← Тараджим

Тараджим · id 95696

الوسيط في تراجم أدباء شنقيط

أحمد بن الأمين الشنقيطي

Полный текст (580 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

قَبيلَةُ إِدَوْعَلِ عبد الله بن محمد بن عبد الله بن الطالب بن حبيب بن أبيج ينتهي نسبه إلى يحيى العلوي الجد الجامع لأكثر القبيلة في تلك البلاد، يعرف بـ ابن رازكه بكاف معقودة وهي أمه، ويعرف أبوه بمحم وجده بالغاظي (بالظاء والغين المعجمتين تصحيف القاضي) ويعرف أيضا بقاضي البراكنة العالم النحرير، المقدَّم على أهل قطره من غير نكير. كل عن مداه كل جواد، يعترف بذلك الحاضر والباد، وانتشر صيته في تلك الصحارى والأقطار، حتى صار كالشمس في رابعة النهار، وضُرب بفهمه المثل. واستوى في معرفته السهل والجبل. وكان مولده في أرض القبلة، ثم نشأ بها إلى أن ترعرع، فطمحت نفسه إلى العلوم، فاشتغل بها حتى تضلع. وكان ذلك على طريق خرق العادة، إذ مدة طلبه لما نال ليست معتادة. ثم جعل يرجع إلى بلدة تارة والى مسقط رأسه أخرى. ثم طمحت نفسه إلى الأعتاب السلطانية. وكان ذلك في إقبال الدولة العلوية. فاتصل بأمير المؤمنين مولاي إسماعيل ﵀، فحظي عنده. وكان ذلك وقت نبوغ المولى محمد بن مولاي إسماعيل المعروف بالعالم، الذي اشتهر علمُه وفضله فكان من خاصته. وكان يكرمه بما لم يقصر عما يذكر من إكرام الرشيد وأضرابه لمن توجهوا إليه، فكان يفد إليه ثم يرجع إلى بلاده، فإذا تذكر تلك الشمائل العالمية، والأيادي الحاتمية. تتصاغر عنده الصحراء وأهلها، ثم يرجع إلى الحضرة السلطانية. وكان له صديق من الترأرزه، اسمه أعل شنذوره، جد محمد لحبيب الأمير المشهور. وكان تضطهده أبناء رزك، لشوكتهم في ذلك العصر، فأخذه مرة وتوجه به إلى مكناسة الزيتون حرسها الله، ولما قدماها ونزلا عند المولى إسماعيل أكرمهما، وقال سيدي محمد العالم يرحب بهما:

стр. 2

مكناسة الزيتون فخراً أصبحت ... تزهو وترفلُ في ملاءِ أخضرِ فرَحاً بعبدِ الله نجل محمدٍ ... قاضي القضاة ومن ذؤابة مغفرِ ثم ذكرا للسلطان صولة أبناء رزك في أرض القبلة، فأمدهما بمحلة كبيرة وأمر عليها أعل شنذوره، فسار بها إلى أن وصل أرض القبلة، فأباد أبناء رزك ولم يبق إلا مواليهم من ذلك الوقت. ولم يزل سيدي عبد الله يعود إلى ارض المغرب مرة بعد مرة، إلى أن ثار المولى محمد صاحبه بأرض السوس على أخيه، وله فيه قصيدتان جيدتان سأورد ما تذكرت منهما. وكان عبد الله المذكور متفننا في فنون شتى. منها: النحو. والعربية. والبيان. والمنطق. والفقه. والهندسة. والرياضة. والتربيع وغير ذلك، ولم نر من أخذ عليه شيئا إلا ما قيل عن بعضهم، إنه غلطه في فائيته حيث يقول: قفوت بها الشاميّ في الفاءِ موقناً ... بأني وإن دون إدراكه ضعفا قال: لأن الذي تقدمه في هذا الروي واقتفاه، هو ابن هانئ الأندلسي وهو مغربي، فكيف يقول إنه شاميّ، وهذا غير صحيح، لأن الشامي الذي يعني، هو أبو الحسن علي بن أحمد الشامي المغربي، وإنما لقب أبو الحسن هذا بالشامي، لان جده قدم من الشام على حضرة فاس حرسها الله، فاشتهرت بنوه بالنسبة إلى الشام. وأبو الحسن هذا، مات بعد الثلاثين والألف، ويدل عليه أن فائية عبد الله المذكورة في مدح نعال النبي ﷺ ، كما أن قصيدة أبي الحسن الشامي كذلك. أما فائية ابن هانئ المعروف بمتنبي، المغرب فإنه مدح بها جعفر بن عليّ صاحب الزاب. قالوا وأخذ عليه أيضا قوله: ترى عَين الفتى جناتِ عَدْنٍ ... وتُصلى قلبهُ نار الجحيم لأن هذا البيت هو بيت المتنبي: حَشايَ على جمرٍ ذكيّ من الغضى ... وعَينايَ في روضٍ من الحسن ترتع

стр. 3

وهذا غير صحيح، لان قوله جنات عدن، أبلغ من روض من الحسن، ولأن نار الجحيم أحر من جمر الغضى، فاستحق هذا المعنى بما زاد فيه. قالوا وأخذ عليه أيضا قوله - وكان: يقرأ بين يدي المولى إسماعيل أو ابنه مولاي محمد العالم - فقال: الوخيذ بالذال المعجمة، فأرجعه السلطان أو ابنه. فقال: إنه بالذال المعجمة وبالمهملة، فطلب منه شاهدا على ذلك فارتجل: أقولُ لصاحبي لما ارتحلنا ... وأسرَعنا النجائبَ في الوخيذِ تمتّع من لذيذ كلام حورا ... فما بعدَ العشيةِ من لذيذِ وهذا مغالطة منه، والجواب عن هذا أن ذلك يغتفر كما وقع لأبي العباس المبرد فإنه ورد الدينور زائرا لعيسى بن ماهان، فأول ما دخل عليه وقضى سلامه. قال له عيسى: أيها الشيخ! ما الشاة المجثمة التي نهى النبي ﷺ عن أكل لحمها. فقال: هي الشاة القليلة اللبن مثل اللجبة. فقال: هل من شاهد؟ قال نعم، قول الراجز: لم يبق من آل الحميد نسمه ... إلا عنيز لجبة مجثمه فإذا الحاجب يستأذن لأبي حنيفة الدينوري، فلما دخل عليه قال: أيها الشيخ ما الشاة المجثمة التي نهينا عن أكل لحمها؟ فقال: هي التي جثمت على ركبها، وذبحت من خلف قفاها، فقال: كيف تقول ذلك، وهذا شيخ أهل العراق يقول: هي مثل اللجبة، وأنشده الشعر. فقال أبو حنيفة: إيمان البيعة تلزم أبا حنيفة أن كان هذا التفسير سمعه هذا الشيخ أو قرأه، وإن كان هذا الشعر إلا لساعته، هذه فقال أبو العباس: صدق الشيخ، فإنني أنفت أن أرد عليك من العراق، وذكرى ما قد شاع، فأول ما تسألني عنه لا أعرفه، فاستحسن منه هذا الاعتذار. ولعمري أن بيتيه أحسن من بيت أبي العباس عند المنصف. ولنبدأ بقصيدته التي مدح بها نعله ﷺ وهي:

стр. 4

غرام سقى قلبي مدامته صرفا ... ولمّا يقمٍ للعذل عدلا ولا صرفا قضي فيه قاضي الحب بالهجر مذ غدى ... مريضاً بداءِ لا يطبُّ ولا يُشفى نهاريَ نهرٌ بين جَفنيَ والكرى ... وليلىَ بحرٌ مرسَلٌ دونهُ سَجفا جريحُ سهام الحب عاث به الهوى ... فأبدى الذي أبدا وأخفى الذي أخفى توطّنتِ الأشواقُ سوْداَء قلبهُ ... فترفعهُ ظرْفاً وتخفضهُ ظرْفا يحاولُ سلواني الأحبة عُذَّلى ... وهل يجد السلوان مَنْ يفقد الإلفا سهرنا فناموا ثم عابوا جفوننا ... لقد صدقونا المُرهُ لا تشبه الوُطْفا فحسبُ المحبّ الصادقِ الودّ قلبهُ ... جفاء بشكواهُ مرارة ما يخفى وما ضرّ أوصالَ المحبّ مقوّتاً ... رجاء وصال الحب إسناتُها عجفا لئن فاتنا عين الحبيب فإنما ... بآثاره الحسنى اكتفاء من استكفى فإن لم تر النعل الشريفة فانخفض ... لتمثالها واعكف على لثمها عكفا وقف رائماً إشمام ريا عبيرها ... حشاشة نفس ودّعت جسمها وقفا ولا ترض في تقبيل إلف تحبهُ ... إذا أمكن التقبيل ألفاً ولا ضعفا بدت روضة مسكية النشر أوشكت ... لطيب شذاها العين أن تحسد الأنفا أيمكن رس ضمه الفم دونها ... أيملك جفن غضه دونها الطرفا ترد الردى المخشىّ وشْكُ بلائه ... ولولا قضاءٌ سابقٌ ردّت الحتفا وتجلب في سوق التكسب طرْفةً ... وتجنب في مضمارِ نيل العلى طرْفا ورمحاً ردينياً وسهماً مفوَّقاً ... وسيفاً سريجياً وسابغة زَغْفا فشمِّر وأظهرْ كل شرّ تضمهُ ... وإياك والإضمارَ في الشرح والحذفا وحكم لها من هنَّ بالفصلِ حُكَّم ... ثلاثتهن الشرع والعقل والعرفا

стр. 5

مضى سلف في خدمة النعل صالح ... فكن خَلَفاً فيما تعاطوه لا خَلْفا رأوا تلك في الدنيا الدنية قربة ... إلى الله في الأخرى مقربةً زلْفى أرى الشعراء الهائمين تشببوا ... بذكر المحاكي من يحبونه وصفا يُذيعون ذكر البان والحقف ذي النقي ... ويطرون ذات الخشف بالقول والخشفا فها أنا في تمثال نعليك سيدي ... مضيت على التحقيق في الوصف كالأشفا وإني وتوصافي بديع حلاهما ... كمن همَّ بالبحرين يفنيهما غرفا موازي ترابَ النعل بالتبر سائمٌ ... جبال شروري السمَّ أن تزن الزفا أيا من سَقَتْ ألفاً ظماء بنانهُ ... كما وهبت ألفاً كما هزمت ألفا يد سميت في فادح الفقر راحة ... كما سميت في كفها للعدى كفا ومن قام في الإسراء والحشرِ خلَفه ... نبيؤ إله الحق كلهم صفا نبي وقانا صرفيِ الدهر يمنه ... فها نحن لا أزلا نخاف ولا عنفا له مكنة في علم كل خبيئة ... يقيناً ولم يخطط على مُهْرَقٍ حرفا تناهي إليه علم ما كان أودعت ... بنات لبيدٍ بيرَ ذروان والجفا وما في ذراع الشاة مما تعمدت ... يهود ولكن ما أعفّ وما أعفا وما ملكوت العرش عنه مغيباً ... يعاينه والعين نائمة كشفا يجوز عليه النوم شرعا وما سهى ... له قلبه اليقظان قط وما أغفا وما أرضة البيت الحرام تعقبت ... كتاب قريش إذ نفت كل ما ينفي لمولدك الميمون آيٌ شهيرةٌ ... شفت غُلَّةَ الراوين من قولها الشفا وفيما رأت عينا حليمة مذ رأت ... تبنيك هو إلا حظي شفاء من استشفى ولو لم يجبك البدر لما دعوتهُ ... لما شئت لم ينفكُّ نصفين أو نصفا ولم تك أمّ المؤمنين وإن سخت ... لتفنى لولا كيلها ما على الرفا

стр. 6

إلى معجزات أنجم الجوِّ دونها ... نُمُوًّا وحُسناً وارتفاعاً ومُصْطَفا فلا الدهرُ يحصيهنَّ عدًّا ولو غدت ... مداداُ لياليه وأيامه صُحْفا بك الله نادى عالم العقل باليًا ... فأغواهُم عدلا ووفقهم لطفا تأثل منك النجم كيفية الهدى ... وشمس الضحى الإشراق والعنبر العرقا ورشدك ما أبداه فانكشف العمى ... ووجهك ما أبهى وقلبك ما أصفا ونوَّرت أضغان العدوّ موالياً ... عليهم هدى الآيات يشرقن والزحفا ولي فيك عيم ما أن العين ثرة ... حكتها ولا هامى الحيا مثلها وكفا وخد كما تحت المحيط من الثرى ... فآليته لاجف إلا إذا جفا وفكرة حيران الحجا قذفت به ... نَوًى شُطُرٌ من حيث لم يحتسب قذفا وقلب تولى الحب تصوير شكله ... صنوبرة ثم استبد به حلفا فكان سواء عذبه وعذابه ... عليه فما استعفاه قط ولا أعفا وشعر بديع لو حوى الفتح شينه ... تمنت عذارى الحيّ وارده الوحفا فإن لم يكن حق النبيّ فزخرف ... إذا زلزلت للحشر ألفيته كهفا قفوت بها الشاميّ في الفاءِ موقناً ... بأدنى وإن دون إدراكه ضعفا أنا التابع النعّات فيك مؤكداً ... بيانهمُ أرجو به عندك العطفا تخذتك كهفاً دون ما أنا خائفٌ ... فلم أخش في أعقاب حادثة لهفا فرشني ومن راشت يداك جناحه ... يكن آمناً ما عاش من دهره النتفا وأطلق سراحي من ذنوب عظيمة ... تعاظمني إبثاقها ليتني أكفى عيك صلاة الله جمعاء كلها ... وتسليمه ما طاش عقلٌ وما ألفى وآلك والصحب للذين علاهُم ... أقلتهمُ أرضاً أظلتهمُ سقفا

стр. 7

وهذه قصيدة علي بن أحمد الشامي المغربي التي تقدمت الإشارة إليها: دعوا شفة المشتاق من سقمها تشفى ... وترشف من اسآر ترب الهدى رشفا وتلثم تمثالا لنعل كريمةٍ ... بها الدهر يستسقى الغمام ويستشفى ولا تصرفوها عن هواها وسؤْلها ... بعدلكم فالعدل يمنعها الصرفا ولا تعتبوها فالعتاب يزيدها ... هياماً ويسقيها مدام الهوى صرفا جفتها بكتم الدمع بخلا جفونها ... فمن لامها في اللثم فهو لها أجفى لئن حجبت بالبعد عنهم فهذه ... مكارمهم لم تبق ستراً ولا سجفا وإن كان ذاك الحيف ملفى وصالهم ... فها نفحة الإفضال قربت الملفى فحركت الأشواق منا لروضة ... أباح لنا الإسعاد من زهرها قطفا زماناً به موصولنا نال عائداً ... وأكد نعت الوصل من نحوهم عطفا تولى كمثل الطيف أن زارفى الكرى ... وإلا كمثل البرق أن سارع الخطفا ومنها: كأنا وما كنا نحوب منازلا ... يود بها المشتاق لو راهق الحتفا ولم تبصر الأبصار منها محاسنا ... ولم تسمع الآذان من ذكرها هتفا كذاك الليالي لم تحل عن طباعها ... متى واصلت يوما تصل قطعها ألفا فلا عيش لي أرجوه من بعد بعدهم ... وهيهات يرجو العيش من فارق الإلفا ومنها: أيا من نأت عنه ديارُ أحبةٍ ... فمن بعدهم مثلى على الهلك قد أشفى لئن فاتنا وصل بمنزل خيفهم ... فها نفحة من عرفهم للحشا أشفى وهاذيك أنفاس الرياض تنفست ... برياهُم فاستشفينَّ بها تشفى وقل للأولى هاموا اشتياقاً لبابهم ... هلموا لعرف البان نستنشق العرفا فصفحة هذا الطرس أبدت نعالهم ... وصارت له ظرفاً فيا حسنه ظرفاً تعالوا نغالى في مديح علائها ... فرُب غلوٍ لم يعب ربه عُرفا ولله قوم في هوانا تنافسوا ... وقد غرفوا من بحر أمداحها غرفا

стр. 8

وإنا وإن كنا على الكل لم نطق ... نحاول بعض البعض من بعض ما يلفى لئن قبلوا ألفاً نزد نحن بعدهم ... على الألف ما يستغرق الفرد والألفا وإن وصفوا واستغرقوا الوصف حسبنا ... نجيل بروض الحسن من وصفهم طرفا ونقبس من آثارهم قدر وسعنا ... ونركض في مضمار آثارهم طِرْفا ومن مديحها في سيد البشر، الشافع المشفع في المحشر، ﷺ : أُناديك يا خير البرية كلها ... نداء عبيد يرتجى العفو واللطفا وأين محق في هوى حبك الذي ... يفل جيوش الهم أن أقبلت زحفاً وما أنا فيه بالذي قال هازلا ... أليلتنا إذ أرسلت وارداً وحفاً وأشار بهذا إلى قصيدة ابن هانئ الاندلسي، التي تقدمت الإشارة اليها ومطلعها: أليلتنا إذ أرسلت وارداً وحفاً ... وبتنا نرى الجوزاَء في أذنها شنفاً وهي مشهورة فلا نطيل بذكرها، وإنما الغرض تبرئة المترجم من الغلط. وقال أيضا ملغزاً في قوله تعالى (ثم استخرجها من وعاء أخيه) ويخاطب علماء فاس عموما، ويخص العلامة ابن زكري: شيوخ البيان الذائقين حلاوة ... من العلم لم تطعم لغير ذويه سلام من الله السلام ورحمة ... يعمانكم من خامل ونويهِ سؤال غريب دون شنجيط أرضه ... من البعد تيه يتصلن بتيه إذا شبَّه الهادي بها وجه مرشد ... تشابه في عينيه وجه مُتِيهِ قِراهُ لديكم أهْل فاس جوابهُ ... بنص بيان في البيان وجيهِ سما بكمُ علم البيان وحقه ... إذا ما هوى ظن بمختلجيهِ أسائلكم ما سر إظهار ربنا ... تبارك مجداً من وعاءِ أخيهِ فلم يأت عنه منه أو من وعائه ... لأمر دقيق جلّ ثم يخيهِ فإن تك أسرار المعاني خفية ... فمرآتها أفكار كل نبيهِ وأنت ابنَ زكريّ نبيهٌ محقق ... تفرَّدْتَ في الدنيا بغير شبيهِ إذا غصت في بحث حصلت بدره ... وخليت عن سفسافِه ورديهِ

стр. 9

يمدك في إتقان علم تبثه ... قياس أصوليّ ونص فقيهِ وقاك الذي أبداك كالنجم يتقى ... به الغيَّ من يبغي الهدى ويعيه وقد أجاب هذا اللغز، محمد بن سعيد اليدالي الديماني، بقصيدة طويلة. قال في الذهب اقتصرنا منها على محل الفائدة وهو: سؤال بليغ في البيان نبيه ... أديب من أرباب الهدى وذويهِ عليه مدار العصر في العلم سيما ... علوم المعاني وهو قطب رحيه سبوق لدى قيد الشوارد راكب ... من الفهم متنيئ لاحق ووجيه عن السرّ في إتيان ربي بظاهرٍ ... مكان ضمير في وعاء أخيهِ معَمًّى قد أعيا أهل فاس وغيرهم ... فكنا بحمد الله مفتتحيهِ وكلَّفني نصحُ البرية فكّهُ ... فأعْظِمْ بما قد كان كلفنيهِ فقلب وبالله الصَّوَابُ مجاوباً ... له بقياسِ في الأصول وجيه ولكنه صعْبُ المدارك معْسِرٌ ... على ضُعفَاءِ الفهم مُنْتَقَصَيه فهذا بحمد الله إيضاح لُغْزِهِ ... مساوٍ له في بحره ورويهِ فلو قال فرضاً ربنا من وعائه ... فذالكم بعد التفكرِ فيهِ يؤدي إلى عود الضميرِ ليوسفٍ ... فيفسد معناه لمختبريه لأنّ الضميرَ في الصناعة عائد ... لأقرب مذكور هناك يليه وإن قال منه اختل أيضاً لأنه ... يؤدي لعود مضمر لأخيه فتنزع منه الصاع لا من وعائه ... وتأنف من ذا نفس كل نزيه لما في انتزاع من أذىً ومهانةٍ ... ولم يرد الرحمن من ذا بنبيهِ ونص على هذا السيوطي فهاكه ... بوجه بياني ونص فقيه ويعرف هذا الذائقون حلاوة ال ... معاني ومن يدري الهدى ويعيه وفي فضلك اجمع شملنا ربنا كما ... فعلت بيعقوب النبي وبنيهِ وصل على الهادي وسلم وآله ... وأصحابه طرًّا ومتبعيه

стр. 10

وقائل هذا ابن السعيد محمد ... محبُّ النبيَّ المصطفى وسميه وله أيضا يشكو حال بعض علماء وقته: سقى دمن الحي الحيا المتفائض ... وفي وجهه برقٌ من البشرِ وامض يَصُبُّ عليهنّ المياهَ كأنه ... لما دنّس العصران منهن راحض معاهد أرآم الأنيس فأصبحت ... وفيها لأرآم الفضاء مرابض رياض لوى بيض العمائم حزنها ... كما قمِّصَت خضر الملاء الربائض تذكرنا هاتى بتلك تشابهاً ... يبين فيخفيه الشوى والمآبض فتلك التي يغذو صناب وناطف ... وهاتى التي يغذو كباث وبارض أثار الدكارُ العنبرية حبها ... ففاض على الأحشاء والصبر غائض وليل قضينا فيه للأنس حقهُ ... فتمت بما نهوى الأماني الغوائض تدوِّم غربان الدجى فتردها ... إلى الجوحيات الشماع النضائض زمان توانى في المصالح أهله ... وكلهم نحو المفاسد راكض يقولون خير الدين والعلم سعيهم ... وسعيهمُ للدين والعلم هائض عجزت فأظهرت القبول كتابع ... عجوزا يصلى خلفها وهي حائض فلو كنت أرجو الودَّ منهم تواخياً ... وما منهمُ إلا عدُوٌ مباغِضُ لكنت كراج للنوافل حفظها ... لدى مَنْ مضاعاتٌ لديه الفرائض وراج لداءٍ طب من هو مشكل ... عليه مريض الماءِ والمتمارض كما خض ماء الشنّ جرَّا إتائه ... ومُطّلب عنّاهُ أبلق ماخض إلى كم وهذا الجور يبرم حكمهُ ... ولم يتعقبه من العدل ناقض ولم يبق إلا مغمض متباصر ... يخاف أذاه مبصر متغامض

стр. 11

يروح جراب الباطل الفعم جهده ... وما في جراب الحق إلا نفائض على صورة الإنسان غطيت صورة ال ... حمارِ وغطتها الثيابُ الفضافض سأعصى عذولي في السُّرى وهو ناصح ... وأغتشه في نصحه وهو ماحض وتطوى عواصى القفر عيسى بأذرع ... طوال التمشي بالخضم النضائض إلى حيث صيرُ الشرع لا نهج ظاهر ... ولا باطل من حكمه متناقض ومن عد للجُلّى وحملان عِبْئِها ... تأَرَّضَ عنه المُسْتَطيلُ الجُرائض إذا ما اللحى لم تَسْعَ في النفع أهلها ... لأهليهمُ فلتسع فيها المقارِضُ ولىّ حفيّ بالمريد فعذقه ... بجنته والداء أدوءُ نابض يرجيه عند البسط والله باسط ... ويخفيه عند القبض والله قابض وقال أيضا يمدح أبناء أحمد من دامان في أول القصيدة، ثم عاد إلى الغزل، ثم استأنف مدح العلامة محمد كريم الديماني الفاضلي، مجيباً له عن قصيدة مدحه بها لم تحضرني: تخافقت البروق على الغميم ... شفاؤك يا مقيلة أن تشيم مخيّم جيرة شُمّ كرام ... طهارى أوجهٍ بيض وخيم أعزاءُ القنا حيٌّ لَقاحٌ ... يرون الموت في عيش المضيم مُسِيموا الغضْيَبات بكل أرضٍ ... حَماما الخوْفُ غاشيةَ المسيم فوارس يركضون بنات عوج ... أتوا وأتين بالعجب الجسيم حقيقة أن جنس الليث يعدو ... إلى الهيجا على جنس الظليم بُناتُ الرَّيط في الفلوات يبدو ... على الأميال كالرمل العظيم خيام الناسِ لكن كل سجف ... يزاوج بين قسورة وريم سقاةُ الضّيفِ ألبان المهارى ... ومن عادوه بالآن الحميم ففي أسيافهم حنف الأعادي ... وفي راحاتهم كسب العديم

стр. 12

نأوا بخريدة غيداَء رأدٍ ... ونيم للغواني أيُّ نيم طَوتْ كشحِي على جمرٍ تلظى ... غضى طيانةُ الكشح الهضيم أثيثَةُ وحْفِها الحاكي اسوداداً ... وطولا ليل عاشقها السليم يصول إلى مُخلخلها هُوِيًّا ... لينقذه من الحِجْلِ الفصيم ترى عين الفتى جناتِ عدن ... وتُصلى قلبه نار الجحيم قواطع في حشا المصغي إليها ... مقاطع درّ منطقها الرخيم وتسرى في حُشاشته فيحيى ... حميا الكأس في قلب النديم أقرَّ الحُسْنُ ملكا في يديها ... وتيرةَ ذي الأناة المستديم أردتُ وصالها طمعاً فهِمنا ... بأودية الغرام المستهيم وحالت دُونَ رُقباها خيالا ... عوارضُ من عذاب هوىً أليم مُبينةُ خُلْفِ عُرقوب وحقٌّ ... لديها واجبٌ مَطْلُ الغريم ثنا القرطان أذنيها وأصغا ... هما الشنفان للواشي النميم لرِدْفيها وخصْرَيها اختلاف ... رجاجةُ مقعدٍ وضوًى مقيم وأنوارُ الدَّرَاري والزهاوي ... تلاشت في محياها الوسيم رَدَاحٌ فَعْمَةُ اللاذي اليماني ... روى ماَء الشبيبة والنعيم وما أدرى أعارت أم أعيرت ... محاجرها بنات مها الصريم أألبسها الكمالَ كما اكتساهُ ... محمدٌ الكريم بن الكريم إمامٌ بلغت يده المعالي ... محلاً لم تَرُمْهُ يَدا أريم كأنْ قد خُوطبت فيه استقرى ... لديه كيف شاَء ولا تريم يدافع عن حقائق كل مجدٍ ... مدافعة الغيور عن الحريم لآل الفاضل الفضلاءِ أيد ... شددن على عُرى المجد الصميم كُسُوا حُلَلَ التقى الضُّفْيا وأع ... طوا تمام الخُلق والخَلق التميمي

стр. 13

هم الأمثال في الآفاق سارت ... مسير الشمس بالضوء العميم لشرحِهمُ خبايا كل فن ... جهلنا ما البليد من الفهيم فما نخشى الضلال وهم نجومٌ ... ترينا الهدْى في الليل البهيم أئمة حِزْبِ أحمد ما نعيهم ... مكايد حزب إبليس الرجيم سعت في الخدمة الدنيا عليهم ... وهم في خدمة الدين القويم ثِمالُ الناسِ في اللأواء يسلى ... بهم فقدان كلّ أب رحيم جميلٌ ليس معزواً إليهم ... بلا حاءِ ولا دال وميم بيانُ محمدٍ صبحٌ منيرٌ ... فأفحم كل ذي جَدَلٍ خصيم مُجَلَّي حلْبة الأدب المسمى ... مسابقة المبرز باللطيم أبو الطلاّب لا ينفك منهم ... حنانَ الأمِّ بالطفل الفطيم أقول لحاسدٍ رام اعتسافاً ... يسابقه ركبت على مليم تيقظ من كرى حسد مخلٍّ ... شبعت به من البنج المنيم فأمَّ كوالديك بوالديه ... به أمُّ الصراط المستقيم عسيرٌ ما تعالجه فأولى ... علاجك داَء خاطرك السقيم فما ساع إلى مجد بجدٍ ... كمتكل على عظم رميم أترضى ويح أمك ما يؤدِّي ... إلى تعقيب أقضية الحكيم زَعمنك بيننا ملكا مُطاعاً ... لِيهنئكَ الخُرَاجُ بغير جيم ظنناك الزعيم وما صدفْنا ... وفزنا منه بالرجل الزعيم شفى السُّؤَّال إلا حاسديه ... وهل يشفى الزلال غليلَ هيم أسيدىَ العزيز علىَّ قدراً ... رضيتُ له بمسكنة الخديم أخلت فتاك محظوظاً بعلم ... فخفتَ عليه تعلاك الشكيم

стр. 14

أفادك محض وُدِّك فيه ظنَّا ... جميلا صنع ذي قلب سليم فَلِمْ ولديك روض العلم غضًّا ... رعاك الله تُعنى بالهشيم وكائنْ حزت من مرعىَ مريئٍ ... فأيَّةُ حاجةٍ لك بالوخيم وشرٌّ إصابة الدنيا كريما ... إذا ما أحوجته إلى لئيم ينال ابن الكريمة شَرُّ خطب ... ولا يرضى التخلص بالذميم أجلْ درجات أهل العلم شتى ... تناهيها إلى الله العليم لأمرٍ في ازدياد العلم سارت ... إلى الخضر العزيمة بالكليم عدمنا قبل شعرك كون شعر ... قوافيه من الدرّ اليتيم جواب عنه جهد أخ مقل ... جزاء الترب عن تبر فخيم ترى العينان في رشّات مسك ... لأول وهلة شبه الوَنيم فتفصل مِسْك تُبّتَ دون لَبْسٍ ... من الحتيتِ جارِحَةُ الشميم وما العرّارُ كالرئبال بطشاً ... وإن حاكاه في رجع النئيم إليك فأغض جحمرشٌ عجوز ... تقص معالم الزمن القديم لها في اللهو ضرب بعد ضرب ... على آذان أصحاب الرقيم فتاة حين جُرهم استعاذوا ... وطافوا بالمقام وبالحطيم وإذ بكرت على طَسْم جديسٌ ... وإذ خربت ديار بني أمِيمِ وإذ صَليت تميم نار عمرو ... مُضيِف البُرْجُمي إلى تميم هدية عبدك البادي المساوي ... فغطَّ مساويَ العبد الجريم

стр. 15

خدمتُ مقامك الأعلا امتداحاً ... أتيت به على نمط عقيم لشعري منهُ عزاً وارتفاعاً ... نصيب السلك من شرَفِ النظيم ودادك في مشيج دمي ولحمي ... وفي عظمي وفي ضاحي أديم صلاة الله أزكى ما يحيىِّ ... زُجاجةَ ذلك الوجهِ الوسيم مطايا الشوق في قلب المعنى ... إليك الدهرَ عاملةُ الرسيم وفضَّ تحيتيك ختامُ مسك ... يُذيع أريجَه طيب النسيم وقال أيضا يرثي أعمر آكجيل (بكاف معقودة) ابن هد التروزي: هو الموت عضب لا تخون مضاربه ... وحوض زعاف كل من عاش شاربهْ وما الناس إلا واردوه فسابقٌ ... إليه ومسبوق تخِبُّ نجائبهْ يحبُّ الفتى إدراك ما هو راغبٌ ... ويدركه لابد ما هو راهبهْ فكم لابس ثوب الحياة فجاَءه ... على فَجْأَةٍ عادٍ من الموت سالبهْ ولم يقه فرعونَ عونٌ أعده ... ولا مُرْدُ نَمْرُودٍ حمت وأشائبهْ وهل كان أبقى بُخْتَنَصَّر بَخْتُه ... وأنصاره لمَّا تحدّاه واجبهْ فما صان حبراً علمه وكتابه ... ولا ملكا أعلامه وكتائبُهْ ولسنا نسب الدهر فيما يصيبنا ... فلا الدهرُ جاليه ولا هو جالِبُهْ مضى مشرق الأيام حتى إذا انقضتْ ... ليالي أبي حفص تولت غياهِبُه نقيبٌ نسينا كل شيءٍ لرزئهِ ... تُذكرناه كلَّ أن مناقِبُه أناعيَه أرسلت عزلاء مهجتي ... فهادَمها حملاق جفنىَ ساكُبهْ طوى نعيه وعيى فها أنا غائب ... عن الحسّ فيه ذاهل العقل ذاهبه تمكن من نفسي بنفس سماعه ... جوىً فيه كُلّى ذاب قلبي وقالَبُه فلاقيته لقيا شج متعلّلٍ ... بصدق الأماني والأماني كواذبه عزاء حيٍّ عمه الشجو لا يني ... تساوره حياتُه وعقاربُه

стр. 16

أعاتبه فيما أقام ولم يقم ... على حجة المعذور فيما أعاتبهْ أهاذي السحاب الغر وهي مُلثَّةٌ ... بواكيه أم تلك الرعود نواديه تضعضعتِ الدنيا فسلمى رأيته ... لفقد ابن هَدِّ هُدَّ بالهم جانبه فلا حَيَّ إلا وهو أصبح مأتماً ... تداوله أشياخه وكواعبه فقد صح موت المكرمات بموته ... وصرح ناعيه ولوَّح ناعبه إلى أين منْ أيامه العيد كلها ... مآكله مصفوفة ومواكبه دعاه السميع المستجاب وطالما ... دعي الأجفلي والعام أشهب آدبه ألازمه المكتوب أن حل رأبنا ... ولكن نظام العالم انحل كاتبه وما مثل الدنيا وراء خصاله ... بشيءٍ سوى ليل تهاوت كواكبه فيا طِرفه ما كنت كالخيل لا أرى ... سواكَ غداة الهيعة البدُّ راكبه هو السيد الممتد في الناس ذكره ... وفي البُؤْس كفاه وفي البأس قاضبه يلاين مرتاضاً أريباً وينبري ... هزبراً أبا أجرٍ على من يغاضبه فتىً يهب الآلاف عفواً وتنكفي ... مخافته الآلاف حين تحاربه تنوع فيه الناس بوع فكلهم ... إلى كل جنس كامل الوصف ناسبه فللأبحر الراوون أخبار جوده ... وللقمر الراؤون كيف مناصِبُهْ وللأسُد الواعون شدة بأسه ... وما دافعت في كل هيجا مَناكِبُهْ مذاهب من يولى الجزيل ويقتنى ... به الوفرَ مَنْ أعيت عليه مذاهبه يجد فيفنى من يناوي مهابَةً ... ويجدي ويفني من يوالي مواهبه علانية يأتمه الجم وارداً ... فيضربه أو مارداً فيضاربه يناجى بما في نفس عافيه قلبه ... فيتحفه ما فيه نيطت مآربه

стр. 17

أبا فَضْلُهُ الحذّاقَ أن يحذقوا به ... فلا اليد تحصيه ولا الفم حاسبه فلم يغنه المجد الذي هو حائز ... تراثاً عن المجد الذي هو كاسبه علا حزمه من طبعه متعقب ... يباعده الأمر الملوم مقاربه فما سَدُّه مستأنساً ما يريبه ... محاكيه السد الذي شادَ ماربه معاطفه ما ضقن ذرعا بحادث ... جليل وإن كانت تخاف مَعَاطبه إمامُ نديً في جامع المجدِ راتبٌ ... تحيل القضايا أن تنال مراتبه منّور مرآت الفؤادِ مَوفّقٌ ... تراءى له من كل أمر عواقبه تفرِّق ما يكفي البرِيَّة كفُه ... وتجمع من فوق التراب ترائبه نسوجٌ على منوال ما كان ناسجاً ... على ذكره من عهد يحيى عناكبه على يده الطولى تقمَّصت مِطرفا ... من العز والإثراء ها أنا ساحبه أيجتمع البحران إلا إذا رسا ... سفينٌ مدنّات إليه قواربه يحكمه ربَّاته في نفيسها ... ويدعوه فيما يصطفى فيجاوبه فيصدر ركبا بعد ركب ثقيلة ... بما وهبت تلك اليمين ركائبه فنبصره عذبا فراتا غطمطما ... يذِلُّ له حقو الاجاج وغاربه تزاحم في بث الجميل تسابقاً ... إلى شكره أفواهه وحقائِبُهْ إلى بابه في كل تيهاَء منهج ... يؤدي إليه طالبَ العرف لاحبُهْ عجبتُ لأيدٍ كيف وارت بمضجع ... غمام أيادٍ يوعبُ الأرض صائِبُهْ سقى الله قبراً ضمُه وبلَ رحمةٍ ... من الرَّوح والرَّيحان تهمى سحائبه وأوفض في وحش التراب بروحهِ ... إلى حيث أترابُ الجنانِ تلاعبه فصاحب علىَّ الصبرَ فيه وآخِه ... فمحمودة عقبي من الصبر صاحبه

стр. 18

فما حان حتى بان منك سميذع ... يجاريه في ميدانه ويجاذبه هو الفاعل الخيرات قدِّر حتفه ... فثق بوجوب الرفع إنك نائبه تبارَيتما بدرين في أفُقِ العُلا ... وقد سُرَّ باديه وأحْزَنَ غائبه وما قلدوك الأمر إلا تيقناً ... لإدراكك الأمر الذي أنت طالبه فقم راشداً واقصد عدوَّك واثقاً ... بفتحكه إذ همُّ خوفك ناصبه فيؤيدكَ الله الذي هو باسط ... يديك فمغلوب به من تغالبه فلا يَثْنِكَ الحساد عما تشاؤه ... فلن يمنع الحساد ما الله واهبه فأموالهم ما أنت بالسَّيْنِ واهبٌ ... وأعمارهم ما أنت بالسيف ناهبه كما لك يا إنسان عين زمانه ... تكنفه حفظ من الله حاجبه وقال أيضا يرثي العلامة أحمد بن يوسف البوحسني: هو الأجل الموقوت لا يتخلّفُ ... وليس يرد الفائتَ المتأسِفُّ رضينا قضاء الله ﷻ ... وإن ضَلَّ فيه الجاهلُ المتعَسِفُّ هو الحق يحزينا ثواب صنيعه ... وننفق من خيراته وهو يُخْلِفُ يعافى ويعفو عن كثير ولم يزل ... حليما وما زلنا نسئُ ونسرِفُ فكيف يؤدّى حمدَهُ حق حمدِه ... كما ينبغي مجداً لِسانٌ وأحرفُ إلهي عجزنا دون ما أنت أهله ... وخفنا ونرجو ما لديك ونرجفُ أشارت يد الدنيا بتوديع أهلها ... وكدنا نرى الأشراطَ والله يلطف رجوناك مِفضالا وخفناك عادلا ... فهب ما نرجِّى واكف ما نتخوّف هي الجسر للأخرى فِسر ضيف ليلة ... عليها فكلْ ما تْستضاف وتعلَفُ تكلفنا أشياَء لا نستطيعها ... ونعلق فيها بالمحال ونكلفُ فأما هوانا طولها فلأَنفس ... شديد عليها ترك ما كان تألفُ

стр. 19

تصرَّفت الهوجاء فينا على عَمًى ... فلا غرض تبغيه فيما تصرف وما ذاك إلا أنها جد كلبة ... وما طبعت إلا على الكلب تصرفُ يبشُّ محياها إلى كل ناقص ... وتعْبِس في وجه الكريم وتصدفُ وليس يفي فيما يفيدُ سرُورها ... بأحْزانها فيما تبيد وتتلفُ فلا ترضها جمعاَء كتعاء جملةً ... تحلّةَ ما تولى عليه وتحلفُ ولا دار سكنى وهي قصرٌ مُشَيَّدٌ ... فكيف وهذا قاعُهَا وهي صفصفُ وما الزهدُ في إلغَائها وهي علقمٌ ... زعاقٌ ولكن وهْيَ صهباء قرقفُ مضت غير ما سوف على زَرَجُونها ... ولكن على مثل ابن يوسف يؤسف فتانا ومفتينا المصيب وشيخنا ... ونبراسنا فيما يهم ويسدف يعاين أعقاب الأمور فراسة ... إياسيه تلقى إليه وتهتفُ وتسمع عنه بالعجيب وما ترى ... بأحسن مما كان يروى وأظرفُ تهم قلوب الحاسدين بغمصه ... فتسبقهم أفواههم فتشرِّفُ بصيرٌ بحل المشكلات كأنما ... يكاشف عن أسرارها ثم يكشفُ حكيمٌ تلاشى فيه سَحبان وائلٍ ... وقس وأفعى الجرهمي وقِلطفُ ورسْطا وقسْطا وابن سينا وهُرْمِسٌ ... وإقليدس ذو الجوسقين وأسقفُ

стр. 20

غمامٌ بماءْ المزن ينهل مزنه ... وبحر بأصداف المكارم يقذفُ تملك أطراف القضاء وفقهه ... وما هو إلا مالك أو مطرفُ تخاطبنا كبرى ابن يوسف عنده ... دعوا كثرة الآراءِ هذا المصنفُ درى في اللغَى والنحو ما شاَء في الصبّا ... فشبَّ على تحقيقه يتفلسَفُ يجوّدُ آيات الكتاب فصدرُه ... لِمَجْموع ذي النورين عثمانَ مصحفُ عواطل آذان من العلم لم يكن ... يقرّطها تدريسه ويشنفُ يفسرُه تفسير حبر موفق ... يسنى له فيض العلوم فيغرفُ نضت جودها في كفّهِ كفُّ حاتم ... وزرَّ عليه جبة الحلم أحنفُ أشَمُّ المعالي همه وهو همها ... ويشغف فيها مثل ما فيه تشغفُ قَصرن عليه الطَّرف وهو كأنما ... برؤيا سواها كان يقذى ويطرفُ وما كنت أدرى قبله الموت زعزعا ... يدك جوديّ المعالي وينسفُ ولا حاجياً أن يستهلَّ ابن ليلة ... على الناس بدراً كاملا ثم يكسفُ توغلت سجن الهم فاصبره حسبة ... يجازيك من مجزيِّ يوسفَ يوسفُ أراد بك الله التي هي عنده ... أحَظُّ وأحظى بالمفاز وأشرفُ ولو أن آثام البرية كِفَّةٌ ... لخفت بما فيها ثوابك يصرفُ وبَخْ بَخْ وبشّرِ أمّ أحمد بالذي ... يثنى لها من أجرها ويضعّفُ فلا تجزعا يا ولديه فربه ... برُّ به من والديه وأرأفُ وخلى ومن أصفيت ودي ومن به ... أقيم اعوجاجي كله وأَثَقّفُ وأفرشتني شوك القتاد وإنما ... فراشاك في الفردوس لاذٍ ورفرفُ وجازاك عنها خير خير يناله ... ويُجْزَى به الدَّيانة المتحنِفُ وخلَّي لمولاه الحضيضَ وأهلَه ... فليس له إلا إليه التشوّفُ وتعزوه للأحداث سن صغيرة ... ويعزوه للأشياخ علم يؤلفُ

стр. 21

تعجبت من تقديمه عند عدهم ... وهم وهو عقد السؤدد المحض نيفُ تغلغل في علم التصوّف آخذاً ... على نفسه دون الحظوظ التصوفُ وأدناك إذ لم ترض نفسك حية ... بما ليس يدنى من رضاه ويزلفُ وغل لساني فيك ما غمّ خاطري ... فها أنا أرسو في الكلام وأرسفُ ولم أقض أدنى حقه غير أنني ... أبهرج في تأبينه وأزخرفُ رثاه الذي لا يسخط اللهَ قولُهُ ... ويحزن منه القلب والعين تذرفُ تمنيت ولو أعطيت في القول بَسْطة ... فأهتف فيه بالذي أنا أعرفُ نعم كيف يفْنى غارف متحفِّنٌ ... بغرفته البحر المحيط وينزفُ له شيمٌ مثل النجوم عديدة ... فمنهن موصوفٌ وما ليس يوصفُ وغايات سبق في الكمالات تنتهي ... جياد القوافي دونهن وتوقفُ وقال أيضا يمدح سيدي محمد بن مولاي إسماعيل الذي اشتهر فضله بين الخاصة والعامة (ومن أراد أن يقف على بعض مآثره فلينظر في كتاب الاستقصا، ومن سمع ما ترويه مشايخ الصحراء علم إنه ما استقصى): دع العيس والبيداء تذرعها شطحا ... وسِمْها بحورَ الآل تسبحها سبحا ولا ترعها إلا الذميل فطالما ... رعت ناضر القيصوم والشيح والطلحا ولا تصغ للناهين فيما نويته ... وخف حيث يخفى الغش من يظهر النصحا فكن قمراً يفْرى الدجى كل ليلة ... ولا تك كالقمريّ يستعذب الصدحا وقارض هموم النفس بالسير والسرى ... على ثقة بالله في نيلك الربحا وأمّ بساط ابن الشريف محمد ... مبيد العدا ذكرا ومبدي الهدى صبحا فتى يسع الدنيا كما هي صدره ... فأضحى به صدر الديانة مندَحّا ومن هو غيث أخضل الأرض روضه ... فلا يظمأ الآوي إليه ولا يضحى فتى يستقل البحر جود بنانه ... على حالة استكثار حاتم الرشحا تزيد على الفاقات فيضات كفه ... فيغرق في التيار من يأمل النضحا

стр. 22

وَمنْ هديه ساوى النهار وليله ... فأمسى ينير الخافقين كما أضحى أميرٌ ملوك الكفر أضحت بسيفه ... كما تتبغّى الذبح في عيدها الأضحى مساعيه في الخطب الجليل يرومه ... كآمال من يرجوه تستصْحب النجحا صفات كدُرِّ البحر صفواً ولجه ... حساباً فمن تأتى على مائه نزحا وآيات علم أغمد الجهل نورها ... وغايات جد ليس تطلابها مزْحا وكَفٌّ تُرى وكْف الحيا كيف ينهمي ... إلى خُلْق يرى نسيم الصبا النفحا وبشرُ محيا علَّم الصبح ما السنا ... وقبض أرى النار التأجُّجَ واللفْحا وتأليفه أشتَات كل فضيلة ... ومكرمة غراء تعجزنا شرحا ومنها: أبوك لحكم الشرع ولاّك عهده ... فلم تلق كدًّا للسؤال ولا كدحا وأعطاكه إذ ليس غيرك أهله ... وللعقل نور ميز الحسن والقبحا كفى باتخاذ المال في القصد يمنه ... فلسنا نخط الرمل أو نضرب القِدْحا مهيب مخوف بطشه تحت حلمه ... عفوٌّ يرى إلا عن الباطل الصفحا فهل كان معزوا إلى الحلم قبله ... نعم أو كريم يَدَّعِى غيره السمحا فأقدم حتى فارق الجبن صافرٌ ... وجاد إلى أن عاف مادِرٌ الشحا ولم تُذْعِنِ الأعداء محض مودَّة ... إليه ولكن إنما كرهوا القرحا رأوا ضيغما يعطى الحروب حقوقها ... وإن تضع الأوزار يُبْرِمْ لها صلحا ويستغرق الأوقات في الجد كلها ... ولا يهب التَّلعاب ما يسع اللمحا مواصلة حبل الجهاد جياده ... ووقفا على غزو العدا عدوها ضبْحا معادية مُعْطىً بالحياة منية ... وبالجنة الأخرى وبالسُّنْدس المُسْحَا أبي ابن أمير المؤمنين وسيفه ... وصمصامه أن يرفع الضرب والنطحا تشابهه خَلْقا وخُلْقا فسامه ... إلى الفلك الأعلى فإنك لا تلجا

стр. 23

تهندست العليا فأحرزت جسمها ... لإحرازك النقطات والخط والسَّطْحا ومنها: فأعطيتني الأعيان والعين والكسى ... وبيض الظبا والنوق والخيل والطلحا فخذها ابنةَ الحاء التي الحمد مبتدأ ... لها وبها خلاّقها كمل المدحا وقال يمدحه أيضا: أثار الهوى سجع الحمام المغَرد ... وأَرَّقني الطيف الذي لم أطِرّدِ ومسرى نسيم من أكَيْناف حائل ... وبرق سقى هاميه برقة ثهْمِدِ وذكر التي بالقلب خيَّم حبها ... وألبسني شوقا علالة مكمد فبت أقاسي ليلة نابغيَّة ... تعرفني هم السليم المُسَهَّدِ طويلة أذيال الدجى دب نجمها ... إلى الغرب مشْىَ الحائر المتردِّدِ ويزعج وُرَّاد الكرى دون مقلتي ... بُعُوث غرامٍ من لدنْ أم مَعْبَدِ بنفسيَ عرقوبية الوعد ما نوت ... وإن حلفت قط الوفاء بموعدِ تردُّ إلى دين الصبابة والهوى ... فؤاد الحليم الراهب المُتَعَبِّدِ وتقصد في قتل الأحبة قربة ... بشرعة ديان الهوى المتأكّد سبتني فقبَّلت الثرى متخلصا ... أمام امتداح ابن الشريف محمد هو الوارث الفضلَ النبيئيَّ خالصا ... من المجد والعليا ومن طيب مَحتِدِ بمال اليتامى والأيامى موكلٌ ... بتفريج غماءِ الشجيّ المكمدِ وضاع أكثرها من حفظي. وله أيضا: يَتَفَيْهَقُ الغمر المغمر مُسْهَباً ... والمِصْقَعُ العِدُّ القريحة موجزُ كالوعد يقوى المخلفون بحمله ... ويهاب عهدةَ عقده مَنْ يُنْجِزُ وله أيضا: إلى الله أشكو طوع نفسيَ للهوى ... وإسرافها في غيها وعيوبَها

стр. 24

إذا سقتُها للصالحات تَقَعَّسَتْ ... ودبَّتْ على كره إليها دبِيبَها وتشتد نحو الموبقات نشيطة ... إذا فاوقتها الريحُ فاقت هبوبَها وما هي إلا كالفراشة إنها ... ترى النار ناراً ثم تصلى لهيبَها ومن بديع قوله: ألا إني خليلك يا حويري ... ومبسمك المُبَرِّدِ للغليل فقولي للنحاة حمايَ عنه ... دعوا بين المبرد والخليل وسواء فتحت راء المبرد أو كسرتها كما ضبط بالوجهين. ومما أنشدني له العلامة أستاذنا المختار بن ألما الديماني رحمه الله تعالى من أبيات: إذا جلت فكراً في العلوم عويصها ... ومادت به الأفراح كل مميدِ تصاغرت الدنيا لدىّ وأهلها ... وجئتُ بما يشفى غليل مريدِ ونلتُ لذيذ العلم بالذوق وحده ... وكل لذيذ غيره كهبيدِ هذا ما علق في الخاطر من شعره ومحاضراته، سوى قصيدة ستأتي في ترجمة اليدالي ولم ننقل شيئا من الغرائب التي تتداولها العامة من أخباره لعدم صحتها. وكان رحمه الله تعالى موجودا في صدر القرن الثاني عشر. حرم بن عبد الجليل العلوي ويقال له حرمة الله وحرمة الرحمن بن الحاج ابن سيدي الحسن بن القاضي، يجتمع فيه مع الذي قبله علامة عصره. وأعجوبة دهره. جدَّ واجتهد حتى ظفر بمناه، وأقام بمدينة شنقيط وآطار لطلب العلم. وكان أبوه من أمثل قبيلته يقطن أرض القبلة، فلما تأخرت عنه المؤونة لقلة القادمين، كتب إلى أهله يعرض لهم، بأن كثرة مالهم لم يحصل منها على طائل في وقت الحاجة إليه فقال: عليكم سلام مارست ضمُّ يذبل ... وما جال ذكر الزاد في قلب مرمل وما انشرحت نفس امرئٍ متغرب ... لثوب قشيب ناله بعدَ مسمل

стр. 25

وبعد فبرق خلب متألق ... على البعد لم تمرع به أرض ممحل ومن لا يغادر ثلمة في المَنِيل لا ... يسدُّ جداه ثلمة المتنوّل ويحكى عنه من الاجتهاد في طلب العلم، وتحمل المشاق والصبر، شيء عجيب. ومن شعره في جواب أبيات لمحمد بن الطلبة اليعقوبي، يسأله إعارة كتاب التبصرة لابن فرحون. يا ابن المشايخ والأشياخ أسلافه ... جزاء من يسعف العافين إسعافُهْ لكنَّ تبصرة الحُكَّام مَبْخَلَةٌ ... ولؤلؤ وسواد القلب أصدافُهْ ومن أعار سواد القلب أتلفه ... لكن يهون علينا فيك إتلافُهْ ومن أشهر مشايخه المختار بن بون، وكان عليه اعتماده من كل طلبته، ولم يحمل عنه أحد من علمه ما حمل، وكان يساعده في نظم التسهيل حتى إنه قال: لو أخذت ما يخصني لم يبق منه ما يسمى به. وكان حرمة الله هذا ﵀، من عجائب الدهر، ولما تضلع من ابن بون، جلس لإفادة الناس، وضربت إليه أكباد الإبل، وانتفع به خلق كثير، ولم يبلغ أحد من تلامذته مبلغ الشيخ سيدي ومحنض بن سيدي عبد الله الشقروي، وكانت له اليد الطولى في جميع العلوم. أما النحو فاشتهر به بعد ابن بون. وأما الفقه فكان المرجع فيه إليه أيضا، ويدل على تفننه قوله، وقد مر بربع خلا كانوا يطلبون العلم فيه على بن بون: دمن دعتك إلى القريض فإن تجب ... فلمثلها يهدى القريض ويندبُ وإذا سكتّ عن الجواب لشِرَّةٍ ... فاضت فذاك من الإجابة أصوبُ أما النسيبُ فلا يسوغك ذكرهُ ... عصر التعلم والمشايخ يعذبُ كنا مع البونيِّ في عرصاتها ... هالات بدر لم يشبها غيهبُ فيها تجمَّعَ سيبويهِ ويوسفٌ ... والكاتبي والأشعريّ وأشهبُ شاقتك أطلال يَلِين لهم وما ... شاقتك سعدى إذ نأتْكَ وزينبُ

стр. 26

ومن عجيب أمره، إنه لما كبر أصيب ببصره، فكان لا يميز الناس ولا الدواب ولكنه يقرأ الكتب، وقد حدثني عمنا العلامة البركة مأمون، إنه كان يكتفي في الليل بضوء قليل يقرأ الكتب عليه، وهذا شائع هناك. وله شواهد منها قول العلامة باب الآتي يرثيه من منظومة: أغناه نور القلب عن نور البصر ... يطالع الكتب ولا يرى البشر وقال ابن عيد الجكني يخاطبه ويشكو إليه ناسا من أقاربه هجوه: يا حرمة الله يا نبراس ذي العُصُرى ... يا من بصيرته أغنت عن البصرِ ماذا تقول لمن أمسى يخاطرني ... من خاطر البزل لم يسلم من الخطرِ وكان مع علمه وصلاحه يجيد النسيب. ومن بديع قوله: إلى متى تظهرُ السلوان والفكرُ ... تعلو بقلبك أحياناً وتنحدرُ ما أنت أوّل من أفنى تجلده ... وصبره دعج العينين والحورُ ولو مرّ أهيفُ مجدولٌ على حجر ... صبا له أن رآه ذلك الحجرُ هيف الخصور خدال السُّوق قد صرعت ... قَيساً وقِيساً وغيلانا وما انتصروا جرَّ عن عروة كأس الموت قبلهم ... وقال فيهنَّ ما قد قاله عمرُ عراك منذ شهور ما ألمَّ بهم ... رِدْ مثل ما ردوا واصدر كما صدروا لا يصدر الطرف عن جيدا منعمة ... إلا امرؤ لم يكن في وجهه بصرُ واجعل سريرك رحلا فوق يعملة ... من شدة الخطو لا يبدو لها أثرُ ساير براحا عليها كل هاجرة ... وأدلج كما تدلج الجوزاءُ والقمرُ حتى تُؤَوِّب غزلاناً تسامرها ... يا حبذا تلكم الغزلان والسمرُ إن شاكلت كل خضر أدمنة زَهَراً ... يا حبذا الدمن اللاتي بها الخضرُ ماذا تضرُّ عروقٌ غير طيبة ... أن طاب للمجتني أثمارها الثمرُ

стр. 27

ومن جيد نظمه: لقد عادني ما خلته غير عائدي ... بساسية الأنساب في حيي عائدِ ضنَى من هواها واصلي وهي لم تصل ... ولابد للموصول من عود عائد وقال أيضا في حرب أهل شنقيط وأهل وادان: إذا الدهر بالمكروه سامك فاصبرا ... ولا تجزعن منه أقلَّ أو أكثرا فما دام شجو لامرئٍ أو مسرَّة ... أرى الدهر من هذا وهذاك أكثرا لقد كنت أحجو الهجر أكبر فاجع ... فألفيته من أصغر البين أصغرا أرى البين عن ساقيه أضحى مشمرا ... وشجوك لما شمر البين شمرا وليس يرد الحزن مَنْ شط ولْيُها ... فأقصر عن الأحزان أن كنت مقصرا تغيرت أحوالا كما أن رسمها ... وحق له من بعدها قد تغيرا غداً رائح الأرواح والمغتدى به ... إذاً بدلا منه أصمَّ أو أعورا ومنها: تقول وقد أضمرت ما بي أن رتضى ... هوى لم يزل في مضمر القلب مضمراً فقلت لها أضحى وأصبح أمرهُ ... من الشمس أو من فتح وادان أظهرا أقرّ بذاك الفتح من كان منكراً ... له وغدا من كان يخفيه مظهرا وأدلج إدلاجاً به كل راكب ... على رغم أنف الحاسدين وهجّرا فصير في الآفاق أمر وقائع ... تطيل إذا فكرت فيها التفكرا دعا عاجل الآجال للحين معشرا ... بوادان لن يدعى مدى الدهر معشرا فشنجيط ظنوا هدمه متبسرا ... فألفوه من إحياء كبَّادِ أعسرا كأنهم لم يعرفوا بأس أهله ... ولو سألوا بان أمُّ والمسك أخبرا

стр. 28

لئن وردت شنجيط يوماً ظماؤهم ... لقد شربوا زعقاً من الموت أكدرا وكان لهم شر الموَاردِ موْرِداً ... وكان لهم شرُّ المصادرِ مصدرا همُ حزب الأحزابَ من كل جانب ... كما حَزّبت أحزابها أهلُ خيبرا أتوا بالرعايا ينشرون وعيدهم ... فصاروا على البطحاء لحماً منشرا وفاض أتىٌّ من نجيعِ دمائهم ... به شجر البطحاءِ أصبح مثمرا ومنها: غدت كنتَ تقضى دونهم ما ينوبهم ... من الأمر كانوا غائبين وحُضّرا أتوا بخميس لم نكن خمس خمسه ... فقل فيه لو ساواه أو كان أكثرا وأقبل من آكان جند لنصرهم ... وقد فرَّعنه النصر إذ فرَّ مذعَرا فمن كرًّ منهم قد تكسر عمرُه ... ومن فرَّ منهم صبره قد تكسرا نجا مذعراً مما رأت عينه وما ... نجا من نجا من مأزِقِ الحرب مذعرا إذا هو في المرآة أبصرَ وجههُ ... توهم وجه القِرن ما كان أبصرا وإن نام لو حفته منه عساكرٌ ... رأى مشرفياً فوق فوديه أحمرا بدا إذ رأى ما قد رآه تواضعٌ ... لمن كان منهم طاغياً متكبرا فقال زعيم القوم أصبحت راضياً ... بما كان في أمر القديرِ مقدّرا فنالوا إذاً عبداً ببعض دمائهم ... ونيما وتنُّورَيْن والبعض أهدرا دمٌ أهدرتهُ سادة علوية ... وما كان فيهم مثل ذلك منكرا وما استنصروا غير الصوارم ناصرا ... وأغنتهم عمن أتى متنصرا يخوضون يوم الروع في لجج الردى ... لأنّ منالَ العز فيهنّ أبحرا يسابق عَزْرائيلَ وقعُ سيوفهم ... إذا ما مُحَيَّا الحرب أصبح مسفرا فكم مشهد في الحرب يثنى عليهمُ وكم معشر من بأسهم كان أزورا تراهم وليس الدهرُ إلا نوائباً ... إذا كبرت تلك النوائب أكبرا

стр. 29

سما للمعالي من تقدَّم منهم ... ويسمو على آثاره من تأخرا مآثرهم حَلْيُ الزمان لو إنه ... على صورة الإنسان كان مصوّرا فكم من فتى منهم يروقك علمه ... ويهزم من أنجاد وادان عسكرا ويجعل في إحدى يديه مهندا ... طريراً وفي الأخرى كتاباً مطرَّرا يحب الردى يوم الوغى فكأنه ... إذا مات فيه لا يزال معمَّرا بطرفك فانظر كَيْ ترى بعض مجدهم ... إذا أنت عن إدراكه كنت مُقْصرا وأنت ترى كيف نزه شعره عن هجو أعدائه مع ظفر قومه. وله من أبيات يخاطب فيها العلامة بُلاَّ بن مكبد الشقروى، وكان مدحه بقصيدة فأطال غزلها، ثم نال من ابن أحمد دام، وسأذكرهما في موضعهما أن شاء الله تعالى: دع التطويل في ذكر الغواني ... ودع عنك البكاء على المغان أسن الدهر عن هذا فقصِّرْ ... عنان الشوق وأنن من العنان فإن المرَء يحسن في زمانٍ ... عليه ما يشنَّع في زمان ووقعت بينه وبين ابن عمه باب الآتي، مناظرات ومشاعرات في مسائل فقهية، ومع محنض بابه الديماني. وكنت أظنه ممن أدرك المائة الثالثة عشرة، فوجدت في رسالة للعلامة ولى الله، سيدي أحمد بن محمد الآتي، يخاطب فيها العلامة الحارث بن محنض ما نصه: (وقبولك لكلام الدسوقي، وهو ووالدك متعاصران منه أقدم، لأنه ينقل في حاشيته عن الأمير، من غير سماع منه، معبرا عنه بخاتمة المحققين، والأمير وحرم ولدا في عام واحد، فقد قال في مجموعه: شرعت فيه وأنا ابن إحدى وعشرين سنة في القرن الثاني عشر، ثم تم تبيضه سنة ست وستين ومائة وألف، وحرم مات عام ثلاث وأربعين قبل لمليح بأربعة أعوام، وهو شيخ والدك، فهلا نقلت عن والدك) انتهى.

стр. 30

وهذا لا ينافى ما كنت أعتقده، بل لنا قرائن كثيرة، تدل على إنه كان في القرن الثالث عشر، منها أن لمليح الذي أرخ به، نعرف من أدركه، وهو رجل كان موجودا من نحو خمس عشرة سنة. فذلك دليل على أن لمليح كان في القرن الثالث عشر، ومنها أن الشيخ سيدي الآتي بعده، كان معاصرا لصاحب الترجمة، وقرأ عليه، وقد مات الشيخ سيدي في حدود سبع وسبعين أو نحو ذلك من القرن الثالث عشرا. محمد بن سيدي عبد الله بن الفغ سيدي أحمد بن محمد بن القاضي المتقدم العلوي. كان وحيدا في العلم والصلاح، وله اليد الطولى في العربية والفقه والبلاغة وغير ذلك. وكان غاية في جودة الشعر، ولولا ما هو متصف به من العبادة والاشتغال بطريق الصوفية، ما اشتهر في قطره أحد سواه بالشعر، ولولا دفاعه عن الصوفية لم ينظم بيتا واحدا. كان لا يشتغل بما لا يعنيه، جواداً يعطى الناس ولا يأخذ منهم، وهو شيخ طريق، والمعتمد عنده الكتاب والسنة. وقال سيدي العربي بن السايح، في كتاب البغية في ترجمة التيجاني بن باب العلوي: وأخذ الطريقة عن العلامة الأوحد الفاضل الأمجد، أبي عبد الله سيدي محمد المدعو مُحمد الملقب بالخليفة، لقيامه بالخلافة في إعطاء الطريق، بعد وفاة شيخه سيدي محمد الحافظ ﵁، وله خمسة جدود، كل واحد منهم أعلم أهل زمانه وهم: أبوه سيدي عبد الله بن سيدي أحمد الفغ بن سيدي محمد بن سيدي عبد الله المعروف بالقاضي، وهو الذي تقدم لنا إنه قرأ على الشيخ على الأجهوري انتهى المراد منه. وهذا صحيح، غير أن قوله سيدي أحمد الفغ، فيه تقديم وتأخير إذ الصحيح الفغ سيدي أحمد. وقال في أناس مخصوصين: وارْثُ أن كنت راثياً لأناس ... فتنوا ليس فيهمُ من رشيدِ

стр. 31

أصبحوا بعد نورهْم وهداهم ... حسبنا الله في الضلال البعيد مثل القوم إذ تولوا سراعا ... عن طريقٍ معبَّدٍ معهودِ مثلُ ظمآن سار حتى إذا ما ... كان من منهل قريب الورود رجع القهقهري يأُمُّ الفيافي ... تائهاً نائياً عن المقصود أو كصبٍّ رجا وِصالَ حبيبٍ ... بعد حرص على اللقاء شديد منعت وصله مقالةُ واشٍ ... تركت حِبَّه مديمَ الصُّدود أو كراءُ شمس الظَهيرةِ صَحْواً ... قام يسعى لدرْك أمر نكيد بينما هوَّ مبصرٌ قال أعمى ... إنه الليل مال للتقليد صاح من يرتددْ على عقبيه ... معرضاً عن وفائه بالعهود لم يضر غيره فنقض عهود الق ... قوم في الله بالمعاهد مود وأهل الخبرة بالشعر، يفضلونه على ابنه الآتي بعد، وإنما فضل ابنه عليه عند أكثر الناس لكثرة شعره، غير أن والده شغلته العبادة وإفادة الناس، مع ما كان متصفا به من التصوف الحقيقي، وكفاه شاهدا، أن نابغة قطره وجرير عصره، إدييج المشهور، هاجى كثيرا من فطاحل تلك البلاد فظهر عليهم، حتى تصدى للشيخ سيدي أحمد التجاني ومريديه، فشمر له عن ساعده وقاومه مقاومة شديدة. والناس مختلفون منهم من يقول: أن محمد ظهر عليه، ومنهم من يقول: تكافأ، أما العكس فلم أر من قال به. ومن بديع قوله فيه من قصيدة: ادييج إذ صار كالعصفور صال على ... باز حديد شبا منقاره قرم أو كالضفادع في أحشاء ذي زبد ... نَقَّتْ فصال عليها سالِخُ الرُّقْم وله فيه أيضا، من قصيدة: وإني لحسان الطريق وأهلها ... أزوُدُ أبا جهل النكيرِ وأوزجرُ أقيس ذراعاً كلما قاس إصبعاً ... أخب إذا يعي عليهم وأحضرُ

стр. 32

ووقعت بينهما أشعار كثيرة، لم يقع لي بها اعتناء. وفي البغية، لسيدي العربي ابن السائح بعد كلامه السابق: وكان لهذا السيد على ما أخبرني به الناظم - يعني التجابي ابن باب الآتي - باع في العلوم، وله في مدح شيخه الحافظ، ومولانا الشيخ ﵁، قصائد كثيرة. وكان يقال له حسان الطريق، لقوله في قصيدة يمدح بها الشيخ ﵁، ويرد على المنتقدين على أهل طريقتنا: وإني لحسان الطريق وأهلها البيت المتقدم. وله أيضا يسلم على أهل تيشيت: سلامٌ كعُرْف الروض غبَّ وكِيفِ ... وإلاّ فنخلٌ آذنتْ بقطُوفِ وإلاّ فطعمُ الرَّاح مسك مزاجه ... يعُمكمْ مِنْ طالبٍ وشريف وكلِّ أخ ليست بتيشيتَ داره ... وكل صميم منكم وحليفِ سلامُ محبٍّ ليس ينسى ودادَ كم ... على حين ينسى الودَّ كلُّ أسيفِ أخَلّى لجمع الشمل بيني وبينكم ... بلادي وأعطى تالدي وطريفي فكم بكِ يا تيشيتَ من ذي بلاغةٍ ... أديبٍ فصيحٍ في المقال طريفِ يغوص ببحر الشعرِ يخرج دُرَّهُ ... بسيط طويل كامل وخفيفِ له وافرٌ من حمظهِ متقاربٌ ... سريع إلى الخيراتِ غير عنيف له رملٌ للشاردات يردها ... بمنسرح للمعضلات كشوفِ ويرمى بِمُجتَثِّ الخظوط لظهره ... له هزج للذكر غيرُ ضعيف وفارس علم لا يُشَقُّ غبارهُ ... وذي خشية عالي المقام عفيف وذي قلم أزرى بخط ابن مقلةٍ ... وكان على الحرَّاق أي منيف وذي شرف من بضعة نبوية ... موطَّأِ أكناف البيوت ألوف وذي شرف علماً وآخر جامع ... لدين جسيم المكرمات نحيف

стр. 33

سقى الله مصراً هْم به كل ممرع ... من الودف يغشاه بكل مصيف ومن جيد نظه، قوله يخاطب وليَّ الله ابن أخته الشيخ سيدي أحمد بن الشيخ محمد الحافظ، وكان صغيرا إذ ذاك: إنّ السيادة في اثنتين فلا تكن ... يا بن المشايخ فيهما بالزاهدِ حمل المشقة واحتمال أذى الورى ... ليس المشمَّرُ للعلى كالقاعدِ قل للذي طلب العلى بسواهما ... هيهات تضرب في حديد باردِ وله أيضا من قصيدة، يتكلم فيها عن حال سيدنا الشيخ سيدي أحمد التجاني رضى الله عنه: إنْ لم تعاين فضلهُ وكمالهُ ... وغدوت منه في محل نازح طالع لتعرفه شوارد علمه ... تظفر بنور كالمجرة لائح وإذا تكلم في الحقائق مرة ... بهر العقول كلام عبد صالح وله أيضا من قصيدة أخرى: طالع جواهره واصحب رسائله ... وما يَبُثُّ من الأنوار والحكمِ وما يدل على المولى الكريم وما ... أبانه من مقام الصادق القدمِ تجدْ ولايته لاحت معالمها ... كما تُرَى في الدُّجى نارٌ على علم تجد كلاما جلا عن شأنِ صاحبه ... أن الزمان بمثل الشيخ ذو عُقُم قد يحجب الله أقواما ويظهرهُ ... لآخرين وشتَّ الناس في القِسَمِ و (شت) هذه فصيحة، يقال أمر شت أي متفرق. قال الطرماح بن حكيم: شت شعب الحيّ بعد التآم ... وسجال الربع ربع المقام وله أيضا من قصيدة نونية يتشوَّق بها إلى فاس. ويبث ما يكابده من شدة الأنفاس وما ذاك إلا لقوله: وما حبُّ الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا

стр. 34

ومطلع القصيدة: حيّ داراً لدى أبي سمغون ... وأسقها من مصون ماءِ الشؤون وهي طويلة، يحن فيها إلى زيارة الشيخ سيدي أحمد التجاني ﵁، وأبو سمغون المذكور قرية من عمل الجزائر. باب بن أحمد بيب بن عثمان بن سيدي محمد بن عبد الرحمن بن الطالب، ويقال له الطالب محم، يجتمع فيه مع الذين قبله. هو العالم الأوحد الذي أغار ذكره وأنجد. وفي البغية، لسيدي العربي بن السائح الرباطي في ترجمة التجاني ابن باب المذكور. واسم والده بابا حسبما تقدم مصرحا به في النظم. وكان عالما ناسكا فاضلا، مشار اليه في بلده وجيله، ملحوظا بعين التعظيم في معشره وقبيله. وأخبرني ولده الناظم ﵀، أن له شرحا للتحفة العاصمية، وتكملة التكملة للديباج، انتهى فيها إلى ذكر أهل القرن الثاني عشر، فترجم الشيخ التاودي ابن سودة، والشيخ أبا حفص الفاسي وغيرهما. وستأتي بقية ما في البغية، في ترجمة التجاني بن باب المترجم. وكلما في البغية من نقله صحيح، إلا إنه كان يكتب بابا بألف مقرون بالباء الأخيرة، وقد رأيت خط صاحب الترجمة مرارا هكذا: باب بن أحمد بيب، وقد سقط من نسخة البغية اسم سيدي محمد بن عبد الرحمن، ويبعد أن يكون سقط من إملاء التجاني على صاحب البغية، لأنه هو جده الثالث. وكان من أعلم أهل وقته، بعد عمه القاضي الذي تقدم. كان باب، ﵀، يناظر العلماء وعمره ثلاث عشرة سنة، وكان الناس يتعجبون منه، وكان ابن عمته حرمة الله بن عبد الجليل المتقدم، يقول إذا زار أخواله أمسكوا: عني بابتكم وعيش ذؤابتكم. وكان يقول لا تذاكرني بعلمك هذا الفرخ، والفرخ الولد الذي لغير رشدة، فصار الجهال يحملون ذلك على غير معناه،

стр. 35

ويجعلونه طعناً في علم آباء صاحب الترجمة، وهذا محال، لأن والده كان من أفقه قومه. وأما جده الأدنى، فإنه كان بتيرس، فلما كُفَّ عمه القاضي، لم يجد من أولاده من ينوب عنه في قراءة الحديث، فأرسل إليه فترك أولاده، ولم يزل هو النائب عنه حتى مات. والمعنى عند حرمة الله، إنه لم يتلق علمه عن شيخ، لأن أساتذته كانوا أقل منه منزلة في العلم، ولأن مدة طلبه تقتضي أن لا يناظره، لما اشتهر عنه من العلم، وهذا قريب مما كان أبو حيان يقول عن ابن مالك، فإنه قال: بحثت عن شيوخ ابن مالك فلم أجد له شيخا مشهورا يعتمد عليه، ويرجع في حل المشكلات اليه، الا أن بعض تلامذته ذكر إنه قال: قرأت على ثابت ابن حيان بجيان، وجلست في حلقة أبي على الشلو بين، نحوا من ثلاثة عشر يوما، ولم يكن ثابت بن حيان من الأئمة النحويين وإنما كان من الأئمة المقرئين. قال وكان ابن مالك لا يحتمل المباحثة، ولا يثبت للمنافثة، لأنه إنما أخذ العلم بالنظر فيه بخاصة نفسه، ومن تتبع شرحه للتسهيل، وجد كثيرا من طعنه عليه، عفا الله عنه، حتى قال معرضا به: يظن الغمر أن الكتب تهدى ... أخا فهمٍ لإدراكِ العلومِ وما يدري الجهول بأن فيها ... غوامض حيّرتْ عقل الفهيمِ إذا رُمت العلوم بغير شيخ ... ضللت عن الصراط المستقيم وتلتبس الأمور عليك حتى ... تصيرَ أضلَّ من تُوما الحكيم ولم يحط هذا من قدر ابن مالك، ولا صدّ الناس عن كتبه المفيدة، ومن تتبع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر، علم أن هذا الداء قديم في العلماء من أئمة المذاهب فمن دونهم. وبالجملة فكان باب هذا، من أعاجيب الدهر في العلم والإنفاق في سبيل الله، والرجوع إلى الحق، وقد سمعت من بعض الشيوخ إنه ذاكره في مسألة. فشدد صاحب الترجمة في النكير عليه، فلما أمعن النظر في المسألة، علم إنه مخطئ، فترك الناس حتى فرغوا من الصلاة في المسجد، فقال لهم: لا يخرج أحد

стр. 36

فجعل يشرح لهم غلطه وإصابة من خالفه. أما الأنساب فإنه كان دغفل زمانه فيها. قال محمد محمود بن أكتوشن من قصيدة يرثيه فيها: سل الآي والخبر الصحيح كليهما ... والفقه والتاريخ والأنسابا وكان إذا ألقى كلكله على مسألة، لا يقدر أحد أن يفوقه فيها. واشتد الخلاف بينه وبين حرمة الله في مرجع حبس، وانضمَّ إلى كل واحد منهما طائفة من العلماء، فمن انضمَّ إلى صاحب الترجمة، العلامة محنض بابه بن أعبيد الديماني. وممن انضم إلى حرمة الله، إديبج الكمليلي. قال باب من جملة أبيات: فحجتي وصحابي غير داحضة ... من نص بهرام والتوضيح والكاف صدعت بالحق لكن من يقله لكم ... يا دييج يوطأ بأخفاف وأظلاف فالحق أمسى فوالهفا ووا أسفا ... مثل الديار التي يسفى بها السافي فمالكٌ أن تصف عما يقول فإِن ... ى لست عن قوله يوماً بصيّاف إني أوافقهُ حقاً وأتبعهُ ... هل مهتدٍ ناعلٌ كالحائرِ الحاف ولا دييج من أبيات يخاطبه فيها هو ومحنض بابه: فوافقا حُرْمَ فيما قال ويحكما ... فإن شيخكما أدرى بالأوْقاف فحجة الشيخ في بهرام ناهضة ... لو كان يكفيكما ما كان في الكافي ومن جيد شعره قصيدته التي أوَّلها: ألوى بصبرك لاعج الأشواق ... أن الأحبة آذنوا بفراقي إلى أن يقول: يا مَنْ يسابقني ويطلب عثرتي ... إني لعمري سابق السبَّاق وإذا قرنت ابن اللبون وبازلا ... ملَّ القرين ولم يزل بخناق وإذا المسائل أحجمت وتمنعت ... وأبت مشاكلها على الحُذَّاق أعملت سيف الفكر نحو عويصها ... فحنَت علىَّ خواضع الأعناق

стр. 37

فتبوح لي بسرائر مكتومةٍ ... حتى عنِ الأسطار والأوراق وقلما مات أحد ممن يشار إليه من قبيلته إلا رثاه. ووقعت بينه وبين إديبج مشاعرة كثيرة، وكذلك إجدود بن أكتوشن العلوي، وحرمة الله بن عبد الجليل كما تقدم. وتوفي رحمه الله تعالى، بسبب سقطة سقطها من فوق، جمل ثم تطاول مرضه بعدها سنة. وكان ذلك قبل الثمانين من القرن الثالث عشر. وكان أعجوبة في تعبير الرؤيا. أخبره شخص بأنه رأى إنه يؤذن، فقال: ستحج، وكان الأمر كذلك. وأخبره آخر بأنه رأى مثله، فقال له: ستثبت عليك سرقة وكان الأمر كذلك أيضا. وكانت بين طائفتين مناوأة، فقدم عليه شخص، فأخبره أن بني فلان أرادوا قتل فلان وفلان، فقتلوا رجلا اسمه بيبات، فكتب اسمه على الأرض وقال: تاء التأنيث زائدة، سيموت خمسة عشر فيهم، امرأتان وأجنبي، فقال له المخبر: أن هذا ليس برؤيا، فقال له: أعهدتني لا أفسر غير الرؤيا، والله ليقعن هذا، وكان الأمر كما قال. وهذا يصدق من كان يقول: إنه يستتر بتعبير الرؤيا من الكشف. ومن عجيب استحضاره، إنه في وقعة لمليح، بين إدوعل وإذا بلحن، سعت بينهم وفود الزوايا في الصلح، فتراضوا بحكم الشرع، وحكموا بحكم الشرع، وحكموا عالما ديمانيا فاستظهر أن يقتل أربعه من إدوعل، بأربعة من إدابلحسن قتلوا في تلك المعركة. فقال صاحب الترجمة: أن مثل هذا لا قصاص فيه. فقال القاضي: أن هذا لا يوجد في كتاب، فقال هو لم يخل منه كتاب. فقال القاضي: هذا القاموس، يعني إنه يدخل في عموم كتاب، فتناول صاحب الترجمة القاموس، وأول ما وقع نظره عليه والهيشة الفتنة وأم حبين، وليس في الهيشات قود، أي في القتيل في الفتنة لا يدرى قاتله فتعجب الناس من مثل هذا الاستحضار، في ذلك الموقف الحرج. سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم بن الإمام محنض أحمد العلوي يجتمع مع الذين تقدموا عليه في يحيى، علامة تحرير، طار ذكره وانتشر، واشتهر

стр. 38

علمه في الآفاق وأبذعر، ما عاصره مثله علما وفهما مكث أربعين سنة يرتاد لطلب العلم لم يشبع منه يأخذ عن من وجد عنده زيادة، حتى انتهى إلى الغاية القصوى، جمع أول ما في الصحراء، ثم أقام بفاس مدة كثيرة للنظر والتحرير وتلقى على البناني محشى عبد الباقي، وتلقى البناني عنه ايضا، فحج ولقي من يشار إليه من علماء مصر، وذاكرهم أيضا وأفادهم واستفاد منهم، وبلغ خبره أمير مصر، ولعله محمد علي باشا فأكرمه. ومن جملة ما أتحفه به، فرس من عتاق خيل مصر المعروفات بالكحيلات، فسئل عنها فقال: جعلتها حطابا (اسم كتاب في فقه المالكية). ولما اشتهر ذكره بفاس، أرسل إليه السلطان سيدي محمد بن عبد الله، فامتنع من الذهاب إليه، فأمر المخازنية بحمله اليه، على الهيئة التي يجدونه بها، فوجدوه على فراشه يطالع، فأدخلوه عليه على تلك الهيئة. وكان السلطان عالما ويجل العلماء، فلماذا كره أعجب به، وصار لا يصبر عن مذاكرته، فسأله بعد تسع سنين عن نسبه، فأخبره بأنه علوي وبيّن له، فقال: سبحان الله أنت معنا منذ تسع سنين لم تذكر لنا نسبك يوما واحدا، وفلان أتعبنا بنسبه، يعني لمجيدرى اليعقوبي. وكان جعفريا، وفي أول جزء من كتابه نشر البنود على مراقي السعود، المطبوع بفاس ما نصه: قال العلامة الأديب، سيدي محمد الطالب بن الحاج رحمه الله تعالى، في الأزهار الطيبة النشر، بعد أن ذكر أن الحافظ السيوطي، نظم جمع الجوامع في رجز سماه الكوكب الساطع ما نصه: وكذلك نظمه بعض علماء المتأخرين من علماء شنقيط، وهو الفقيه سيدي عبد الله بن إبراهيم بن الإمام العلوي، المتوفى في حدود الثلاثين ومائتين وألف، في رجز يماه: مراقي السعود. ثم ذكر أبياتا لوالده أبي الفيض سيدي حمدون بن الحاج في مدحه فلتنظر فيه. وقال فيه الإمام العلامة الدراكة الفهامة مالكي زمانه، أبو عبد الله سيدي

стр. 39

محمد بن مايابي الشنجيطي الجكني الملقب بالخضر، أبقاه الله ورعاه، وأدام الانتفاع بعلمه وهداه: هو سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم ذي العلم العميم والذوق السليم العلوي، نسبه إلى سيدنا عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه، من غير مولاتنا فاطمة الزهراء ﵂، من قبيلة من الشناقطة، يقال لها إدوعل، كثيرة بحور، العلم تفقه في بلده بالمختار بن بون الجكني، فريد دهره وعالم عصره، باديه ومصره، وارتحل إلى الحرمين وقضى نسكه، ورجع وصحب البناني بفاس المحروسة الحمى، بحول رب السما، سنين عديدة، أعطته العلوم بأزمتها فصار من علماء أئمتها، حاو جميع الفنون كثير الشروح والمتون، ألف هذا النظم المسمى بمراقي السعود، وشرحه نشر البنود، على أصول الإمام مالك ﵁، لم يأت الزمان بمثله، ولا جاد فيما مضى بشكله، وألف في علم البيان نظمه نور الأقاح، وشرحه فياض الفتاح، جمع من الفنون الثلاثة الدر الثمين، ألغى الغث وأخذ السمين، ونظمه طلعة الأنوار في مصطلح الحديث، وشرحه كذلك، إلى غير هذا من التآليف العديدة، التي لم يبق للطالب بعدها فائدة مفيدة مآقره لا ترام بالحصر، لما نشر الله به في ذلك القطر اهـ. قوله: إنه أخذ عن العلامة المختار بن بون، لم نسمعه من غيره؛ ولعله سمعه ممن تحقق ذلك، ولا يعارضه أن المختار المذكور، كان يقرأ بالجيم المتفشية، مع إنه نص على إنها شديدة في احمراره وطرته، فلما قدم تكانت، صار يقرأ بالشديدة، فسئل عن ذلك، فقال: لا يمكن مخالفة ابن الحاج إبراهيم ما دمنا بتكانت، فربما كان الرجل يأخذ من آخر، ثم يجوزه في المرتبة، فيضطر الأخير للأخذ عنه، ثم إنه ترك من كتبه المشهورة، نوازله في الفقه، ولنذكر بعض ما ترك من أخباره، فنقول: كان ﵀ أوحد زمانه في جميع العلوم، ولم يبلغ

стр. 40

أحد من العلماء هناك مبلغه في الحديث، بعد العلامة القاضي بن الطالب العلوي. وقال العلامة باب بن أحمد بيب، في منظومة يرثيه بها: قد كاد أن يوصف بالترجيح ... لفهمه ونقله الصحيح وكان في الحديث لا يبارى ... كأنما نشأ في بخاري ولما أبرزه الله جوهرة لأهل زمانه، حسده أبناء عمه الأدنون، وهم أهل اطويلب فهموا بقتله ونقبوا داره، فلم يجدوه فيها، وكان أخبر، فخرج مختفيا يصحبه تلميذه الطالب بن حنكوش، ولم يزل ذكره يعلو، حتى صار أمير تكانت امحمد بن محمد شين، لا يقطع أمرا دونه مما يتعلق بالشريعة، ولم تشتهر له قصائد حتى نوردها، وإنما له أنظام تدل على قوة سيلقته، وهذا أول نظمه مراقي السعود: يقول عبد الله وهو ارْتَسَمي ... سُمى له والعلويّ المنتمى الحمد لله على ما فاضا ... من الجدي الذي دهوراً قاضا وجعل الفروع والأصولا ... لمن يروم نيلها محصولا وشاد ذا الدين بمن ساد الورى ... فهو المجلّي والورى إلى ورا محمد منوّر القلوب ... وكاشف الكرْب لدى الكُرُوب صلى عليه ربنا وسلما ... وآله ومن لشرْعه انتمى أُبَّدَّ هو محمد بن محمود، وأُبد لقب غلب عليه، ابن محمد بن أحمد بن خيار بن القاضي المتقدم، شاعر مجيد، شديد متون القوافي، كأنما ينحت من صخر، مع قلة غلط وأمن من السقط، كان متضلعا من العربية قليل الطيش، نشأ في حرب العلويين وإدل بلحسن، ولولا أن الحرب شغلته، لفاق معاصريه في العلم، لشدة فهمه، ولم نر من انتقد عليه شيئا، إلا ما بلغنا أن بعضهم طعن في قوله: فما راعهم غير قيل الكماة ... أتى الغرماء وهبْ واخبطا وما ندرى ما ينتقد في هذا البيت، فإن هب اسم صوت، وهو واسم الفعل من
следующие страницы →