← Указатели

Указатели · id 9579

أبجد العلوم

صديق حسن خان

Полный текст (801 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

فتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي ك النصير١ والعضد والسيد والسعد والجلال وأمثالهم فإن كلا منهم يجمع إلى تحرير المعاني تهذيب الألفاظ وهؤلاء أحسنوا إلى الناس كما أحسن الله إليهم وهذه لا يستغني عنها أحد. والثاني: من له ذهن ثاقب وعبارة طلقة طالع الكتب فاستخرج دررها وأحسن نظمها وهذه ينتفع به المبتدئون والمتوسطون. ومنهم من جمع وصنف للاستفادة لا للإفادة فلا حجر عليه بل يرغب إليه إذا تأهل فإن العلماء قالوا: ينبغي للطالب أن يشتغل بالتخرج والتصنيف فيما فهمه منه إذا احتاج الناس إليه بتوضيح عبارته غير مائل عن المصطلح مبينا مشكله مظهرا ملتبسه كي يكسبه جميل الذكر وتخليده إلى آخر الدهر. فينبغي أن يفرغ قلبه لأجله إذا شرع ويصرف إليه كل شغله قبل أن يمنعه مانع عن نيل ذلك الشرف. ثم إذا تم لا يخرج ما صنفه إلى الناس ولا يدعه عن يده إلا بعد تهذيبه وتنقيحه وتحريره وإعادة مطالعته فإنه قد قيل: الإنسان في فسحة من عقله وفي سلامة من أفواه جنسه ما لم يضع كتابا أو لم يقل شعرا وقد قيل: من صنف كتابا فقد استشرف للمدح والذم فإن أحسن فقد استهدف من الغيبة والحسد وإن أساء فقد تعرض للشتم والقذف. قالت الحكماء: من أراد أن يصنف كتابا أو يقول شعرا فلا يدعوه العجب به وبنفسه إلى أن ينتحله ولكن يعرضه على أهله في عرض رسائل أو أشعار فإن رأى الأسماع تصغي إليه ورأى من يطلبه انتحله وادعاه وإلا فليأخذ في غير تلك الصناعة. قف: ومن الناس من ينكر التصنيف في هذا الزمان مطلقا ولا وجه لإنكاره من أهله وإنما يحمله عليه التنافس والحسد الجاري بين أهل الأعصار ولله در القائل في نظمه: قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما إن ذاك القديم كان حديثا ... وسيبقى هذا الحديث قديما واعلم أن نتائج الأفكار لا تقف عند حد وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له وليس لأحد أن يزاحمه فيه لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر والفيض الإلهي ليس له انقطاع ولا آخر والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما لم يدخر لكثير من المتقدمين فلا تغتر بقول القائل: ما ترك الأول للآخر بل القول الصحيح الظاهر: كم ترك الأول للآخر فإنما يستجاد الشيء ويسترذل لجودته ورداءته في ذاته لا لقدمه وحدوثه ويقال: ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئا لأنه

стр. 107

يقطع الآمال عن العلم ويحمل على التقاعد عن التعلم فيقتصر الآخر على ما قدم الأول من الظاهر وهو خطر عظيم وقول سقيم فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريع الأصول وتشييدها كما قال ﷺ : "أمتي أمة مباركة لا يدري أو لها خيرا وآخرها" وقال ابن عبد ربه في العقد١ إني رأيت آخر كل طبقة واضعي كل حكمة ومؤلفي كل أدب أهذب لفظا وأسهل لغة وأحكم مذاهب وأوضح طريقة من الأول لأنه ناقض متعقب والأول باد متقدم انتهى. وروي أن خواجه زاده كان يقول: ما نظرت في كتاب أحد بعد تصانيف السيد الشريف الجرجاني٢ بنية الاستفادة وذكر صاحب الشقائق٣ في ترجمة شمس الدين الفناري: أن الطلبة إلى زمانه كانوا يعطلون يوم الجمعة يوم الثلاثاء فأضاف إليهما يوم الاثنين للاشتغال بكتابة تصانيف العلامة التفتازاني ﵀ وتحصيلها انتهى.

стр. 108

الترشيح الرابع: في بيان مقدمة العلم ومقدمة الكتاب اعلم أن المقدمة - بكسر الدال المشددة وفتحها - تطلق على معان: منها ما يتوقف عليه الشيء وسواء كان التوقف عقليا أو عاديا أو جعليا وهي في عرف اللغة صارت اسما لطائفة متقدمة من الجيش وهي في الأصل صفة من التقديم بمعنى التقدم. ولا يبعد أن يكون من التقديم المتعدي لأنها تقدم أنفسها بشجاعتها على أعدائها في الظفر ثم نقلت إلى ما يتوقف عليه الشيء وهذا المعنى يعم جميع المعاني الآتية. ومنها ما يتوقف عليه الفعل يؤيد ذلك ما قال السيد السند في حاشية العضدي في مسائل الوجوب في بحث الحكم المقدمة عند الأصوليين على ثلاثة أقسام: ما يتوقف عليه الفعل عقلا كترك الأضداد في فعل الواجب وفعل الضد في الحرام وتسمى مقدمة عقلية وشرطا عقليا. وما يتوقف عليه الفعل عادة كغسل جزء من الرأس لغسل الوجه كله وتسمى مقدمة عادية وشرطا عاديا وما لا يتوقف عليه الفعل بأحد الوجهين لكن الشارع يجعل الفعل موقوفا عليه وصيره شرطا له كالطهارة للصلاة وتسمى مقدمة شرعية وشرطا شرعيا١ انتهى. ومنها ما يتوقف عليه صحة الدليل بلا واسطة كما هو المتبادر فلا ترد الموضوعات والمحمولات. وأما المقدمات البعيدة للدليل فإنما هي مقدمات لدليل مقدمة الدليل ومنها قضية جعلت جزء قياس أو حجة وهذان المعنيان مختصان بأرباب المنطق ومستعملان في مباحث القياس صرح بذلك المولوي عبد الحكيم في حاشية شرح الشمسية

стр. 109

وهي على قسمين: قطعية تستعمل في الأدلة القطعية وهي سبع: الأوليات والفطريات والمشاهدات والمجربات والمتواترات والحدسيات والوهميات في المحسوسات وظنية تستعمل في الإمارة وهي أربع: المسلمات والمشهورات والمقبولات والمقرونة بالقرائن كنزول المطر بوجود السحاب الرطب كذا يستفاد من شرح المواقف. والمراد بالقياس ما يتناول الاستقراء والتمثيل أيضا وإردافه بلفظ أو حجة لدفع توهم اختصاص القياس بما يقابلهما. وقيل: أو للتنبيه على اختلاف الاصطلاح فقيل إنها مختصة بالحجة وقيل: يشمل ما جعلت جزءهما وهذا المعنى مبائن للمعنى السابق. وقيل: أخص من الأول كما يستفاد من بعض حواشي شرح المطالع. ومنها ما يتوقف عليه الباحث الآتية فإن كانت تلك المباحث الآتية العلم برمته تسمى مقدمة العلم وإن كانت بقية الباب أو الفصل تسمى مقدمة الباب أو الفصل. وبالجملة تضاف إلى الشيء الموصوف كما في الأطول وقد اشتهر بينهم أن مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع في ذلك العلم والشروع في العلم لا يتوقف على ما هو جزء منه وإلا لدار بل على ما يكون خارجا عنه. ثم الضروري في الشروع الذي هو فعل اختياري توقفه على تصور العام بوجه ما وعلى التصديق بفائدة تترتب عليه سواء كان جازما أو غير جازم مطابقا أو لا لكن يذكر من جملة مقدمة العلم أمور لا يتوقف الشروع عليها كرسم العلم وبيان موضوعه والتصديق بالفائدة المرتبة المعتد بها بالنسبة إلى المشقة التي لا بد منها في تحصيل العلم وبيان مرتبته وشرفه ووجه تسميته باسمه إلى غير ذلك فقد أشكل ذلك على بعض المتأخرين واستصعبوه فمنهم من غير تعريف المقدمة إلى ما يتوقف عليه الشروع مطلقا أو على وجه البصيرة أو على وجه زيادة البصيرة ومنهم من قال: الأولى أن يفسر مقدمة العلم بما يستعان به في الشروع وهو راجع إلى ما سبق لأن الاستعانة في الشروع إنما تكون على أحد الوجوه المذكورة ومنهم من قال: لا يذكر في مقدمة العلم ما يتوقف عليه الشروع وإنما يذكر في مقدمة الكتاب وفرق بينهما بأن مقدمة العلم ما يتوقف عليه مسائله ومقدمة الكتاب طائفة من الألفاظ قدمت أمام المقصود لدلالتها على ما ينفع في تحصيل المقصود سواء كان مما يتوقف المقصود عليه فيكون مقدمة العلم أو لا فيكون من معاني مقدمة الكتاب من غير أن يكون مقدمة العلم وأيد ذلك القول بأنه يغنيك معرفة مقدمة الكتاب عن مظنة أن قولهم: المقدمة في بيان حد العلم والغرض منه وموضوعه من قبيل جعل الشيء ظرفا لنفسه وعن تكلفات في دفعه فالنسبة بين المقدمتين هي المباينة الكلية والنسبة بين ألفاظ مقدمة العلم ونفس مقدمة الكتاب عموم من وجه لأنه اعتبر في مقدمة الكتاب التقدم ولم يعتبر التوقف واعتبر في مقدمة العلم التوقف ولم يعتبر التقدم وكذا بين مقدمة العلم ومعاني مقدمة الكتاب عموم من وجه. وقال صاحب الأطول١: والحق أنه لا حاجة إلى التغيير فإن كلا مما يذكر في المقدمة مما يتوقف عليه شروع في العلم هو إما أصل الشروع في العلم أو شروع على وجه البصيرة أو شروع على وجه زيادة البصيرة. فيصدق على الكل ما يتوقف عليه

стр. 110

شروع ولحمل الشروع على ما هو في معنى المنكر مساغ أيضا كما في: ادخل السوق انتهى. وههنا أبحاث تركناها مخافة الإطناب فمن أراد الاطلاع عليها فعليه بالرجوع إلى شروح التلخيص١. قال الشيخ رفيع الدين الدهلوي٢ في رسالته في هذا الباب: المقدمة تطلق على أمور جزء من أجزاء الكتاب عنون بهذا اللفظ وجزء كذلك يعنون مثله به وإن لم يعنون بذلك اللفظ وما يستحق أن يقدم سواء قدم وعنون بها أو لا وهذا يسمى بمقدمة العلم والأول بل الأولان بمقدمة الكتاب فيفسر مقدمة الكتاب بما يفسر به الكتاب من الألفاظ والمعاني والنقوش وإن كان الثالث مجازيا في مثل: اشتريت الكتاب. وهذا كتاب فلان ولا يلتفت إليه في مثل: صنفت الكتاب وقرأته وهذا كتاب جيد متين ومتن وشرح وحاشية وتفسر مقدمة العلم بما يفسر به العلم من الإدراك والمدركات فيتحقق بينهما نسب مختلفة كالمتباين صدقا أو الكلية والجزئية أو العموم والخصوص المطلق كما إذا اشتمل مقدمة الكتاب على غير مقدمة العلم أيضا والعموم من وجه إذا لم يقدم مقدمة العلم وقدم شيء من غيرها. هذا هو الكلام على العرف المشهور والذي يقتضيه النظر الصحيح أن يسمى بمقدمة الكتاب ماله دخل في خصوص الكتاب وبمقدمة العلم ماله دخل في العلم مطلقا. ويجتمعان إذا لم يكن مدخل في خصوص الكتاب إلا لما له دخل في العلم. وتحقيقهما باعتبار هذا النظر أن يقال: قد تبين في العلم الأعلى أن العلم التام بالأشياء ذوات الأسباب إنما يحصل بمعرفة عللها التامة وهي مجموع العلة الفاعلية والغائية والمادية والصورية وسائر ما يتوقف عليه حصول الشيء من الشروط والآلات والمعدات القريبة ونحو ذلك فيما يوجد فيه جميعها وبعضها فيما يوجد فيه بعضها فنقول: إن المتقدمين لما أفرزوا من نتائج أفكارهم الأحكام المتعلقة لشيء واحد وحدة ما من جهة واحدة علوما متفرزة وشحنوا بها كتبهم وأرادوا بقاءها على مر الأعصار وعلموها تلامذتهم قرنا بعد قرن حتى وصلت إلينا فاستحسنوا تقديم بعض مبادئها عليها ليكون تسهيلا لطالبيها وتبصرة لشارعيها وقد علمت وجه الضبط فاعلم أن ههنا أمرين أحدهما: العلم بما هو هو وذلك عبارة عن مسائل مخصوصة ومطالب معينة. وثانيهما: الكتاب وهو عبارة عن ألفاظ مقررة ومعان مرتبة. وربما كان كتاب واحد في علوم متعددة أو كتب متعددة في علم واحد ورب علم لم يدون ١ / ٢٠١ في كتاب أو كتاب لم يشتمل على علم بل على مسائل متفرقة وأحاديث ملهية من نظم أو نثر. وأيضا هما يختلفان في أمور كثيرة: كالمنفعة والمضرة والجودة والرداءة والضعف والقوة وغيرها ونسبة الكتاب بمعانيه إلى العلم كنسبة العلم

стр. 111

إلى الواقع بالمطابقة واللامطابقة فلكل منهما مبادئ متغايرة. فالأحق أن يجعل لكل منهما مقدمة مغايرة لمقدمة الآخر ويجعل مقدمة العلم من مقاصد الكتاب ولكن من الناس من يجمعهما ومنهم من يكتفي بأحدهما ومنهم من يذكر مقدمة الكتاب في الديباجة ومقدمة العلم في جزء من الكتاب يصدر بالمقدمة ويذكر في كل ما يهمه ويتفق له.. ولكن مقدمة العلم ومقدمة الكتاب في الأغلب داخلتان في الكتاب وذلك لعدم إفرازهما بعناية النظر. ونحن نذكر مبادئ كليهما مع نوع ضبط فنقول: من المبادئ الفاعل أما فاعل العلم حقيقة فأول من أخرجه من القوة إلى الفعل ودونه وفصله كأرسطاطاليس لحكمة المشائين والمنطق وينوب منابه المهرة الذين هم أهل استنباط وتحقيق لقواعده وأما فاعل الكتاب حقيقة فمصنفه وينوب منابه من عليه الاعتماد في روايته وتوجيهه وإصلاحه. ومنها الغاية وهي بيان الحاجة الماسة إلى تدوينه وتصنيفه أما العلوم فلها غاية عامة هي تكمل النفس في القوة العلمية بمعرفتها وغاية خاصة تذكر في كل فن فن. وأما الكتب فلها أيضا غاية عامة وهي تسكين وهج القلب بإيراد ما يختلج فيه وإرادة الترويح والإبقاء كما قيل: كل علم ليس في القرطاس ضاع. وغاية خاصة من توضيح مجمل أو تلخيص مطول أو تعميم انتفاع أو كتم عن رعاع أو إبانة حق أو إزالة شك أو إرضاء عظيم أو تبكيت لئيم إلى غير ذلك ثم إن الغاية في الأفعال الاختيارية تتم بأمرين: معرفة المطلوب حذرا من طلب المجهول المطلق. ومعرفة فائدته فرارا عن العبث. فوضعوا للأول معرفة الاسم ووجه التسمية للكتاب والرسم أيضا للعلم. والثاني: بيان الفائدة والمضرة ترغيبا في تحصيله ومعالجة عن إفساده ومنها المادة والصورة وعلمهما بالحقيقة إنما يكون بعد إتمام تحصيل العلم والكتاب لأن الصورة جزء آخر للمعلول والمادة مقارنة لها بل حصولهما هو عين حصول المعلول وذلك مناف لغرض المقدمة فأقاموا مقامها شيئين آخرين: أما مقام المادة فللعلم بيان موضوعه الذي تنتهي إليه موضوعات مسائله كأنها شعب وتفصيلات ولواحق عارضة له وبيان حيثية البحث الذي تنتهي إليه محمولات المسائل كذلك. والكتاب بيان لغة ألفاظه أنها عربية أو فارسية وهي كثيرا ما تكون قليلة الجدوى. وبيان العلم الذي هو فيه فإن التحرير والتقرير إنما يقع فيه على صور شتى ووجوه مختلفة. وأما مقام الصورة فللعلم بيان أبوابه والإشارة إلى كليات أصوله وفروعه وللكتاب بيان ترتيبه وتفصيل أجزائه من المقالات والأبواب والفصول وغيرها وفهرستها. ومنها الشروط فبعضها عامة لكل علم في المعلم والمتعلم وزمان التعليم والتصنيف. وقد حرر فيه رسائل تسمى آداب المتعلمين وآداب المصنفين. وبعضها خاصة فلكل طائفة من العلوم معلومات ما لم تعلم لم يعلم ولم يصح الجزم به مالم تستعمل وتسمى بالحدود. والعلوم المتعارفة والمصادرات والأصول الموضوعة. ولبعض الكتب رموز واصطلاحات ما لم تعلم أشكل فهم الكتاب ومنها الآلات فإن الفاعل القريب لاكتساب العلوم هي الأفكار ولها طرق ووجوه يسهل التحصيل بها يسمى الأنحاء

стр. 112

التعليمية وهي: التقسيم والتحليل والتحديد والبرهان. وللكتب شروح وحواش يسهل فهمها بأعمالها ومنها المعدات القريبة فيبين مرتبة العلم لتأخر عما يجب وتقدم على ما يجب وكذلك مرتبة الكتاب وبيان الكتب التي منها مأخذ الكتاب والعلوم التي يحصل منها استعداد العلم المطلوب. فهذا وجه لضبطها. وسائر المصنفين يكتفون ببعضها لما مر ولأن منها ما يكفي مؤنة غيرها ولكن توسعة للأمر قد يحث على استيفائها والعلم عند الله تعالى انتهى كلامه ﵀.

стр. 113

الترشيح الخامس: في التحصيل قال الشيخ العلامة رفيع الدين الدهلوي١ في التكميل: غلب في تحصيل المجهولات التعلم على التفكر ولم يكن له قانون فدون والدي العارف الواصل والنحرير الكامل الشيخ ولي الله ابن الشيخ عبد الرحيم العمري لمزاولة الكتب تعليما ضوابط فأضفت إليه ما وفقني الله سبحانه وهي هذه: فتح فن التحصيل موضوعه العلوم المدونة من حيث تستفاد وتفاد. وغايته الخوض فيها على بصيرة والنجاة عن سوء الفهم لقاصدها وتمييز لبابها عن ذبابها وكسب الاقتدار والمهارة فيها وتفريق كامل الكتاب والمعلم من نقاصهما فليرسم بأحدهما وتكمل الناس في العلوم بدونه لا ينفي فائدته كمجتهدي الأمة وأساطين الحكمة ومدققي الهنود والإفرنج من المنطق ونظره في خمسة فإن التعلم بالتقرير ممن ينكر عليه مناظرة وممن يذعن له تدريس٢ وتتلمذ٣ وبالتحرير تصنيف٤ ومطالعة٥ بسط المناظرة: توجه الخصمين في مطلب لإظهار الحق والتعرض للبيان أو المبين الحجة أو المعرف فمن الأول: ١ - حل المصطلح والمغلق ٢ - تعيين المحذوف والمرجع والمحتمل لاشتراك وتجوز وتخصيص وتقييد ٣ - دفع الإخلال لتعقيد وتبادر خلاف ٤ - دفع الاستدراك ٥ - سبب العدول عن ظاهر ومشهور ٦ - تنبيه عن الإضرار بزيادة وتركها ٧ - وعلى تعارض الكلامين صريحا أو التزاما ٨ - وعلى تداخل الشقوق والأقسام ٩ - طلب حكم مسكوت عنه منها

стр. 114

١٠ - خلو المدعى عن الفائدة ١١ - استثبات الدعاوي خفية ١٢ - وظاهرا ويجاب بالبيان ١ - ٢ - إفهام القرينة ٣ - وفائدة اللفظ ٤ - والترجيح ٥ - ودفع المضر ٦ - والتوفيق ٧ - والتمييز ولو في الجملة أو بالحقائق دون المصداق ٨ - والدرج ٩ - ووجه النفع ١٠ - والاطلاع ١١ - ١٢ - أو يصلح في الكل ثم الاستدلال أو النقل من الثاني: ١ - تحقيق المذهب ٢ - تصحيح النقل ٣ - عدم الاعتداد به ٤ - تغيير معناه ٥ - منع المقدمات كلا أو بعضا كالصغرى والكبرى والملازمة والتنافي والوضع والرفع. ٦ - السند إن ادعى البديهة فالمساوي يفيدهما نفيا وإثباتا والأخص المعترض إثباتا والأعم المستدل نفيا. ٧ - فساد التأليف لفقد شرطه وعدم تكرر وسط ونفي حصر ويرددان على الشقين كثيراً. ٨ - مناسبة الأوسط لضد الأكبر والمقدم لضد التالي. ٩ - النقض بالتخلف عن المدعى ١٠ - وباستلزامه محالا ١١ - المصادرة على المطلوب جزئية ١٢ - وتوقفا ولو باختلاف اللفظ ١٣ - القول بالموجب لعمومه أي الدليل عن الدعوى ١٤ - لقصور عنها لخصوصه ١٥ - المعارضة عليها

стр. 115

١٦ - وعلى مقدماتها ١٧ - إبطال المبني وهو غير القدح في دليله وذلك في المقدمات القريبة وأنفع منه لهدمه أساسا ولكن في طرفي المناظرة لئلا يشوش بالانتقال ١٨ - تساوي الدليل والدعوى قبولا وردا للاشتراك في أصل ١٩ - استثبات التفاريع عليها بعد الاعتراف تقديرا ٢٠ - مخالفة النص أو إمام الفن ويجاب: ١ - بالإعلام ٢ - والعرض ٣ - والتوثيق ٤ - والترجيح بقرب وشهادة حاذق ٥ - والاستدلال ٦ - و ٧ - التطبيق على القواعد ٨ - ونفي المناسبة ٩ - والفرق بين الصورتين ١٠ - و ١١ - المتقدمتين ١٢ - وإبداء وسط يرفع التوقف ١٣ - وتوجيه التقريب ١٤ - و ١٥ - تبديل المنصب ١٦ - و ١٧ - أييد المبني بعد تحريره ١٨ - وقطع التفريع ١٩ - وتصحيح الفروع برفع الاستبعاد أو الإنكار ٢٠ - والتأويل راجحا والجرح مرجوحا أو مرجوعا عنه لإعمال غيره وعند العجز الانتقال أو الإذعان والثالث أي المعرف لا يحتمل النقض والمعارضة ومنوع الأحكام الضمنية دعاوي يجب إثباتها: ١ - كالدور مصرحا ومضمرا ٢ - فمنها للحمل ٣ - والتصوري للبديهة والسور ٤ - والجلاء مطلقا ٥ - والمنع ٦ - والجمع وافيا

стр. 116

٧ - والتناول ٨ - والاندراج للإطباق ٩ - ووجه الشبه بالمبائن قاصرا ١٠ - والذاتية حدا لفقد أحكامها وكله في الخفاء وبعد الظهور مجادلة لا يسامح فيها وقلما يلتزم إثبات شيء التدريس: تفهيم الكتاب باللسان وطريقه للقاصر١ الترجمة فقط فيتبلد الذهنان. وللفالي٢ ذكر ما أمكن حفظا ومراجعة فيعسر اليسير بالتعجيل ويطول زمان التحصيل وللمستعجل الاكتفاء بصدور الكتب بالدقة فيحوج إلى شغل ثان للاستيفاء والاقتصار على العد في العلماء وللحاذق من كل علم مبسوط وفي البداية تعليم متن سهل لمعرفة الاصطلاحات وأصول القواعد وشرح مستوف لفوائد القيود والأدلة والأبحاث والاختلافات المشهورة وحاشية لملكة التدقيق جرحا وتعديلا وترجيحا والاعتياد بوصل الخارج وجمع المنتشر فإن احتيج زيد. ومن المختصر ما يكفي ٣ وضوابطه: ١ - ضبط المشكل بنوع الحركة والسكون والإعجام والإهمال والتقديم والتأخير ٢ - شرح الغريب لغة واصطلاحا ٣ - كشف المغلق صيغة وتركيبا ٤ - تصوير المسألة بتمثيل٤ وتشكيل٥ ٥ - تقريب الأدلة بتصريح المطويات والوصل بالأصل ٦ - تحقيق القواعد بفوائد القيود وسد الانكسار بلا فضول ولا إغلاق ٧ - تنقيح التعريفات بهما وبالاستنباط المشترك والمميز من التقسيمات ٨ - وجه الحصر والترتيب في الأقسام والأبواب ٩ - تفريق الملتبسين من التوجيهات والتعليلات والأقوال ١٠ - تطبيق المختلفين من كلامي واحد ومتحدي مذهب ١١ - التنبيه على الاستثناءات والإيرادات الظاهرة الورود ودفعها ١٢ - تفتيش الحوالة عن محلها ١٣ - بيان المبهم من وجوه النظر والأولى والصواب والسؤال المقدر ١٤ - الترجيح بين التوجيهات وإبداء الأسلم والأقرب منها وما علي كل

стр. 117

١٥ - سبب تغيير الأسلوب المعروف ١٦ - تعيين السؤال والجواب بنوعه ومنشئه ومورده ١٧ - حسن التقرير بإيضاح موجز ١٨ - الترجمة بلغة الطالبين ١٩ - إعمال فكره في حل ما يمكن منه ٢٠ - حفظ اللسان عن سوء الخلق ٢١ - حفظ وضع المعترض والمجيب ٢٢ - تلخيص المتشتت ٢٣ - توزيع الفروع والعلل على ملفوف١ أو ملحوظ٢ ٢٤ - التيقظ عند ترتيب الأسئلة والأجوبة لأصل الإثبات والنفي ٢٥ - الحذر عما يوجب سوء الفهم ويستوي فيه المنقول والمعقول البرهاني والخطابي إلا أن الاعتبار في الأول بتحقيق العبارات والربط أكثر وفي الثاني بالوصل إلى البديهيات أصولا والمسلمات فروعا وفي الثالث بالمناسبات الظنية. فلا يزال ينبه عليها بما يتحمل حتى يتخذه ملكه بفكره ثم يعرض مطالعته على مطالعته وعلى الحواشي ويفهمه الغلط والحذر عنه ثم يمتحنه بتصنيف شرح أو حاشية يؤدي٣ فيه حقه ويستحق الوثوق برأيه. التتلمذ: فهم الكتاب بالاستماع وبعد٤ الصحة والمعاش ولو بالقناعة والشوق والجد ولو بالتحريص والفهم والحفظ ولو بالجهد والمداومة وحسن الظن مع الأستاذ ولو في الفن والكتاب الواضح الصحيح والأستاذ الماهر الشفيق ولو بالطمع - حقه: ١ - صحة القراءة ٢ - وتمييز الجمل ٣ - والاستماع بتفريغ القلب ٤ - والتثبت في الفهم ٥ - واستكشاف ما خفي ٦ - وعرض الشبهة بالأدب ٧ - وجمع سابق البحث ولاحقه في الذهن ٨ - وتقدم النظر ليكون أوقع وعلى بصيرة وفي البداية بحضور المعلم أنفع

стр. 118

٩ - والمعاودة ليستقر وبالتقرير أجود ١٠ - والتحفظ للإحضار حيث ينبغي ومع الكتابة أحسن ١١ - والامتثال لما يراه أصلح ١٢ - والاجتناب عما ينقبض به الخاطر ١٣ - وعن التعرض لبعيد المناسبة ١٤ - وعن الضجر من الحوالة فيما تعسر جدا فإنه: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود ١٥ - ولطالب التحقيق سلخ الألفاظ المتخيلة عن صورة للشيء يطابقها جميع صفاته ويلائمها جميع فروعه المتفقة عليها. التصنيف: تأليف الكلام لتحريره نثرا ونظما والمراد ما في١ العلوم فما لم يتعلق بغيره صريحا فمتن أو تعلق متصلا فشرح مدمج أو مفصولا ب قال أقول ونحوها أو على الطفرة فتعليق وحاشية ومن كل وجيز ووسيط وبسيط وله أغراض سياقه بحسبها. ١ - اختراع جديد٢ ٢ - ضبط قديم ٣ - ترويج خامل ٤ - جمع متفرق ٥ - تجريد عن زائد أو فاسد لفظا أو معنى ٦ - تتميم بلاحق كاستثناءات وقيود وأمثلة وأدلة ومسائل ومآخذ ٧ - إبانة حق بدءا أو نصرا أو ذبا ٨ - إزاحة باطل بكشف شبهة أو ضلالة ٩ - اشتراك في تفرد ١٠ - إصلاح ترتيب ١١ - تسهيل مغلق بحل أو بسط ١٢ - انتزاع أصل من منتشر ١٣ - تفريع شعب لمجمل ١٤ - تحقيق مقام أو كتاب أو فن بجمع ماله وعليه ١٥ - تبديل نثر بنظم

стр. 119

١٦ - ولغة بلغة أخرى ودون له والدي - رحمه الله تعالى - قوانين الترجمة. ١٧ - وتتركب كثيرا١. فبعد إتقان اللغة والفن وسليقة الإيجاز والإطناب يستعان فيه بما مر ففي الشروح والحواشي الحل بضوابط التدريس وفي إعانة الحق بالمنطق وفي الرد بأسئلة المناظرة وفي التوجيه بأجوبتها مع النحو والبلاغة والأصول وفي بعض بسليقة البيان وفي طائفة بالتتبع والتبحر وأمثالها مع مزيد التحفظ في النقل والنقد وحسن التقرير إيجاز أو بسطا بحسب المحل وحفظ الوضع من المذهب والمنصب فإن من صنف استهدف. ويكون لخصوص الكتاب من المقدمات مثل ما في مقدمة العلم مع الزمان والمكان والرموز فليجمعها في واحدة أو ليقدم في الديباجة على مقدمة العلم. المطالعة: النظر في الكتاب بفهم المراد والخلل وبعد اقتناء اللغة والاصطلاح وملكة الترجمة تتمم بأنظار ثلاثة تداخلت أو تعاقبت: الأول: للإحاطة بالمعاني الثانوية وتمييز المذكور عن المتروك وبعض الجمل عن بعض والطرفين عن القيود. والثاني: لمعرفة فوائدها والمعاني الأولية وجديد التصرف وربط الأدلة والأبحاث فيما بينها استقامة واعوجاجا بما في التدريس. والثالث: للنقد بالهدم والتشييد والنقد والترصيف ويفهم المعنى: ١ - بعبارة الكلام من لفظه بلا شبهة قصداً. ٢ - وإشارته كذلك ضمنا. ٣ - وعمومه لبيان الفردية. ٤ - والإدراج فيه لمبينها بعد خفاء لكمال أو نقص أو ثبوت الركن وفقد اللوازم العرفية ونحوها. ٥ - وتقديره لمحذوف يشهد له العرف بلا روية. ٦ - وإيمائه لترجيح أحد محتمليه بقاطع أو ظني كشهادة كلام ثان له أو عدم اجتماع الأوصاف في غيره وكونه أهم المقاصد. أو أدنى مصداق أو فائدة لولاه لبطل ولغي أو قربه معنى أو مزيد نفعه أو نحوه. ٧ - وإشعار من سياقه كالتقديم والتأخير والعدول وجواب الوهم والانطباق والحذف حيث يذكر والإدارة على الوصف والتعقيب بأن في التنزيل شبهها. ٨ - ومقامه كالتيسير والتشديد والفخامة والحقارة والتدقيق والمسامحة والاهتمام والتبعية. ٩ - وتجوزه لتعذر الحقيقة وقيام القرينة. ١٠ - وكنايته لعدم وفاء الصريح بالغرض وإن صح. ١١ - وتعارفه من زيادة لفظ وبيانية إضافة والتكثير بالواحد والاعتبار لتكرار وعزمه وتعمم خاص وعكسه وإخراج المتكلم من الكلام.

стр. 120

١٢ - وبالتزامه بالالتفات إلى ما لا ينفك ذهنا لعلاقة ذاتية كالملكة لعدمها وأحد المتضايفين للآخر أو عادة طبعية كالنور للكواكب والحرارة للنار أو عرفية كالسخاوة لحاتم والشجاعة لرستم١. ١٣ - ومنافاته لوجوب ارتفاع مقابلة. ١٤ - واقتضائه لما يتوقف عليه صدقة عقلا أو شرعا أو عادة٢ وهما بينان بالمعنى الأعم. ١٥ - واستلزامه لما يترتب عليه ولا يعرف إلا بممارسة وفكر من غير البين. ١٦ - وفحواه فيما عليته مناطة وحصوله في الفرع بالعرف واللغة. ١٧ - والقياس عليه في مثله بالنظر. ١٨ - واعتباره لاجتماع مباد في الذهن أورثت بسماعه٣ ما لا ينقدح لغيره. ١٩ - ومفهومه المخالف بشروطه حيث يتعين فائدة. ٢٠ - وتأليفه اقترانيا من مقدمتين في أثنائه مشتركتين في جزء واستئناثيا من شرطية أو فرع لأصل مع اعتراف أو إنكار لأحد طرفيها ٢١ - والاقتصار عليه عن الأبين والأرفق في معرض البيان ويخل به - أي بفهم المعنى - الجهل: ١ - بالموضوع له ٢ - والوضع ٣ - وخواص التراكيب ٤ - والمرجح ٥ - والصارف ٦ - والقرينة ٧ - ثم توجه المفاسد ٨ - والحذف ٩ - والخلط ١٠ - والانتشار فبعد سكب السليقة بالتتلمذ يستعان بالفحص عن معادنها والشروح والحواشي وكتب الفن وإمعان الفكر وأعظم نفعها في الكتاب والسنة. هذا ما تيسر لي بفضل الله وله المنة ومن ارتقى إلى الكمال فليزد فيه ما شاء فإن العلوم تتزايد بتلاحق الأفكار والله سبحانه دائم الجود مفيض الأسرار والحمد لله انتهى. كلامه وهو الباب الثاني من كتابه على التمام والكمال. وقال الشيخ العلامة: عليم الله بن عبد الرزاق٤ في شرح رسالة المطالعة ما عبارته:

стр. 121

واعلم أن المطالعة علم يعرف به مراد المحرر بتحريره وغايته الفوز بمراده حقا والسلامة عن الخطأ والتخطئة باطلا. وموضوعه المحرر من حيث هو. فإذا أردت الشروع في المطالعة وهو صرف الفكر في مبحث ليتجلى معناه فانظر وتأمل في المبحث مبتدئا من أوله منتهيا إلى آخره نظرا إجماليا لكن ينبغي أن يكون ذلك النظر على وجه ينتقش في ذهنك جملة المعنى المراد منه فإن انتقش في النظر الأول فذاك وإلا فذلك إما لخفاء في اللغة أو لغط أو لسهو أو لنسيان من النساخ بحذف أو زيادة أو قلب أو تصحيف أو لتعقيد أو لقصور فيك فراجع في الأول إلى كتب اللغة أو إلى من عنده علمها وفي الثاني والثالث والرابع إلى نسخة أصح منها وأما في الأخيرين فانظر نظرا ثانيا أو ثالثا فصاعدا حتى ينتقش المراد ثم بعد الانتقاش لاحظ الأمور التصورية من كل قضية منه أولا فأولا على الترتيب بدقة النظر في تلك الملاحظة واستبصر في كل من تلك الأمور هل يرد على واحد منها أمر من الأمور القادحة فيها أم لا والمراد بالورود ههنا التوجه الذي هو أعم منه وبعد ظهور ذلك الأمر من القوادح استبصر ثانيا هل يمكن دفع ذلك الأمر منها أم لا وبعد ظهر الدافع ثالثا هل يمكن دفع ما يدفع ذلك الدافع أم لا وهكذا إلى حيث يتوطن الذهن وآية التوطن اختبار بتثنية النظر وتثليثه فصاعدا على حسب المقام وبعد الفراغ من تلك الملاحظة لاحظ الأمور التصديقية أيضا بدقة النظر واستبصر في لك منها هل يتوجه على واحد منها شيء من الأشياء التي يقدح فيها أم لا. وبعد ظهور شيء من القوادح استبصر ثانيا هل يسوغ ويمكن التقصي عنها أم لا. وبعد ظهور التقصي عنها ثالثا هل يمكن التقصي عن ذلك التقصي أم لا. وهكذا إلى حيث يحصل التوطن وآيته ههنا آيته هناك. وبعد الفراغ عن تينك الملاحظتين لا حظ الأمور القادحة الموردة التي أوردها عليها١ مورد سواء كانت محررة في شرح أو حاشية أولا والغرض من هذه الملاحظة أن يظهر لك هل هي متوجهة كما هو في زعم المورد أم لا. فإن ظهرت غير متوجهة أصلا فلا تلتفت إليها إلا أن يكون المورد عظيم الشأن معتقد الكل أو الأكثر فهناك القصور فيك لا فيه فتوقف حينئذ واختبر نظرك بتكريره مرة بعد أخرى. ثم بالمطارحة مع الأقران ثم بالعرض على المشائخ والأستاذين فإن أزاحوا شبهتك فذاك وإلا فالتسليم والإحالة إلى وقت فتحه تعالى وإلا فاستبصر في دفعها هل هو ممكن أو لا. وبعد ظهور الدافع يمكن دفع ما يدفعه أم لا. وهكذا إلى حصول التوطن فإذا نظرت في المبحث من أوله إلى آخره على هذا الوجه المذكور فلا يخلو حالك عن أحد هذه الأمور الثلاثة: إما أن لا تكون أنت واجدا ومصيبا لشيء من القوادح أصلا فعدم الوجدان والإصابة إما لقصور ذهنك عن إدراكه أو لعدمه لكمال من حرره في التحرير بحيث لا يتطرق إليه قدح ولا نقص أصلا أو لوقوع تحريره هذا كاملاً. وإما أن تكون أنت واجد الشيء من الأشياء الواردة القادحة المدفوعة التي دفعها الناس أو أمكن دفعها.

стр. 122

وإما أن تكون أنت واجد الشيء من الأشياء الواردة الغير المدفوعة. ولا قصور في شيء من هذه الأحوال التي هي في المورد الثلاثة المذكورة إلا في الحالة الأولى فإن القصور فيها محتمل كما تقدم. وإذا كانت ناشئة من القصور وظهر لك أن الحالة الأولى منشؤها قصور ذهنك عن دركه فلا تفتر جدك وجهدك في النظر والمطالعة بل استمر واثبت على ذلك فإن الممارسة لشيء والملازمة له تورث الكمال في ذلك الشيء. فإذا فرغت عن النظر في المبحث الأول بالطريقة المهدية إليها الهادية إلى الحق فانظر في المبحث الثاني من أوله إلى آخره على الوجه الذي أريناك فإن ظهر عليك أن القصور في نفسك باق بعد بأن لم تجد مدعاه أو شيئا من القوادح فلا تفتر جدك وجهدك في النظر والمطالعة بل أثبت فانظر في المبحث الثالث على ذلك الوجه وهكذا إلى أن يتم الكتاب فإن حصل لك الكمال فذلك وإلا فإعادته إلى كتاب آخر فآخر إلى أن يحصل لكل الكمال. وعد نفسك محلا قابلا لفيضان الكمالات عليها ولا تيأس من فضل الله فإنك أيها العاقل لست من الذين قد محاهم المخاطبون عن دفاترهم وفضل الله على الخلق أوسع من خواطرهم. وإذا وقع جدك وجهدك في المطالعة على هذا النهج والطريق المذكور سنة أو أكثر إلى سنتين لا أظنك أن لا تترقى بل أجزم أن تترقى في المطالعة إلى وجه تقدر على تمييز المقبول من الأحكام عن المردود منها فإذا صرت مقتدرا كامل القدرة على ذلك الطريق بحيث لا يحوم حولك قصور ولا خطأ ولا فتور فارتق إلى حيث خلقت نوعا أو شخصا له من المراتب العالية من الكمالات النفسية التي هي معرفة الله تعالى ذاتا وصفة حيث قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي ليعرفون كما فسر بعضهم. قف: اعلم أن الشارح والمحشي إذا زاد على الأصل شيئا فالزائد لا يخلو إما أن يكون بحثا أو اعتراضا أو تفصيلا لما أجمله أو تكميلا لما نقصه وأهمله والتكميل إن كان مأخوذا من كلام سابق أو لاحق فإبراز وإلا فاعتراض فعلى الأولين إما تفسير لما أبهمه فإن كان بكلمة أي أو بالبيان أو بالعطف فتفسير باللفظ وإن كان بكلمة يعني أو ما يرادفه فتفسير بالمعنى الظاهر وصيغ الاعتراض مشهورة ولبعضها محل يشارك فيه الآخر فيرد وما اشتق منه لما لا مدفع له بزعم المعترض ويتوجه والمشتق منه أعم منه ونحو إن قلت مما هو بصيغة المعلوم شرطا لما تحقق له الجواب مع قوة في البحث ونحو إن قيل له مع ضعف فيه وقد يقال ونحوه لما فيه ضعف شديد ونحوه لقائل لما فيه ضعف ضعيف وفيه بحث ونحوه لما فيه قوة سواء تحقق الجواب أولا وصيغة المجهول ماضيا كان أو مضارعا ولا يبعد ويمكن كلها صيغ التمريض يدل على ضعف مدخولها بحثا كان أو جوابا وأقول وقلت لما هو خاصة القائل وقد اشتهر من الأستاذين أن لا يبعد أن شرح الكافية للشيخ الأجل الكامل في الكل الشيخ عبد الرحمن الجامي١ قدس سره من خواصه. وكذا قد يقالات شرح المواقف للسيد٢ سند

стр. 123

الكل في الكل له خاصة. واختيار صيغ التمريض تواضع منهما رفع الله تعالى قدرهما. وإذا قيل حاصله أو محصله أو تحريره أو تنقيحه أو نحو ذلك فذاك إشارة إلى قصور في الأصل واشتماله على حشو وإيهام. وتراهم يقولون فيم قام إقامة شيء مقام آخر مرة نزل منزلته وأخرى أنيب منابه وأخرى أقيم مقامه فالأول في إقامة الأعلى مقام الأدنى والثاني بالعكس والثالث في المساواة وإذا رأيت واحدا منها مكان الآخر فهناك نكتة وإنما اختاروا في الأول التفعيل وفي الأخيرين الأفعال لأن تنزيل الأعلى مكان الأدنى يحوج إلى العلاج والتدريج. وربما يختم البحث بنحو تأمل فهو إشارة إلى دقة المقام مرة وإلى خدشة فيه أخرى سواء كان ب فيه أو بدونها إلا في مصنفات العلامة مولانا جلال الدين الدواني١ نور الله مرقده فإنه ب فيه إشارة إلى الثاني وبدونها إلى الأول٢. وهذا اصطلاح جديد له على ما نقله عنه بعض تلامذته مختص بها غير متجاوز عنها انتهى. ملخصا٣. أدب البحث: هو علم يوصل به إلى كيفية الاحتراز عن الخطأ في المناظرة. وموضوعه المناظرة إذ يبحث فيه عن أحوالها وكيفياتها وأوردنا ههنا ما هو المطلب الأعلى والاهتمام بشأنه هو المقصد الأقصى فنقول: لا بد أن يعلم أولا أن المعلل ما دام في تقرير الأقوال والمذاهب وتحرير المباحث لا يتجه عليه ولا يطلب منه شيء سوى تصحيح النقل وتصريح أن فلانا قال كذا في كذا إن طولب به فإذا شرع في إقامة الدليل على ما ادعاه يتجه عليه طريق المناظرة. قف: اعلم أن كلام المناظرين إما أن يقع في التعريفات أو في المسائل فإن وقع في التعريفات فللسائل طلب الشرائط وإيراد النقض٤ بوجود أحدهما بدون الآخر ولا يرد عليه المنع لأنه طلب الدليل والدليل على التصديق إلا أن يدعي الخصم حكما صريحا بان يقول هذا مفهومه لغة أو عرفا أو اصطلاحا أو ضمنا. فللسائل أن يمنع وللمعلل - أي المجيب - أن يجيب والجواب عن التعريف الاسمي سهل حاصله يرجع إلى الاصطلاح وإلى أن يقول المعلل: إن مرادي بهذا اللفظ هذا المعنى وعن التعريف الحقيقي أعني تعريف الماهيات الموجودة في الخارج صعب إذ لا مدخل فيه للاصطلاح بل يجب فيه العلم بالذاتيات بالذاتيان والعوارض والتفرقة بينهما بان يفرق بين الجنس والعرض العام والفصل والخاصة وهذا متعسر جدا في التعريف بل متعذر وكذا لا نرد عليه المناقضة فإنها هي طلب الدليل الدال على نقيض المدعي،

стр. 124

والدليل منتف هنا وإن وقع في المسائل فإذا شرع المعلل في إقامة الدليل فالخصم إن منع مقدمة معينة من مقدماته أو كليهما على التعينين فذاك يسمى مناقضة ونقضا تفصيليا فلا يحتاج فيه إلى شاهد وإن ذكر شيئا مما يتقوى به المنع يسمى سندا فإن لم يذكره لم يجز الاعتراض عليه إلا إذا ادعى مساواته المنع لأن السند ملزوم لثبوت المنع وانتفاء الملزوم لا يستلزم انتفاء اللازم لكن على تقدير المساواة يمكن انتفاؤه وأكثر ما يستند إليه يذكر مساويا فلذا شاع الكلام عليه وإن منع مقدمة غير معينة بان يقول: ليس هذا الدليل بجميع مقدماته صحيحا بمعنى أن فيها خللا فذلك يسمى نقضا إجماليا ولا يسمع إلا أن يذكر الشاهد على الخلل وإن لم يمنع شيئا من المقدمات لا إجمالا ولا تفصيلا بل قابل بدليل دال على نقيض مدعاه يسمى معارضة ويصير السائل معللا وبالعكس. واعلم أن السؤال المتعلق بالإفهام يسمى الاستفسار وهو طلب بيان معنى اللفظ في الأغلب وإنما يسمع إذا كان في اللفظ إجمال أو غرابة وكذلك كل ما يمكن فيه الاستبهام حسن فيه الاستفهام وإلا فهو لجاج وتعنت ولفائدة المناظرة مفوت إذ يأتي في كل لفظ تفسير فيتسلسل والجواب عن الاستفهام ببيان ظهوره في مقصوده إما بالنقل عن أهل اللغة أو بالعرف العام أو الخاص أو بالقرائن المضمومة وإن عجز عن ذلك كله فالتفسير بما يصح لغة وإلا يكون من جنس اللعب فيخرج عما وضعت له المناظرة وإظهار الحق وهذا الاستفهام يرد على تقرير المدعي وعلى جميع المقدمات وعلى جميع الأدلة فلا سؤال أعم منه. تنبيه: من الواجب على المعلل أن لا يستعجل بالجواب بل يطلب منه توجيه المنع وتحقيقه إذ ربما لا يتمكن المانع توجيهه أو يظهر فساده أو يتذكر جوابه فإذا أجيب فعلى المانع أو لا يستعجل بل ويطلب توجيه الجواب وتفصيله إذ ربما لا يقدر عليه أن يكون غلطا ومما يجب على المتناظرين أن يتكلما في كل علم بما هو حده ووظيفته فلا يتكلما في اليقيني بوظائف الظني وبالعكس.

стр. 125

الباب الرابع: في فوائد منثورة من أبواب العلم وفيه مناظر وفتوحات المنظر الأول: في العلوم الإسلامية اعلم أن العلوم الواقعة في العمران لهذا العهد التي يخوض فيها البشر ويتداولونها فيما بينهم تحصيلا وتعليما هي على صنفين: صنف طبيعي: للإنسان يهتدي إليه بفكره وصنف نقلي: يأخذه عمن وضعه. والأول: هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر. والثاني: هي العلوم النقلية الوضعية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي إلا أن هذا القياس يتفرع عن الخبر بثبوت الحكم في الأصل وهو نقلي فرجع هذا القياس إلى النقل لتفرعه عنه. وأصل هذه العلوم النقلية كلها هي: الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله وما يتعلق بذلك من العلوم التي نهيئها للإفادة ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملكة وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه وهي مأخوذة من الكتاب والسنة بالنص أو بالإجماع أو بالإلحاق فلا بد من النظر في الكتاب ببيان ألفاظه أولا وهذا هو: علم التفسير ثم بإسناد نقله وروايته إلى النبي ﷺ الذي جاء به من عند الله واختلاف روايات القراء في قراءته وهذا هو: علم القراءات ثم بإسناد السنة إلى صاحبها والكلام في الرواة الناقلين لها ومعرفة أحوالهم وعدالتهم ليقع الوثوق بأخبارهم بعلم ما يجب العمل بمقتضاه من

стр. 126

ذلك وهذه هي: علوم الحديث ثم لا بد في استنباط هذه الأحكام من أصولها من وجه قانوني يفيد العلم بكيفية هذا الاستنباط وهذا هو: أصول الفقه وبعد هذا تحصل الثمرة بمعرفة أحكام الله تعالى في أفعال المكلفين وهذا هو: الفقه ثم إن التكاليف منها: بدني ومنها: قلبي وهو المختص بالإيمان وما يجب أن يعتقد وما لا يعتقد وهذه هي: العقائد الإيمانية في الذات والصفات وأمور الحشر والنعيم والعذاب والقدر والحجاج عن هذه بالأدلة العقلية هو: علم الكلام ثم النظر في القرآن والحديث لا بد أن تتقدمه العلوم اللسانية لأنه متوقف عليها وهي أصناف فمنها: علم اللغة وعلم النحو وعلم البيان وعلم الأدب حسبما نتكلم عليها كلها. وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها وإن كانت كل ملة على الجملة لا بد فيها من مثل ذلك فهي مشاركة لها في الجنس البعيد من حيث إنها علوم الشريعة المنزلة من عند الله تعالى على صاحب الشريعة المبلغ لها وأما على الخصوص: فمباينة لجميع الملل لأنها ناسخة لها وكل ما قبلها من علوم الملل فمهجورة والنظر فيها محظور فقد نهى الشرع عن النظر في الكتب المنزلة غير القرآن قال ﷺ : "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد" ورأى النبي ﷺ في يد عمر ﵁ ورقة من التوراة فغضب حتى تبين الغضب في وجهه ثم قال: "ألم آتكم بها بيضاء نقية والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي". ثم إن هذه العلوم الشرعية النقلية قد نفقت أسواقها في هذه الملة بما لا مزيد عليه وانتهت فيها مدارك الناظرين إلى الغاية التي لا فوقها وهذبت الاصطلاحات ورتبت الفنون فجاءت من وراء الغاية في الحسن والتنميق. وكان لكل فن رجال يرجع إليهم فيه وأوضاع يستفاد منها التعليم واختص المشرق من ذلك والمغرب بما هو مشهور منها وقد كسدت لهذا العهد أسواق العلم بالمغرب لتناقص العمران فيه وانقطاع سند العلم والتعليم وما أدري ما فعل الله بالمشرق؟ والظن به نفاق العلم فيه واتصال التعليم في العلوم وفي سائر الصنائع الضرورية والكمالية لكثرة عمرانه والحضارة ووجود الإعانة لطالب العلم بالجراية من الأوقاف التي اتسعت بها أرزاقهم - والله هو الفعال لما يريد وبيده التوفيق والإعانة -.

стр. 127

المنظر الثاني: في أن حملة العلم في الإسلام أكثرهم العجم ١ وذلك من الغريب الواقع لأن علماء الملة الإسلامية في العلوم الشرعية والعقلية أكثرهم العجم إلا في القليل النادر وإن كان منهم العربي في نسبته فهو عجمي في لغته ومرباه ومشيخته مع أن الملة عربية وصاحب شريعتها عربي والسبب في ذلك: أن الملة في أولها لم يكن فيها علم ولا صناعة لمقتضى أحوال السذاجة والبداوة وإنما أحكام الشريعة - التي هي: أوامر الله ونواهيه - كان الرجال ينقلونها في صدورهم وقد عرفوا مأخذها من الكتاب والسنة بما تلقوه من صاحب الشرع وأصحابه والقوم يومئذ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ولا دفعوا إليه ولا دعتهم إليه حاجة وجرى الأمر على ذلك زمن الصحابة

стр. 128

والتابعين وكانوا يسمون المختصين بحمل ذلك ونقله: القراء: أي الذين يقرؤون الكتاب وليسوا أميين لأن الأمية يومئذ صفة عامة في الصحابة بما كانوا عربا فقيل لحملة القرآن يومئذ: قراء إشارة إلى هذا فهم قراء لكتاب الله والسنة المأثورة عن رسول الله لأنهم لم يعرفوا الأحكام الشرعية إلا منه ومن الحديث الذي هو في غالب موارده تفسير له وشرح قال ﷺ : "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي". فلما بعد النقل - من لدن دولة الرشيد فما بعد - احتيج إلى وضع التفاسير القرآنية وتقييد الحديث مخافة ضياعه ثم احتيج إلى معرفة الأسانيد وتعديل الناقلين للتمييز بين الصحيح من الأسانيد وما دونه ثم كثر استخراج أحكام الواقعات من الكتاب والسنة وفسد مع ذلك اللسان فاحتيج إلى وضع القوانين النحوية وصارت العلوم الشرعية كلها ملكات في: الاستنباطات والاستخراج والتنظير والقياس واحتاجت إلى علوم أخرى وهي وسائل لها من: معرفة قوانين العربية وقوانين ذلك الاستنباط والقياس والذب عن العقائد الإيمانية بالأدلة لكثرة البدع والإلحاد فصارت هذه العلوم كلها علوما ذات ملكات محتاجة إلى التعليم فاندرجت في جملة الصنائع وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر وأن العرب أبعد الناس عنها فصارت العلوم لذلك حضرية وبعد عنها العرب وعن سوقها والحضر لذلك العهد هم: العجم أو من في معناهم من الموالي وأهل الحواضر الذين هم يومئذ تبع للعجم في الحضارة وأحوالها من: الصنائع والحرف لأنهم أقوم على ذلك للحضارة الراسخة فيهم منذ دولة الفرس فكان صاحب صناعة النحو: سيبويه والفارسي من بعده والزجاج من بعدهما وكلهم عجم في أنسابهم وإنما ربوا في اللسان العربي فاكتسبوه بالمربى ومخالطة العرب وصيروه قوانين وفنا لمن بعدهم وكذا حملة الحديث الذين حفظوه عن أهل الإسلام أكثرهم عجم أو مستعجمون باللغة والمربى وكان علماء أصول الفقه كلهم عجما - كما يعرف - وكذا حملة علم الكلام وكذا أكثر المفسرين ولم يقم بحفظ العلم وتدوينه إلا الأعاجم وظهر مصداق قوله ﷺ : "لو تعلق العلم بأكناف السماء لناله قوم من أهل فارس". وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقها وخرجوا إليها عن البداوة فشغلتهم الرياسة في الدولة العباسية وما دفعوا إليه من القيام بالملك عن القيام بالعلم والنظر فيه فإنهم كانوا أهل الدولة وحاميتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع والرؤساء - أبدا - يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجر إليها ودفعوا ذلك إلى من قام به من العجم والمولدين وما زالوا يرون لهم حق القيام به فإنه دينهم وعلومهم ولا يحتقرون حملتها كل الاحتقار حتى إذا خرج الأمر من العرب جملة وصار للعجم صارت العلوم الشرعية غريبة النسبة عند أهل الملك بما هم عليه من البعد عن نسبتها وامتهن حملتها بما يرون أنهم بعداء عنهم مشتغلين بما لا يغني ولا يجدي عنهم في: الملك والسياسة وهذا الذي قررناه: هو السبب في أن حملة الشريعة أو عامتهم من العجم. وأما العلوم العقلية أيضا: فلم تظهر في الملة إلا بعد أن تميز حملة العلم ومؤلفوه واستقر العلم كله صناعة فاختصت بالعجم وتركتها العرب وانصرفوا عن انتحالها فلم يحملها إلا المعربون من العجم - شأن الصنائع كما قلناه أولا - فلم يزل ذلك في الأمصار ما دامت الحضارة في العجم وبلادهم من: العراق وخراسان وما وراء النهر فلما خربت تلك الأمصار وذهبت منها الحضارة التي هي سر الله في حصول

стр. 129

العلم والصنائع ذهب العلم من العجم جملة لما شملهم من البداوة واختص العلم بالأمصار الموفورة الحضارة ولا أوفر اليوم في الحضارة من مصر فهي: أم العالم وإيوان الإسلام وينبوع العلم والصنائع وبقي بعض الحضارة فيما وراء النهر لما هناك من الحضارة بالدولة التي فيها فلهم بذلك حصة من العلوم والصنائع لا تنكر وقد دلنا على ذلك: كلام بعض علمائهم في تآليف وصلت إلينا من هذه البلاد وهو: سعد الدين التفتازاني١ وأما غيره من العجم فلم نر لهم من بعد الإمام ابن الخطيب٢ ونصير الدين الطوسي٣ كلاما يعول على نهايته في الإصابة - فاعتبر ذلك وتأمله تر عجبا في أحوال الخليقة والله يخلق ما يشاء لا إله إلا هو وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله٤.

стр. 130

المنظر الثالث: في علوم اللسان العربي أركانه أربعة: وهي اللغة والنحو والبيان والأدب ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة إذ مأخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة وهي بلغة العرب ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب وشرح مشكلاتها من لغاتهم فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة وتتفاوت في التأكيد بتفاوت مراتبها في التوفية بمقصود الكلام حسبما يتبين في الكلام عليها فنا فنا. والذي يتحصل: أن الأهم المقدم منها هو: النحو إذ به يتبين أصول المقاصد بالدلالة فيعرف الفاعل من المفعول والمبتدأ من الخبر ولولاه لجهل أصل الإفادة وكان من حق علم اللغة التقدم لولا أن أكثر الأوضاع باقية في موضوعاتها لم تتغير بخلاف الإعراب الدال على الإسناد والمسند والمسند إليه فإنه تغير بالجملة ولم يبق له أثر فلذلك كان علم النحو أهم من اللغة إذ في جهله الإخلال بالتفاهم جملة وليست كذلك اللغة - والله أعلم وبه التوفيق وقد قدمنا أن العلم من جملة الصنائع لكنه أشرفها فلا نعيد الكلام على ذلك حذرا من الإطالة.

стр. 131

المنظر الرابع: في أن الرحلة في طلب العلوم ولقاء المشيخة مزيد كمال في التعلم ١ والسبب في ذلك: أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلون به من المذاهب والفضائل تارة: علما وتعليما وإلقاء وتارة: محاكاة وتلقينا بالمباشرة إلا أن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد

стр. 132

استحكاما وأقوى رسوخا فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها. والاصطلاحات أيضا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين فلقاء أهل العلوم وتعدد المشائخ يفيده تمييز الاصطلاحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها فيجرد العلم عنها ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات ويصحح معارفه ويميزها عن سواها مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتهما من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم وهذا لمن يسر الله تعالى عليه طرق العلم والهداية فالرحلة لا بد منها في طلب العلم لاكتساب الفوائد والكمال بلقاء المشائخ ومباشرة الرجال والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم١ ويرشده إلى طريق سوي ودين قويم.

стр. 133

المنظر الخامس: في أن العلماء - من بين البشر - أبعد عن السياسة ومذاهبها ١ والسبب في ذلك: أنهم معتادون النظر الفكري والغوص على المعاني وانتزاعها من المحسوسات وتجريدها في الذهن أمورا كلية عامة ليحكم عليها بأمر العموم لا بخصوص مادة ولا شخص ولا جيل ولا أمة ولا صنف من الناس ويطبقون من بعد ذلك الكلي على الخارجيات وأيضا يقيسون الأمور على أشباهها وأمثالها بما اعتادوه من القياس الفقهي فلا تزال أحكامهم وأنظارهم كلها في الذهن ولا تصير إلى المطابقة إلا بعد الفراغ من البحث والنظر ولا تصير بالجملة إلى مطابقة وإنما يتفرع ما في الخارج عما في الذهن من ذلك: كالأحكام الشرعية فإنها فروع عما في المحفوظ من أدلة الكتاب والسنة فتطلب مطابقة ما في الخارج لها عكس الأنظار في العلوم العقلية التي تطلب في صحتها مطابقتها لما في الخارج فهم متعودون في سائر أنظارهم الأمور الذهنية والأنظار الفكرية لا يعرفون سواها والسياسة يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها فإنها خفية ولعل أن يكون فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر إذ كما اشتبها في أمر واحد فلعلهما اختلفا في أمور فتكون العلماء - لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض - إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم فيقعون في الغلط كثيرا ولا يؤمن عليهم ويلحق بهم أهل الذكاء والكيس من أهل العمران لأنهم ينزعون بثقوب أذهانهم إلى مثل شأن الفقهاء من الغوص على المعاني والقياس والمحاكاة فيقعون في الغلط والعامي السليم الطبع المتوسط الكيس لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده إياه يقتصر لكل مادة على حكمها وفي كل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به ولا يعدي الحكم بقياس ولا تعميم ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة ولا يجاوزها في ذهنه كالسابح: لا يفارق البر عند الموج قال الشاعر:

стр. 134

فلا توغلن إذا ما سبحت ... فإن السلامة في الساحل فيكون مأمونا من النظر في سياسته مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره وفوق كل ذي علم عليم. ومن هنا: يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس فإنها تنظر في المعقولات الثواني ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني وأما النظر في المعقولات الأول - وهي التي تجريدها قريب - فليس كذلك لأنها خيالية وصور المحسوسات حافظة مؤذنة بتصديق انطباقه - والله أعلم وبه التوفيق١.

стр. 135

المنظر السادس: في موانع العلوم وعوائقها وفيه فتوحات: فتح: اعلم أنه على كل خير مانع وعلى العلم موانع منها: الوثوق بالمستقبل والوثوق بالذكاء والانتقال من علم إلى علم قبل أن يحصل منه قدرا يعتد به أو من كتاب إلى كتاب قبل ختمه. ومنها: طلب المال أو الجاه أو الركون إلى اللذات البهيمية. ومنها: ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال. ومنها: أفعال الدنيا وتقليد الأعمال ومنها: كثرة التأليف في العلوم وكثرة الاختصارات فإنها مخلة عائقة. فتح: أما الوثوق بالمستقبل: فلا ينبغي للعاقل لأن كل يوم آت بمشاغله فلا يؤخر شغل يومه إلى غد. فتح: وأما الوثوق بالذكاء: فهو من الحماقة وكثير من الأذكياء فاته العلم بهذا السبب. فتح: وأما الانتقال من علم إلى علم قبل أن يستحكم الأول فهو: سبب الحرمان عن الكل فلا يجوز وكذا الانتقال من كتاب إلى كتاب كذلك. فتح: وأما طلب المال أو الجاه أو الركون إلى اللذات البهيمية فالعلم أعز من أن ينال مع غيره أو على سبيل التبعية ولذلك ترى كثيرا من الناس لا ينالون من العلم قدرا صالحا يعتد به لاشتغالهم عنه بطلب المنصب والمدرسة وهم يطلبونه دائما ليلا ونهارا سرا وجهارا ولا يفترون وكان ذكرهم وفكرهم تحصيل المال والجاه مع أنها لهم في اللذات الفانية وعدم ركونهم إلى السعادة الباقية ومناصبهم في الحقيقة مناصب أجنبية لأنها شاغلة عن الشغل والتحصيل على القانون المعتبر في طريقه. فتح: وأما ضيق الحال وعدم المعونة على الاشتغال فمن أعظم الموانع وأشدها لأن صاحبه مهموم ومشغول القلب أبداً.

стр. 136

فتح: وأما إقبال الدنيا وتقلد العمل فلا شك أنه يمنع صاحبه عن التعليم والتعلم. فتح: وأما كثرة المصنفات في العلوم واختلاف الاصطلاحات في التعليم فهي عائقة عن التحصيل لأنه لا يفي عمر الطالب - بما كتب في صناعة واحدة - إذا تجرد لها لأن ما صنفوه في الفقه مثلا من المتون والشروح لو التزمه طالب لا يتيسر له مع أنه يحتاج إلى تمييز طرق المتقدمين والمتأخرين وهي كلها متكررة والمعنى واحد والمتعلم طالب والعمر ينقضي في واحد منها ولو اقتصروا على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك ولكنه داء لا يرتفع ومثله علم العربية أيضا في مثل كتاب سيبويه وما كتب عليه وطرق البصرييين والكوفيين والأندلسيين وطرق المتأخرين مثل: ابن الحاجب وابن مالك١ وجميع ما كتب في ذلك: كيف يطالب به المتعلم؟ وينقضي عمره دونه ولا يطمع الذي هو آلة من آلات ووسيلة فكيف تكون في المقصود الذي هو الثمرة؟ - ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين. فتح: وأما كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم فإنها مخلة بالتعليم فقد٢ ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدونون منها برنامجا مختصرا في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن وصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسرا على الفهم وربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون للتفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ كما فعله ابن الحاجب في الفقه وأصول الفقه وابن مالك في العربي والخونجي٣ في المنطق وأمثالهم وهو فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل وذلك لأن فيه تخليطا على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد وهو من سوء التعليم ثم فيه - مع ذلك - شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم بتزاحم المعاني عليها وصعوبة استخراج المسائل من بينها لأن ألفاظ المختصرات تجدها - لأجل ذلك - صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح من الوقت ثم بعد ذلك: فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة بكثرة ما يقع في تلك من التكرار والإحالة المفيدين لحصول الملكة التامة وإذا اقتصر على التكرار قصرت الملكة لقلته كشأن هذه الموضوعات المختصرة فقصدوا إلى تحصيل الحفظ على المتعلمين فأركبوهم صعبا يقطعهم عن تحصيل الملكات النافعة وتمكنها٤ ومن ذلك القبيل: كتاب: التهذيب في المنطق لسعد الدين التفتازاني والسلم والمسلم لمحب الله البهاري والفصول الأكبري في الصرف والفوائد الصمدية في النحو - ومن يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والله سبحانه أعلم.

стр. 137

المنظر السابع: في أن الحفظ غير الملكة العلمية اعلم: أن من كان عنايته بالحفظ أكثر من عنايته إلى تحصيل الملكة لا يحصل على طائل من ملكة التصرف في العلم ولذلك ترى من حصل الحفظ لا يحسن شيئا من الفن وتجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر كأكثر فقهاء المغرب وطلبة علمه من: أهل بخارى وبغداد وكابل وقندهار ومن إليها من المدن والأمصار ومن ظن أنه المقصود من الملكة العلمية فقد أخطأ وإنما المقصود هو: ملكة الاستخراج والاستنباط وسرعة الانتقال من الدوال إلى المدلولات ومن اللازم إلى الملزوم وبالعكس فإن انضم إليها ملكة الاستحضار فنعم المطلوب وهذا لا يتم بمجرد الحفظ بل الحفظ من أسباب الاستحضار وهو راجع إلى جودة قوة الحافظة وضعفها وذلك من أحوال الأمزجة الخلقية وإن كان مما يقبل العلاج.

стр. 138

المنظر الثامن: في شرائط تحصيل العلم وأسبابه وفيه فتوحات أيضا: فتح: اعلم أن شرائط التحصيل كثيرة لكنها مجتمعة فيما نقل عن سقراط وهو قوله: ينبغي أن يكون الطالب شابا فارغ القلب غير ملتفت إلى الدنيا صحيح المزاج محبا للعلم بحيث لا يختار على العلم شيئا من الأشياء صدوقا منصفا بالطبع متدينا أمينا عالما بالوظائف الشرعية والأعمال الدينية غير مخل بواجب فيها ويحرم على نفسه ما يحرم في ملة نبيه ويوافق الجمهور في الرسوم والعادات ولا يكون فظا سيئ الخلق ويرحم من دونه في المرتبة ولا يكون أكولا ولا متهتكا ولا خاشعا من الموت ولا جامعا للمال إلا بقدر الحاجة فإن الاشتغال بطلب أسباب المعيشة مانع عن التعلم. انتهى. فتح: ومن الشروط: تزكية الطالب عن الأخلاق الردية وهي متقدمة على غيرها كتقدم الطهارة فكما أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب كذلك العلم لا يدخل القلب إذا وجد فيه كلاب باطنية وكانت الأوائل يختبرون المتعلم أولا فإن وجدوا فيه خلقا رديا منعوه لئلا يصير آلة الفساد وإن وجدوه مهذبا علموه ولا يطلقونه قبل الاستكمال خوفا على فساد دينه ودين غيره. فتح: ومنها: الإخلاص في مقاساة هذا المسلك وقطع الطمع عن قبول أحد فيجب أن ينوي في تعلمه أن: يعمل بعلمه لله تعالى وأن يعلم الجاهل ويوقظ الغافل ويرشد الغوي فإنه قال ﵊: "من تعلم العلم لأربع دخل النار: ليباهي به العلماء وليماري به السفهاء ويقبل به وجوه الناس إليه وليأخذ به الأموال". فتح: ومن الشروط: تقليل العوائق حتى الأهل والأولاد والوطن فإنها صارفة وشاغلة ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ ومهما توزعت الفكرة قصرت عن درك الحقائق وقد قيل: العلم لا يعطيك بعضه

стр. 139

حتى تعطيه كلك فإذا أعطيته كلك فأنت على خطر من الوصول إلى بعضه. فتح: ومنها: ترك الكسل وإيثار السهر في الليالي ومن جملة أسباب الكسل فيه: ذكر الموت والخوف منه لكنه ينبغي أن يكون من جملة أسباب التحصيل إذ لا عمل يحصل به الاستعداد للموت أفضل من العلم والعمل به والخوف منه لا ينبغي أن يتسلط على الطالب بحيث يشغله عن الاستعداد وقوله ﵊: "أكثروا ذكر هادم اللذات" يدل على أنه ينبغي أن يكون ذكره سببا للانقطاع عن اللذات الفانية دون الباقية. فتح: ومن الشروط: العزم والثبات على التعلم إلى آخر العمر كما قيل: الطلب من المهد إلى اللحد وقال لحبيبه ﷺ : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ والحيلة في صرف الأوقات إلى التحصيل: أنه إذا مل من علم اشتغل بآخر كما قال ابن عباس ﵁ إذا مل من الكلام مع المتعلمين: هاتوا دواوين الشعراء. فتح: ومنها: اختيار معلم ناصح نقي الحسب كبير السن لا يلابس الدنيا بحيث تشغله عن دينه ويسافر في طلب الأستاذ إلى أقصى البلاد إن لم يكن ببلده الذي يسكن فيه ويقال: أول ما يذكر من المرء أستاذه فإن كان جليلا جل قدره فإذا وجده يلقي إليه زمام أمره ويذعن لنصحه إذعان المريض للطبيب ولا يستبد بنفسه اتكالا على ذهنه ولا يتكبر عليه وعلى العلم ولا يستنكف لأنه قد ورد في الحديث: من لم يتحمل ذل التعلم ساعة بقي في ذل الجهل أبدا ومن الآداب: احترام المعلم وإجلاله فمن تأذى منه أستاذه يحرم بركة العلم ولا ينتفع به إلا قليلا وينبغي أن يقدم حق معلمه على حق أبويه وسائر المسلمين ومن توقيره: توقير أولاده ومتعلقاته ومن تعظيم العلم: تعظيم الكتب والشركاء. فتح: ومن الشروط: أن يأتي على ما قرأه مستوعبا لمسائله - من مبادئه إلى نهايته - بتفهم واستثبات بالحجج وأن يقصد فيه الكتب الجيدة وأن لا يعتقد في علم أنه حصل منه على مقدار لا يمكن الزيادة عليه وذلك طيش يوجب الحرمان. فتح: ومنها: أن لا يدع فنا من فنون العلم إلا وينظر فيه نظر مطلع على غايته ومقصده وطريقته وبعد المطالعة في الجميع أو الأكثر إجمالا - إن مال طبعه إلى فن - عليه أن يقصده ولا يتكلف غيره فليس كل الناس يصلحون للتعلم ولا كل من يصلح لتعلم علم يصلح لسائر العلوم بل كل ميسر لما خلق له وإن كان ميله إلى الفنون على السواء مع موافقة الأسباب ومساعدة الأيام طلب التبحر فيها فإن العلوم كلها متعاونة مرتبطة بعضها ببعض لكن عليه أن لا يرغب في الآخر قبل أن يستحكم الأول لئلا يصير مذبذبا فيحرم من الكل ولا يكن ممن يميل إلى البعض ويعادي الباقي لأن ذلك جهل عظيم وإياه أن يستهين بشيء من العلوم تقليدا لما سمعه من الجهلة بل يجب أن يأخذ من كل حظا ويشكر من هداه إلى فهمه ولا يكن ممن يذم العلم ويعدوه لجهله مثل ذمهم المنطق الذي هو أصل كل علم وتقويم كل ذهن ومثل ذمهم العلوم الحكمية على الإطلاق من غير معرفة القدر المذموم والممدوح منها ومثل ذم علم النجوم مع أن بعضا منه فرض كفاية والبعض مباح ومثل ذم مقالات الصوفية لاشتباهها عندهم والعلم وإن كان مذموما في نفسه - كما زعموا - فلا يخلو تحصيله من فائدة أقلها رد القائلين به.

стр. 140

قف: اعلم أن النظر والمطالعة في علوم الفلسفة يحل بشرطين: أحدهما: أن لا يكون خالي الذهن عن العقائد الإسلامية بل يكون قويا في ذهنه راسخا على الشريعة الشريفة. والثاني: أن لا يتجاوز مسائلهم المخالفة للشريعة وإن تجاوز فإنما يطالعها للرد لا غير هذا لمن ساعده الذهن والسن والوقت وسامحه الدهر عما يفضيه إلى الحرمان وإلا فعليه أن يقتصر على الأهم وهو قدر ما يحتاج إليه فيما يتقرب به إلى الله تعالى وما لا بد منه في: المبدأ والمعاد والمعاملات والعبادات والأخلاق والعادات. فتح: ومن الشروط المعتبرة في التحصيل: المذاكرة مع الأقران ومناظرتهم كما قيل: العلم غرس وماؤه درس لكن طلبا للثواب وإظهارا للصواب وقيل: مطارحة ساعة خير من تكرار شهر ولكن مع منصف سليم الطبع وينبغي للطالب أن يكون متأملا في دقائق العلوم ويعتاد ذلك فإنما تدرك به خصوصا قبل الكلام فإنه كالسهم فلا بد من تقويمه بالتأمل أولاً. فتح: ومنها: الجد والهمة فإن الإنسان يطير بهما إلى شواهق الكمالات وأن لا يؤخر شغل يوم إلى غد فإن لكل يوم مشاغل ولا بد أن تكون معه محبرة في كل وقت حتى يكتب ما يسمع من الفوائد ويستنبطه من الزوائد فإن العلم صيد والكتابة قيد وينبغي أن يحفظ ما كتبه من العلم إذ العلم ما ثبت في الخواطر لا ما أودع في الدفاتر بل الغرض منه المراجعة إليها عند النسيان للاعتماد عليها. فتح: ومن الشروط: مراعاة مراتب العلوم في القرب والبعد من المقصد فلكل منها مرتبة ترتيبا ضروريا بحسب الرعاية في التحصيل إذ البعض طريق إلى البعض ولكل علم حد لا يتعداه فعليه أن يعرفه فلا يتجاوز ذلك الحد مثلا: لا يقصد إقامة البراهين في النحو ولا يطلب وأيضا لا يقصر عن حده كأن يقنع بالجدل في الهيئة وأن يعرف أيضا: أن ملاك الأمر في المعاني هو: الذوق وإقامة البرهان عليه خارج عن الطوق ومن طلب البرهان عليه أتعب نفسه كما قال السكاكي: قبل أن تمنح هذه الفنون حقها فلننبهك على أصل ليكون على ذكر منك وهو أنه ليس من الواجب في صناعة - وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل - أن يكون الدخيل فيها كالناشئ عليها في استفادة الذوق عنها فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى محكمات وضعية واعتبارات إلفية؟ فلا بأس على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلد صاحبها في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق. انتهى. فتح: ومنها: العلوم الآلية لا يوسع فيها الأنظار وذلك أن العلوم المتداولة على صنفين: علوم مقصودة بالذات كالشرعيات والحكميات وعلوم هي آلة ووسيلة لهذه العلوم كالعربية والمنطق فأما المقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة فإن ذلك يزيد طالبها تمكنا في ملكته وأما العلوم الآلية فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة للغير ولا يوسع فيها الكلام لأن ذلك يخرج بها عن المقصود وصار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها وكثرة فروعها وربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها فيكون الاشتغال

стр. 141

بهذه العلوم الآلية تضييعا للعمر وشغلا بما لا يغني وهذا كما فعله المتأخرون في النحو والمنطق وأصول الفقه لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها نقلا واستدلالا وأكثروا من التفاريع والمسائل بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها مقصودة بذاتها فيكون لأجل ذلك لغوا ومضرا بالمتعلمين لاهتمامهم بالمقصود أكثر من هذه الآلات فإذا أفنى العمر فيها فمتى يظفر بالمقاصد؟ فيجب عليه أن لا يستبحر فيها ولا يستكثر من مسائلها.

стр. 142

المنظر التاسع: في شروط الإفادة ونشر العلم وفيه فوائد: فائدة ١: اعلم: أن الإفادة من أفضل العبادة فلا بد له من النية ليكون ذلك ابتغاء لمرضاة الله تعالى وإرشاد عباده ولا يريد بذلك زيادة وحرمة ولا يطلب على إفادته أجرا اقتداء بصاحب الشرع ﵊ ثم ينبغي له مراعاة أمور منها: أن يكون مشفقا ناصحا بصاحبه وأن ينبهه على غاية العلوم ويزجره عن الأخلاق الردية ويمنعه أن يتشوق إلى رتبة فوق استحقاقه وأن يتصدى للاشتغال فوق طاقته وأن لا يزجر إذا تعلم للرئاسة والمباهاة إذ ربما يتبنه بالآخرة لحقائق الأمور بل ينبغي أن يرغب في نوع من العلم يستفاد به الرئاسة بالأطماع فيها حتى يستدرجه إلى الحق. اعلم: أن الله جعل الرئاسة وحسن الذكر حفظا للشرع والعلم مثل الحب الملقى حول الشبكة وكالشهوة الداعية إلى التناسل ولهذا قيل: لولا الرئاسة لبطل العلم وأن يزجر عما يجب الزجر عنه بالتعريض لا بالتصريح. فائدة: ومنها: أن يبدأ بالأهم للمتعلم في الحال إما في معاشه أو في معاده ويعين له ما يليق بطبعه من العلوم ويراعي الترتيب الأحسن حسبما يقتضيه رتبته على قدر الاستعداد فمن بلغ رشده في العلم ينبغي أن يبث إليه حقائق العلوم وإلا فحفظ العلم وإمساكه عمن لا يكون أهلا له أولى به فإن بث المعارف إلى غير أهلها مذموم وفي الحديث: "لا تطرحوا الدرر في أفواه الكلاب" وكذا ينبغي أن يجتنب إسماع العوام كلمات الصوفية التي يعجزون عن تطبيقها بالشرع فإنه يؤدي إلى انحلال قيد الشرع عنهم فيفتح عليهم باب الإلحاد والزندقة فينبغي أن يرشد إلى علم العبادات الظاهرة وإن عرض لهم شبهة يعالج بكلام إقناعي ولا يفتح عليه باب الحقائق فإن ذلك فساد النظام وإن وجد ذكيا ثابتا على قواعد الشرع جاز له أن يفتح عليه باب المعارف بعد امتحانات متوالية لئلا يتزلزل عن جادة الشرع. فائدة: اعلم: أنه يجب على الطالب أن لا ينكر مالا يفهم من مقالاتهم الخفية وأحوالهم الغريبة إذ كل ميسر لما خلق له قال الشيخ٢ ابن سينا في الإشارات: كل ما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة الإمكان

стр. 143

ما لم يذرك عنه قائم البرهان. انتهى وإنما الغرض من تدوين تلك المقالات: التذكرة لمن يعرف الأسرار والتنبيه على من لا يعرفها بأن لنا علما يجل عن الأذهان فهمه حتى يرغب في تحصيله كما في الحديث: إلا من العلم كهيئة المكنون لا يعرفها إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا لا ينكره إلا أهل العزة وروي عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ دعاءين أما أحدهما: فبثثته وأما الآخر: فلو بثثته لقطع هذا البلعوم وغرضهم عدم إمكان التعبير عنه وخوف مقايسة السامعين الأحوال الإلهية بأحوال الممكنات فيضلوا بسوء الظن في قائلها فيقابلوه بالإنكار. انتهى. قلت: المراد بالدعاء الآخر أخبار دولة بني أمية - كما صرح به أهل الحديث - ومن قال بخلافه لم يأت بما يشفي الغليل فإن شئت الاطلاع على تمام الكلام في ذلك فارجع إلى القسطلاني١ ولا تغتر بأقوال هؤلاء الذين ليسوا من علم السنة المطهرة في ورد ولا صدر. فائدة: ومنها: أنه ينبغي أن لا يخالف قوله فعله إذ لو كذب مقاله بحاله ينفر الناس عنه وعن الاسترشاد به وأكثر المقلدين ينظرون إلى حال القائل وأما المحقق الذي لا ينظر إلى القائل فهو نادر فليكن عنايته بتزكية أعماله أكثر منه بتحسين علمه إذ لا بد للعالم من: الورع ليكون علمه أنفع وفوائده أكثر وأن يكظم غيظه عند التعليم وأن لا يخلطه بهزل فيقسو قلبه ولا يضحك فيه ولا يلعب ولا يبالي إذا لم يقبل قوله ولا بأس بأن يمتحن فهم المتعلم وأن لا يجادل في العلم ولا يماري في الحق فإنه يفتح باب الضلال وأن لا يدخل علما في علم لا في تعليم ولا في مناظرة فإن ذلك مشوش وكثيرا ما غلط جالينوس بهذا السبب وأن يحث الصغار على التعليم - سيما الحفظ - وأن يذكر لهم ما يحتمله فهمهم وإن كان الطلاب مبتدئين لا يلقي عليهم المشكلات وإن كانوا منتهين لا يتكلم في الواضحات ولا يجيب متعنتا في سؤاله ولا ما يلقى عليه من الأغلوطات وأن ينظر في حال الطالب إن كان له زيادة فهم بحيث يقدر على حل المشكلات وكشف المعضلات يهتم بتعليمه أشد الاهتمام وإلا فيعلمه بقدر ما يعرف الفرائض والسنن ثم يأمره بالاشتغال بالاكتساب ونوافل الطاعات لكن يصبر في امتحان ذهنه مقدار ثلاث سنين وإن سئل عما يشك فيه يقول: لا أدري فإن لا أدري: نصف العلم.

стр. 144

المنظر العاشر: فيما ينبغي أن يكون عليه أهل العلم قال الفقيه أبو الليث١: يراد من العلماء عشرة أشياء: الخشية والنصيحة والشفقة والاحتمال والصبر والحلم والتواضع والعفة عن أموال الناس والدوام على النظر في الكتب

стр. 145

وقلة الحجاب وأن لا ينازع أحدا ولا يخاصمه". وعليه أن يشتغل بمصالح نفسه لا بقهر عدوه قيل: من أراد أن يرغم أنف عدوه فليحصل العلم وأن لا يترفه في المطعم والملبس وأن لا يتجمل في الأثاث والمسكن بل يؤثر الاقتصاد في جميع الأمور ويتشبه بالسلف الصالح وكلما ازداد إلى جانب القلة ميله ازداد قربه من الله لأن التزين بالمباح وإن لم يكن حراما لكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق تركه فالحزم اجتناب ذلك لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها البتة مع أنها مزرعة الآخرة ففيها الخير النافع والسم الناقع ففي تمييز الأول من الثاني أحوال منها: معرفة رتبة المال فنعم المال الصالح منه للصالح إذا جعله خادما لا مخدوما وهو مطلوب لتقوية البدن بالمطاعم والملابس والتقوية لكسب العلوم والمعارف التي هي المقصد الأقصى ومنها: مراعاة جهة الدخل فمن قدر على كسب الحلال الطيب فليترك المشتبه وإن لم يقدر يأخذ منه قدر الحاجة وإن قدر عليه - لكن بالتعب واستغراق الوقت - فعلى العامل العامي أن يختار التعب وإن كان من الأهل فإن كان ما فاته من العلم والحال أكثر من الثواب الحاصل في طلب الحلال فله أن يختار الحلال الغير الطيب كمن غص بلقمة يسيغها بالخمر لكن يخفيه من الجاهل - مهما أمكن - كيلا يحرك سلسلة الضلال ومنها: المقدار المأخوذ منه وهو قدر الحاجة في: المسكن والمطعم والملبس والمنكح إن جاوز من الأدنى لا يجوز التجاوز عن الوسط ومنها: الخرج والإنفاق فالمحمود منه الصدقة والإنفاق على العيال وقد اختلف في أن الأخذ والإنفاق على الوجه المشروع أولى أم تركه رأسا مع الاتفاق؟ على أن الإقبال على الدنيا بالكلية مذموم فالمقبلون على الآخرة والصارفون للدنيا في محله فهم الأفضلون من التارك بالكلية ومنهم عامة الأنبياء ﵈ ومنها: أن تكون نيته صالحة في الأخذ والإنفاق فينوي بالأخذ أن يستعين به على العبادة ويأكل ليتقوى به على العبادة.
следующие страницы →