الغالب بالأسباب التي هي طبيعية ظاهرة يوقع في مداركها على نظام وترتيب لأن لا طبيعة محصورة للنفس وتحت طورها.
وأما التصورات فنطاقها أوسع من النفس لأنها للعقل الذي هو فوق طور النفس فلا تدرك الكثير منها فضلا عن الإحاطة بها وتأمل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الأسباب والوقوف معها فإنه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقة ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ وربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه وأصبح من الضالين الهالكين نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين ولا تحسبن أن هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك واختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الأسباب على نسبة لا نعلمها إذ لو عملناها لتحرزنا منها فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة وأيضا فوجه تأثير هذه الأسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لأنها إنما يوقف عليها بالعادة لاقتران الشاهد بالاستناد إلى الظاهر. وحقيقة التأثير وكيفية مجهولة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ فلذلك أمرنا بقطع النظر عنها وإلغائها جملة والتوجه إلى مسبب الأسباب كلها وفاعلها وموجدها لترسخ صفة التوحيد في النفس على ماعلمنا الشارع الذي هو أعرف بمصالح ديننا وطرق سعادتنا لاطلاعه على ما وراء الحس قال ﵌:
"من مات يشهد أن لا إله إلا الله دخل الجنة" فإن وقف عند تلك الأسباب فقد انقطع وحقت عليه كلمة الكفر وإن سبح في بحر النظر والبحث عنها وعن أسبابها وتأثيراتها واحدا بعد واحد فأنا الضامن له أن لا يعود إلا بالخيبة فلذلك نهانا الشارع عن النظر في الأسباب وأمرنا بالتوحيد المطلق ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ، لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ ولا تثقن بما يزعم لك الفكر من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها والوقوف على تفصيل الوجود كله وسفه رأيه في ذلك.
واعلم أن الوجود عند كل مدرك في بادئ رأيه منحصر في مداركه لا يعدوها والأمر في نفسه بخلاف ذلك والحق من ورائه ألا ترى الأصم كيف ينحصر الوجود عنده في المحسوسات الأربع والمعقولات ويسقط من الوجود عنده صنف المسموعات وكذلك الأعمى أيضا يسقط عنده صنف المرئيات
ولولا ما يردهم إلى ذلك تقليد الآباء هذه الأصناف لا بمقتضى فطرتهم وطبيعة إدراكهم ولو سئل الحيوان الأعجم ونطق لوجدناه منكرا للمعقولات وساقطة لديه بالكلية فإذا علمت هذا فلعل هناك ضربا من الإدراك غير مدركاتنا لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة وخلق الله أكبر من خلق الناس والحصر مجهول الوجود أوسع نطاقا من ذلك ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ فاتهم إدراكك ومدركاتك في الحصر واتبع ما أمرك الشارع به من اعتقادك وعملك فهو أحرص على سعادتك واعلم بما ينفعك لأنه من طور فوق إدراكك ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه بل العقل ميزان صحيح فأحكامه يقينية لا كذب فيها غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره فإن ذلك طمع في محال ومثال ذلك: مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره حتى يكون له
стр. 527
أن يحيط بالله وبصفاته فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا وقصور فهمه واضمحلال رأيه فقد تبين لك الحق من ذلك إذا تبين ذلك فلعل الأسباب إذا تجاوزت في الارتقاء نطاق إدراكنا ووجودنا خرجت عن أن تكون مدركة فيضل العقل في بيداء الأوهام ويحار وينقطع فإذا التوحيد هو العجز عن إدراك الأسباب وكيفيات تأثيرها وتفويض ذلك إلى خالقها المحيط بها إذ لا فاعل غيره وكلها ترتقي إليه وترجع إلى قدرته وعلمنا به إنما هو من حيث صدورنا عنه وهذا هو معنى ما نقل عن بعض الصديقين العجز عن الإدراك إدراك.
ثم إن المعتبر في هذا التوحيد ليس هو الإيمان فقط الذي هو تصديق حكمي فإن ذلك من حديث النفس وإنما الكمال فيه حصول صفة منه تتكيف بها النفس كما أن المطلوب من الأعمال والعبادات أيضا حصول ملكة الطاعات والانقياد وتفريغ القلب عن شواغل ما سوى المعبود حتى ينقلب المريد السالك ربانياً.
والفرق بين الحال والعلم في العقائد فرق ما بين القول والاتصاف.
وشرحه أن كثيرا من الناس يعلم أن رحمة اليتيم والمسكين قربة إلى الله تعالى مندوب إليها ويقول بذلك ويعترف به ويذكر مأخذه من الشريعة وهو لو رأى يتيما أو مسكينا من أبناء المستضعفين لفر عنه واستنكف أن يباشره فضلا عن التمسح عليه للرحمة وما بعد ذلك من مقامات العطف والحنو والصدقة
فهذا إنما حصل له من رحمة اليتيم مقام العلم ولم يحصل له مقام الحال والاتصاف ومن الناس من يحصل له مع مقام العلم والاعتراف بأن رحمة المسكين قربة إلى الله تعالى مقام آخر أعلى من الأول وهو الاتصاف بالرحمة وحصول ملكتها فمتى رأى يتيما أو مسكينا بادر إليه ومسح عليه والتمس الثواب في الشفقة عليه لا يكاد يصبر عن ذلك ولو دفع عنه ثم يتصدق عليه بما حضره من ذات يده وكذا علمك بالتوحيد مع اتصافك وليس الاتصاف ضرورة هو أوثق مبني من العلم الحاصل قبل الاتصاف وليس الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف بحاصل عن مجرد العلم حتى يقع العمل ويتكرر مرارا غير منحصرة فترسخ الملكة ويحصل الاتصاف والتحقيق ويجيء العلم الثاني النافع في الآخرة فان العلم الأول المجرد عن الاتصاف قليل الجدوى والنفع وهذا علم أكثر النظار والمطلوب إنما هو العلم الحالي الناشئ عن العادة.
واعلم أن الكمال عند الشارع في كل ما كلف به إنما هو في هذا فما طلب اعتقاده فالكمال في العلم الثاني الحاصل عن الاتصاف وما طلب عمله من العبادات فالكمال فيها في حصول الاتصاف والتحقق بها ثم إن الإقبال على العبادات والمواظبة عليها هو المحصل لهذه الثمرة الشريفة قال ﷺ في رأس العبادات: "جعلت قرة عيني في الصلاة" فإن الصلاة صارت له صفة وحالا يجد فيها منتهى لذته وقرة عينه وأين هذا من صلاة الناس ومن لهم بها ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ اللهم وفقنا واهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
فقد تبين لك من جميع ما قررنا أن المطلوب في التكاليف كلها حصول ملكة راسخة في النفس يحصل عنها علم اضطراري للنفس هو التوحيد وهو: العقيدة الإيمانية وهو: الذي تحصل به السعادة وإن ذلك
стр. 528
سواء في التكاليف القلبية والبدنية ويتفهم منه أن الإيمان الذي هو أصل التكاليف وينبوعها هو بهذه المثابة ذو مراتب: أولها: التصديق القلبي الموافق اللسان.
وأعلاها: حصول كيفية من ذلك الاعتقاد القلبي وما يتبعه من العمل مستولية على القلب فيستتبع الخوارج وتندرج في طاعتها جميع التصرفات حتى تنخرط الأفعال كلها في طاعة ذلك التصديق الإيماني.
وهذا ارفع مراتب الإيمان وهو الإيمان الكامل الذي لا يقارف المؤمن معه صغير ولا كبيرة إذ حصول الملكة ورسوخها مانع من الانحراف عن مناهجه طرفة عين قال ﷺ :
"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" وفي حديث هرقل لما سأل أبا سفيان بن حرب عن النبي ﷺ وأحواله فقال في أصحابه: هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ قال: لا قال: وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.
ومعناه: أن ملكة الإيمان إذا استقرت عسر على النفس مخالفتها شأن الملكات إذا استقرت فإنها تحصل بمثابة الجبلة والفطرة وهذه هي المرتبة العالية من الإيمان وهي في المرتبة الثانية من العصمة لأن العصمة واجبة للأنبياء وجوبا سابقا وهذه حاصلة للمؤمنين حصولا تابعا لأعمالهم وتصديقهم وبهذه الملكة ورسوخها يقع التفاوت في الإيمان كالذي يتلى عليك من أقاويل السلف وفي تراجم البخاري ﵁ في باب الإيمان كثير منه مثل: أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص وأن الصلاة والصيام من الإيمان وإن تطوع١ رمضان من الإيمان والحياء من الإيمان والمراد بهذا كله الإيمان الكامل الذي أشرنا إليه وإلى ملكته وهو فعلي.
وأما التصديق الذي هو أول مراتبه ومن اعتبروا آخر الأسماء وحمله على هذه الملكة التي هي الإيمان الكامل ظهر له التفاوت وليس ذلك بقادح في اتحاد حقيقته الأولى التي هي التصديق إذ التصديق موجود في جميع رتبه لأنه أقل ما يطلق عليه اسم الإيمان وهو المخلص من عهدة الكفر والفيصل بين الكافر والمسلم فلا يجزى أقل منه وهو في نفسه حقيقة واحدة لا تتفاوت وإنما التفاوت في الحال الحاصلة عن الأعمال كما قلناه فافهم.
واعلم أن الشارع وصف لنا هذه الإيمان الذي في المرتبة الأولى الذي هو تصديق وعين أمورا مخصوصة كلفنا التصديق بها بقلوبنا واعتقادها في أنفسنا مع الإقرار بألسنتنا وهي العقائد التي تقررت في الدين قال ﷺ حين سئل عن الإيمان فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره" وهذه هي العقائد الإيماينة المقررة في علم الكلام.
ولنشر إليها بجملة لتتبين لك حقيقة هذا الفن وكيفية حدوثه فنقول.
اعلم أن الشارع لما أمرنا بالإيمان بهذا الخالق الذي رد الأفعال كلها إليه وأفرده به كما قدمناه وعرفنا أن في هذا الإيمان نجاتنا عند الموت إذا حضرنا لم يعرفنا بكنه حقيقة هذا الخالق المعبود إذ ذاك متعذر
стр. 529
على إدراكنا ومن فوق طورنا فكلفنا أولا اعتقاد تنزيهه في ذاته عن مشابهة المخلوقين وإلا لما صح أنه خالق لهم لعدم الفارق على هذا التقديم ثم تنزيهه عن صفات النقص وإلا لشابه المخلوقين ثم توحيده بالاتحاد وإلا لم يتم الخلق للتمانع ثم اعتقاد أنه عالم قادر فبذلك تتم الأفعال شاهد قضيته لكمال الاتحاد والخلق.
ومريد وإلا لم يخصص شيء من المخلوقات.
ومقدر لكل كائن وإلا فالإرادة حادثة.
وأنه يعيدنا بعد الموت
ثم اعتقاد بعثة الرسل لنجاة من شقاء هذا المعاد لاختلاف أحواله بالشقاء والسعادة وعدم معرفتنا بذلك وتمام لطفه بنا في الإيتاء بذلك وبيان الطريقين وأن الجنة للنعيم وجهنم للعذاب.
هذه أمهات العقائد الإيمانية معللة بأدلتها العقلية وأدلتها من الكتاب والسنة كثيرة وعن تلك الأدلة أخذها السلف وأرشد إليها العلماء وحققتها الأئمة إلا أنه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد أكثر مثارها من الآي المتشابهة فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر. والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل فحدث بذلك علم الكلام ولنبين لك تفصيل هذا المجمل وذلك.
أن القرآن ورد فيه وصف المعبود بالتنزيه المطلق الظاهر الدلالة من غير تأويل في آي كثيرة وهي سلوب كلها وصريحة في بابها فوجب الإيمان بها ووقع في كلام الشارع صلوات الله عليه وكلام الصحابة والتابعين تفسيرها على ظاهرها.
ثم وردت في القرآن آي أخر قليلة توهم التشبيه مرة في الذات وأخرى في الصفات.
فأما السلف فغلبوا أدلة التنزيه لكثرتها ووضح دلالتها وعلموا استحالة التشبيه وقضوا بأن الآيات من كلام الله فآمنوا بها ولم يتعرضوا لمعناها ببحث ولا تأويل وهذا معنى قول الكثير منهم اقرؤوها كما جاءت أي: آمنوا بأنها من عند الله ولا تتعرضوا لتأويلها ولا تفسيرها لجواز أن تكون ابتلاء فيجب الوقف والإذعان له.
وشذ لعصرهم مبتدعة اتبعوا ما تشابه من الآيات وتوغلوا في التشبيه.
ففريق أشبهوا في الذات باعتقاد اليد والقدم والوجه عملا بظاهر وردت بذلك فوقعوا في التجسيم الصريح ومخالفة آي التنزيه المطلق التي هي أكثر موارد وأوضح دلالة لأن معقولية الجسم تقتضي النقص والافتقار وتغليب آيات السلوب في التنزيه المطلق الذي هي أكثر موارد وأوضح دلالة أولى من التعلق بظواهر هذه التي لنا عنها غنية وجمع بين الدليلين بتأويلهم ثم يفرون من شناعة ذلك بقولهم جسم لا كالأجسام وليس ذلك بدافع لأنه قول متناقض وجمع بين نفي وإثبات إن كان بالمعقولية واحدا من الجسم وإن خالفوا بينهما ونفوا المعقولية المتعارفة فقد وافقونا في التنزيه ولم يبق إلا جعلهم لفظ الجسم اسما من أسمائه ويتوقف مثله على الأذن.
وفريق منهم ذهبوا إلى التشبيه في الصفات كثبات الجبهة والاستواء والنزول والصوت والحرف وأمثال ذلك وآل قولهم إلى التجسيم فنزعوا مثل الأولين إلى قولهم وصوت لا كالأصوات جهة لا كالجهات،
стр. 530
ونزول لا كالنزول يعنون من الأجسام واندفع ذلك بما اندفع به الأول ولم يبق في هذه الظواهر إلا اعتقادات السلف ومذاهبهم والإيمان بها كما هي لئلا يكر النفي على معانيها بنفيها مع أنها صحيحة ثابتة من القرآن ولهذا تنظر ما تراه في عقيدة الرسالة لابن أبي زيد وكتاب المختصر له وفي كتاب الحافظ ابن عبد البر وغيرهم فإنهم يحومون على هذا المعنى ولا تغمض عينك عن القرائن الدالة على ذلك في غصون كلامهم.
ثم لما كثرت العلوم والصنائع وولع الناس بالتدوين والبحث في سائر الأنحاء وألف المتكلمون في التنزيه حدثت بدعة المعتزلة في تعميم هذا التنزيه في آي السلوب.
فقضوا بنفي صفات المعاني من العلم والقدرة والإرادة والحياة زائدة على أحكامها لما يلزم على ذلك من تعدد القديم بزعمهم وهو مردود بأن الصفات ليست عين الذات ولا غيرها.
وقضوا بنفي السمع والبصر لكونهما من عوارض الأجسام وهو مردود لعدم اشتراط البينة في مدلول هذا اللفظ وإنما هو إدراك المسموع أو المبصر.
وقضوا بنفي الكلام لشبه ما في السمع والبصر ولم يعقلوا صفة الكلام التي تقوم بالنفس فقضوا بأن القرآن مخلوق بدعة صرح السلف بخلافها وعظم ضرر هذه البدعة ولقنها بعض الخلفاء عن أئمتهم فحمل الناس عليها وخالفهم أئمة السلف فاستحل لخلافهم أيسار كثير منهم ودماءهم كان ذلك سببا لإنتهاض أهل السنة بالأدلة العقلية على هذه العقائد دفعا في صدور هذه البدع وقام بذلك الشيخ أبو الحسن الأشعري ما المتكلمين فوسط بين الطرق ونفي التشبيه وأثبت الصفات المعنوية وقصر التنزيه على ما قصره عليه السلف وشهدت له الأدلة المخصصة لعمومه فأثبت الصفات الأربع المعنوية والسمع والبصر والكلام القائم بالنفس بطريق النقل والعقل ورد على المبتدعة في ذلك كله وتكلم معهم فيما مهدوه لهذه البدع من القول بالصلاح والأصلح والتحسين والتقبيح وكمل العقائد في البعثة وأحوال الجنة والنار والثواب والعقاب وألحق بذلك الكلام في الإمامة لما ظهر حينئذ من بدعة الإمامية من قولهم: أنها من عقائد الإيمان وأنه يجب على النبي تعيينها والخروج عن العهدة في ذلك لمن هي له وكذلك على الأمة وقصارى أمر الإمامة أنها قضية مصلحية إجماعية لا تلحق بالعقائد فلذلك ألحقوها بمسائل هذا الفن وسموا مجموعة علم الكلام.
أما لما فيه من المناظرة على البدع وهي كلام صرف وليست براجعة إلى عمل.
وأما لأن سبب وضعه والخوض فيه هو تنازعهم في إثبات الكلام النفسي.
وكثر اتباع الشيخ أبي الحسن الأشعري واقتفى طريقته من بعده تلميذه كابن مجاهد وغيره وأخذ عنهم القاضي أبو بكر الباقلاني فتصدر للأمة في طريقتهم وهذبها ووضع المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة والأنظار وذلك مثل إثبات الجوهر الفرد والخلاء وإن العرض لا يقوم بالعرض وأنه لا يبقى زمانين وأمثال ذلك مما تتوقف عليه أدلتهم وجعل هذه القواعد تبعا للعقائد الإيمانية في وجوب اعتقادها لتوقف تلك الأدلة عليها
وإن بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول وجملت هذه الطريقة وجاءت من أحسن الفنون النظرية والعلوم الدينية إلا أن صور الأدلة تعتبر بها الأقيسة ولم تكن حينئذ ظاهرة في الملة،
стр. 531
ولو ظهر منها بعض الشيء فلم يأخذ به المتكلمون لملابستها للعلوم الفلسفية المباينة للعقائد الشرعية بالجملة فكانت مهجورة عندهم لذلك.
ثم جاء بعد القاضي أبي بكر الباقلاني إمام الحرمين أبو المعالي فأملى في الطريقة كتاب الشامل وأوسع القول فيه ثم لخصه في كتاب الإرشاد واتخذه الناس إماما لعقائدهم ثم انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملة وقرأه الناس وفرقوا بينه وبين العلوم الفلسفية بأنه قانون ومعيار للأدلة فقط يسير به الأدلة منها كما يسير من سواها.
ثم نظروا في تلك القواعد والمقدمات في فن الكلام للأقدمين فخالفوا الكثير منها بالبراهين التي أدلت إلى ذلك وربما أن كثيرا منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيات والإلهيات فلما سيروها لمعيار المنطق ردهم إلى ذلك فيها ولم يعتقدوا بطلان المدلول من بطلان دليله كما صار إليه القاضي فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى وتسمى طريقة المتأخرين وربما أدخلوا فيها الرد على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانية وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسب الكثير من مذاهب المبتدعة ومذاهبهم.
وأول من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزالي ﵀ وتبعه الإمام ابن الخطيب وجماعة قفوا أثرهم واعتمدوا تقليدهم ثم توغل المتأخرون من بعدهم في مخالطة كتب الفلسفة والتبس عليهم شأن الموضوع في العلمين فحسبوه فيها واحدا من اشتباه المسائل فيهما.
واعلم أن المتكلمين لما كانوا يستدلون في أكثر أحوالهم بالكائنات وأحوالها على وجود الباري وصفاته وهو نوع استدلالهم غالبا والجسم الطبيعي ينظر فيه الفيلسوفي في الطبيعيات وهو بعض من هذه الكائنات إلا أن نظره فيها مخالف لنظر المتكلم وهو ينظر في الجسم من حيث يتحرك ويسكن.
والمتكلم ينظر فيه من حيث يدل على الفاعل.
وكذا نظر الفيلسوفي في الإلهيات إنما هو نظر في الوجود المطلق وما يقتضيه لذاته.
ونظر المتكلم في الوجود من حيث أنه يدل على الموجد وبالجملة فموضوع علم الكلام عند أهله إنما هو العقائد الإيمانية بعد فرضها صحيحة من الشرع من حيث يمكن أن يستدل عليها بالأدلة العقلية فترفع البدع وتزول الشكوك والشبه عن تلك العقائد.
وإذا تأملت حال الفن في حدوثه وكيف تدرج كلام الناس فيه صدرا بعد صدر وكلهم يفرض العقائد صحيحة ويستنهض الحجج والأدلة علمت حينئذ ما قررناه لك في موضوع الفن وأنه لا يعدوه.
ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخرين والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميز أحد الفنين من الآخر ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم كما فعله البيضاوي في الطوالع ومن جاء بعده من علماء العجم في جميع تآليفهم إلا أن هذه الطريقة قد يعني بها بعض طلبة العلم للاطلاع على المذاهب والإغراق في معرفة الحجاج لوفور ذلك فيها.
وأما محاذاة طريقة السلف بعقائد علم الكلام فإنما هو الطريقة القديمة للمتكلمين وأصلها كتاب الإرشاد وما حذا حذوه.
стр. 532
ومن أراد إدخال الرد على الفلاسفة في عقائده فعليه بكتب الغزالي والإمام ابن الخطيب فإنها وإن وقع فيها مخالفة للاصطلاح القديم فليس فيها من الاختلاط في المسائل والالتباس في الموضوع ما في طريقة هؤلاء المتأخرين من بعدهما.
وعلى الجملة فينبغي أن يعلم أن هذا العلم الذي هو علم الكلام غير ضروري لهذا العهد على طالب العلم إذ الملحدة والمبتدعة قد انقرضوا والأئمة من أهل السنة كفونا شأنهم فيما كتبوا ودونوا والأدلة العقلية إنما احتاجوا إليها حين دافعوا ونصروا وأما الآن فلم يبق منها إلا كلام تنزه الباري عن كثير إيهاماته وإطلاقه.
ولقد سئل الجنيد ﵀ عن قوم مر بهم من المتكلمين يفيضون فيه فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: قوم ينزهون الله بالأدلة عن صفات الحدوث وسمات النقص فقال: نفي العيب حيث يستحيل العيب عيب.
لكن فائدته في آحاد الناس وطلبة العلم فائدة معتبرة إذ لا يحسن بحامل السنة الجهل بالحجج النظرية على عقائدها والله تعالى ولي المؤمنين.
علم الكون والفساد
هو علم باحث عن كيفية الأمطار والثلوج والرعد وأمثالها ووجودها في بعض البلاد دون بعض وفي بعض الأزمان دون آخر وسبب نفع بعضها وضرر الآخر إلى غير ذلك من الأحوال ذكره الأرنيقي في كتابه المسمى بمدينة العلوم.
علم الكهانة
المراد منه مناسبة الأرواح البشرية مع الأرواح المجردة من الجن والشياطين والاستعلام بهم عن الأحوال الجزئية الحادثة في عالم الكون والفساد المخصوصة بالمستقبل وأكثر ما يكون في العرب.
وقد اشتهر فيهم كاهنان أحدهما: شق والآخر سطيح وقصتهما مشهورة في السير.
وقيل كان وجود ذلك في العرب أحد أسباب معجزات النبي ﷺ لما كان يخبر به ويحث على اتباعه كما يحكى منهم أخبار مجيء رسول الله ﷺ قبل ولادته المباركة وكونه نبي آخر الزمان وخاتم الأنبياء
وفي هذا الباب حكايات غريبة لا يليق إيرادها بهذا المختصر فمن أراد الإطلاع عليها فعليه بكتب السير والتواريخ ولا سيما كتاب أعلام النبوة للماوردي لكنهم كانوا محرومين بعد بعثة نبينا ﵊ من الإطلاع على المغيبات ومحجوبين عنها بغلبة نور النبي ﷺ حتى ورد في بعض الروايات أنه لا كهانة بعد النبوة فلا يجوز الآن تصديق الكهنة والإصغاء إليهم بل هو من إمارات الكفر والمصدق يكون كافرا لقوله ﵊: "من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".
لكن المفهوم من كتاب السر المكتوم للفخر الرازي جواز ذلك في الشرع حيث جوز النبي ﷺ إصابة العين وقال: "العين حق".
قال الرازي: إن الكهانة على قسمين:
قسم يكون من خواص بعض النفوس فهو ليس بمكتسب.
стр. 533
وقسم يكون بالعزائم ودعوة الكواكب والاشتغال بهما فبعض طرقه مذكورة فيه وإن السلوك في هذا الطريق محرم في شريعتنا فعلى ذلك وجب الاحتراز عن تحصيله واكتسابه والقسم الأول داخل في علم العرافة وقد تنبه عليه في محله فلا تغفل.
حكي أن السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين حاصر حصنا فصعب عليه فتحها فخرج من ذلك الحصن رجل فقال: لا يمنعكم عن فتحها إلا أصحاب الأوهام والساكنون فيها ولا يمنعهم عن ذلك إلا تشويشهم بما يمنعهم عن توجيه الأوهام من ضروب الطبول المزعجة وغلبات العساكر المقلقة عند طلوع الشمس ففعلوا كما قاله وانفتح لهم الحصن كذا في مدينة العلوم.
علم كيفية الأرصاد
علم يعرف به كيفية التوصل إلى تحصيل مقادير الحركات الفلكية وأوضاع الأفلاك ومقادير أجرامها وأبعادها بآلات مخصوصة يعرفها أهلها ومنفعته تكميل علم الهيئة وتحصيل الزيجات والاقتدار على تدوينها وحصول عمله بالفعل وكتاب الأرصاد لابن الهيثم يشتمل على نظري هذا الفن ورسالة غياث الدين جمشيد تشتمل على ترتيب الآلات الرصدية.
علم كيفية إنزال القرآن
قال صاحب مفتاح السعادة وفي معرفة كيفية إنزاله ثلاثة أقوال:
الأول: وهو الأصح الأشهر أنه نزل إلى سماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك منجما في ثلث أو خمس وعشرين سنة على حسب الاختلاف في مدة إقامته بمكة بعد البعثة.
الثاني: أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة قدرا وثلث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم نزل بعد ذلك منجما في جميع السنة وهذا القول نقله مقاتل وقال به الحليمي والماوردي وذكره فخر الدين الرازي بقوله: ويحتمل ثم توقف هل هذا أولى أو الأول؟
الثالث: أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات.
واعلم أن العلماء اختلفوا في معنى الإنزال.
فمنهم من قال: هو إظهار القراءة.
ومنهم قال: ألهم ﷺ كلامه وعلم قراءته.
ومنهم من قال: يتلقفه الملك من الله تلقفا روحانيا أو يحفظه من اللوح المحفوظ فينزل به إلى الرسول ويلقيه عليه.
ومنهم من قال: إن الذين يقولون القرآن معنى قائم بذاته يقولون إنزاله إيجاد الكلمات والحروف الدالة على ذلك المعنى وإثباته في اللوح به.
وأما الذين يقولون: إنه اللفظ فإنزاله عندهم مجرد إتيانه في اللوح ثم في المنزل على النبي ﷺ ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى.
стр. 534
وثانيها: أن جبرئيل نزل بالمعاني خاصة وأنه ﷺ علمها وعبر عنها بلغة العرب وتمسك صاحب هذا القول بظاهر قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ .
وثالثها: أن جبريل ألقى عليه المعنى وأنه عبر بهذه الألفاظ بلغة العرب وأن أهل السماء يقرؤونه بالعربية ثم نزل به كذلك انتهى وفيه أقوال غير ذلك إن أردتها وجدتها في التفاسير وحواشي البيضاوي والإتقان للسيوطي رحمهما الله.
علم الكيمياء
هو علم يعرف به طرق سلب الخواص من الجواهر المعدنية وجلب خاصية جديدة إليها وإفادتها خواصا لم تكن لها والاعتماد فيه عن أن الفلزات كلها مشتركة في النوعية والاختلاف الظاهر بينها إنما هو باعتبار أمور عرضية يجوز انتقالها.
قال الصفدي في شرح لامية العجم: وهذه اللفظة معربة من اللفظ العبراني وأصله كيم يه معناه أنه من الله وذكر الاختلاف في شأنه بامتناعه عنهم.
وحاصل ما ذكره أن الناس فيه على طريقتين:
فقال: كثير ببطلانه منهم الشيخ الرئيس ابن سينا أبطله بمقدمات من كتاب الشفاء والشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية ﵀ صنف رسالة في إنكاره وصنف يعقوب الكندي أيضا رسالة في إبطاله جعلها مقالتين وكذلك غيرهم لكنهم لم يوردوا شيئا يفيد الظن لامتناعه فضلا عن اليقين بل لم يأتوا إلا بما يفيد الاستبعاد.
وذهب آخرون إلى إمكانه منهم الإمام فخر الدين الرازي فإنه في المباحث المشرقية عقد فصلا في بيان إمكانه.
والشيخ نجم الدين بن أبي الدر البغدادي رد على الشيخ ابن تيمية وزيف ما قاله في رسالته.
ورد أبو بكر محمد بن زكريا الرازي على يعقوب الكندي ردا غير طائل ومؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي المعروف بالطغرائي صنف فيه كتبا منها حقائق الإشهادات وبين إثباته ورد على ابن سينا.
ثم ذكر الصفدي نبذة من أقوال المثبتين والمنكرين.
وقال الشيخ الرئيس: نسلم إمكان صبغ النحاس بصبغ الفضة والفضة بصبغ الذهب وأن يزال عن الرصاص أكثر ما فيه من النقص فأما أن يكون المصبوغ يسلب أو يكسى أما الأول فحال وأما الثاني فلم يظهر إلى إمكانه بعد إذ هذه الأمور المحسوسة يشبه أن لا تكون هي الفصول التي تصير بها هذه الأجساد أنواعا بل هي أعراض ولوازم وفصولها مجهولة وإذا كان الشيء مجهولا كيف يمكن أن يقصد قصد إيجاد أو إفناء؟
وذكر الإمام حججا أخرى للفلاسفة على امتناعه وأبطل بعد ذلك ما قرره الشيخ وغيره وقرر إمكانه واستدل في الملخص أيضا على إمكانه فقال: الإمكان العقلي ثابت لأن الأجسام مشتركة الجسمية فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الكل على ما ثبت.
وأما الوقوع فلأن انفصال الذهب عن غيره باللون والرزانة وكل واحد منهما يمكن اكتسابه ولا منافاة بينهما نعم الطريق إليه عسير.
стр. 535
وحكى أبو بكر بن الصائغ المعروف بابن ماجة الأندلسي في بعض تآليفه عن الشيخ أبي نصر الفارابي أنه قال: قد بين أرسطو في كتابه من المعادن أن صناعة الكيمياء داخلة تحت الإمكان إلا أنها من الممكن الذي يعسر وجوده بالفعل اللهم إلا أن تتفق قرائن يسهل بها الوجود وذلك أنه فحص عنها أولا على طريق الجدل فأثبتها بقياس وأبطلها بقياس على عادته فيما يكثر عناده من الأوضاع ثم أثبتها أخيرا بقياس ألفه من مقدمتين بينهما في أول الكتاب.
وهما أن الفلزات واحدة بالنوع والاختلاف الذي بينها ليس في ماهياتها وإنما هو في أعراضها فبعضه في أعراضها الذاتية وبعضه في أعراضها العرضية.
والثانية: أن كل شيئين تحت نوع واحد اختلفا بعرض فإنه يمكن انتقال كل واحد منهما إلى الآخر فإن كان العرض ذاتيا عسر الانتقال وإن كان مفارقا سهل الانتقال والعسير في هذه الصناعة إنما هو لاختلاف أكثر هذه الجواهر في أعراضها الذاتية ويشبه أن يكون الاختلاف الذي بين الذهب والفضة يسير جدا انتهى كلامه.
وقال الإمام شمس الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري: إذا أراد المدبر أن يصنع ذهبا نظير ما صنعته الطبيعة من الزيبق والكبريت الظاهرين فيحتاج إلى أربعة أشياء.
كمية كل واحد من ذنيك الجزئين.
وكيفيته.
ومقدار الحرارة الفاعلة للطبخ.
وزمانه وكل واحد منها عسر التحصيل.
وأما إن أراد ذلك بأن يدبر دواء وهو المعبر عنه بالإكسير مثلا ويلقيه على الفضة ليمتزج بها ويستقر خالدا حال جميع المعدنيات وخواصها وإن استخرجه بالقياس فمقدماته مجهولة ولا خفاء في عسر ذلك ومشقته انتهى وقال الصفدي: زعم الطبيعون في علة كون الذهب في المعدن إن الزيبق لما كمل طبخه جذبه إليه كبريت المعدن فاجنه في جوفه لئلا يسيل سيلان الرطوبات فلما اختلطا واتحدا وزالت الحرارة الفاعلة للطبخ وزمان تكون الذهب وكل منهما عسر التحصيل.
وأما إن أراد ذلك بأن يدبر دواء وهو المعبر عنه بالإكسير مثلا ويلقيه على الفضة في طبخها ونضجها انعقد من ذلك ضروب المعادن فإن كان الزئبق صافيا والكبريت نقيا واختلطت أجزاؤهما على النسبة وكانت حرارة المعدن معتدلة لم يعرض لها عارض من البرد واليبس ولا من الملوحات والمرارت والحموضات انعقد من ذلك على طول الزمان الذهب الإبريز
وهذا المعدن لا يتكون إلا في البراري الرملة والأحجار الرخوة ومراعاة الإنسان النار في عمل الذهب بيده على مثل هذا النظام مما تشق معرفة الطريق إليه والوصول إلى غايته:
فيا دارها بالخيف إن مزراها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال
وذكر يعقوب الكندي في رسالته: تعذر فعلل الناس لما انفردت الطبيعة بفعله وخداع أهل هذه الصناعة
стр. 536
وجهلهم وبطل دعوى الذين يدعون صنعة الذهب والفضة.
قال المنكرون: لو كان الذهب الصباغي مثلا للذهب الطبيعي لكان ما بالصناعة مثلا لما بالطبيعة ولو جاز ذلك لجاز أن يكون ما بالطبيعة مثلا لما بالصناعة فكنا نجد سيفا أو سريرا أو خاتما بالطبيعة وذلك باطل.
وقالوا أيضا: الجواهر الصابغة إما أن تكون أصبر على النار من المصبوغ أو يكون المصبوغ أصبر أو تكونا متساويين.
فإن كان الصابغ أصبر وجب١ أن يكون المصبوغ أصبر ووجب أن يفنى الصابغ ويبقى المصبوغ على حاله الأول عريا من الصبغ.
وإن تساويا في الصبر على النار فهما من جنس واحد لاستوائهما في المصابرة عليها فلا يكون أحدهما صابغا ولا مصبوغا وهذه الحجة الثانية من أقوى حجج المنكرين.
والجواب من المثبتين عن الأولى: إنا نجد النار تحصل بالقدح واصطكاك الأجرام والريح تحصل بالمراوح وأكواز الفقاع والنوشادر قد تتخذ من الشعر وكذلك كثير من الزاجات ثم بتقدير أن لا يوجد بالطبيعة ما لا يوجد بالصناعة لا يلزمنا الجزم بنفي ذلك ولا يلزمنا من إمكان حصول الأمر الطبعي بالصناعة إمكان العكس بل الأمر موقوف على الدليل.
وعن الثانية: أنه لا يلزم من استواء الصابغ. والمصبوغ على النار استواؤهما في الماهية لما عرفت أن المختلفين يشتركان في بعض الصفات وفي هذا الجواب نظر.
وحكى بعض من أنفق عمره في الطلب أن الطغرائي ألقى المثقال من الإكسير أولا على ستين ألف مثقال من معدن آخر فصار ذهبا ثم أنه ألقى آخر المثقال على ثلاثمائة ألف وأن مر يانس الراهب معلم خالد بن يزيد ألقى المثقال على ألف ألف ومائتي ألف مثقال وقالت مارية القبطية: والله لولا الله لقلت أن المثقال بملأ ما بين الخافقين. والجواب الفصل ما قاله الغزي:
كجوهر الكيمياء ليس ترى ... من ناله والأنام في طلبه
وصاحب الشذور من جملة أئمة هذا الفن صرح بأن نهاية الصبغ إلقاء الواحد على الألف في قوله:
فعاد بلطف الحل والعقد جوهرا ... يطاع في النيران واحده الألفا
وزعم بعضهم أن المقامات للحريري وكليلة ودمنة رموز في الكيمياء ويزعمون أن الصناعة مرموزة في صورة البراري وقد كتب بعض من جرب وتعب وأقلقه الجد وظن أن جدها لعب على مصنفات جابر تلميذ إمام جعفر الصادق:
هذا الذي مقاله ... غر الأوائل والأواخر
ما أنت إلا كاسر ... كذب الذي سماك جابر
وكان قد شغل نفسه بطلب الكيمياء فأفنى بذلك عمره.
وذكر الصفدي أن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد وإمام الحرمين كان كل منهما مغرى به.
стр. 537
واعلم أن المعتنين به بعضهم يدبر مجموع الكبريت والزيبق في حر النار لتحصل امتزاجات كثيرة في مدة يسيرة لا يحصل في المعدن إلا في زمان طويل وهذا أصعب الطرق لأنه يحتاج إلى عمل شاق وبعضهم يؤلف المعادن على نسبة أوزان الفلزات وحجمها.
وبعضهم يجهل القياس فيحصل لهم الاشتباه والالتباس فيستمدون بالنباتات والجمادات والحيوانات كالشعر والبيض والمرارة وهم لا يهتدون إلى النتيجة.
ثم إن الحكماء أشاروا إلى طريقة صنعة الإكسير على طريق الأحاجي والألغاز والتعمية لأن في كتمه مصلحة عامة فلا سبيل إلى الاهتداء بكتبهم والله يهدي من يشاء قال أبو الأصبع عبد العزيز بن تمام العراقي يشير إلى مكانة الواصل لهذه الحكمة:
فقد ظفرت بما لم يؤته ملك ... لا المنذران ولا كسرى بن ساسان
ولا ابن هند ولا النعمان صاحبه ... ولا ابن ذي يزن في رأس غمدان
قال الجلدكي في شرح المكتسب بعد أن بين انتسابه إلى الشيخ جابر وتحصيله في خدمته: وبالله تعالى أقسم أنه أراد بعد ذلك أن ينقلني عن هذا العلم مرارا عديدة ويورد علي الشكوك يريد لي بذلك الإضلال بعد الهداية ويأبى الله إلا ما أراد فلما فهمت مراده وعلمت أن الحسد قد داخله مني حصرته في ميدان البحث ومددت إليه سنان اللسان وعجز عن القيام بسيف الدليل ونادى عليه برهان الحق بالإفحام فجنح للسلم وقام واعتنقني وقال: إنما أردت أن اختبرك وأعلم حقيقة مكان الإدراك منك ولتكن من أهل هذا العلم على حذر ممن يأخذه عنك.
واعلم أن من لا مفترض علينا كتمان هذا العلم وتحريم إذاعته لغير المستحق من بني نوعنا وأن لا نكتمه عن أهله لأن وضع الأشياء في محالها من الأمور الواجبة ولأن في إذاعته خراب العالم وفي كتمانه عن أهله تضييع لهم.
وقد رأينا أن الحكمة صارت في زماننا مهدمة البنيان لا سيما وطلبة هذا الزمان من أجهل الحيوان قد اجتمعوا على المحال فإنهم ما بين سوقة وباعة وأصحاب دهاء وشعبذة لا يدرون ما يقولون فأخذوا يتذاكرون الفقر ويذكرون أن الكيمياء غناء الدهر ويأتون على ذلك بزخارف الحكايات ومع ذلك لا يجتمع أحد منهم مع الآخر على رأي واحد ولا يدرون كيف الطلب مع أن حجر القوم لا يعد. وهذه المولدات الثلاث لكن جهالاتهم أوقعتهم في الضلال البعيد ورأينا أنه وجب علينا النصيحة على من طلب الحكمة الإلهية وهذه الصناعة الشريفة الفلسفية فوضعنا لهم كتابنا الموسوم ببغية الخبير في قانون طلب الإكسير ثم وضعنا الشمس المنير في تحقيق الإكسير.
وفي هذا الفن رسالة للبخاري ذكر فيها حملة دلائل نقلية وعقلية تبلغ ستة وثلاثين.
وفيه أيضا: رسالة ابن سينا المسماة بمرآة العجائب وأول من تكلم في علم الكيمياء ووضع فيها الكتب وبين صنعة الإكسير والميزان ونظر في كتب الفلاسفة من أهل الإسلام خالد بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان.
وأول من اشتهر هذا العلم عنه جابر بن حيان الصوفي من تلامذة خالد كما قيل:
стр. 538
حكمة أورثناها جابر ... عن إمام صادق القول وفي
لوصي طاب في تربته ... فهو مسك في تراب النجف
وذلك لأنه وفي لعلي واعترف له بالخلافة وترك الإمارة.
واعلم أنه فرقها في كتب كثيرة لكنه أوصل الحق إلى أهله ووضع كل شيء في محله وأوصل من جعله الله سببا له في الإيصال ولكن اشغلهم بأنواع التدهيش والمحال لحكمة ارتضاها عقله ورأيه بحسب الزمان ومع ذلك فلا يخلو كتاب من كتبه عن فوائد عديدة.
وأما من جاء بعد جابر من حكماء الإسلام مثل مسلمة بن أحمد المجريطي وأبي بكر الرازي وأبي الأصبع بن تمام العراقي والطغرائي والصادق محمد بن أميل التميمي والإمام أبي الحسن علي صاحب الشذور فكل منهم قد اجتهد غاية الاجتهاد في التعلم والجلدكي متأخر عنهم.
ثم اعلم أن جماعة من الفلاسفة كالحكيم هرمس وأرسطاطاليس وفيثاغورس لما أرادوا استخراج هذه الصناعة الإلهية جعلوا أنفسهم في مقام الطبيعة فعرفوا بالقوة المنطقية والعلوم التجاربية ما دخل على كل جسم من هذه الأجسام من الحر والبرد واليبوسة وما خالطه أيضا من الأجسام الأخر. فعملوا الحيلة في تنقيص الزائد وتزييد الناقص من الكيفيات الفاعلة والمفعولة والمنفعلة لعلة تلك الأجسام على ما يراد منها بالأكاسير الترابية والحيوانية والنباتية المختلفة في الزمان والمكان وأقاموا التكليس مقام حرق المعادن والتهابها والتسقية مقام التبريد والتجميد والتساوي مقام التجفيف والتشميع مقام الترطيب والتليين والتقطير مقام التجوهر والتفصيل مقام التصفية والتخليص والسحق والتحليل مقام الالتيام والتمزيج والعقد مقام الاتحاد والتمكين واتخذوا جواهر الأصول شيئا واحدا فاعلا فعلا غير منفعل محتويا على تأثيرات مختلفة شديدة القوة نافذة الفعل والتأثير فيما يلاقي من الأجسام بحصول معرفة ذلك بالإلهامات السماوية والقياسات العقلية والحسية وكذلك فعل أيضا أسقليقندر يونس وأبدروماخس وغيرهم في تراكيب الترياق المعاجين والحبوب والأكحال والمراهم فإنهم قاسوا قوى الأدوية بالنسبة إلى مزاج أبدان البشر والأمراض الغامضة فيها وركبوا من الحار والبارد والرطب واليابس دواء واحدا ينتفع به في المداواة بعد مراعاة الأسباب كما فعل ذي مقراط أيضا في استخراج صنعة إكسير الخمر فإنه نظر أولا في أن الماء لا يقارب الخمر في شيء من القوام والاعتدال لأنه ماء العنب ووجد من خواص الخمر خمسا: والطعم والرائحة والتفريح والإسكار فأخذ إذ شرع من أول تركيبه للأدوية العقاقير الصابغة للماء بلون الخمر ثم المشاكلة في الطعم ثم المعطرة للرائحة ثم المفرحة ثم المسكرة فسحق منها اليابسات وسقاها بالمائعات حتى اتحدت فصارت دواء واحدا يابسا أضيف منه القليل إلى الكثير صبغه انتهى من رسالة أرسطو.
قال الجلدكي في نهاية الطب: إن من عادة كل حكيم أن يفرق العلم كله في كتبه كلها ويجعل له من بعض كتبه خواص يشير إليها بالتقدمة على بقية الكتب لما اختصوا به من زيادة العلم.
كما خص جابر من جميع كتبه كتابه المسمى ب الخمسمائة.
وكما خص مؤيد الدين من كتبه كتابه المسمى ب المصابيح والمفاتيح.
стр. 539
وكما خص المجريطي كتابه الرتبة.
وكما خص ابن أميل كتابه المصباح.
ثم قال الجلدكي: ومن شروط العالم أن لا يكتم ما علمه الله تعالى من المصالح التي يعود نفعها على الخاص والعام إلا هذه الموهبة فإن الشرط فيها أن لا يظهرها بصريح اللفظ أبدا ولا يعلم بها الملوك لا سيما الذين لا يفهمون.
ومن العجب أن المظهر لهذه الموهبة مرصد لحلول البلاء به من عدة وجوه:
أحدها: أنه إن أظهرها لم ينم عليه فقد حل به البلاء لأن ما عنده مطلوب الناس جميعا فهو مرصد لحلول البلاء لأنهم يرون انتزاع مطلوبهم من عنده وربما حملهم الحسد على إتلافه إن أظهره للملك يخاف عليه منه فإن الملوك أحوج الناس إلى المال لأن به قوام دولتهم فربما يخيل منه أنه يخرج عنه دولته بقدرته على المال لا سيما ومال الدنيا كله حقير عند الواصل لهذه الموهبة.
قال صاحب كنز الحكمة: فأما الواصل إلى حقيقته فلا ينبغي له أن يعترف به لأنه يضره وليس له منفعة البتة في إظهاره وإنما يصل إليه كل عالم بطريق يستخرجها لنفسه إما قريبة وإما بعيدة والإرشاد إنما يكون نحو الطريق العام وأما الطريق الخاص فلا يجوز أن يجتمع عليه اثنان اللهم إلا أن يوفق إنسان بسعادة عظيمة وعناية إلهية لأستاذ يلقنه إياها تلقينا وهيهات من ذلك إلا من جهة واحدة لا غير وهو أن يجتمع فيلسوفان أحدهما واصل والآخر طالب ولا يسعه أن يكتمه إياه وهذا أعز من الكبريت الأحمر١ وطلب الأبلق العقوق. انتهى.
ونحن اقتفينا أثر الحكماء في كل ما وضعناه من كتبنا.
قال في شرح المكتسب إلا أن كتابنا هذا امتن من كل كتبنا ما خلا الشمس المنير وغاية السرور فإن لكل واحد منهم مزية في العلم والعمل فمن ظفر بهذه الكتب الثلاثة فقط من كتبنا فلعله لا يفوته شيء من تحقيق هذا العلم.
والكتب المؤلفة في هذا العلم كثيرة منها حقائق الاستشهادات وشرح المكتسب وبغية الخبير والشمس المنير في تحقيق الإكسير ورسالة للبخاري ومرآة العجائب لابن سينا والتقريب في أسرار التركيب وغاية السرور شرح الشذور والبرهان وكنز الاختصاص والمصباح في علم المفتاح ونهاية الطلب في شرح المكتسب ونتائج الفكرة ومفاتيح الحكمة ومصابيح الرحمة وفردوس الحكمة وكنز الحكمة انتهى. ما في كشف الظنون.
وقد أطال ابن خلدون في بيان علم الكيمياء ثم عقد فصلا في إنكار ثمرتها واستحالة وجودها وما ينشأ من المفاسد عن انتحالها.
ثم قال وتحقيق الأمر في ذلك أن الكيمياء إن صح وجودها كما تزعم الحكماء المتكلمون فيها مثل جابر بن حيان ومسلمة بن أحمد المجريطي وأمثالهما فليست من باب الصنائع الطبيعية ولا تتم بأمر صناعي وليس
стр. 540
كلامهم فيها من منحى الطبيعيات إنما هو من منحى كلامهم في الأمور السحرية وسائر الخوارق وما كان من ذلك للحلاج وغيره وقد ذكر مسلمة في كتاب الغاية ما يشبه ذلك وكلامه فيها في كتاب رتبة الحكيم من هذا المنحى وهذا كلام جابر في رسائله ونحو كلامهم فيه معروف ولا حاجة بنا إلى شرحه.
وبالجملة فأمرها عندهم من كليات المواد الخارجة عن حكم الصنائع فكما لا يتدبر ما منه الخشب والحيوان في يوم أو شهر خشبا أو حيوانا فيما عدا مجرى تخليقه كذلك لا يتدبر ذهب من مادة الذهب في يوم ولا شهر ولا يتغير طريق عادته إلا بإرفاد مما وراء عالم الطبائع وعمل الصنائع. فكذلك من طلب الكيمياء طلبا صناعيا ضيع ماله وعمله ويقال لهذا التدبير الصناعي: التدبير العقيم لأن نيلها إن كان صحيحا فهو واقع مما وراء الطبائع والصنائع فهو كالمشي على الماء وامتطاء الهواء والنفوذ في كثائف الأجساد ونحو ذلك من كرامات الأولياء الخارقة للعادة أو مثل تخليق الطير ونحوها من معجزات الأنبياء قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ وعلى ذلك فسبيل تيسيرها مختلف بحسب حال من يؤتاها فربما أوتيها الصالح ويؤتيها غيره فتكون عنده معارة.
وربما أوتيها الصالح ولا يملك إيتاءها فلا تتم في يد غيره ومن هذا الباب يكون عملها سحريا فقد تبين أنها إنما تقع بتأثيرات النفوس وخوارق العادة إما معجزة أو كرامة أو سحرا ولهذا كان كلام الحكماء كلهم فيها ألغاز لا يظفر بحقيقته إلا من خاض لجة من علم السحر واطلع على تصرفات النفس في عالم الطبيعة وأمور خرق العادة غير منحصرة ولا يقصد أحد إلى تحصيلها والله بما يعملون محيط.
وأكثر ما يحمل على التماس هذه الصناعة وانتحالها العجز عن الطرق الطبيعية للمعاش وابتغاؤه من غير وجوهه الطبيعية كالفلاحة والنجارة والصناعة فيستصعب العاجز ابتغاؤه من هذه ويروم الحصول على الكثير من المال دفعة بوجوه غير طبيعية من الكيمياء وغيرها وأكثر من يعني بذلك الفقراء من أهل العمران حتى في الحكماء المتكلمين في إنكارها واستحالتها.
فإن ابن سينا القائل باستحالتها كان عليه الوزراء فكان من أهل الغنى والثروة.
والفارابي القائل بإمكانها كان من أهل الفقر الذين يعوزهم أدنى بلغة من المعاش وأسبابه وهذه تهمة ظاهرة في أنظار النفوس المولعة بطرقها وانتحالها والله الرزاق ذو القوة المتين لا رب سواه.
قال في مدينة العلوم: إ ن علم الكيمياء كان معجزة لموسى ﵇ علمه القارون فوقع منه ما وقع ثم ظهر في جبابرة قوم هود وتعاطوا ذلك وبنوا مدينة من ذهب وفضة لم يخلق مثلها في البلاد.
وممن اشتهر بالوصول إليه مؤيد الدين الطغرائي يقال: أنه وصل إلى الإكسير وهو الدواء الذي يدبره الحكماء ويلقونه على الجسد حال انفعاله بالذوبان فيحيله كإحالة السم الجسد الوارد عليه لكن إلى الصلاح دون الفساد ويعبرون عن مادة هذا الدواء بالحجر المكرم وربما يقولون حجر موسى لأنه الذي علمه موسى ﵇ لقارون ويختلف حال هذا الدواء بقدر قوة التدبير وضعفه.
يحكى أن واحدا سأل من مشائخ هذا الصنعة أن يعلمه هذا العلم وخدمه على ذلك سنين فقال: إن من شرط هذه الصنعة تعليمها لأفقر من في البلد فاطلب رجلا لا يكون أفقر منه في البلد حتى نعلمه وأنت تبصرها فطلب مدة مثل ما يقول الأستاذ فوجد رجلاً يغسل قميصا له في غاية الرداءة والدرن وهو
стр. 541
يغسله بالرمل ولم يقدر على قطعة صابون فقال في نفسه: لم أر أفقر منه فأخبر الأستاذ فقال: وجدت رجلا حاله وصفته كيت وكيت فقال الأستاذ: والله إن الذي وصفته هو شيخنا جابر بن حيان الذي تعلمت منه هذه الصنعة وبكى.
قال إن من خاصية هذه الصنعة إن الواصلين إليها يكونون في غاية الإفلاس كما نقل عن الإمام الشافعي من طلب المال بالكيمياء أو الإكسير فقد أفلس إلا أنهم يقولون: إن حب الدنانير تفع عن قلب من عرفها ولا يؤثر التعب في تحصيلها على الراحة في تركها حتى قالوا: إن معرفة هذه الصنعة نصف السلوك لأن نصف السلوك رفع محبة الدنيا عن القلب وذلك يحصل بمعرفتها أي: حصول ومن قصد الوصول إلى ذلك بكتبهم وبتعبيراتهم وإشاراتهم فقد صار منخرطا في الأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يسحبون أنهم يحسنون صنعا بل الوقوف على ذلك إن كان فبموهبة عظيمة من الملك المنان أو بواسطة الكشف والإلهام من الله ذي الجلال الإكرام أو بإنعام من الواصلين إلى هذا الأمر المكتوم إشفاقا وإحسانا ولا تتمن الوصول إلى ذلك بالجد والاهتمام وإنما نذكر بعضا من كتبه إكمالا للمرام لا إطماعا في الوصول إلى ذلك السول:
منها: كتاب جابر بن حيان وتذكرة لابن كمونة.
وكتاب الحكيم المجريطي.
وشرح الفصول لعيون بن المنذر وتصانيف الطغرائي كثيرة في هذا الفن ومعتبرة عند أربابها والكتب والرسائل في هذا الباب كثيرة لكن لا خير في الاستقصاء فيها وإنما التعرض لهذا القدر لئلا يخلو الكتاب عنها بالمرة نسأل الله تعالى خيري الدنيا والآخرة انتهى حاصله. والله أعلم بالصواب.
стр. 542
باب اللام
علم اللدني
هو العلم الذي تعمله العبد من الله تعالى من غير واسطة ملك ونبي بالمشافهة والمشاهدة كما كان الخضر ﵇ قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ .
وقيل: هو معرفة ذات الله تعالى وصفاته علما يقينيا من مشاهدة وذوق ببصائر القلوب كذا في مجمع السلوك وهكذا في كشاف اصطلاحات الفنون.
علم اللغة
هو: علم باحث عن مدلولات جواهر المفردات وهيئاتها الجزئية التي وضعت تلك الجواهر معها لتلك المدلولات بالوضع الشخصي وعما حصل من تركيب كل جوهر وهيئاتها من حيث الوضع والدلالة على المعاني الجزئية.
وغايته: الاحتراز عن الخطأ في فهم المعاني الوضعية والوقوف على ما يفهم من كلمات العرب
ومنفعته: الإحاطة بهذه المعلومات وطلاقة العبارة وجزالتها والتمكن من التفنن في الكلام وإيضاح المعاني بالبيانات الفصيحة والأقوال البليغة.
стр. 543
فإن قيل: علم اللغة عبارة عن تعريفات لفظية والتعريف من المطالب التصورية وحقيقة كل علم مسائله وهي قضايا كلية أو التصديقات بها وأيا ما كان فهي من المطالب التصديقية فلا تكون اللغة علماً.
أجيب: بأن التعريف اللفظي لا يقصد به تحصيل صورة غير حاصلة كما في سائر التعاريف من الحدود والرسوم الحقيقية أو الاسمية بل المقصود من التعريف اللفظي: تعيين صورة من بين الصور الحاصلة ليلتفت إليه ويعلم أنه موضوع له اللفظ فما له إلى التصديق بأن هذا اللفظ موضوع بإزاء ذلك المعنى فهو من المطالب التصديقية لكن يبقى أنه حينئذ يكون علم اللغة عبارة عن قضايا شخصية حكم فيها على الألفاظ المعينة المشخصة بأنها وضعت بإزاء المعنى الفلاني والمسئلة لا بد وأن تكون قضية كلية.
واعلم: أن مقصد علم اللغة مبني على أسلوبين.
لأن منهم: من يذهب من جانب اللفظ إلى المعنى بأن يسمع لفظا ويطلب معناه.
ومنهم: من يذهب من جانب المعنى إلى اللفظ فلكل من الطريقين قد وضعوا كتبا ليصل كل إلى مبتغاه إذ لا ينفعه ما وضع في الباب الآخر.
فمن وضع بالاعتبار الأول فطريقه ترتيب حروف التهجي.
إما باعتبار أواخرها أبوابا وباعتبار أوائلها فصولا تسهيلا للظفر بالمقصود كما اختاره الجوهري في الصحاح ومجد الدين في القاموس.
وإما بالعكس أي: باعتبار أوائلها أبوابا واعتبار أواخرها فصولا كما اختاره ابن فارس في المجمل والمطرزي في المغرب.
ومن وضع بالاعتبار الثاني فالطريق إليه أن يجمع الأجناس بحسب المعاني ويجعل لكل جنس بابا كما اختاره الزمخشري في قسم الأسماء من مقدمة الأدب.
ثم إن اختلاف الهمم قد أوجب أحداث طرق شتى:
فمن واحد أدى رأيه إلى أن يفرد لغات القرآن.
ومن آخر إلى أن يفرد غريب الحديث.
وآخر إلى أن يفرد لغات الفقه كالمطرزي في المغرب.
وأن يفرد اللغات الواقعة في أشعار العرب وقصائدهم وما يجري مجراها كنظام الغريب والمقصود هو الإرشاد عند مساس أنواع الحاجات.
والكتب المؤلفة في اللغة كثيرة ذكرها صاحب كشف الظنون على ترتيب حروف الهجاء وألفت كتابا في أصول اللغة سميته البلغة وذكرت فيه كل كتاب ألف في هذا العلم إلى زمني هذا وذكر صاحب مدينة العلوم كتاب في هذا العلم وأورد لكل كتاب ترجمة مؤلفه وبسط فيها فليراجعه.
قال ابن خلدون: علم اللغة هو بيان الموضوعات اللغوية.
وذلك أنه لما فسدت ملكة اللسان العربي في الحركات المسماة عند أهل النحو بالإعراب واستنبطت القوانين لحفظها كما قلناه ثم استمر ذلك الفساد بملابسة العجم ومخالطتهم حتى تأدى الفساد إلى موضوعات الألفاظ فاستعمل كثير من كلام العرب في غير موضوعه عندهم ميلاً مع هجنة المتعربين في
стр. 544
اصطلاحاتهم المخالفة لصريح العربية فاحتيج إلى حفظ الموضوعات اللغوية بالكتاب والتدوين خشية الدروس وما ينشأ عنه من الجهل بالقرآن والحديث فشمر كثير من أئمة اللسان لذلك وأملوا فيه الدواوين وكان سابق الحلبة في ذلك الخليل بن أحمد الفراهيدي ألف فيها كتاب العين فحصر فيه مركبات حروف المعجم كلها من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي وهو غاية ما ينتهي إليه التركيب في اللسان العربي وتأتي له حصر ذلك بوجوه عددية حاصرة.
وذلك أن جملة الكلمات الثنائية تخرج من جميع الأعداد على التوالي من واحد إلى سبعة وعشرين وهو دون نهاية حروف المعجم بواحد لأن الحرف الواحد منها يؤخذ مع كل واحد من السبعة والعشرين فتكون سبعة وعشرين كلمة ثنائية ثم يؤخذ الثاني مع الستة والعشرين كذلك ثم الثالث والرابع ثم يؤخذ السابع والعشرون مع الثامن والعشرين فيكون واحدا فتكون كلها أعدادا على توالي العدد من واحد إلى سبعة وعشرين فتجمع كما هي بالعلم المعروف عند أهل الحساب ثم تضاعف لأجل قلب الثنائي لأن التقديم والتأخير بين الحروف معتبر في التركيب فيكون الخارج جملة الثنائيات وتخرج الثلاثيات من ضرب عدد الثنائيات فيما يجمع من واحد إلى ستة وعشرين لأن كل ثنائية يزيد عليها حرفا فتكون ثلاثية فتكون الثنائية بمنزلة الحرف الواحد مع كل واحد من الحروف الباقية وهي ستة وعشرون حرفا بعد الثنائية فتجمع من واحد إلى ستة وعشرين على توالي العدد ويضرب فيه جملة الثنائيات ثم يضرب الخارج في ستة جملة مقلوبات الكلمة الثلاثية فيخرج مجموع تراكيبها من حروف المعجم وكذلك في الرباعي والخماسي فانحصرت له التراكيب بهذا الوجه ورتب أبوابه على حروف المعجم بالترتيب المتعارف واعتمد فيه ترتيب المخارج فبدأ بحروف الحلق ثم ما بعده من حروف الحنك ثم الأضراس ثم الشفة وجعل حروف العلة آخرا وهي: الحروف الهوائية.
وبدأ من حروف الحلق بالعين لأنه الأقصى منها فلذلك سمى كتابه بالعين لأن المتقدمين كانوا يذهبون في تسمية دواوينهم إلى مثل هذا وهو تسمية بأول ما يقع فيه من الكلمات والألفاظ ثم بين المهمل منها من المستعمل وكان المهمل في الرباعي والخماسي أكثر لقلة استعمال العرب له لثقله تلحق به الثنائي لقلة دورانه وكان الاستعمال في الثلاثي أغلب فكانت أوضاعه أكثر لدورانه.
وضمن الخليل ذلك في كتاب العين واستوعبه أحسن استيعاب وأوعاه وجاء أبو بكر الزبيدي وكتب لهشام المؤيد بالأندلس في المائة الرابعة فاختصر مع المحافظة على الاستيعاب وحذف منه المهمل كله وكثيرا من شواهد المستعمل ولخصه للحفظ أحسن تلخيص.
وألف الجوهري من المشارقة كتاب الصحاح على الترتيب المتعارف لحروف المعجم فجعل البداءة منها بالهمزة وجعل الترجمة بالحروف على الحرف الأخير من الكلمة لاضطرار الناس في الأكثر إلى أواخر الكلم وحصر اللغة اقتداء بحصر الخليل.
ثم ألف فيها من الأندلسيين ابن سيدة من أهل دانية في دولة علي بن مجاهد كتاب المحكم على ذلك المنحى من الاستيعاب وعلى نحو ترتيب كتاب العين وزاد فيه التعرض لاشتقاقات الكلم وتصاريفها فجاء من أحسن الدواوين.
стр. 545
ولخصه محمد بن أبي الحسن صاحب المستنصر من ملوك الدولة الحفصية بتونس وقلب ترتيبه إلى ترتيب كتاب الصحاح في اعتبار أواخر الكلم وبناء التراجم عليها فكانا توأمي رحم وسليلي أبوة.
هذه أصول كتب اللغة فيما علمناه.
وهناك مختصرات أخرى مختصة بصنف من الكلم مستوعبة لبعض الأبواب أو لكلها إلا أن وجه الحصر فيها خفي ووجه الحصر في تلك جلي من قبل التراكيب كما رأيت.
ومن الكتب الموضوعة أيضا في اللغة: كتاب الزمخشري في المجاز بين فيه كل ما تجوزت به العرب من الألفاظ وفيما تجوزت به من المدلولات وهو كتاب شريف الإفادة.
ثم لما كانت العرب تضع الشيء على العموم ثم تستعمل في الأمور الخاصة ألفاظا أخرى خاصة بها فرق ذلك عندنا بين الوضع والاستعمال واحتاج إلى فقه في اللغة عزيز المأخذ كما وضع الأبيض بالوضع العام لكل ما فيه بياض ثم اختص ما فيه بياض من الخيل بالأشهب ومن الإنسان بالأزهر ومن الغنم بالأملح حتى صار استعمال الأبيض في هذه كلها لحنا وخروجا عن لسان العرب.
واختص بالتأليف في هذا المنحى الثعالبي وأفرده في كتاب له سماه فقه اللغة وهو من آكد ما يأخذ به اللغوي نفسه أن يحرف استعمال العرب عن مواضعه فليس معرفة الوضع الأول بكاف في التركيب حتى يشهد له استعمال العرب لذلك وأكثر ما يحتاج إلى ذلك الأديب في فني نظمه ونثره حذرا من أن يكثر لحنه في الموضوعات اللغوية في مفرداتها وتراكيبها وهو أشد من اللحن في الإعراب وأفحش.
وكذلك ألف بعض المتأخرين في الألفاظ المشتركة وتكفل بحصرها وإن لم يبلغ إلى النهاية في ذلك فهو مستوعب للأكثر.
وأما المختصرات الموجودة في هذا الفن المخصوصة بالمتداول من اللغة الكثير الاستعمال تسهيلا لحفظها على الطالب فكثيرة مثل: الألفاظ لابن السكيت والفصيح لثعلب وغيرهما وبعضها أقل لغة من بعض لاختلاف نظرهم في الأهم على الطالب للحفظ والله الخلاق العليم لا رب سواه انتهى.
وذكر في مدينة العلوم من المختصرات: كتاب العين للخليل بن أحمد والمنتخب والمجرد لعلي بن حسن المعروف بكراع النمل والمنضد في اللغة المجرد.
ومن المتوسطات: المجمل لابن حسن الفارس وديوان الأدب للفارابي.
ومن المبسوطات: المعلم لأحمد بن أبان اللغوي والتهذيب والجامع للأزهري والعباب الزاخر للصغاني والمحكم لابن سيدة والصحاح للجوهري واللامع المعلم العجاب الجامع بين المحكم والعباب والقاموس المحيط١ قال:
ومن الكتب الجامعة: لسان العرب جمع فيه بين التهذيب والمحكم والصحاح وحواشيه والجمهرة والنهاية للشيخ محمد بن مكرم بن علي وقيل: رضوان بن أحمد بن أبي القاسم.
ومن المختصرات: السامي في الأسامي للميداني والدستور ومرقاة الأدب والمغرب في لغة الفقهيات
стр. 546
خاصة للمطرزي ومختصر الإصلاح لابن السكيت وكتاب طلبة الطلبة لنجم الدين أبي حفص عمر بن محمد ويختص بالفقهيات.
ومما يختص بغريب الحديث: نهاية الجزري والغريبين جمع فيه وبين غريب الحديث والقرآن
ومنهم من أفرد اللغات الواقعة في أشعار العرب وقصائدهم إلى غير ذلك انتهى.
وذكر تراجم اللغويين تحت الكتب المذكورة ومن أبسط الكتب في اللغة وأنفعها كتاب تاج العروس في شرح القاموس للسيد مرتضى الزبيدي المصري البلجرامي وبلجرام قصبة بنواحي قنوج موطن هذا العبد الضعيف. وكتاب المصباح ومختار الصحاح.
وفي كتابنا البلغة كفاية لمن يريد الإطلاع على كتب هذا العلم.
стр. 547
باب الميم
علم مبادي الإنشاء وأدواته
هو علم باحث عما يحتاج إليه المنشي من الخط والعربية والعلوم الشرعية والتواريخ وما يناسب ذلك.
وموضوعه وغايته وغرضه ظاهرة للمتدبر ومن المصنفات في هذا العلم بحيث لا يغادر قليلا ولا كثيرا إلا أحصاه ولا يدع شيئا من المهمات إلا كشف عنها واستقصاها كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشاء للشيخ الإمام العلامة جامع أشتات الفنون أبي العباس أحمد بن علي القلقشيدي الشافعي وهو كتاب نافع في بابه في الغاية.
قال في مدينة العلوم: ولقد طالعت بعضا منه وانتفعت به لكن لم أقف على ترجمة مصنفه إلا أنه مصري الدار مات في جمادى الآخرة سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عن خمس وستين سنة كذا في تاريخ السخاوي.
ومن الكتب النافعة المختصرة فيه كتاب مناظر الإنشاء لمحمود الشهير بخواجه جهان إلا أنه وقع باللسان الفارسي وصاحبه من مشاهير الدنيا كان ذا ثروة ومال عظيم وكان يصل إحسانه من الهند إلى علماء الروم وفضلاء العجم ويقال أنه كان وزيرا في بلاد الهند انتهى.
علم مبادئ الشعر
هو علم باحث عن مقدمات تخييلية يحصل منها الترغيب أو الترهيب وتختلف تلك المقدمات بحسب قوم وقوم.
وموضوعه: الشعر من حيث مقدماته المناسبة من تتبع الأمور التخييلية.
ومباديه تحصل من تتبع أشعار الناس بحسب قوم وقوم والغرض منه تحصيل ملكة إيراد الكلام الشعري على مواد متناسبة وغايته الاحتراز عن الخطأ فيها وكتاب الشعر من مواد الأقيسة المذكورة في الكتب الحكمية نافع في هذا الباب.
علم مبهمات القرآن
قال أبو الخير: اعلم أن علم المبهمات مرجعه النقل المحض لا مجال للرأي فيه قال: وللإبهام في
стр. 548
القرآن أسباب ثم سرد أسبابه وذكر ستة أسباب.
ومبهمات القرآن للسهيلي ولابن عساكر وللقاضي بدر الدين بن جماعة وللسيوطي١ فيه تأليف جمع فيه فوائد الكتب المذكورة مع زوائد أخرى كما ذكره في الإتقان.
علم متشابه القرآن
أول من صنف فيه الكسائي كما قال السيوطي في الإتقان ونظمه السخاوي ومن الكتب المصنفة فيه البرهان: ودرة التنزيل وكشف المعاني وقطف الأزهار وغير ذلك.
علم متن الحديث
المتن ما اكتنف الصلب من الحيوان فمتن كل شيء ما يتقوم به ذلك الشيء فمتن الحديث ألفاظه التي يتقوم بها المعنى.
علم المحاضرات
قال أبو الخير في مفتاح السعادة: هو علم يحصل منه ملكة إيراد كلام للغير مناسب للمقام من جهة معانيه الوضعية أو من جهة تركيبة الخاص.
والغرض منه تحصيل تلك الملكة.
وفائدته الاحتراز عن الخطأ في تطبيق كلام منقول عن الغير على ما يقتضيه مقام التخاطب من جهة معانيه الأصلية ومن جهة خصوص ذات التركيب نفسه. انتهى.
والفرق بينه وبين علم المعاني.
إن المعاني تطبيق المكلم كلام على مقتضى الحال وكلام الغير على خواص لائقة بحاله.
والمحاضرات: استعمال كلام البلغاء أثناء الكلام في محل مناسب له على طريق الحكاية.
وموضوعه وغايته وغرضه ومباديه ظاهرة للمتدبر.
ومن الكتب المصنفة فيه: ربيع الأبرار لجار الله الزمخشري.
وفنون المحاضرة للراغب الأصفهاني.
والتذكرة الحمدونية لأبي المعالي.
وريحانة الأدب لابن سعد.
والعقد الفريد لابن عبد ربه وهو من الكتب الممتعة حوى من كل شيء وقد طبع في هذا الزمان بمصر القاهرة.
وفصل الخطاب للتيفاشي.
ونثر الدر للآبي.
стр. 549
والأغاني لابن الفرج الأصفهاني وطبع بمصر أيضا ووقع الاتفاق على أنه لم يعمل في بابه مثله يقال: جمعه في خمسين سنة وحمله إلى سيف الدولة فأعطاه ألف دينار واعتذر إليه.
وحكي عن الصاحب بن عباد: أنه كان في أسفاره وتنقلاته يستصحب حمل ثلاثين جملا من الكتب فلما وصل إليه كتاب الأغاني استغنى به عنها.
والسكردان لابن أبي حجلة وكان حنفي المذاهب حنبلي المعتقد وكان كثير الحط على الاتحادية وصنف كتابا عارض به قصائد ابن فارض كلها نبوية وكان يحط عليه لأنه لم يمدح النبي ﷺ ويحط على أهل نحلته ويرميه ومن يقول بمقالته ومن يقول بمقالته بالغطائم وقد امتحن بسبب ذلك على يد سراج الدين الهندي وكان يقول الشعر ولا يحسن العروض وجمع مجامع حسنة منها ديوان الصبابة وطبع بمصر وله مصنفات كثيرة ذكرها في مدينة العلوم وحياة الحيوان لكمال الدين الدميري وقد طبع بمصر أيضا ومونس الوحيد للثعالبي ومحاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار لابن عربي الطائي والفتوحات المكية له وضمن فيها غرائب المعارف الكشفية والذوقية وطبع بمصر وسلوان١ المطاع في عدوان الاتباع لابن ظفر محمد الصقلي المنعوت بحجة الدين وله مصنفات جليلة أخرى وكتاب المحاضرات والمناظرات وكتاب الإمتاع والموانسة كلاهما لأبي حيان التوحيدي نسبة إلى نوع من التمر يسمى التوحيد وقال ابن حجر: يحتمل أن ينسب إلى التوحيد الذي هو الدين فإن المعتزلة يسمون أنفسهم أهل التوحيد ٢ / ٤٨١
قال في مدينة العلوم: بعد ذكر تلك الكتب المذكورة وكتب المحاضرات كثيرة مثل نزهة الأصحاب في معاشرة الأحباب وأوثق المجالس وأنيس المحاضرة والروض الخصيب ومونس الحبيب ونظم السلوك في مسامرة الملوك ونشوان المحاضرات وعجائب الغرائب وترويح الأرواح غير ذلك مما يطول تعدادها. انتهى.
علم مخارج الألفاظ
لا يخفى أن للألفاظ مخارج تخصها مغايرة لمخارج الحروف يعرفها أهلها ولا يعرف هذين العلمين إلا من أحدهما من أفواه المشائخ وهذا العلم أيضا ربما يجعل من فروع علم الألفاظ.
علم مخارج الحروف
وهذا علم يبحث فيه عن أحوال الألفاظ العربية خارجة وإنها من أي موضع تخرج ويبحث عن صفاتها من الجهر والهمس وأمثالهما وقد تقدم في فروع علم الألفاظ لأنه يمكن أن يجعل فرعا لهذين العلمين لكن من جهتين هكذا في مدينة العلوم في آخر الكتاب.
وقال في كشف الظنون: هو من فروع القراءة والتصريف ثم قال في المدينة بموضع آخر ما لفظه: وهو تصحيح مخارج الحروف كيفية وكمية وصفاتها العارضة لها بحسب ما تقتضيه طباع العرب.
فموضوعه بسائط الحروف العربية بحسب مخارجها وصفاتها ومباديه بعضها بديهي وبعضها استقرائي.
стр. 550
ويستمد من العلم الطبيعي وعلم التشريح.
وغرضه تحصيل ملكة إيراد تلك الحروف في المخارج على ما هي عليه في لسان العرب.
وغايته الأولية الاحتراز عن الخطأ في لفظ كلام العرب بحسب مخارج حروفه وغايته الأخرية القدرة على قراءة القرآن كما أنزل بحسب مخارج حروفها وصفاتها ولقد صنف الشيخ الجزري في هذا العلم أرجوزة هي مقدمة لهذا الفن وعليها شرح لولد المصنف.
قال في مدينة العلوم: وشرحتها أنا في عنفوان الشباب وانتفع بذلك بحمد الله تعالى كثير من الأحباب ولقد أدرج الشيخ الشاطبي في قصيدته ما فيه كفاية في هذا الفن ولا يرجى المزيد عليها انتهى كلام الأرنيقي رحمه الله تعالى.
علم مخارج اللسان
ذكره في الكشف ولم يكشفه.
علم المراحيات
هكذا في كشف الظنون.
علم مراكز الأثقال
قال أبو الخير في مفتاح السعادة: هو علم يتعرف منه كيفية استخراج مركز ثقل الجسم المحمول والمراد بمركز الثقل حد في الجسم عنده يتعادل بالنسبة إلى الحامل.
ومنفعته معرفة كيفية معادلة الأجسام العظيمة بما دونها لتوسط المسافة. انتهى.
وفيه كتاب لأبي سهيل الكوهي تساهل في مقدمات براهينه ولابن الهيثم في كتاب مفيد.
علم المرايا المحرقة
قال أبو الخير: هو علم يتعرف منه أحوال الخطوط الشعاعية المنعطفة والمنعكسة والمنكسرة ومواقعها وزواياها ومراجعها وكيفية عمل المرايا المحرقة بانعكاس أشعة الشمس عنها ونصبها وحاذاتها ومنفعته بليغة في محاصرات المدن والقلاع انتهى.
ومثله في كشاف اصطلاحات الفنون وقد كانت القدماء تعمل المرايا من أسطحة مستوية بعضهم من مقعر كرة إلى أن ظهر ونوقلس وبرهن على أنها: إذا كانت أسطحتها مقعرة بحسب القطع المكاني فإنها تكون في غاية القوة والإحراق وكتاب ابن الهيثم في المرايا المحرقة على هذا الرأي قاله في مدينة العلوم.
علم المساحة
هكذا في الكشف وأقول: هو من فروع علم الهندسة وهو فن يحتاج إليه في مسح الأرض.
ومعناه استخراج مقدار الأرض المعلومة بنسبة شبر أو ذراع أو غيرهما أو نسبة أرض من أرض إذا
стр. 551
قويست بمثل ذلك ويحتاج إلى ذلك في توظيف الخراج على المزارع والفدن١ وبساتين الغراسة وفي قسمة الحوائط والأراضي بين الشركاء أو الورثة وأمثال ذلك وللناس فيها موضوعات حسنة كثيرة والله الموفق للصواب بمنه وكرمه انتهى ما في ابن خلدون.
وعبارة مدينة العلوم هكذا هو علم يتعرف منه مقادير الخطوط والسطوح والأجسام بما يقدرها من الخط والمربع والمكعب.
ومنفعته جليلة في أمر الخراج وقسمة الأرضيين وتقدير المساكن وغيرها.
ومن الكتب المختصرة فيه: كتاب لابن محلي الموصلي.
ومن المتوسطة: كتاب لابن المختار وكتاب شميدس انتهى.
وهذا العلم متداول اليوم في الناس وأكثرهم علما به النصارى حكام الهند والله تعالى أعلم بالصواب.
علم مسالك البلدان والأمصار
علم باحث عن أحوال الطرق الواقعة بين البلاد وإنها برية أو بحرية عامرة أو غامرة سهلية أو جبلية مستقيمة أو منحرفة والعلامات المنصوبة لتلك الطرق من الجبال والتلال وأمثالهما ومعرفة ما في تلك المسالك من المخاوف الحيوانية أو النباتية وأمثال ذلك.
ومنفعة هذا العلم لا تخفى على أحد ذكره في مدينة العلوم ورأيت فيه كتابا بالفارسي لبعض علماء الهند.
علم مسامرة الملوك
هذا من فروع المحاضرات وهو علم باحث عن أحوال يرغب فيها الملوك من القصص والأخبار والمواعظ والعبر والأمثال وغرائب الأقاليم وعجائب البلدان وغير ذلك من الأحوال التي فيها ترغب الملوك والأمراء والرؤساء وأهل الرفاهة والأتراف.
ومن الكتب المصنفة فيه سلوان المطاع في عدوان الاتباع لابن ظفر وكتاب مفاكهة الخلفاء وكتاب نظم السلوك في مسامرة الملوك.
وأكثر كتب المحاضرات وافية بهذا المطلب سيما كتاب حياة الحيوان ومحاضرات الراغب.
وموضوعه وغايته وغرضه ومنفعته ظاهرة للعاقل الذكي.
علم مشكل القرآن ٢
هكذا في كشف الظنون
علم المعادن
أي: معادن الإبريز والجواهر وغير ذلك قال في مدينة العلوم: المعادن سبعمائة معدن وهو علم يتعرف
стр. 552
منه أحوال الفلزات من طبائعها وألوانها وكيفية تولدها في المعادن وكيفية استخراجها واستخلاصها عن الأجزاء الأرضية وتفاوت طبائعها وأوزانها وغايته.
ومنفعته لا تخفى على أحد حتى العوام والتصانيف فيه كثير ولا أنفع ولا أجمع من تأليف الطوسي.
علم المعاد
أي دار الآخرة١.
علم المعاني
سبق في حرف الباء في علم البيان قال في مدينة العلوم:
هو تتبع خواص تراكيب الكلام ومعرفة تفاوت المقامات حتى يمكن من الاحتراز عن الخطأ في تطبيق الأولى على الثانية وذلك لأن للتراكيب خواص مناسبة لها يعرفها الأدباء إما بسيلقتهم أو بممارسة علم البلاغة وتلك الخواص بعضها ذوقية وبعضها استحسانية وبعضها توابع ولوزام المعاني الأصلية لكن لزوما معتبرا في عرف البلغاء وإلا لما اختص فهمها بصاحب الفطرة السليمة وكذا مقامات الكلام متفاوتة كمقام الشكر والشكاية والتهنية والتعزية والجد والهزل وغير ذلك من المقامات وكيفية تطبيق الخواص على المقامات تستفاد من علم المعاني ومداره على الاستحسانات العرفية.
وموضوعه: التراكيب الخبرية والطلبية من حيث تطبيق خواصها على مقتضى الحال.
ومسائله: القواعد التي يتعرف منها أن أي مقام يقتضي أي خاصة من الخواص ومباديه المسائل النحوية واللغوية.
وبالجملة المسائل الأدبية كلها ودلائله استقراء تراكيب البلغاء.
والغرض منه: تطبيق الكلام على مقتضى الحال.
وغايته: الاقتدار على التطبيق المذكور وتمام تفصيل هذا المقام لا يسعه نطاق الكلام.
وأما الكتب المصنفة في علم المعاني فلما لم يفرز عن البيان والبديع ذكرناها هناك ولابن الهيثم الجزي كتاب في علم المعاني انتهى.
قال في كشاف اصطلاحات الفنون: علم المعاني: علم تعرف به أحوال اللفظ العربي التي يطابق بها اللفظ لمتقضى الحال هكذا ذكر الخطيب في التلخيص.
والمراد بأحوال اللفظ الأمور العارضة المتغيرة كما يقتضيه لفظ الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير وغير ذلك وأحوال الإسناد أيضا من أحوال اللفظ باعتبار أن كون الجملة مؤكدة أو غير مؤكدة اعتبار راجع إليها.
وموضوعه العلم ليس مطلق اللفظ العربي كما توهمه العبارة بل الكلام من حيث أنه يفيد زوائد
стр. 553
المعاني فلو قال: أحوال الكلام العربي لكان أوفق وعرف صاحب المفتاح المعاني بأن تتبع خواص تراكيب الكلام في الإفادة وما يتصل بها من الاستحسان وغيره ليحترز بالوقف عليها عن الخطأ في تطبيق ما يقتضي الحال ذكره والتعريف الأول أخصر وأوضح كما لا يخفى وأيضا التعريف بالتتبع تعريف بالمبائن إذا لنتتبع ليس بعلم ولا صادق عليه وإن شئت التوضيح فارجع إلى المطول والأطول انتهى حاصله.
علم المعاملات
من فروع علم الحساب وهو تصريف الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات والزكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات يصرف في ذلك صناعتا الحساب في المجهول والمعلوم والكسر والصحيح والجذور وغيرها.
والغرض من تكثير المسائل المفروضة فيها حصول المران والدربة بتكرار العمل حتى ترسخ الملكة في صناعة الحساب ولأهل الصناعة الحسابية من أهل الأندلس تآليف فيها متعددة من أشهرها: معاملات الزهراوي وابن السمح وأبي مسلم بن خلدون من تلاميذ مسلمة المجريطي وأمثالهم.
علم المعاملة
هو علم أحوال القلب إما ما يحمد منها كالصبر والشكر والخوف والرضاء والزهد والتقوى والسخاء ومعرفة المنة لله تعالى في جميع الأحوال وحسن الظن والصدق والإخلاص.. فمعرفة حقائق هذه الأحوال وحدودها وأسبابها التي بها تكتسب وثمرتها وعلاماتها ومعالجة ما ضعف منها حتى يقوى وما زال حتى يعود من علم الآخرة.
وأما ما يذم فخوف الفقر وسخط المقدر والغل والحسد والحقد والغش وطلب العلو وحب الثناء وحب طول البقاء والفخر والخيلاء والتنافس والمباهات والأنفة والعداوة والبغضاء والطمع والبخل والرغبة والبذخ والأشر والبطر وتعظيم الأغنياء والاستهانة بالفقراء إلى غير ذلك مما ذكره الغزالي في الأحياء.
فالعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمرتها وعلاجها هو علم الآخرة.
وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة فالمعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة كما أن العرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاءها.
ولو سئل فقيه عن معنى هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو عن وجه الاحتراز عن الرياء لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة.
ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها فلا يزال يتعب فيها ليلا ونهارا وفي حفظه ودرسه ويغفل عما هو مهم نفسه في الدين هيهات هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس العلماء السوء فالله المستعان وإليه الملاذ في أن يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن ويضحك الشيطان.
стр. 554
علم معرفة الأرضي والسماوي
أما الأرضي: فظاهر.
وأما السماوي: فما نزل ليلة المعراج كالآيتين من آخر سورة البقرة.
قال ابن العربي: إن من القرآن سمائيا١ وأرضيا وما نزل بين السماء والأرض وما نزل تحت الأرض في الغار.
أما الأرضي والسمائي فظاهران.
وأما ما نزل بين السماء والأرض فلعله أراد في الفضاء بين السماء والأرض كالتي نزلت ليلة المعراج.
وأما ما نزل تحت الأرض في الغار فسورة المرسلات كما في الصحيح عن ابن مسعود ﵁.
علم معرفة أول ما نزل
والأمر في أحواله ظاهر وفي أول ما نزل أقوال أصحها: أنه ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ .
وقيل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ .
والتوفيق أول سورة نزلت المدثر فلا ينافي أن يكون صدر سورة القلم أول ما نزل على الإطلاق والمدثر أول بالنسبة إلى ما بعد فترة الوحي لا مطلقاً.
وقيل: أول ما نزل سورة الفاتحة وإليه ذهب أكثر المفسرين.
وقيل: أول ما نزل بسم الله الرحمن الرحيم.
وأما آخر سورة نزلت براءة.
وآخر آية نزلت يستفتونك.
وقيل: أنها آخر سورة نزلت في الفرائض.
وأما آخر آية نزلت على الإطلاق فقيل: آية الربا وقيل آخر آية نزلت ﴿َقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ إلى آخر السورة.
وقيل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ .
علم معرفة أسماء القرآن وأسماء سوره
اعلم أن الله تعالى سمى القرآن بخمسة وخمسين اسماً.
أما السور فمنها ما له اسم واحد وهو الأكثر ومنها ما له اسمان وأكثر لأن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى من ذلك الفاتحة ولها نيف وعشرون اسما وتفصيل الأسماء مذكور في كتاب الإتقان للسيوطي ﵀.
علم معرفة الإمالة والفتح وما بينهما
وكذا علم معرفة الإشمام والإدغام والإظهار والإخفاء والإقلاب كل هذه مفصلة في علم القراءة.
стр. 555
وكذا علم معرفة المد والقصر.
وكذا علم معرفة تخفيف الهمزة وقد أفرد جماعة بالتصنيف في هذه العلوم الثلاثة.
علم معرفة آداب تلاوة القرآن وتاليه
أفرده بالتصنيف جماعة منهم النووي في البيان وتلك نيف وثلاثون آداباً.
علم ١ معرفة الاقتباس وما جرى مجراه
حرمه المالكية مطلقا هذا هو المشهور من مذهب مالك إلا أن استعمال القاضي عياض الاقتباس في مواضع من خطبة الشفاء يدل على جوازه وقد يخصص إنكارهم بالنظم دون النثر صرح بذلك القاضي أبو بكر من المالكية فأما قدماء الشافعية فلم يتعرضوا له وكذا أكثر متأخريهم مع شيوع الاقتباس في أعصارهم وأجازه عز الدين بن عبد السلام.
قال: بأن حجة الاقتباس ثلاثة أنواع: مقبول ومباح ومردود.
فالأول: ما كان في الخطب والمواعظ والعهود.
والثاني: ما كان في الغزل والرسائل والقصص.
والثالث: على ضربين:
أحدهما: ما نسبه الله إلى نفسه وينقله القائل إلى نفسه فنعوذ بالله.
وثانيهما: تضمين آية كلاما فيه معنى الهزل ونعوذ بالله من ذلك.
علم معرفة إعرابه
أفرده جماعة بالتصنيف.
منهم مكي وكتابه في المشكل خاصة.
والحوفي وكتابه أوضحها.
وأبو البقاء العكبري وكتابه أشهرها.
والسمين وكتابه أجلها على ما فيه من حشو وتطويل ولخصه السفاقسي فأوجزه وتفسير أبي حيان مشحون بذلك.
علم معرفة الإيجاز والإطناب
وهما من أعظم أنواع البلاغة والتفصيل في علم المعاني مذكور.
علم معرفة الآيات المشتبهات
صنف فيه جماعة أولهم الكسائي ونظمه السخاوي وألف في توجيهه الكرماني كتاب البرهان في
стр. 556
متشابه القرآن وأحسن من منه درة التنزيل وغرة التأويل لأبي عبد الله الرازي وأحسن من هذا ملاك التأويل لأبي جعفر بن الزبير.
وللقاضي بدر الدين بن جماعة كتاب لطيف سماه كشف المعاني عن متشابه المثاني وفي كتاب أسرار التنزيل المسمى بقطف الأزهار في كشف الأسرار والقصد به أسرار القصة الواحدة في صور شتى يعرف ذلك بالتتبع في هذه المؤلفات النفيسة.
علم معرفة إعجاز القرآن
صنف فيه خلائق منهم الخطابي والرماني والزملكاني والإمام الرازي وابن سراقة والقاضي أبو بكر الباقلاني قال ابن العربي: ولم يصنف مثل كتابه.
علم معرفة أمثال القرآن
والمثل تصور المعاني بصورة الأشخاص وفائدته جمة منها تقرير المراد وتقريبه للعقل وتصويره بصورة المحسوس إلى غير ذلك قال الماوردي: من أعظم علم القرآن علم أمثاله والناس في غفلة عنه.
علم معرفة أقسام القرآن
صنف فيه ابن القيم ﵀ مجلدا سماه: التبيان والمراد بالقسم تحقيق الخبر وتأكيده والتفصيل في كتاب الإتقان.
علم معرفة أسماء من نزل فيهم القرآن
وأفرده بالتأليف بعض القدماء لكنه وقع غير محرر وكتاب أسباب النزول والمبهمات يغنيان عن ذلك.
علم معرفة أفضل القرآن وفاضله
اتفق العلماء على إن جميع سور القرآن وآياته متساوية في الفضيلة من حيث إنها كلام الله تعالى منزلة على رسوله ﷺ لهداية أمته لكنهم اختلفوا في أن بعضها أفضل من بعض أم لا؟
ومن القائلين بالأول: إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن العربي والغزالي والقرطبي وعز الدين بن عبد السلام وغيرهم.
ومن القائلين بالثاني: الإمام أبو الحسن الأشعري والقاضي أبو بكر الباقلاني وأبو حيان وروي المنع عن مالك وقال ابن عبد البر: السكوت في هذه المسئلة أفضل من الكلام فيها.
علم معرفة بيان الموصول لفظا والمفصول معنى
وهذا العلم من أعظم مهمات الدين قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ .
وساق الآية في قصة آدم وحواء وختمها بقوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وآخر الآية مشكل حيث نسب الإشراك إليهما مع أن الإجماع منعقد على أن الأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها فظهر أن آخر الآية مفصول عن قصة آدم وحواء نزل آخرها في آلهة العرب كذا قال السدي ولهذا غير نظير في القرآن فلا تغفل.
стр. 557
علم معرفة بدائع القرآن
أورد فيها أبو الأصبع نحو مائة نوع وصنف فيه مستقلا فارجع إليه وذكره أهل البيان في أواخر علم البيان أن المتأخرين زادوا عليها شيئا كثيرا وابن الأصبع والسيوطي ذكرا منها ما وجد في القرآن والتفصيل في كتاب الإتقان للسيوطي ﵀.
علم معرفة تشبيه القرآن واستعاراته
وتفسيرهما وأقسامهما مذكورة في علم البيان وكلاهما واقعان في القرآن بحيث لا يرتاب فيه أحد وهما من مراتب البلاغة ولطائفها ولم يذكر في المدينة كتاب في هذا العلم.
علم معرفة تفسير القرآن وتأويله وبيان شرفه والحاجة إليه
قد بين معنى التفسير والتأويل والفرق بينهما في علم الأصول وأما شرف تفسير القرآن فأظهر من أن يخفى وأما وجه الحاجة إلى التفسير فلأنه لا يمكن لكل عالم أن يفهم معنى القرآن بدون تفسيره.
علم معرفة جمعه وترتيبه
قال الحاكم في المستدرك: جمع القرآن ثلاث مرات: الأول: بحضرة النبي ﷺ وكانوا يكتبون في العسب واللخاف والرقاع وقطع الأديم والأكتاف والأضلاع والثاني: لأبي بكر جمع القرآن في صحف والثالث: ترتيب السور في زمن عثمان ﵁ فإنه كتب مصاحف بإجماع الصحابة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا أرسل إلى مكة والشام واليمن والبصرة والكوفة والبحرين وحبس بالمدينة واحداً.
علم معرفة جدل القرآن
صنف فيه نجم الدين الطوفي قال العلماء: اشتمل القرآن على جميع أنواع البراهين والأدلة إلا أن الوارد في القرآن أوضحها وأقواها لينتفع بها الخاصة والعامة والعدول إلى الدقيق هو للعاجز عن القوي الجلي والله أعلم بالصواب.
علم معرفة الحضري والسفري
وموضوعه ونفعه وغايته في غاية الظهور أما أمثلة الحضري فكثيرة وأما أمثلة السفري فقد ضبطوها وارتقت إلى نيف وأربعين استقصاها السيوطي في الإتقان في علوم القرآن.
علم معرفة حفاظه ورواته
هم خلق كثير من الصحابة ولكن المشتهرين بأقرأ القرآن منهم سبعة: عثمان وعلي وأبي وزيد بن ثابت وابن مسعود وأبو الدرداء وأبو موسى الأشعري كذا ذكرهم الذهبي.
علم معرفة حقيقة القرآن ومجازها
لم يختلف أحد في وقوع الحقائق في القرآن واختلف العلماء في وقوع المجاز فيه والأصح وقوعه فيه والتفصيل في علم الأصول.
стр. 558
علم معرفة حصر القرآن والاختصاص
أما الحصر فيقال له: القصر: وهو تخصيص أمر بآخر بطريق مخصوص ويقال أيضا: إثبات الحكم للمذكور ونفيه عما عداه وقد يفرق بين الحصر والاختصاص والتفصيل في علم المعاني والسيوطي ذكر في كتاب الإتقان تفاصيل أقسامهما.
علم معرفة حكم الشرائع
علم يبحث فيه عن حكم الشرائع ومحاسنها والفقهاء لم يتعرضوا لها إذ وظيفة العباد معرفة دلائل الأحكام والعمل بها حتى قال قائلهم:
لم يخلق العقل درا كالحكمة ... لكن ليقبل ما يأتيه من حكم
إلا أن بعض العلماء استنبطوا حكم الشرائع ومحاسنها على وجه يطابق قواعد الشريعة بقدر الطاقة البشرية ليزداد نشاط العباد في قبولها ومن الكتب المصنفة فيه كتاب محاسن الشرائع والإسلام للشيخ العلامة أبي عبد الله محمد بن عبد الرحمن البخاري روح الله روحه ذكره في مدينة العلوم.
علم معرفة الخبر والإنشاء
وقد بين تفاصيلهما في المعاني وفصل السيوطي في الإتقان في بيان أحوالهما:
علم معرفة خواتم السور
هي أيضا مثل الفواتح في الحسن لتضمنها المعاني البديعة من الحكم والمواعظ والعبر ونحوها ووقوعها بحيث ينبئ عن الانتهاء لئلا يتشوق ذهن السامع إلى ما بعدها ويظهر ذلك لمن تأمل ببصيرة تامة نافذة.
علم معرفة خواص القرآن
صنف فيه جماعة من المتقدمين منهم التميمي وحجة الإسلام الغزالي ومن المتأخرين اليافعي سماه الدر النظيم في خواص القرآن العظيم وغالب ما يذكر في ذلك كان مستنده تجارب الصالحين وورد في ذلك بعض من الأحاديث أوردها السيوطي في الإتقان.
علم معرفة الخواص الروحانية
من العددية والحرفية والتكسيرات العددية والحرفية وهو: علم باحث عن كيفية تمزيج الأعداد والحروف على التناسب والتعادل بحيث يتعلق بواسطة هذا التعديل أرواح متصرفة تؤثر في القوابل حسبما يراد ويقصد عن ترتيب الأعداد والحروف وكيفياتها وموضوعه الأعداد والحروف وغايته الوصول إلى المطالب الدينية أو الدنيوية أو الأخروية.
وغرضه وفائدته لا يخفى وكتب عبد الرحمن الأنطاكي نافعة في هذا الباب وكذا كتب الشيخ أحمد البوني وغير ذلك من المشائخ الكرام ذكره في مدينة العلوم.
علم معرفة سبب النزول
وفائدته: أنه ربما لا يمكن الوقوف على تفسير الآية بدون معرفة قصتها وصنف فيه على بن المديني
стр. 559
شيخ البخاري وصنف فيه الواحدي واختصره الجعبري وألف فيه شيخ الإسلام ابن حجر إلا أنه مات فبقي في المسودة وألف فيه السيوطي كتابا حافلا سماه لباب النقول في أسباب النزول.
علم معرفة شروط المفسر وآدابه ١
ومن شروطه يجب أن يطلب تفصيل المجمل في موضع آخر من القرآن لأن القرآن يفسر بعضه بعضا وكذا يطلب تفصيل ما اختصر في موضع آخر لأن القرآن يفصل بعضه بعضا وإن أعياه ذلك فليطلب من السنة لأن السنة تفسير القرآن وإن لم يجد في السنة رجع إلى أقوال الصحابة لأنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله ولما اختصوا به من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح وإذا تعارضت أقوالهم فإن أمكن الجمع فذاك وإلا فقدم ابن عباس لقول النبي ﷺ في حقه: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" وإن لم يوجد قول من الصحابي فيعتمد على أقوال التابعين وإلا فيجتهد مراعيا للمدلولات اللغوية والاستعمالات العربية ومراعيا لوجه الإعجاز.
وأما آداب المفسر فصحة الاعتقاد ومتابعة السنة ظاهرا وباطنا ويجب أن يكون اعتماده على النقل عن النبي ﷺ وعن أصحابه ومن عاصرهم ويجتنب المحدثات والبدعات كلها.
علم معرفة الشتائي والصيفي
وأمر موضوعه وغايته ومنفعته لا يخفى وقد استقصى تلك الآيات السيوطي في الإتقان.
علم معرفة الشواذ وتفرقتها من المتواتر
والمتواتر عند الأكثرين سبعة:
أحدهم: نافع وله راويان قالون وورش.
وثانيهم: ابن كثير وله راويان البزي وقنبل.
وثالثهم: أبو عمرو وله راويان الدوري والسوسي.
ورابعهم: ابن عامر وله راويان هشام وابن ذكوان.
وخامسهم: عاصم وله راويان شعبة وحفص.
وسادسهم: حمزة وله راويان خلف وخلاد.
وسابعهم: الكسائي وله راويان أبو الحارث والدوري ولا تظنن أن لكل من هؤلاء المشائخ راويين فقط حتى إذا وجدت لهم راويا غير هؤلاء تحكم بالشذوذ بل لكل منهم رواة كثيرة وإنما اختاروا منهم اثنين لشهرتهما ثم إن في انحصار المتواتر في السبعة خلافا إذ بعض العلماء الحقوا بهم يعقوب الحضرمي وأما ما وراء هؤلاء الثمانية إلى الثلاثة عشر بل إلى ما فوقها فقد اتفقوا على شذوذها كذا في مدينة العلوم.
стр. 560
علم معرفة طبقات المفسرين
أولهم الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين وهم عشرة: الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير ﵃ ويليهم التابعون وهؤلاء من الكثرة بحيث لا يحصون: كمجاهد وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وطاؤس وغيرهم وهم علماء مكة وطبقة أخرى تجمع أقوال الصحابة والتابعين: كسفيان بن عيينة ووكيع بن الجراح وشعبة بن الحجاج ويزيد بن هارون وآخرين.
وبعد هؤلاء: ابن جرير الطبري وكتابه أجل التفاسير وأعظمها ثم ابن أبي حاتم وابن ماجة والحاكم وابن مردويه وأبو الشيخ وابن حبان وابن المنذر في آخرين.
ثم أتت بعد هؤلاء جماعة ألفوا التفاسير واختصروا الأسانيد ونقلوا الأقوال بتراء فدخل من ههنا الدخيل والتبس الصحيح بالعليل هذا الذي ذكرته من فروع علم التفسير هو ما وقع في كتاب الإتقان وهذا بعض من علوم عدوها من فروع علم التفسير بأدنى الملابسة كذا في مدينة العلوم.
علم معرفة عدد سور القرآن وآياته وكلماته وحروفه
أما سوره فمائة وأربع عشرة بإجماع من يعتد به وأما عدد الآي فستة آلاف وستمائة آية وست عشرة آية وجميع حروفه ثلاثمائة ألف حرف وثلاثة وعشرون ألف حرف وستمائة حرف واحد وسبعون حرفاً.
وأما كلمات القرآن فسبعة وسبعون ألف كلمة وستمائة وأربع وثلاثون كلمة وفائدة معرفة عدد الآي معرفة الوقف ولأن الإجماع انعقد على أن الصلاة لا تصح بنصف آية.
وقال جمع من العلماء تجزي بآية وآخرون بثلاث آيات والآخرون لا بد من سبع والإعجاز لا يقع بدون آية فللعدد غاية عظيمة وفي الأعداد المذكورة اختلافات ذكرها السيوطي في الإتقان في علوم القرآن.
علم معرفة العالي والنازل من أسانيده
وأعلاها القرب من رسول الله ﷺ ثم القرب من الأئمة المشهورين.
ثم العلو بالنسبة إلى الكتب المشهورة كالتيسير والشاطبية.
ومن أقسام العلو تقدم وفاة الشيخ عن قرينه الذي أخذ عن شيخ ذلك الشيخ.
ومن أقسامه أيضا العلو بموت الشيخ لا مع الالتفات إلى أمر آخر وشيخ آخر متى يكون.
وإذا عرفت العلو بأقسامه عرفت النزول فإنه ضده وههنا تفاصيل ذكرها السيوطي ﵀ في كتابه الإتقان.
علم معرفة عام القرآن وخاصه ومجمله ومبينه
ومباحث هذا العلم في علم الأصول.
علم معرفة العلوم المستنبطة من القرآن
وقد أفرد الناس كتبا في ذلك كالقاضي إسماعيل وبكر بن العلاء وأبي بكر الرازي والكيا الهراسي،
стр. 561
وأبي بكر بن العربي وعبد المنعم بن القرس وابن خويز منداد وأفراد آخرون كتبا فيما فيه من علوم الباطن وأفرد ابن برجان كتابا فيما تضمنه من معاضدة الأحاديث.
وألف جلال الدين السيوطي ﵀ كتابا سماه الإكليل١ في استنباط التنزيل ذكر فيه كل ما استنبط منه من مسئلة فقهية أو أصلية أو اعتقادية وبعضا مما سوى ذلك كثير الفائدة جم العائدة يجري مجرى الشرح لما أجمل من أنواعه في الإتقان فليراجعه.
علم معرفة غريب القرآن
وهذا العلم وإن كان مذكورا في كتب اللغة إلا أن بعض العلماء أفردوه بالتصنيف منهم: أبو عبيدة وأبو عمر والزاهد وابن دريد العزيزي وهذا أشهرها.
قيل: قد أقام العزيزي في تأليف غريب القرآن خمس عشرة سنة يحرره هو وشيخه أبو بكر بن الأنباري.
ومن أحسنها مفردات الراغب ولأبي حيان في ذلك مختصر مقدار كراسين.
علم معرفة غرائب التفسير
ألف فيه محمود بن حمزة الكرماني كتابا في مجلدين سماه العجائب والغرائب لكن يجب أن تكون الغرائب المستنبطة من القرآن واردة على القواعد العربية والمدلولات اللفظية وإلا فلا عبرة لها كما فعله بعض السفهاء ممن يدعي المعرفة وقد أورد السيوطي بعضا منها في الإتقان.
علم معرفة الفراشي والنومي
أمر الموضوع والنفع لا يخفى والتفصيل مذكور في الإتقان للسيوطي ﵀.
علم معرفة فواصل الآي
الفاصلة كلمة آخر الآية كقافية الشعر وقرينة السجع وفرق بين الفواصل ورؤوس الآي بأن الفاصلة هي الكلام المنفصل عما بعده والكلام المنفصل قد يكون رأس آية وغير رأس وكذلك الفواصل تكون رؤوس آي وغيرها وكل رأس آية فاصلة وليس كل فاصلة رأس آية.
علم معرفة فواتح السور
صنف فيه ابن أبي الأصبع كتابا سماه خواطر السوانح في أسرار الفواتح وقسمها إلى عشرة أنواع ذكره السيوطي في الإتقان.
علم معرفة فضائل القرآن
صنف فيه أبو بكر بن أبي شيبة والنسائي وأبو عبيدة القاسم بن سلام وابن الضريس وصنف فيه
стр. 562
جلال الدين السيوطي كتابا سماه حمائل الزهر في فضائل السور.
علم معرفة قواعد مهمة
يحتاج إليها المفسر وقد فصلها السيوطي في الإتقان ولا بد للمفسر من معرفتها.
علم معرفة كيفية إنزال القرآن
وفيها ثلاثة أقوال: الأول وهو الأصح: أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة ونزل منجما الثاني: أنه نزل إلى سماء الدنيا في عشرين ليلة القدر أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين في كل ليلة ما يقدر الله إنزاله في كل السنة ثم نزل بعد ذلك منجما في جميع السنة
الثالث: أنه ابتدأ إنزاله ليلة القدر ثم نزل بعد ذلك منجما في أوقات مختلفة من سائر الأوقات.
علم معرفة كيفية تحمل القرآن
اعلم أن حفظ القرآن فرض كفاية على الأمة لئلا ينقطع عدد التواتر فيه وتعليمه أيضا فرض كفاية وهو من أفضل القرب وأوجه التحمل في القرآن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه والسماع عليه بقراءة غيره والقراءة على الشيخ هي المسئلة سلفا وخلفا وأما السماع منه فلم يأخذ به أحد من القراء لاحتياجهم إلى التمرن في الأداء واكتفاء الصحابة بالسماع فلنزول القرآن على لغتهم وعدم احتياجهم إلى التمرن لفصاحتهم.
علم معرفة كنايات القرآن وتريضاته
وتفسيرهما أيضا في علم البيان وهما عند أهل المعاني من أنواع البلاغة وأساليب الفصاحة ومن الكناية شيء كثير في القرآن.
علم معرفة المعاد
وهو علم باحث عن أحوال النفس بعد المفارقة عن البدن حيث تتعلق بالبدن الآخر أم لا وهل تمكن لها السعادة١ أو الشقاوة؟ وهل يتبدل إحداهما بالأخرى؟ وما سبب كل منهما؟ وموضوعه ونفعه وغرضه لا يحتاج إلى بيان.
علم معرفة الملائكة
هي العلم الباحث عن أحوال المجردات التي لا تتصرف في البدن وأحوالها وكيفية صدورها عن مبدئها وموضوعه وغايته وغرضه ظاهرة لمن تمهر في العلم الإلهي.
علم معرفة المكي والمدني
وفائدة معرفة المؤخر أن يكون ناسخا أو مخصصا صنف فيه جماعة منهم: مكي والعز الديري.
стр. 563
وله أقسام يطول ذكرها وقد استقصاها أبو القاسم الحسن بن محمد ابن حبيب النيسابوري في كتاب التنبيه.
علم معرفة ما نزل على لسان بعض الصحابة
هو في الحقيقة من أسباب النزول وقد أفرد بالتصنيف جماعة١ موافقات عمر رضي الله تعالى عنه قال عمر: وافقت ربي في ثلاث قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فنزلت واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر الفاجر فلو أمرتهن أن يحجبن فنزلت آية الحجاب واجتمعت عند رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ﴾ فنزلت كذلك وأمثاله كثيرة يعرفها أهلها.
علم معرفة تكرر نزوله
قال الزركشي في البرهان: قد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا عند حدوث سبب خوف نسيانه قيل الأحرف السبعة للقرآن من قبيل تكرار النزول.
علم معرفة تأخر حكمه عن نزوله وما تأخر نزوله عن حكمه
مثال الأول: قوله تعالى: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ، وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ فالسورة مكية وقد ظهر أثر الحل يوم فتح مكة وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ نزلت بمكة وظهر حكمها في يوم بدر. ومثال الثاني: آية الوضوء وإنها مدنية إجماعا وفرضه كان بمكة مع فرض الصلاة وكآية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة قيل والحكمة في ذلك تأكيدا الحكم السابق بالآية المتلوة.
علم معرفة ما نزل مفرقا وما نزل جمعاً
مثال الأول: ﴿اقْرَأْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ وأول ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ ومثال الثاني: من القصار: سورة الفاتحة والإخلاص والكوثر وتبت والمعوذتان نزلتا معا ومن الطوال: المرسلات وسورة الصف وسورة الإنعام.
علم معرفة ما نزل مشيعا وما نزل مفرداً
وغالب القرآن نزل به جبريل عليه مفردا بلا تشييع وأما المشيع: فسورة الإنعام شيعها سبعون ألف ملك وفاتحة الكتاب نزلت ومعها ثمانون ألف ملك وآية الكرسي نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك وسورة يونس نزلت ومعها ثلاثون ألف ملك وآية ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ نزلت معها عشرون ألف ملك قيل وسورة الكهف أيضا شيعها سبعون ألف ملك.
стр. 564
علم معرفة ما أنزل منه على بعض الأنبياء
وما لم ينزل منه على أحد قبل النبي ﷺ
ومن الثاني: فاتحة الكتاب وآية الكرسي وخاتمة البقرة ومن الأول: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وأول سورة الجمعة وعشر آيات من سورة الإنعام وهي: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الخ فإنها مكتوبة فالتوراة وتفصيل هذا الباب مذكور في كتاب الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ﵀.
علم معرفة المتواتر والمشهور والآحاد والشاذ
قال البلقيني القراءة المتواترة هي السبعة المشهورة والآحاد هي الثلاثة التي هي تمام العشر والشاذ قراءات التابعين.
قال ابن الجوزي: في النشر كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه وافقت إحدى المصاحف العثمانية ولو احتمالا وصح سندها فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحمل إنكارها بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين. ومتى اختل ركن من هذه الأركان الثلاثة أطلق عليها شاذة أو ضعيفة أو باطلة سواء كانت عن السبعة أم عمن هو أكثر منهم والتفصيل في كتاب الإتقان.
علم معرفة ما وقع في القرآن من غير لغة الحجاز
وقد أفردوه بالتصنيف ذكره السيوطي في الإتقان قال أبو بكر الواسطي في كتابه الإرشاد في القراءات العشر في القرآن: من اللغات العربية خمسون لغة وقد عدها السيوطي في الإتقان ومن غير العربية الفرس والروم والقبط والحبشة والبربر والسريانية والعبرانية وقد فصلها السيوطي في الإتقان.
علم معرفة ما وقع في القرآن من غير لغة العرب
أفرده بالتصنيف السيوطي وسماه المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب وأنكر بعض العلماء منهم الشافعي وقوع المعرب في القرآن مستدلين بقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ .
وذهب آخرون إلى وقوعه فيه وقالوا: الكلمات اليسيرة بغير العربية لا تنافي واستدل بمنع صرف إبراهيم للعجمة والعلمية ورد بأن الكلام في غير الأعلام والحكمة في وقوعه أن القرآن حوى علوم الأولين والآخرين ونبأ كل شيء فلا بد أن تقع فيه الإشارة إلى أنواع اللغات والألسن إلا أنه اختير من كل لغة أعذبها أخفها وأكثرها استعمالا للعرب والتفصيل في كتاب الإتقان للسيوطي ﵀.
علم معرفة معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر
والمراد بالأدوات: الحروف وما شاكلها من الأسماء والأفعال والظروف
وقد صنف فيها جماعة كالهروي في الأزهية وابن أم قاسم في الجني الداني وأدرجه السيوطي في الإتقان.
علم معرفة المحكم والمتشابه
وقد بين تفسيرهما في الأصول واختلفت عباراتهم في تفسيرهما وبيانهما في الإتقان.
стр. 565
علم معرفة مقدم القرآن ومؤخره
وهو أقسام: ما أشكل معناه ظاهرا واتضح بالتقديم والتأخير نحو قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ والأصل هواه إلهه لأنه من اتخذ إلهه هواه غير مذموم فقدم المفعول.
الثاني: للعناية به وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ والأصل لولا أن رأى برهان ربه لهم بها.
والثالث: ما ليس كذلك وقد ألف فيه العلامة شمس الدين بن الصائغ كتاب المقدمة في سر الألفاظ المقدمة والحكمة في الكل الاهتمام بشأن المقدم لكن الاهتمام أمر إجمالي يقتضي تفصيلا بحسب المقام والتفصيل في كتاب الإتقان للسيوطي.
علم معرفة مطلق القرآن ومقيده
قالوا: متى وجد دليل على تقييد المطلق صير إليه وإلا فلا بل يبقى كل منهما على حاله والتفصيل في كتب الأصول.
علم معرفة مناسبات الآيات والسور
صنف فيه أبو جعفر بن الزبير شيخ أبي حيان في كتاب سماه البرهان في مناسبة ترتيب سور القرآن وصنف فيه أيضا الشيخ جلال الدين كتابا سماه تناسق الدرر في تناسب السور وذكر مناسبات السور والآيات وكتابه في أسرار التنزيل كافل بذلك جامع لمناسبات السور والآيات مع ما تضمنه من بيان جميع وجوه الإعجاز وأساليب البلاغة.
علم معرفة ما وقع في القرآن من الأسماء والكنى والألقاب
ذكر الله تعالى أسماء الأنبياء والرسل خمسا وعشرين من مشاهيرهم وذكر فيه من أسماء الملائكة بعضا ومن أسماء الشياطين والأصنام بعضا والتفصيل في الإتقان.
علم معرفة مبهمات القرآن
والمراد بالمبهم ما ذكر الموصولية نحو قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أو بطريق العموم نحو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ونحو ذلك وطريق تعيين مبهمات القرآن الرواية لا غير وأسباب الإبهام إما الاستغناء عن بيانه لذكره في مقام آخر أو تعيينه لاشتهاره أو قصد الستر أو نحو ذلك صنف فيه السهيلي وابن العسكر وابن جماعة والسيوطي ﵀.
علم معرفة مفردات القرآن
وهو علم يبحث فيه عن أحوال آية آية من جهة أحكامها ومعانيها كالبحث عن آية هي أعظم القرآن وعن آية هي أحكم القرآن وعن آية هي أجمع القرآن وعن آية هي أحزن آيات القرآن وعن آية هي أرجى من آيات القرآن ونحو ذلك.