← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 95692

الاقتراح في أصول النحو ط البيروتي

الجلال السيوطي

Полный текст (146 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفرع الثاني ] الاعتماد على أشعار الكفار من العرب [ قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام من كبار أصحابنا الشافعية: " اعتمد في العربية على أشعار العرب وهم كفار لبعد التدليس فيها كما اعتمد في الطب وهو في الأصل مأخوذ عن قوم كفار لذلك ". فعلم أن العربي الذي يحتج بقوله لا بشترط فيه العدالة نعم تشترط في رواي ذلك. وكثيرا ما يقع في (كتاب سيبويه) وغيره: " حدثني من لا أتهم " و " من لا أثق به " وينبغي الاكتفاء بذلك. وعدم التوقف في القبول ويحتمل المنع. وقد ذكر المرزباني عن أبي زيد النحوي قال: " كل ما قال سيبويه في كتابه (أخبرني الثقة) فأنا أخبرته ". وقد وضع المولدون اشعارا ودسوها على الأئمة فاحتجوا بها ظنا أنها للعرب وذكر أن في (كتاب سيبويه) منها خمسين بيتا وأن منها قول القائل: أعرف منها الأنف والعينانا ... ومنخرين أشبها ظبيانا ومن الأسباب الحاملة على ذلك: نصرة رأي ذهب إليه وتوجيه كلمة صدرت منه وقال ابن النحاس في (التعليقة): " حكي الحريري في (درة الغواص):

стр. 37

ورى خلف الأحمر أنهم صاغوا (فعال) متسقا من أحاد إلى عشار وأنشد ما عزي فيه إلى أنه موضوع منه أبياتا من جملتها: وثلاثا ورباعا ... وخماسا فاطعنا وسداسا وسباعا ... وثمانا فاجتلدنا وتساعا وعشارا ... فأصبنا وأصبنا الفرع الثالث (أحوال المسموع الفرد والاحتجاج به) المسموع الفرد: هل يقبل ويحتج به؟ له أحوال لخصتها من متفرقات كلان ابن جني في (الخصائص) أحدها: أن يكون فردا بمعنى أنه لا نظير له في الألفاظ المسموعة مع إطباق العرب على النطق به فهذا يقبل ويحتج به ويقاس عليه إجماعا كما قيس على قولهم في شنوءة: شنئي مع أنه لم يسمع غيره لأنه لم يسمع ما يخالفه وقد أطبقوا على النطق به. الحال الثاني: أن يكون فردا بمعنى أن المتكلم به من العرب واحد ويخالف ما عليه الجمهور. قال ابن جني: " فينظر في حال هذا المنفرد به فإن كان فصيحا في جميع ما عدا ذلك القدر الذي انفرد به وكان مما أورده مما يقبله القياس إلا أنه لم يرد به استعمال إلا من جهة ذلك الإنسان فإن الأولى في ذلك أن يحسن الظن به ولا يحمل على فساده.

стр. 38

فإن قيل: فمن أين ذلك وليس مسوغا أن يرتجل لنفسه لغة أخرى؟ قيل: قد يمكن أن يكون ذلك وقع إليه من لغة قديمة طال عهدها وعفا رسمها فقد أخبرنا أبو بكر جعفر بن محمد بن الحجاج عن أبي خليفة الفضل بن الحباب قال: قال لي ابن عون عن ابن سيرين قال: قال عمر بن الخطاب: " كان الشعر علم قوم ولم يكن لهم علم أصح منه ". فجاء الإسلام فتشاغلت عنه العرب بالجهاد وغزو فارس والروم ولهت عن الشعر وروايته فلما كثر الإسلام وجاءت الفتوح واطمأنت العرب في الأمصار راجعوا رواية الشعر فلم يؤولوا إلى ديوان مدون ولا كتاب مكتوب وألفوا ذلك وقد هلك من العرب من هلك بالموت والقتل فحظوا أقل من ذلك وذهب عنهم كثيره. ثم روى بسنده عن أبي عمرو بن العلاء قال: " ما انتهى إليكم مما قالت العرب إلا أقله ولو جائكم وافرا لجائكم علم وشعر كثير ". وعن حماد الراوية قال: " أمر النعمان فنسخت له أشعار العرب في الطنوج _ وهي الكرايس _ ثم دفنها في قصره الأبيض فلما كان المختار بن أبي عبيد قيل له إن تحت القصر كنزا فاحتفره فأخرج تلك الأشعار فمن ثم أهل الكوفة أعلم بالشعر من أهل البصرة ". قال ابن جني: "فإذا كان كذلك لم يقطع على الفصيح يسمع منه ما يخالف الجمهور بالخطأ ما دام القياس يعضده فإن لم يعضده كرفع المفعول

стр. 39

والمضاف إليه وجر الفاعل أو نصبه فينبغي أن يرد لأنه جاء مخالفا للقياس والسماع جميعا. وكذا إذا كان الرجل الذي سمعت منه تلك اللغة الخالفة مضعوفا في قوله مألوفا منه اللحن وفساد الكلام فإنه يرد عليه ولا يقبل منه. وإن احتمل أن يكون مصيبا في ذلك لغة قديمة فالصواب رده وعدم الاحتفال بهذا الاحتمال ". الحال الثالث: أن ينفرد به المتكلم ولا يسمع من غيره لا ما يوافقه ولا ما يخالفه. قال ابن جني: " والقول فيه أنه يجب قبوله إذا ثبت فصاحته لأنه إما أن يكون شيئا أخذه عمن نطق به بلغة قديمة لم يشارك في سماع ذلك منه على حد ما قلناه فيمن خالف الجماعة وهو فصيح أو شيئا ارتجله فإن الأعرابي إذا قويت فصاحته وسمت طبيعته تصرف وارتجل ما لم يسبق إليه فقد حكي عن رؤبة وأبيه أنهم كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاها ولا سبقا إليها. أما لو جاء عن متهم أو من لم ترق به فصاحته ولا سبقت إلى الأنفس ثقته فإنه يرد ولا يقبل فإن ورد عن بعضهم شيئ يدفعه كلام العرب ويأباه القياس على كلامها فإنه لا يقنع في قبوله أن يسمع من الواحد ولا من العدة القليلة إلا أن يكثر من ينطق به منهم فإن كثر قائلوه إلا أنه مع هذا ضعيف الوجه في القياس فمجازه وجهان: أحدهما أن يكون من نطق به لم يحكم قياسه. والآخر: أن تكون أنت قصرت عن استدراك وجه صحته. ويحتمل بأن يكون سمعه من غيره ممن ليس فصيحا وكثر استماعه له فسرى في كلامه إلا أن ذلك قلما يقع فإن الأعرابي الفصيح إذا عدل به عن لغته الفصيحة إلى أخرى سقيمة عدل عنها ولم يعبأ بها. فالأقوى أن يقبل ممن شهرت فصاحته ما يورده ويحمل أمره على ما عرف من حاله لا على ما عسى أن يحتمل كما أن على القاضي قبول شهادة من ظهرت عدالته وإن كان يجوز كذبه في الباطن إذ لو لم يؤخذ بذلك لأدى إلى ترك الفصيح بالشك وسقوط كل اللغات.

стр. 40

الفرع الرابع اختلاف اللغات وكلها حجة قال ابن جني: " اللغات على اختلافها كلها حجة. ألا ترى أن لغة الحجازين في إعمال (ما) ولغة التميمين في تركه كل منها يقبله القياس فليس لك أن ترد إحدى اللغتين بصاحبتها ". وسيأتي في ذلك مزيد كلام في (الكتاب السادس). الفرع الخامس (علة امتناع الأخذ عن أهل المدر) قال ابن جني: "علة امتناع الأخذ عن أهل المدر كما يؤخذ عن أهل الوبر ما عرض للغات الحاضرة وأهل المدر من الاختلال والفساد ولو علم أن أهل مدينة باقون على فصاحتهم لم يعرض للغتهم شيء من الفساد أوجب الأخذ عنهم كما يؤخذ عن أهل الوبر وكذلك لو فشا في أهل الوبر ما شاع في لغة أهل المدر من الخلل والفساد لوجب رفض لغتها ". قال: " وعلى ذلك العمل في وقتنا هذا لأنا لا نكاد نرى بدويا فصيحا. وإذا كان قد روي أنه ﷺ سمع رجلا يلحن فقال: (أرشدوا أخاكم فقد ضل) وسمع عمر رجلا يلحن وكذلك علي حتى حمله ذلك على وضع النحو إلى أن شاع واستمر فساد الألسنة مشهورا ظاهرا فينبغي أن يستوحش من الأخذ عن كل أحد إلا أن تقوى لغته وتشيع فصاحته ". وقد قال الفراء في بعض كلامه: " إلا أن تسمع شيئا من بدوي فصيح فتقوله ".

стр. 41

الفرع السادس في العربي الفصيح ينتقل لسانه قال ابن جني: " العمل في ذلك أن تنظر حال ما انتقل إليه فإن كان فصيحا مثل لغته الأولى أخذ بها كما يؤخذ بما انتقل عنها أو فاسدا فلا ويؤخذ بالأولى ". قال: " فإن قيل: فما يؤمنك _ أن يكون كما وجدت في لغته فسادا بعد أن لم يكن فيها _ أن يكون فيها فسادا آخر لم تعلمه؟ قيل: لو أخذ بها لأدى إلى أن لا تطيب نفس بلغة وأن يتوقف عن الأخذ عن كل أحد مخافة أن يكون في لغته زيغ لا نعلمه الآن ويجوز أن يعلم بعد زمان وفي هذا من الخطل ما يكفي. فالصواب الأخذ بما عرف صحته ولم يظهر فساده ولا يلتفت إلى احتمال الخلل فيما لم يبن ". الفرع السابع (في تداخل اللغات) قال في (الخصائص): " إذا اجتمع في كلام الفصيح لغتان فصاعدا كقوله وأشرب الماء ما بي نحوه عطش إلا لأن عيونه سيل واديها فقال: نحوهو بالإشباع وعيونه بالإسكان فينبغي أن يتأمل حال كلامه. فإن كانت اللفظتان في كلامه متساويتان في الاستعمال كثرتهما واحدة فأخلق الأمر به أن تكون قبيلته تواضعت في ذلك المعنى على تينك اللفظتين لأن العرب قد تفعل ذلك للحاجة إليها في أوزان أشعارها وسعة تصرف أقوالها. ويجوز أن

стр. 42

تكون لغته في الأصل إحداهما ثم إنه استفاد الأخرى من قبيلة أخرى وطال بها عهده وكثر استعماله لها فلحقت لطول المدة وكثرة الاستعمال بلغته الأولى. وإن كانت إحدى اللفظتين أكثر من كلامه من الأخرى فأخلق الأمر به أن تكون القليلة الاستعمال هي الطارئة والكثيرة هي الأولى الصلية. ويجوز أن تكونا معا لغتين له ولقبيلته وإنما قلت إحداهما في استعماله لضعفها في نفسه وشذوذها عن قياسه. وإن كثر على المعنى الواحد ألفاظ مختلفة فسمعت في لغة إنسان فعلى ما ذكرناه كما جاء عنهم في أسماء الأسد والسيف والخمر وغير ذلك وكما تنحرف الصيغة واللفظ واحد كقولهم رغوة اللبن ورُغوته ورِغوته ورغاوته كذلك مثلثا. وكقولهم: جئت من عل ومن عِل ومن عَل ومن علا ومن عُلو ومن علوٍ ومن علوَ ومن عال ومن معال. فكل ذلك لغات لجماعات قد تجتمع لإنسان واحد. قال الأصمعي: " اختلف رجلان في الصقر فقال أحدهما بالصاد وقال الآخر بالسين فتارضيا بأول وارد عليهما فحكيا له ما هما فيه فقال: لا أقول كما قلتما إنما هو الزقر ". " وعلى هذا يتخرج جميع ما ورد من التداخل نحو: قلى يقلى وسلا

стр. 43

يسلى. وطهر فهو طاهر وشعر فهو شاعر. فكل ذلك إنما هو لغات تداخلت فتركبت بأن أخذ الماضي من لغة والمضارع أو الوصف من لغة أخرى لا تنطق بالماضي كذلك فحصل التداخل والجمع بين اللغتين فإن من يقول: قلا يقول في المضارع يقلي والذي يقول: يقلا يقول في الماضي: قلي وكذا من يقول يسلا يقول في الماضي سلي. فتلاقى أصحاب اللغتين فسمع هذا لغة هذا وهذا لغة هذا فأخذ كل واحد من صاحبه ما ضمه إلى لغته فتركبت هناك لغة ثالثة. وكذا شاعر وطاهر إنما هو من شعر وطهر بالفتح وأما بالضم فوصفه على فعيل فالجمع بينهما من التداخل ". انتهى كلام ابن جني. وقد حكى غيره في استعمال اللغتين المتداخلتين قولين: أحدهما: أنه يجوز مطلقا والثاني: إنما يجوز بشرط ألا يؤدي إلى استعمال لفظ مهمل كـ (الحبك). الفرع الثامن (لا يحتج بكلام المولدين) أجمعوا على أنه لا يحتج بكلام المولدين والمحدثين

стр. 44

وفي (الكشاف) ما يقتضي تخصيص ذلك بغير أئمة اللغة ورواتها فإنه استشهد على مسألة بقول حبيب بن أوس ثم قال: " وهو وإن كان محدثا لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية فاجعل ما يقوله بمنزلة ما يرويه ألا ترى إلى قول العلماء: الدليل عليه بيت الحماسة فيقتنعون بذلك لتوثقهم بروايته وإتقانه ". فائدة أول الشعراء المحدثين بشار بن برد وقد احتج سيبويه في كتابه ببعض شعره تقربا إليه لأنه كان هجاه لتركه الاحتجاج بشعره ذكره المرزباني وغيره. ونقل ثعلب عن الأصمعي قال: ختم الشعر بإبراهيم بن هرمه وهو آخر الحجج. الفرع التاسع لا يحتج بشعر أو نثر لا يعرف قائله لا يجوز الاحتجاج بشعر أو نثر لا يعرف قائله صرح بذلك ابن الأنباري في ... (الإنصاف) وكان علة ذلك خوف أن يكون لمولد أو من لا يوثق بفصاحته ومن هذا يعلم أنه لا يحتاج إلى معرفة أسماء العرب وطبقاتهم. قال ابن النحاس في (التعليقة): " أجاز الكوفيون إظهار (أن) بعد (كي) واستشهدوا بقول الشاعر:

стр. 45

أردت لكيما أن تطير بقربتي ... فتتركها شنا ببيداء بلقع قال: والجواب أن هذا البيت غير معروف قائله ولو عرف لجاز أن يكون من ضرورة الشعر. وقال أيضا: ذهب الكوفيون إلى جواز دخول اللام في خبر (لكن) واحتجوا بقول الشاعر: ولكنني من حبها لعميد والجواب: أن هذا البيت لا يعرف قائله ولا أوله ولم يذكر منه إلا هذا ولم ينشده أحد ممن وثق في اللغة ولا عزي إلى مشهور بالضبط والإتقان وفي ذلك ما فيه. وفي تعاليق ابن هشام على الأفية: " استدل الكوفيون على جواز مد المقصور للضرورة بقوله: قد علمت أخت بني السعلاء وعلمت ذاك مع الجراء أن نعم مأكولا على الخواء يا لك من تمر ومن شيشاء

стр. 46

ينشب في المشعل واللهاء فمد السعلا والخوا واللها وهي مقصورات. قال: والجواب عندنا أنه لا يعلم قائله فلا حجة فيه ". لكن ذكر في شرحه للشواهد ما يخالف ذلك فإنه قال: طعن عبد الواحد الطواح في كتابه (بغية الآمل) في الاستشهاد بقوله: لا تكثرن إني عسيت صائما وقال هو بيت مجهول لم ينسبه الشارح إلى أحد فسقط الاحتجاج به. ولو صح ما قاله لسقط الاحتجاج بخمسين بيتا من (كتاب سيبويه) فإن فيه ألف بيت قد عرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين. الفرع العاشر (هل يقبل قول القائل: حدثني الثقة) إذا قال حدثني الثقة فهل يقبل؟ قولان: في علم الحديث وأصول الفقه رجح كلا مرجحون وقد وقع ذلك لسيبويه كثيرا يعني به الخليل وغيره وكان يونس يقول: حدثني الثقة عن العرب فإن قيل له: من الثقة؟ قال: أبو يزيد , قيل له: لم لا تسميه؟ قال: هو حي فانا لا أسميه. الفرع الحادي عشر (طرح الشاذ ونحوه) قال ابن السراج في (الأصول) بعد أن قرر أن (أفعل) التفضيل لا يأتي

стр. 47

من الألوان: فإن قيل: قد أنشد بعض الناس: ياليتني مثلك في البياض ... أبيض من أخت بني أباض فالجواب أن هذا معمول على فساد وليس البيت الشاذ والكلام المحفوظ بأدنى إسناد حجة على الأصل المجتمع عليه في كلام ولا نحو ولا فقه وإنما يركن إلى ضعفة أهل النحو ومن لا حجة معه. وتأويل هذا وما أشبهه كتأويل ضعفة أصحاب الحديث وأتباع القصاص في الفقه ". انتهى. فأشار بهذا الكلام إلى أن الشاذ ونحوه يطرح طرحا ولا يهتم بتأويله. الفرع الثاني عشر (من يسوغ التأويل ؟) قال أبو حيان في شرح التسهيل " التأويل إنما يسوغ إذا كانت الجادة على شيء ثم جاء شيء يخالف الجادة فيتأول. أما إذا كان لغة طائفة من العرب لم تتكلم إلا بها فلا تأويل. ومن ثم كان مردودا تأويل أبي علي: " ليس الطيب إلا المسك " على أن فيها ضمير شأن لأن أبا عمرو نقل أن ذلك لغة تميم ". الفرع الثالث عشر إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال قال أبو حيان أيضا: "إذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال ". ورد به على ابن مالك كثيرا في مسائل استدل عليها بأدلة تقبل التأويل منها منها استدلاله قصر الأخ بقوله:

стр. 48

أخاك الذي إن تدعه لملمة يجبك بما تبغي ويكفيك من يبغي فإنه يحتمل أن يكون منصوبا بإضمار فعل أي الزم. وإذا دخله الاحتمال سقط به الاستدلال. الفرع الرابع عشر رواية الأبيات على أوجه مختلفة كثيرا ما تروى الأبيات على أوجه مختلفة وربما يكون الشاهد في بعضها دون بعض وقد سئلت عن ذلك قديما فأجبت باحتمال ان يكون الشاعر أنشده مرة هكذا ومرة هكذا. ثم رأيت ابن هشام قال في شرح الشواهد: روي قوله: ولا أرض أبقل إبقالها بالتذكير والتأنيث مع نقل الهمزة فإن صح أن القائل بالتأنيث هو القائل بالتذكير صح الاستشهاد به عل الجواز في غير الضرورة وإلا فقد كانت العرب ينشد بعضهم شعر بعض وكل يتكلم على مقتضى سجيته التي فطر عليها ومن هنا تكثر الرويات في بعض الأبيات ". انتهى.

стр. 49

فصل ملخص من المحصول للإمام فخر الدين مع زيادات من شروحه قال: " اعلم أن معرفة اللغة والنحو والتصريف فرض كفاية لأن معرفة الأحكام الشرعية واجبة بالإجماع ومعرفة الأحكام بدون معرفة أدلتها مستحيل فلابد من معرفة أدلتها والأدلة راجعة إلى الكتاب والسنة وهما واردان بلغة العرب ونحوهم وتصريفهم فإن توقف العلم بالأحكام على الأدلة ومعرفة الأدلة تتوقف على معرفة النحو والتصريف وما يتوقف على الواجب المطلق وهو مقدور للمكلف فهو واجب فإذن معرفة اللغة والنحو والتصريف واجبة ". قال: " ثم الطريق إلى معرفتها إما النقل المحض كأكثر اللغة أو العقل مع النقل كقولنا: " الجمع المحلى باللام للعموم " لأنه يصح استثناء أي فرض منه فإن صحة الاستثناء بالنقل وكونه معيار العموم بالعقل. فمعرفة كون الجمع المذكور له بالتركيب من النقل والعقل , وأما العقل المحض فلا مجال له في ذلك ". قال: " فالنقل المحض: إما تواتر أو آحاد وعلى كل منهما إشكالات.

стр. 50

أما التواتر فالإشكال عليه من وجوه: أحدها: أنا نجد الناس مختلفين في معاني الألفاظ التي هي أكثر الألفاظ تداولا ودورانا على ألسنة المسلمين اختلافا شديدا لا يمكن فيه القطع بما هو الحق. كلفظة (الله) فإن بعضهم زعم أنها عبرية وقال قوم: إنها سيريانية والذين جعلوها عربية اختلفوا: هل هي مشتقة أو لا؟ والقائلون بالاشتقاق اختلفوا اختلافا شديدا ومن تأمل أدلتهم في تعيين مدلول هذا اللفظ علم أنها متعارضة وأن شيئا منها لا يفيد الظن الغالب فضلا عن اليقين. وكذلك اختلفوا في لفظ الإيمان والكفر والصلاة والزكاة. فإذا كان هذا الحال في الألفاظ التي هي أشهر الألفاظ والحاجة إليها ماسة جدا فما ظنك بسائر الألفاظ؟! وإذا كان كذلك ظهر أن دعوى التواتر في اللغة والنحو متعذر. وأجيب عنه بأنه وإن لم يكن دعوى التواتر في معانيها على سبيل التفصيل فإنا نعلم معانيها في الجملة. فنعلم أنهم يطلقون لفظة الله على الإله المعبود بحق وإن كنا لا نعلم مسمى هذا اللفظ: أذاته أم كونه معبودا أم كونه قادرا على الاختراع أم كونه ملجأ للخلق أم كونه بحيث تتحير العقول في إدراكه؟ إلى غير ذلك من المعاني المذكورة لهذا اللفظ. وكذا القول في سائر الألفاظ. الإشكال الثاني: أن من شرط التواتر استواء الطرفين والواسطة. فهب أنا علمنا حصول شرائط التواتر في حفاظ اللغة والنحو والتصريف في زماننا فكيف نعلم حصولها في سائر الأزمنة؟ وإذا جهلنا شرط التواتر جهلنا التواتر ضرورة لأن الجهل بالشرط يوجب الجهل بالمشروط. فإن قيل: الطريق إليه أمران: أحدهما: أن الذين شاهدناهم أخبرونا أن الذين أخبروهم بهذه اللغات كانوا موصوفين بالصفات المعتبرة في التواتر وأن الذين أخبروا من أخبرهم كانوا كذلك إلى أن يتصل النقل بزمان الرسول ﷺ .

стр. 51

والآخر: أن هذه الألفاظ لو لم تكن موضوعة لهذه اللغات ثم وضعها واضع لهذه المعاني لاشتهر ذلك وعرف فإن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله. قلنا: أما الأول فغير صحيح لأن كل واحد منا حين يسمع لغة مخصوصة من إنسان فإنه لم يسمع منه أنه سمعه من أهل التواتر وهكذا بل تحرير هذه الدعوى على هذا الوجه مما لا يفهمه كثير من الأدباء فكيف يدعى عليهم أنهم علموه بالضرورة؟ بل الغاية القصوى في راوى اللغة أن يسنده إلى كتاب صحيح أو إلى إسناد متقن ومعلوم أن ذلك لا يفيد اليقين. وأما الثاني فضعيف أيضا لأن ذلك الاشتهار إنما يجب في الأمور العظيمة وليس هذا منه , سلمنا أنه منه لكن لا نسلم أنه لم يشتهر فإنه قد اشتهر بل بلغ مبلغ التواتر أن هذه اللغات إنما أخذت عن جمع مخصوص كالخيل وأبي عمرو والأصمعي وأقرانهم ولا شك أن هؤلاء ما كانو معصومين ولا بالغين حد التواتر وإذا كان كذلك لم يحصل القطع واليقين بقولهم. أقصى ما في الباب أن يقال: نعلم قطعا أن هذه اليلغات بأسرها غير منقوله على سبيل الكذب ونقطع بأن فهيا ما هو صدق قطعا لكن كل لفظة عيناها فإنا لا يمكنا القطع بأنها من قبيل ما نقل صدقا وحين إذ لا يبقى القطع في لفظ معين أصلا. وهذا هو الإشكال على من ادعى التواتر في نقل اللغات. هذا كلام الإمام. وتعفبه الأصبهاني بأن كون اللغة مأخوذة عمن لم يبلغ عدد التواتر لا يصلح أن يكون سندا لمنع عدم شهرة نقل اللغات عن موضوعاتها الأصلية إلى غيرها لأن عدم عصمتهم لا يستلزم وقوع النقل والتغيير بل يثبت به احتماله وذلك لا يقدح في دعوى انتفاء اللازم. انتهى. والأمر كما قال. ثم قال الإمام: " وأما الآحاد فالإشكال عليه من وجوه: منها أن الرواة له مجرحون ليسوا سالمين عن القدح. بيانه: ان أصل الكتب المصنفة في النحو واللغة كتاب سيبويه وكتاب العين

стр. 52

أما كتاب سيبويه فقدح الكوفيين فيه وفي صاحبه أظهر من الشمس. وأيضا فالمبرد كان من أجل البصريين وهو أفرد كتاب في القدح فيه. وأما كتاب العين فقد أطبق الجمهور من أهل اللغة على القدح فيه. وأيضا فإن ابن جني أورد بابا في الخصائص في قدح أكابر الأدباء بعضهم في بعض وتكذيب بعضهم بعضا. وأورد بابا آخر في لغة أهل الوبر أصح من لغة أهل المدر وغرضه من ذلك القدح في الكوفيين. وأورد بابا آخر في كلمات من الغريب لا يعلم أحد أتى بها إلا ابن أحمر الباهلي. وروي عن رؤبة وأبيه أنهما كانا يرتجلان ألفاظا لم يسمعاهاولا سبقا إليها وعلى ذلك قال المازني: " ماقيس على كلام العرب فهو من كلامهم وأيضا فالأصمعي كان منسوبا إلى الخلاعة ومشهورا بأنه كان يزيد في اللغة ما لم يكن منها. والعجب من الأصوليين أنهم أقاموا الدلائل على خبر الواحد أنه حجة في الشرع ولم يقيموا الدلالة على ذلك في اللغة وكان هذا أولى وكان من الواجب عليهم أن يبحثوا عن أحوال اللغات والنحو وأن يتفحصوا عن أحوال جرحهم وتعديلهم كما فعلوا ذلك في رواية الأخبار لكنهم تركوا ذلك بالكلية مع شدة الحاجة إليه فإن اللغة والنحو يجريان مجرى الأصل للستدلال بالنصوص. انتهى. قال الأصبهاني: أما قوله: " وأورد ابن جني بابا في كلمات عن الغريب لم يأت بها إلا الباهلي " فاعلم أنهذا القدر وهو انفراد شخص بنقل شيء في اللغة العريبة

стр. 53

لا يقدح في عدالته ولا يلزم من نقل الغريب أن يكون كاذبا في نقله ولا قصد ابن جني ذلك. وأما قول المازني:" ما قيس ... إلى آخره " فإنه ليس بكذب ولا تجويز للكذب لجواز أن يرى القياس في اللغات أو يحمل كلامه على هذه القاعدة وأمثالها وهي أن الفاعل في كلام العرب مرفوع فكل ما كان في معنى الفاعل فهو مرفوع. وأما قوله إن الأصوليين لم يقيموا ... إلى آخره فضعيف جدا وذلك أن الدليل الدال على أن خبر الواحد حجة في الشرع يمكن التمسك به في نقل اللعة آحادا إذا وجدت الشرائط المعتبرة في خبر الواحد فلعلهم أهملوا ذلك اكتفاء منهم بالأدلة على أنه حجة في الشرع. وأما قوله: " كان من الواجب أن يبحثوا عن أحوال الرواة ... إلى آخره فهذا حق فقد كان من الواجب أن يفعل ذلك ولا وجه لإهماله مع احتمال كذب من لم تعلم عدالته. وقال القرافي في هذا الأخير إنما أهملوا ذلك لأن الدواعي متوفرة على الكذب في الحديث لأسبابه المعروفه الحاملة للواضعين على الوضع. وأما اللغة فالدواعي إلى الكذب عليها في غاية الضعف. وكذلك كتب الفقه لا تكاد تجد فروعا موضوعة على الشافعي أو مالك أو غيرهما ولذلك جمع الناس من السنة موضوعات كثيرة وجدوها ولم يجدوها ولم يجدوا في اللغة وفروع الفقه مثل ذلك ولا قريبا منه ولما كان الكذب والخطأ في اللغة وغيرها في غاية الندرة اكتفى العلماء فيها بالاعتماد على الكتب المشهورة المتداولة فإن شهرتها وتداولها يمنع ذلك مع ضعف الداعية له. فهذا هو الفرق. ثم قال الإمام: والجواب عن الإشكالات كلها: أن اللغة والنحو والتصريف ينقسم إلى قسمين: قسم منه متواتر والعلم الضروري حاصل بأنه كان في الأزمنة الماضية موضوعا لهذه المعاني فإنا نجد أنفسنا جازمة بأن السماء والأرض كانتا مستعملتين في زمنه ﷺ في معناهما المعروف ز وكذلك الماء والهواء والنار وأمثالها. وكذلك لم يزل الفاعل مرفوعا والمفعول منصوبا والمضاف إليه مجرورا.

стр. 54

وقسم منه مظنون وهو الألفاظ الغريبة والطريق إلى معرفتها الآحاد. وأكثر ألفاظ القرآن ونحوه وتصريفه من القسم الأول. والثاني فيه قليل جدا فلا يتمسك به في القطعيات ويتمسك به في الظنيات. انتهى.

стр. 55

خاتمة النقل عن النفي قال الشيخ بهاء الدين بن النحاس في التعليقة: " النقل عن النفي فيه شيء لأن حاصله أنني لم أسمع هذا وهذا لا يدل على أنه لم يكن " تنبيه النقل عند ابن الأنباري بعد أن حررت هذا الكتاب بفروعه وجدت ابن الأنباري قال في أصوله: " أدلة النحو ثلاثة: نقل وقياس واصطحاب حال فالنقل هو الكلام العربي الفصيح المنقول النقل الصحيح الخارج عن حد القلة إلى حد الكثرة. وعلى هذا يخرج ما جاء من كلام غير العرب من المولدين وغيرهم وما جاء شاذا

стр. 56

في كلامهم نحو الجزم بـ (لن) والنصب بـ (لم) والجر بـ (لعل) ونصب الجزأين بها وبـ (ليت) وهو ينقسم إلى تواتر وآحاد فأما التواتر فلغة القرآن وما تواتر من السنة وكلام العرب. وهذا القسم قطعي من أدلة النحو يفيد العلم. وأما الآحاد فما تفرد بنقله بعض أهل اللغة ولم يوجد فيه شرط التواتر وهو دليل مأخوذ به والأكثرون على أنه يفيد الظن. وشرط التواتر أن يبلغ عدد ناقليه عددا لا يجوز على مثلهم الاتفاق على الكذب. وشرط الآحاد أن يكون ناقله عدلا رجلا كان أو امرأة حرا كان أو عبدا كما يشترط في نقل الحديث لأن باللغة نعرفة تفسيره وتأويله فاشترط في نقلها ما اشترط في نقله فإن كان ناقل اللغة فاسقا لم يقبل نقله. ويقبل نقل العدل الواحد وأهل الأهواء إلا أن يكونوا ممن يتدين بالكذب.

стр. 57

وأما المرسل: وهو الذي انقطع سنده نحو أن يروي ابن دريد عن أبي زيد. والمجهول: وهو الذي لم يعرف ناقله نحو أن يقول أبو بكر بن الأنباري حدثني رجل عن ابن الأعرابي. فلا يقبلان لأن العدالة شرط في النقل وانقطاع السند والجهل بالناقل يوجبان النقل بالعدالة فإن لم يذكر اسمه أو ذكر ولم يعرف , لم تعرف عدالته فلا يقبل نقله. وقيل يقبلان لأن الإرسال صدر ممن لو أسند لقبل ولم يهتم في إسناده فكذلك في إرساله فإن التهمة لو تطرقت إلى إرساله لتطرقت إلى إسناده وإذا لم يهتم في إسناده فكذلك في إرساله. وكذلك النقل عن المجهول صدرا ممن لا يهتم في نقله لأن التهمه لو تطرقت إلى نقله عن المجهول لتطرقت إلى نقله عن المعروف وهذا ليس بصحيح. واختلف العلماء في جواز الإجازة والصحيح جوازها هذا حاصل ما ذكره ابن الأنباري في ثمانية فصول من كتابه.

стр. 58

الكتاب الثاني في الإجماع والمراد به إجماع نحاة البلدين: البصرة والكوفة قال في الخصائص: وإنما يكون حجة إذا لم يخالف المنصوص ولا المقيس على المنصوص وإلا فلا لأنه لم يرد في القرآن ولا سنة أنهم لا يجتمعون على الخطأ كما جاء النص بذلك في كل الأمة وإنما هو علم ينتزع من استقراء هذه اللغة فكل من فرق له عن علة صحيحة وطريق نهجة كان خليل نفسه وأبا عمرو فكره ". " إلا أننا مع ذلك لا نسمح له بالإقدام على مخالفة الجماعة التي طال بحثها وتقدم نظرها إلا بعد إمعان وإتقان ". انتهى. وقال في موضع آخر: " يجوز الاحتجاج بإجماع الفريقين وذلك كإنكار أبي العباس جواز تقديم خبر ليس عليها فأحد ما يحتج به عليه أن يقال له: هذا أجازه سيبويه وكافة أصحابنا والكوفيون أيضا. فإذا كان ذلك مذهبا للبلدين وجب أن تنفر عن خلافه ". قال: " ولعمري إن هذا ليس بموضع قطع على الخصم لأن للإنسان أن يرتجل من المذاهب ما يدعو إليه القياس ما لم يخالف نصا ".

стр. 59

قال: " فما جاز خلاف الإجماع الواقع فيه منذ بدء هذا العلم وإلى آخر هذا الوقت قولهم في: هذا جحر ضب خرب إنه من الشاذ الذي لايحمل عليه ولا يجوز رد غيره إليه. وأما أنا فعندي أن في القرآن مثل ذلك نيفا على ألف موضع وذلك أنه على حذف المضاف والأصل جحر ضب خرب جحره فجرى خرب وصفا على ضب وإن كان في الحقيقة لـ (الجحر) كما تقول مررت برجل قائم أبوه وإن كان القيام للأب لا للرجل ثم حذف الجحر المضاف إلى الهاء وأقيمت الهاء مقامه فارتفعت لأن المضاف المحذوف كان مرفوعا فلما ارتفعت استتر الضمير المرفوع في نفس خرب. انتهى. وقال غيره: إجماع النحاة على الأمور اللغوية معتبر خلافا لمن تردد فيه وخرقه ممنوع ومن ثم رد. وقال ابن الخشاب في المرتجل: " لو قيل: إن من الشرط لا موضع لها من الإعراب لكان قولا إجراء لها مجرى إن الشرطية وتلك لا موضع لها من الإعراب لكن مخالفة المتقدمين لا تجوز ". انتهى. (مسألة) وإجماع العرب حجة، ولكن أنى لنا بالوقوف عليه؟! ومن صوره أن يتكلم العربي بشيء ويبلغهم ويسكتون عليه. قال ابن مالك في (شرح التسهيل): ((استدل على جواز توسط خبر (ما) الحجازية ونصبه بقوله الفرزدق: فأصبحوا قد أعاد الله نعمتهم إذ هم قريش وإذ ما مثلهم بشر ورده المانعون بأن الفرزدق تميمي، تكلم بهذا معتقدا جوازه عند الحجازيين فلم يصب.

стр. 60

ويجاب بأن الفرزدق كان له أضداد من الحجازيين والتميميين، ومن مناهم أن يظفروا له بزلة يشنعون بها عليه، مبادرين لتخطئته. ولو جرى شيء من ذلك لنقل؛ لتوفر الدواعي على التحدث بمثل ذلك إذا اتفق، ففي عدم نقل ذلك دليل على إجماع أضداده الحجازيين والتميميين على تصويبه قوله) انتهى.

стр. 61

فصل [في تركيب المذاهب] مما يشبه تداخل اللغات السابق تركيبُ المذاهب، وقد عقد له ابن جني بابا في الخصائص). ويشبهه في أصول الفقه إحداث قول ثالث، والتلفيق بين المذاهب، قال ابن جني: وذلك أن تضم بعض المذاهب إلى بعض، وتنتحل بين ذلك مذهبا ثالثا. مثاله أن المازني كان يعتقد مذهب يونس في رد المحذوف في التحقير، وإن غني المثال عنه، فيقول في تحقير (يضع) اسم رجل: (يويضع). وسيبويه إذا استوفى التحقير مثاله لا يرد، فيقول: (يضيع) وكان المازني يرى رأي سيبويه في صرف نحو جوار) علما، ويونس لا يصرفه. فقد تحصل إذن للمازني مذهب مركب من مذهب الرجلين، وهو الصرف على مذهب سيبويه والرد على مذهب يونس. فيقول في تحقير اسم رجل سميته (يرى) رأيت يريئيا، فرد الهمزة من (يرى) إذا أصله (يرأى) على قول يونس، ويصرف على قول سيبويه. ويونس يرد ولا يصرف، فيقول: رأيت يريئي. وسيبويه يصرف ولا يرد فيقول: رأيت يريا؛ بإدغام ياء التحقير في الياء المنقلبة عن الألف. فقد عرف تركب مذهب المازني عن مذهب الرجلين.

стр. 62

(مسألة) قال أبو البقاء في التبيين) ((جاء في الشعر (لولاي) و (لولاك) فقال معظم البصريين: الياء والكاف في موضع جر. وقال الأخفش والكوفيون: في موضع رفع. قال أبو البقاء: وعندي أنه يمكن أمران آخران: أحدهما: أن لا يكون للضمير موضع؛ لتعذر العامل، وإذا لم يكن عامل لم يكن عمل، وغير ممتنع أن يكون الضمير لا موضع له كالفصل. ويمكن أن يقال: موضعه نصب؛ لأنه من ضمائر المنصوب، ولا يلزم من ذلك أن يكون له عامل مخصوص؛ ألا ترى أن التمييز في نحو عشرين درهما لا ناصب له على التحقيق، وإنما هو مشبه بالمفعول حيث كان فضلة. وكذلك قولهم: لي ملؤه عسلا، فهذا منصوب، وليس له ناصب على التحقيق، وإنما هو مشبه بما له عامل. ومثل ذلك يمكن في (لولاي) و (لولاك) وهو أن يجعل منصوبا حيث كان من ضمائر المنصوب. فإن قيل: الحكم بأنه لا موضع له وأن موضعه نصب خلاف الإجماع، إذ الإجماع منحصر في قولين: إما الرفع وإما الجر، والقول بحكم آخر خلاف الإجماع وخلاف الإجماع مردود. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن هذا من إجماع مستفاد من السكوت، وذلك أنهم لم يصرحوا بالمنع من قول ثالث، وإنما سكتوا عنه، والإجماع هو الإجماع على حكم الحادثة قولا.

стр. 63

والثاني أن أهل العصر الواحد إذا اختلفوا على قولين جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث. هذا معلوم من أصول الشريعة، وأصولُ اللغة محمولة على أصول الشريعة. وقد صنع مثل ذلك من النحويين على الخصوص أبو علي فإن له مسائل كثيرة قد سبق إليها بحكم، وأثبت هو فيها حكما آخر. منها أن لفظة (كل) لا يدخلها الألف واللام في أقوال الأول، وجوز هو فيها ذلك، وقد أفردها بمسألة في (الحلبيات) واستدل على ذلك بالقياس. فغيرُ ممتنع أن يذهب ذاهب هنا إلى مذهب ثالث؛ لوجود الدليل عليه) انتهى.

стр. 64

الكتاب الثالث في القياس قال ابن الأنباري في (جدله) هو حمل غير المنقول على المنقول إذا كان في معناه) انتهى. وهو معظم أدلة النحو، والمعول في غالب مسائله عليه، كما قيل: إنما النحو قياس يتبع ولهذا قيل في حده: إنه علم بمقاييس مستنبطة من استقراء كلام العرب. وقال صاحب (المستوفى) كل علم فبعضه مأخوذ بالسماع والنصوص، وبعضه بالاستنباط والقياس، وبعضه بالانتزاع من علم آخر. قال (فالفقه بعضه بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة، وبعضه بالاستنباط والقياس،

стр. 65

والطب بعضه مستفاد من التجربة، وبعضه من علوم أخر، والهيئة بعضها منعلم التقدير، وبعضها تجربة يشهد بها الرصد، والموسيقى جلها منتزع من علم الحساب، والنحو بعضه مسموع مأخوذ من العرب، وبعضه مستنبط بالفكر والروية، وهو التعليلات، وبعضه يؤخذ من صناعة أخرى. كقولهم: الحرف الذي تختلس حركته هو في حكم المتحرك لا الساكن، فإنه مأخوذ من علم العروض. وكقولهم: الحركات أنواع: صاعد عال، ومنحدر سافل ومتوسط بينهما، فإنه مأخوذ من صناعة الموسيقى) انتهى. وقال ابن الأنباري في (أصوله) اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق؛ لأن النحو كله قياس، ولهذا قيل في حده: النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو، ولا يعلم أحد من العلماء أنكره؛ لثبوته بالدلالة القاطعة، وذلك أنا أجمعنا على أنه إذا قال العربي: كتب زيد فإنه يجوز أن يسند هذا الفعل إلى كل اسم مسمى تصح منه الكتابة نحو عمرو وبشر وأزدشير إلى ما لا يدخل تحت الحصر، وإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال. وكذلك القول في سائر العوامل الداخلة على الأسماء والأفعال الرافعة والناصبة والجارة والجازمة؛ فإنه يجوز إدخال كل منها على ما لا يدخل تحت الحصرن وذلك بالنقل متعذر، فلو لم يجز القياس واقتصر على ما ورد في النقل من الاستعمال لبقي كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها لعدم النقلن وذلك مناف لحكمة الوضع، فوجب أن يوضع وضعا قياسيا عقليا لا نقليا، بخلاف اللغة، فإنها وضعت وضعا نقليا لا عقليا، فلا يجوز القياس فيها، بل يقتصر على ما ورد به النقل، ألا ترى أن (القارورة) سميت بذلك لاستقرار الشيء فيها، ولا يسمى كل مستقر فيه قارورة، وكذلك سميت (الدار) دارا لاستدارتها ولا يسمى كل مستدير دارا) انتهى.

стр. 66

فصل في أركان القياس للقياس أربعة أركان: أصل وهو المقيس عليه وفرع وهو المقيس وحكم وعلة جامعة قال ابن الأنباري: " وذلك مثل أن تركب قياسا في الدلالة على رفع ما لم يسم فاعله فتقول: اسم أسند الفعل إليه مقدما عليه فوجب أن يكون مرفوعا قياسا على الأصل. فالأصل هو الفاعل والفرع هو ما لم يسم فاعله والحكم هو الرفع والعلة الجامعة هي الإسناد والأصل في الرفع أن يكون للأصل الذي هو الفاعل وإنما أجري على الفرع الذي هو ما لم يسم فاعله بالعلة الجامعة التي هي الإسناد ".

стр. 67

الفصل الأول في المقيس عليه وفيه مسائل المسألة الأولى من شرطه ألا يكون شاذا خارجا عن سنن القياس فما كان كذلك لا يجوز القياس عليه كتصحيح استحوذ واستصوب واستنوق وكحذف نون التوكيد في قوله: اضرب عنك الهموم طارقها أي: اضربن ووجه ضعفه في القياس أن التوكيد للتحقيق وإنما يليق به الإسهاب والإطناب لا الاختصار والحذف وكحذف صلة الضمير دون الضمة في قوله: له زجل كأنه صوت حاد

стр. 68

ووجه ضعفه في القياس أنه ليس على حد الوصل ولا حد الوقف لأن الوصل يجب أن تتمكن فيه واوه كما تمكنت في قوله: له زجل والوقف يجب أن تحذف فيه الواو والضمة معا فحذف الصلة وإبقاء الضمة منزلة بين منزلتين الوصل والوقف لم تعهد قياسا. نعم يجوز على ما استعمل للضرورة في الضرورة. قال أبو علي: كما جاز لنا أن نقيس منثورنا على منثورهم كذلك يجوز أن نقيس شعرنا على شعرهم فما أجازته الضرورة لهم أجازته وما لا فلا. قال ابن جني: " فإن قيل: هلا امتنع متابعتهم في الضرورة من حيث كان القوم لا يترسلون في عمل أشعارهم ترسل المولدين وإنما كان ارتجالا فضرورتهم إذن أقوى من ضرورتنا فينبغي أن يكون عذرهم فيه أوسع؟ قيل: ليس جميع الشعر القديم مرتجلا بل كان لهم فيه نحو ما للمولدين من الترسل. روي عن زهير أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين فكانت تسمى (حوليات زهير). وعن ابن أبي حفصة قال: كنت أعمل القصيدة في أربعة أشهر وأعرضها في أربعة أشهر ثم أخرج بها إلى الناس. وحكايهم في ذلك كثيرة وأيضا فإن من المولدين من يرتجل ". المسألة الثانية كما لا يقاس على الشاذ نطقا لا يقاس عليه تركا قال في الخصائص: " إذا كان الشيء شاذا في السماع مطردا في

стр. 69

القياس تحاميت ما تحامت العرب من ذلك وجريت في نظيره على الواجب في أمثاله. من ذلك امتناعك من (وذر) و (ودع) لأنهم لم يقولوهما ولا منع أن يستعمل نظيرهما نحو: وزن ووعد وإن لم تسمعهما أنت ". المسألة الثالثة ليس من شرط المقيس عليه الكثرة فقد يقاس على القليل لموافقته للقياس ويمتنع على الكثير لمخالفته له. مثال الأول: قولهم في النسب إلى شنوءة شنئي فلك أن تقول في ركوبة ركبي وفي حلوبة حلبي وفي قتوبة قتبي قياسا على شنئي وذلك أنهم أجروا فعولة مجرى فعيلة لمشابهتها إياه من أوجه: - أن كلا منها ثلاثي. - وأن ثالثه حرف لين. - وأن آخره تاء التأنيث. - وأن فعولا وفعيلا يتواردان نحو: أثيم وأثوم ورحيم ورحوم ومشي ومشو ونهي عن الشيء ونهو. - فلما استمرت حال فعيلة وفعولة هذا الاستمرار جرت واو شنوءة مجرى ياء حنيفة فكما قالوا حنفي قياسا قالوا شنئي قياسا. قال أبو الحسن: فإن قلت: إنما جاء هذا في حرف واحد يعني شنوءة. فالجواب: أنه جميع ما جاء. قال في الخصائص: " وما ألطف هذا الجواب ومعناه أن الذي جاء في فعولة هو هذا الحرف والقياس قابله ولم يأت فيه شيء ينقضه. فإذا قاس الإنسان على جميع ما جاء وكان أيضا صحيحا في القياس مقبولا فلا لوم. ولما ذكرناه من المناسبة بين فعولة وفعيلة لم يجز في نحو ضرورة: ضرري ولا يقال في حرورة: حرري لأن باب فعيلة المضاعف نحو جليلة لا يقال فيه جللي استثقالا بل هو جليلي. ومثال الثاني: قولهم في ثقيف وقريش وسليم ثقفي وقرشي وسلمي فهو وإن

стр. 70

كان أكثر من شنئي فإنه عند سيبويه ضعيف في القياس ولا يقال في سعيد سعدي ولا في كريم كرمي ". المسألة الرابعة أقسام القياس القياس في العربية على أربعة أقسام: حمل فرع على أصل. حمل أصل على فرع. حمل نظير على نظير. حمل ضد على ضد. وينبغي أن يسمى الأول والثالث: قياس المساوي والثاني: قياس الأولى والرابع: قياس الأدون. فمن أمثلة الأول: إعلان الجمع وتصحيحه حملا على المفرد في ذلك كقولهم قيم وديم في قيمة وديمة. وزوجة وثورة في زوج وثور. ومن أمثلة الثاني: إعلان المصدر لإعلان فعله وتصحيحه لصحته كـ (قمت قياما) و (قاومت قواما). وفي الخصائص: " من حمل الأصل على الفرع تشبيها له في المعني الذي أفاده ذلك الفرع من ذلك الأصل تجويز سيبويه في قولك: هذا حسن الوجه أن يكون الجر في الوجه تشبيها بـ الضارب الرجل الذي إنما جاز فيه الجر تشبيها بـ الحسن الوجه.

стр. 71

قال: فإن قيل: وما الذي سوغ لسيبويه هذا وليس مما رواه عن العرب وإنما هو شيء رآه وعلل به؟ قيل: يدل على صحته ما عرف من أن العرب إذا شبهت شيئا بشيء مكنت ذلك الشبه الذي لهما وعمرت به الحال بينهما ألا تراهم لما شبهوا المضارع بالاسم فأعربوه تمموا ذلك المعنى بينهما بأن شبهوا اسم الفاعل بالفعل فأعملوه. ولما شبهوا الوقف بالوصل في نحو قولهم: ﵇ والرحمت وقوله: الله نجاك بكفي مسلمت كذلك أيضا شبهوا الوصل بالوقف في قولهم سبسبا وكلكلا. وكما أجروا غير اللازم مجرى اللازم في قوله: فقلت أهي سرت أم عادني حلم وقوله: ومن يتق فإن الله معه كذلك أجروا اللازم مجرى غيره في قوله تعالى (على أن يحيي الموتى)

стр. 72

فأجرى النصب مجرى الرفع الذي لايلزم فيه الحرف أصلا. وكما حمل النصب على الجر في المثنى والجمع حمل الجر على النصب في ما لا ينصرف وكما شبهت الياء بالألف في قوله: كأن أيديهن بالقاع القرق حملت الياء على الألف في قوله: ولا ترضاها ولا تملق وكما وضع الضمير المنفصل موضع المتصل في قوله: قد ضمنت ... إياهم الأرض ... وضع المتصل موضع المنفصل في قوله: إلاك ديار

стр. 73

فلما رأى سيبويه العرب إذا شبهت شيئا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضا فحملت الآخر على حكم صاحبه تثبيتا لهما وتتميما لمعنى الشبه بينهما حكم أيضا بأن الوجه محمول على الرجل. ولما كان النحاة بالعرب لاحقين وعلى سمتهم آخذين جاز لهم أن يروا فيه نحو ما رأوا ويحذوا على أمثلتهم التي حذوا قال: ومن ومن حمل الأصل على الفرع حذف الحروف للجزم وهي أصولي حملا على حذف الحركات له وهي زوائد وحمل الاسم على الفعل في منع الصرف وعلى الحرف في البناء وهو أصل عليهما وحمل ليس وعسى في عدم التصرف على ما ولعل كما حملت ما على ليس في العمل. انتهى. وفي التذكرة لأبي حيان ذكر بعضهم أنه إنما اشترط اتحاد الزمان في عطف الفعل على الفعل لأن العطف نظير التثنية فكما لا يجوز تثنية المختلفين لا يجوز عطف المختلفين في الزمان قال أبو حيان: "وهذا من حمل الأصل على الفرع لأن العطف أصل التثنية إلا أن يدعى أنه في الفعل نظير التثنية في الاسم ". وأما الثالث: فالنظير إما في اللفظ أو في المعنى أو فيهما فمن أمثلة الأول زيادة إن بعد ما المصدرية الظرفية والموصولة

стр. 74

لأنهما بلفظ ما النافية. ودخول لام الابتداء على ما النافية حملا لها في اللفظ على ما الموصولة وتوكيد المضارع بالنون بعد لا النافية حملا لها على لا الناهية. وحذف فاعل أفعل به في التعجب لما كان مشبها لفعل الأمر في اللفظ. وبناء باب (حذام) على الكسر تشبيها له بـ (دراك) و (نزال). وبناء (حاشا) الاسمية لشبهها في اللفظ بـ (حاشا) الحرفية. ومنها إدغام الحرف في مقاربة في المخرج. ومن أمثلة الثاني: جواز (غير قائم الزيدان) حملا على (ما قام الزيدان) لأنه في معناه ولولا ذلك لم يجز لأن المبتدأ إما أن يكون ذا خبر أو أن يكون ذا خبر أو ذا خبر أو ذا مرفوع يغني عن الخبر. ومنها إهمال (أن) المصدرية مع المضارع حملا على (ما) المصدرية.

стр. 75

ومن أمثلة الثالث اسم التفضيل وأفعل في التعجب فإنهم منعوا أفعل التفضيل أن يرفع الظاهر لشبه بـ (أفعل) في التعجب وزنا وأصلا وإفادة للمبالغة وأجازوا تصغير أفعل في التعجب لشبهه بأفعل التفضيل في ذلك. قال الجوهري: " ولم يسمع تصغيره إلا في أملح وأحسن ولكن النحويين قاسوه فيما عداهما ". وأما الرابع: فمن أمثلته النصب بـ (لم) حملا على الجزم بـ (لن). فإن الأولى لنفي الماضي والثانية لنفي المستقبل. وفي الجزولية: " قد يحمل الشيئ على مقابله وعلى مقابل مقابله مثال الأول: لم يضرب الرجل حمل الجزم على الجر. ومثال الثاني: اضرب الرجل حمل الجزم فيه الكسر الذي هو مقابل الجر من جهة أن الكسر في البناء مقابل الجر في الإعراب ومثال الثالث: اضرب الرجل جعل السكون فيه على الكسر الذي هو مقابل للجر الذي هو مقابل للجزم والجزم مقابل السكون ".
следующие страницы →