← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95675

الرزق أبوابه ومفاتحه

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.

стр. 36

والكنز ورأس المال في هذه الدنيا, ما قاله علي بن الحسين: من قنع بما قسم الله له فهو من أغنى الناس (١). نصيبك مما تجمع الدهر كله ... ردان تلوى فيهما وحنُوط أخي المسلم: الدراهم أربعة: درهم اكتُسِب بطاعة الله وأُخرج في حق الله, فذاك خير الدراهم, ودرهم اكتسب بمعصية الله, وأُخرج في معصية الله, فذاك شرُّ الدراهم, ودرهم اكتسب بأذى مسلم وأُخرج في أذى مسلم, فهو كذلك, ودرهم اكتسب بمُباح وأُنفق في شهوة مباحة, فذاك لا له ولا عليه. هذا أصول الدراهم, ويتفرع أُخَر: منها درهم اكتسب بحق وأُنفق في باطل, ودرهم اكتسب بباطل وأنفق في حق, فإنفاقه كفارته, ودرهم اكتسب من شبهة فكفارته أن ينفق في طاعة. وكما يتلق الثواب والعقاب, والمدح والذم بإِخراج الدرهم, فكذلك يتعلق باكتسابه. وكذلك يسأل عن مستخرجه ومصروفه من أين اكتسبه, وفيم أنفقه؟ (٢). قال ميمون بن مهران: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام جزءاً من الحلال (٣).

стр. 37

قال زبير بن الحارث: ألف بعرة أحب إليّ من ألف دينار (١). والدنيا على كبرها في أعيننا إلا أنها في الواقع حقيرة صغيرة. قال أبو الدرداء: أهل الأموال يأكلون ونأكل, ويشربون ونشرب, ويلبسون ونلبس, ويركبون ونركب, ولهم فضول أموال ينظرون إليها وننظر إليها معهم, وحسابهم عليها ونحن براء (٢). لقد ورث الإمام البخاري تركة عظيمة من أبيه العلامة إسماعيل, ولم يكن إسماعيل في تجارته كسائر الناس من التجار الذين قد لا يتورعون عن بعض الأمور, أو يقع من عمالهم ومساعديهم شيء من التساهل والخطأ, فيقعون في أمور يلزم اجتنابها والحذر منها, وهكذا تصبح الأموال المكتسبة منها موضع شك وارتياب, ولكن إسماعيل كان حذراً في تجارته, محتاطاً في اكتسابه فقد كان مجتنباً بعيداً كل البعد عن جميع مواضع الشبهات, وقد قال ذلك لأحيد بن حفص, وكان من أخص تلاميذه, عند وفاته: لا أعلم من مالي درهماً من حرام, ولا درهماً من شبهة (٣). وتعجب أبو حفص لهذا القول الذي يدل على أن إسماعيل كان مبالغاً في الاحتياط واتقاء الشبهات, وفي الوقت نفسه كان يريد أن يوضح لوارثه الذي كانت الأقدار تيهئه ليكون إمام الدنيا, ويلقب بإمام المحدثين, أن لا يقع في قلبه أدنى شك فيجتنبه, أو

стр. 38

يتنازل عنه, بل يستفيد منه في مشاكله؛ لأنه طاهر وطيب من كل وجه. وقال محمد بن أبي حاتم عن الإمام البخاري: إنه كان يعطي هذا المال مضاربة, وهى نوع من أنواع التجارة؛ لكي يتفرغ لخدمة العلم النبوي, وكان الله قد أغناه من كل جهة. وكان سمحاً, رحيماً, قد اُعطى حظاً وافراً منهما, فذات مرة قطع له أحد الغرماء خمسة وعشرين ألفاً, فقيل له بأن الغريم قد وصل إلى آمل, وبإمكانك أن تأخذ منه الدراهم, فقال لهم: لا ينبغي لي أن أتعبه. قال محمد بن أبي حاتم: فلما عرف الغريم جهودنا انتقل إلى خوارزم, فقلنا له: استعن بكتاب الوالي إلى حاكم خوارزم (لأن الغريم ليس بعيداً, وبإمكانهم أن يلحقوه بكل سهولة) فقال لهم: إن أخذت منهم كتاباً طمعوا, ولن أبيع ديني بدنياي. قال محمد بن حاتم: وكان لأبي عبدالله غريم قطع عليه مالاً كثيراً, فبلغه أنه قدم آمل ونحن بفربر, فقلنا له: ينبغي أن تعبر وتأخذه بمالك, فقال: ليس لنا أن نروعه. ثم بلغ غريمه, فخرج إلى خوارزم فقلنا: ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني, عامل آمل؛ ليكتب إلى خوارزم في أخذه, فقال: إن أخذت منهم كتاباً طمعوا مني في كتاب, ولست أبيع ديني بدنياي. فجهدنا فلم نأخذه حتى كلمنا السلطان عن أمره, فكتب إلى والي خوارزم, فلما بلغ أبا عبدالله ذلك وجد وجداً شديداً, وقال لا

стр. 39

تكونوا أشفق عليَّ من نفسي, وكتب كتاباً, وأردف تلك الكتب بكتب وكتب إلى بعض, فرجع غريمه, وقصد ناحية مرو فاجتمع التجار وأخبروا السلطان, فأراد التشديد على الغريم, فكره ذلك أبو عبدالله, وصالح غريمه على أن يعطيه كل سنة عشرة دراهم شيئاً يسيراً, وكان المال خمس وعشرين ألفاً, ولم يصل من ذلك إليَّ درهم ولا إلى أكثر منه (١). وكان يهدف الإمام البخاري من تجارته هذه (أي المضاربة) أن ينفع خلق الله, فكان يساعد أهل العلم, وطلبة العلم, والشيوخ المحدثين, وكان ينفق من دخله خمسمائة درهم على الفقراء والمساكين, وطلبة العلم, وأصحاب الحديث كل شهر, فكان يعين طلبة العلم, ويشجعهم على الانهماك في طلب العلوم النبوية, ويحسن إلى أهل العلم كثيراً, ولم يكن يعرف الترف والبذخ في حياته في المأكل والمشرب, فكان الصبر والاحتمال قد أصبحا طبيعةً له. هب أنك قد ملكت الأرض طُراً ... ودان لك البلاد فكان ماذا؟ أليس غدًا مصيرك تُرب؟ ... ويحثو التراب هذا ثم هذا قال الحسن: إذا أراد الله بعبد خيراً أعطاه من الدنيا عطية, ثم

стр. 40

يمسك فإذا نفد أعاد عليه, وإذا هان عليه عبد بسط له الدنيا بسطاً. وقال أبو حازم سلمة بن دينار: إن وقينا شر ما أعطينا لم ننل ما فاتنا (١). وعن حميد الطويل قال: خطب رجل إلى الحسن, وكنت أنا السفير بينهما, قال: فكأن قد رضيته يوماً اثنى عليه بين يديه, فقلت: يا أبا سعيد وأزيدك أن له خمسين ألف درهم, قال: له خمسون ألف ما اجتمعت حلال, قلت: يا أبا سعيد إنه كما علمت ورع مسلم, قال: إن كان جمعها من حلال فقد ضن بها عن حق, لا والله, لا أجري بيننا صهراً أبدا (٢). وحال الناس مع الأموال, وزيادتها ونقصانها عجيب, ومن أعجب العجيب أنه يهتم بالنقص من ماله, ولا يهتم بالنقص مما هو أعظم من أموال الدنيا! قال يحيى بن معاذ: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله. كيف لا يحزن على نقصان عمره؟ ! (٣). وعندما مرض قيس بن سعد بن عبادة, استبطأ إخوانه, فقيل له: إنهم يستحون مما لك عليهم من الدين, فقال: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة, ثم أمر منادياً: من كان عليه لقيس حقٌ فهو منه في حل, قال: فانكسرت درجته بالعش؛ لكثرة من

стр. 41

عاده (١). وكتب غلامٌ لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز: أن قصب السكر أصابته آفة, فاشتر السكر فيما قبلك. قال: فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل, فإذا فيما اشترى ربح ثلاثين ألفاً, فأتى صاحب السكر, فقال: يا هذا إن غلامي كان كتب إلي ولم أعلمك, فأقلني فيما اشتريت منك, فقال الآخر: فقد أعلمتني الآن وطيَّبته لك. قال: فرجع فلم يحتمل قلبه, قال فأتاه فقال: يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه, فأحب أن يسترد هذا البيع, قال فما زال به حتى ردَّ عليه (٢). قال سلمة الفراء: كان رأس مال عتبة الغلام فلساً يشتري به خوصاً -الخوص: ورق المقل والنخل والنارجيل وما شاكلها, واحدته خوصة- يعمله ويبيعه بثلاثة فلوس, فيتصدق بفلس ويتعشى بفلس, وفلس رأس ماله. أخي المسلم: دع التهافت في الدنيا وزينتها ... ولا يغرنك الاكثار والجشع واقنع بما قسم الرحمن وارض به ... إن القناعة مال ليس ينقطع

стр. 42

وخل عنك فضول العيش أجمعها فليس فيها إذا حققت منتفع (١) ولو تأمل الناس اليوم في كلمات يسيرة لهانت الدنيا .. قال شميط بن عجلان: إنما بطنك يا بن آدم شبر في شبر فلِمَ يدخلك النار (٢)؟ لا يومك ينساك ... ولا رزقك يعدوكا ومن يطع في الناس ... يكن للناس مملوكا فليكن سعيك لله ... فإن الله يكفيكا (٣) كان داود الطائي قد ورث عن أمِّه أربعمائة درهم, فمكث يتقوتها ثلاثين عاماً, فلما نفذت جعل ينقض سقوف الدويرة (تصغير الدار* فيبيعها حتى باع الخشب, والبواري (مفردها البورية): وهى الحصير المنسوج من القصب واللبن حتى بقى في نصف سقفه, وجاءه صديقٌ له فقال: يا ابا سليمان لو أعطيتني هذه فأبضعها لك؛ لعلنا نستفضل لك فيها شيئاً ينتفع به, فما زال به حتى دفعها إليه, ثم فكر فيها فلقيه بعد العشاء الآخرة فقال: أرددها

стр. 43

عليّ فقال: ولم ذاك يا أخي؟ قال: أخاف أن يدخل فيها شيء غير طيب فآخذها (١). تقنع بما يكفيك واستعمل الرضى ... فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي (٢) قال الحسن: بئس الرفيقان, الدينار والدرهم لا ينفعانك حتى يفارقاك (٣). وقال مالك بن دينار: وددت أن الله جعل رزقي في حصاة أمصها, لا ألتمس غيرها حتى أموت (٤). وقال محمد بن سوقة: أمران لو لم نعذب إلا بهما لكنا مستحقين بهما لعذاب الله؛ أحدنا يزاد الشيء من الدنيا فيفرح فرحاً ما علم أنه فرحه بشيءٍ زاده قط في دينه, وينقص الشيء من الدنيا فيحزن عليه حزناً ما علم أنه حزنه على شيء نقصه قط في دينه (٥). قال الشافعي: ما فزعت من الفقر قط, طلب فضول الدنيا عقوبة, عاقب بها الله أهل التوحيد (٦). عجبت لمن يخاف حُلول فقر ... ويأمن ما يكون من المنون

стр. 44

أتأمن ما يكون بغير شك وتخشى ما ترجحه الظنونُ (١) قال أبو صالح حمدون بن احمد: كفايتك تساق إليك من غير تعب ولا نصب, وإنما التعب في الفضول (٢). وما يدري الفقير متى غناه ... ولا يدري الغني متى يعيل قال عطاء بن مسلم: عاش داود الطائي عشرين سنة بثلاثمائة درهم (٣). خذ القناعة من دنياك, وارض بها ... لو لم يكن لك إلا راحة البدن (٤) أخي المسلم: أموالنا لذوي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها والنفس تكلف بالدنيا وقد علمت ... أن السلامة تركُ ما فيها فلا الإقامة تنجي النفس من تلف ... ولا الفرار من الأحداث ينجيها

стр. 45

وكل نفس لها زرو يصبِّحها من المنية يوماً أو يمسيها قال عمرو بن دينار: ما رأيت الدينار والدرهم عند احد أهون منه عند الزهري, كأنها بمنزلة البعر (١). وعن النعمان بن حميد قال: دخلت مع خالي على سلمان الفارسي بالمدائن, وهو يعمل الخوص, فسمعته يقول: اشتري خوصاً بدرهم, فأعمله فأبيعه بثلاثة دراهم, فأعيد درهماً فيه, وأنفق درهماً على عيالي, وأتصدق بدرهم (٢). العيش ساعات تمرّ وخطوب أيام تكرّ اقنع بعيشك ترضه واترك هواك تعيش حرّ فلرب حتف ساقه ذهب وياقوت ودرّ (٣) قال سفيان الثوري: العالم طبيب الدين, والدرهم داء الدين, فإذا اجترَّ الطبيب الداء إلى متى يداوي غيره؟ (٤). وفي الحكم المنثورة: بشر مال البخيل بحادث, أو وارث (٥). كان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاماً كثيراً, فرأى سحاباً في الخريف فكرهه, فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين؟ فإلى,

стр. 46

أن لا يربح فيه شيئاً, فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁ فقال عمر: جزاك الله خيراً (١). المرء يجمع, والزمان يفرق ... ويظل يرقع والخطوب تمزق كان حماد بن سلمة في سوقه, فإذا ربح في ثوب حبة أو حبتين شد جيوبه وقام (٢). سهرت أعين ونامت عيون ... لأمور تكون أو لا تكون فاطرد الهم ما استطعت عن الـ ... ـنفس فحملانك الهموم جنون إن رباً كفاك بالأمس ما كا ... ن سيكفيك في غدٍ ما يكون عن ابن عباس ﵄ قال: لما ضُرب الدينار, والدرهم, أخذه إبليس ووضعه على عينيه وقال أنت ثمرة قلبي وقُرة عيني بك أطغي, وبك أكفر, وبك أدخل الناس النار, رضيت من ابن آدم بحب الدنيا أن يعبدني (٣). وقال بعض البلغاء: خير الأموال, ما أخذته من الحلال, وصرفته في النوال, وشر الأموال, ما أخذته من الحرام وصرفته في

стр. 47

الآثام (١). كان الليث بن سعد يستغل عشرين ألف درهماً في كل سنة وقال: ما وجبت عليَّ زكاة قط. وقال حسان بن أبي سنان: لولا المساكين ما اتَّجرت (٢). وقال يونس بن عبيد: إنما درهمان, درهم أمسكت عنه حتى طُلب لك فأخذته, ودرهم وجب لله تعالى عليك فيه حق فأديته (٣).

стр. 48

ترك التجارة للعبادة قال محذرًا من الانشغال عن الطاعة والعبادة بأمور الدنيا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩]. قيل لبشر بن الحارث: بالله يا أبا نصر أيهما أحلى، الدنانير أو الدراهم؟ قال: الطاعة والله أحلى منهما جميعًا (١). وقال خلف بن حوشب: كنت مع الربيع بن أبي راشد في الجبانة فقرأ رجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ [الحج: ٥] فقال الربيع: حال ذكر الموت بيني وبين كثير من التجارة، فلو فارق ذكر الموت قلبي ساعة، لخشيت أن يفسد عليَّ قلبي. ولولا أن أخالف من كان قبلي لكانت الجبانة مسكني إلى أن أموت (٢). قال أبو الدرداء: بعث النبي ﷺ وأنا تاجر، فأردت أن تجتمع لي العبادة والتجارة، فلم يجتمعا، فرفضت التجارة وأقبلت على العبادة، والذي نفس أبي الدرداء بيده، ما احب أن أملك حانوتًا على باب المسجد لا يخطئني فيه صلاة، وأربح فيه كل يوم أربعين دينارًا، وأتصدق بهما كلها في سبيل الله، قيل له: يا أبا الدرداء ما

стр. 49

تكره من ذلك؟ قال: شدة الحساب (١). قال أبو الدرداء اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم في الموتى، واعلموا أن قليلاً يغنيكم، خير من كثير يلهيكم، واعلموا أن البر لا يبلى، وإن الإثم لا ينسى. وكان الفضيل بن عياض يقول: أصلح ما أكون أفقر ما أكون، وأني لأعصي الله أعرف ذلك في خلق حماري وخادمي (٢). وقال أبو علي الثقفي: يا من باع كل شيء بلا شيء، واشترى لا شيء بكل شيء. وقال: أف من أشغال الدنيا إذا أقبلت، وأف من حسرتها إذا أدبرت (٣). فلو كانت الدنيا تنال بقطنة ... وفضل ونقل نلت أعلى المراتب ولكنما الأرزاق حظ وقسمة ... بفضل مليك لا بحلية طالب قال أبو حازم سلمة بن دينار: يسير الدنيا يشغل عن كثرة الآخرة (٤).

стр. 50

يقولون لي فيك انقباض وإنما رأوا رجلاً عن موقف الذل أحجما ... أرى الناس من داناهم هان عندهم ومن أكرمته عزة النفس إكرامًا (١) وقال مالك بن دينار: السوق مكثرة للمال، مذهبة للدين (٢). أخي المسلم: قال ابن مسعود: إن العبد ليهم بالأمر في التجارة والإمارة، حتى ييسر له فينظر الله إليه فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإنه إن يسرته له أدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فظل يتطير بقوله: سبني فلان وأهانني فلان. وما هو إلا فضل الله (٣). قال أبو حازم سلمة بن دينار: إن بضاعة الآخرة كاسدة، فاستكثروا منها في أوان كسادها، فإنه لو جاء يوم نفاقها لم تصل منها إلى قليل ولا كثير (٤). وقال عبد الرحمن بن مهدي: والله لا تجد فقد شيء تركته ابتغاء وجه الله، كنت أنا وأخي شريكين فأصبنا عللاً كثيرة، فدخل قلبي من ذلك شيء، فتركته لله، وخرجت منه، فما خرجت من الدنيا حتى رد الله علي ذاك المال، عامته إليَّ وإلى ولدي، زوج أخي

стр. 51

ثلاث بنات من بني، وزوجت ابنتي من ابنه، ومات أخي فورثه أبي، ومات أبي فورثته أنا فرجع إليَّ وإلى ولدي في الدنيا (١). تجرد من الدنيا فإنك إنما ... خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد (٢) أخي المسلم: قال الحسن: مسكين ابن آدم رضي بدار حلالها حساب، وحرامها عذاب، إن أخذه من حله حوسب به، وإن أخذه من حرام عذب به، ابن آدم يستقل ماله، ولا يستقل عمله، يفرح بمصيبته في دينه، ويجزع من مصيبته في دنياه (٣). وقيل لعبد الله بن عمر: توفي فلان الأنصاري. قال ﵀. فقيل: ترك مائة ألف، قال: لكن هي لم تتركه (٤). أموالنا لذي الميراث نجمعها ... ودورنا لخراب الدهر نبنيها تلك المنازل في الآفاق خاوية ... أضحت خرابًا وضاق الموت بانيها قال أبو الدرداء: الحمد لله الذي جعل الأغنياء يتمنون أنهم مثلنا عند الموت، ولا نتمنى أننا مثلهم حينئذ، ما أنصفنا إخواننا

стр. 52

الأغنياء، يحنوننا على الدين، ويعاودوننا على الدنيا (١). أخي المسلم: غوائل المال وآفاته، تنقسم إلى دينية ودنيوية: أما الدينية فثلاث: الأولى: أنه يجر إلى المعاصي غالبًا؛ لأن من استشعر القدرة على المعصية، انبعثت داعيته إليها. والمال نوع من القدرة يحرك داعيته إلى المعاصي، ومتى يئس الإنسان من المعصية، لم تتحرك داعيته إليها. ومن العصمة أن لا تجد، فصاحب القدرة إن اقتحم ما يشتهي هلك، وإن صبر لقي شدة في معاناة الصبر مع القدرة، وفتنة السراء أعظم من فتنة الضراء. الثانية: أنه يحرك إلى التنعم في المباحات، حتى تصير له عادة وإلفًا، فلا يصبر عنها، وربما لم يقدر على استدامتها إلا بكسب فيه شبهة، فيقتحم الشبهات، ويترقى إلى آفات من المداهنة والنفاق؛ لأن من كثر ماله خالط الناس، وإذا خالطهم لم يسلم من نفاق وعداوة وحسد وغيبة، وكل ذلك من الحاجة إلى إصلاح المال. الثالثة: وهي التي لا ينفك عنها أحد، وهو أن يلهيه ماله عن ذكر الله، وهذا هو الداء العضال، فإن أصل العبادات ذكر الله -تعالى- والتفكر في جلاله وعظمته، وذلك يستدعي قلبًا فارغًا. وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكرًا في خصومة الفلاحين،

стр. 53

ومحاسبتهم وخيانتهم، ويتفكر في منازعة شركائه في الحدود والماء، وأعوان السلطان في الخراج، والأجراء على التقصير في العمارة، ونحو ذلك. وصاحب التجارة يمسي ويصبح متفكرًا في خيانة شريكه، وتقصيره في العمل، وتضييعه المال. وكذا سائر أنواع المال، حتى صاحب المجموع المكنوز يفكر في كيفية حفظه، وفي الخوف عليه. ومن له قوت يوم بيوم فهو سلامة من جميع ذلك، وهذا سوى ما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا، من الخوف، والحزن، والهم، والغم، والتعب. فإذا ترياق المال أخذ القوت منه، وصرف الباقي إلى الخيرات، وما عدا ذلك سموم وآفات (١). قال يحيى بن معاذ: مصيبتان لم يسمع الأولون والآخرون بمثلهما في ماله (أي في مال الإنسان) عند موته، قيل: ما هما؟ قال: يؤخذ منه كله ويسأل عنه كله. يريد المرء أن يعطى مناه ويأبى الله إلا ما أرادا ... يقول المرء فائدتي ومالي وتقوى الله أكرم ما استفادا (٢)

стр. 54

قال أبو الدرداء ﵁: أبو الدرهمين أشد حبسًا، أو قال أشد حسابًا من ذي الدرهم (١).

стр. 55

بيان علاج الحرص والطمع والدواء الذي تكتسب به صفة القناعة اعلم أن هذا الدواء مركب من ثلاثة أركان: الصبر، والعلم، والعمل، ومجموع ذلك خمسة أمور: الأول: الاقتصاد في المعيشة، والرفق في الإنفاق، فمن أراد القناعة، فينبغي أن يسد عن نفسه أبواب الخرج ما أمكنه، ويرد نفسه إلى ما لا بد له منه، فيقنع بأي طعام كان، وقليل من الإدام، وثوب واحد، ويوطن نفسه على ذلك، وإن كان له عيال، فيرد كل واحد إلى هذا القدر. قال النبي ﷺ : «ما عال من اقتصد» (١) وفي حديث آخر: «التدبير نصف العيش»، وفي حديث آخر: «ثلاث منجيات: خشية الله -تعالى- في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، والعدل في الرضى والغضب». الثاني: إذا تيسر له في الحال ما يكفيه، فلا يكون شديد الاضطراب لأجل المستقبل، ويعينه على ذلك قصر الأمل، واليقين، بأن رزقه لا بد أن يأتيه، وليعلم أن الشيطان يعده الفقر. وعن ابن مسعود ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن روح القدس نفث في روعي، أنه ليس من نفس تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا

стр. 56

يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله ، إنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته». وإذا انسد عنه باب كان ينتظر الرزق منه، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه، فإن في الحديث: «أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب». الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الطمع والحرص من الذل. وليس في القناعة إلا الصبر عن المشتهيات والفضول، مع ما يحصل له من ثواب الآخرة، ومن لم يؤثر عز نفسه عن شهوته، فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان. الرابع: أن يكثر تفكره في تنعم اليهود والنصارى وإرذال الناس، والحمقى منهم، ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والصالحين، ويسمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم، ويخير عقله بين مشابهة أرذال العالمين، أو صفوة الخلق عند الله -تعالى- حتى يهون عليه الصبر على القليل، والقناعة باليسير، وأنه إن تنعم بالأكل فالبهيمة أكثر أكلاً منه، وإن تنعم بالوطء فالعصفور أكثر سفادًا منه. الخامس: أن يفهم ما في المال من الخطر، كما ذكرنا في آفات المال، وينظر إلى ثواب الفقر، ويتم ذلك بأن ينظر أبدًا إلى من دونه في الدنيا، وإلى من فوقه في الدين، كما جاء في الحديث من رواية مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله

стр. 57

عليكم» (١). وعماد الأمر: الصبر وقصر الأمل، وأن يعلم أن غاية صبره في الدنيا أيام قلائل لتمتع دائم، فيكون كالمريض الذي يصبر على مرارة الدواء لما يرجو من الشفاء. كان الأوزاعي الفقيه كثيرًا ما يتمثل بهذه الأبيات: المال ينفذ حله وحرامه ... يومًا ويبقى بعده آثامه ليس التقي بمتق لإلهه ... حتى يطيب شرابه وطعامه ويطيب ما يجني ويكسب آجله ... ويطيب من لفظ الحديث كلامه نطق النبي لنا به عن ربه ... فعلى النبي صلاته وسلامه (٢) رزقنا الله جميعًا الرزق الحلال الطيب المبارك، وجعل ما في أيدينا عونًا على الطاعة، وغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ***