← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 95678

وثلث لطعامك

عبد الملك بن قاسم

Полный текст (61 стр.). Показаны 36–61 · переход к 41.

стр. 36

قال عبد الله بن شبرمة: عجبت للناس يحتمون من الطعام مخافة الداء, ولا يحتمون من الذنوب مخافة النار (١). ومن صور الورع العجيبة: أن امرأة من الصالحات أتاها نعي زوجها وهى تعجن, فرفعت يديها من العجين وقالت هذا طعام قد صار لنا في شريك (٢). وأعظم من ذلك ورع الصديق أبي بكر ﵁, قال زيد بن أرقم ﵁: كنا مع أبي بكر الصديق ﵁ فدعا بشراب, فأتي بماء وعسل, فلما أدناه من فيه, بكي وبكى حتى أبكى أصحابه, فسكتوا وما سكت, ثم عاد وبكى, حتى ظنوا أنهم لم يقدروا على مسألته, قال: ثم مسح عينيه, فقالوا: يا خليفة رسول الله, ما أبكاك؟ فقال: كنت مع رسول الله, فرأيته يدفع عن نفسه شيئاً, ولم أر معه أحداً, فقلت: يا رسول الله, ما الذي تدفع عن نفسك؟ قال: "هذه الدنيا مثلت لي, فقلت لها: إليك عني, فرجعت, فقالت: إنك إن أفلتَّ مني فلن يفلت مني من بعدك" (٣). قال سهل: من أكل الحرام عصت جوارحه شاء أم أبى, عَلم أو لم يعلم, ومن كانت طعمته حلالاً أطاعته جوارحه, ووفقت للخيرات.

стр. 37

وقال رجل لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن, رقَّت مضجعك وكبر سنك, وجلساؤك لا يعرفون لك حقك ولا شرفك, فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئاً يلطفونك إذا رجعت إليهم, قال: ويحك, والله ما شبعت منذ إحدى عشرة سنة, ولا اثنتي عشرة سنة ولا ثلاث عشرة سنة, ولا أربع عشرة سنة مرة واحدة, فكيف بي وإنما بقي مني ما بقي (١). أخي الحبيب: من سنن المرسلين إطعام الطعام وإكرام الضيف, وهي من علامات الإيمان لقوله ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه .. " (٢). ويقول الشاعر: أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب ما الخصب للأضياف في كثرة القرى ولكنما وجه الكريم خصيب (٣) قال عبد الرازق: لما قدم سفيان علينا, طبخت له قدر سكباج (لحم يطبخ بخل) فأكل ثم أتيته بزبيب الطائف فأكل, ثم قال: يا

стр. 38

عبد الرازق, اعلف الحمار وكده, ثم قام يصلي حتى الصباح (١). ولو كانت الطاعة والعبادة بكثرة الأكل وتوفر النعم لكنا أكثر منهم قياماً وصلاة وعبادة, ولكنها حياة القلوب وموتها لا كثرة الأكل وتنوع الأصناف! ! . قال شعبة: إذا كان عندي دقيق وقصب ما أبالي ما فاتني من الدنيا. سهرت أعين ونامت عيون ... لأمور تكون أو لا تكون فاطرد الهمَّ ما استطعت عن ... النفس فحملانك الهموم جنون إن رباً كفاك بالأمس ما كان ... سيكفيك في غد ما يكون (٢) عن جابر بن عبد الله قال: رأى عمر بن الخطاب لحماً معلقاً في يدي فقال: ما هذا يا جابر؟ قلت: اشتهيت لحماً فاشتريته, فقال عمر: أفكلما اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أفكلما اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية يا جابر ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ (٣).

стр. 39

دخل عمر على ابنه عاصم وهو يأكل لحماً, فقال: ما هذا؟ قال: قَرَمْنا إليه, قال: أَوَ كلما قرمت إلى شيء أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كل ما يشتهي (١). وروي أن ابناً لسمرة بن جندب أكل حتى بشم, فقال له: لو مت ما صليت عليك! ! قال صفوان بن محرز: إذا أكلت رغيفاً اشد به صلبي, وشربت كوز ماء فعلى الدنيا وأهلها العفاء (٢). مُلك كسرى تغني عنه كسرة وعن البحر اجتزاء بالوشل اعتبر نحن قسمنا بينهم تَلْقهُ حقاً وبالحق نزل وتأمَّل في فعل السلف وقناعتهم بالرزق مع كثرة طاعتهم وحسن عبادتهم. كان محمد بن واسع يبل الخبز اليابس بالماء ويأكل, ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد. وفي هذا الزمن الذي تفجرت ينابيع الخيرات وكثر في الرزق يخشى أن يكون ذلك استدراجاً. قال سلمة بن دينار: إذا رأيت الله يتابع نعمه عليك

стр. 40

وأنت تعصيه فاحذره (١). هب أن البعث لم تأتنا رسله ... وجاحمة النار لم تُضرم أليس في الواجب المستحق ... حياء العباد من المنعم؟ ! (٢) قال ابن بشار: أمسينا مع إبراهيم بن أدهم ليلة, ليس لنا ما نفطر عليه, فقال: يا ابن بشار, ماذا أنعم الله على الفقراء والمساكين من النعيم والراحة؟ لا يسألهم يوم القيامة عن زكاة ولا حج ولا صدقة ولا صلة رحم, لا تغتم فرزق الله سيأتيك, نحن والله -الملوك والأغنياء- تعجلنا الراحة, لا نبالي على أي حال كنا إذا أطعنا الله, ثم قام إلى صلاته, وقمت إلى صلاتي, فإذا برجل قد جاء بثمانية أرغفة وتمر كثير, فقال: كل يا مغموم, فدخل سائل فأعطاه ثلاثة أرغفة مع تمر, وأعطاني ثلاثة وأكل رغيفين (٣). أخي الحبيب: في الجوع عشر فوائد هي: الفائدة الأولى: صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنقاذ البصيرة, فإن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر البخار في الدماغ شبه السكر حتى يحتوي على معان الفكر فيثقل القلب بسببه عن الجريان في الأفكار وعن سرعة الإدراك, بل الصبي إذا أكثر الأكل بطل حفظه وفسد ذهنه وصار بطيء الفهم والإدراك.

стр. 41

ويقال: مثل الجوع مثل الرعد, ومثل القناعة مثل السحاب, والحكمة كالمطر. الفائدة الثانية: رقة القلب وصفاؤه الذي به يتهيأ لإدراك لذة المثابرة والتأثر بالذكر, فكم من ذكر يجري على اللسان مع حضور القلب ولكن القلب لا يتلذذ به ولا يتأثر حتى كأن بينه وبينه حجاباً من قسوة القلب. قال أبو سليمان الداراني: أحلى ما تكون إليَّ العبادة إذا التصق ظهري ببطني. الفائدة الثالثة: الانكسار والذل وزوال البطر والفرح والأشر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة عن الله تعالى, فلا تنكسر النفس ولا تذل بشيء كما تذل بالجوع, فعنده تسكن لربها وتخشع له وتقف على عجزها وذلها إذا ضعفت منتها وضاقت حيلتها بلقيمة طعام فاتتها, وأظلمت عليها الدنيا لشربة ماء تأخرت عنها. وما لم يشاهد الإنسان ذل نفسه وعجزه لا يرى عزة مولاه ولا قهره, وإنما سعادته في أن يكون دائماً مشاهداً نفسه بعين الذل والعجز ومولاه بعين العز والقدرة والقهر. الفائدة الرابعة: أن لا تنسى بلاء الله وعذابه, ولا ينسى أهل البلاء, فإن الشبعان ينسى الجائع وينسى الجوع, والعبد الفطن لا يشاهد بلاء من غيره إلا يتذكر بلاء الآخرة, فيذكر من عطشه عطش الخلق في عرصات القيامة, ومن جوعه جوع أهل النار, حتى

стр. 42

أنهم ليجوعون فيطعمون الضريع والزقوم ويسقون الغساق والمهل, فلا ينبغي أن يغيب عن العبد عذاب الآخرة وآلامها, فإنه هو الذي يهيج الخوف, فمن لم يكن في ذلة ولا علة ولا قلة ولا بلاء نسي عذاب الآخرة ولم يتمثَّل في نفسه ولم يغلب على قلبه, فينبغي أن يكون العبد في مقاساة بلاء أو مشاهدة بلاء, وأولى ما يقاسيه من الجوع فإن فيه فوائد جمة سوى تذكر عذاب الآخرة. الفائدة الخامسة: وهى من أكبر الفوائد: كسر شهوات المعاصي كلها والاستيلاء على النفس الأمارة بالسوء, فإن منشأ المعاصي كلها الشهوات والقوى, ومادة القوى والشهوات لا محالة الأطعمة, فتقليلها يضعف كل شهوة وقوة, وإنما السعادة كلها في أن يملك الرجل نفسه, والشقاوة في أن تملكه نفسه, وكما أنك لا تملك الدابة الجموح إلا بضعف الجوع فإذا شبعت قويت وشردت وجمحت, فكذلك النفس. إن القوم لما شبعت بطونهم جمحت بهم نفوسهم إلى هذه الدنيا. وهذه ليست فائدة واحدة بل هي خزائن الفوائد. ولذلك قيل: الجوع خزانة من خزائن الله تعالى, وأقل ما يندفع بالجوع: شهوة الفرج وشهوة الكلام, فإن الجائع لا يتحرك عليه شهوة فضول الكلام فيتخلص به من آفات اللسان كالغيبة والفحش والكذب والنميمة وغيرها, فيمنعه الجوع من كل ذلك, وإذا شبع افتقر إلى فاكهة فيتفكه لا محالة بأعراض الناس, ولا يكب

стр. 43

الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. وأما شهوة الفرج فلا تخفى غائلتها, والجوع يكفي شرها. وإذا شبع الرجل لم يملك فرجه, وإن منعته التقوى فلا يملك عينه, فالعين تزني, فإن ملك عينه بغض الطرف فلا يملك فكره, فيخطر له من الأفكار الرديئة وحديث النفس بأسباب الشهوة ما يتشوش به مناجاته, وربما عرض له ذلك في أثناء الصلاة. الفائدة السادسة: دفع النوم ودوام السهر, فإن من شبع شرب كثيراً ومن كثر شربه كثر نومه, وفي كثرة النوع ضياع العمر وفوت التهجد وبلادة الطبع وقساوة القلب, والعمر أنفس الجواهر, وهو رأس مال العبد فيه يتجر, والنوم موت فتكثيره ينقص العمر, ثم فضيلة التهجد لا تخفى وفي النوم فواتها. ومهما غلب النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة. فالنوم منبع الآفات, والشبع مجلبة له, والجوع مقطعة له. الفائدة السابعة: تيسير المواظبة على العبادة فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل, وربما يحتاج إلى زمان في شراء الطعام وطبخه, ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال, ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه. والأوقات المصروفة إلى هذا لو صرفها إلى الذكر والمناجاة وسائر العبادات لكثر ربحه. قال السري: رأيت مع علي الجرجاني سويقاً يستف منه

стр. 44

فقلت: ما حملك على هذا؟ قال: إني حسبت ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحة فما مضغت الخبز منذ أربعين سنة. فانظر كيف أشفق على وقته ولم يضيعه في المضغ. وكل نفس من العمر جوهرة نفيسة لا قيمة لها, فينبغي أن يستوفي منه خزانة باقية في الآخرة لا أخر لها بصرفه إلى ذكر الله وطاعته. ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل الدوام على الطهارة وملازمة المسجد, فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء وإراقته. ومن جملته الصوم فإنه يتيسر لمن تعود الجوع, فالصوم ودوام الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف أوقات شغله بالأكل وأسبابه إلى العبادة أرباح كثيرة, وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين لكن رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (١). وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع فقال: من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة, وتعذر حفظ الحكمة, وحرمان الشفقة على الخلق لأنه إذا شبع ظنّ أن الخلق كلهم شباع, وثقل العبادة, وزيادة الشهوات, وأن أول سائر المؤمنين يدورون حول المساجد, والشباع يدورون حول المزابل. الفائدة الثامنة: يستفيد من قلة الأكل صحة البدن ودفع

стр. 45

الأمراض, فإن سببها كثرة الأكل وحصول فضله الأخلاط في المعدة والعروق. ثم المرض يمنع من العبادات ويشوش القلب ويمنع من الذكر والفكر, وينغص العيش, ويحوج إلى الفصد والحجامة والدواء والطبيب, وكل ذلك يحتاج إلى مؤن ونفقات لا يخلو الإنسان منها بعد التعب عن أنواع من المعاصي واقتحام الشهوات, وفي الجوع ما يمنع ذلك كله. حكي أن الرشيد جمع أربعة أطباء: هندي, ورومي, وعراقي, وسوادي, وقال: ليصف كل واحد منكم الدواء الذي لا داء فيه, فقال الهندي: الدواء الذي لا داء فيه عندي هو الإهليلج الأسود, وقال العراقي: هو حب الرشاد الأبيض, وقال الرومي: هو عندي الماء الحار, وقال السوادي وكان أعلمهم: الإهليلج يعفص المعدة وهذا داء, وحب الرشاد يزلق المعدة وهذا داء, والماء الحار يرخي المعدة وهذا داء, قالوا: فما عندك؟ فقال: الدواء الذي لا داء معه عندي أن لا تأكل الطعام حتى تشتهيه, وأن ترفع يدك عنه وأنت تشتهيه, فقالوا: صدقت. الفائدة التاسعة: خفة المؤنة, فإن من تعود قلة الأكل كفاه من المال قدر يسير, والذي تعود الشبع صار بطنه غريماً ملازماً له أخذ بمخنقه في كل يوم, فيقول ماذا تأكل اليوم؟ فيحتاج إلى أن يدخل المداخل, فيكتسب من الحرام فيعصي أو من الحلال فيذل, وربما يحتاج إلى أن يمد أعين الطمع إلى الناس وهو غاية الذل

стр. 46

والقماءة, والمؤمن خفيف المؤنة. وقال بعض الحكماء: إني لأقضي عامة حوائجي بالترك فيكون ذلك أروح لقلبي. وقال آخر: إذا أردت أن استقرض من غيري لشهوة أو زيادة استقرضت من نفسي فتركت الشهوة فهي خير غريم لي. وكان إبراهيم بن أدهم ﵀ يسأل أصحابه عن سعر المأكولات فيقولون إنها غالية, فيقول: أرخصوها بالترك. وقال سهل ﵀: الأكول مذموم في ثلاثة أحوال: إن كان من أهل العبادة فيكسل وإن كان مكتسباً فلا يسلم من الآفات, وإن كان ممن يدخل عليه شيء فلا ينصف الله تعالى من نفسه. الفائدة العاشرة: أن يتمكن من الإيثار والتصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى والمساكين, فيكون يوم القيامة في ظل صدقته. فما يأكله كان خزانته الكنيف, وما يتصدق به كان خزانته فضل الله تعالى, فليس للعبد من ماله إلا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى. فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة والشبع. وكان الحسن رحمة الله عليه إذا تلا قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ (١) , قال:

стр. 47

عرضها على السموات السبع الطباق والطرائق التي زينها بالنجوم وحملة العرش العظيم فقال لها : هل تحملين الأمانة بما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت, فقالت: لا, ثم عرضها كذلك على الأرض فأبت, ثم عرضها على الجبال الشوامخ الصلاب الصعاب فقال لها: هل تحملين الأمانة بما فيها؟ قالت: وما فيها؟ فذكر الجزاء والعقوبة فقالت: لا, ثم عرضها على الإنسان فحملها إنه كان ظلوماً جهولاً بأمر ربه. فقد رأيناهم والله اشتروا الأمانة بأموالهم فأصابوا آلافاً فماذا صنعوا فيها؟ وسَّعوا بها دورهم وضيقوا به قبورهم, وأسمنوا براذينهم وأهزلوا دينهم, وأتعبوا أنفسهم بالغدو والرواح إلى باب السلطان يتعرضون للبلاء وهم من الله في عافية, يقول أحدهم: تبيعني ارض كذا وكذا وأزيدك كذا وكذا, يتكئ على شماله ويأكل من ماله, حديثه سخرة وماله حرام, حتى إذا أخذته الكظة ونزلت به البطنة قال: يا غلام, ائتني بشيء أهضم به طعامي, يا لكع أطعامك تهضم؟ إنما تهضم دينك, أين الفقير، أين الأرملة، أين المسكين، أين اليتيم الذي أمرك الله تعالى بهم؟ فهذه إشارة إلى هذه الفائدة وهو صرف فاضل الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر, فذلك خير له من أن يأكله حتى يتضاعف الوزر عليه. وعن الحسن قال: والله لقد أدركت أقواماً الرجل منهم يمسي

стр. 48

وعنده من الطعام ما يكفيه ولو شاء لأكله فيقول والله لا أجعل هذا كله لبطني حتى أجعل بعضه لله. فهذه عشر فوائد للجوع يتشعب من كل فائدة فوائد لا ينحصر عددها ولا تتناهى فوائدها, فالجوع خزانة عظيمة لفوائد الآخرة, ولأجل هذا قال بعض السلف: الجوع مفتاح الآخرة وباب الزهد, والشبع مفتاح الدنيا وباب الرغبة (١). تالله لو عاش الفتى في عمره ... ألفاً من الأعوام مالك أمره فتلذَّذ فيها بكل نعيم ... متنعماً فيها بنعم عصره ما كان ذلك كله في أن يفي ... بميت أول ليلة في قبره قيل لوهيب بن الورد: ألا تشرب من ماء زمزم؟ قال: بأي دلو؟ قال شعيب بن جرب: ما احتملوا لأحد ما احتملوا لوهيب, كان يشرب بدلوه. وقال حرملة بن يحيى: أخذ سفيان بن عيينة بيدي فأقامني في ناحية وأخرج من كمه رغيف شعير وقال لي: يا حرملة! ما يقول الناس, هذا طعامي منذ ستين سنة (٢). ولأصحاب النهم الذين يكنزون الذهب والفضة ويجمعون ما يكفي لأمة بأسرها .. نسوق إليهم قول إمام أهل السنة ﵀ ورضي عنه؛ الإمام أحمد: أسرُّ أيامي إليَّ يوم أصبح وليس عندي

стр. 49

شيء (١). وتأمل أخي الكريم في قول الرسول ﷺ : "ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال: بيت يسكنه, وثوب يواري به عورته, وجلف الخبز والماء" (٢). وهذا الطعام من أوجه الإنفاق العظيمة؛ بصرفه يبلغ الإنسان الدرجات العلا ويباعد بالتمرة عن النار .. قال رسول الله ﷺ : "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (٣). قال أبو ذر لعمر: يا عمر! إن سرك أن تلحق بصاحبك فانكس الإزار واخصف النقل وكل دون الشبع (٤). أتي عبدالرحمن بن عوف بطعام فجعل يبكي, فقال: قُتل حمزة فلم يوجد ما يكفن فيها إلا ثوباً واحداً, وقتل مصعب بن عمير فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوباً واحداً, لقد خشيت أن يكون عجلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا, وجعل يبكي (٥). قال أبوبكر ﵁: دخلت على أبي مسلم في يوم عيد, فرأيت عليه قميصاً مرقعاً, وبين يديه خروف وهو يأكل منه, فقلت: يا أبا مسلم, فقال: لا تنظر إلى الخروف ولكن انظر إذا

стр. 50

سألني ربي, من أين لك هذا؟ فأي جواب أقوله وما اعتذاري (١). أخي المسلم: تتقلب في نعم الله صباحاً ومساءً .. فعليك بالشكر والحمد قولاً وفعلاً, واسأل الله أن يديمها عليك وأن لا تكون استدراجاً .. إذا كنت في نعمة فارعها ... فإن المعاصي تزيل النعم كان يقال: من ملك بطنه ملك الأعمال الصالحة كلها. وكان يقال: لا تسكن الحكمة معدة ملأى. وعن عبد العزيز بن أبي داود قال: كان يقال: ثلث الطعام عون على التسرع إلى الخيرات. وعن قثم العابد قال: كان يقال: ما أقل طعم امرئ قط إلا ورقَّ قلبه ونديت عيناه. وعن عبدالله بن مرزوق قال: لم نر للأَشَر مثل دوام الجوع فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامه أن لا تشبع أبداً, قال وكيف يقدر من كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسر ذلك يا أبا عبد الرحمن على أهل ولايته, من وفقه لطاعته لا يأكل إلا دون الشبع هو دوام الجوع. ويشبه هذا قول الحسن لما عرض الطعام على بعض أصحابه فقال له: أكلت حتى لا أستطيع أن آكل, فقال الحسن: سبحان الله,

стр. 51

وما يأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟ . وروي عن أبي عمران الجوني قال: كان يقال: من أحب أن ينور قلبه فلُيقلَّ طعمه. وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصح جسمك ويقل نومك فأقلل من الأكل. وعن ابن السماك قال: خلا رجل بأخيه فقال: أي أخي! نحن أهون على الله من أن يجيعنا, إنما يجيع أولياءه. وعن عبدالله بن أبي الفرج قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبع؟ قال: لا. وعن رباح القيس أنه قُرِّب إليه طعام فأكل منه, فقيل له: ازدد فما أراك شبعت, فصاح صيحة فقال: كيف أشبع أيام الدنيا وشجرة الزقوم طعام الأثيم بين يدي, فرفع الطعام من بين يديه, وقال: أنت في شيء ونحن في شيء. وعن إبراهيم بن أدهم قال: من ضبط بطنه ضبط دينه, ومن ملك جوعه ملك الأخلاق الصالحة, وإن معصية الله بعيدة من الجائع قريبة من الشبعان, والشبع يميت القلب, ومنه يكون الفرح والمرح والضحك (١). قال سفيان الثوري وهو يؤكد على أكل الحلال والبعد عن

стр. 52

الحرام: انظر درهمك من اين هو؟ وصلِّ في الصف الأول (١). ويستطيع من أعانه الله أن يجمع بين الأمرين من أكل الحلال والصلاة في الصف الأول! ! قال الحارث بن كلدة طبيب العرب: الحمية رأس الدواء والبطنة رأس الداء. وقال الحارث أيضاً: الذي قتل البرية وأهلك السباع في البرية إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام. وقال غيره: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا التخم. فهذا بعض منافع قليل الغذاء وترك التملؤ من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته. وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه فإن قلة الغذاء يوجب رقة القلب وقوة الفهم وانكسار النفس وضعف الهوى والغضب, وكثرة الغذاء يوجب ضد ذلك. قال الحسن: يا ابن آدم! كل في ثلث بطنك واشرب في ثلثه ودع ثلث بطنك يتنفس ويتفكر. وقال المرزوي: جعل أبو عبد الله (يعني الإمام أحمد بن حنبل) يعظم من الجوع والفقر, فقلت له: يؤجر الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر وابن عمر يقول: ما شبعت منذ ثلاثة أشهر, قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع؟ قال: ما أرى.

стр. 53

وعن ابن عمر قال: ما شبعت منذ أسلمت. أما محمد بن واسع فهو يقول: من قل طعامه فهم وأفهم وصفا ورقّ, وإن كثير الطعام ليثقل صاحبه عن كثير مما يريد. وعن أبي عبيدة الخواص قال: حتفك في شبعك, وحفظك في جوعك, إذا أنت شبعت ثقلت فمنت استمكن منك العدو فجثم عليك, وإذا أنت تجوعت كنت للعدو بمرصد. وعن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة فإنها تقسي القلب. وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله. وعن بعض العلماء قال: إذا كنت بطيناً فاعدد نفسك زمناً حتى تخمص. وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل بطيناً فتم عزمه. وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردت حاجة من حوائج الدنيا والآخرة فلا تأكل حتى تقضيها فإن الأكل يغير العقل. وَاسْعَ أخي المؤمن في فكاك رقبتك والسعي نحو نجاتك, ولا يكن همك في هذه الدنيا منصرفاً عن العبادة إلى الأكل والشرب, بل اجعلها عوناً على الطاعة. قال مالك بن دينار: ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبر همه وأن تكون شهوته هى الغالبة (١).

стр. 54

قال النابغة: ولست بجالس لغد طعاماً ... حذار غير لكل غد طعام قال بشر بن الحارث: ما شبعت منذ خمسين سنة. وقال: ما ينبغي للرجل أن يشبع اليوم في الحلال لأنه إذا شبع من الحلال دعته نفسه إلى الحرام فكيف في هذه الأقدار؟ (١). أخي المسلم: لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؟ لقالوا: التخم (٢). وقال الحكيم الخبير جل شأنه وعظم سلطانه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٣). قال بعض العلماء: جمع الله بهذه الآيات الطب كله (٤). جسمك بالحمية أحصنته ... مخافة من ألم طارئ وكان أولى بك أن تحتمي ... من المعاصي خشية البارئ (٥) عن بلال بن تعب قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن (يعني إلى مكة) لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية. وقال الثوري: الزهد في الدنيا قصر الأمل, وليس أكل

стр. 55

الخشن, ولبس العباءة. وصدق الثوري رحمة الله: فإن من قصر أمله لم يتسابق في المأكولات والمطعومات, ولا يتفنن بالملبوسات, وأخذ من الدنيا ما تيسر واجتزا منها بما يبلغه (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مفصلاً ما قد يكون مشوشاً على بعض الناس بشأن الأكل والشرب, فقال في كلام مفيد وتفصيل دقيق: وأما الأكل واللباس: فخير الهدي هدي محمد ﷺ وكان خلقه في الأكل أنه يأكل ما تيسر إذا اشتهاه, ولا يرد موجوداً, ولا يتكلف مفقوداً, فكان إن حضر خبز ولحم أكله, وإن حضر فاكهة وخبز ولحم أكله, وإن حضر تمر وحده أو خبز وحده أكله, وإن حضر حلو وعسل طعمه أيضاً فلم يكن إذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين, ولا يمتنع من طعام لما فيه من اللذة والحلاوة. وكان أحياناً يمضي الشهران والثلاثة لا يوقد في بيته نار, ولا يأكلون إلا التمر والماء, وأحياناً يربط على بطنه الحجر من الجوع, وكان لا يعيب طعاماً, فإن اشتهاه أكله, وإلا تركه. وأكل على مائدته لحم ضب فامتنع من أكله, وقال "إنه ليس بحرام, ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه". وقد كان اجتمع طائفة من أصحابه على الامتناع من أكل

стр. 56

اللحم ونحوه, وعلى الامتناع من تزوج النساء, فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١). وفي الصحيحين عنه أنه بلغه أن رجالاً قال أحدهم: أما أنا فأصوم ولا أفطر, وقال الآخر: أما أنا فأقوم ولا أنام, وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء, وقال الآخر: أما أنا فلا آكل اللحم, فقال ﷺ : "لكني أصوم وأفطر, وأقوم وأنام, وأتزوج النساء, وآكل اللحم, فمن رغب عن سنتي فليس مني". وق قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (٢)؛ فأمر بأكل الطيبات, والشكر لله, فمن حرم الطيبات كان معتدياً, ومن لم يشكر كان مفرطاً مضيعاً لحق الله. وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله ليرضى من العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها, ويشرب الشربة فيحمده

стр. 57

عليها". وفي الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر". فهذه الطريق التي كان رسول الله ﷺ هي أعدل الطرق وأقومها, والانحراف عنها إلى وجهين: قوم يسرفون فيتناولون الشهوات, مع إعراضهم عن القيام بالواجبات. وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) , وقال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢). وقم يحرمون الطيبات, ويبتدعون رهبانية لم يشرعها الله تعال, ولا رهبانية في الإسلام, وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٣) , وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٤). وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين", فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ , وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ

стр. 58

طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (١). ثم ذكر: "الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب! يا رب! ومطعمه حرام, ومشربه حرام, وملبسه حرام, وغُذي بالحرام, فأنى يُستجاب له". وكل حلال طيب, وكل طيب حلال, فإن الله أحل لنا الطيبات, وحرم علينا الخبائث, لكن جهة طيبة كونه نافعاً لذيذاً. والله حرم علينا كل ما يضرنا, وأباح لنا كل ما ينفعنا بخلاف أهل الكتاب فإنه بظلم منهم حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم, فحرم عليهم طيبات لهم, ومحمد ﷺ لم يحرم علينا شيئاً من الطيبات. والناس تتنوع أحوالهم في الطعام واللباس والجوع والشبع, والشخص الواحد يتنوع حاله, ولكن خير الأعمال ما كان لله أطوع, ولصاحبه أنفع, وقد يكون ذلك أيسر العملين, وقد يكون أشدهما, فليس كل شديد فاضلاً ولا كل يسير مفضولاً, بل الشرع إذا أمرنا بأمر شديد فإنما يأمر به لما فيه من المنفعة, لا لمجرد تعذيب النفس؛ كالجهاد الذي قال الله تعالى فيه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ (٢). والحج هو الجهاد الصغير, ولهذا قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله

стр. 59

عنها في العمرة: "أجرك على قدر نصبك". وقال تعالى في الجهاد: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وأما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة, فليس هذا مشروعاً لنا, بل أمرنا الله بما ينفعنا, ونهانا عما يضرنا, وقد قال رسول الله ﷺ : "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين", وقال لمعاذ وأبي موسى لما بعثهما إلى اليمن: "يسرا ولا تعسرا, وبشرا ولا تنفرا". وقال: "هذا الدين يسر, ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه, فاستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة, والقصد القصد تبلغوا", وروي عنه أنه قال: "أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة". فالإنسان إذا أصابه في الجهاد والحج أو غير ذلك حر أو برد أو جوع ونحو ذلك فهو مما يحمد عليه, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٢) (٣).

стр. 60

وقبل الختام نعرج سوياً على بيت النبوة الذي حاله وقد عرضت على رسول الله ﷺ كنوز الدنيا, فلم يأخذها وقال: "بل أجوع يوماً وأشبع يوماً, فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك, وإذا شبعت حمدتك وشكرتك". وسأل ربه أن يجعل له رزق أهله قوتاً, كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁: "اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً". وفيهما عنه قال: "والذي نفس أبي هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة أيام تباعاً من خبز حتى فارق الدنيا". وفي صحيح البخاري عن أنس ﵁: "ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفاً مرققاً ولا شاة سميطاً قط حتى لحق بربه". وفي صحيحه أيضاً عنه, قال: "خرج النبي ﷺ ولم يشبع من خبز شعير". وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب ﵁: "لقد رأيت رسول الله ﷺ يظل اليوم ما يجد دقلاً يملأ بطنه". وفي المسند والترمذي, عن ابن عباس ﵄: "كان رسول الله ﷺ يبيت الليالي المتتابعات طاوياً وأهله لا يجدون عشاء, كان أكثر خبزهم خبز الشعير". وفي الترمذي, من حديث أبي أمامة: "ما كان يفضل أهل

стр. 61

بيت رسول الله ﷺ خبز الشعير". وفي المسند, عن عائشة ﵂: "والذي بعث محمداً بالحق؛ ما رأى منخلاً ولا أك منخولاً منذ بعثه الله إلى أن قبض. قال عروة: فقلت: فكيف كنت تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف -أي ننفخه- فيطير ما طار ونجن الباقي". وفي صحيح البخاري, عن أنس قال: "لقد رهن رسول الله ﷺ درعه بشعير ولقد سمعته يقول: "ما أصبح لآل محمد صاع ولا أمسى, وإنهم لتسعة أبيات". عن أبي هريرة ﵁ قال: "ما عاب رسول الله ﷺ طعاماً قط, إن اشتهاه أكله, وإن كرهه تركه" (١). وعن جابر ﵁ أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم فقالوا: ما عندنا إلا الخل, فدعا به, فجعل يأكل ويقول: "نِعْمَ الأدم الخل, نعم الأدم الخل" (٢). جعلنا الله وإياكم من الحامدين الشاكرين الذين يؤدون شكر نعمته , وجعل ما أمدنا به من خير عوناً على طاعته, وتجاوز عن خطأنا وتقصيرنا وجهلنا وعمدنا, غفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.