← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95670

من تواضع لله رفعه

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (53 стр.). Показаны 36–53 · переход к 41.

стр. 36

حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (١). * الكبر بالقوة: وذلك في أهل القوة الجسمية والعسكرية وذلك بالبطش بالضعفاء وإهانتهم وتعذيبهم. * التكبر بالأتباع والأنصار والتلامذة والعشيرة والأقارب والبنين. قال أبو سليمان: لا يتواضع العبد حتى يعرف نفسه. وقال أبو يزيد: ما دام العبد يظن أن في الخلق من هو شر منه فهو متكبر، فقيل له: فمتى يكون متواضعًا؟ قال: إذا لم ير لنفسه مقامًا ولا حالاً. وتواضع كل إنسان على قدر معرفته بربه ومعرفته بنفسه. قال وهب بن منبه: آية المنافق أنه يكره الذم ويحب الحمد (٢). ولقد كثر ذلك في زماننا والله المستعان، فأصبح البعض يحب المدح والثناء ويسر به ويكرم من يقوم له بذلك ويغدق عليه الأموال، وبعض المدراء والرؤساء يقرب المداحين المنافقين ويبعد الناصحين المحبين! ! والمسلم إن مدح بحق فهو لا يؤجر على هذا المدح .. فما بالك بمن يمدح بباطل ويحرص على أن تجمع له الكلمات وتصف له الحروف؟ ! قال أبو سليمان: لو اجتمع الخلق على أن يضعوني كاتضاعي

стр. 37

عند نفسي ما قدروا عليه. وقال عروة بن الورد: التواضع أحد مصائد الشرف. وكل نعمة محسود عليها صاحبها إلا التواضع (١). ولا شك أن من علامة التواضع أن يكره المرء أن يذكر بالبر والتقوى والصلاح والتقى بين الناس. هذا إما أهل السنة أحمد بن حنبل ﵀ عندما ذكر عنده أخلاق الورعين فقال: أسأل الله أن لا يمقتنا، أين نحن من هؤلاء؟ (٢) وهذا علم آخر من أعلام السلف لا يرى لنفسه حقًا على غيره مع علمه وورعه وطاعته وعبادته! ! قال أحمد بن عبد الله العجلي: آجر سفيان نفسه من جمال إلى مكة، فأمروه أن يعمل خبزة، فلم تجئ جيدة، فضربه الجمال، فلما قدموا مكة، دخل الجمال فإذا سفيان قد اجتمع حوله الناس، فسأل، فقالوا: هذا سفيان الثوري، فلما انفض عنه الناس تقدم الجمال إليه وقال: لم نعرفك يا أبا عبد الله، قال: من يفسد طعام الناس يصبه أكثر من ذلك (٣).

стр. 38

أخي المسلم: تواضع إذا ما نلت في الناس رفعة ... فإن رفيع القوم من يتواضع قال أبو حاتم ﵁: أفضل الناس من تواضع عن رفعة، وزهد عن قدرة، وأنصف عن قوة، ولا يترك المرء التواضع إلا عند استحكام التكبر، فلا يتكبر على الناس أحد إلا بإعجابه بنفسه، وعجب المرء بنفسه أحد حماد عقله، وما رأيت أحدًا تكبر على من دونه إلا ابتلاه الله بالذلة لمن فوقه (١). وتأمل أخي الحبيب في صورة التواضع العجيبة من خير هذه الأمة بعد رسول الله ﷺ أبي بكر وعمر ﵄ وقد ضربا أروع الأمثلة على جلالة قدرهما وعظم منزلتهما: قال علماء السير: كان أبو بكر ﵁ يحلب للحي أغنامهم، فلما بويع قالت جارية من الحي: الآن لا يحلب لنا منائح دارنا، فسمعها فقال: بل أحلبها لكم وإني لأرجو أن لا يغيرني ما دخلت فيه، عن خلق كنت فيه، فكان يحلب لهم (٢). وهذا ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب ﵁ يضرب لنا مثلاً في التواضع، قال طلحة بن عبيد الله: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتًا، فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت،

стр. 39

فإذا عجوز عمياء مقعدة، فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيك؟ فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى، فقلت في نفسي: ثكلتك أمك يا طلحة، أعثرات عمر تتبع (١). ومن خصال المتكبرين التي نراها ونشاهدها: - جر الثياب بطرًا ورياء، والتفاخر بها والتعالي على الناس بكل ملبوس غالي الثمن. - أن لا يمشي إلا ومعه أحد يمشي خلفه. - أن لا يزور أحدًا تكبرًا على الناس. - أن يستنكف من جلوس أحد إلى جانبه أو مشيه معه. - أن لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته. - أن لا يحمل متاعه من سوقه إلى بيته. - ذكر ما لديه من الأموال والدور والقصور تكبرًا ومباهاة. وجماع ذلك كله أن يرى أنه فوق الناس وهم دونه سواء في أمر معين كالعلم أو المال أو الجمال أو الحسب والنسب أو بها جميعًا. ومن تأمل في تلك علم أنها ربما تزول في لحظات؛ فالعلم إلى زوال، والمال إلى نهاية، والجمال إلى شيخوخة أو قبل ذلك بطارق من طوارق الزمن .. ولنا في ما ذكره الله عن صاحب المال

стр. 40

والغنى عبرة وتذكرة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا * قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا * وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا * فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا * أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا * وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ (١). أخي الحبيب: لا تفخرن بما أوتيت من نعم ... على سواك وخف من كسر جبار فأنت في الأصل بالفخار مشتبه ... ما أسرع الكسر في الدنيا لفخار (٢) قال علي بن ثابت: لو لقيت سفيان الثوري في طريق مكة ومعك فلسان تريد أن تتصدق بهما وأنت لا تعرف سفيان ظننت

стр. 41

أنك ستضعها في يده. وما رأيت سفيان في صدر المجلس قط، إنما كان يقعد إلى جانب الحائط ويستند إلى الحائط ويجمع بين ركبتيه. إذا شئت أن تزداد قدرًا ورفعة ... فلن وتواضع واترك الكبر والعجبا (١) قال سعيد بن عامر: قيل إن يونس بن عبيد قال: إني لأعد مائة خصلة من خصال البر ما في خصلة واحدة (٢). وتأمل في المجالس إلى من يزكون أنفسهم ويمجدون أفعالهم حبًا في الثناء وطمعًا في الشهرة .. وقد كثر هذا في الناس لقلة العلم الشرعي وضعف التقوى ومحبة الدنيا. قال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: إن الرجل إذا أخذ يمدح نفسه ذهب بهاؤه (٣). وقال الفضيل: إن استطعت أن لا تكون محدثًا ولا قارئًا ولا متكلمًا. إن كنت بليغًا، قالوا: ما أبلغه، وأحسن حديثه، وأحسن صوته، ليعجبك ذلك فتنتفخ، وإن لم تكن بليغًا ولا حسن الصوت، قالوا: ليس يحسن يحدث، وليس صوته بحسن، أحزنك ذلك وشق عليك فتكون مرائيًا، وإذا جلست فتكلمت فلم تبال من ذمك ومن مدحك، فتكلم (٤). قال شعبة: ربما ذهبت مع أيوب (السختياني) لحاجة، فلا

стр. 42

يدعني أمشي معه، ويخرج من هاهنا وهاهنا، لكي لا يفطن له. وتأمل حال الأخيار وأهل العلم الأبرار فإنهم يهربون من كل مادح! قال أحمد بن حنبل: كان سفيان الثوري إذا قيل له إنه رئي في المنام، يقول: أنا أعرف بنفسي من أصحاب المنامات (١). ولقد يكفيك فيها ... أيها الطالب قوت ولعمري عن قليل ... كل من فيها يموت (٢) سأل رجل الإمام مالكًا عن مسألة فقال: لا أحسنها، فقال الرجل: إني ضربت إليك من كذا وكذا لأسألك عنها! ! فقال له مالك: إذا رجعت إلى مكانك وموضعك فأخبرهم أني قد قلت لك إني لا أحسنها (٣). وقد كثر المفتون في زماننا وبعضهم يبادر بالجواب قبل أن ينتهي السؤال .. ولمعرفة عظم مصيبته وجهله ليعلم أنه يجيب عن الله ورسوله فلينظر بماذا يجيب؟ خرج عبد الله بن مسعود ذات يوم فاتبعه ناس، فقال لهم: ألكم حاجة؟ قالوا: لا ولكن أردنا أن نمشي معك. قال: ارجعوا فإنه ذلة للتابع وفتنة للمتبوع (٤).

стр. 43

وقال الحسن: كنت مع ابن المبارك يومًا فأتينا على سقاية والناس يشربون منها، فدنا منها ليشرب ولم يعرفه الناس فزحموه ودفعوه، فلما خرج قال لي: ما العيش إلا هكذا. يعني حيث لم نعرف ولم نوقر. وقال صالح بن أحمد (بن حنبل): كان أبي لا يدع أحدًا يستقي له الماء لوضوئه (١). ونتيجة الكبر والتعالي على الناس معروفة مرذولة في الدنيا والآخرة، عن عمر بن شيبة قال: كنت بمكة بين الصفا والمروة فرأيت رجلاً راكبًا بغلته وبين يديه غلمان وإذا هم يعنفون الناس، قال: ثم عدت بعد حين دخلت بغداد فكنت على الجسر، فإذا أنا برجل حاف حاسر طويل الشعر، قال: فجعلت أنظر إليه وأتأمله، فقال لي: ما لك تنظر إليَّ؟ فقلت له: شبهتك برجل رأيته بمكة، ووصفت له الصفة، فقال له: أنا ذلك الرجل، فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: إني ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس (٢). قال هشام بن حسان: ذكروا التواضع عند الحسن وهو ساكت حتى إذا أكثروا عليه قال لهم: أراكم قد أكثرتم الكلام في التواضع.

стр. 44

قالوا: أي شيء التواضع يا أبا سعيد؟ قال: يخرج من بيته فلا يلقى مسلمًا إلا ظن أنه خير منه. ومن التواضع الذلة لله وخوف التقصير والزلل .. كان بكر بن عبد الله إذا رأى شيخًا قال: هذا خير مني، عبد الله قبلي، وإذا رأى شابًا قال: هذا خير مني، ارتكبت من الذنوب أكثر مما ارتكب (١). قال عبد الله بن مسعود: لو تعلمون ما أعلم من نفسي حثيتم على رأسي التراب. وعندما قيل للإمام أحمد بن حنبل: ما أكثر الداعين لك! فتغرغرت عينه وقال: أخاف أن يكون هذا استدراجًا (٢). وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الهلاك في شيئين: العجب، والقنوط. وإنما جمع بينهما لأن السعادة لا تنال إلا بالطلب والتشمير، والقانط لا يطلب، والمعجب يظن أنه قد ظفر بمراده فلا يسعى. قال مطرف ﵀: لأن أبيت نائمًا وأصبح نادمًا، أحب إليَّ من أن أبيت قائمًا وأصبح معجبًا. وأعلم أن العجب يدعو إلى الكبر ، لأنه أحد أسبابه، فيتولد من العجب الكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة، وهذا مع الخلق.

стр. 45

فأما مع الخالق، فإن العجب بالطاعات نتيجة استعظامها، فكأنه يمن على الله تعالى بفعلها، وينسى نعمته عليه بتوفيقه لها، ويعمى عن آفاتها المفسدة لها. وإنما يتفقد آفات الأعمال من خاف ردها دون من رضيها وأعجب بها. والعجب إنما يكون بوصف كمال من علم أو عمل، فإن انضاف إلى ذلك أن يرى حقًا له عند الله إدلالاً، فالعجب يحصل باستعظام ما عجب به، والإدلال يوجب توقع الجزاء، مثل أن يتوقع إجابة دعائه وينكر رده (١). وكان حوشب يبكي ويقول: بلغ اسمي مسجد الجامع. وعن عطاء بن مسلم أحسبه قال: كنت وأبو إسحاق ذات ليلة عند سفيان وهو مضطجع، فرفع رأسه إلى أبي إسحاق فقال: إياك والشهرة. قال: وقال أبو مسهر: ما بينك وبين أن تكون من الهالكين إلا أن تكون من المعروفين (٢). وقال عبد الله بن المبارك: كن محبًا للخمول كراهية الشهرة، ولا تظهر من نفسك أنك تحب الخمول فترفع نفسك (٣). أخي المسلم: قال علي ﵁: تبدل لا تشهر، ولا ترفع شخصك

стр. 46

لتذكر وتعلم، وأكثر الصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار. وقال أيوب: ما صدق الله عبد إلا سره أن لا يشعر بمكانه (١). وقال سعيد بن عبد الغفار: كنت أنا ومحمد بن يوسف الأصبهاني، فجاء كتاب محمد بن العلاء بن المسيب من البصرة إلى محمد بن يوسف فقرأه، فقال لي محمد بن يوسف: ألا ترى إلى ما كتب به محمد بن العلاء؟ وإذا فيه: يا أخي، من أحب الله أحب أن لا يعرفه الناس (٢). وأثر الخير على الإنسان واضح جلي خاصة إذا كان من معدن زكي كما قال يحيى بن خالد البرمكي: الشريف إذا تنسك تواضع، والسفيه إذا تنسك تعاظم. وقال يحيى بن معاذ موضحًا المعاملة بالمثل لمن استدرجه الشيطان وأطاح بتواضعه: التكبر على ذي التكبر عليك بما له تواضع. ويقال: التواضع في الخلق كلهم حسن، وفي الأغنياء أحسن, والتكبر في الخلق كلهم قبيح، وفي الفقراء أقبح. ويقال: لا عز إلا لمن تذلل لله ، ولا رفعة إلا لمن تواضع لله ، ولا أمن إلا لمن خاف الله ، ولا ربح إلا لمن ابتاع نفسه من الله (٣).

стр. 47

أخي المسلم: هاك مواقف جميلة وعبر ناصعة من سلف هذه الأمة وحرصهم على التواضع والبعد عن الشهرة والثناء. عن خالد بن معدان قال: كان يحيى بن سعيد إذا كثرت حلقته قام مخافة الشهرة. قال ليث عن أبي العالية أنه كان إذا جلس إليه أكثر من ثلاثة قام. وقال أبو بكر بن عياش: سألت الأعمش كم رأيت أكثر ما رأيت عند إبراهيم؟ قال: أربعة، خمسة. قال أبو بكر، ما رأيت عند حبيب بن أبي ثابت غلمة ثلاثة قط (١). وقال: قال بشر بن الحارث: لا أعلم رجلاً أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح. وقال: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس (٢). حقيق بالتواضع من يموت ... ويكفي المرء من دنياه قوت فما للمرء يصبح ذا هموم ... وحرص ليس تدركه النعوت صنيع مليكنا حسن جميل ... وما أرزاقه عنا تفوت فيا هذا سترحل عن قليل ... إلى قوم كلامهم السكوت (٣) قال مالك بن دينار: إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب

стр. 48

كما يخرب البيت إذا لم يكن فيه ساكن. وإن قلوب الأبرار تغلي بأعمال البر وإن قلوب الفجار تغلي بأعمال الفجور. والله يرى همومكم، فانظروا ما همومكم رحمكم الله (١). وليتبد كل قارئ ويظهر همه ومنتهى أمله؟ ! أهو لدنيا فانية ودار زائلة وكرسي متحرك؟ ! أم هو هم الدين ورفعته والدعوة إليه والصبر على ذلك! مر بالحسن شاب عليه بزة له حسنة فدعاه فقال له: ابن آدم معجب بشبابه محب لشمائله، كأن القبر قد وارى بدنك وكأنك قد لاقيت عملك، ويحك! داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم (٢). وحال المتكبر تدعوه إلى رد الحق وعدم قبوله وهذه عين فساد القلب وخبثه. قال رسول الله ﷺ لرجل: «كل بيمينك» قال: لا أستطيع، فقال النبي ﷺ : «لا استطعت ما منعه إلا الكبر» فما رفعها إلى فيه (٣). ورأى محمد بن واسع ولده يختال فدعاه وقال: أتدري من أنت؟ أما أمك فاشتريتها بمائتي درهم. وأما أبوك فلا أكثر الله في المسلمين مثله! ورأى ابن عمر رجلاً يجر إزاره فقال: إن للشيطان إخوانًا

стр. 49

- كررها مرتين أو ثلاثًا (١). يا مظهر الكبر إعجابًا بصورته ... انظر خلاك فإن النتن تثريب لو فكر الناس فيما في بطونهم ... ما استشعر الكبر شبان ولا شيب هل في ابن آدم مثل الرأس مكرمة ... وهو بخمس من الأقذار مضروب أنف يسيل وأذن ريحها سهك ... والعين مرفضة والثغر ملعوب يابن التراب ومأكول التراب غدًا ... أقصر فإنك مأكول ومشروب (٢) وثوب الشهرة قد يكون ثوبًا رديئًا ليظهر الإنسان حاله أنه من الزهاد والصالحين! ! رأى ابن عمر على ابنه ثوبًا قبيحًا دونًا فقال: لا تلبس هذا، فإن هذا ثوب شهرة (٣). أخي الحبيب: كيف حالك مع الفقراء والمساكين والمعدمين؟ ! هذا سبط رسول الله ﷺ وقد حاز الشرف الرفيع والنسب العالي ومع هذا يتواضع وهو أهل لذلك: عن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنه مر بمساكين وهم يأكلون كسرًا لهم على كساء فقالوا: يا أبا عبد الله، الغذاء، قال: فنزل وقال: إنه لا يحب المستكبرين، فأكل معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، فانطلقوا معه فلما أتوا المنزل قال لجاريته:

стр. 50

أخرجي ما كنت تدخرين (١). وذكر عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أنه أتاه ذات ليلة ضيف فلما صلى العشاء وكان يكتب شيئًا والضيف عنده كاد السراج أن ينطفئ، فقال الضيف: يا أمير المؤمنين، أقوم إلى المصباح فأصلحه؟ قال: ليس من مروءة الرجل أن يستعمل ضيفه. قال: أفأنبه الغلام؟ قال: لا، هي أول نومة نامها، فقام عمر وأخذ البطة فملأ المصباح، فقال الضيف: قمت بنفسك يا أمير المؤمنين؟ قال: ذهبت وأنا عمر، ورجعت وأنا عمر وخير الناس عند الله من كان متواضعًا. وقال قيس بن أبي حازم: لما قدم عمر بن الخطاب إلى الشام تلقاه علماؤها وكبراؤها فقيل: اركب هذا البرذون يرك الناس، فقال: إنكم ترون الأمر من ههنا، إنما الأمر من ههنا وأشار بيده إلى السماء، خلوا سبيلي. وروي في رواية أخرى أن عمر رضي الله تعالى عنه جعل بينه وبين غلامه مناوبة، فكان يركب الناقة ويأخذ الغلام بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ ثم ينزل ويركب الغلام ويأخذ عمر بزمام الناقة ويسير مقدار فرسخ، فلما قربا من الشام كانت نوبة ركوب الغلام، فركب الغلام وأخذ عمر بزمام الناقة، فاستقبله الماء في الطريق، فجعل عمر يخوض في الماء ونعله تحت إبطه اليسرى وهو آخذ بزمام

стр. 51

الناقة، فخرج أبو عبيدة بن الجراح وكان أميرًا على الشام وقال: يا أمير المؤمنين، إن عظماء الشام يخرجون إليك فلا يحسن أن يروك على هذه الحالة، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إنما أعزنا الله تعالى بالإسلام فلا نبالي من مقالة الناس (١). وقال عروة بن الزبير ﵄: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ على عاتقه قربة ماء، فقلت: يا أمير المؤمنين، لا ينبغي لك هذا، فقال: لما أتاني الوفود سامعين مطيعين دخلت نفسي نخوة فأردت أن أكسرها. وولي أبو هريرة ﵁ إمارة، فكان يحمل حزمة الحطب على ظهره ويقول: طرقوا للأمير (٢). وقال أنس: كان بين كتفي عمر أربع رقاع وإزاره مرقوع بأدم. وخطب عمر على المنبر وعليه إزار فيه اثنتا عشرة رقعة (٣). وقال مجاهد في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى﴾ (٤): أي يتبختر. ودخل ابن السماك على هارون فقال: يا أمير المؤمنين، إن تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك، فقال: ما أحسن ما قلت! فقال: يا أمير المؤمنين إن امرءًا آتاه الله جمالاً في خلقته

стр. 52

وموضعًا في حسبه وبسط له في ذات يده فعف في جماله وواسى من ماله وتواضع في حسبه - كتب في ديوان الله من خالص أولياء الله فدعا هارون بدواة وقرطاس وكتبه بيده. وكان سليمان بن داود ﵉ إذا أصبح تصفح وجوه الأغنياء والأشراف حتى يجيء إلى المساكين فيقعد معهم ويقول: مسكين مع مساكين. وقال بعضهم: كما تكره أن يراك الأغنياء في الثياب الدون فكذلك فاكره أن يراك الفقراء في الثياب المرتفعة (١). وقال سليم بن حنظلة: بينا نحن حول أبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر، فعلاه، فقال: انظر يا أمير المؤمنين ما تصنع؟ ! فقال: إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع (٢). وقال جرير بن عبد الله: انتهيت مرة إلى شجرة تحتها رجل نائم قد استظل بنطع له وقد جاوزت النطع فسويته عليه، ثم إن الرجل استيقظ فإذا هو سلمان الفارسي، فذكرت له ما صنعت فقال لي: يا جرير، تواضع لله في الدنيا فإنه من تواضع في الدنيا رفعه الله يوم القيامة. يا جرير أتدري ما ظلمة النار يوم القيامة؟ قلت: لا، قال: إنه ظلم الناس بعضهم في الدنيا (٣). وقال رجاء بن حيوة: قومت ثياب عمر بن عبد العزيز رضي

стр. 53

الله عنه وهو يخطب باثني عشر درهمًا. وكانت قباء وعمامة وقميصًا وسراويل ورداء وخفين وقلنسوة (١). نعم هذا تواضع الخليفة الأموي الذي ملأ الأرض عدلاً وزان حياته بالزهد والورع ﵀. قيل: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: إذا أنعمت عليك بنعمة فاستقبلها بالاستكانة أتممها عليك. وتأمل أخي الحبيب في قول كعب: ما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فشكرها لله وتواضع بها لله إلا أعطاه الله نفعها في الدنيا ورفع بها درجة في الآخرة، وما أنعم الله على عبد من نعمة في الدنيا فلم يشكرها ولم يتواضع بها لله إلا منعه الله نفعها في الدنيا وفتح له طبقًا من النار يعذبه إن شاء الله أو يتجاوز عنه (٢). أخي المسلم: هذا حديث الصادق الصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ﷺ اجعله على رأسك وأمام عينيك حيث قال: «ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله» (٣). رزقنا الله التواضع، وألزمنا جادة المؤمنين، وجعلنا ووالدينا وذرياتنا وأزواجنا من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.