← Указатели

Указатели · id 9579

أبجد العلوم

صديق حسن خان

Полный текст (801 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي جعل العلم سلما إلى معارج المعلوم. والمعلوم فضلا مسلما عند عصابة المنطوق والمفهوم وسرح أبصار البصائر في رياض الفنون والمعارف رياض زهت فيها أزهار المعاني والبيان فتفتحت بنسائمها أنوار الفضل التالد والطارف. فاجتنت منها أيدي المنى فواكه القلوب وأقوات الأرواح واقتطفت منها جني الحقائق والدقائق من بين أقاحي الصباح فهو قوت الفؤاد ومراح الأشباح وروح جثمان الكمال وحادي النفوس إلى بلاد الأفراح. به فضل الذوق الروحاني على الماق الجسماني فضلا لا يعرفه إلا من تضلع منه أو ذاق ولا يدرك كنهه إلا من غاص في قعر بحاره وسبح في ثبج١ أنهاره ثم برع وفاق. والصلاة والسلام على سيد العلماء سند الفضلاء تاج الكملاء محمد النبي المصطفى أحمد الأمي المجتبى المؤيد من السماء الموحى إليه بالقرآن الذي فيه هدى وشفاء. الذي أكمل الله تعالى به علوم الأوائل والأواخر وخصه من بين خلقه بمزايا المعارف وخبايا المفاخر. فيا له من نبي رفيع القدر ما ترقى رقيه الأنبياء ورفيع كريم الذكر ما طاولته السماء. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وحزبه المتأدبين بآدابه الذين تفتحت لهم كمائم المنقول والمعقول. وتحلت بعقود علومهم أجياد الفحول حتى اشتفت نفوس الإسلام والمسلمين من داء الأعداء وزال كلب الكفر ومرض الإشراك بما أريق من دمائهم تحت أديم السماء على وجه الغبراء. فهم مخازن الفضائل والعوائد ومعادن الفواضل والفوائد ومجامع المكارم والمحامد ومناحي المعارف والمقاصد. لا زالت سحب الرحمة هاطلة على مراقدهم وتحايا الرضوان نازلة على معاهدهم. ما طلعت شموس العلوم من أفلاك الدواوين والدفاتر وسطعت نجوم الفنون من مشارق الأقلام والمحابر. وبعد: فهذا بث لما وقر في صدري من أحوال العلوم العالية وتراجم الفنون الفاخرة وأثر بعد عين في تحصيل ما نيطت به سعادة الدنيا والآخرة وردت من بحارها الطامية ماء عذبا فراتا حاليا وكرعت من

стр. 2

أنهارها الصافية ما كان عن القذى طاهرا وعن الأكدار خاليا. حررته إحرازا لما تشتت من أحوال العلوم وتراجم أسمائها وسماتها وجمعته إفرازا للفنون مع بيان مباديها وأغراضها وغاياتها. مستمدا في ذلك من كتب الأئمة السادة وصحف الكبراء القادة بعد أن عرفت مجاريها وتعلمت الرمي من القوس وقد كنت باريها. لأني لما وقفت على كتاب عنوان العبر وديوان المبتدأ والخبر١ لقاضي القضاة مؤيد الدين أبي زيد عبد الرحمن ابن خلدون الأندلسي وجدت مؤلفه رحمه الله تعالى قد عقد في الكتاب الأول٢ منه فصلا سادسا في العلوم وأنواعها وسائر طرقها وأنحائها وما يعرض في ذلك كله من الأحوال ثم رأيت خواجه خليفة زاده ملا كاتب الجلبي٣ لخص منه تلك العلوم وأحوالها في مقدمة كتابه كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون وأضاف إليه أشياء من مفتاح السعادة٤ لأبي الخير ثم اطلعت على كتاب مدينة العلوم للأرنيقي٥ تلميذ قاضي زاده موسى بن محمود الرومي شارح جغميني٦ وفيه بيان أنواع العلوم وتراجم بعض علماء الفنون ثم عثرت على كتاب كشاف اصطلاحات الفنون للشيخ الفاضل محمد علي بن علي التهانوي الهندي وقد ذكر فيه أنواعا من العلوم المتداولة وطرقا من الفنون المتناولة. ورأيت المترفين قد عجزت هممهم عن معرفة هذه العلوم والفنون ووجدت العلماء قد قنعوا بالطل من الوابل الهتون فكل واحدة من هاتين القبيلتين في غنى عن جباتها وقصور عن بلوغ غايتها إلا ما شاء الله تعالى من شواذ القبائل وأفراد الإنسان. موضوع الكتاب الأول٧ تاريخ أحوال العالم. وموضوع الكتاب الثاني٨ جمع أسامي الكتب التي صفنها بنو آدم. فالأول ليس فيه ما خلا ذكر تلك العلوم في فصول خاصة إلا أحوال العمران وأمم الإنسان ووقائع الدهور والأزمان. والثاني٩ ليس فيه ما عدا تراجم تلك العلوم والخطب إلا الكشف عن أسامي الكتب. والثالث مقتصر على ذكر أنواع العلوم وتراجم المصنفين فيها. والرابع١٠ مختص بذكر اصطلاحاتها المتداولة في كتب الفنون.

стр. 3

فأردت أن أفرد منها أحوال العلوم وتراجم الفنون في تأليف مختصر تقريبا للبعيد وتحصيلا للتجريد مضيفا إليه ما حصل الوقوف عليه في أثناء ملاحظة الكتب الشاذة وعطفها واجتناء ثمار الفوائد من الصحف الفاذة وقطفها. ليكون هذا السفر التام المقصود وكوكب المراد الطالع من أفق السعود سهل الحصول لمن رام الوصول إليه ويسير النتاج لمن أراد الحصول منه والتعويل عليه لأنه دراسات عديدة في كراريس محدودة وفراسات سديدة في قراطيس مشهودة تحلت بعون الله وحسن توفيقه بكل زين ورتبت على قسمين: الأول: في بيان أحوال العلوم. والثاني: في تراجمها المنطوق منها والمفهوم وكل قسم من هذين القسمين اشتمل على مقدمة وخاتمة وأبواب على أكمل وضع وأجمل أسلوب تسوق ناظريها من طلبة العلوم إلى أعز مقصود وأعز مطلوب وأنت تعلم إن كنت ممن طالع الكتب المشار إليها واطلع عليها أن بعد هذا التجريد مما فيها لم يبق من المقاصد العلمية إلا القليل من تراجم الكتب وأهليها لكن الذي أهمني أني رأيت أبناء هذا الزمان لا تتوجه طبائعهم إلى إدراك العلوم ومبانيها واقتباس فوائد الفنون ولو بفهم بعض معانيها. فضلا عن أن يحيطوا بجميع المقاصد والغايات ويبلغوا من معرفتها وضبطها إلى النهايات. إلا واحدا من الألوف المؤلفة وفردا من الأحزاب المتحزبة ممن لهم همة شامخة وروية دارية في كسب المعارف والعلوم. أو دولة باذخة وقدرة سارية في جمع المقسوم. فإنه قد يرفع الرأس إلى معرفة العلم بدء وغاية وينحو إلى استعلام أمر الأول والنهاية وكل الخلق وجلهم مغمورون في اللذات العاجلة الخاطئة الكاذبة الفانية. ويؤثرونها ولو كان بهم خصاصة على النعم الآجلة الدائمة الباقية. إلا من عصمه الله تعالى. فكأن الناس كلهم قد صاروا أجناسا بلا فصول أو إناثا بلا فحول. مع أن الإنسان إنما تميز عن الحيوان بالنطق والعلم والعرفان. ولو لم يكن العلم في البشر لكان هو وجميع الحيوانات سواسية في كل شان. فإنا لله على ذهاب العلم وأهليه وفشو الجهل وعلو ذويه. وبالجملة: فهذا المؤلف الذي جمع أحوال العلوم وتراجمها في كن١ واحد وأوعى أشتات الفنون في وعاء صامد. قد تجلى نوره في آخر الزمان من عمر الدنيا حين ولى شبابها ولم يبق من بحار حياتها إلا سرابها وتوالت فيها الآفات والفتن وعمت بأهلها البلوى والمحن. ولذلك كان أثرا بعد عين أو حديثا من خفي حنين. ومع ذلك قد جاء بحمد الله تعالى في بابه بديع المثال منيع المنال مبدئ العجب العجاب. إذا سئل أعطى وإذا دعي أجاب كأنه سماء علوم شرفت كواكبها عجائبها وأرض فنون أمطرت بالغرائب سحائبها شامة في وجنات النكات تميمة في أجياد الفحول الأثبات جنة أشجارها مورقة حديقة أزهارها مونقة أكلها دائم وظلها قائم نعيمها مقيم ومزاجها من تسنيم. سفينة نجاة يعبر بها الأبرار بحارا بعيدة الأغوار وفلك مشحون يسيح العابرون في قاموسه المحيط التيار وحسبك به مطية يصل بها الراكب إلى رياض

стр. 4

الجنان ويشرب هنالك الشارب من حياض العرفان. جمعته لتفنن خواطر الولدين الكريمين السعيدين وتمرن ضمائر الابنين الشريفين الحميدين: السيد نور الحسن الطيب والسيد على حسن الطاهر بارك الله لهم وفيهم وعليهم في الدنيا والدين وجعل لهم لسان صدق في الآخرين وسلك بهم مسلك السلف الصالحين خصوصا ولمن عداهم من أهل العلم والفضل عموماً. وسميت القسم الأول من هذا الكتاب: الوشي المرقوم. والقسم الآخر السحاب المركوم والكتاب نفسه أبجد العلوم. وكان وضعه وجمعه في بلدة بهوبال المحمية في سنة تسعين ومائتين وألف الهجرية وطبعة وينعه في سنة خمس وتسعين ومائتين وألف القدسية في المطبعة المنسوبة إلى ذات المحامد السنية والمكارم العلية من أخجلت بجودها السحاب فصب عرقا وأرعدت بسياستها الرعد فارتعد فرقا لاح نور رأفتها من سواد بلاد مالوة الدكن كما لاح نور الباصرة من سواد البصر. فوصل كذلك إلى القريب والبعيد من أهل الوبر والمدر. من نزل بأعتابها نسي الأوطان والأصحاب ومن لاذ ببابها أتاه المطالب من كل باب قد جمعت بين الصورة الملكية والسيرة الملكية وقرنت بين الحكمة الأيمانية والحكومة اليمانية. وهنا أنشدت مخاطبا للصبا والشمال على ما هو دأب أرباب الوجد والحال: وصلت حمى بهوبال يا نفس فانزلي ... فقد نلت مأمول الفوائد المعول ويا حبذا ساحاتها نلت إنها ... نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل تذكرت عهدا بالحمى وبمن به ... قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل وما هو إلا حضرة العزة التي ... تخاطب تاج الهند عند الأماثل معاذة أهل الفضل من كل حادث ... ملاذة أعيان العلاة الأفاضل مغيثة أرباب الفواضل والحجى ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل هي البحر جودا فيضها شمل الورى ... وقد نال من معروفها كل سائل هي الشمس إفضالا يعم نوالها ... جميع الرعايا من صنوف القبائل أفادت كرامات بهمتها التي ... لها ليس مثلا عند كل مماثل أفاضت فيوضا أخجلت جود حاتم ... أسالت إلينا هاطلا بعد هاطل قفوا أخبرونا من يقوم مقامه ... ومن ذا يرد الآن لهفة سائل قفوا أخبرونا هل لها من مشابه ... قفوا أخبرونا هل لها من مشاكل فما هي إلا رحمة مستطابة ... تعم البرايا من غني وعائل أدام لها رب البرايا مكارما ... تقصر عنها لك حاف وناعل وزاد لها الإقبال إقبال عزة ... وكان لها عونا لدى كل نازل أعني بها ملكية العالم أهل بيتي نواب شاهجان بيكم طابت أيامها ولياليها ونامت عيون الدواهي عن معاليها. هذا والله أسأل أن يصعد هذا الكتاب ذروة القبول ويجعله خالصا لذاته الكريمة وينفع به أهل العلم

стр. 5

ومن أخلفه من السادة الفحول ويرخي على زلات جامعة من عفوه وعافيته وغفرانه ورضوانه أطول الذيول. وحين بلغ القول مني إلى هذا المبلغ أخذت في سرد مقاصد الكتاب أبوابا ورفعت عن وجوه عرائس العلوم وتراجمها حجابا وأبديت فيه عللا وأسبابا ونزعت عن محيا فنونه جلبابا وسلكت فيه مسلكا غريبا واخترت من بين المناحي منهجا عجيبا وبالله الاستعانة ومنه التوفيق في كل ما أحرر وأقول وعليه التعويل وله الحمد على كل حال وهو خير مسئول ومأمول.

стр. 6

القسم الأول: الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم المقدمة: في بيان ما يطلق عليه اسم العلم ونسبته ومحله وبقائه وعلم الله تعالى ... القسم الأول: من كتاب أبجد العلوم في أحوالها المسمى بالوشي المرقوم المقدمة: في بيان ما يطلق عليه اسم العلم ونسبته ومحله وبقائه وعلم الله تعالى العلم بالكسر وسكون اللام: في عرف العلماء يطلق على معان منها الإدراك مطلقا تصورا كان أو تصديقا يقينيا أو غير يقيني وإليه ذهب الحكماء. ومنها التصديق مطلقا يقينيا كان أو غيره. قال السيد السند١ في حواشي العضدي: لفظ العلم يطلق على المقسم وهو مطلق الإدراك وعلى قسم منه وهو التصديق. إما بالاشتراك بأن يوضع بإزائه أيضا وإما بغلبة استعماله فيه لكونه مقصودا في الأكثر وإنما يقصد التصور لأجله ومنها التصديق اليقيني في الخيالي. العلم عند المتكلمين لا معنى له سوى اليقين وفي الأطول في باب التشبيه: العلم بمعنى اليقين في اللغة لأنه من باب أفعال القلوب انتهى. ومنها ما يتناول اليقين والتصور مطلقا في شرح التجريد٢: العلم يطلق تارة يراد به الصورة الحاصلة في الذهن ويطلق تارة ويراد به اليقين فقط. ويطلق تارة ويراد به ما يتناول اليقين والتصور مطلقا انتهى. قيل: هذا هو مذهب المتكلمين ومنها التعقل. ومنها التوهم والتخيل. في تهذيب الكلام: أنواع الإدراك إحساس وتخيل وتوهم وتعقل والعلم قد يقال لمطلق الإدراك وللثلاثة الأخيرة وللأخير وللتصديق الجازم المطابق الثابت.

стр. 7

ومنها: إدراك الكلي مفهوما أو حكما. ومنها: إدراك المركب تصورا كان أو تصديقا. ومنها: إدراك المسائل عن دليل. ومنها: نفس المسائل المبرهنة. ومنها: الملكة الحاصلة من إدراك تلك المسائل وبعضهم لم يشترط كون المسائل مبرهنة وقال: العلم يطلق على إدراك المسائل وعلى نفسها وعلى الملكة الحاصلة منها. والعلوم المدونة تطلق أيضا على هذه المعاني الثلاثة الأخيرة. ومنها: ملكة يقتدر بها على استعمال موضوعات ما نحو غرض من الأغراض صادرا عن البصيرة بحسب ما يمكن فيها ويقال لها الصناعة أيضا كذا في المطول١. في بحث التشبيه. ورده السيد السند بأن الملكة المذكورة المسماة بالصناعة إنما هي في العلوم العملية أي: المتعلقة بكيفية العمل كالطب والمنطق وتخصيص العلم بإزائها غير محقق كيف وقد يذكر العلم في مقابلة الصناعة. نعم إطلاقه على ملكة الإدراك بحيث يتناول العلوم النظرية والعملية غير بعيد مناسب للعرف انتهى. قال المتكلمون: لا بد في العلم من إضافة ونسبة مخصوصة بين العالم والمعلوم بها. ويكون العالم عالما بذلك المعلوم والمعلوم معلوما لذلك العالم. وهذه الإضافة هي المسماة عندهم بالتعلق فجمهور المتكلمين على أن العلم هو هذا التعلق إذ لم يثبت غيره بدليل فيتعدد العلم بتعدد المعلومات كتعدد الإضافة بتعدد المضاف إليه. وقال قوم من الأشاعرة: هو صفة حقيقية ذات تعلق. وعند هؤلاء فثمة أمران: العلم وهو تلك الصفة. والعالمية أي: ذلك التعلق. فعلى هذا لا يتعدد العلم بتعدد المعلومات إذ لا يلزم من تعلق الصفة بأمور كثيرة تكثر الصفة إذ يجوز أن يكون لشيء واحد تعلقات بأمور متعددة. وأثبت القاضي الباقلاني العلم الذي هو صفة موجودة والعالمية التي هي من قبيل الأحوال عنده. وأثبت معها تعلقا فإما للعلم فقط أو للعالمية فقط فهذه ثلاثة أمور: العلم والعالمية والتعلق الثابت لأحدهما وإما لهما معا فها هنا أربعة أمور: العلم والعالمية وتعلقاتهما. وقال الحكماء: العلم هو الموجود الذهني إذ لا يعقل ما هو عدم صرف بحسب الخارج كالممتنعات. والتعلق إنما يتصور بين شيئين متمايزين ولا تمايز إلا بأن يكون لكل منهما ثبوت في الجملة ولا ثبوت للمعدوم في الخارج فلا حقيقة له إلا الأمر الموجود في الذهن وذلك الأمر هو العلم وأما التعلق فلازم له. والمعلوم أيضا فإنه باعتبار قيامه بالقوة العاقلة علم وباعتباره في نفسه من حيث هو هو معلوم. فالعلم والمعلوم متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار. وإذا كان العلم بالمعدومات كذلك وجب أن يكون سائر المعلومات أيضا كذلك إذ لا اختلاف بين أفراد حقيقة واحدة نوعية. كذا في شرح المواقف قال مرزا

стр. 8

زاهد: هذا في العلم الحصولي. وأما في الحضوري فالعلم والمعلوم متحدان ذاتا واعتبارا ومن ظن أن التغاير بينهما في الحضوري أيضا اعتباري كتغاير المعالج والمعالج فقد اشتبه عليه التغاير الذي هو مصداق تحققهما بالتغاير الذي هو بعد تحققهما. فإنه لو كان بينهما تغاير سابق لكان العلم الحضوري صورة منتزعة من المعلوم وكان علما حصوليا. ثم اعلم أن محل العلم الحادث سواء كان متعلقا بالكليات أو بالجزئيات عند أهل الحق غير متعين عقلا بل يجوز عندهم عقلا أن يخلقه الله تعالى في أي جوهر أراد من جواهر البدن لكن السمع دل على أنه القلب قال الله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ وقال: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ . هذا وقال الحكماء: محل العلم الحادث النفس الناطقة أو المشاعر العشر الظاهرة والباطنة. وقد اختلف المتكلمون في بقاء العلم والعقل بعد الموت في الجنة فالأشاعرة قضوا باستحالة بقائهما كسائر الأعراض عندهم. وأما المعتزلة فقد أجمعوا على بقاء العلوم الضرورية والمكتسبة التي لا يتعلق بها التكليف. واختلفوا في العلوم المكتسبة المكلف بها فقال الجبائي١: إنها ليست باقية وإلا لزم أن لا يكون المكلف بها حال بقائها مطيعا ولا عاصيا ولا مثابا ولا معاقبا مع تحقق التكليف وهو باطل بناء على أن لزوم الثواب أو العقاب على من كلف به. وخالفه أبو هاشم٢ في ذلك وأوجب بقاء العلوم مطلقا قال شيخنا العلامة المجتهد المطلق قاضي القضاة محمد بن علي الشوكاني٣ في فتاواه المسماة بالفتح الرباني: إنه وصل السؤال عن الكلام للحافظ الذهبي٤ من أن علوم أهل الجنة تسلب عنهم في الجنة ولا يبقى لهم شعور بشيء منها فاقشعر جلدي عند الاطلاع على هذا الكلام من مثل الحافظ الذي أفنى عمره في خدمة الكتاب والسنة والتراجم لعلماء هذا الشأن. وقد كنت قديما وقفت على شيء من هذا لكن لفرد شاذ من أفراد الحكماء قاله لا عن دراية ولا رواية فلم أعبأ به لجهله بالكتاب والسنة فياليت شعري كيف يجري قلم أحقر عالم من علماء الشريعة بمثل هذا. وعجبت ما أدخل هذا الحافظ في مثل هذه المداخل المقفرة المكفهرة التي يتلون الخريف في شعابها وهضابها ويتحمل هذا النقل الثقيل والعبئ الجليل. والحاصل أن الطوائف الإسلامية على اختلاف مذاهبهم وتباين طرقهم متفقون على أن عقول أهل الجنة

стр. 9

تزداد صفاء وإدراكا لذهاب ما كان يعتريهم من الكدورات الدنيوية. وكيف يسلبون ما هو عندهم من أوفر النعم وأوفر القسم وهم في دار فيها ما تشتهيه النفس وتلذ به الأعين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فكأن هذا القائل لم يقرأ القرآن الكريم وما اشتمل عليه من تحاور أهل الجنة وأهل النار وتخاصمهم بتلك الحجج التي لا تصدر إلا عن أكمل الناس عقلا وأوفر الخلائق فهما وما يذكرونه من حالهم الذي كانوا عليه في أهليهم بل ما يودونه من إبلاغ الأحياء عنهم ما صاروا فيه من النعيم قال: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ ١وورد مثل هذا المعنى في القرآن الذي رفع لفظه من المصحف كما ثبت في الصحاح من كتب الحديث عن أولئك الشهداء بلفظ: بلغوا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا وكذلك ما ذكر من اجتماع أهل الجنة ومذاكرتهم بما كانوا فيه في الدنيا وما صاروا إليه في الجنة كما في الآيات المشتملة على ما في الجنة مما أعده الله لهم حيث يقول: وفيها وفيها وفيها في آيات كثيرة. وذكر أن أهلها على سرر متقابلين وأنه يطوف عليهم ولدان مخلدون. وثبت أنهم يدخلون الجنة على تلك الصفات من الجمال والشباب وكمال الخلق وحسن الهيئة مردا جردا أبناء ثلاث وثلاثين سنة. وأنهم يتخيرون في الجنة ما يشتهون. وكم يعد العاد من الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة. ولا يتم هذا النعيم ولا بعضه إلا وهم ذوو عقول صحيحة بالضرورة العقلية كما ثبت بالضرورة الدينية. ومعلوم أنهم إذا كانوا ذوي عقول فمهما وجدت معهم فهي بالإمكان العام والخاص قادرة على كسب ما تجدد لها من العلوم ذاكرة لما حصل لها منها من قبل هذا مالا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى برهان ولو فقدوها لفقدوا الإنسانية الكاملة وصاروا مشابهين للدواب وأي نعمة لمن لا عقل له كما هو مشاهد من المصابين بالجنون في الدنيا وأي فائدة للمبالغة في نعيم من كان ذاهب العقل بما ثبت في الكتاب والسنة من أنهم على صفات فوق صفاتهم في الدنيا بمسافات لا يقدر قدرها ولا يحاط بكنهها وكذلك لا يتم نعيمهم إلا بوجود الحواس الظاهرة والباطنة ولو فقدوها لما تنعموا كما ينبغي. وكذا لو فقدوا بعضها لم يكن لهم شعور بالتنعيم الذي وصفه الله سبحانه وبالغ فيه. وأي فائدة لفاقد العقل وأي شعور له بكونه على صفة كمالية في جماله ولباسه الحرير والديباج وتحليته بالذهب والجواهر وأكله من أطيب المأكل وشربه من أنفس المشروب. وكذا لا نعمة تامة فضلا عن أن تكون فاضلة لمن كان أعمى أو أصم أو لا يفهم شيئا أو لا يذكر ما مضى له ولا يفكر فيما هو فيه وإذا تقرر لك هذا علمت أن أهل الجنة لهم العقول الفائقة بنسبة الدنيا شبابا وجمالا وقوة وفهما وذكرا وحفظا وسلامة من كل نقص ولو لم يكن الأمر هكذا لم تكن لهم فائدة بما بولغ به في شأنهم من الصفات بل يعود ذلك بالنقص لما أثبت لهم منها في الجنة هذا معلوم بالعقل والشرع لا يتمارى فيه قط. وأقل الحال أن يكون النعيم المحكوم لهم به في الجنة كتابا وسنة ناقصا. والمفروض أنه بالغ في الكمال إلى غاية فوق كل غاية وهذا خلف يدافع نصوص الكتاب والسنة مدافعة يفهمها كل من له عقل وإدراك. فيا عجبا كل العجب من التجري على أهل هذه الدار التي هي دار النعيم المقيم على الحقيقة بما ينغص نعيمهم ويشوش حالهم ويكدر صفوهم ويمحق ما أعد الله لهم ومن التجري على الله سبحانه وعلى رسوله ﷺ بما يستلزم عدم ثبوت ما أثبته الكتاب والسنة لهم

стр. 10

وتكديره وذهاب أثره ومحق بركته وأنت تعلم أن مثل هذا الكتاب يستلزم الكفر الصراح. فأين هذا القادح الفادح من نعيم دار يعدل موضع سوط أحدهم فيها الدنيا بأسرها وجميع ما فيها ومن دار نصيف إحدى زوجاتهم يعدل الدنيا وما فيها ومن دار لو أشرفت إحدى الجواري المعدة لهم على أهل الدنيا لفتنتهم أجمعين كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. ومع هذا فقد ثبت قرآنا أنهم على سرر متقابلين وأنه يطوف عليهم ولدان مخلدون. وثبت سنة أنهم يجتمعون ويتزاورون. فليت شعري ما فائدة هذا الاجتماع والتزاور لمن لا عقل له ولا فهم ولا فكر ولا ذكر. والحاصل أن التقول بمثل هذا القول هو من التقول على الله سبحانه بما لم يقل وعلى رسوله وعلى شريعته. بما لم يكن منها وقد ثبت في القرآن الكريم الحكم على المتقولين بما هو معلوم لكل من يعرف القرآن وإذا ثبت أن مثل هذا باطل في الدار الآخرة فانظر إلى هذه الدار دار الدنيا التي ليست بشيء بالنسبة إلى الدار الآخرة لو قيل لأحدهم: إنه سيكون لك ما تريد من جمال الهيئة وكمالها ومن النعيم البالغ ومن الرياسة التامة ولكن ستصاب بالجنون أو تفقد جميع المشاعر لقال: لا ولا كرامة دعوني أعش صعلوكا فقيرا فهو أطيب لي مما عرضتموه علي وأحب إلي مما جئتموني به: خذوا رفدكم لا قدس الله رفدكم ... سأذهب عنه لا علي ولا ليا وإنما أوردنا لك هذه الأمور لتعلم أن الروح للإنسان إذا كان ساذجا كان كله ساذجا إذ الروح هو الإنسانية التي يتميز بها صاحبها عن الدواب وجميع ما ذكرنا من العقل والحواس الباطنة والظاهرة هو له لا للحم ولا لدم ولا لعظم. فإذا كان الروح ساذجا فلم يبق إلا صورة اللحم والدم وهو المقصود بقولهم في بيان ماهية الإنسان إنه حيوان ناطق أي: مدرك للمعقولات وليس ذلك للقالب الذي هو فيه وكما أن ما ذكرناه وقررناه هو إجماع الطوائف الإسلامية على اختلاف أنواعهم فهو أيضا إجماع أهل الشرائع كلها كما يحكى ذلك عن كتب الله المنزلة على رسله وتحكيه أيضا كتبهم المؤلفة من أحبارهم ورهبانهم فإنه لا خلاف بينهم في المعاد وفي النعيم المعد لأهل الجنة كما حكاه الكتاب العزيز وقد أوردنا من ذلك في المقالة الفاخرة في إثبات الدار الآخرة وفي إرشاد الثقات إلى اتفاق الشرائع على إثبات التوحيد والمعاد والنبوات كثيرا من نصوص التوارة والإنجيل والزبور وسائر كتب نبوات بني إسرائيل. ولم يشذ منهم إلا اليهودي الزنديق موسى بن ميمون الأندلسي١ وقد تبرأ منه قدماء اليهود وأخرجوه من دينهم. بل وكذلك النصارى وإن لم يكن من أهل ملتهم فقد صرحوا بخذلانه وزندقته قال النصراني في تاريخه: ورأيت كثيرا من يهود بلاد الإفرنج بإنطاكية وطرابلس يلعنونه ويسمونه كافرا انتهى. قلت: وقد وقع لهذا الملعون من تحريف كثير من التوراة ما يدل على إلحاده وزندقته وقد رددت ما حرفه وأوضحته بأتم إيضاح وأما يهود عصرنا فصاروا يعظمونه وذلك لجهلهم بحقيقة الحال. وقد ذكرت لجماعة من أحبارهم بعض تحريفاته فلعنوه وتبرؤوا منه وكما أن هذا الذي ذكرناه مجمع عليه بين أهل الملل التابعين لأنبيائهم،

стр. 11

فهو أيضا مجمع عليه بين المشتغلين بالعقل والنظر كالكلدانيين والصابئين أتباع صاب بن إدريس كما رأيناه في حكاية مذاهبهم التي ذهبوا إليها في شأن المعاد ومنهم اليونانيون فإنهم جميعهم من عند أسقلينوس إلى عهد جالينوس مصرحة كتبهم بمعاد الأرواح عليه في دار المعاد وهكذا المشتغلون بالحكمة الإلهية من أهل الإسلام كالكندي ومن جاء بعده كالفارابي ومن جاء بعده منهم كابن سينا فإن كتبهم مصرحة بذلك تصريحا لا شك فيه ولا ريب. وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية انتهى كلام الشوكاني ﵀. وإنما أوردناه ههنا بطوله لاشتماله على الفوائد الجليلة والشيء بالشيء يذكر. ثم اعلم أن علم الله سبحانه بذاته نفس ذاته فالعالم والمعلوم واحد وهو الوجود الخاص. كذا في شرح الطوالع أي: واحد بالذات أما بالاعتبار فلا بد من التغاير. ثم قال: وعلم غير الله تعالى بذاته وبما ليس بخارج عن ذاته هو حصول نفس المعلوم ففي العلم بذاته العالم والمعلوم واحد والعلم وجود العالم والمعلوم والوجود زائد. فالعلم غير العالم والمعلوم والعلم بما ليس بخارج عن العالم من أحواله غير العالم والمعلوم والمعلوم أيضا غير العالم فيتحقق في الأول أمر واحد. وفي الثاني اثنان. وفي الثالث ثلاثة. والعلم بالشيء الذي هو خارج عن العالم عبارة عن حصول صورة مساوية للمعلوم. فيتحقق أمور أربعة: عالم ومعلوم وعلم وصورة. فالعلم حصول صورة المعلوم في العالم ففي العلم بالأشياء الخارجة عن العالم صورة وحصول تلك الصورة وإضافة الصورة إلى الشيء المعلوم وإضافة الحصول إلى الصورة وفي العلم بالأشياء الغير الخارجة عن العالم حصول نفس ذلك الشيء الحاصل وإضافة الحصول إلى نفس ذلك الشيء ولا شك أن الإضافة في جميع الصور عرض وأما نفس حقيقة الشيء في العلم بالأشياء الغير الخارجة عن العالم فإنه يكون جوهرا إن كان المعلوم ذات العالم لأنه تكون تلك الحقيقة موجودة لا في موضوع ضرورة كون ذات الموضوع العالم كذلك وإن كان المعلوم حال العالم يكون عرضا. وأما الصورة في العلم بالأشياء الخارجة عن العالم فإن كانت صورة لعرض بأن يكون المعلوم عرضا فهو عرض بلا شك وإن كانت صورة لجوهر بأن يكون المعلوم جوهرا فعرض أيضا انتهى. وهذا مبني على القول بالشبح. وأما على القول بحصول ماهيات الأشياء في الذهن فجوهر. وقال الصوفية: علم الله سبحانه صفة نفسية أزلية. فعلمه سبحانه بنفسه وعلمه بخلقه علم واحد غير منقسم ولا متعدد لكنه يعلم نفسه بما هو له ويعلم خلقه بما هم عليه. ولا يجوز أن يقال: إن معلوماته أعطته العلم من أنفسها - كما قال الشيخ محيي الدين ابن عربي - لئلا يلزم كونه استفاد شيئا من غيره ولكنا وجدناه سبحانه بعد هذا يعلمها بعلم أصلي منه غير مستفاد مما هي عليه فيما اقتضته بحسب ذواتها غير أنها اقتضت في نفسها ما علمه سبحانه عليها فحكم له ثانيا بما اقتضته وهو ما علمها عليه. ولما رأى الإمام المذكور أن الحق حكم للمعلومات بما اقتضته من نفسها ظن أن علم الحق مستفاد من اقتضاء المعلومات فقال: إن المعلومات أعطت الحق العلم من نفسها. وفاته أنها إنما اقتضت ما علمها عليه بالعلم الكلي الأصلي النفسي قبل خلقها وإيجادها فإنها ما تعينت في العلم الإلهي إلا بما علمها لا بما اقتضته ذواتها ثم اقتضت ذواتها. بعد ذلك من نفسها أمورا هي عين ما علمها عليه أولا فحكم لها ثانيا بما اقتضته وما

стр. 12

حكم إلا بما علمها عليه فتأمل فيسمى الحق عليما بنسبة العلم إليه مطلقا وعالما بنسبة معلومية الأشياء إليه وعلاما بنسبة العلم ومعلومية الأشياء إليه معا. فالعليم اسم صفة نفسية لعدم النظر فيه إلى شيء مما سواه إذ العلم ما تستحقه النفس في كمالها لذاتها. وأما العالم: فاسم صفة فعلية وذلك علمه للأشياء سواء كان علمه لنفسه أو لغيره فإنها فعلية يقال: عالم بنفسه أي: علم نفسه وعالم بغيره أي علم غيره فلا بد أن تكون صفة فعلية وأما العلام فبالنظر إلى النسبة العلمية اسم صفة نفسية كالعليم. وبالنظر إلى نسبة معلومية الأشياء إليه اسم صفة فعلية ولذا غلب وصف الخلق باسم العالم دون العليم والعلام فيقال: فلان عالم ولا يقال عليم ولا علام مطلقا إلا أن يقال: عليم بأمر كذا ولا يقال علام بأمر كذا بل إن وصف به شخص فلا بد من التقييد فيقال: فلان علام في فن كذا وهذا على سبيل التوسع والتجوز وليس قولهم: فلان علامة من هذا القبيل لأنه ليس من أسماء الله تعالى فلا يجوز أن يقال: إن الله علامة فافهم. كذا في الإنسان الكامل ذكره في كشاف اصطلاحات الفنون أقول عفا الله عني: إن علم الله تعالى ذاتي كسائر صفاته. وإنما قلنا ذلك للرد على الحكماء القائلين بنفي الصفات وإثبات غاياتها وللرد على المعتزلة القائلين بأنه يعلم بالذات لا بصفة زائدة عليها وقال ابن سينا في الإشارات تبعا للفلاسفة: إن الله عالم بالكليات أي دون الجزئيات. وهو كفر بواح لا يقبل التأويل. وهذا أحد ما كفر أهل الإسلام الفلاسفة بها ولهم من أمثال ذلك الطامات الكثيرة المعضلات فلا يهولنك ما ينسب إليهم من المعارف ودقائق الأفكار فما منهم إلا المخالف أو على شفا جرف هار. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية١ وغيره من علماء الإسلام أدلة عقلية أيضا. على إثبات صفة العلم لله تعالى لا نطول الكلام بذكرها هنا وأدلة ثبوت صفة العلم لله تعالى سمعا من الكتاب والسنة كثيرة جدا كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: ٧٣] وقوله: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] قوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [فصلت: ٤٧] وقوله: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩] إلى غير ذلك من آيات لا تحصى إلا بكلفة وفي حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ قال: "سبق علم الله في خلقه فهم صائرون إليه" وفي حديث ابن عمر: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله". وصفة العلم له سبحانه إمام أئمة الصفات وقد أحاط بكل شيء علما وعلمه قد تعلق بكل شيء من الأشياء من الجائزات والواجبات والمستحيلات فيجب شرعا أن يعلم أن علم الله غير متناه من حيث تعلقه. أما بمعنى أنه لا ينقطع فهو واضح وأما بمعنى أنه لا يصير بحيث لا يتعلق بالمعلوم فإنه يحيط بما هو غير متناه كالأعداد والأشكال. ونعيم الجنة فهو شامل لجميع المتصورات سواء كان واجبة كذاته صفاته العليا أو مستحيلة كشريك الباري تعالى أو ممكنة كالعالم بأسره الجزئيات من ذلك والكليات على ما هي عليه من جميع ذلك وأنه واحد لا تعدد فيه ولا تكثر وإن تعددت معلوماته وتكثرت.

стр. 13

وأما وجوب عموم تعلقه سمعا فمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات القرآنية وأما وجوب ذلك عقلا فلأن المقتضي للعالمية هو الذات إما بواسطة المعنى الذي هو العلم على ما هو مذهب الصفاتية والسلف وهو الحق أو بدونها على ما هو رأي النفاة. والمقتضي للمعلومية إمكانها ونسبة الذات إلى الكل على السواء فلو اختصت عالميته بالبعض دون البعض لكان ذلك بمخصص وهو محال لامتناع احتياج الواجب في صفاته وسائر كمالاته إلى التخصيص لمنافاته لوجوب الوجود والفناء المطلق ولم يذهب إلى تعدد علوم قديمة أحد يعتمد عليه إلا أبو سهل الصعلوكي من الأشاعرة وهو محجوج بالإجماع. والحق أن علمه سابق محيط بالأشياء على ما هي عليه ولا محو فيه ولا تغير ولا زيادة ولا نقصان. وهو يعلم ما كان وما يكون وما لا يكون وما لو كان كيف كان وأما ما جرى به القلم في اللوح المحفوظ فهل يكون فيه محور وإثبات؟ فيه قولان للعلماء. وأما الصحف التي بيد الملائكة فيحصل فيها المحو والإثبات. وما أطال به الحكماء وإفراغهم الكلام في بيان علم الله وما جاؤوا به. من الأدلة العقلية على إثبات عقائدهم الفاسدة وآرائهم الكاسدة وما تفوهوا به من أن الصفات زائدة على ذاته أو هي عين ذاته المقدسة وما نفوه من الصفات فكل ذلك مما لم يخض فيه السلف ولم يأت فيه حرف واحد من الشارع ﵊. فالخوض فيه وأمثاله من المسائل بعد عن الدين وقرب من الشياطين وكم قد هلكوا وأهلكوا وضلوا وأضلوا الناس عن الصراط السوي ولا معصوم إلا من عصمه الله ورحمه. والكلام على مسألة العلم يطول وليس هذا موضع بسطه وفيما ذكر ما يكفي ويشفي.

стр. 14

الباب الأول: في تعريف العلم وتقسيمه وتعليمه الفصل الأول: في ماهية العلم ... الباب الأول: في تعريف العلم وتقسيمه وتعليمه وفيه فصول الفصل الأول: في ماهية العلم الاختلاف في ماهية العلم المطلق اعلم أنه اختلف في أن تصور ماهية العلم المطلق هل هو ضروري يتصور ماهيته بالكنه فلا يحد أو نظري يعسر تعريفه أو نظري غير عسير التعريف؟ والأول: مذهب جماعة منهم الإمام الرازي١ واستدلوا بما ليس فيه شيء من الدلالة. ويكفي في دفع ما قالوه ما هو معلوم بالوجدان لكل عاقل أن العلم ينقسم إلى ضروري ومكتسب. والثاني: رأي قوم منهم إمام الحرمين٢ والغزالي وقالوا: لا طريق إلى معرفته إلا القسمة والمثال وهو متعقب كما بينه شيخنا الشوكاني في إرشاد الفحول. والثالث: هو الراجح وبه قال الجمهور. ثم ذكروا له تعريفات: الأول: لبعض المتكلمين من المعتزلة أنه اعتقاد الشيء على ما هو به وهو مدخول لدخول التقليد المطابق للواقع. فزيد فيه قيد عن ضرورة أو دليل لكن لا يمنع الاعتقاد الراجح المطابق وهو الظن الحاصل عن ضرورة أو دليل. وبعبارة أخرى هو الذي يوجب لمن قام به اسم العالم ويخرج عنه العلم بالمستحيل فإنه ليس بشيء اتفاقاً.

стр. 15

الثاني: معرفة المعلوم على ما هو به وهو مدخول أيضا لخروج علم الله تعالى إذ لا يسمى معرفة أي إجماعا لا لغة ولا اصطلاحا ولذكر المعلوم وهو مشتق من العلم فيكون دورا ولأن معنى على ما هو به هو معنى المعرفة فيكون زائدا وهذا الثاني مختار القاضي أبي بكر الباقلاني١. الثالث: هو الذي يوجب كون من قام به عالما وهو مدخول أيضا لذكر العالم في تعريف العلم وهو دور. الرابع: هو إدراك المعلوم على ما هو به وهو قول الشيخ أبي الحسن الأشعري وهو مدخول أيضا لما فيه من الدور الحشو كما مر ولأن الإدراك مجاز عن العلم. الخامس: هو ما يصح لمن قام به إتقان الفعل وهو قول ابن فورك٢. وفيه أنه يدخل القدرة ويخرج علمنا إذ لا مدخل في صحة الإتقان فإن أفعالنا ليست بإيجادنا وإن في المعلومات ما لا يقدر العالم على إتقانه كالمستحيل. السادس: تبيين المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة المذكورة والدور. مع أن التبيين مشعر بالظهور بعد الخفاء فيخرج عنه علم الله . السابع: إثبات المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدور وأيضا الإثبات قد يطلق على العلم تجوزا فيلزم تعريف الشيء بنفسه. الثامن: الثقة بأن المعلوم على ما هو به وفيه الزيادة والدور مع أنه لزم كون الباري واثقا بما هو عالم به وذلك مما يمتنع إطلاقه عليه شرعا. التاسع: هو اعتقاد جازم مطابق لموجب إما لضرورة أو دليل وفيه أنه يخرج عنه التصور لعدم اندراجه في الاعتقاد مع انه علم ويخرج علم الله لأن الاعتقاد لا يطلق عليه ولأنه ليس بضرورة أو دليل. وهذا التعريف للفخر الرازي عرفه به بعد تنزله عن كونه ضروريا. العاشر: حصول صورة الشيء في العقل أو الصورة الحاصلة عند العقل وفيه أنه يتناول الظن والجهل المركب والتقليد والشك والوهم. قال ابن صدر الدين: هو أصح الحدود عند المحققين من الحكماء وبعض المتكلمين قلت: وفيه أن إطلاق اسم العلم عليها يخالف مفهوم العلم لغة واصطلاحا وعرفا وشرعا إذ لا يطلق على الجاهل جهلا مركبا ولا على الظان والشاك والواهم أنه عالم في شيء من تلك الاستعمالات. وأما التقليد فقد يطلق عليه العلم مجازا ولا مشاحة في الاصطلاح والمبحوث عنه في المنطق هو العلم بهذا المعنى لأن المنطق لما كان جمع قوانين الاكتساب فلا بد لهم من تعميم العلم. قاله في كشاف اصطلاحات الفنون. الحادي عشر: تمثل ماهية المدرك في نفس المدرك وفيه ما في العاشر. وهذان التعريفان للحكماء

стр. 16

مبينان على الوجود الذهني والعلم عندهم عبارة عنه. فالأول: يتناول إدراك الكليات والجزئيات. والثاني: ظاهره يفيد الاختصاص بالكليات. الثاني عشر: هو صفة توجب لمحلها تمييزا بين المعاني لا يحتمل النقيض وهو الحد المختار عند المتكلمين قال في كشاف اصطلاحات الفنون: أي لبراءته عما ذكر من الخلل في غيره وتناوله للتصور مع التصديق اليقيني انتهى. قلت: إلا أنه يخرج عنه العلوم العادية كعلمنا مثلا بأن الجبل الذي رأيناه فيما مضى لم ينقلب إلى الآن ذهبا فإنها تحتمل النقيض لجواز خرق العادة. وأجيب عنه في محله وقد يزاد فيه بين المعاني الكلية وهذا مع الغنى عنه يخرج العلم بالجزئيات. وهذا المختار عند من يقول: إن العلم صفة ذات تعلق بالمعلوم. الثالث عشر: هو تمييز معنى عند النفس تمييزا لا يحتمل النقيض بوجه وهو الحد المختار عند من يقول من المتكلمين: إن العلم نفس التعلق المخصوص بين العالم والمعلوم. وفيه أن العلوم المستندة إلى العادة تحتمل النقيض لإمكان خرق العادة بالقدرة الإلهية. الرابع عشر: هو صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به. قال العلامة الشريف١: وهو أحسن ما قيل في الكشف عن ماهية العلم لأن المذكور يتناول الموجود والمعدوم والممكن والمستحيل بلا خلاف ويتناول المفرد والمركب والكلي والجزئي والتجلي هو الانكشاف التام فالمعنى: إنه صفة ينكشف بها لمن قامت به ما من شأنه أن يذكر انكشافا تاما لا اشتباه فيه فيخرج عن الحد الظن والجهل المركب واعتقاد المقلد المصيب أيضا لأنه في الحقيقة عقدة على القلب فليس فيه انكشاف تام وانشراح ينحل به العقدة انتهى. وفيه أنه يخرج عنه إدراك الحواس فإنه لا مدخلية للمذكور به فيه إن أريد الذكر اللساني كما هو الظاهر. وإن أريد به ما يتناول الذكر بكسر الذال والذكر بضمها فإنما أن يكون من الجمع. بين معنى المشترك أو من الجمع بين الحقيقة والمجاز وكلاهما مهجور في التعريفات. الخامس عشر: حصول معنى في النفس حصولا لا يتطرق إليه في النفس احتمال كونه على غير الوجه الذي حصل فيه وهو للآمدي٢ قال: ونعني بحصول المعنى في النفس تمييزه في النفس عما سواه ويدخل في العلم بالإثبات والنفي والمفرد والمركب ويخرج عنه الاعتقادات. إذ لا يبعد في النفس احتمال كون المعتقد والمظنون على غير الوجه الذي حصل فيه انتهى. السادس عشر: هو حكم لا يحتمل طرفاه أي المحكوم عليه وبه نقيضه وفيه أنه يخرج عنه التصور وهو علم. السابع عشر: صفة يتجلى بها المدرك بالفتح للمدرك بالكسر وهو كالعاشر وفيه أن الإدراك مجاز عن

стр. 17

العلم فيلزم تعريف الشيء بنفسه مع كون المجاز مهجورا في التعريفات ودعوى اشتهاره في المعنى الأعم الذي هو جنس الأخص غير مسلمة. هذا جملة ما قيل في تعريف العلم وقد عرفت ما ورد على كل واحد منها قال شيخنا القاضي العلامة الرباني محمد بن علي الشوكاني ﵀ في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول: والأولى عندي أن يقال في تحديده: هو صفة ينكشف بها المطلوب انكشافا تاما وهذا لا يرد عليه شيء مما تقدم فتدبر انتهى. وقد أطال في كشاف اصطلاحات الفنون في بيان الأقوال السبعة الأول في حد العلم إطالة حسنة ليس إيرادها في هذا المختصر من غرضنا فإن شئت الزيادة على هذا فارجع إليه وإلى مآخذه.

стр. 18

الفصل الثاني: فيما يتصل بماهية العلم من: الاختلاف والأقوال اعلم أنه اختلف في أن العلم بالشيء هل يستلزم وجوده في الذهن كما هو مذهب الفلاسفة وبعض المتكلمين أو هو تعلق بين العالم والمعلوم في الذهن كما ذهب إليه جمهور المتكلمين؟ ثم إنه على الأول لا نزاع في أنا إذا علمنا شيئا فقد تحقق أمور ثلاثة: صورة حاصلة في الذهن وارتسام تلك الصورة فيه وانفعال النفس عنها بالقبول. فاختلف في أن العلم أي هذه الثلاثة فذهب إلى كل منها طائفة. ولذلك اختلف في أن العلم هل هو من مقولة الكيف أو الانفعال أو الإضافة. والأصح أنه من مقولة الكيف على ما بين في محله. ثم اعلم أن القائلين بالوجود الذهني منهم من قال: إن الحاصل في الذهن إنما هو شبح للمعلوم وظل له مخالف بالماهية غايته أنه مبدأ لانكشافه. لكن دليل البحث لو تم لدل على أن للمعلوم نحوا آخر من الوجود لا كشبحه المخالف له بالحقيقة. ومنهم من قال: الحاصل في الذهن في نفس ماهية المعلوم لكنها موجودة بوجود ظلي غير أصلي وهي باعتبار هذا الوجود تسمى صورة ولا يترتب عليها الآثار كما أنها باعتبار الوجود الأصلي تسمى عينا ويترتب عليها الآثار فهذه الصورة إذا وجدت في الخارج كانت عين العين كما أن العين إذا وجدت في الذهن كانت عين الصورة أي شبح قائم بنفس العالم به ينكشف المعلوم وهي العلم وذو صورة أي ماهية موجودة في الذهن غير قائم به وهي المعلوم وهما متغايران بالذات. فعلى رأي القائلين بالشبح يكون العلم من مقولة الكيف بلا أشكال مع كون المعلوم من مقولة الجوهر أو مقولة أخرى لاختلافهما بالماهية وأما على رأي القائلين بحصول الماهيات بأنفسها في الذهن ففي كونه منها أشكال مع أشكال اتحاد الجوهر والعرض بالماهية وهما متنافيان. وأجاب عنه بعض المحققين بأن العلم من كل مقولة من المقولات وإن عدهم العلم مطلقا من مقولة الكيف على سبيل التشبيه به ويرد عليه أنه يصدق على هذا على العلم تعريف الكيف فيكون كيفا. وبعض المدققين جوز تبدل الماهية بأن يكون الشيء في الخارج جوهرا فإذا وجد في الذهن انقلب كيفا كالملحة التي ينقلب الواقع فيها ملحا وهو مبحث مشهور. وفي أبي الفتح حاشية الحاشية الجلالية: أما القائلون بالوجود الذهني من الحكماء وغيرهم فاختلفوا

стр. 19

اختلافا ناشئا من أن العلم ليس حاصلا قبل حصول الصورة في الذهن بداهة واتفاقا وحاصل عنده بداهة واتفاقا والحاصل معه ثلاثة أمور: الصورة الحاصلة وقبول الذهن من المبدأ الفياض وإضافة مخصوصة بين العالم والمعلوم فذهب بعضهم إلى أن العلم هو الصورة الحاصلة فيكون من مقولة الكيف. وبعضهم إلى أنه الثاني فيكون من مقولة الانفعال. وبعضهم إلى أنه الثالث فيكون من مقولة الإضافة. والأصح المذهب الأول لأن الصورة توصف بالمطابقة كالعلم والإضافة والانفعال ويوصفان بها. لكن القول بأن الصورة العقلية من مقولة الكيف إنما يصح إذا كانت مغارة لذي الصورة بالذات قائمة بالعقل كما هو مذهب القائلين بالشبح والمثال الحاكمين بأن الحاصل في العقل أشباح الأشياء لا أنفسها. وأما إذا كانت متحدة معه بالذات مغايرة له بالاعتبار على ما يدل عليه أدلة الوجود الذهني وهو المختار عند المحققين القائلين بأن الحاصل في الذهن أنفس الأشياء لا أشباحها فلا يصح ذلك. فالحق أن العلم من الأمور الاعتبارية والموجودات الذهنية وإن كان متحدا بالذات مع الموجود الخارجي إذا كان المعلوم من الموجودات الخارجية سواء كان جوهرا أو عرضا كيفا أو انفعالا أو إضافة أو غيرها انتهى. قال الرازي: قد اضطرب كلام ابن سينا في حقيقة العلم فحيث بين أن كون الباري عقلا وعاقلا ومعقولا يقتضي كثرة في ذاته فسر العلم بتجرد العالم والمعلوم من المادة. ورد بأنه يلزم منه أن يكون كل شخص إنساني عالما بجميع المجردات فإن النفس الإنسانية مجردة عندهم. وحيث قرر اندراج العلم في مقولة الكيف بالذات وفي مقولة الإضافة بالعرض جعله عبارة عن صفة ذات إضافة. وحيث ذكر أن تعقل الشيء لذاته ولغير ذاته ليس إلا حضور صورته عنده جعله عبارة عن الصورة المرتسمة في الجوهر العاقل المطابقة لماهية المعقول. وحيث زعم أن العقل البسيط الذي لواجب الوجود ليس عقليته لأجل صور كثيرة بل لأجل فيضانها عنه حتى يكون العقل البسيط كالمبدأ الخلاق للصور المفصلة في النفس جعله عبارة عن مجرد إضافة انتهى.

стр. 20

الفصل الثالث: في تقسيم العلم قالوا: للعلم تقسيمات الأول: إلى الحصولي والحضوري فالحصولي: هو بحصول صورة الشيء عن المدرك ويسمى بالعلم الانطباعي أيضا لأن حصول هذا العلم بالشيء إنما يتحقق بعد انتقاش صورة ذلك الشيء في الذهن لا بمجرد حضور ذلك الشيء عند العالم. والحضوري: هو بحضور الأشياء أنفسها عند العالم كعلمنا بذواتنا والأمور القائمة بها ومن هذا القبيل علمه تعالى بذاته وبسائر المعلومات. ومنهم من أنكر العلم الحضوري وقال: إن العلم بأنفسنا وصفاتنا النفسانية أيضا حصولي وكذلك علم الواجب تعالى وقيل: علمه تعالى بحصول الصورة في المجردات فإن جعل التعريف للمعنى الأعم الشامل للحضوري والحصولي بأنواعه الأربعة من الإحساس وغيره وبما يكون نفس المدرك وغيره

стр. 21

فالمراد بالعقل الذات المجردة ومطلق المدرك وبالصورة ما يعم الخارجية والذهنية أي ما يتميز به الشيء مطلقا وبالحصول الثبوت والحضور سواء كان بنفسه أو بمثاله وبالمغايرة المستفادة من الظرفية أعم من الذاتية والاعتبارية وبقي معنى عندكما اختاره المحقق الدواني١ ولا يخفى ما فيه من التكلفات البعيدة عن الفهم وإن جعل التعريف للحصولي كان التعريف على ظاهره. والمراد بالعقل قوة للنفس تدرك الغائبات بنفسها والمحسوسات بالوسائط. وبصورة الشيء ما يكون آلة لامتيازه سواء كان نفس ماهية الشيء أو شبحا له والظرفية على الحقيقة. اعلم أن القائلين بأن العلم هو الصورة فرقتان: فرقة تدعي وتزعم أن الصور العقلية مثل وأشباح للأمور المعلومة بها مخافة لها بالماهية. وعلى قول هؤلاء لا يكون للأشياء وجود ذهني بحسب الحقيقة بل بحسب المجاز. كأن يقال مثلا النار موجودة في الذهن ويراد به يوجد فيه شبح له نسبة مخصوصة إلى ماهية النار بسببها كان ذلك الشبح علما بالنار لا بغيرها من الماهيات ويكون العلم من مقولة الكيف ويصير العلم والمعلوم متغايرين ذاتا واعتبارا. وفرقة تدعي أن تلك الصورة مساوية في الماهية للأمور المعلومة بها بل الصور هي ماهيات المعلومات من حيث إنها حاصلة في النفس فيكون العلم والمعلوم متحدين بالذات مختلفين بالاعتبار. وعلى قول هؤلاء يكون للأشياء وجودان خارجي وذهني بحسب الحقيقة والتعريف الثاني للعلم مبني على هذا المذهب. وعلى هذا قال الشيخ: الإدراك الحقيقة المتمثلة عند المدرك. الثاني: إلى أن العلم الحادث إما تصور أو تصديق. والعلم القديم: لا يكون تصورا ولا تصديقا. الثالث: إلى أن الأشياء المدركة أي المعلومة تنقسم إلى ما لا يكون خارجا عن ذات المدرك أي العالم وإلى ما يكون. أما في الأول: فالحقيقة الحاصلة عند المدرك هي نفس حقيقتها. وأما في الثاني: فهي تكون غير الحقيقة الموجودة في الخارج بل هي إما صورة منتزعة من الخارج إن كان الإدراك مستفادا من خارج كما في العلم الانفعالي أو صورة حصلت عند المدرك ابتداء سواء كانت الخارجية مستفادة منها كما في العلم الفعلي أو لم تكن. وعلى التقديرين فإدراك الحقيقة الخارجية بحصول تلك الصورة الذهنية عند المدرك والاحتياج إلى الانتزاع إنما هو في المدرك المادي لا غير كذا في شرح الإشارات وفي شرح الطوالع: الشيء المدرك إما نفس المدرك أو غيره. وغيره إما خارج عنه أو غير خارج عنه. والخارج عنه إما مادي أو غير مادي. فهذه أربعة أقسام الأول: ما هو نفس المدرك. والثاني: ما هو غيره لكنه غير خارج عنه. والثالث: ما هو خارج عنه لكنه مادي.

стр. 22

والرابع: ما هو خارج عنه لكنه غير مادي. والأولان منها إدراكهما بحصول نفس الحقيقة عند المدرك فيكون إدراكهما حضوريا والأول بدون الحلول والثاني بالحلول والآخران لا يكون إدراكهما بحصول نفس الحقيقة الخارجية بل بحصول مثال الحقيقة سواء كان الإدراك مستفادا من الخارجية أو الخارجية مستفادة من الإدراك. والثالث إدراكه بحصول صورة منتزعة عن المادة مجردة عنها. والرابع لم يفتقر إلى الانتزاع. الرابع: إلى واجب أي ممتنع الانفكاك عن العالم كعلمه بذاته وممكن كسائر العلوم. الخامس: إلى فعلي ويسمى كليا قبل الكثرة وهو ما يكون سببا لوجود المعلوم في الخارج كما نتصور السرير مثلا ثم نوجده. وانفعالي ويسمى كليا بعد الكثرة وهو ما يكون مسببا عن وجود العالم بأن يكون مستفادا من الوجود الخارجي كما نجد أمرا في الخارج كالسماء والأرض ثم نتصوره فالفعلي ثابت قبل الكثرة والانفعالي بعدها. فالعلم الفعلي كلي يتفرع عليه الكثرة وهي الأفراد الخارجية. والعلم الانفعالي كلي يتفرع على الكثرة. وقد يقال إن لنا كليا مع الكثرة لكنه من قبيل العلم ومبني على وجود الطبائع الكلية في ضمن الجزئيات الخارجية. قال الحكماء: علم الله سبحانه بمصنوعاته فعلي لأنه السبب لوجود الممكنات في الخارج لكن كون علمه تعالى سببا لوجودها لا يتوقف على الآلات بخلاف علمنا بأفعالنا ولذلك يتخلف صدور معلومنا عن علمنا. وقالوا: إن علمه تعالى بأحوال الممكنات على أبلغ النظام وأحسن الوجوه بالقياس إلى الكل من حيث هو كل هو الذي استند عليه وجودها على هذا الوجه دون سائر الوجوه الممكنة وهذا العلم يسمى عندهم بالعناية الأزلية. وأما علمه تعالى بذاته فليس فعليا ولا انفعاليا أيضا بل هو عين ذاته بالذات وإن كان مغايرا له بالاعتبار. السادس: إلى ما يعلم بالفعل وهو ظاهر وما يعلم بالقوة كما إذا في يد زيد اثنان فسئلنا أزوج هو أم فرد؟ قلنا: نعلم إن كل اثنين زوج وهذا اثنان فنعلم أنه زوج علما بالقوة القريبة من الفعل وإن لم نكن نعلم أنه بعينه زوج. وكذلك جميع الجزئيات المندرجة تحت الكليات فإنها معلومة بالقوة قبل أن يتنبه للاندراج. فالنتيجة حاصلة في كبرى القياس هكذا قال بعض المتكلمين. السابع: إلى تفصيلي وإجمالي والتفصيلي كمن ينظر إلى أجزاء المعلوم ومراتبه بحسب أجزائه بأن يلاحظها واحدا بعد واحد والإجمالي كمن يعلم مسألة فيسأل عنها فإنه يحضر الجواب الذي هو تلك المسألة بأسرها في ذهنه دفعة واحدة وهو أي ذلك الشخص المسئول متصور للجواب لأنه عالم بأنه قادر عليه ثم يأخذ في تقرير الجواب فيلاحظ تفصيله ففي ذهنه أمر بسيط هو مبدأ التفاصيل والتفرقة بين الحالة الحاصلة دفعة عقيب السؤال وبين حالة الجهل الثابتة قبل السؤال وملاحظة التفصيل ضرورية وحدانية إذ في حالة الجهل المسماة عقلا بالفعل ليس إدراك الجواب حاصلا بالفعل بل النفس في تلك الحالة تقوى على استحضاره بلا تجشم كسب جديد فهناك قوة محضة وفي الحالة الحاصلة عقيب السؤال قد حصل بالفعل شعور وعلم ما بالجواب لم يكن حاصلا قبله. وفي الحالة التفصيلية صارت الأجزاء

стр. 23

ملحوظة قصدا. ولم يكن حاصلا في شيء من الحالتين السابقتين وشبه ذلك بمن يرى نعما كثيرة تارة دفعة فإنه يرى في هذه الحالة جميع أجزائه ضرورة وتارة بأن يحدق البصر نحو واحد فيفصل أجزاءه. فالرؤية الأولى إجمالية الثانية تفصيلية وأنكر الإمام الرازي العلم الإجمالي والعلم الإجمالي على تقدير جواز ثبوته في نفسه هل يثبت لله تعالى أو لا؟ جوزه القاضي١ والمعتزلة ومنعه كثير من أصحابنا وأبو الهاشم٢. والحق أنه إن اشترط في الإجمالي الجهل بالتفصيل امتنع عليه تعالى وإلا فلا. الثامن: إلى التعقل والتوهم والتخيل والإحساس. التاسع: إلى الضروري والنظري. وعلم الله تعالى عند المتكلمين لا يوصف بضرورة ولا كسب فهو واسطة بينهما. وأما المنطقيين فداخل في الضروري والفرق بين العلم بالوجه وبين العلم بالشيء من وجه أن معنى الأول حصول الوجه عند العقل. ومعنى الثاني أن لاشيء حاصل عند العقل لكن لا حصولا تاما فإن التصور قابل للقوة والضعف كما إذا تراءى لك شبح من بعيد فتصورته تصورا ما ثم يزداد انكشافا عندك بحسب تقاربك إليه إلى أن يحصل في عقلك كمال حقيقته ولو كان العلم بالوجه هو العلم بالشيء من ذلك الوجه ما على ظنه من لا تحقيق له لزم أن يكون جميع الأشياء معلومة لنا مع عدم توجه عقولنا إليها وذلك ظاهر الاستحالة. كذا في شرح المطالع في بحث الموضوع. وقال عبد الحكيم٣ في حاشية شرح المواقف في المقصد الرابع من مقاصد العلم في الموقف الأول: إنهم اختلفوا في علم الشيء بوجه وعلم وجه الشيء فقال من لا تحقيق له: إنه لا تغاير بينهما أصلا وقال المتقدمون بالتغاير بالذات إذ في الأول الحاصل في الذهن نفس الوجه وهو آلة لملاحظة الشيء والشيء معلوم بالذات. وفي الثاني الحاصل في الذهن صورة الوجه وهو المعلوم بالذات من غير التفات إلى الشيء ذي الوجه. وقال المتقدمون بالتغاير بالاعتبار: إذ لا شك في أنه لا يمكن أن يشاهد بالضاحك أمر سواه. إلا أنه إذا اعتبر صدقه على أمر واتحاده معه كما في موضوع القضية المحصورة كان علم الشيء بالوجه. وإذا اعتبر مع قطع النظر عن ذلك كان علم الوجه كما في موضوع القضية الطبيعية انتهى. وأثبت أبو هاشم علما لا معلوم له كالعلم بالمستحيل فإنه ليس بشيء والمعلوم شيء. وهذا أمر اصطلاحي محض لا فائدة فيه والله أعلم.

стр. 24

الفصل الرابع: في العلم المدون وموضوعه ومباديه ومسائله وغايته اعلم أن لفظ العلم كما يطلق على ما يرادفه وهو أسماء العلوم المدونة كالنحو والفقه فيطلق كأسماء

стр. 25

العلوم تارة على المسائل المخصوصة كما يقال: فلان يعلم النحو. وتارة على التصديقات بتلك المسائل عن دليلها. وتارة على الملكة الحاصلة من تكرر تلك التصديقات أي ملكة استحضارها وقد يطلق الملكة على التهيؤ التام وهو أن يكون عنده ما يكفيه لاستعلام ما يراد. والتحقيق أن المعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك ولهذا المعنى متعلق هو المعلوم. وله تابع في الحصول يكون وسيلة إليه في البقاء وهو الملكة. فإطلاق لفظ العلم على كل منها إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور. وقد يطلق على مجموع المسائل والمبادئ التصورية والمبادئ التصديقية والموضوعات ومن ذلك يقولون: أجزاء العلوم ثلاثة. وقد تطلق أسماء العلوم على مفهوم كلي إجمالي يفصل في تعريفه فإن فصل نفسه كان حدا اسميا وإن بين لازمه كان رسما اسميا. وأما حده الحقيقي فإنما هو بتصور مسائله أو بتصور التصديقات المتعلقة بها فإن حقيقة كل علم مسائل ذلك العلم أو التصديقات بها وأما المبادئ وآنية الموضوعات فإنما عدت جزءا منها لشدة احتياجها إليها وفي تحقيق ما ذكرنا بيانات ثلاثة: البيان الأول: في بحث الموضوع اعلم أن السعادة الإنسانية لما كانت منوطة بمعرفة حقائق الأشياء وأحوالها بقدر الطاقة البشرية وكانت الحقائق وأحوالها متكثرة متنوعة تصدى الأوائل لضبطها وتسهيل تعليمها فأفردوا الأحوال الذاتية المتعلقة بشيء واحد أو بأشياء متناسبة ودونوها على حدة وعدوها علما واحدا وسموا ذلك الشيء أو الأشياء موضوعا لذلك العلم لأن موضوعات مسائله راجعة إليه فموضوع العلم ما تنحل إليه موضوعات مسائله وهو المراد بقولهم في تعريفه بما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. فصار كل طائفة من الأحوال بسبب تشاركها في الموضوع علما منفردا ممتازا بنفسه عن طائفة متشاركة في موضوع آخر فتمايزت العلوم في أنفسها بموضوعاتها وهو تمايز اعتبروه مع جواز الامتياز شيء آخر كالغاية والمحمول. وسلكت الأواخر أيضا هذه الطريقة الثانية في علومهم وذلك أمر استحسنوه في التعليم والتعلم. وإلا فلا مانع عقلا من أن يعد كل مسألة علما برأسه ويفرد بالتعليم والتدوين ولا من أن يعد مسائل متكثرة غير متشاركة في الموضوع علما واحدا يفرد بالتدوين وإن تشاركت من وجه آخر ككونها متشاركة في أنها أحكام بأمور على أخرى فعلم أن حقيقة كل علم مدون المسائل المتشاركة في موضعها واحد وأن لكل علم موضوعا وغاية. وكل علم له جهة وحدة تضبط تلك المسائل المتكثرة وتعد باعتبارها علما واحدا. إلا أن الأولى جهة وحدة ذاتية والثانية جهة وحدة عرضية. ولذلك تعرف العلوم تارة باعتبار الموضوع فيقال في تعريف المنطق مثلا: علم يبحث فيه عن أحوال المعلومات وتارة باعتبار الغاية فيقال في تعريفه: آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر ثم إن الأحوال المتعلقة بشيء موحد أو أشياء مناسبة تناسبا معتدا به إما في أمر ذاتي كالخط والسطح والجسم التعليمي المتشاركة في مطلق المقدار الذي هو ذاتي لها كعلم الهندسة أو في أمر عرضي كالكتاب والسنة والإجماع والقياس المتشاركة في كونها موصلة إلى الأحكام الشرعية كعلم أصول الفقه فنكون تلك الأحوال من الأعراض الذاتية التي تلحق الماهية من حيث هي لا بواسطة أمر أجنبي وأما التي جميع مباحث العلم راجعة إليها فهي إما راجعة إلى نفس الأمر الذي هو الواسطة كما يقال في الحساب: العدد إما زوج أو فرد أو إلى جزئي تحته كقولنا: الثلاثة فرد وكقولنا في الطبيعي: الصورة تفسد وتخلف به لا عنه،

стр. 26

أو إلى عرض ذاتي له كقولنا: المفرد إما أول أو مركب وأما العرض الغريب وهو ما يلحق الماهية بواسطة أمر عجيب إما خارج عنها أعم منها أو أخص فالعلوم لا تبحث عنه فلا ينظر المهندس في أن الخط المستدير أحسن أو المستقيم ولا في أن الدائرة نظير الخط المستقيم أو ضده لأن الحسن والتضاد غريب عن موضوع علمه وهو المقدار فإنهما يلحقان المقدار لا لأنه مقدار بل لوصف أعم منه كوجوده أو كعدم وجوده وكذا الطبيب لا ينظر في أن الجرح مستدير أم غير مستدير لأن الاستدارة لا تلحق الجسم من حيث هو جريح بل لأمر أعم منه كما مر وإذا قال الطبيب هذه الجراحة مستديرة والدوائر أوسع الأشكال فيكون بطيء البرء لم يكن ما ذكره من علمه. ثم اعلم أن موضوع علم يجوز أن يكون موضوع علم آخر وأن يكون أخص منه أو أعم وأن يكون مباينا عنه لكن يندرجان تحت أمر ثالث وأن يكون مباينا له غير مندرجين تحت ثالث لكن يشتركان بوجه دون وجه ويجوز أن يكونا متباينين مطلقا فهذه ستة أقسام: الأول: أن يكون موضوع علم عين موضوع علم آخر فيشترط أن يكون كل منهما مقيدا بقيد غير قيد الآخر وذلك كأجرام العالم فإنها من حيث الشكل موضوع الهيئة ومن حيث الطبيعة موضوع لعلم السماء والعالم من الطبيعي فافترقا بالحيثيتين ثم إن اتفق أبحاث بعض المسائل فيها بالموضوع والمحمول فلا بأس إذ يختلف بالبراهين كقولهم بأن الأرض مستديرة وهي وسط السماء في الصور والمعاني لكن البرهان عليهما من حيث الهيئة غير البرهان من جهة الطبيعي. الثاني والثالث: أن يكون موضوع علم أخص من علم آخر أو أعم منه فالعموم والخصوص بينهما إما على وجه التحقيق بأن يكون العموم والخصوص بأمر ذاتي له مثل كون العام جنسا للخاص أو بأمر عرضي. فالأول كالمقدار والجسم التعليمي فإن الجسم التعليمي أخص والمقدار جنس له وهو موضوع الهندسة والجسم التعليمي موضوع المجسمات وكموضوع الطب وهو بدن الإنسان فإنه نوع من موضوع العلم الطبيعي وهو الجسم المطلق والثاني كالموجود والمقدار فإن الموجود موضوع العلم الإلهي والمقدار موضوع الهندسة وهو أخص من الموجود لا لأنه جنسه بل لكونه عرضا عاما له. الرابع: أن يكون الموضعان متباينينلكن يندرجان تحت أمر ثالث كموضوع الهندسة والحساب فإنهما داخلان تحت الكم فيسميان متساويين. الخامس: أن يكونا مشتركين بوجه دون وجه مثل موضوعي الطب والأخلاق فإن لموضوعيهما اشتراكا في القوى الإنسانية. السادس: أن يكون بينهما تباين كموضوع الحساب والطب فليس بين العدد وبدن الإنسان اشتراك ولا مساواة. تنبيه: اعلم أن الموضوع في علم لا يطلب بالبرهان لأن المطلوب في كل علم هي الأعراض الذاتية الموضوعة والشيء لا يكون عرضيا ذاتيا لنفسه بل يكون إما بينا بنفسه أو مبرهنا عليه في علم آخر فوقه بحيث يكون موضوع هذا العلم عرضا ذاتيا لموضوعه إلى أن ينتهي إلى العلم الأعلى الذي موضوعه الموجود لكن يجب تصور الموضوع في ذلك العلم والتصديق بهيئته بوجه ما. فكون علم فوق علم أو تحته مرجعه إلى ما ذكرنا فافهم.

стр. 27

البيان الثاني: في المبادئ: وهي المعلومات المستعملة في العلوم لبناء مطالبها المكتسبة عليها. وهي إما تصورية بحدود موضوعه وحدود أجزائه وجزئياته ومحمولاته إذ لا بد من تصور هذه الأمور بالحد المشهور. وإما تصديقية وهي القضايا المتألفة عنها قياساتها وهي على قسمين: الأول: أن تكون بينة بنفسها وتسمى المتعارفة. وهي إما مبادئ لكل علم كقولنا: النفي والإثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان أو لبعض العلوم كقول إقليدس: إذا أخذ من المتساويين قدران متساويان بقي الباقيان متساويين. الثاني: أن تكون غير بينة بنفسها لكن يجب تسليمها ومن شأنها أن تبين في علم آخر وهي مسائل بالنسبة إلى ذلك العلم الآخر والتسليم إن كان على سبيل حسن الظن بالعلم تسمى أصولا موضوعة كقول الفقيه: هذا حرام بالإجماع. فكون الإجماع حجة من الأمور المسلمة في الفقه لأنها من مسائل الأصول. وإن كان على استنكار تسمى مصادرات كقوله: هذا الحكم ثبت بالاستحسان. فتسليم كونه حجة عند القوم من المصادرات. ويجوز أن تكون المقدمة الواحدة عند شخص من المصادرات وعند آخر من الأصول الموضوعة وقد تسمى الحدود والمقدمات المسلمة أوضاعا وكل واحد منهما يكون مسائل في علم آخر فوقه إلى الأعلى لكن يجوز أن يكون بعض مسائل العلم السافل موضوعا وأصولا للعلم العالي بشرط أن لا تكون مبينة في العلم السافل بالأصول التي بنيت على تلك المسائل بل مقدمات بينة بنفسها أو بغيرها من الأصول وإلا يلزم الدور وأيضا لا يجوز أن يثبت شيء من المقدمات الغير البينة من الأصول الموضوعة والمصادرات بالدليل إن توقف عليها جميع مقاصد العلوم للدور وإن توقف عليها بعض مقاصدها فيمكن بيانها في ذلك العلم والأول: يسمى المبادئ العامة كون النظر مفيدا للعين. والثاني: المبادئ الخاصة كإبطال الحسن والقبح العقليين. البيان الثالث: في مسائل العلوم وهي القضايا التي تطلب في كل علم نسبة محمولاتها بالدليل إلى موضوعاتها وكل علم مدون المسائل المتشاركة في موضوع واحد كما مر فتكون المسائل موضوع العلم أعني هيئته البسيطة وهي إنيتها وموضوع المسألة قد يكون بنفسه موضوعا لذلك العلم كقول النحوي: كل كلام مركب من اسمين أو كقول النحوي: كل كلام مركب من اسمين أو اسم وفعل فإن الكلام هو موضوع النحو أيضا وقد يكون موضوع المسألة موضوع ذلك العلم مع عرض ذاتي له كقولنا في الهندسة: المقدار المباين لشيء مباين لكل مقدار يشاركه. فالموضوع في المسألة المقدار المباين والمباين عرض ذاتي له. وقد يكون موضوع المسألة نوع موضوع العلم كقولنا في الصرف: الاسم إما ثلاثي وإما زائد على الثلاثي. فإن موضوع العلم الكلمة والاسم نوعها وقد يكون موضوع المسألة نوع موضوع مع عرض ذاتي له كقولنا في الهندسة: كل خط مستقيم وقع على مستقيم فالزاويتان الحادثتان إما قائمتان أو معادلتان لهما. فالخط نوع للمقدار والمستقيم عرض ذاتي له وقد يكون موضوع المسألة عرضا ذاتيا لموضوع العلم،

стр. 28

كقولنا في الهندسة: كل مثلث زواياه مساوية لقائمتين. فالمثلث من الأعراض الذاتية للمقدار. خاتمة الفصل: في غاية العلوم اعلم أنه إذا ترتب على فعل أثر فذلك الأثر من حيث إنه نتيجة لذلك الفعل وثمرته يسمى فائدة ومن حيث إنه على طرف الفعل ونهايته يسمى غاية. ففائدة الفعل وغايته متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار ثم ذلك الأثر المسمى بهذين الأمرين إن كان سببا لإقدام الفاعل على ذلك الفعل يسمى بالقياس إلى الفاعل غرضا ومقصودا ويسمى بالقياس إلى فعله علة غائية. والغرض والعلة الغائية متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار. وإن لم يكن سببا للإقدام كان فائدة وغاية فقط فالغاية أعم من العلة الغائية كذا أفاده العلامة الشريف١ فظهر أن غاية العلم ما يطلب ذلك العلم لأجله. ثم إن غاية العلو الغير الآلية حصولها أنفسها لأنها في حد ذاتها مقصودة بذواتها وإن أمكن أن يترتب عليها منافع أخر والتغاير الاعتباري كاف فيه. فاللازم من كون الشيء غاية لنفسه أن يكون وجوده الذهني علة لوجوده الخارجي ولا محذور فيه وأما غاية العلوم الآلية فهو حصول غيرها لأنها متعلقة بكيفية العمل فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو لأمر آخر يكون غاية أخيرة لتلك العلوم.

стр. 29

الفصل الخامس: في بيان تقسم العلوم المدونة وما يتعلق بها العلوم المدونة وهي التي دونت في الكتب كعلم الصرف والنحو والمنطق والحكمة ونحوها اعلم أن العلماء اختلفوا فقيل: لا يشترط في كون الشخص عالما بعلم أن يعلمه بالدليل. وقيل: يشترط ذلك حتى لو علمه بلا أخذ دليل يسمى حاكيا لا عالما وإليه يشير كلام المحقق عبد الحكيم١ في حاشية الفوائد الضيائية حيث قال: من قال: العلم عبارة عن العلم بالمسائل المبرهنة جعل العلم بالمسائل المجردة حكاية لمسائل العلوم. ومن: قال إنه عبارة عن المسائل جعله علما انتهى. وبالنظر إلى المذهب الأول ذكر المحقق المذكور في حواشي الخيالي من أن العلم قد يطلق على التصديق بالمسائل وقد يطلق على نفس المسائل وقد يطلق على الملكة الحاصلة منها. وأيضا مما يقال: كتبت علم فلان أو سمعته أو يحصر في ثمانية أبواب مثلا هو المعنى الثاني ويمكن حمله على المعنى الأول أيضا بلا بعد لأن تدوين العلوم بعد تدوين العلم عرفا. وأما تدوين الملكة فمما يأباه الذوق السليم انتهى. وما يقال: فلان يعلم النحو مثلا لا يراد به أن جميع مسائله حاضرة في ذهنه بل يراد به أن له حالة بسيطة إجمالية هي مبدأ لتفاصيل مسائله بها يتمكن من استحضارها. فالمراد بالعلم المتعلق بالنحو ههنا هو الملكة وإن كان النحو عبارة عن المسائل هكذا يستفاد من المطول وحواشيه.

стр. 30

وبالنظر إلى المذهب الثاني قال صاحب الأطول١ في تعريف علم المعاني: أسماء العلوم المدونة نحو علم المعاني تطلق على إدراك القواعد عن دليل حتى لو أدركها أحد تقليدا لا يقال له عالم بل حاك ذكره السيد السند٢ في شرح المفتاح وقد تطلق على معلوماتها التي هي القواعد لكن إذا علمت عن دليل وإن أطلقوا وعلى الملكة الحاصلة من إدراك القواعد مرة بعد أخرى أعني ملكة استحضارها متى أريد. لكن إذا كانت ملكة إدراك عن دليل وإن أطلقوا كما يقتضيه تخصيص الاسم بالإدراك عن دليل كما لا يخفى. وكذلك لفظ العلم يطلق على المعاني الثلاثة لكن حقق السيد السند أنه في الإدراك حقيقة وفي الملكة التي هي تابعة للإدراك في الحصول ووسيلة إليه في البقاء وفي متعلق الإدراك الذي هو المسائل إما حقيقة عرفية أو اصطلاحية أو مجاز مشهور وفي كونه حقيقة الإدراك نظر لأن المراد به الإدراك عن دليل لا الإدراك مطلقا حتى يكون حقيقة انتهى. وقال أبو القاسم٣ في حاشية المطول: إن جعل أسماء العلوم المدونة مطلقة على الأصول والقواعد وإدراكها والملكة الحاصلة على سواء وكذا لفظ العلم صح. ثم إنهم ذكروا أن المناسب أن يراد بالملكة ههنا كيفية للنفس بها يتمكن من معرفة جميع المسائل يستحضر بها ما كان معلوما مخزونا منها ويستحصل ما كان مجهولا لا ملكة الاستحضار فقط المسماة بالعقل بالفعل إذ الظاهر أن من تمكن من معرفة جميع مسائل علم بأن يكون عنده ما يكفيه في تحصيلها يعد عالما بذلك العلم من غير اشتراط العلم بجميعها فضلا عن صيرورتها مخزونة. ولا ملكة الاستحصال فقط المسماة بالعقل بالملكة لأنه يلزم أن يعد عالما من له تلك الملكة مع عدم حصول شيء من المسائل. فالمراد بالملكة أعم من ملكة الاستحضار والاستحصال. قال في الأطول: المراد ملكة الاستحضار لا الملكة المطلقة وعدم حصول العلم المدون لأحد وهو يتزايد يوما فيوما ليس بممتنع ولا بمستبعد فإن استحالة معرفة الجميع لا ينافي كون العلم سببا لها. وتسمية البعض فقيها أو نحويا أو حكيما كناية عن علو شأنه في ذلك العلم بحيث كأنه حصل له الكل وبالجملة: فملكة الاستحصال ليست علما وإنما الكلام في أن ملكة استحضار أكثر المسائل مع ملكة استحصال الباقي هل هو العلم أم لا؟ فمن أراد أن يكون إطلاق الفقيه على الأئمة حقيقة مع عجزهم عن جواب بعض الفتاوى التزم ذلك وأما على ما سلكنا من أن الإطلاق مجازي فلا يلزم. ثم اعلم أن العلم وإن كان معنى واحدا وحقيقة واحدة إلا إنه ينقسم إلى أقسام كثيرة من جهات مختلفة. فينقسم من جهة إلى قديم ومحدث ومن جهة متعلقه إلى تصور وتصديق ومن جهة طرقه إلى ثلاثة أقسام: قسم يثبت في النفس وقسم يدرك بالحس وقسم يعلم بالقياس. وينقسم من جهة اختلاف موضوعاته إلى أقسام كثيرة يسمى بعضها علوما وبعضها صنائع. وقد أوردنا ما ذكره أصحاب الموضوعات في حصر أقسامها:

стр. 31

التقسيم الأول: ما ذكره صاحب١ كشاف اصطلاحات الفنون: اعلم أن ههنا - أي في مقام تقسيم العلوم المدونة التي هي إما المسائل أو التصدق بها - تقسيمات على ما في بعض حواشي شرح المطالع وقال السيد السند: إنها بمعنى ملكة الإدراك تناول العلوم النظرية. الأول: العلوم إما نظرية أي: غير متعلقة بكيفية عمل وإما عملية أي: متعلقة بها فالمنطق والحكمة العملية والطب العملي وعلم الخياطة كلها داخلة في العملي لأنها بأسرها متعلقة بكيفية عمل إما ذهني كالمنطق أو خارجي كالطب مثلا توضيحه أن العملي والنظري يستعملان لمعان: أحدها: في تقسيم العلوم مطلقا كما عرفته. وثانيها: في تقسيم الحكمة فإن العملي هناك علم بما يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا. والنظري علم بما لا يكون وجوده بقدرتنا واختيارنا. وثالثها: ما ذكر في تقسيم الصناعات من أنها عملية أي يتوقف حصولها على ممارسة العمل أو نظرية لا يتوقف حصولها على ممارسة العمل بل يتوقف على النظر فقط. وعلى هذا فعلم الفقه والنحو والمنطق والحكمة العملية والطب العلمي خارجة عن العملي إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال بخلاف علوم الخياطة والحياكة والحجامة لتوقفها على الممارسة والمزاولة. والعملي بالمعنى الأول أعم من العملي المذكور في تقسيم الحكمة لأنه يتناول ما يتعلق بكيفية عمل ذهني كالمنطق ولا يتناوله العملي المذكور في تقسيم الحكمة لأنه هو الباحث عن أحوال ما لاختيارنا مدخل في وجوده مطلقا. أو الخارجي. وموضوع المنطق معقولات ثانية لا يحاذي بها أمر في الخارج ووجودها الذهني لا يكون مقدورا لنا فلا يكون داخلا في العملي بهذا المعنى وأما العملي المذكور في تقسيم الصناعة فهو أخص من العملي بكلا المعنيين لأنه قسم من الصناعة المفسرة بالعلم بالمتعلق بكيفية العمل سواء حصل بمزاولة العمل أو لا. فالعملي بالمعنى الأول نفس الصناعة وبالمعنى الثاني أخص من الأول لكنه أعم من هذا المعنى الثالث لعدم المزاولة ثمة بخلافها هاهنا. الثاني: العلوم إما آلية أو غير آلية لأنها إما أن لا تكون في نفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها أو تكون آلة له غير مقصودة في أنفسها الثانية تسمى آلية والأولى تسمى غير آلية. ثم إنه ليس المراد بكون العلم في نفسه آلة إذ الآلية ذاتية لأن الآلية للشيء تعرض له بالقياس إلى غيره وما هو كذلك وليس ذاتيا بل المراد أنه في حد ذاته بحيث إذا قيس إلى ما هو آلة تعرض له الآلية ولا يحتاج في عروضها له إلى غيره. كما أن الإمكان الذاتي لا يعرض للشيء إلا بالقياس إلى وجوده. والتسمية بالآلية بناء على اشتمالها على الآلة فإن للعلم الآلي مسائل كل منها ما يتوصل له إلى ما هو آلة له وهو الأظهر إذ لا يتوصل لجميع علم إلى علم.

стр. 32

ثم اعلم أن مؤدى التقسيمين واحد إذ التقسيمان متلازمان فإن ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بد أن يكون متعلقا بكيفية تحصيله. فهو متعلق بكيفية عمل وما يتعلق بكيفية عمل لا بد أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي. وكذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن متعلقا بكيفية عمل وما لم يتعلق بكيفية عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره فقد رجع معنى النظري وغير الآلي إلى شيء واحد. ثم اعلم أن غاية العلوم الآلية أي العلة الغائية لها حصول غيرها وذلك لأنها متعلقة بكيفية عمل ومبينة لها فالمقصود منها حصول العمل سواء كان ذلك العمل مقصودا بالذات أو مقصودا لأمر آخر يكون هو غاية أخيرة لتلك العلوم وغاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها وذلك لأنها في حد أنفسها مقصودة بذواتها. وإن أمكن أن يترتب عليها منافع أخرى فإن إمكان الترتيب الاتفاقي بل وقوعه لا ينافي كون المرتب عليه مقصودا بالذات إنما المنافي له قصد الترتب والحاصل أن المراد بالغاية هي الغاية الذاتية التي قصدها المخترع الواضع لا الغاية التي كانت حاملة للشارع على الشروع. فإن الباعث للشارع على الشروع في العلوم الآلية يجوز أن يكون حصولها أنفسها وفي العلوم الغير الآلية يجوز أن يكون زائدا على أنفسها. فإن قيل: غاية الشيء علة له ولا يتصور كون الشيء علة لنفسه فكيف يتصور كون غاية العلوم الغير الآلية حصولها أنفسها؟ قيل: الغاية تستعمل على وجهين أحدهما: أن يكون مضافا إلى الفعل وهو الأكثر يقال: غاية هذا الفعل كذا تكون الغاية مترتبة على نفس ذي الغاية وتكون علة لها. الثاني: أن يكون مضافا إلى المفعول يقال: غاية ما فعل كذا تكون الغاية مترتبة على فعله وعلة له لا لذي الغاية أعني ما أضيف إليه الغاية والغاية فيما نحن فيه من القسم الثاني لأن المضاف إليه للغاية ههنا المفعول وهو المحصل أعني العلوم دون الفعل الذي هو التحصيل. فالمراد بغايتها ما يترتب على تحصيلها ويكون علة له لا لها. هذا كله خلاصة ما في شرح المطالع وحواشيه. الثالث: إلى عربية وغير عربية. الرابع: إلى شرعية وغير شرعية. الخامس: إلى حقيقية وغير حقيقية. السادس: إلى عقلية ونقلية فالعقلية مالا يحتاج فيه إلى النقل والنقلية بخلاف ذلك. السابع: إلى العلوم الجزئية وغير الجزئية فالعلوم التي موضوعاتها أخص من موضوع علم آخر تسمى علوما جزئية كعلم الطب فإن موضوعه وهو الإنسان أخص من موضوع الطبيعي. والتي موضوعاتها أعم تسمى بالعلم الأقدم لأن الأعم أقدم للعقل من الأخص فإن إدراك الأعم قبل إدراك الأخص كذا في بحر الجواهر١.

стр. 33

التقسيم الثاني: للعلامة الحفيد١ وهو إن العلوم المدونة على نوعين: الأول: ما دونه المتشرعة لبيان ألفاظ القرآن أو السنة النبوية لفظا وإسنادا أو لإظهار ما قصد بالقرآن من التفسير والتأويل أو لإثبات ما يستفاد منهما أعني الأحكام الأصلية الاعتقادية أو الأحكام الفرعية العملية أو تعيين ما يتوصل به من الأصول في استنباط تلك الفروع أو ما دون لمدخليته في استخراج تلك المعاني من الكتاب والسنة أعني الفنون الأدبية. النوع الثاني: ما دونه الفلاسفة لتحقيق الأشياء كما هي وكيفية العمل على وفق عقولهم انتهى. وذكر في علوم المتشرعة: علم القراءة وعلم الحديث وعلم أصوله وعلم التفسير وعلم الكلام وعلم الفقه وعلم أصوله وعلم الأدب وقال: هذا هو المشهور عند الجمهور ولكن للخواص من الصوفية علم يسمى بعلم التصوف. بقي علم المناظرة علم الخلاف والجدل لم يظهر إدراجهما في علوم المتشرعة ولا في علوم الفلاسفة لا يقال الظاهر أن الخلاف والجدل باب من أبواب المناظرة سمي باسم كالفرائض بالنسبة إلى الفقه لأنا نقول الغرض في المناظرة إظهار الصواب والغرض من الجدل والخلاف الإلزام ثم إن المتشرعة صنفوا في الخلاف وبنوا عليه مسائل الفقه ولم يعلم تدوين الحكماء فيه فالمناسب عدة من الشرعيات والحكماء بنوا مباحثهم على المناظرة لكن لم يدونوا علم المناظرة فيما بينهم انتهى. التقسيم الثالث: ما ذكره في الفوائد الخاقانية: اعلم أن ههنا تقسيمين مشهورين: أحدهما: أن العلوم إما نظرية أي: غير متعلقة بكيفية عمل. وإما عملية أي: متعلقة بها. وثانيهما: أن العلوم إما أن لا تكون في نفسها آلة لتحصيل شيء آخر بل كانت مقصودة بذواتها وتسمى غير آلية. وإما أن تكون آلة له غير مقصودة في نفسها وتسمى آلية ومؤداهما واحد. فأما ما يكون في حد ذاته آلة لتحصيل غيره لا بد أن يكون متعلقا بكيفية عمل وما يتعلق بكيفية عمل لا بد أن يكون في نفسه آلة لتحصيل غيره فقد رجع معنى الآلي إلى معنى العملي. وكذا ما لا يكون آلة له كذلك لم يكن متعلقا بكيفية عمل وما لم يتعلق بكيفية عمل لم يكن في نفسه آلة لغيره فقد رجع معنى النظري وغير الآلي إلى شيء واحد. ثم إن النظري والعملي يستعملان في معان ثلاثة: أحدها: في تقسيم مطلق العلوم كما ذكرنا فالمنطق والحكمة العملية والطب العملي وعلم الخياطة كلها داخلة في العملي المذكور لأنها بأسرها متعلقة بكيفية عمل إما ذهني كالمنطق أو خارجي كالطب مثلا.

стр. 34

وثانيها: في تقسيم الحكمة فإنهم بعد ما عرفوا الحكمة بأنه علم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية قالوا: تلك الأعيان. أما الأفعال والأعمال التي وجودها بقدرتنا واختيارنا أولا فالعلم بأحوال الأول من حيث يؤدي إلى صلاح المعاش والمعاد يسمى حكمة عملية والعلم بأحوال الثاني يسمى حكمة نظرية. وثالثها: ما ذكر في تقسيم الصناعة أي العلم المتعلق بكيفية العمل من أنها إما عملية أي يتوقف حصولها على ممارسة العمل أو نظرية لا يتوقف حصولها عليها. فالفقه والنحو والمنطق والحكمة العملية والطب العلمي خارجة عن العملية بهذا المعنى إذ لا حاجة في حصولها إلى مزاولة الأعمال بخلاف علم الخياطة والحياكة والحجامة لتوقفها على الممارسة والمزاولة. التقسيم الرابع: وهو مذكور فيه أيضا اعلم أن العلم ينقسم إلى حكمي وغير حكمي. والأخير ينقسم إلى ديني وغير ديني. والديني إلى محمود ومذموم ومباح. ووجه الضبط أنه إما أن لا يتغير بتغير الأمكنة والأزمان ولا يتبدل بتبدل الدول والأديان كالعلم بهيئة الأفلاك أولا. فالأول: العلوم الحكمية ويقال لها: العلوم الحقيقية أيضا أي الثابتة على الدهور والأعوام. والثاني: إما أن يكون منتميا إلى الوحي ومستفادا من الأنبياء ﵈ من غير أن يتوقف على تجربة وسماع وغيرهما أولا فالأول: العلوم الدينية ويقال لها الشرعية أيضا. والثاني العلوم الغير الدينية كالطب لكونه ضروريا في بقاء الأبدان والحساب لكونه ضروريا في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها فمحمودة وإلا فإن لم يكن له عاقبة حميدة فمذموم كعلم السحر والطلسمات والشعبذة والتلبيسات وإلا فمباح كعلم الأشعار التي لا سخف فيها وكتواريخ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما يجري مجراها. وهذا التفاوت بالنسبة إلى الغايات وإلا فالعلم من حيث إنه علم فضيلة لا تنكر ولا تذم. فالعلم بكل شيء أولى من جهله فإياك أن تكون من الجاهلين. التقسيم الخامس: ما ذكره صاحب شفاء المتألم١ وهو: أن كل علم إما أن يكون مقصودا لذاته أولا والأول: العلوم الحكمية وهي إما أن تكون مما يعلم لتعتقد فالحكمة النظرية أو مما يعلم ليعمل بها. فالحكمة العملية. والأول: ينقسم إلى أعلى وهو العلم الإلهي وأدنى وهو الطبيعي وأوسط وهو الرياضي. لأن النظر إما في أمور مجردة عن المادة أو في أمور مادية في الذهن والخارج فهو الطبيعي أو في أمور يصح تجردها عن المواد في الذهن فقط فهو الرياضي وهو أربعة أقسام لأن نظر الرياضي إما أن يكون فيما يمكن أن يفرض فيه أجزاء تتلاقى على حد مشترك بينهما أولا. وكل منهما إما قار الذات أولا. والأول:

стр. 35

الهندسة والثاني: الهيئة والثالث: العدد والرابع: الموسيقات. والحكمة العملية قسمان: علم السياسة وعلم الأخلاق. لأن النظر إما مختص بحال الإنسان أولا. الثاني: هو الأول وأيضا النظر فيه إما في إصلاح كافة الخلق في أمور المعاش والمعاد فذلك يرجع إلى علم الشريعة وعلومها معلومة. وإما من حيث اجتماع الكلمة الاجتماعية وقيام أمر الخلق فهو الأحكام السلطانية أي السياسة فإن اختص بجماعة معينة فهو تدبير المنزل. والثاني: وهو مالا يكون مقصودا لذاته بل آلة يطلب بها العصمة من الخطأ في غيرها. فهو إما ما يطلب العصمة عن الخطأ فيه من المعاني أو ما يتوصل به إلى إدراكها من لفظ أو كتابة. والأول: علم المنطق. والثاني: علم الأدب. وما يبحث فيه عن الدلالات اللسانية أو الدلالات البيانية فالثاني: علم الخط. والأول: يختص بالدلالات الإفرادية أو التركيبية أو يكون مشتركا بينهما. والأول: إن كان البحث فيه عن المفردات فهو علم اللغة. وإن كان البحث فيه عنها من صيغها فعلم الصرف. والثاني: إما أن يختص بالموزون أولا. الأول: إن اختص بمقاطع الأبيات فعلم القافية وإلا فعلم العروض. والثاني: إن كانت العصمة به عن الخطأ في تأدية أصل المعنى فهو النحو وإلا فهو علم البلاغة. والثالث: علم الفصاحة ثم علم البلاغة إن كان ما يطلب به العصمة عن الخطأ في تطبيق الكلام لمقتضى الحال فعلم المعاني. وإن كان في أنواع الدلالة ومعرفة كونها خفية أو جلية فعلم البيان. وأما علم الفصاحة فإن اختص بالعصمة عن الخطأ في تركيب المفردات من حيث التحسين فعلم البديع. التقسيم السادس: ما ذكره صاحب المفتاح١ وهو أحسن من الجميع حيث قال: علم أن للأشياء وجودا في أربع مراتب: في الكتابة والعبارة والأذهان والأعيان. وكل سابق منها وسيلة إلى اللاحق لأن الخط دال على الألفاظ وهذه على ما في الأذهان وهذا على ما في الأعيان. والوجود العيني هو الوجود الحقيقي الأصيل وفي الوجود الذهني خلاف في أنه حقيقي أو مجازي وأما الأولان فمجازيان قطعا ثم العلم المتعلق بالثلاث الأول آلي البتة. وأما العلم المتعلق بالأعيان فإما عملي لا يقصد به حصول نفسه بل غيره أو نظري يقصد به حصول نفسه. ثم إن كلا منهما إما أن يبحث فيه من حيث إنه مأخوذ من الشرع فهو العلم الشرعي أو من حيث إنه مقتضى العقل فقط فهو العلم الحكمي. فهذه هي الأصول السبعة ولكل منها أنواع ولأنواعها فروع يبلغ الكل على ما اجتهدنا في الفحص والتنقير عنه بحسب موضوعاته وأساميه وتتبع ما فيه من المصنفات إلى مائة وخمسين نوعا ولعلي سأزيد بعد هذا انتهى. فرتب كتابه على سبع دوحات لكل أصل دوحة. وجعل لكل دوحة شعبا لبيان الفروع. فما أورده في الأولى: من العلوم الخطية علم أدوات الخط. علم قوانين الكتابة. علم تحسين الحروف. علم كيفية تولد الخطوط عن أصولها. علم ترتيب حروف التهجي. علم تركيب أشكال بسائط الحروف. علم إملاء الخط العربي. علم خط المصحف. علم خط العروض. وذكر في الثانية: العلوم المتعلقة بالألفاظ وهي: علم مخارج الحروف. علم اللغة. علم الوضع. علم

стр. 36

الاشتقاق. علم التصريف. علم النحو. علم المعاني. علم البيان. علم البديع. علم العروض. علم القوافي. علم قرض الشعر. علم مبادئ الشعر. علم الإنشاء. علم مبادئ الإنشاء وأدواته. علم المحاضرة. علم الدواوين. علم التواريخ. وجعل من فروع العلوم العربية: علم الأمثال. علم وقائع الأمم ورسومهم. علم استعمالات الألفاظ. علم الترسل. علم الشروط والسجلات. علم الأحاجي والأغلوطات. علم الألغاز. علم المعمى. علم التصحيف. علم المقلوب. علم الجناس. علم مسامرة الملوك. علم حكايات الصالحين. علم أخبار الأنبياء ﵈. علم المغازي والسير. علم تاريخ الخلفاء. علم طبقات القراء. علم طبقات المفسرين. علم طبقات المحدثين. علم سير الصحابة. علم طبقات الشافعية. علم طبقات الحنفية. علم طبقات المالكية. علم طبقات الحنابلة. علم طبقات النحاة. علم طبقات الأطباء. وذكر في الثالثة: العلوم الباحثة عما في الأذهان من المعقولات الثانية وهي علم المنطق علم آداب الدرس. علم النظر. علم الجدل. علم الخلاف. وذكر في الرابعة: العلوم المتعلقة بالأعيان وهي العلم الإلهي. والعلم الطبيعي. والعلوم الرياضية وهي أربعة: علم العدد. علم الهندسة. علم الهيئة. علم الموسيقى. وجعل من فروع العلم الإلهي علم معرفة النفس الإنسانية. علم معرفة النفس الملكية. علم معرفة المعاد. علم أمارات النبوة. علم مقالات الفرق. وجعل من فروع العلم الطبيعي علم الطب. علم البيطرة. علم البيزرة. علم النبات. علم الحيوان. علم الفلاحة. علم المعادن. علم الجواهر. علم الكون والفساد. علم قوس قزح. علم الفراسة. علم تعبير الرؤيا. علم أحكام النجوم. علم السحر. علم الطلسمات. علم السيميا. علم الكيمياء. وجعل من فروع الطب علم التشريح. علم الكحالة. علم الأطعمة. علم الصيدلة. علم طبخ الأشربة والمعاجين. علم قلع الآثار من الثياب. علم تركيب أنواع المداد. علم الجراحة. علم الفصد. علم الحجامة. علم المقادير والأوزان. علم الباه. وجعل من فروع علم الفراسة علم الشامات والخيلان. علم الأسارير. علم الأكتاف. علم عيافة الأثر. علم قيافة البشر. علم الاهتداء بالبراري والأقفار. علم الريافة. علم الاستنباط. علم نزول الغيث. علم العرافة. علم الاختلاج. وجعل من فروع علم أحكام النجوم. علم الاختيارات. علم الرمل. علم القرعة. علم الطيرة. وجعل من فروع السحر علم الكهانة. علم النيرنجات. علم الخواص. علم الرقى. علم العزائم. علم الاستحضار. علم دعوة الكواكب. علم القلفطيرات. علم الخفاء. علم الحيل الساسانية. علم كشف الدك. علم الشعبذة. علم تعلق القلب. علم الاستعانة بخواص الأدوية. وجعل من فروع الهندسة علم عقود الأبنية. علم المناظرة. علم المرايا المحرقة. علم مراكز الأثقال. علم جر الأثقال. علم المساحة. علم استنباط المياه. علم الآلات الحربية. علم الرمي. علم التعديل.

стр. 37

علم البنكامات. علم الملاحة. علم السباحة. علم الأوزان والموازين. علم الآلات المبنية على ضرورة عدم الخلاء وجعل من فروع الهيئة: علم الزيجات والتقويم. علم حساب النجوم. علم كتابة التقاويم. علم كيفية الأرصاد. علم الآلات الرصدية. علم المواقيت. علم الآلات الظلية. علم الأكر. علم الأكر المتحركة. علم تسطيح الكرة. علم صور الكواكب. علم مقادير العلويات. علم منازل القمر. علم جغرافيا. علم مسالك البلدان. علم البرد ومسافاتها. علم خواص الأقاليم. علم الأدوار والأكوار. علم القرانات. علم الملاحم. علم المواسم. علم مواقيت الصلاة. علم وضع الإسطرلاب. علم عمل الإسطرلاب. علم وضع الربع المجيب والمقنطرات. علم عمل ربع الدائرة. علم آلات الساعة. وجعل من فروع علم العدد: علم حساب التخت والميل. علم الجبر والمقابلة. علم حساب الخطائين. علم حساب الدور والوصايا. علم حساب الدراهم والدنانير. علم حساب الفرائض. علم حساب الهواء. علم حساب العقود بالأصابع. علم أعداد الوفق. علم خواص الأعداد. علم التعابي العددية. وجعل من فروع الموسيقى: علم الآلات العجيبة. علم الرقص. علم الغنج. وذكر في الخامسة: العلوم الحكمية العملية وهي: علم الأخلاق. علم تدبير المنزل. علم السياسة. وجعل من فروع الحكمة العملية: علم آداب الملوك. علم آداب الوزارة. علم الاحتساب. علم قود العساكر والجيوش. وذكر في السادسة: العلوم الشرعية وهي: علم القراءة. علم تفسير القرآن. علم رواية الحديث. علم دراية الحديث. علم أصول الدين المسمى بالكلام. علم أصول الفقه. علم الفقه. وجعل من فروع القراءة: علم الشواذ. علم مخارج الحروف. علم مخارج الألفاظ. علم الوقوف. علم علل القرآن. علم رسم كتابة القرآن. علم آداب كتابة المصحف. وجعل من فروع الحديث: علم شرح الحديث. علم أسباب ورود الحديث وأزمنته. علم ناسخ الحديث ومنسوخه. علم تأويل أقوال النبي ﵊. علم رموز الحديث وإشاراته. علم غرائب لغات الحديث. علم دفع الطعن عن الحديث. علم تلفيق الأحاديث. علم أحوال رواة الأحاديث. علم طب النبي ﵊. وجعل من فروع علم التفسير: علم المكي والمدني. علم الحضري والسفري. علم النهاري والليلي. علم الصيفي والشتائي. علم الفراشي والنومي. علم الأرضي والسماوي. علم أول ما نزل وآخر ما نزل. علم سبب النزول. علم ما نزل على لسان بعض الصحابة ﵃ علم ما تكرر نزوله. علم ما تأخر حكمه عن نزوله وما تأخر نزوله عن حكمه. علم ما نزل مفرقا وما نزل جمعا. علم ما نزل مشيعا وما نزل مفردا. علم ما أنزل منه على بعض الأنبياء وما لم ينزل. علم كيفية إنزال القرآن. علم أسماء القرآن وأسماء سوره. علم جمعه وترتيبه. علم عدد سوره وآياته وكلماته وحروفه. علم حفاظه ورواته. علم العالي والنازل من أسانيده. علم المتواتر والمشهور. علم بيان الموصول لفظا والمفصول معنى. علم الإمالة والفتح. علم الإدغام والإظهار والإخفاء والإقلاب. علم المد والقصر. علم تخفيف الهمزة. علم كيفية

стр. 38

تحمل القرآن. علم آداب تلاوته وتاليه. علم جواز الاقتباس. علم ما وقع فيه. بغير لغة الحجاز. علم ما وقع فيه من غير لغة العرب علم غريب القرآن. علم الوجوه والنظائر. علم معاني الأدوات التي يحتاج إليها المفسر. علم المحكم والمتشابه. علم مقدم القرآن ومؤخره. علم عام القرآن وخاصه. علم ناسخ القرآن ومنسوخة. علم مشكل القرآن. علم مطلق القرآن ومقيده. علم منطوق القرآن ومفهومه. علم وجوه مخاطباته. علم حقيقة ألفاظ القرآن ومجازها علم تشبيه القرآن واستعاراته. علم كنايات القرآن وتعريضاته. علم الحصر والاختصاص. علم الإيجاز والإطناب. علم الخبر والإنشاء. علم بدائع القرآن. علم فواصل الآي. علم خواتم السور. علم مناسبة الآيات والسور. علم الآيات المتشابهات علم إعجاز القرآن. علم العلوم المستنبطة من القرآن. علم أقسام القرآن. علم جدل القرآن. علم ما وقع في القرآن من الأسماء والكنى والألقاب. علم مبهمات القرآن. علم فضائل القرآن. علم أفضل القرآن وفاضله. علم مفردات القرآن. علم خواص القرآن. علم مرسوم الخط وآداب كتابته. علم تفسيره وتأويله وبيان شرفه. علم شروط المفسر وآدابه علم غرائب التفسير. علم طبقات المفسرين. علم خواص الحروف. علم الخواص الروحانية من الأوفاق. علم التصريف بالحروف والأسماء. علم الحروف النورانية والظلمانية. علم التصريف بالاسم الأعظم. علم الكسر والبسط. علم الزايرجة. علم الجفر والجامعة. علم دفع مطاعن القرآن. وجعل من فروع الحديث: علم المواعظ. علم الأدعية. علم الآثار. علم الزهد والورع. علم صلاة الحاجات. علم المغازي. وجعل من فروع أصول الفقه: علم النظر. علم المناظرة. علم الجدل وجعل من فروع الفقه: علم الفرائض. علم الشروط والسجلات. علم القضاء. علم حكم التشريع. علم الفتاوى. فيكون جميع ما ذكره من العلوم المتعلقة بطريق النظر ثلاثمائة وخمسة علوم. ثم إنه جعل الطرف الثاني من كتابه في بيان العلوم المتعلقة بالتصفية التي هي ثمرة العمل بالعلم فلخص فيه كتاب الإحياء١ للإمام الغزالي ولم يذكر علم التصوف. فلله دره في الغوص على بحار العلوم وأبرز دررها. فإن قيل: إنه قصد تكثير أنواع العلوم فأورد في فروعها ما أورد كذكره في فروع علم التفسير ما ذكره السيوطي في الإتقان٢ من الأنواع وهلا يرد عليه أنه إن أراد بالفروع المقاصد للعلم فعلم الطب مثلا يصل إلى ألوف من العلوم. وإن أراد ما أفرد بالتدوين فلم يستوعب الأقسام في كثير من المباحث التي أفردت بالتدوين وقد أخل بذكرها على أنه أدخل في فروع علم ما ليس منه قلت: نعم يرد لكن الجواد قد يكبو والفتى قد يصبو أو لا تعد إلا هفوات العارف ويدخل الزيوف على أعلى الصيارف.

стр. 39

التقسيم السابع: لصاحب مدينة العلوم١ ويأتي في أول القسم الثاني من هذا الكتاب وما أوفقه بهذا التقسيم كأنه هو قف: ولا يخفى عليك أن التعقب على الكتب سيما الطويلة سهل بالنسبة إلى تأليفها ووضعها وترصيفها كما يشاهد في الأبنية العظيمة والهياكل القديمة حيث يعترض على بانيها من عري في فنه عن القوى والقدر بحيث لا يقدر على وضع حجر على حجر. هذا جوابي عما يرد على كتابي أيضا. وقد كتب أستاذ العلماء البلغاء القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني إلى العماد الأصفهاني٢ معتذرا عن كلام استدركه عليه إنه قد وقع لي شيء وما أدري أوقع لك أم لا وها أنا أخبرك به وذلك أني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يومه إلا قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر انتهى. هذا اعتذار قليل المقدار عن جميع الإيرادات والأنظار إجمالا وأما التفصيل فسيأتي في موضع كل علم مع توجيهه بإنصاف وحلم وربما زيد على ما ذكره من العلوم على طريق الاستدراك بتمكين مانح القريحة والذهن الدراك.

стр. 40

الفصل السادس: في بيان أجزاء العلوم قالوا: كل علم من العلوم المدونة لا بد فيه من أمور ثلاثة: الموضوع والمسائل والمبادئ. وهذا القول مبني على المسامحة فإن حقيقة كل علم مسائله وعد الموضوع والمبادئ من الأجزاء إنما هو لشدة اتصالهما بالمسائل التي هي المقصودة في العلم. أما الموضوع فقالوا: موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية وتوضحيه: إن كمال الإنسان بمعرفته أعيان الموجودات من تصوراتها والتصديق بأحوالها على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية ولما كانت معرفتها بخصوصها متعذرة مع عدم إفادتها كمالا معتدا به لتغيرها وتبدلها أخذوا المفهومات الكلية
следующие страницы →