Полный текст (57 стр.). Показаны 36–57 · переход к 41.
стр. 38
يتنازل عنه, بل يستفيد منه في مشاكله؛ لأنه طاهر وطيب من كل وجه.
وقال محمد بن أبي حاتم عن الإمام البخاري: إنه كان يعطي هذا المال مضاربة, وهى نوع من أنواع التجارة؛ لكي يتفرغ لخدمة العلم النبوي, وكان الله قد أغناه من كل جهة.
وكان سمحاً, رحيماً, قد اُعطى حظاً وافراً منهما, فذات مرة قطع له أحد الغرماء خمسة وعشرين ألفاً, فقيل له بأن الغريم قد وصل إلى آمل, وبإمكانك أن تأخذ منه الدراهم, فقال لهم: لا ينبغي لي أن أتعبه.
قال محمد بن أبي حاتم: فلما عرف الغريم جهودنا انتقل إلى خوارزم, فقلنا له: استعن بكتاب الوالي إلى حاكم خوارزم (لأن الغريم ليس بعيداً, وبإمكانهم أن يلحقوه بكل سهولة) فقال لهم: إن أخذت منهم كتاباً طمعوا, ولن أبيع ديني بدنياي.
قال محمد بن حاتم: وكان لأبي عبدالله غريم قطع عليه مالاً كثيراً, فبلغه أنه قدم آمل ونحن بفربر, فقلنا له: ينبغي أن تعبر وتأخذه بمالك, فقال: ليس لنا أن نروعه.
ثم بلغ غريمه, فخرج إلى خوارزم فقلنا: ينبغي أن تقول لأبي سلمة الكشاني, عامل آمل؛ ليكتب إلى خوارزم في أخذه, فقال: إن أخذت منهم كتاباً طمعوا مني في كتاب, ولست أبيع ديني بدنياي.
فجهدنا فلم نأخذه حتى كلمنا السلطان عن أمره, فكتب إلى والي خوارزم, فلما بلغ أبا عبدالله ذلك وجد وجداً شديداً, وقال لا
стр. 56
يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله ، إنه لا يدرك ما عند الله إلا بطاعته».
وإذا انسد عنه باب كان ينتظر الرزق منه، فلا ينبغي أن يضطرب قلبه، فإن في الحديث: «أبى الله أن يرزق عبده المؤمن إلا من حيث لا يحتسب».
الثالث: أن يعرف ما في القناعة من عز الاستغناء، وما في الطمع والحرص من الذل.
وليس في القناعة إلا الصبر عن المشتهيات والفضول، مع ما يحصل له من ثواب الآخرة، ومن لم يؤثر عز نفسه عن شهوته، فهو ركيك العقل، ناقص الإيمان.
الرابع: أن يكثر تفكره في تنعم اليهود والنصارى وإرذال الناس، والحمقى منهم، ثم ينظر إلى أحوال الأنبياء والصالحين، ويسمع أحاديثهم ويطالع أحوالهم، ويخير عقله بين مشابهة أرذال العالمين، أو صفوة الخلق عند الله -تعالى- حتى يهون عليه الصبر على القليل، والقناعة باليسير، وأنه إن تنعم بالأكل فالبهيمة أكثر أكلاً منه، وإن تنعم بالوطء فالعصفور أكثر سفادًا منه.
الخامس: أن يفهم ما في المال من الخطر، كما ذكرنا في آفات المال، وينظر إلى ثواب الفقر، ويتم ذلك بأن ينظر أبدًا إلى من دونه في الدنيا، وإلى من فوقه في الدين، كما جاء في الحديث من رواية مسلم أن رسول الله ﷺ قال: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله