← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95671

سهم إبليس وقوسه

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (64 стр.). Показаны 36–64 · переход к 41.

стр. 36

ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر لكل أبٍ بنت يراعي شئونها فبعل يراعيها وخدر يكفها ... وقبر يواريها وأفضلها القبر (١) روي عن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ أنها قالت: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير فرسه وناضحه فكنت أعلف فرسه وأكفيه مؤنته وأسوسه وأدق النوى لناضحه وأعلفه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن وكنت أنقل النوى على رأسي من ثلثي فرسخ حتى أرسل إلي أبو بكر بجارية فكفتني سياسة الفرس فكأنما أعتقني (٢). وقال أبو هاشم الزاهد: أخذ المرء نفسه بحسن الأدب تأديب أهله (٣). فإن من حسن خلقه وجمل أفعاله رأى ذلك في تصرفاته وأفعال أهله، وهل هو إلا صورة لمنزله ينعكس ضوءه فينير دروب الزوجة والأبناء؟ وفي حسن العشرة وكمال الخلق تسير مركبة الأسرة في بحور من نور كل منهم يشد الآخر ويدله على طريق الآخرة، يتجاوز عن زلله ويصفح عن خطئه. قال عمرو بن العاص: لا أمل ثوبي ما وسعني، ولا أمل

стр. 37

زوجتي ما أحسنت عشرتي ولا أمل دابتي ما حملتني، إن الملال من سيئ الأخلاق (١). وهذه صورة مشرقة من صور صدر الإسلام .. تعيدك قرونا لترى حال الآباء والأجداد ممن صنعوا مجد هذه الأمة بإيمانهم وأعمالهم. عن مالك بن دينار قال: لما أتى عمر ﵁ الشام طاف بكورها (مدنها) قال: فنزل بحضرة حمص، فأمر أن يكتبوا لهم فقراءهم قال: فرفع إليه الكتاب فإذا فيه سعيد بن عامر بن حزيم أميرها، فقال من سعيد بن عامر؟ قالوا: أميرنا، قال: أميركم؟ قالوا: نعم، فعجب عمر ثم قال: كيف يكون أميركم فقيرًا، أين عطاؤه، أين رزقه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين لا يمسك شيئًا، قال فبكى عمر، ثم عمد إلى ألف دينار فصرها، ثم بعث بها إليه وقال: أقرئوه مني السلام وقولوا بعث بهذه إليك أمير المؤمنين تستعين بها على حاجتك. قال فجاء بها إليه الرسول فنظر فإذا هي دنانير، قال فجعل يسترجع، قال: تقول له امرأته: ما شأنك أمات أمير المؤمنين؟ قال: بل أعظم من ذلك، قالت فما شأنك قال: الدنيا أتتني الفتنة دخلت عليَّ، قالت: فاصنع فيها ما شئت، قال: عندك عون؟ قالت: نعم قال: فأخذ دريعة قميص المرأة فصر الدنانير فيها مرارا ثم جعلها في مخلاة ثم اعترض جيشا من جيوش المسلمين فأمضاها كلها، فقالت له امرأته: رحمك الله لو كنت حبست منها شيئًا نستعين به، قال:

стр. 38

فقال لها إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو اطلعت امرأة من نساء أهل الجنة إلى أهل الأرض لملأت بريح مسك (١) وإني والله ما كنت لأختارك عليهن، فسكتت: خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب ولا تنقريني نفرك الدف مرة ... فإنك لا تدرين كيف المغيب؟ ولا تكثري الشكوى فتذهب بالهوى ... ويأباك قلبي والقلوب تقلب فإن رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب (٢) أيها الحبيب: تعدد الزوجات أمر مندوب إليه لمن استطاع العدل فكيف حالهم ﵏ في هذا العدل؟ وكيف حفظوه وقاموا به؟ هذه صورة من ذلك العدل وتلك الصور المشرقة في حياتهم كما يفعل البعض من الظلم وقهر إحدى الزوجتين على حساب الأخرى. كانت تحت معاذ بن جبل امرأتان، فإذا كان عند إحداهما لم يشرب من بيت الأخرى الماء (٣) (٤).

стр. 39

وعندما وقع طاعون (عمواس) (١) توفيت زوجتاه في يوم واحد وكان الناس في شغل عن حفر قبر لكل إنسان لكثرة الموتى بسبب هذا الوباء، فدفنهما رضى الله عنه في قبر واحد، ولكنه من شدة عدله أسهم بين زوجتيه في أيتهما تقدم في اللحد أولاً: أما احتمال أذى الزوجة والصبر عليها وعلى سوء خلقها فإنه من صلاح الحال والصبر على العيال .. فقد راجعت امرأة عمر ﵁ في الكلام، فقال: أتراجعيني يا لكعاء فقالت: إن أزواج رسول الله ﷺ يراجعنه وهو خير منك (٢). واعلم أيها الحبيب أنه ليسن حسن الخلق معها كف الأذى عنها بل احتمال الأذى منها والحلم عند طيشها وغضبها اقتداءً برسول الله ﷺ فقد كانت أزواجه تراجعنه الكلام وتهجره الواحدة منهن يوما إلى الليل (٣). وعند نهاية العشرة الزوجية فإنه يبقى للمؤمنة حقها في الحفظ والصون ويبقى الفضل مذكورًا والخير منشورًا، أولئك الرجال الذين غشى قلوبهم الإيمان وزينهم بتعاليمه وأفاض عليهم من آدابه امتثالا لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 40

يروى عن بعض الصالحين أنه أراد طلاق امرأته فقيل له: ما الذي يريبك فيها؟ فقال: العاقل لا يهتك ستر امرأته، فلما طلقها قيل له: لم طلقتها؟ فقال: مالي ولامرأة غيري (١). سبحان الله ما أعظم إيمانهم وما أصدق سرائرهم وما أحفظ ألسنتهم لو لحظت الأمر اليوم كيف حال النساء وسوء عشرتهن وإيذائهن وظلمهن قبل الطلاق وبعده. لرأيت اختلال الموازين ونقص المكاييل. أخي الحبيب: رأيت المعافى لا يعرف قدر العافية إلا في المرض، كما لا يعرف شكر الإطلاق إلا في الحبس. وتأملت على الآدمي حالة عجيبة، وهو أن تكون معه امرأة لا بأس بها إلا أن قلبه لا يتعلق بمحبتها تعلقا يلتذ به. ولذلك سببان: أحدهما: أن تكون غير غاية في الحسن. والثاني: أن كل مملوك مكروه، والنفس تطلب ما لا تقدر عليه. فتراه يضج ويشتهي شيئًا يحبه أو امرأة يعشقها، ولا يدري أنه إنما يطلب قيدًا وثيقًا يمنع القلب من التصرف في أمور الآخرة أو في أي علم أو عمل، ويخبطه في تصريف الدنيا، فيبقى ذلك العاشق أسير المعشوق، همه كله معه.

стр. 41

فالعجب لمطلق يؤثر القيد، ومستريح يؤثر التعب. فإن كانت تلك المرأة تحتاج أن تحفظ فالويل له لا قرار له ولا سكون، وإن كانت من المتبرجات اللواتي لا يؤمن فسادهن فذاك هلاكه بمرة. فلا هو إن نام يلتذ بنومه، ولا إن خرج من الدار يأمن محله، وإن كانت تريد نفقة واسعة وليس له فكم يدخل مدخل سوء لأجلها؟ وإن كانت تؤثر الجماع وقد علت سنة فذاك الهلاك العظيم، وإن كانت تبغضه فما بقيت من أسباب تلفه بقية، فيكون هذا ساعيًا في تلف نفسه. وهذا على الحقيقة كعابد صنم. فليتق الله من عنده امرأة لا بأس بها: وليعرض عن حديث النفس ومناها فما له منتهى. ولو حصل له غرضه كما يريد وقع الملل وطلب ثالثة، ثم يقع الملل ويطلب رابعة، وما لهذا آخر، إنما يفيده ذلك في العاجلة تعلق قلبه وأسر لبه، فيبقى كالمبهوت. فكره كله في تحصيل ما يريد محبوبه، فإن جرت فرقة أو آفة فتلك الحسرات الدائمة إن بقي أو التلف عاجلا. وأين المستحسن المصون الدين القنوع بمن يحبه هذا أقل من الكبريت الأحمر. فلينظر في تحصيل ما يجمع معظم الهم، ولا يلتفت إلى سواد

стр. 42

الهوى وغاية المنى، يسلم (١). شكا رجل من بغضه لزوجته لابن الجوزي: فقال: ما أقدر على فراقها لأمور، منها كثرة دينها عليَّ وصبري قليل، ولا أكاد أسلم من فلتات لساني في الشكوى، وفي كلمات تعلم بغضي لها. فقال له ابن الجوزي: هذا لا ينفع وإنما تؤتى البيوت من أبوابها، فينبغي أن تخلو بنفسك فتعلم أنها إنما سلطت عليك بذنوبك فتبالغ في الاعتذار والتوبة. فأما التضجر والأذى لها فما ينفع كما قال الحسن عن الحجاج: عقوبة من الله لكم فلا تقابلوا عقوبته بالسيف قابلوها بالاستغفار. واعلم أنك في مقام مبتلى ولك أجر بالصبر ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فعامل الله بالصبر على ما قضى واسأله الفرج، فإذا جمعت بين الاستغفار وبين التوبة من الذنوب والصبر على القضاء وسؤال الفرج، حصلت ثلاثة فنون من العبادة تثاب على كل منها، ولا تضيع الزمان بشيء لا ينفع، ولا تحتل ظانا منك أنك تدفع ما قدر: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ١٧] (٢). قال داود الطائي: ما أخرج الله عبدًا من ذل المعاصي إلى عز

стр. 43

التقوى إلا أغناه بلا مال، وأعزه بلا عشيرة، وآنسه بلا بشر (١). عليك أخي المسلم: ب ترك المعاصي في السر وإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ كان بعض السلف يقول لأصحابه: زهدنا الله وإياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة فعلم أن الله يراه فتركه من خشيته أو كما قال. وقال الشافعي: أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يرجى أو يخاف (٢). ذكر أن أعرابيًّا قال: خرجت في بعض الليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها علم فأردتها عن نفسها فقالت: ويلك أما كان لك زاجر من عقل إذا لم يكن ناهٍ من دين؟ فقلت: إنه والله ما يرانا إلا الكواكب، قالت: فأين مكوكبها (٣). واتق الله فتقوى الله ما ... أورت قلب امرئ إلا وصل وهناك الآن من يحاول إفساد المرأة بالنظر والمهاتفة .. أو عن طريق نشر الفساد بين نساء المسلمين .. رحم الله من كانوا قبلنا ... كانوا يسعون لإعفاف المسلمة وسد جميع طرق الفساد حتى لا ترى إلا طريق الحق فتنقاد له وتعرض عن الشر وتبتعد عنه .. إنهم أهل إيمان وأصحاب قلوب حية يرون أن كل مسلمة لهم أخت وعليهم

стр. 44

واجب إعفافها وسترها. جاءت امرأة عليها ثوب قد نفض من الصبغ فسألت حسان بن أبي سنان، فقال لشريكه هكذا وأشار بأصبعيه السبابة والوسطى فذهب شريكه يزن درهمين قال: زن لها مائتين فقالوا: يا أبا عبد الله، كنت ترضى بذا، كذا وكذا من سائل، فقال: إني ذهبت في شيء لم تذهبوا فيه، إني رأيت بها بقية من الشباب، وخشيت أن تحملها الحاجة على بعض ما يكره (١). أنعم به من مال يصون به عرض أخته المسلمة التي يرى فيها حاجة ويخشى عليها من الانحراف، كم من مسلمة يقوم بهذا العمل اليوم؟ كان بعض السلف يقول: أتراك ترحم من لم يقر عينيه بمعصيتك حتى علم أن لا عين تراه غيرك؟ وقال بعضهم: ابن آدم إن كنت حيث ركبت المعصية لم تصف لك من عين ناظرة إليك، فلما خلوت بالله وحده صفت لك معصيتك، ولم تستح منه حياءك من بعض خلقه، ما أنت إلا أحد رجلين: إن كنت ظننت أنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أضعف خلقه لقد اجترأت (٢). قال مجرز أبو القاسم الجلاب: حدثني سعدان قال: أمر قوم

стр. 45

امرأة ذات جمال بارع أن تتعرض للربيع بن خثيم فلعلها تفتنه (١) وجعلوا لها إن فعلت ذلك ألف درهم، فلبست أحسن ما قدرت عليه من الثياب، وتطيبت بأطيب ما قدرت عليه، ثم تعرضت له حين خرج من مسجده، فنظر إليها فراعه أمرها، فأقبلت عليه وهي سافرة، فقال لها الربيع: كيف بك لو قد نزلت الحمى بجسمك فغيرت ما أرى من لونك وبهجتك؟ أم كيف بك لو قد سألك منكر ونكير؟ فصرخت صرخة فسقطت مغشيا عليها، فوالله لقد أفاقت وبلغت من عبادة ربها أنها كانت يوم ماتت كأنها جذع محترق (٢). وكان بالكوفة شاب متعبد لازم المسجد الجامع لا يكاد يفارقه وكان حسن الوجه حسن القامة حسن السمت، فنظرت إليه امرأة ذات جمال وعقل فشغفت به وطال عليها ذلك، فلما كان ذات يوم وقفت له على الطريق وهو يريد المسجد فقالت يا فتى: اسمع مني كلمات أكلمك بها ثم اعمل ما شئت: فمضى ولم يكلمها، ثم وقفت له بعد ذلك على طريقه وهو يريد منزله فقالت له: يا فتى اسمع مني كلمات أكلمك بها، فأطرق مليًّا وقال لها: هذا موقف تهمة وأنا أكره أن أكون للتهمة موضعًا فقالت له: والله ما وقفت موقفي هذا جهالة مني بأمرك ولكن معاذ الله أن يتشوف

стр. 46

العباد إلى مثل هذا مني، والذي حملني على أن لقيتك في مثل هذا الأمر بنفسي لمعرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثير، وأنتم معاشر العباد على مثال القوارير أدنى شيء يعيبها. وجملة ما أقول لك أن جوارحي كلها مشغولة بك، فالله الله في أمري وأمرك، فمضى الشاب إلى منزله وأراد أن يصلي فلم يعقل كيف يصلي، فأخذ قرطاسا وكتب كتابا ثم خرج من منزله وإذا بالمرأة واقفة في موضعها فألقى الكتاب إليها ورجع إلى مكانه، وكان فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، اعلمي أيتها المرأة أن الله إذا عصاه العبد حلم وإذا عاد إلى المعصية مرة أخرى ستره، فإذا لبس لها ملابسها غضب الله تعالى لنفسه غضبة تضيق لها السموات والأرض والجبال والشجر والدواب. فمن ذا يطيق غضبه، فإن كان ما ذكرت باطلاً فإني أذكرك يوما تكون فيه السماء كالمهل، وتصير الجبال كالعهن، وتجثو الأمم لصولة الجبار العظيم، وإني والله قد ضعفت عن إصلاح نفسي فكيف بإصلاح غيري؟ وإن كان ما ذكرت حقًّا فإني أدلك على طبيب هدى يداوي الكلوم الممرضة والأوجاع المرفضة ذلك الله رب العالمين فاقصديه بصدق المسألة فإني مشغول عنك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٨، ١٩].

стр. 47

فأين المهرب من هذه الآية، ثم جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت له على الطريق فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله كيلا يراها فقالت: يا فتى لا ترجع فلا كان الملتقى بعد هذا اليوم أبدا إلا غدًا بين يدي الله تعالى، ثم بكت بكاء شديدًا وقالت: أسأل لك الله الذي بيده مفاتيح قلبك أن يسهل ما قد عسر من أمرك، ثم إنها تبعته وقالت: أمنن عليَّ بموعظة أحملها عنك وأوصني بوصية أعمل عليها، فقال لها: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك وأذكرك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام: ٦٠] (١). أيها الحبيب: الزم الجادة وعليك بتقوى الله والبعد عن محارمه فإن في ذلك صلاح قلبك وفلاح آخرتك .. ولا يكفي أن تقول نعم بل استقم كما أمرت وجاهد نفسك واحرص على حفظ نظرك من الحرام في كل مكان ولا تكن كمن يريد النجاة وهو مستمر على معصيته مقيم على ذنبه .. ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس قال شعبة: عن منصور، عن إبراهيم، كلم رجل من العباد امرأة فلم يزل بها حتى وضع يده على فخذها، فانطلق فوضع يده على النار حتى نشت «احترقت» (٢).

стр. 48

أخي المسلم: لقد كان العرب قبل الإسلام يعدون غض الطرف أدبا عظيما بل ويتفاخرون به، ومن ذلك قول عنترة: وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى تواري جارتي مأواها كان هذا حالهم هم مشركون بالله تعالى يعدون ذلك أدبا رفيعا وخلقا عظيما، فكيف بنا نحن المسلمين وبأيدينا كتاب الله وسنة نبينا فيهما التحذير من الوقوع من شر النظر وإطلاق البصر فيما لا يحل. فكم جرح النظر من قلب، وأوقع في غفلة وأشعل نار الفتنة ورب نظرة زرعت شهوة، وشهوة ساعة أورثت حزنا طويلا. حق لمن غض طرفه، وقاوم شهوته أن يقول الشاعر فيه ليس الشجاع الذي يحمي مطيته ... يوم النزال ونار الحرب تشتعل لكن فتى غض طرفًا أو ثنى بصرًا ... عن الحرام فذاك الفارس البطل (١) وانظر إلى أدب الاستئذان لدخول المنازل فإن فيه من الآداب البعد عن إطلاق النظر وعدم الوقوف أمام الباب مباشرة بل يتنحى يمنة ويسرة حتى لا يرى ما بداخل الدار من المحارم أو غيرها قال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" متفق عليه. وأهدر العلماء عين من نظر في دار قوم بغير إذنهم، وقالوا لا قصاص فيها ولا دية قال رسول الله ﷺ : "لو أن امرءًا اطلع عليك بغير

стр. 49

إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح" متفق عليه. إنها آداب إسلامية رفيعة فيها من العفة وغض النظر الكثير قال ابن عمر: من تضييع الأمانة، النظر في الحجرات والدور (١). روي عن بكر بن عبد الله المزني: أن قصابا أولع بجارية لبعض جيرانه فأرسلها أهلها في حاجة لهم إلى قرية أخرى فتبعها وراودها عن نفسها فقالت له: لا تفعل لأنا أشد حبا لك منك لي ولكني أخاف الله، قال: فأنت تخافينه وأنا لا أخافه، فرجع تائبًا فأصابه العطش حتى كاد يهلك فإذا برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال: ما لك؟ قال: العطش، قال: تعالى حتى ندعو الله بأن تظلنا سحابة حتى ندخل القرية، قال ما لي من عمل صالح فأدعو الله، فادع أنت، قال: أنا أدعو وأمن أنت على دعائي فدعا الرسول وأمن هو فأظلتهما سحابة حتى انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه فمالت السحابة معه فقال له الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم: زعمت أن ليس لك عمل صالح، وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمنت فأظلتنا سحابة ثم تبعتك، لتخبرني بأمرك فأخبره فقال الرسول، إن التائب عند الله تعالى بمكان ليس أحد من الناس بمكانه (٢). كان ابن السماك ينشد: يا مدمن الذنب أما تستحي ... والله في الخلوة ثانيكا

стр. 50

غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا دخل بعضهم غيضة ذات شجر فقال: لو خلوت ههنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفا بصوت ملأ الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (١). أيها الحبيب: كثير من الناس يتسامحون في أمور يظنونها قريبة، وهي تقدح في الأصول، كاستعارة طلاب العلم جزءًا لا يردونه وقصد الدخول على من يأكل ليؤكل معه، والتسامح بعرض العدو التذاذا بذلك واستصغارا لمثل هذا الذنب، وإطلاق البصر في المحرم استهانة بتلك الخطيئة. وأهون ما يصنع ذلك بصاحبه أن يحطه من مرتبة المتميزين بين الناس، ومن مقام رفعة القدر عند الحق أو فتوى من لا يعلم لئلا يقال، هو جاهل ونحو ذلك مما يظنه صغيرًا وهو عظيم. وربما قيل له بلسان الحال: يا من اؤتمن على أمر يسير فخان، كيف ترجو بتدليلك رضا الديان؟ قال بعض السلف: تسامحت بلقمة فتناولتها فأنا اليوم من أربعين سنة إلى خلف. فالله الله، اسمعوا ممن قد جرب كونوا على مراقبة، وانظروا في العواقب، واعرفوا عظمة الناهي، واحذروا من نفخة تحتقر، وشررة

стр. 51

تستصغر فربما أحرقت بلدا. وهذا الذي أشرت إليه يسير يدل على كثير، وأنموذج يعرف باقي المحقرات من الذنوب (١). رأى محمد بن المنكدر رجلا وافقًا مع امرأة يكلمها فقال: إن الله يراكما سترنا الله وإياكما. قال الحارث المحاسبي: المراقبة علم القلب بقرب الرب. وسئل الجنيد بما يستعان على غض البصر، قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره (٢) وذكر أبو الفرج وغيره أن امرأة جميلة كانت بمكة، وكان لها زوج فنظرت يومًا إلى وجهها في المرأة فقالت لزوجها، أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟ قال: نعم، قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير، قالت فأذن لي فيه فلأفتننه، قال قد أذنت لك. قال: فأتته كالمستفتية فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام فأسفرت عن وجه مثل فلقة القمر، فقال لها: يا أمة الله استتري، فقالت: إني قد فتنت بك، قال: إني سائلك عن شيء فإن أنت صدقتني نظرت في أمرك قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك. قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك أكان

стр. 52

يسرك أن أقضي لك هذه الحاجة؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت. قال: فلو دخلت قبرك وأجلست للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت. قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتأخذين كتابك بيمينك أم بشمالك أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت. قال: فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين هل تنجين أو لا تنجين أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت. قال: فلو جيء بالميزان وجيء بك فلا تدرين أيخف ميزانك أم يثقل أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت. قال: فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة أكان يسرك أني قضيتها لك؟ قالت: اللهم لا، قال: صدقت. قال: اتقي الله فقد أنعم عليك وأحسن إليك، قال: فرجعت إلى زوجها فقال: ما صنعت؟ قالت: أنت بطال ونحن بطالون، فأقبلت على الصلاة والصوم والعبادة فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي، كانت في كل ليلة عروسا فصيرها راهبة (١). وإذا كنت لا ترضى بأن يراك من تجله وتحترمه وأنت على

стр. 53

هذه المعصية فكيف ترضى بأن يراك خالقك ورازقك ومن بيده أمر هذا الكون وأنت على حال تغضبه جل وعلا؟ ! قال ابن عباس: يا صاحب الذنب لا تأمن من فتنة الذنب وسوء عاقبته، ولخوفك من الريح إذا حركت ستر بابك وأنت على الذنب، ولا يضطرب فؤادك من نظر الله إليك أعظم من الذنب. والرجل هو من عمر قلبه بمراقبة الله كما قال ابن الجوزي: والرجل والله من إذا خلا بما يحب من المحرم وقدر عليه وتقلقل عطشا إليه، نظر إلى نظر الحق إليه فاستحى من إجالة همه فيما يكرهه فذهب العطش (١). قال أبو الجلد: أوحى الله تعالى إلى نبي من الأنبياء: قل لقومك ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي وتظهرونها لي إن كنتم ترون أني لا أراكم فأنتم مشركون بي، وإن كنتم ترون أني أراكم فلم تجعلوني أهون الناظرين إليكم (٢). يا من يرى مد البعوض جناحها ... في ظلمة الليل البهيم الأليل ويرى نياط عروقها في مخها ... والمخ في العظام النحل اغفر لعبد تاب من زلاته ... ما كان منه في الزمان الأول قال أبو عياش القطان: كانت امرأة بالبصرة متعبدة يقال لها منيبة، وكانت لها ابنة أشد عبادة منها، فكان الحسن ربما رآها

стр. 54

وتعجب من عبادتها على حداثتها، فبينما الحسن ذات يوم جالس إذ أتاه آت فقال: أما علمت أن الجارية قد نزل بها الموت فوثب الحسن فدخل عليها فلما نظرت الجارية إليه بكت فقال لها: يا حبيبتي ما يبكيك؟ قالت له: يا أبا سعيد التراب يحثى على شبابي ولم أشبع من طاعة ربي، يا أبا سعيد انظر إلى والدتي وهي تقول لوالدي: احفر لابنتي قبرًا واسعًا وكفنها بكفن حسن، والله لو كنت أجهز إلى مكة لطال بكائي كيف وأنا أجهز إلى ظلمة القبور ووحشتها وبيت الظلمة والدود (١). قالت عائشة بنت سعيد بن إسماعيل لابنتها: لا تفرحي بفانٍ، ولا تزعجي من ذاهب وافرحي بالله ، واجزعي من سقوطك من عين الله (٢). وهذه قصة تروي النهاية السيئة لطريق الفساد والضياع، بل ربما يكون آخر كلامه من الدنيا الهذيان بمحبوبه نظرها وتعلق قلبه بها، وهي قصة معروفة مشهورة يردد صاحبها، كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ ! وهذا الكلام له قصة، وذلك أن رجلا كان واقفا بإزاء داره، وكان بابها يشبه باب هذا الحمام فمرت به جارية لها منظر، فقالت: أين الطريق إلى حمام منجاب؟ فقال: هذا حمام منجاب، فدخلت

стр. 55

الدار ودخل وراءها، فلما رأت نفسها في داره وعلمت أنه قد خدعها أظهرت له البشرى والفرح باجتماعها معه، وقالت له: يصلح أن يكون معنا ما يطيب به عيشنا وتقر به عيوننا، فقال لها: الساعة آتيك بكل ما تريدين وتشتهين، وخرج وذهبت ولم تخنه في شيء فهام الرجل وأكثر الذكر لها، وجعل يمشي في الطرق والأزفة ويقول: يا رب قائلة يومًا، وقد تعبت ... كيف الطريق إلى حمام منجاب؟ ! فبينما هو يومًا يقول ذلك وإذا بجارية أجابته من طاق: هلا جعلت سريعًا إذ ظفرت بها ... حرزا على الدار أو قفلا على الباب؟ ! فازداد هيمانه واشتد، ولم يزل على ذلك، حتى كان هذا البيت آخر كلامه من الدنيا. ولقد بكى سفيان الثوري، ليلة إلى الصباح، فلما أصبح قيل له: كل هذا خوفًا من الذنوب؟ فأخذ تبنة من الأرض، وقال: الذنوب أهون من هذا، وإنما أبكي من خوف سوء الخاتمة. وهذا من أعظم الفقه: أن يخاف الرجل أن تخذله ذنوبه عند الموت فتحول بينه وبين الخاتمة الحسنى. وقد ذكر الإمام أحمد عن أبي الدرداء أنه لما احضتر جعل يغمى عليه ثم يفيق ويقرأ ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام: ١١٠]. فمن هذا خاف السلف من الذنوب أن يكون حجابًا بينهم

стр. 56

وبين الخاتمة الحسنى. قال الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلي: واعلم أن سوء الخاتمة أعاذنا الله تعالى منها: لا تكون لمن استقام ظاهره وصلح باطنه، ما سمع بهذا ولا علم به ولله الحمد، وإنما تكون لمن له فساد في الأصل أو إصرار على الكبائر، وإقدام على العظائم، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة، فيأخذه قبل إصلاح الطوية ويصطلم قبل الإنابة، فيظفر به الشيطان عند تلك الصدمة، ويختطفه عند تلك الدهشة والعياذ بالله. أخي الحبيب: إليك بعضًا من قصص أصحابها أردت بهم نظرة وذهبت بعقولهم لفتة فأصبحوا من الخاسرين يروى أنه كان بمصر رجل يلزم مسجدًا للأذان والصلاة وعليه بهاء الطاعة وأنوار العبادة فرقى يوما المنارة على عادته للأذان وكان تحت المنارة داره لنصراني فاطلع فيها فرأى ابنة صاحب الدار فافتتن بها، فترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك وما تريد؟ قال: أريدك: قالت: لماذا؟ قال: أتزوجك قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية وأبي لا يزوجني منك: قال: أتنصر قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم رقى إلى سطح كان في الدار فسقط منه فمات فلم يظفر بها وفاته دينه (١). إنها النظرة الحرام التي ساقته إلى أن يترك ملة محمد ﷺ ويتنصر

стр. 57

لأجل امرأة رأها. تفنى اللذاذة ممن ذاق صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار (١) قال عبدة بن عبد الرحيم: خرجنا في سرية إلى أرض الروم فصحبنا شاب لم يكن فينا أقرأ للقرآن منه ولا أفقه ولا أفرض، صائم النهار قائم الليل، فمررنا بحصن فمال عنه العسكر ونزل بقرب الحصن فظننا أنه يبول فنظر إلى امرأة من النصارى تنظر من وراء الحصن فعشقها فقال لها بالرومية: كيف السبيل إليك؟ قالت: حين تتنصر يفتح لك الباب وأنا لك ففعل فأدخل الحصن، قال فقضينا غزاتنا في أشد ما يكون من الغم كأن كل رجل منا يرى ذلك بولده من صلبه، ثم عدنا في سرية أخرى فمررنا به ينظر من فوق الحصن مع النصارى فقلنا: يا فلان ما فعلت قراءتك؟ ما فعل علمك؟ ما فعلت صلواتك وصيامك؟ قال: اعلموا أني نسيت القرآن كله ما أذكر منه إلا هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢، ٣]. قال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك الكوفة فخرجت في ليلة مظلمة، فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي

стр. 58

مخالفتك، وقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت لي أعانني عليها شقائي وغرني سترك المرخي عليَّ، وقد عصيتك بجهدي وخالفتك بجهلي ولك الحجة علي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من اتصل إذا قطعت حبلك مني؟ واشباباه، واشباباه قال: فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ﴾ [التحريم: ٦] الآية فسمعت حركة شديدة ثم لم أسمع بعدها حسًا فمضيت فلما كان من الغد رجعت في مدرجتي، إذا بجنازة قد وضعت، وإذا بعجوز كبيرة فسألتها عن أمر الميت، ولم تكن عرفتني فقالت: هذا رجل لا جزاه الله إلا جزاءه مر بابني البارحة وهو قائم يصلي، فتلا آية من كتاب الله فلما سمعها ابني تفطرت مرارته فوقع ميتًا (١). والرغبة في الله وإرادة وجهه، والشوق إلى لقائه هي رأس مال العبد وملاك أمره وقوام حياته الطيبة، وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه، ولذلك خلق، وبه أمر، وبذلك أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب (٢). ويروى أن رجلا علق شخصًا فاشتد كلفه به وتمكن حبه من قلبه حتى أوقع ولزم الفراش بسببه وتمنع ذلك الشخص عليه، واشتد

стр. 59

نفارة عنه، فلم تزل الوسائط يمشون بينهما حتى وعده بأن يعوده فأخبره بذلك الناس ففرح واشتد فرحه وانجلى غمه فجعل ينتظره للميعاد الذي ضرب له فيما هو كذلك إذ جاءه الساعي بينهما فقال: إنه وصل معي إلى بعض الطريق ورجع، ورغبت إليه وكلمته فقال، إنه ذكرني وفرح بي، ولا أدخل مدخل الريبة، ولا أعرض نفسي لمواقع التهم، فعاودته فأبى وانصرف فلما سمع البائس أسقط في يده، وعاد إلى أشد مما كان به وبدت عليه علائم الموت فجعل يقول في تلك الحال: أسلم يا راحة العليل ... ويا شفا المدنف النحيل رضاك أشهى إلى فؤادي ... من رحمة الخالق الجليل فقلت يا فلان: اتق الله قال: قد كان فقمت عنه فما جاوزت باب داره حتى سمعت صيحة الموت، فعياذًا بالله من وسوء العاقبة وشؤم الخاتمة (١). أيها الحبيب: قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢٥] فتأمل جلالة المبشر ومنزلته وصدقه وعظمة من أرسله إليك بهذه البشارة وقدر ما

стр. 60

بشرك به وضمنه لك على أسهل شيء عليك وأيسره، وجمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات وما فيها من الأنهار والثمار ونعيم النفس بالأزواج المطهرة ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد وعدم انقطاعه، والأزواج جمع زوج والمرأة زوج للرجل وهو زوجها. والمطهرة من طهرت من الحيض والبول والنفاس والغائط والمخاط والبصاق وكل قذر وكل أذى يكون من نساء الدنيا فطهر مع ذلك باطنها من الأخلاق السيئة والصفات المذمومة وطهر لسانها من الفحش والبذاء وطهر طرفها من أن تطمح به إلى غير زوجها وطهرت أثوابها من أن يعرض لها دنس أو وسخ قال عبد الله ابن المبارك ثنا شعبة عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ﷺ "لهم فيها أزواج مطهرة" قال: من الحيض والغائط والنخامة والبصاق. قال الله : ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الليْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]. وفي الصحيحين عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة ثم أتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فسكت النبي ﷺ حتى نزلت هذه الآية فدعاه فقرأها عليه فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: بل للناس عامة، وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبي ﷺ في

стр. 61

هذه الوصية (١) في قوله : ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإحسان إليهم بالإنفاق وكظم الغيظ والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى واحتمال الأذى. وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي ﷺ لمعاذ (٢) ثم وصفهم بأنهم ﴿إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ ولم يصروا عليها، فدل على أن المتقين قد يقع منهم أحيانا كبائر وهي الفواحش، وصغائر وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها بل يذكرون الله عقب وقوعها ويستغفرونه ويتوبون إليه منها، التوبة، هي ترك الإصرار، ومعنى قوله: ذكروا الله: ذكروا عظمته وشدة بطشه وانتقامه وما يوعد به على المعصية

стр. 62

من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوع في الحال والاستغفار وترك الإصرار، وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ قال: "إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: رب إني عملت ذنبًا فاغفر لي فقال الله: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب قد غفرت لعبدي، ثم إذا أذنب ذنبًا آخر إلى أن قال في الرابعة فليعمل ما شاء" يعني ما دام على هذه الحال كلما أذنب ذنبًا استغفر منه (١). أيها الحبيب .. متع نظرك بقراءة القرآن وأطلق بصرك ليرى عظمة صنع الخالق جل وعلا، ليكن ذلك في ميزان حسناتك، واغضض بصرك عما حرم الله تهنأ نفسك وتؤجر على فعلك وتجد حلاوة ذلك في قلبك. جعلني الله وإياك ممن إذا زل ثاب وتاب وإذا أخطأ استغفر وعاد وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين.

стр. 63

المصادر ١ - أحكام النظر إلى المحرمات لمحمد أحمد العماري دار المعارج (١٤١٣) هـ. ٢ - إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي دار الكتب العلمية ط ١، ١٤٠٦ هـ. ٣ - أدب الدنيا والدين للماوردي دار الكتب العلمية. ٤ - البداية والنهاية للحافظ ابن كثير مطبعة المتوسط ٥ - تزكية النفوس وتزكيتها كما يقرره علماء السلف ماجد ابن أبي الليل وآخر دار القلم. ٦ - تفسير ابن كثير للإمام أبي الفداء إسماعيل بن كثير دار الفكر للطباعة والنشر ١٤٠١ هـ. ٧ - الجامع لأحكام القرآن. ٨ - الجاب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي لابن قيم الجوزية. ٩ - حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، للحافظ أبي نعيم دار الكتاب العربي. ١٠ - حكم النظر للنساء لابن قيم الجوزية دار الجيل بيروت. ١١ - ذم الهوى لابن الجوزي. ١٢ - ذم الهوى وأتباعه لابن القيم. ١٣ - روضة المحبين ونزهة المشتاقين لابن قيم الجوزية دار الكتب العلمية. ١٤ - الزهر الفائح في ذكر من تنزه عن الذنوب والقبائح

стр. 64

محمد بن محمد بن يوسف الجزري تحقيق محمد بسيوني دار الكتاب العربي ط ١، ١٤٠٦ هـ. ١٥ - سير أعلام النبلاء للإمام الذهبي تحقيق شعيب الأرناؤوط وحسين الأسد مؤسسة الرسالة ١٤٠١ هـ. ١٦ - صفة الصفوة لابن الجوزي، تحقيق محمد فاخوري ومحمد رواس دار المعرفة ١٤٠٥ هـ. ١٧ - صيد الخاطر لابن الجوزي دار الكتاب العربي ط ٢/ ١٤٠٧ هـ. ١٨ - العاقبة في ذكر الموت والآخرة الإمام أبي محمد عبد الحق الأشبيلي، تحقيق الشيخ خضر محمد خضر مكتبة دار الأقصى ط ١، ١٤٠٦. ١٩ - فتح القدير للإمام محمد بن علي الشوكاني دار المعرفة. ٢٠ - الفوائد لابن القيم دار النفائس ٢١ - كتاب التوابين لموفق الدين ابن قدامة دار الكتب العلمية. ٢٢ - مكاشفة القلوب لأبي حامد الغزالي، دار إحياء العلوم ط ١، ١٤٠٣ هـ. ٢٣ - المجموع المنتخب من المواعظ والأدب زامل الزامل. ٢٤ - الورع للإمام أحمد بن حنبل، دار الكتب العلمية بيروت. ٢٥ - الورع لابن أبي الدنيا دار السلفية الكويت.