أيذهب وقت وهو باللهو ضائع
على نفسه فليبك من كان باكيًا
إنهم أولئك الرجال الأبرار والنساء الأخيار الذين قال عنهم ابن القيم ﵀:
رفع لهم علم الجنة فشمروا إليه، ووضح لهم صراطها المستقيم فاستقاموا عليه، ورأوا من أعظم الغبن بيع ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر في أبد لا يزول ولا ينفد بصبابة عيش إنما هو كأضغاث أحلام، أو كطيف زار في المنام، مشوب بالنغص، ممزوج بالغصص، إن أضحك قليلا أبكى كثيرا، وإن سر يوما أحزن شهورا، آلامه تزيد على لذاته، وأحزانه أضعاف أضعاف مسراته، أوله مخاوف وآخره متالف.
стр. 37
الانطلاقة التاسعة عشر
عن عطاء: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ هذه المرأة السوداء، أتت إلى رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله إني أصرع فادع الله لي فقال: "إن شئت، صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك" فقالت: أصبر ثم قالت: يا رسول الله إني أتكشف فادع الله لي أن لا أتكشف فدعا لها (١) فرضي الله عنها، صبرت على الصرع ونالت الجنة، وصبرت على الغيبوبة لكنها لم تصبر على أن يرى الرجال جسدها حتى وهي في حالة الصرع.
واليوم تنكشف نساء المسلمين بدون مرض أو صرع بل معصية لله وطاعة للشيطان.
أختي المسلمة: الحجاب قبل أن يكون سترا للوجه والبدن هو طاعة وامتثال لأمر الله وأمر رسوله الكريم ﷺ فانظري أين أنت من هذه الطاعة والامتثال.
واجعلي سترك وحشمتك قربة إلى الله وطاعة له.
стр. 38
الانطلاقة العشرون
اليأس عدو قاتل للدعوة إلى الله ، بل هو من أشد أعدائها، وقد قام الأنبياء والمرسلون بالدعوة إلى الله دون كلل وملل، المرة تلو الأخرى ... هذا نوح ﵇ له القدح المعلى في ذلك، سنوات طويلة وهو صابر محتسب قائم بأمر الدعوة قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: ١٤].
لله دره على عظيم صبره في الدعوة ومع هذه المدة الطويلة فما آمن به إلا القليل منهم، وكان كلما انقرض جيل وصوا من بعدهم بعدم الإيمان به ومحاربته ومخالفته، وكان الوالد إذا بلغ ولده وعقل عنه كلامه، وصاه فيما بينه وبينه ألا يؤمن بنوح أبدا ما عاش ودائما ما بقي (١).
استنفذ جميع الوسائل وسلك السبل المشروعة في الدعوة قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا * وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا * ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا * فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ
стр. 39
لَكُمْ أَنْهَارًا * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ٥ - ١٣].
قال أبو القاسم الغرناطي: ذكر أولا أنه دعاهم بالليل والنهار ثم ذكر أنه دعاهم جهارا، ثم ذكر أنه جمع بين الجهر والإسرار، وهذه غاية الجد في النصيحة وتبليغ الرسالة.
واليوم من قام بأمره الدعوة فإن اليأس يقتله والمحاولة الثانية لا تعاوده، صاحب نفس قصير في الدعوة، ولهذا كثر الفساد وانتشرت المنكرات، وما ذاك إلا من قلة المصلحين.
стр. 40
الانطلاقة الحادية والعشرون
في زمن شحت فيه الأنفس وقبضت الأيدي وبخل المسلمون حتى بريالات قليلة ننطلق لنرى واقع المدينة النبوية مع ما فيها من شظف العيش وقلته لكنها دار مملوءة بالإيمان، وعامرة بحسن التوكل على الله والرغبة في رفع راية هذا الدين.
عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدق فوافق ذلك مني مالا، فقال النبي ﷺ : "ما أبقيت لأهلك؟ " فقلت مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده، فقال: "يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ " قال: "أبقيت لهم الله ورسوله" (١).
ولم نر في هذا الزمن من يخرج ما في جيبه كاملا! أما من يخرج من ماله كله أو نصفه فهم أولئك الأخيار أبو بكر وعمر.
فهلا اقتديت بأولئك، وجعلت من مرتبك الشهري مبلغا للدعوة إلى الله وليكن مائة ريال فقط.
стр. 41
الانطلاقة الثانية والعشرون
في زمن الخوف والجبن وفي وسط تربية ضعيفة لشباب الأمة .. ها هم يتبارون في قصات الشعر ويتسابقون إلى المعاصي، أشح بوجهك عنهم وأدر ظهرك لهم، وانطلق قرونا مضت لترى العجب وصنيع الرجال.
عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقاص ﵁ قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ يوم بدر يتوارى، فقلت: مالك يا أخي؟
قال: إني أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج لعل الله أن يرزقني الشهادة.
قال: فعرض على رسول الله ﷺ فرده فبكى فأجازه.
فكان سعد ﵁ يقول: فكنت أعقد حمائل سيفه من صغره.
فقتل وهو ابن ستة عشرة سنة (١).
واليوم تدمع عينك وأنت ترى ابن ستة عشرة سنة لا هدف له، ولا غاية، تائه ضائع في دروب الهوى والمعاصي.
стр. 42
الانطلاقة الثالثة والعشرون
امرأة تخرج ابنها الشاب وعين مدرسا في قرية يخيم عليها الجهل ومع هذا بكت وبكت، وسارع الأب ملهوفا حزينا لمن عرف ومن لم يعرف حتى يعود الابن لأحضان أمه ويترك أمر تعليم الناس وإخراجهم من الظلمات إلى النور.
لأمهات الرجال ومنجبات الأبطال .. كففي دمعك وتأملي في حال أمهات من حملوا راية هذا الدين وسقوا الأرض بدمائهم لا ببكائهم.
أخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي: أن امرأة دفعت إلى ابنها يوم أحد السيف فلم يطق حمله، فشدته على ساعده بنسعة، ثم أتت به النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله هذا ابني يقاتل عنك.
فقال النبي ﷺ : "أي بني احمل ها هنا، احمل ها هنا".
فأصابته جراحة، فصرع فأتي به النبي ﷺ فقال: "أي بني لعلك جزعت".
قال: لا، يا رسول الله ﷺ (١).
والمشهد الثاني لشباب الأمة وفتيانها .. يرويه سمرة بن جندب حيث يقول: كان رسول الله يعرض غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم.
فعرضت عاما فألحق غلاما وردني فقلت يا رسول الله: لقد
стр. 43
ألحقته ورددتني ولو صارعته لصرعته.
قال: فصارعته فصرعته فألحقني (١).
وللمريبة الفاضلة، من تعد صغيرها وصغيرتها لنفع الأمة وحمل ميراث النبوة، أنجبي لنا مثل أولئك أبناء وأمهات.
стр. 44
وقفة محاسبة
أخي المسلم: ما سكن الإيمان في القلوب ولم ترتفع راية هذا الدين ولم يصل إلينا إلا عبر الجهد والجهاد والصبر والمصابرة ومحاسبة النفس وإلزامها طريق الحق والرشاد، وخطمها بخطام العزيمة والانقياد.
قال الحسن: المؤمن قوام على نفسه، يحاسبها لله، وإنما خف الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما يشق الحساب يوم القيامة على قوم أخذوا هذا الأمر من غير محاسبة.
وقال مالك بن دينار: رحم الله عبدا قال لنفسه: ألست صاحبه كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم خطمها، ثم ألزمها كتاب الله تعالى فكان لها قائدا.
أخي الحبيب: وأنت ترى تلك الانطلاقات الإيمانية تسير حولك، وتبعث هممك وتقوي عزيمتك.
انطلق معهم في موكب مبارك لخدمة هذا الدين ورفع رايته في كل زمان وفي كل مكان وعلى جنب.
وليكن كتاب الله دليلك وهدي محمد ﷺ هاديك، والرفق طريقك، والإخلاص رفيقك .. عندها سترى الثمار العظيمة والاستجابة السريعة.
стр. 45
الانطلاقة الرابعة والعشرون
صورة عجيبة تحكي واقع الإيمان والتصديق بوعد الله ، عن عبد الله بن مسعود قال: لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله، وإن الله ليريد منا القرض؟ قال: "نعم يا أبا الدحداح" قال: أرني يدك يا رسول الله، قال: فناوله يده، قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي، قال: وحائط له فيه ستمائة نخلة وأم الدحداح فيه وعيالها، قال فجاء أبو الدحداح فناداها، يا أم الدحداح قالت: لبيك قال: اخرجي فقد أقرضته ربي فحملت ما لها من متاع وكان بيد أبنائها تمرة فألقتها من يده وخرجت مع صغارها (١).
تفكرت في حال أم الدحداح وقبولها بالأمر والفرح به وخروجها من مزرعة بها كنز ثمين وحياة سعيدة في وسط ستمائة نخلة. . خرجت غير باكية ولا متسخطة على زوجها وفعله .. بل تجاوزت الأمر وأسقطت ما في يد ابنها من تمرات كانت معه، لقد ربح البيع يا أم الدحداح ..
стр. 46
الانطلاقة الخامسة والعشرون
للأخوة في الإسلام معنى عظيم، وهي قربة إلى الله وطاعة له، فمحبة المؤمنين ومودتهم ونصرتهم ومؤازرتهم ومواساتهم، كلها ولاء لهم وهي من أعظم أبواب العقيدة.
وحين اختلط الحابل بالنابل وضعفت الأخوة في الله، وانتشرت بين الناس الأنانية وحب الذات، ننطلق لنجول في سكك المدينة ونطلع على حال الصفوة من الرجال الأفذاذ.
قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع.
فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها فإذا حلت تزوجتها.
فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل سوق فيه تجارة؟
قال: سوق قينقاع.
والقصة فيها فوائد عجيبة أولها: أن سعد بن الربيع ﵁ لم يتعذر بقلة مال أو نفقة، إنما بادر وقال: أنا أكثر الأنصار مالا وهو بهذا يعرض ماله كله دون مواربة ولا خداع، بل محبة ورغبة في نفع أخيه، بل لم يعرض ويقل: إني ذو مال ويسكت، بل ذكر سعة المال وكثرته.
стр. 47
وهو ﵁ يبادر ويقول: فأقسم لك نصف مالي .. لم يعرض عليه قرضا حسنا ولم يجعل في يده دنانير ولم يقل أدلك على فلان إنها نفس جبلت على الأخوة الصادقة والرغبة في العطاء.
هذا في شأن المال! أما في شأن الزوجة فالأمر قطعة من محبته لكنه قدم محبة الله فنعمت الأخوة يوم كانت مثل ذلك .. ونعمت الأخوة وعزة النفس وعدم التطلع لأموال الغير ... فقد سارع عبد الرحمن ليكون صورة للمؤمن العامل الذي يبحث عن الرزق الحلال دون مضايقة لأحد .. فقال: دلني على السوق!
стр. 48
الانطلاقة السادسة والعشرون
عالم من علماء المسلمين العاملين يحكي واقع حياته ومسير إيمانه ويجمل كل ذلك في سطور من العزة والأنفة لهذا الدين الذي يحمله، قال أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الهروي: عرضت علي السيف خمس مرات، لا يقال لي: ارجع عن مذهبك، لكن يقال لي: اسكت عمن خالفك، فأقول: لا أسكت (١).
والكثير اليوم لا يقال له شيء، ومع هذا يلبس عليه الشيطان والأمر دون السيف والعصا! إنه الضعف والخور يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ الآية.
فمتى تنطلق للدعوة إلى الله وقد توفر من الوسائل والسبل ما لم يتوفر منذ أقدم العصور؟
стр. 49
الانطلاقة السابعة والعشرون
من مقاعد الدراسة دعنا ننطلق لنرى علمين من أعلام المسلمين في رحلتهما لطلب العلم، حيث الرحلة الطويلة المحفوفة بالمخاطر والخوف والعطش والجوع.
كان أبو حاتم الرازي يرتحل في طلب أحاديث الرسول ﷺ ماشيا على أقدامه قال وهو يتحدث عنه نفسه: مشيت على قدمي ألف فرسخ ثم تركت العدد. أي أنه مشي خمسة آلاف كيلو متر.
وقد سافر ﵀ من البحرين إلى مصر، ومن مصر إلى الرملة، ومن الرملة إلى طرطوس على أقدامه وضاقت عليه النفقات مرة في البصرة، فباع ثيابه حتى نفدت وجاع يومين ... (١).
وقد رحل الإمام الحافظ محمد بن طاهر المقدسي في طلب العلم وكان مما قال واصفا حاله أثناء رحلته: بلت الدم في طلبي للحديث مرتين: مرة ببغداد ومرة بمكة، وذلك أني كنت أمشي حافيا في سفري لطلب العلم في شدة الحر وعلى الرمضاء المحرقة، فأثر ذلك في جسدي فبلت دما، وما ركبت دابة قط في طلب الحديث إلا مرة واحدة، وكنت دائما أحمل كتبي على ظهري في أثناء سفري، حتى استوطنت البلاد ... (٢).
إنها رحلة شاقة لطلب العلم الشرعي الذي قال عنه سفيان
стр. 50
الثوري: لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم.
فأين أهل العلم الشرعي الذي زهد فيه الكثير ..
دببت للمجد والساعون قد بلغوا ... جهد النفوس وألقوا دونه الأزرا
وكابدوا المجد حتى مل أكثرهم ... وعانق من أوفى ومن صبرا
لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
стр. 51
الانطلاقة الثامنة والعشرون
الدنيا دار ابتلاء وامتحان ونكد وأحزان لا ينجو من ضيقها وكدرها إلا من تمسك بحبل الله المتين واعتصم به واحتسب الأجر في مصيبته
وفي هذا الزمن الذي كثر فيه التجزع والتسخط ننطلق لنرى حال من سبقنا إذا حلت بهم المصيبة، وإذا نزل بساحتهم البلاء.
نظر علي بن أبي طالب ﵁ إلى عدي بن حاتم كئيبا فقال: يا عدي مالي أراك كئيبا حزينا؟ قال: وما يمنعني وقد قتل أبنائي وفقئت عيني، فقال: يا عدي، من رضي بقضاء الله كان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله حبط عمله (١).
وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجها، فدخل يوما على الوليد في ثياب وش، وله غديرتان، وهو يضرب بيديه، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش، فعانه فخرج من عنده متوسنا فوقع في اصطبل الدواب، فلم تزل الدواب تطأه بأرجلها حتى مات.
ثم إن الأكلة وقعت في رجل عروة فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك، فعزم على قطعها، فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة، فغشي عليه، ثم أفاق والعرق يتحدر على
стр. 52
وجهه وهو يهلل ويكبر، فأخذها وجعل يقلبها في يده، ثم قال: أما والذي حملني عليك إنه ليعلم أني ما مشيت بل إلى حرام، ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضي الله، ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة، ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين، فلما قدم من عند الوليد إلى المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه، فجعل يقول: لقد لقينا من سفرنا هذا نصبنا، ولم يزد عليه، ثم قال: لا أدخل المدينة إنما أنا بها بين شامت بنكبة، أو حاسد لنعمة، فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك.
فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة: لا أبًا لشانئيك أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها، فلما كشف عن ركبه فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع، قد أبقى أكثرك، عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى رجليك، فقال له: يا عيسى، ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به.
ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئا كيلا تشعر بالوجع فقال: إنما ابتلاني ليرى صبري، أفاعأرض أمره (١).
وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة بن الزبير الأكلة وقطعت ولم يدع تلك الليلة ورده وقطعت ولم
يمسكه أحد (٢).
стр. 53
فهل قمت أخي المسلم بوردك مساء البارحة وأنت صحيح الجسم والبدن لم تقطع لك رجل؟
стр. 54
الانطلاقة التاسعة والعشرون
كثرة الفتن في هذا الزمن، واستحل الناس ما كان حراما وظهر ذلك جليا في الأماكن العامة والمنتديات يقول النبي ﷺ : "ليكونن من أمتي أقوام، يستحلون الحر، والحرير والخمر والمعازف" (١).
انطلق بنا أيها الأخ المبارك لنرى حال من تجنب الفتن وابتعد عن شهوات النفس واتقى الشرور واتبع سبيل المؤمنين.
عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمار، قال: فوضع أصبعيه على أذنيه ونأى عن الطريق وقال لي: يا نافع هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت لا، قال: فرفع أصبعيه وقال: كنت مع رسول الله ﷺ فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا (٢).
واليوم تجد من يجلس مجلسا به أصوات الغناء والموسيقى ولا ينكر، والبعض يجلس مع مدخن ولا ينكر عليه وآخر تجده ...
والمرأة ترى في حفلات الزواج وفي التجمعات الكثير من المنكرات أمام عينها ولا تنكر.
ولهذا كثر الخبث وانتشر الفساد، بسبب ترك فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 55
الانطلاقة الثلاثون
دعنا نطل على رجل دخل بزوجته في ليلة عرسه وهو يهنأ بامرأة تحادثه وتجالسه وتؤانسه لكن الهم الذي يحمله تدفق حين سمع صوت العدو وعندها خرج من غرفة نومه تاركا الزوجة خلفه ولم يعد إليها حتى استشهد.
إنه الصحابي الجليل حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة.
قال ابن إسحاق في المغازي: كان حنظلة بن أبي عامر الغسيل التقي هو وأبو سفيان بن حرب، فلما استعلى حنظلة رآه شداد بن شعوب، فعلاه بالسيف حتى قتله، وقد كاد يقتل أبا سفيان، فقال النبي ﷺ : "إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته" فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهيعة، فقال النبي ﷺ "لذلك تغسله الملائكة" (١).
إنه رجل خرج للقاء حتفه ومناجزة عدوه غير عابئ بلذيذ الدنيا ونعيمها وغير عابئ بالزوجة وأنس معشرها.
اليوم إذا عين أحد الشباب مدرسا في قرية نائية ينفع الله به العباد والبلاد تراه يطرق كل باب حتى لا يبعد عن بلده وكأن لم يفطم عن ثدي أمه.
أولئك رجال وهؤلاء رجال لكن الهم مختلف.
стр. 56
الانطلاقة الحادية والثلاثون
الأبناء هم فلذات الأكباد وهم رجال الأمة في المستقبل وقد حذر الله من التفريط في أمر دعوتهم والعناية بهم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُو أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ .. ﴾ هذا في أعظم أمر بعد الشهادتين.
انطلق بنا لنرى حال صغار سلف الأمة وكيف هي عنايتهم بأمر صلاة الصغار والسؤال عنها.
قال أبو الدرداء لابنه: يا بني، ليكن المسجد بيتك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن المساجد بيوت المتقين، فمن كانت المساجد بيوته، ضمن الله له بالروح والرحمة والجواز على الصراط إلى الجنة" (١).
وروى عبد الرزاق، عن مجاهد قال: سمعت رجلا من أصحاب النبي ﷺ قال: لا أعلمه إلا من شهد بدرًا قال لابنه: أدركت الصلاة معنا؟ قال: أدركت التكبيرة الأولى؟ قال: لا، قال: لم فاتك منها خير من مائة ناقة، كلها سود العين (٢).
وذكر الذهبي عن مروان عن يعقوب عن أبيه، أن عبد العزيز بن مروان بعث ابنه عمر إلى المدينة، يتأدب بها، وكتب إلى صالح بن كيسان يتعاهد، وكان يلزمه الصلوات فأبطأ يوما عن الصلاة،
стр. 57
فقال: ما حبسك؟ قال: كانت مرجلتي تسكن شعري، فقال: بلغ من تسكين شعرك، أن تؤثره على الصلاة، وكتب بذلك إلى والده، فبعث عبد العزيز رسولا إليه، فما كلمه حتى حلق شعره (١).
واليوم قد يضرب الصغير لكن لأمر صغير، أما المساجد فتشتكي قلة شباب الأمة المصلين ... والله أعلم ما هي الحال إذا بلغوا أشدهم؟
стр. 58
الانطلاقة الثانية والثلاثون
أخي الكريم:
أما وقد طاب لك المقام بين يدي الكتاب، دعنا ننطلق إلى المدينة النبوية في شدة الحر وقد دنت الشمس من الأرض وهاجت الرياح الحادة والسموم الحارقة، هذه هي المدينة كما نراها وقد طاب الثمار وزان الظلال في شدة الحر وحمارة القيظ لكن الرسول والذين آمنوا معه يتهيئون للمسير إلى تبوك في ذلك الوقت: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وقد منَّ الله عليهم بالمغفرة قال ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] قال مجاهد وغيره: نزلت هذه الآية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والمال، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما.
وكان النفر يتداولون الثمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها، ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم.
стр. 59
وقال عمر بن الخطاب ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا إن رقابنا ستنقطع وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده.
والحال اليوم أخي المسلم، ليست كذلك بل هي دون ذلك صعوبة ومشقة، ومع هذا قل من يعمل وندر من يدعو ويصبر.
стр. 60
الانطلاقة الثالثة والثلاثون
عن أنس ﵁ قال:
قال النبي ﷺ لأصحابه يوم بدر: "قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض" فقال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السموات والأرض؟ قال: "نعم" قال: بخٍ بخٍ، قال: "ما يحملك على قول بخٍ بخٍ" قال: رجاء أن أكون من أهلها.
قال: "فإنك من أهلها" فأخرج تمرات من قرنه، فجعل يأكل منها، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمرًا، إنها لحياة طويلة، قال: فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (١).
أخي القارئ صدق اليقين وهوان الدنيا والتطلع إلى جنة عرضها السموات والأرض دفعت الصحابي الجليل إلى استبطاء الزمن وطول الدقائق التي تحجبه عن الجنة، فألقى التمرات وسار نحو الشهادة التي هي مناه ومبتغاه.
وأنت أخي الحبيب إلى أين تسير وما هو مبتغاك؟
стр. 61
الخاتمة
أخي المسلم:
عشت في هذا الكتاب انطلاقات جميلة أعجبتك ولا شك، لكن ليس هذا المراد من القراءة، بل المراد تحريك الهمم وبث الغزائم وإحياء روح العمل لهذا الدين.
دعنا نرى منك انطلاقة لتزكية نفسك، وأخرى لإصلاح منزلك، وثالثة لدعوة زملائك، ورابعة .. وخامسة .. وكلها تصب في خدمة هذا الدين.
أدعو الله أن يجعلني وإياك ممن يحمل هم هذا
ويقوم به.
كما أدعوه أن يجعل أعمالنا صوابا خالصة لوجهه الكريم.