظل احتفاء الآخر بقيمه وثقافته ومحاولة تمريرها بالقوة على مجتمعاتنا المسلمة. وفي محاولة منها لإرضاء التوجهات المختلفة إسلامية وعلمانية، فإن القنوات الفضائية تجد في هذا الصنف من "الدعاة الجدد" فرصة في تقديم البديل الإسلامي المطالب به جماهيرياً؛ بل هي تحاول صنع أمثال هؤلاء الدعاة "على أعينها" لأنهم في الغالب لا يتصادمون مع مضامين الرسالة الإعلامية لها. وتحاول بعض هذه القنوات ركوب الموجة واستغلال التيار .. فهي إما تقدم نفسها كبديل إسلامي، أو أنها تمزج بين هذا وذاك! خاصة وأن هناك قنوات إسلامية قوية بدأت تظهر في الساحة الإعلامية! يقول د. خالد شوكات في إيضاح العلاقة بين مظاهر التدين في تونس والقنوات الفضائية: "يؤكد المتابعون والمهتمون بالشأن الاجتماعي والثقافي في تونس وجود صحوة دينية كبيرة لدى شرائح اجتماعية واسعة داخل المجتمع التونسي، تتجلى بصورة خاصة في إقبال التونسيات على ارتداء الحجاب، كما يلحظون أن وجود القنوات الفضائية الإسلامية قد مثل بديلا جيدا للمعرفة الدينية بالنسبة للمتدينين في هذا البلد الذي يتعرض فيه التيار المتدين لقمع شديد، ويكاد يغيب فيه دور الدعاة". مرجع (٢) إذن هذا الجمهور لابد له من بديل، وهذا البديل مع غياب الدعاة كان القنوات الفضائية! "وقالت الباحثة الجامعية التونسية سنية المنصوري في تصريح لـ (إسلام أون لاين. نت) بتاريخ ٣١/ ٧/٢٣م: إن وجود قنوات فضائية إسلامية أمثال اقرأ والمجد وغيرهما من الفضائيات، قد مثل مصدرا بديلا للمعرفة الإسلامية وللفتوى الدينية، خصوصا لدى الفتيات والنساء، في ظل غياب الدعاة والوعاظ الدينيين عن المساجد والبرامج الإذاعية والتلفزيونية المحلية (بسبب التضييق الأمني من جانب السلطات التونسية)، كما أن الدعاة الدينيين من أمثال عمرو خالد وحبيب علي الجفري قد تحولوا إلى شخصيات مؤثرة في أوساط اجتماعية كبيرة بتونس". مرجع (٢) "إن هذا التيار الجديد من الدعوة ظهر ليوفِّي بمتطلبات الشباب الذين ينفتحون أكثر فأكثر على الثقافة الغربية؛ فهذا الشباب الممتلئ بالأفكار المختلفة غير المتناغمة أنتج هذه الثقافة الجديدة من التدين، التي تعبر عن نفسها من خلال تجديد في الأسلوب والذوق واللغة والرسالة". مرجع (٨) "إن الشباب هو الذي خلق لنفسه هذه الثقافة الدينية الجديدة التي تتمحور حول ظاهرة (الدعاة الجدد) كنوع من (الموضة)؛ فهي منفذ للتنفيس عن احتياجات إنسانية متناقضة: احتياجات للتغيير والتأقلم، للتميز عن الآخر والتشابه معه، للتفرد والالتزام بالمعايير الاجتماعية، وبالتالي فإن التمسك بهذا النوع من التدين الإيجابي يسمح للشباب بأن يحافظ لنفسه على هوية تميزه، وفي الوقت نفسه يتعامل مع التغيير الحادث من حوله، وهو إذ يفعل ذلك يتحرك في إطار المعايير الاجتماعية ولا يضطر إلى خرقها". مرجع (٨)

стр. 1282

إن تعدد مصادر التلقي ووسائل الإعلام المتنوعة قدمت للشباب الراغبين للالتحاق بالصحوة قدرًا وافرًا من الاختيارات البديلة؛ وهو ما أدخل عناصر أخرى ساهمت في توجيههم وتشكيلهم، وغيرت مسار توجههم على خلاف الحقيقة أحيانا كثيرة، فقد أصبحت برامج الفضائيات تشكل أكبر رافد لتكوين أفكار "المتدينين الجدد" وثقافتهم الدينية، وبحكم سنهم وانفتاحهم على الإنترنت والفضائيات أصبحوا يتلقون المفاهيم والتصورات والآراء والاستشارات والسلوكيات منها، وحيث أن دعاة "المتدينين الجدد" ينفذون من هذه الوسائل والقنوات إلى جمهورهم فإنهم بلا شك يصنعون قاعدة عريضة من هذا التيار! ويبنون علاقتهم مع المتلقين عنهم بأسلوب التفاعل الحي والتواصل المباشر والحوار الثنائي -وهي أساليب محببة وجذابة لكثير من جيل اليوم- لا على التلقي والتوجيه! كما هو معتاد! ٤) السياسات الحكومية: إن من أهم أسباب ظهور "التدين الجديد" هي تلك الحرب الإعلامية والدعائية التي مورست ضد "التدين الأصيل" في الصحوة، والذي يحتكم إلى الكتاب والسنة وفهم الصحابة والقرون المفضلة الأولى في الإيمان والاتباع، وهو المسمى بالتوجه السلفي! وهو ما شكل حاجزا نفسيا بين الناس وبين هذا الشكل من أشكال التدين المعروضة على الساحة! إضافة إلى ذلك، السياسات التي تتبنها بعض الدول لتضيق الخناق بها على المتدينين عموما، وتحرمهم من ممارسة حقوقهم الخاصة حتى في ظل الأنظمة الديموقراطية زورا!! تدفع بالبعض إلى البحث عن رخص الفتاوى في مقابلة البطش والتعذيب الذي قد تتعرض له. تقول الباحثة سنية المنصوري: "إن الصراع الذي شهدته تونس خلال عقد التسعينيات، بين النظام والحركة الإسلامية، قد أضر في حينها بوضع الالتزام الديني لدى التونسيين عامة، على الرغم من أن عددا كبيرا من أبناء المجتمع التونسي كانوا ملتزمين من الناحية الدينية، لكنهم لم يكونوا أعضاء في حركة أو جماعة إسلامية. وكان تقرير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان السنوي عن عام م قد تحدث عن الحملات الأمنية والإدارية ضد المحجبات التونسيات، وجاء فيه أن العديد من المحجبات تعرضن إلى المضايقات في الشوارع أو أماكن العمل، وتم تجريد العديد منهن من الحجاب عنوة في بعض مراكز الأمن بالعاصمة، وإجبارهن على التوقيع على تعهد بعدم العودة إلى ارتداء الحجاب. كما أن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان كانت قد ذكرت في ٢٨/ ٥/٢٣م أن عددًا من طالبات التعليم الثانوي مُنعن من اجتياز امتحانات نهاية العام بسبب ارتدائهن للحجاب. يذكر أنه في عام ١٩٨١م أصدرت السلطات التونسية قانونا يعتبر الحجاب زيا طائفيا. ومنذ ذلك الحين والحكومة تلتزم بهذا القانون، إلا أنه تم التشديد على منع المحجبات من دخول الجامعات والإدارات الحكومية منذ مطلع العقد الماضي، وهو ما أثار انتقادات واسعة في الداخل والخارج، خصوصا من جانب المنظمات الحقوقية التي ترى في منع الحجاب والتضييق على المحجبات تدخلا في الحرية الشخصية للمواطنين". مرجع (٢)

стр. 1283

وعقب أحداث ١١ سبتمبر، اتجهت السياسات الحكومية في الوطن العربي خاصة، في ظل فشل الخطاب الديني الرسمي على كسب ثقة الجماهير، وعدم قدرة هذه الدول على تحقيق نجاح قومي أو وطني، وزيادة الإقبال لدى الناس على التدين، وتصدر عدد من العلماء والدعاة بخطاب علمي مؤصل وفقه للواقع وتقديم رؤية شاملة للإصلاح السياسي والاجتماعي تقوم على أساس من الدين الإسلامي .. الأمر الذي هددَّ مستقبل هذه النظم العلمانية في هذه البلدان، وخروج الطاقات الشبابية عن سيطرتها وسيطرة العلماء .. اتجهت إلى صياغة بديل قادر على حرف مسار هذا التيار القادم والعارم -كما يبدو، وليس بالضرورة لديها أن يكون رسمياً، لكنه مسيطر عليه أو في أقل الأحوال "غير متمرد"!! وهذا البديل يشمل المناهج التعليمية والخطاب الدعوي والمؤسسات والقيادات الفاعلة في الأوساط الاجتماعية والشبابية. وربما تتم صياغته بالاتفاق مع أكثر من جهة تتصل مصالحها مع قيام "بديل" بهذا النوع والحجم!! "وفي وزارة الأوقاف -المصرية- تشدد مشاريع الإصلاح على الدور الاجتماعي للمسجد وعلى أهمية المجتمع المدني والاكتفاء الذاتي. إن إحدى حلقات الدراسة في الأزهر تطرقت إلى ضرورة إعادة صياغة الدعوة انطلاقا من تعاليم التسويق الأمريكية". مرجع (٩) وفي فترة سابقة من تاريخ الأنظمة الحالية، كان لزاما على أجيال سابقة إذا أرادت أن تعبر عن مشاعرها الدينية، وتظهر ملامح هذا التدين .. أن تنضم إلى جماعة؛ أو هكذا كان يبدو الأمر عند الحركات الإسلامية ذاتها! فكان ذلك يكلفها بمقتضى التضييق الأمني ضريبة لا يستطيعها الكثيرون اليوم، لكن هذا "التدين الجديد" قدم طريقة مغايرة لما عليه فكر الحركة الإسلامية! فهو يمارس العمل الدعوي ويعبر عن تدينه وينشط اجتماعيا بل وربما سياسيا، دون أن يتعرض للملاحقة والاعتداء في الغالب، لا لشيء سوى لأن مطالبه لا ترتقي إلا مطالب الحركة، فهو يعمل في مجموعات صغيرة ذات أهداف محدودة يشارك فيها الجميع علانية، وتعالج -إن عالجت- ظواهر الأمور وشكليات المشاكل! وهو بالتأكيد يستحضر صورة الصراع الدامية التي حدثت لأجيال سابقة ويريد أن يتجنبها! ٥) الغرب: وأقصد بالغرب هنا ذلك المزيج من التحالف الغربي الذي يستهدف العالم الإسلامي حضارة وأمة ومقدرات. فبعض أوجهه سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو عسكرية .. وتارة يتمثل في منظمات دولية وأخرى في مؤسسات ومساندات محلية. ومن مصلحته -في ظل هجمته على العالم الإسلامي- الانحراف بالتوجه والخطاب الديني الذي يكرس الندية بين العالمين الإسلامي والغربي، وتهدئة لغة التعبئة التي يقوم بها العلماء والدعاة ضد كل ما يخالف الدين الإسلامي واستقلالية الأمة. وقد احتلت مسألة مخاطبة العالم الإسلامي مؤخرا الأولوية في قائمة الاهتمامات الخارجية لدى الغرب، فالإذاعات العربية والقنوات الفضائية "المعربة" تنال الرعاية والتمويل من قبل الحكومات هناك. وليس أدل على ذلك من مشروعي قناة "الحرة" وإذاعة "سوا" اللتين افتتحتا مؤخراً في المنطقة. والملاحظ أن الغرب قلق من "الخطاب الديني الإسلامي" أياً كان، متطرفاً أو متساهلاً!! فالكل يخضع للرقابة والمتابعة والتحليل!! ومن المضحك أن شخصية كفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله- وهو يُعدُّ عند الكثير من العلماء والدعاة من المتساهلين في أحكامه ومواقفه في المسائل الحادثة والأحكام الفقهية، لا يجد قبولاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بل واجه مؤخراً حملة تصفه "بالتطرف" و "الإرهاب"!! لا لشيء سوى لمواقف الشيخ تجاه الاحتلالين الإسرائيلي لفلسطين والأمريكي للعراق!!

стр. 1284

وهناك ضغوط تمارس ضد الدول الإسلامية لإيجاد بدائل للخطاب الديني القائم، بما يتفق مع النهج الديمقراطي والتعددية الفكرية والسياسية التي يراد للمنطقة أن تنفتح عليه! كما أن الحالة الأمنية التي أفرزتها هذه الضغوط في جانبها الأمني أفسحت المجال لـ"تدين" من هذا النوع في مقابل انحسار "التدين" التقليدي! وللعلم، فإن ظاهرة "الدعاة الجدد" حازت على اهتمام الغربيين، في إطار الاهتمام بحركات "التدين الجديد" عموما! فقد أصدرت الدورية الفرنسية "السياسة الأفريقية"، في عددها ٨٧ ملفا خاصا .. بعنوان "موضوعات الرب"؛ لبحث التغيرات الجديدة على مستوى الدين في قارة أفريقيا السمراء. و"السياسة الأفريقية" واحدة من أهم الدوريات المتخصصة في الشئون الأفريقية، وتصدر عن مركز الأبحاث السياسية والقانونية في القارة الأفريقية بجامعة السوربون، ويرأس تحريرها "ريشار بانيا" و"رولان مارشال". وهي تعكس الاهتمام الفرنسي الكبير بالقارة السمراء التي شهدت منذ نهاية الثمانينيات نوعا من العودة للدين على كل المستويات. وقد ضم الملف دراسات ومقاربات مختلفة حول الدين والحياة في أفريقيا؛ وكانت أهم دراسات الملف تتحدث عن "الدعاة الجدد"، "لأنها ربما كانت الأولى والأهم عن ظاهرة جديدة على الحقل الديني الإسلامي" كما يقول حسام تمام. والدراسة وهي بعنوان: "الإسلام كظاهرة اجتماعية" أعدها "باتريك هاني" وهو باحث اجتماع سويسري يعيش في مصر وهو مختص في الظاهرة الإسلامية". وقد أشار إلى أن: "أهم نقاط الاختلاف التي ترصدها الدراسة -بين الدعاة الجدد ومن قبلهم- كانت الابتعاد عن السياسة والتزام خطاب أخلاقي يختلف مع خطاب هذه الجماعات والتنظيمات السياسية". مرجع (٥) وترى الدراسة "أن نموذج عمرو خالد يمثل تلبية للاحتياجات الدينية للنخب والطبقات العليا في مصر، ومحاولة لتقديم إسلام بمواصفات خاصة لأبناء هذه الشرائح التي تستقر بأعلى الهرم الاجتماعي في مصر، بما يلبي رغبتها الحقيقية في التدين وفي ألا تحمل شعورا بالذنب أو إحساسا بالتقصير يدفعها إلى إعادة النظر في وضعها الاجتماعي وما يكفله لها من امتيازات لا تتاح للطبقات الأقل، وهو تدين ذو مواصفات خاصة لن تجده هذه الشرائح في خطاب الشيوخ التقليديين". مرجع (٥) "وخطابه -عمر خالد- بالأساس رافض لانحلال الطبقة البرجوازية التي ينحدر منها، ولكنه أيضا متصالح مع هذه الطبقة، ويستجيب لرغباتها في تدين بمواصفات خاصة بها، وبالشباب منها بصفة خاصة باعتباره الحلقة الأضعف من هذه الطبقة، وهو تدين جديد .. الدنيا حاضرة فيه بقوة وليست على صِدام مع الدين، كما لا يتعرض فيه البناء الاجتماعي للطبقة والعلاقات الأسرية إلى خلخلة أو تفسخ أو صدام بين أطرافه كما يحدث في التدين السلفي الذي تقدمه جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي". مرجع (٥)

стр. 1285

وتقارن الدراسة "بين خطاب عمرو خالد من خلال تحليل مضمون درسه (الشباب والصيف) وبين خطاب الإصلاح البروتستانتي في أوائل القرن التاسع عشر لتتحدث عن أوجه تشابه كبيرة بينهما خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى الثروة الاقتصادية، فخطاب عمرو خالد يتحدث عنها باعتبارها ليست عيبا أو ذنبا بل هي نعمة من الله، ويؤكد على ذلك في كل دروسه مبررا التراكم الاقتصادي الذي حققته الطبقة البرجوازية في السنوات الأخيرة ويعطيه الشرعية الدينية مشروطة بأداء حقه، وهو خطاب موجه بالأساس إلى الطبقة المهيمنة أو الصاعدة اقتصاديا حتى في رؤيته للأخلاق والقيم الإسلامية، فالصبر مثلا في خطاب عمرو خالد يختلف عن الصبر في الخطاب الإسلامي التقليدي الذي يأخذ طابعا (قدريا) في حين يعني عند عمرو التواصل والاستمرار في العمل وتنظيم الوقت والمثابرة على النجاح". مرجع (٥) و"ما اقترب منه الباحث ولم يقله أن المهم في ظاهرة الشيوخ الجدد هي الحالة التي يصنعونها وليس أشخاصهم ولا مضمون كلامهم. الحالة هنا هي الجو المحيط والوسيط الذي ينتقل عبره الكلام والجمهور الحاضر وهكذا .. فهذه الحالة تؤدي إلى تصالح شعوري بين الواقع المعيش وبين الدين الذي يمثل المرجعية الأساسية للشخص الحاضر المنتمي للبرجوازية الجديدة. ويصير السلوك الشخصي المعيش حياتيا المرفوض دينيا (مثل الاختلاط مع الفتيات غير المحجبات أو المحجبات والتعرف عليهن) سلوكا دينيا مطلوبا (فالشاب صار يدعو الفتاة للدين) ". مرجع (٥) "وتضع الدراسة ظاهرة عمرو خالد في سياق عالمي تأثر بهيمنة خطاب الليبرالية الجديدة عالميا وعلى كافة الأديان، فيرى أنها تقترب كثيرا من جماعات الإيمان الجديدة المسيحية التي انتشرت مؤخرا في الغرب في رفضها للمؤسسات الدينية التقليدية واستقلالها عنها، وفي طابعها الفردي المستقل البعيد عن الجماعية، وفي تركيزها أيضا على المشاعر والعواطف". مرجع (٥) وجمهور "الدعاة الجدد" بحسب وصف الدراسة:"في مجمله من غير المؤطرين تنظيميا أو سياسيا، ويتشكل من مجموعات صغيرة أقرب إلى مفهوم الشلة (الذي تنتظم وفق العلاقات بين أبناء النخبة) منه إلى مفهوم الجماعة والتنظيم؛ فحضور الدروس كان دائما ما يتم عن طريق مجموعة الأصدقاء أو (الشلة)، وهو جزء من تفاعلات العلاقة بين أعضاء هذه المجموعة التي مثلما تذهب لحضور الدروس تذهب أيضا إلى المصيف والنادي والسينما وأداء العمرة في الأراضي المقدسة". مرجع (٥) و"تؤكد الدراسة أن ظاهرة عمرو خالد والشيوخ الجدد مرشحة للتكرار ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي والإسلامي بفعل التفاعلات المستمرة والمكثفة بين الخطاب الإسلامي وبين قيم وأفكار وتوجهات الليبرالية الجديدة". مرجع (٥) هذا أنموذج للدراسات الغربية المتابعة للخطاب الديني في مجتمعاتنا، وأساليب هذا الخطاب وأبعاده وخلفياته، كل ذلك سعيا وراء استغلال أو توجيه أو مصادمة .. هذا أو ذاك التيار والتوجه! ٦) رغبة الجماهير: إن الجماهير ميالة بطبعها إلى تدين غير باهظ التكاليف، وما توجيه موسى ﵊ للرسول محمد ﷺ (في قصة المعراج والإسراء) ليطالب ربه بالتخفيف في شأن الصلاة، نظراً لما قد عالج من بني إسرائيل، إلا دليل على ذلك. وإذا أضفنا إلى هذه الطبيعة الخوف على المصالح والمتع الدنيوية والميول إلى الترف والشهوات .. فإن الأمر يكون آكد؛ وتبقى هذه الجماهير تبحث عمن يسهل عليها التكاليف والتبعات.

стр. 1286

"إن هذا التيار الجديد من الدعوة ظهر ليوفِّي بمتطلبات الشباب الذين ينفتحون أكثر فأكثر على الثقافة الغربية؛ فهذا الشباب الممتلئ بالأفكار المختلفة غير المتناغمة أنتج هذه الثقافة الجديدة من التدين، التي تعبر عن نفسها من خلال تجديد في الأسلوب والذوق واللغة والرسالة". مرجع (٨) "إن الشباب هو الذي خلق لنفسه هذه الثقافة الدينية الجديدة التي تتمحور حول ظاهرة "الدعاة الجدد" كنوع من "الموضة"؛ فهي منفذ للتنفيس عن احتياجات إنسانية متناقضة: احتياجات للتغيير والتأقلم، للتميز عن الآخر والتشابه معه، للتفرد والالتزام بالمعايير الاجتماعية، وبالتالي فإن التمسك بهذا النوع من التدين الإيجابي يسمح للشباب بأن يحافظ لنفسه على هوية تميزه، وفي الوقت نفسه يتعامل مع التغيير الحادث من حوله، وهو إذ يفعل ذلك يتحرك في إطار المعايير الاجتماعية ولا يضطر إلى خرقها". مرجع (٨) وترى دراسة "باتريك هاني" حول الإسلام كظاهرة اجتماعية: "أن نموذج عمرو خالد يمثل تلبية للاحتياجات الدينية للنخب والطبقات العليا في مصر، ومحاولة لتقديم إسلام بمواصفات خاصة لأبناء هذه الشرائح التي تستقر بأعلى الهرم الاجتماعي في مصر، بما يلبي رغبتها الحقيقية في التدين وفي ألا تحمل شعورا بالذنب أو إحساسا بالتقصير يدفعها إلى إعادة النظر في وضعها الاجتماعي وما يكفله لها من امتيازات لا تتاح للطبقات الأقل، وهو تدين ذو مواصفات خاصة لن تجده هذه الشرائح في خطاب الشيوخ التقليديين". مرجع (٥) وأنا أكتب هذا المقال وأجمع مادته كنت حذرا تماما أن تكون لدي فكرة مسبقة أحاول التدليل عليها؛ لذا فقد حرصت بالغ الحرص على تجميع أكبر قدر من حديث هذه الشريحة عن نفسها من خلال تجاربهم واستشاراتهم التي يعرضونها على مشاكل وحلول للشباب في (إسلام أون لاين. نت)، فهذه فتاة مصرية في العشرين من عمرها تقول: تعرفت على شاب في الجامعة على مستوى عالٍ من (التربية) و (الأدب)، وقامت بيننا علاقة حب لكن في إطار "الاحترام" و"المحافظة" على (تقاليد ديننا). ولكن بعد (ارتباطنا) بعام ونصف تطورت العلاقة بيننا بدأت بلمسة ثم قُبل. وهذا حصل ٣ مرات، والآن أنا وهو ندمنا على ما حصل وقررنا أن نتوب إلى الله، والحمد الله أننا الآن (محترمان)، لكن المشكلة أنني أخاف عقاب الله، وأريد أن أرضي ربي بأية طريقة، وقلت (لحبيبي): إنني أريد الانفصال عنه لكي نرضي ربنا، ملحوظة: أخلاقي أنا وحبيبي محترمة جدا، وكان من المستحيل أن نفكر في أن نفعل هذا الخطأ، ولكن كان غصبا عنا. والله العظيم ده مش من طبعنا أبدا. فالكلمات التي بين التنصيص - والتنصيص من عندي - يمكن أن تعطي مؤشرا واضحا على الارتباك في إدراك مدلولات هذه الكلمات، فالتربية والأدب والمحافظة وتقاليد الدين لا تتنافى تماما مع القبل واللمسات!! كما أن الاحترام لا يمنعها من إطلاق كلمة حبيبي عليه!! والمسوغ طبعا واضح؛ فهي ترى في علاقتهما المحرمة تلك" ارتباطا "، وهي كذلك تخلي مسئوليتهما عما حدث؛ فالأمر كان غصبا عنهما!. وشاب (ملتزم) آخر يقول: أنا شاب ولله الحمد ملتزم دينيا، أحببت فتاة منذ ٣ سنوات، وهي تصغرني بعامين، ووعدتها بالخِطبة هذا العام، والكل وافق: والداها وأبي .. لكن أمي عارضت، وأنا أحاول إقناعها منذ عامين، ولم ترضَ، وأنا لا أرغب بالخروج عن رضا أمي خوفا من الله .

стр. 1287

ولكن للأسف حدث بيني وبين هذه الفتاة عدد من الخلوات في منزلهم، تخللها عدد من القبلات، بالإضافة إلى رؤيتي لصدرها مرتين، وقد أقلعنا عن هذا خوفا من الله، والحمد لله أنه لم يتطور الأمر أكثر من ذلك، وبعد صراعات مع أمي قررت ترك هذه الفتاة رغم حبي الشديد لها إرضاء لوالدتي، وأنا عازم على خطبة غيرها لأنساها وأبدأ حياتي من جديد بمباركة من والدتي .. وهذا مثال آخر صارخ؛ فالفتى تختلط عنده المفاهيم الدينية والأخلاقية ليخرج لنا خليطا من الالتزام الديني برائحة القبل وطعم اللمسات المحرمة، وهو يستدعي الدين في بر الوالدين وعدم الرغبة في الخروج عن رأي أمه، لكنه لا يتورع أن يركل أحكامه إذا رأى صدر فتاته، وهو دائما يشعر برضا طاغٍ عن نفسه؛ فهو -كما يصف نفسه - والحمد لله ملتزم دينيا، وإذا اقترف المحرمات فهو يحمد الله عن أن الأمر لم يتطور للزنة!!. ونموذج آخر هو شاب يرى أنه داعية ويعمل مع عدد من " الإخوة "، لكن هذه الدعوة لا يجد فيها أدنى مشكلة أن يمارسها مع بنتي عمته اللتين في مثل عمره تقريبا - المرحلة الجامعية - ويقول: طوال خمس سنوات مضت، وأنا أزور عمتي تلك، وأجلس مع ابنتها وأخواتها وإخوتها الرجال كصلة رحم، وبعد فترة أحسست أن الفتاتين تكبران، ودخلتا الجامعة فخفت عليهما من الفتن، وعزمت أن آخذ بيدهما إلى طريق الله فبدأت أولى تلك المراحل، وهي كما تعلمنا: الحب في الله، فكنت أجتمع بهما وأحدثهما عن صلة الرحم، وأسأل عن علاقاتهما في الكلية وأنصحهما، ولكن كنت أركز على إحداهما أكثر؛ لما أجده فيها من استجابة وحسن فهم .. فالداعية الصغير يحب ابنة عمته في الله وينصحها .. وهو لا ينكر أنهما تعلقتا به، وهو نفسه يعترف أن هناك بعض التجاوزات!! يقول الشاب: كانتا دائما تنتظران مجيئي لنتحدث، ولكن كان هناك تجاوز أحيانا في مسألة الضحك معهما، وأنهما كانتا تجلسان بلا غطاء رأس، وكنا أحيانا نختلي أنا وهي ولكن في نفس البيت، والكل يمر علينا طلوعا ونزولا! لكن الداعية الهمام يتحمل كل هذه التجاوزات في سبيل الله!! فيقول: لكن كنت أجاهد (!!) حتى لا أنفرهما مني، وكنت أعمل على كسب ودهما وحبهما حتى يصل كل ما أقوله بسهولة. لقد درس الداعية الشاب مفاهيم الدعوة: الحب في الله والجهاد وعدم تنفير المدعوين وكسب ود المدعوين، لكنه في النهاية خرج من ذلك بنتيجة غاية في الغرابة ". مرجع (٤) ويضيف أيضا: "وللتوضيح قد يكون المشهد الذي رأيته في أحد الشوارع القاهرية معبرا جدا: فتاة ترتدي حجابا سابغا، تقود سيارة حديثة، والمسجل عالي الصوت يبث أغنية عالية تقول فيها المغنية الشابة: محتاجة لك .. محتاجة لك ".مرجع (٤) هذه بعض الآثار التي لمسها الكاتب من خلال قراءاته، والأمثلة في ظني أكثر من ذلك والآثار أعظم وأعمق، وقد سبق وأشرنا إلى بعض المظاهر التي تصاحب هذا التدين المزعوم، ولا حاجة لذكرها هنا!. وفي نظري أن هذا الأثر الذي يحدثه " المتدينون الجدد " في الأوساط الاجتماعية بتطبيع السلوكيات والمظاهر الغربية في مجتمعاتنا! يتم عبر عدة أمور منها! الكلام عن الحريات الخاصة وحقوق الإنسان (والمرأة)، بلهجة إسلامية ومضامين أجنبية تشربها هؤلاء من أوساطهم الاجتماعية، ومن خلال ثقافاتهم المتلقاة من الفضائيات والإنترنت والدراسة في معاهد اللغات وكليات الإدارة! ومن ذلك، ومما يلاحظ على هؤلاء المتدينين مع وجود الهم للإسلام.

стр. 1288

كما يقول أحمد زين: " التعاطي ونمط المعيشة والتصورات تتم وفقا لنمط الحياة الغربية بصورة طاغية ولافتة، وأعتقد أن الرجوع للأحكام الفقهية يمكن أن يدين نموذجا هذا توجهه، كما أن هذه الفترة التي نحياها كفيلة من الناحية الحضارية أن تُوجه نحو أنماط أخرى من الحياة مختلفة عن هذا النموذج. كما أتصور أنا لتعاطي مع الأغاني والسينما - الغربية خاصة - وغير ذلك لا يُرضَى عنه فقهيا بجملته ". مرجع (٤) وفي أقل الأحوال، أصبحنا اليوم نجد من الأناشيد الإسلامية ما لا تفرق بينها وبين الأغاني الغربية! وبعضها تقدم في قوالب " الفيديو كليب " بوجود المخالفات الشرعية المعلومة! ومن ذلك، الاهتمام بالثقافة الإدارية والتربوية والاجتماعية والنفسية تحت تأثير رؤية الغرب ونظرياته فيها! فمهارة مثل (لغة البرمجة العصبية) -أو ما اصطلح عليه بـ الـ ( N.L.P) - تقام لها الدورات باهظة التكاليف، ويحضرها المئات! وتنال من الاهتمام والمتابعة أضعاف ما تناله حلقات التحفيظ وحلق العلم! ومن ذلك، تحول الفنانات "التائبات" أو الفتيات "المتدينات" -من هذه الفئة- إلى تمثيل لأدوار إسلامية أو تقديم برامج دينية -زعموا- لخدمة الدعوة! "بل ظهرت المحجبات في الأعمال الدرامية وانتشرت فيه البرامج الدينية حتى في أوقات ذروة المشاهدة، ووصلا لأمر إلى أن تكون البرامج الدينية من السهرات الأساسية (نور على نور، ورب اشرح لي صدري) "!! مرجع (١). إن هذه المسائل والمظاهر لم تأت من فراغ، فهي حصيلة الفقه"الرخيص "! عندما يلتقي مع الشريحة المترفة والطبقة المتمتعة! وعندما لا تراعي الفتاوى طبيعة الانفتاح الإعلامي والتحرر الاجتماعي والهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون تحت وطأة الغزو الفكري والثقافي من الغرب والفشل الداخلي في بلداننا!. أما عن أثر هذا التيار في الحركة الإسلامية، يقول أحمد زين: "إنه كما أثرت الحركة الإسلامية على هذه الموجات الشبابية المتدينة؛ فإنني أزعم أن هؤلاء المتدينين الجدد يؤثرون وسيؤثرون على الحركة وبرامجها وخططها".مرجع (٣) يشرح ذلك بقوله: " فقد بدأ التأثير في الحركة الإسلامية بالفعل خاصة في الجانب الاجتماعي الذي هو وثيق الصلة بالجانب الفقهي؛ فقد أصبح داخل الحركة الإسلامية الآن شبه حراك في هذين الجانبين، خاصة أن الحركة قد دعمت نمطًا معينا خلال الثمانينيات. مما يلفت النظر الآن - مثلا وليس حصرًا - أن كثيرا من السيدات والفتيات المنتسبات للحركة قد استبدلن بـ"الخمار" التقليدي الذي تعود عليه المجتمع المصري والذي كانت توصف كل من تلبسه بـ"الأخت" .. استبدلن به غطاء الرأس والصدر القصير المتعدد الأنماط والألوان. هذا التغير وإن أخذ شكلا مظهريا إلا أنه ينبئ عن حراك ما، هذا الحراك ربما يكون تم تحت ضغط الأناقة التي يبدو عليها حجاب المتدينات الجدد، وانخراط الكثيرات منهن في مناشط الحركة، وربما تحت ضغط الانفتاح على أشكال الحجاب المختلفة (الإيراني والخليجي والأوربي ... )، التي وسعت الخيارات أمام هذا الجمهور الذي تعود على نمط واحد من الاختيارات. ولكنه في رأيي يبقى تأثرا بالتدين الجديد، وثورة على النمط التقليدي الذي دعمته الحركة -ولو بطريق غير مباشر- في فترة الثمانينيات. ومن هذا التأثير تغير الأنماط السائدة في الناشط الاجتماعية؛ كالأفراح والزيارات؛ فأصبح من الطبيعي والمعتاد أن تكون هناك أفراح مختلطة أو رحلات مشتركة، أو ما شابه". مرجع (٣)

стр. 1289

ويضيف: "ثانية هذه الملاحظات العابرة حول التأثيرات أيضا: التعامل مع الفنون؛ فالقطاعات الشبابية داخل الحركة الإسلامية أصبحت تتعامل مع الفنون بقوة؛ بل أصبحت بعض التزكيات داخل الحركة توصي بمشاهدة بعض الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، وكثيرة هي النقاشات حول الأعمال الفنية حتى الهوليودية منها داخل مواقع الإنترنت، وساحات الحوار المتعلقة بالحركات الإسلامية". مرجع (٣) ويؤكد الكاتب: "إن تدين بعض أفراد هذه الطبقة لا بد أن يغير -في ظني- خريطة الحركة الإسلامية واهتماماتها؛ فهؤلاء الأفراد لهم قدرات وطاقات ومهارات مختلفة كثيرا عن مهارات الأجيال التي يمكن أن نقول: إن الحركة الإسلامية قد تمرست في التعامل معها". مرجع (٣) إن لهذا التيار زخمه الدعائي وحضوره الإعلامي، وهو سيشكل بالطبع تحديا أمام العلماء والدعاة في رد الناس إلى " التدين الصحيح "، وقد يشغل الساحة مرة أخرى في الحديث بقضايا فقهية ومسلمات عقائدية وآداب اجتماعية -تجاوزت الدعوة معالجتها! - لصالح الرؤية التي يقدمها! وسوف يعطي هذا الجو من التدين لضعفاء النفوس، والذين قال الله فيهم في سورة الأحزاب: "فيطمع الذي في قلبه مرض"! فرصة للاستفادة من هذه المظاهر واستغلالها في الحرام! وتطبيع " خطوات الشيطان " في نفوس الشباب والشابات! إن ما يقوم به "المتدينون الجدد" -من الجهود المتناثرة- لن يكون في أحسن أحواله مشروعا نهضويا للأمة! طالما وأنه ينحرف بقيم الدين وأحكامه ليطابقها ويطبعها مع المناهج الأرضية! ولن يكون بديلا عن العلاج العقائدي المرتكز على التوحيد والإيمان والاتباع! والواجب على هؤلاء الرجوع إلى مرجعية الأمة من العلماء والدعاة الذين عرف عنهم تحري الحق واتباع الدليل وسلوك جادة الصواب. ولهم على العلماء والدعاة النصح والتوجيه والمساندة والتعاون معهم في الخير والإحسان. وبعيدا عن تشاؤم البعض من مصير هذا التيار، فإن الواجب أن لا يبخس الناس حقهم ولا تغمط مواهبهم وقدراتهم، فالاستفادة من هذا المخزون الضخم من هؤلاء الشباب هو في صالح الأمة والدعوة معا! مع مراعاة أنهم بحاجة إلى حكمة في التعامل، وبلاغة في الأسلوب، واعتراف لأهل الفضل بفضلهم! وهنا كلمة جميلة أسجلها للكاتبة "نهى الإبياري" وهي تتحدث عن هذه الظاهرة: "إن علينا أن نتعلم أن نحب الأشخاص ونؤمن بالأفكار؛ لأننا عندما يختلط علينا الأمر فنؤمن بمن نحبهم ننسى أنهم بشر خطاءون، وعندما يسقطون نسقط معهم ويسقط ما آمنا به من أجل سواد عيونهم. الذي يحدث: أننا ننسى هل آمنا بما يقولون لأننا أحببناهم، أم أحببناهم لأننا آمنا بما قالوا، والفرق جد كبير". وهي تتفق مع الأثر المروي عن الإمام علي ﵁: "إعرف الحق تعرف أهله"! وختاما، فإنه يجب أن يبقى السؤال، الذي حاولت أن أجيب عنه: هل سيؤدي " التدين الجديد " إلى تمرير ثقافة التغريب في مجتمعاتنا؟، محل لاهتمام ورصد المتابعين للظاهرة! نماذج من الدعاة الجدد: - عبد الله جيمنستيار: داعية إسلامي من إندونيسيا، يبلغ من العمر ٤٢ عاما، بدأ الظهور على شاشة التلفزيون منذ عدة أعوام، لكن شعبيته تصاعدت في وقت قصير جدا؛ ليزيد جمهوره عن ٦ مليون شخص يتابعون محاضراته الأسبوعية عبر التلفزيون، إضافة إلى شرائط الكاسيت وأفلام الفيديو والكتب، وقد وصلت شعبيته إلى حد أن يصبح ثمن الساعة الواحدة التي يقدمها من البث التلفزيوني إلى ١٠٠ ألف دولار، وذلك بحسب جيمنس تيار نفسه. وهو يمتلك ١٨ شركات، من بينها قناة فضائية، ومحطة راديو، ودار نشر، واستوديو تسجيلات، ووكالة إعلان، ومكتب سياحة، تحقق واحدة فقط من شركاتها مكسبا يصل إلى أكثر من ٣٠٠ ألف دولار شهريا.

стр. 1290

انظر "الأخ جيمنستيار .. داعية أندونيسي .. نيولوك"! ترجمة وإعداد: نهى الإبياري؛ في موقع "إسلام أون لاين". - حمزة يوسف هانسن: أمريكي الأصل، ومن عائلة مثقفة؛ والده أستاذ لمادة الإنسانيات في جامعة هارفارد، وأمه خريجة جامعة بيركلي العريقة، أما جده فكان عمدة لإحدى مدن كاليفورنيا. وهو صاحب فكرة برنامج " يللا شباب " الذي يذاع على mbc، وهو البرنامج الذي نجح في مخاطبة جماهير الشباب من خلال محتوى ديني جذاب .. وهو ما أكده خالد طاش أحد معدي البرنامج لجريدة الوطن السعودية. انظر: "حمزة يوسف .. الداعية الأمريكاني المزدوج! " بقلم أحمد زين؛ في موقع "إسلام أون لاين". - عمرو خالد: من مواليد عام ١٩٦٧، بمدينة الإسكندرية - مصر. حاصل على بكالوريوس تجارة من القاهرة عام ١٩٨٨م، وعلى دبلوم في الدراسات الإسلامية، بمعهد الدراسات الإسلامية في القاهرة سنة ٢١م. وهو يحضر لدراسة الدكتوراه في السيرة النبوية من جامعة ويلز - إنجلترا. يعمل كمراجع حسابات، وشريك بمكتب مراجعة. وهو عضو بجمعية المحاسبين والمراجعين المصرية. بحلول عام ١٩٩٩ مصار عمرو خالد يلقي ٢١ درسا أسبوعيا في منازل شخصيات مرموقة، وارتفع هذا العدد في رمضان ليصل إلى ٩٩ درسا في الأسبوع الواحد، ولقد حققت شرائط الكاسيت المسجلة عليها دروسه رقما قياسيا في مبيعات معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام م، ولم يقتصر رواج هذه الشرائط على القاهرة وحدها بل صارت توزع في فلسطين وبيروت ودول الخليج، وقد أسس شركات عدة لتوزيع الكاسيتات. قدم العديد من البرامج في القنوات الفضائية، ولا يزال، يعمل مستشارا لدى محطة "اقرأ" التلفزيونية السعودية، وطلب منه الانضمام إلى مجالس إدارة في بعض البنوك الإسلامية؛ ولديه موقعه الخاص على الإنترنت. - ماجدة عامر: داعية شابة من الطبقة الثرية في القاهرة، مشغوفة بالشاك راس واليوغا والحمية العضوية والممارسة التأملية. وتلقى محاضرتها في الإسلام والطب البديل صدى حماسي لدى نساء المجتمع الراقي اللاتي يقصدن مسجد أبو بكر الصديق القائم في ضاحية هليوب وليس المترفة. - الحبيب علي الجفري: من مواليد جدة بالمملكة العربية السعودية، في عام١٩٧١م. والده هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجفري، رئيس حزب رابطة أبناء اليمن (رأي)، عائلته تشتغل بالسياسة، تتلمذ الجفري على يد عدد من دعاة الصوفية في أرض الحجاز، وهو يدرس بدار المصطفى بتريم، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، صوفي الطريقة! له العديد من البرامج التي يقدمها على القنوات الفضائية، وموقع خاص على الإنترنت. وهؤلاء الدعاة يحظون بما يلي: - كثافة الدروس. - كثرة المبيعات لهذه الدروس، والتي تنتج على الكاسيت وشريط الفيديو والسيديهات. - كثرة الحضور من الجنسين لهذه الدروس. - الحضور القوي في القنوات. كقناة "اقرأ" و"أوربت" و"دريم" و"إل بي سي" و"إم بي سي"! وهي قنوات في غالبها منحلة، وبعيدة عن الصورة الناصعة للإعلام الإسلامي الذي ينبغي أن تقدمه هذه القنوات! - بروز أعمال وواجهات عمل في أكثر من بلد. - أسلوب التسويق الذي يعتمدون عليه في مخاطبة الجماهير. - استخدام الإنترنت للتعامل مع المدعوين بشكل أكبر. - استخدام الهاتف الجوال، والرسائل. كثرة الجدل الدائر في الأوساط الاجتماعية والدعوية حول هذه الظاهرة. "التدين الجديد" .. و"الإصلاح الديني":

стр. 1291

يربط البعض بين "التدين الجديد" في ظروف نشأته وطبيعة دعوته، بحركة "الإصلاح الديني" التي شاهدتها أوربا في القرن السادس عشر وما يليه، والتي بفعلها نشأت الكنيسة "البروتستانتية" كإحدى المذاهب العقائدية المستحدثة في النصرانية. و"البروتستانتية": حركة دينية نشأت عن حركة الإصلاح الديني ومبادئها. وهي تنطوي "على أفكار تحررية في الأمور الدنيوية والدينية، وكذلك في إعطاء الفرد حرية التقدير والحكم على الأمور، وفي التسامح الديني، وهذا مضاد للتقاليد وللسلطة الدينية. وروح البروتستانتية هي في مسؤولية الفرد تجاه الله وحده، وليس تجاه الكنيسة". انظر الموسوعة العربية الميسرة؛ ج١؛ ص (٤٩٩). وتعرفها "موسوعة السياسة" بأنها: "مجموعة العقائد الدينية والكنسية المنبثقة عن حركة الإصلاح الديني في أوروبا، التي رافقت ظهور وتطور الثورة الصناعية فيها". انظر ج ١؛ ص (٥٢٧ - ٥٢٨). وقد ظهرت في ظل: "التسلط الديني والدنيوي للكنيسة، والنظام الإقطاعي المستبد في أوروبا، الذي كان يعيق نمو الثورة الصناعية والتجارية". موسوعة السياسة، ج ١ و"البروتستانت: فرقة من النصرانية احتجوا على الكنيسة الغربية باسم الإنجيل والعقل"، وتسمى -أيضا- بـ (الإنجيلية)، "ويعتقدون أن لكل قادر الحق في فهمه، فالكل متساوون ومسئولون أمامه". انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص. وهم: "يستمدون إيمانهم مباشرة من خلال تفسيرهم الذاتي لنصوص الكتاب المقدس، ومن هنا تتعدد التأويلات وتباينت". موسوعة السياسة، ج ١؛ ص (٥٢٨). وقد بدأت في الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، متأثرة بحركات الإصلاح السابقة لها؛ ومن ثمَّ تحولت من حركة إصلاحية داخل الكنيسة إلى حركة عقائدية مستقلة ومناهضة لها -أي الكنيسة. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص (٦١٥). و"نتيجة للحرية الفردية في فهم تفسير الكتاب المقدس لكل فردمن المؤمنين بالمذهب البروتستانتي انقسمت البروتستانتية إلى كنائس عدة". انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص (٦١٨). وفي إحصائية عام ١٩٨٢م وجدت ٢ طائفة إنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص (٦١٨). ومن بين الكنائس التي انقسمت على البروتستانتية "الأساسيون"وهي: "حركة دينية محافظة قامت بين الطوائف البروتستانتية في أوائل القرن٢م. والغرض منها هو المحافظة على التفاسير التقليدية للكتاب المقدس، وحفظ عقائد الإيمان الأساسية من الأمور العصرية التي جاءت بها الاكتشافات العلمية". الموسوعة العربية الميسرة؛ ج١؛ ص (١٨٦). أبرز مؤسسي الحركة الإصلاحية بأوروبا: - مارثن لوثر: وهو ألماني كان يعمل أستاذ اللاهوت، كاثوليكي المذهب. وهو مؤسس المذهب البروتستانتي. انتقد الكنيسة وطالب بالإصلاح، لكن الكنيسة تواجهت معه، مما أدى إلى انفصال حركته عن الكنيسة الكاثوليكية، ودعا إلى الخضوع المباشر لسلطة الكتاب المقدس دون وسائط، بمعنى أن الكتاب المقدس من الوضوح للمؤمنين بحيث لا يختص القساوسة والبابوات بتفسيره، وقد قسمت آراءه العالم المسيحي بصورة جذرية. ولد "مارتن لوثر" في ألمانيا عام ١٤٨٣م، وتحول من دراسته الجامعية إلى دراسات اللاهوت، ثمَّ عين قسيساً عام ١٥٧م. واجه انحرافات الكنيسة وطالب بإصلاحها، وألف في ذلك كتباً وجدت إقبالاً لدى الأوساط المتعلمة في ألمانيا. أصدرت الكنيسة قراراً بحرمانه من منصبه، وإحالته إلى محكمة تفتيش، وكان سيواجه حكماً بالإعدام، لكنه هرب.

стр. 1292

انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص (٦١٥). وقد "ارتبطت اللوثرية في ألمانيا ارتباطاً وثيقاً بالحالة السياسية منذ أن دعا لوثر إلى إشراف الدولة على الكنيسة، ولذلك فإن الحكومة الألمانية تدخلت أكثر من مرة لحل الخلافات بين أعضاء الكنيسة أو للاتفاق مع كنائس المصلحة". انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص (٦١٨). - جون كالفن: ولد في فرنسا عام ١٥٩م، كان مثقفاً قانونياً، ثمَّ تحول إلى دراسات اللاهوت. خالف لورثن في عدد من القضايا منها: إشراف الحكومة على الكنائس، حيث طالب بأن تحكم الكنيسة نفسها بنفسها. انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج٢؛ ص (٦١٧). أسباب نجاح قيام حركة الإصلاح في أوروبا وانتشارها في العالم: يشير كتاب "موسوعة تاريخ أوروبا العام" إلى أربعة أسباب وراء الانتشار المكثف والسريع للحركة الإصلاحية في أوروبا، وهي: ١ - احتياجات المؤمنين الروحية: "ما يمكن في البداية تسميته (التدين الحديث)، هو الحاجة الماسة عند المؤمنين -في نهاية العصر الوسيط- إلى دين أكثر خصوصية، أقل إشكالية، وأقل طقوسية. حتى إن الحركة وجدت جذورها في إيطاليا، بين ظهراني بورجوازية المدن الكبرى التجارية، وسرعان ما انتشرت في الأراضي المنخفضة". موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج٢،ص (٢٧٦). ٢ - التبرئة بواسطة الإيمان: حيث أصبح "الإيمان ضرورياً وكافياً للخلاص والنجاة من عذاب الأبدية. ولا جدوى من الأعمال؛ لأنها لن تفيد في شيء. لهذا وقف (لوثر) ضد (استخدام الغفرانات) و (الحال أن مذهباً لاهوتياً مبنياً على التبرئة بالإيمان يتطابق مع حاجات ملايين النفوس القلقة). لقد راح هذا اللاهوت يناوئ مسيحية قائمة على الطقوس والممارسات، بيد أن (الإيمان الحديث) أثر في نفوس النخبة وأوغل داخل الكنيسة الرومانية". موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج٢، ص (٢٧٦). ٣ - الإنسانيون: الذين شرعوا "بقراءة الكتاب المقدس بطريقة ساذجة سطحية، مستندين في أفضل الحالات بعلوم راهب الكنيسة، القديس جيروم والقديس أوغسطين". موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج٢، ص (٢٧٩). ٤ - الأمراء: لقد كان التركيب الهرمي للسلطة في أوروبا - في ذلك الحين- والقائم على إمبراطوريات وممالك وأسر حاكمة ونبلاء .. مهيئاً لصراع على الثروات والسلطة تقوده طبقة الأمراء والنبلاء. "اضطر لوثر؛ بسبب حرب القرويين إلى التصلب في مواقفه، وإزاء حالات الفوضى المستشرية آثر قيام سلطة تمارسها سلطات مسيحية، وأعطى الأمراء سلطات الوصاية والإشراف. فيقدم بذلك هدية رائعة لأسياد الإمبراطورية المقدسة الذين امتلكوا منذ ذلك الحين حق مراقبة كنائسهم، وأصبحوا من فئات الأساقفة، مرسخي التحالف بين الأمراء الإقليميين والمذهب الجديد". موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج٢، ص (٢٧٢). لقد "كانت طبقة النبلاء مصممة على الاستئثار بخيرات الكنيسة. في حين كان مجتمع الأرياف يرى في انتصار الإصلاح نهاية الاستبداد الإقطاعي وفجر عالم جديد". موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج٢، ص (٢٧٥). وتركز المذهب الإصلاحي فيفرنسا: "بصورة خاصة في المدن، بين ظهراني البورجوازيين والفنانين، وجماعات الكنيسة، ورجال العلم والمعرفة". موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج٢، ص (٢٨٨). لمزيد من الفائدة يمكن الاطلاع على: ١ - الموسوعة العربية الميسرة؛ ط٢ - ٢١م، إصدار دار الجيل بيروت، بترخيص من الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية. ٢ - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ط ٤ - ١٤٢هـ، إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي.

стр. 1293

٣ - موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي د. عبد الوهاب الكيالي؛ ط ٤ - ١٩٩٩م، إصدار المؤسسة العربية للدارسات والنشر. ٤ - أوروبا منذ بداية القرن الرابع عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر- ضمن (موسوعة تاريخ أوروبا العام). إشراف: جورج ليفه، ورولان موسنييه .. المراجع: (وجميعها مقالات على موقع إسلام أون لاين)، هي: (١) المتدينون الجدد من الـ"تيك أواي" إلى الـ"وان كليك"، لأحمد زين. (٢) تونس .. الفضائيات البديل الأمثل للدعاة، لـ د. خالد شوكات. (٣) أثر المتدينين الجدد على الحركة الإسلامية، لأحمد زين. (٤) المتدينون الجدد وفقه القص واللصق، لأحمد زين. (٥) عمرو خالد .. الطبعة الإسلامية لليبرالية الجديدة!، لحسام تمام. (٦) الأخ جيمنستيار .. داعية أندونيسي "نيو لوك"!، ترجمة وإعداد: نهى الإبياري. (٧) "الدين اللذيذ" .. لغة الدعاة الجدد!، الدكتور صلاح عبد المتعال الخبير الاجتماعي المصري، المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، وهو من المتابعين والمراقبين لهذه الظاهرة، في حوار له مع موقع "إسلام أون لاين"، إعداد: صباح هاشم. (٨) الشباب المتدين بين عمرو خالد وعمرو دياب!، لعاصف بيات (٩) تدين نيولوك .. إسلام البورجوازية في مصر!، لحسام تمّام وباتريك هايني. المصدر: شبكة القلم ( www.alqlm.com)

стр. 1294

خدعة التحليل السياسي ! ١١ - ٥ - ٢٠٠٧م بقلم: بندر الشويقي لم أجد أنسبَ من هذا العنوان لأكتب تحته هذه الخواطر المتعلِّقة بطريقة صديقنا أبي عمرو د. محمد بن حامد الأحمري في معالجة الإشكالات المتعلقة بالمسألة الشيعية. وفي البدء أودُّ القولَ: إن من أثقل المواقف على النفس أن يُضطر المرء ليكتب محذِّراً من رأيٍ بالغ الخطورة يتبناه فاضلٌ صادق النية، ناصحٌ لأمته، مريدٌ للخير والإصلاح. غير أن مما يهوِّن الموقف أن الدكتور - وفقه الله - اتَّخذ لنفسه نهجاً ثابتاً في تضعيف عقول مخالفيه، ووصْفِهم بالغفلة وعدم الإدراك والاستغراق - جهلاً وسذاجةً - في خدمة مصالح الصهيونية والعدو المحتل. ففي ظني أني مهما قلتُ - بعد هذا - وكتبتُ، فلن أبلغَ مبلغَ الدكتور، ولن أباريه في ازدراء عقل ورأي مخالفه. أثناء القصف اليهودي الأخير للبنان، كتب دكتورُنا الفاضل مقطوعةَ هجاءٍ شهيرةً عنوانها: "خدعة التحليل العقدي". رمى فيها حِمَماً بركانيةً على حمقى أغبياء مغفَّلين يقال لهم: "العقديون". ثم أتبع مقطوعته تلك بمعلَّقةٍ هجائيةٍ ثانيةٍ تدور حول المعنى نفسه عنوانها "حصاد التحليل العقدي". ولما سُئل في برنامج (إضاءات) عن فكرة هاتين المقالتين ذكر أن الوضع في لبنان كان وضعَ حربٍ مع اليهود، ولم يكن وقتَ إثارة قضايا عقدية. انتهت الحرب. وسكتت المدافع. وهدأت لبنان. لكن موقف الدكتور لم يتغيَّر، ومدافعه لم تسكُت. وكما كتبَ أثناء الحرب عن "خدعة التحليل العقدي"، وعن "حصاد التحليل العقدي"، إذا به يعود من جديد ليكتب لنا مقالةً مطولةً عنوانها "رؤية في المعضِلة الشيعية"، حذَّر فيها من خطورة "التهييج العقدي"!! فالدكتور - عافاه الله - ينتهي من "خدعة التحليل العقدي" ليكتُب عن "حصاد التحليل العقدي". وما إن يفرغ من ذلك حتى ينبري للحديث عن خطورة "التهييج العقدي". من غير أن يخطر له أن يمرَّ في طريقه بشيءٍ اسمه خطورة الإغضاء عن "الانحراف العقدي"، وعن أثر "التضليل العقدي" في ضياع الأمة. والحجة - دائماً - لدى الدكتور أن العدو يسعى لاستثمار الخلافات العقدية، فيجب ألا نخدم أهدافه بإثارتها!! فلتذهبْ - إذاً - عقائد المسلمين، وليأخُذ الشيعة وقتهم في نشر باطلهم، وليُمعِنوا في اختراق الوسط السني، وتشييع السذَّج الغافلين. وعلى "العقديين" مقابلَ ذلك أن يتجنبوا "التهييج العقدي" حتى لا يخدموا أمريكا وإسرائيل بوقوفهم في وجه إخوانهم الشيعة! هذا المنطق الذي يتحدث به د. الأحمريُّ هو الذي أوحى إليَّ بالحديث عن "خدعة التحليل السياسي". فقد رأيتُ الدكتور أغرقَ نفسه في تتبع السياسة وتفاصيلها حتى صار ينطبق عليه ما ذكره هو في مقالة "حصاد التحليل العقدي" حين قرَّرَ أن: "المندمِج بقضيةٍ ما ينغرسُ فيها، ويصعُب عليه الرؤية خارجها، لأنه كرَّر موقفه على نفسه مراراً، حتى لم يعُد يسمح لها بالتفكير خارج الصندوق الذي وضعها فيه". دكتورنا - أعزَّه الله - وضع نفسه في صندوق السياسة، فلم يعُد يستطيع السماح لعقله بالتفكير خارج ذلك الصندوق، حتى لو كان صندوقاً مشتملاً على أغلى ما تملكه الأمة، وهو عقيدتها وتوحيدها. وصاحبُ "التحليل السياسي" الذي لا يبصر إلا السياسية، كثيراً ما تتشبع نفسه بالتهوين من العامل العقدي ومدى تأثيره في تسيير المواقف من حيث لا يشعر. بل ربما رفع صوته معلناً (بلسانه) عن يقينه بدور العامل العقدي في تحليل بعض المواقف، لكن عند التطبيق فهو لا يبصر شيئاً سوى السياسة.

стр. 1295

د. الأحمري يملك كمَّاً هائلاً من المعلومات والمعارف السياسية، غير أنه حين يكتب يَغرق في معلوماته تلك، فيعجز عن توظيفها للخروج بفكرةٍ متوازنةٍ، بسبب عدم قابليته للنظر برويةٍ فيما لدى الآخرين، مما له وقعٌ بالغ في القضية التي يتصدى للحديث عنها. وقد رأيته في واحدةٍ من مقاطع هجائه يذكر أن مِن الناس: مَنْ يُريح نفسه من عناء التفكير والفهم بوضع الآخرين في صناديق أو مجموعات، وأحزاب ومواقف، فيجعل هذا ليبرالياً، وذاك عقلانياً، ليسقط عن نفسه مشقة التفصيل والفهم، فليتَ دكتورنا تنبَّهَ - أيضاً - إلى أن من الناس من يريح نفسه من عناء التفكير والفهم بوضع مخالفيه في صندوقٍ كُتبتْ عليه عبارة: "عقديون مغفَّلون". دكتورنا الفاضل يرى أن "التحليل العقدي، والتفريق بين الناس بناءً عليه، كانَ ولم يزلْ أداةً مهمةً من أدوات المستعمرين". ويقول: "كم شيخٍ يقول وهو لا يدري أبعاد قوله، ويحلب في قدح المحتل الصهيوني أو غيره، وهو يرى أنه ينصر طائفةً أو عقيدةً أو مذهباً أو يدَّعي أنه ينير الطريق للأمة، بينما هو يرتكس بأتباعه في الظلمات، ويستعيدُ معارك الفرق والتاريخ ويغيب عن الشهود ومصالح الحاضر". فالدكتور - سلَّمه الله - منزعجٌ من شيوخٍ سُذَّجٍ يرتكسون بأتباعهم في الظلمات، ويحلبون في القدح الصُّهيوني من خلال إثارة معارك تاريخية تغيبهم عن مصالح الحاضر! وقد تعِبَ الناسُ ـ وكاتب هذه الأحرف منهم ـ ليشرحوا للدكتور أن استغلال العدو للخلاف السُّني الشيعي أمرٌ معروفٌ وليس بخافٍ عنهم. لكنهم يرون أن تجاهل أو تهوين الخطر الشيعي ليس حلاً. بل هو مما يزيد الواقع سوءً وتدهوراً. غير أن الدكتور يصرُّ - دائماً - على أن كلَّ من لا يرى رأيه فهو لا يعرف خطط الأعداء الصهاينة الأمريكان. وإنما هو "عقديٌّ مغفَّلٌ" يحرث التاريخ لينبش خلافاتٍ ميتةً، يتلهَّى بها عن مشاكل العصر الحقيقية. يقول الدكتور هذا مع علمه أن التشيُّع والرَّفض لم يكن في يومٍ من الأيام مشكلةً تاريخيةً تحتاج إلى نبشٍ وتفتيش، بل هي قضيةٌ حاضرةٌ أمام أعين الجميع، إلا إذا كان مِن رأي الدكتور أن الانحرافات العقدية تسقط بالتقادُم! في مقالته "حصاد التحليل العقدي" يقول د. الأحمري مخاطباً مخالفيه: "للنظر السياسي يا إخواننا تقسيماتٌ أُخَر، بعضها من بضاعتكم وبعضها تقع خارج ثقافتكم، وإلا لما صحَّ وجود سياسي وعقدي، ووجود رجل دين ورجل دولة أو سياسة". في هذا الكلام نرى د. الأحمري يسند موقفه ويعضد رأيَه بالتنبيه إلى قاعدة احترام التخصُّص. فبما أنه صاحب سياسة، فعليكم معاشر "العقديين" التنحِّي عن طريقه كي يشرح للناس رؤيته هو للمعضلة الشيعية. لكن لو سأْلنا دكتورنا: ماذا لو سلَّم لك "العقديون" نظرك السياسي، فهل ستسلِّم لهم نظرهم العقدي؟! الجواب بالتأكيد: لا .. فالدكتور يدرك استحالة فصل القضايا بهذه الصورة السَّطحية التي يطرحها ويعلم ضعفها. غير أنه يريد الوصول إلى إخراس من يسميهم "عقديين" وحسبْ، فمن أجل ذلك فزع للحديث عن التخصُّص. كلامُه في الظاهر معناه: (أنتم مجالكم "النظر العقدي" فدعوا عنكم السياسية). لكن حقيقة موقفه: (أنتم لا تفهمون السياسة، فاسكتوا حتى عن العقائد). وقد رأيتُه في كثيرٍ من كلامه لا يستطيع البعد عن "النظر العقدي"، ولا يقوى على تركه لأهله، مع أنه حين يتعرَّض لمناقشة مسائله يقع في أخطاء فادحة لها أثرها في تقييم الواقع، وبالتالي في معالجته. سمعتُه في برنامج (إضاءات) يقول: "كيف نُشغل الطالب مثلاً لمدة سنتين أو ثلاث في قضية خلق القرآن. ما عندنا أحد الآن يقول بهذه القضية. نحتاج أن نتحدث عن قضية من قضايا الحريات أو قضايا مفاهيم جديدة".

стр. 1296

هذا ما قاله الأستاذ الدكتور - سامحه الله -. وعن نفسي فإني لا أعرفُ أحداً من لدُنْ آدم وإلى اليوم يشتغل سنتين أو ثلاث بتدريس قضية خلق القرآن! بل هي مسألة ضمن أبواب الاعتقاد يمرُّ عليها الطالب المتخصِّص ويتعلمها في مجالس معدودة. غير أن ضِيقَ صدر الأستاذ بالمباحث العقدية هو الذي يدفعه لمثل هذا التهويل. وأغرب من تهويله قوله بثقةٍ تامةٍ: " ما عندنا أحد يقول بهذه القضية "!! هذا الكلام من الدكتور يظهر منه أثر الاستغراق في "التحليل السياسي" وما يؤدي إليه من ضعفٍ في "النظر العقدي"، فالقول بخلق القرآن - لو علِمَ الدكتور - هو قولُ الشيعة الإمامية الذين منَعَنا من إزعاجه أثناء معالجته لمعضلتهم! الشيعة الإمامية، ومعهم الشيعة الزيدية، ومثلهم إباضية عمان والمغرب. دعْ عنك جملةً من زنادقة أدباء الحداثة الذين يعتبرون القرآن نصاً أدبياً مخلوقاً قابلاً للنقد. كل هؤلاء يقولون بخلق القرآن إلى اليوم. لكنَّ الأستاذ لا يدري عن ذلك شيئاً بسبب صندوق السياسة المحكم الإقفال الذي حبسَ نفسه فيه، فلم يعُدْ قادراً على معرفة ما في سائر الصناديق. على أني أقطع أن دكتورنا حتى لو علِمَ بذلك، فلن يختلفَ موقفه. لأن المسألة عنده في الأصل ليست ذاتَ بالٍ. والمشكلة لديه لا علاقة لها بوجود تلك الأقوال أو انقراضها. بل هي نابعةٌ من خصلةٍ واضحةٍ لدى الدكتور تتعلق بضيق صدره بالمباحث العقدية. عموماً، الدكتور يريد السياسة ولا شيءَ غير السياسة. هو يريد حديثاً عن (الحرية، وعن خطر الاستبداد السياسي، وعن الانتخابات والمشاركة الشعبية). فهذه القضايا هي العقائد القطعية والركائز اليقينية التي يقوم عليها بنيان الإسلام في نظر "المحلل السياسي". أما شهادةُ أن لا إله إلا الله، ونقضُ الشيعة لها بممارساتهم الشركية. وشهادةُ أن محمداً رسول الله، ونقضهم لها بعقيدة الإمامة والعصمة، فكلُّ هذا مما يمكن احتماله والتهوين من أمره، وبالإمكان اعتبار تفاصيله قضيةً تاريخيةً عفا عليها الزمن. لكن الذي لا يجوز السكوت عنه بحالٍ، هو "الانحراف السياسي"، وما يتفرَّع عنه. وقد رأينا القصور في "النظر العقدي" يبرُز أثناء معالجة الدكتور "للمعضلة الشيعية". فحين تطفَّل على صندوق "العقديين"، وعاب عليهم رميَ الشيعة بالقول بتحريف القرآن، رأيناه يقول: إن هذا الموقف " في غاية الخطأ، لأسبابٍ: منها أن القرآن الذي يقرأه الشيعة اليوم هو القرآن نفسه الذي بأيدي المسلمين في كلِّ مكان. ومن شكَّ فليذهب بنفسه لأقرب تجمُّعٍ أو مسجدٍ أو منزلٍ لهم وسيجده القرآن الذي عنده ". فها هو ضعف "النظر العقدي" يتحدث عن نفسه. فالدكتور دخل للتحكيم في مسألة لا يملك تصوراً لأبعادها الحقيقية لأنها غير موجودة في صندوق السياسة الذي يهوى الدوران فيه. هو ـ بالتأكيد ـ لن يستوعب مذاهب وآراء الشيعة في القرآن ما دام مستغرقاً في متابعة تصريحات "تشيني" و"مارتن إنديك"، وكتابات "فوكوياما"، ومقالات "فريدمان". الدكتور أتى هنا بحجةٍ يراها قاطعةً في تبرئة الشيعة من ظلم "العقديين". فهو يقترح أن يذهب "العقديون" لمساجد الشيعة وتجمعاتهم، وينظروا في مصاحف الشيعة ليتأكدوا أن الذي يقرأونه هو نفسه القرآن الذي يقرأه السنة. ولو أن دكتورنا أنصت قليلاً لإخوانه "العقديين" لربما أخذه الحياء من ذكر مثل تلك الحجة. فالعقديون يعلمون أن أكثر الشيعة القائلين بالتحريف يؤمنون بهذا القرآن الموجود عندنا. لكن موضع الإشكال أنهم يعتقدون نقصَه، وأن الصحابة الكرام حذفوا منه آيات ولاية علي بن أبي طالبٍ ﵁، وفضائل آل البيت، ومثالب الصحابة!

стр. 1297

قد لا تعني هذه المسألة الكثير بالنسبة للدكتور، لكن لو أنه أعطى "العقديين" - الذين يعانون اضطهاده - فرصةً ليسمع منهم، لأراح نفسه من عناء الذهاب إلى مساجد وتجمعات الشيعة ومقارنة مصاحفهم بمصاحف أهل السنة. وقد رأيتُه في غمرة إصراره على تخطئة فرقة "العقديين"، وبيان ظلمهم للشيعة يذكرُ أن كتاب (فصل الخطاب في تحريف كلام رب الأرباب) كتابٌ منبوذٌ عند الشيعة، وغير متداوٍل حتى إنه لم يطبعْ إلا مرةً واحدةً، وفي الهند. ولو أن دكتورنا ـ غفر الله له ـ تواضع قليلاً لإخوانه "العقديين" هنا أيضاً، لعلمَ أن ذاك الكتاب القذر لم يُطبعْ في الهند قطْ. وإنما طُبعَ في إيران مركز التشيع والرَّفض. ولو أنه أرعى سمعه وعقله لشرح له "العقديون" أن المشكلة ليست محصورةً في كتاب (فصل الخطاب)، ولا في مكان طبعه. فسواءٌ طُبعَ الكتاب في الهند أو نجازاكي أو في زُحَل. وسواءٌ طُبعَ طبعةً واحدةً أو اثنتين. أو لم يُطبَع قطْ. بل لو أن ذاك الكتاب لم يُخلَق في هذه الدنيا، ولا خُلِق مؤلفه. كلُّ ذلك لا قيمة له ولا تأثير له في المسألة التي يدرك "العقديون" وحدهم أبعادها وخطورتها. كتاب (فصل الخطاب) - لو عَلِم الدكتور - لا جديدَ فيه، فمؤلفه لم يزدْ على جمع المتفرِّق في كتب أعيان الشيعة القائلين بتحريف القرآن. تلك الكتب التي لا زالتْ تطبع إلى اليوم بالآلاف في طهران وفي قُم من غير أن يشعر الدكتور. وهي كتبٌ متداولةٌ وليست منبوذةً. بل هي محلُّ حفاوة علماء الشيعة. ومؤلفوها محلُّ تقديرٍ وإجلالٍ. بل هم معدودون عندهم من أئمة الإسلام وأعيانه المبرَّزين. أقول هذا الكلام وأنا في شكٍّ كبيرٍ من فائدته في تغيير موقف الدكتور، فالتحقُّق من موقف الشيعة المعاصرين من القول بتحريف القرآن مبحثٌ "عقدي"، فهو - بالتالي - ليس من محتويات صندوق دكتورنا الفاضل. لكنَّ "العقديين" - باعتبارهم يتحدثون في فنِّهم، ولأنهم ينطلقون من قواعد شرعية محكمة - لا يكفيهم أن يقول المعمَّم الشيعي: (أنا لا أقول بالتحريف)، سواءٌ صدق في قوله أو كذب. بل يريدون موقفاً واضحاً وحازماً من كلِّ من تجرَّأ على الطعن في دستور الأمة. فلا أقلَّ من الاتفاق على كفر القائل بذلك الفجور والتبرِّي منه. قد يرى د. الأحمري في هذا الموقف شيئاً من المبالغة والتشدُّد، لكنَّ "العقديين" يريدون أن يفهم الدكتور أن للقرآن الكريم عندهم منزلةً عاليةً وأهميةً بالغةً. فهو عندهم أهمُّ من المفاعل النووي الإيراني الذي يُشفِق عليه الدكتور من الدَّمار، ويريد أن يكون له دورٌ في إحداث توازن في المنطقة، وردع إسرائيل عن أطماعها التوسعية، وتخفيف مذابحها ضد الفلسطينيين! وكما قلتُ في مسألة "خلق القرآن"، أقول في مسألة "تحريف القرآن"، فسواءٌ قال الشيعة بالتحريف أو لم يقولوا، فموقف الدكتور ـ غالباً ـ لن يتغير. بل لو أطبقَ الشيعة كلهم على القول بالتحريف، فالدكتور - وإن اعتبر هذا القول كفراً - فإنه سيوجب على "العقديين" الكفَّ عن "التهييج العقدي"، والبعد عن إثارة الخلاف المذهبي، لئلا يستفيد العدوُّ الصهيونيُّ الأمريكي من ذلك. فالموقف السياسي هو وحده الحاضر في عقل الأستاذ! من آثار "خدعة التحليل السياسي". احتفاء د. الأحمري ببروز فكرة "ولاية الفقيه" لدى الشيعة، فهي - في تصوره - "هدمٌ ذكيٌّ لركن الإمامة في المذهب الشيعي"! كما أنها تمثِّلُ "تجديداً واقتراباً من الحلول الإسلامية بل والفطرية الطبيعية". وقد استشهد في كلامه بقول أحد الكتاب: إن "ولاية الفقيه" خطوةٌ نحو التسنُّن!

стр. 1298

هذا التصور الساذج الذي طرحه الدكتور ما هو إلا نتيجة مباشرة للاستغراق التام في "التحليل السياسي". فالدكتور - سلمه الله - نظر فقط للأثر السياسي لفكرة "ولاية الفقيه" على الواقع الشيعي، فأداه نظره إلى أنها تمثل هدماً ذكياً لركن الإمامة لدى الشيعة، بل وتمثل تجديداً وخطوةً نحو التسنُّن! ولو أن أستاذنا اعتنى بـ "النظر العقدي" لربما كان له رأيٌ ثانٍ. ولأدرك حينها أثر "خداع التحليل السياسي" في اختلال الموازين الشرعية، وفي تغييب أصول المعتقد! "ولاية الفقيه" عند من يعرف بعدها العقدي أبعد ما تكون عن المفاهيم السُّنية، بل هي - في ذروة نضجها - أقرب إلى المفهوم الكنسي منها إلى المفاهيم الإسلامية! قبل "ولاية الفقيه" كانَ الشيعة يقولون: (من ردَّ على الإمام المعصوم، فقد ردَّ على رسول الله، ومن ردَّ على رسول الله، فقد ردَّ على الله). أما بعد بروز فكرة ولاية الفقيه، فقد أصبح أنصارها يقولون: (الرَّد على الولي الفقيه، كالردِّ على الإمام المعصوم! والرَّد على الإمام كالرَّد على رسول الله، والرَّد على الرسول كالرَّد على الله)!! والنتيجة النهائية لهذا الزيغ أن من ردَّ قول "الولي الفقيه"، فقد ردَّ على الله!! فهل هذا هدمٌ ذكي لمبدأ الإمامة، أو أنه إحياء خبيثٌ لها؟! "ولاية الفقيه" في محصَّلها ترسيخٌ لمبدأ الإمامة في العقل الشيعي. والذين اخترعوا الفكرة إنما أرادوا تفعيل عقيدة الإمامة وتوظيفها لهدف إقامة دولة رافضية، يتمُّ فيها إحكام السيطرة على قطعان الشيعة الضالة بنَصب طاغوتٍ لهم يشركون به مع الله. وحسبَ هذه النظرية - عند أمثال الخميني - فإن "الولي الفقيه" له الطاعة المطلَقة، ليس في الشأن السياسي وحسبْ، بل حتى في جانب التشريع، فمن حقه تعليق وإيقاف أحكامٍ شرعيةٍ قطعيةٍ من مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج! فأينَ هُدِمَت فكرة الإمامة في مثل هذه الزندقة المكشوفة؟! هذه الضلالات المتراكمة لدى الشيعة الروافض من العسير جداً تصوير خطرها وحجمها الحقيقي لمن أغلق على نفسه صندوق السياسة. فمن أصعب المهام إقناع "المحلل السياسي" أن قوة الأمة في اجتماعها على معتقدها، وأن الخطر الخارجي - مهما يكن - فإنه لا يسوِّغ التهوين من شأن تلك الضلالات التي تستهدف الأمة في أعز ما تملك. شيءٌ واحدٌ يمكن أن يؤمن الدكتور بضرورة إثارته، وتفريق الأمة عليه، وتشتيت وحدتها من أجله، حتى لو كان في ذلك خدمةً للعدو الصهيوني الأمريكي! فإذا كان الدكتور يعتبر إثارة الخلاف العقدي مع الشيعة حلباً في قدح العدو المحتل، فلنجرِّب أن نقول له: يجب عليك - إذاً - أن تكفَّ عن انتقاد الاستبداد السياسي للحكومات، وأن تمسك قلمك ولسانك عن المطالبة بالانتخابات والمشاركة الشعبية. لأن هذه المطالب هي عينها مطالب العدو الغربي الصهيوني الذي يضغط ويبتزُّ الحكومات بإثارتها، ليحملها في النهاية على تقديم تنازلات تضر بشعوبها. بالطبع الدكتور لن يقبل مثل هذا الكلام، فهو لا يرى مانعاً أن يحلب في قدح العدو المحتل، لأجل تفعيل محتويات صندوقه. بل لا مانع لديه أن يهبَ عدوَّه البقرة كلها، متى ما تعلَّق الأمر بالرُّكن الأهم عنده: "السياسة"، و"الانتخاب". أما قضايا التوحيد والشرك، والسنة والبدعة، والهدى والضلال، فالمغفَّل من يخدم العدو بإثارتها، وهي - في نظر دكتورنا - قضايا تاريخية تنتمي لعصر أحمد بن حنبل على حدِّ تعبيره في برنامج (إضاءات)! من مظاهر الضَّعف الكبرى في نهج "المحلل السياسي"، أنه يطرح أراءً واقتراحاتٍ من كدِّ عقله دون أن يكلِّفَ نفسه التوقف عند حكم الشرع فيها.

стр. 1299

وقد رأيتُ د. الأحمري يقترح ـ من أجل حلِّ المعضلة الشيعية ـ دمجَ الشيعة في المجتمع السُّني عن طريق رفع ما سماه بـ "الحصار الثقافي" عنهم، وفسح الحرية لهم في ممارسة دينهم المنحرف والدعوة إليه، وعدم إشعارهم بفروق بينهم وبين أهل السنة. بل رأيته يتمنَّى لو وُجد في البلاد السُّنية مراجع شيعية محلية، حتى يخفَّ ولاء الشيعة للمراجع الخارجيين! ومع تقديري لحسن مقصد الدكتور، فإن الذي يقرأ مثل هذه المقترحات يشعر وكأنه يقرأ لمحللٍ ليبرالي أو علماني لا يرجعُ لأصلٍ ولا دينٍ، ولا تعنيه الانحرافات الدينية لدى الشيعة، إلا بقدر إضرارها بالجانب السياسي للدولة! هو يتحدث عن الشيعة وكأنه يتكلم عن قبيلةٍ أو عِرْقٍ أو حزبٍ سياسي يريد أن يدمجه في المجتمع وحسب، فلا يخطر ببال الدكتور - وهو يطرح رؤيته - أن الشيعة فرقة منحرفة ضالة يتعين ـ شرعاً ـ تحجيمها ما أمكن، والسَّعي في معالجة ضلالاتها بدلاً من تعميقها وترسيخ وجودها في المجتمع السُّني. أقول هذا وعجبي يطول من مناداة الدكتور بإقامة مرجع شيعي (طاغوت) من صنعٍ محلي، ليعلِّم الناس الضلال وعقائد الحقد الأسود على خيار الأمة. بدلاً من أن يتعلموها من طاغوت مستورد! فهل توقَّف الدكتور - قبل أن يتكلم بهذا - عند مدى شرعية مثل هذا المقترَح؟! وهل نظر في أدلة الكتاب والسنة ليعرفَ إن كان عقله أصاب ههنا أو أخطأ؟! أو أن النظر في الكتاب والسنة أصبح - أيضاً - نبشاً في التاريخ؟! على أن الحل الذي يقترحه الدكتور - مع مناقضته للشرع -، فإن الواقع يُثبت عدم جدواه. لأن انتماء الشيعي لمرجعه انتماءٌ دينيٌّ تحكمه عوامل واعتبارات كثيرة، تأتي الحدود السياسية في آخرها. فها هو العراق أمام ناظري الدكتور متشبِّعٌ بالمراجع الشيعية المحلية، فهل منع ذلك من تبعية الشيعة للمراجع الإيرانية؟! وهذا لبنان يوجد به مرجع محليٌّ معروفٌ، ومع ذلك فإن أكثر اللبنانيين ينتمون لمراجع خارجية معارِضة ومعادية للمرجع المحلي! أمرٌ آخر لا أدري هل تفطن له الدكتور أو لا. فتنصيب مرجع محلي ـ لو حصل ـ فلن يكون للشيعة المحليين رأيٌ في اختياره حسب النظام الداخلي للعصابات الشيعية. فالمراجع خارج الحدود هم من يملك حقَّ تنصيب وإضافة مراجع جدُد. وهم ـ بالتأكيد ـ لن يسمحوا بوجود مرجعٍ خارج عن منظومتهم. وبالتالي فإن الثمرة النهائية لاقتراح الدكتور ستكون فتح قاعدة متقدِّمة للروافض داخل العُمق السُّني! هذا الكلام أقوله على سبيل التنزل والاستطراد، وإلا فإن الميزان أولاً وآخراً للشرع الحنيف. وما كان الله ليرضى عن أمةٍ لا تمانع من ممارسة بعض أفرادها للكفر أو الفسوق العقدي علناً، بل والدعوة إليه بحمايةٍ من القانون كما هو مطلب الأستاذ. دكتورنا - سدَّد الله قلمه - كمَّمَ أفواه "العقديين"، ثم فشل في القيام مكانهم. فالخلل في كلامه لم يقتصر على ضعف "النظر العقدي"، بل تجاوز ذلك إلى ضعفٍ في معرفة واقع الشيعة القائم. وقد رأيته في تعريفه بالباحث الشيعي أحمد الكاتب يذكر أنه (نشأ شيعياً حركياً، ثم ذهب ليكمل دراسته العليا في قم، وسجَّل مسألة "الإمامة" موضوعاً لرسالة دكتوراه في الحوزة في قم). لا أدري كيف يتكلَّم بهذا من يتحدَّث دائماً عن جهل "العقديين" بواقع عصرهم. وكم أتمنى لو أن الشيعة لا يطَّلعون على مثل هذا الكلام لئلا يكون دكتورنا محلًَّ تندُّرهم.

стр. 1300

أحمد الكاتب لم يتقدَّم - يوماً من الأيام - لنيل درجة الدكتوراه ولا الماجستير من حوزة قم، وذلك لسببٍ بسيط، وهو أن الحوزات الشيعية لا يوجد فيها شيء اسمه دكتوراه ولا دراسات عليا. هذه الألقاب - لو علمَ دكتورنا - لا وجود لها في عالم الحوزات الأسود. والذي يتخرَّج في الحوزة الشيعية إنما يتأهل لوضع العمامة على رأسه، والتزين بألقاب من مثل: حجة الإسلام، وآية الله. ونحو ذلك من ألقاب متعضد ومعتَمد. وكلام الدكتور عن دراسات عليا ودكتوراه في حوزات قم، يشبه قول القائل: إن فلاناً سجل أطروحة دكتوراه في جامع الرياض الكبير! الدكتور ـ غفر الله ـ سَخِر من "العقديين"، واتهمهم بالجهل بالواقع، ثم أقام نفسه مقامهم في علاج المسألة الشيعية، ليكشف بعد هذا عن ضعف معرفته بواقع الشيعة، ومعتقداتهم، ونظام المرجعية عندهم، فضلاً عن منهجية التعليم في حوزاتهم السوداء. بقي أنْ أنبِّهَ إلى أن د. الأحمري حين يشرح رؤيته للمعضلة الشيعية، فإنه لا يطرح أفكاره بصفتها حلولاً طارئة لوضعٍ استثنائي مؤقت. فهو حين ينادي بتطبيع التشيُّع داخل المجتمع السني، لا يفعل ذلك اضطراراً، وحذراً من الخطر الخارجي المحدِق. وإنما يقول هذا باعتباره الأصل، انطلاقاً من قاعدة كبرى يؤمن بها تمام الإيمان. الدكتور - غفر الله له - يؤمِن بالحرية الفكرية بمفهومها الغربي. فمن رأيه ومذهبه أن الحرية الفكرية وحرية التعبير يجب أن تكون مصانةً ومتاحةً للجميع. فليس الرافضيُّ وحده الذي يجب أن تتاحَ له الفرصة لممارسة ضلاله والدعوة إليه. بل حتى الكافر الصَّريح، والشيوعي الملحد، من حقه ألا يُقمَع ويُقصَى، بل يجب أن يكون حرَّاً في إبداء رأيه والدعوة إليه. بل إن دكتورنا يذهب لما هو أبعد من ذلك، فلا مانعَ لديه من أن تَفسحَ الدولة المسلمة لأحزابٍ سياسيةٍ تقوم على مبادئ الكفر والضلال!! فلا نهضة للأمة - حسب الدكتور - ما لم يتسع صدرها لمثل هذه الحرية المترامية الأطراف! هذا ما يقرِّره الأستاذ ويؤمن به. وقد سبقَ لي بحثٌ معه حول هذا المنحَى الخطير. ثم سمعته بعد ذلك ببرنامج (إضاءات) يذكر أن الإسلاميين "إذا كان عندهم استعدادٌ لوقف الآخرين وكبت حرياتهم فهذه قضية سيئة جداً"! فليتَ شعري إذا لم يكن من هدف الداعية والمصْلِح إيقاف الباطل وإقصاء أهله، فما فائدة دعوته وإصلاحه إذاً؟! حين أذكرُ هذا الكلام عن الدكتور - أصلح الله باله - فإني أريد بيان الزاوية التي نظر من خلالها وهو يتصدى لعلاج "المعضلة الشيعية". فهو لا يبني فكرته من خلال ملابسات الواقع القائم، بل من خلال قناعةٍ داخلية راسخةٍ لا علاقةَ لها بتآمر الغربيين ضدنا. الدكتور - رعاه الله - ينطلق من مجموعة تصورات ومفاهيم تجمعها كلمة "ديمقراطية". ويخطئ من يظنُّ أنه عالج "المعضلة الشيعية" من خلال معرفته الواسعة بتعقيدات الوضع القائم كما يبدو من ظاهر الأمر، بل وكما يجتهد الدكتور في تصوير ذلك. فحديثه الدائم عن الحرية، وعن العقديين وصناديقهم المقفَلة، وكلامه عن ضرورة استيعاب مشاكل العصر، والبعد عن الاستغراق والتعصُّب لآراء الأسلاف، والتشاغل بالخلافات التاريخية. كل هذا الكلام يتجه إلى مصبٍّ واحد، ينتهي عند دلتا "الديمقراطية".
следующие страницы →