← Акыда

Акыда · id 9585

دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد

عبد الله بن صالح الغصن

Полный текст (645 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(فإذا قال السائل: هل الله جسم أم ليس بجسم؟ لم نقل: إن جواب هذا السؤال ليس في الكتاب والسنة، مع قول القائل: إن هذا السؤال موجود في فطر الناس بالطبع، والله تعالى يقول: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] ، وقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] . وقال: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩] . وقال: ﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف: ١١١] . وقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٦] . وقال: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣] ) (١) . ثم ذكر آيات كثيرة وقال: (ومثل هذا في القرآن كثير، مما يبين الله فيه أن كتابه مبيِّن للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كافٍ لمن اتبعه، لا يحتاج معه إلى غيره يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل) (٢) . ثم شرع في ذكر بعض الأحاديث الدالة على أن الرسول ﷺ بين الحق، وترك الأمة على المحجة البيضاء، ومنها قول النبي ﷺ في خطبته: (إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة) (٣) .

стр. 142

وكان يقول: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة) (١) . وكان يقول: (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (٢) . ثم قال: (فكيف يكون هذا - مع هذا البيان والهدى - ليس فيما جاء به جواب عن هذه المسألة، ولا بيان الحق فيها من الباطل، والهدى من الضلال؟ بل كيف يمكن أن يسكت عن بيان الأمر ولو لم يسأله الناس؟) (٣) . وبين وجوب اعتقاد الحق فيها، ثم شنع على الذين يقولون: إن جواب هذا السؤال وأمثاله ليس في الكتاب والسنة، ووصفهم بأنهم (الذين يُعرضون عن طلب الهدى من الكتاب والسنة، ثم يتكلم كل منهم برأيه ما يخالف الكتاب والسنة، ثم يتأول آيات الكتاب على مقتضى رأيه، فيجعل أحدهم ما وصفه برأيه هو أصول الدين الذي يجب اتباعه، ويتأول القرآن والسنة على وفق ذلك، فيتفرقون ويختلفون) (٤) . وبين شيخ الإسلام أن لفظ الجسم مجمل يحتاج إلى استفصال.

стр. 143

فإن أُريد بالجسم: الموجود القائم بنفسه، المتصف بالصفات، فهذا المعنى حق، لكن الخطأ إنما هو في اللفظ. وإن أريد غير ذلك من المعاني في معنى الجسم كأن يقال: هو ما يشار إليه، أو المركب، أو غير ذلك فإنه معنى باطل ولفظ مردود (١) . وأما دعوى أن ابن تيمية ﵀ يقول بأن الله جسم لا كالأجسام، فغير صحيحة، وهذه نصوص ابن تيمية الصريحة في رد هذه المقولة، وتخطئة من قالها، ومنها: قوله حين قال له أحد كبار مخالفيه بجواز أن يقال: هو جسم لا كالأجسام: (إنما قيل: إنه يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وليس في الكتاب والسنة أن الله جسم حتى يلزم هذا السؤال) (٢) . وحكم على القائل بهذا القول أنه مشبه، بقوله: (فمن قال هو جسم لا كالأجسام كان مشبهاً، بخلاف من قال: حي لا كالأحياء) (٣) . وذكر أن القائلين بهذه المقولة هم طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين فقال عن إثباتهم صفات الله : (يثبتون هذه الصفات، ويثبتون ما

стр. 144

ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم) (١) . وذكر أن القائل بهذه المقولة هم علماء المجسمة (٢) . وقال ﵀: (وأما المعنى الخاص الذي يعنيه النفاة والمثبتة، الذين يقولون: هو جسم لا كالأجسام، فهذا مورد النزاع بين أئمة الكلام وغيرهم، وهو الذي يتناقض سائر الطوائف من نفاته لإثبات ما يستلزمه، كما يتناقض مثبتوه مع نفي لوازمه. ولهذا كان الذي عليه أئمة الإسلام أنهم لا يطلقون الألفاظ المبتدعة المتنازع فيها لا نفياً، ولا إثباتاً، إلا بعد الاستفسار والتفصيل: فيثبت ما أثبته الكتاب والسنة من المعاني، وينفي ما نفاه الكتاب والسنة من المعاني) (٣) . وبين ﵀ في مقولة: (إن الله ذو جسم وأعضاء وجوارح) أنها كلام باطل (٤) . وأما ألفاظ (التشبيه والتمثيل) فقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - أقوال الناس في الفرق بينها: هل هي بمعنى واحد أو معنيين؟، وأنها قولان: (أحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ المثل مطلقاً ومقيداً يدل عليه لفظ الشبه، وهذا قول طائفة من النظار. والثاني: أن معناها مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعاً، وعقلاً، وإن كان مع التقييد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس) (٥) . وبين سبب الاختلاف، وأنه مبني على مسألة عقلية وهي: أنه هل يجوز أن يشبه الشيءُ الشيءَ من وجه دون وجه، وذكر ﵀ أن للناس في ذلك قولين: (فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.

стр. 145

ومن قال: إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه، فرّق بينهما عند الإطلاق وهذا قول جمهور الناس) (١) . وبين قول المخالفين في عدم التفريق بين التشبيه والتمثيل وهو: امتناع كون الشيء يشبه غيره من وجه ويخالفه من وجه، بل عندهم كل مختلفين كالسواد والبياض فإنهما لم يشتبها من وجه، وكل مشتبيهن كالأجسام عندهم، يقولون بتماثلها، فإنها متماثلة عندهم من كل وجه لا اختلاف بينها إلا في أمور عارضة لها (٢) . فالأجسام متماثلة من كل وجه، وأما الأعراض المختلفة والأجناس - كالسواد والبياض - فمختلفة من كل وجه (٣) . وبين نتيجة هذا القول وأنه: (كل من أثبت ما يستلزم التجسيم في اصطلاحهم فهو مشبه ممثل) (٤) . وذكر أن القائل بهذا كثير من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية، ومن وافقهم من الصفاتية كالباقلاني (٥) ، وأبي يعلى (٦) ، وأبي المعالي (٧) ،

стр. 146

وغيرهم (١) . وناقش هؤلاء نقاشاً عقلياً ولغوياً، وشرعياً بقوله: (فإن العقل يعلم أن الأعراض مثل الألوان، تشتبه في كونها ألواناً مع أن السواد ليس مثل البياض، وكذلك الأجسام والجواهر عند جمهور العقلاء تشتبه في مسمى الجسم والجوهر، وإن كانت حقائقها ليست متماثلة، فليست حقيقة الماء مماثلة لحقيقة التراب، ولا حقيقة النبات مماثلة لحقيقة الحيوان، ولا حقيقة النار مماثلة لحقيقة الماء، وإن اشتركا في أن كلاً منهما جوهر وجسم وقائم بنفسه) (٢) . (وأيضاً فمعلوم في اللغة أنه يقال: هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا، إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفاً له في الحقيقة. قال الله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً﴾ [البقرة: ٢٥] . وقال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] . وقال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: ١١٨] . فوصف القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل، فإن القلوب وإن اشتركت في هذا القول فهي مختلفة لا متماثلة.

стр. 147

وقال النبي ﷺ : «إن الحلال بيّن، وإن الحرام بيّن، وبين ذلك أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس» (١) . فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة، بل بعضها حرام وبعضها حلال) (٢) . وأما لفظ (الحشوية) فقد بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن هذا اللفظ ليس له مسمى معروف لا في الشرع، ولا في اللغة، ولا في العرف العام، وليس فيه ما يدل على شخص معين، ولا مقالة معينة، فلا يدرى من هم هؤلاء؟ ويذكر أن أول من تكلم بهذا اللفظ عمرو بن عبيد (٣) ، حيث قال: كان عبد الله بن عمر (٤) ﵄ حشوياً. وأصل ذلك أن كل طائفة قالت قولاً تخالف به الجمهور والعامة فإنها تنسب قول المخالف لها إلى أنه قول الحشوية: أي الذين هم حشوٌ في الناس ليسوا من المتأهلين عندهم. فالمعتزلة تسمي من أثبت القدر حشوياً، والجهمية يسمون مثبتة الصفات

стр. 148

حشوية، والقرامطة (١) - كأتباع الحاكم (٢) - يسمون من أوجب الصلاة والزكاة والصيام والحج حشوياً. وأهل هذا المصطلح يعنون به حين يطلقونه: العامة الذين هم حشو، كما تقول الرافضة عن مذهب أهل السنة مذهب الجمهور (٣) . وحين رد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ على الرافضي (٤) في كتابه (منهاج السنة النبوية) قوله عن جماعة من الحشوية والمشبهة: إن الله تعالى جسم، له طول وعرض وعمق، وأنه يجوز عليه المصافحة ... إلخ (٥) . استفصل ﵀ في المراد بالحشوية فقال: (فإن كان مراده بالحشوية: طائفة من أصحاب الأئمة الأربعة دون غيرهم، كأصحاب أحمد أو الشافعي، أو مالك، فمن المعلوم أن هذه المقالات لا توجد فيهم أصلاً، بل هم يكفّرون من يقولها ...

стр. 149

وإن كان مراده بالحشوية: أهل الحديث على الإطلاق: سواء كانوا من أصحاب هذا أو هذا، فاعتقاد أهل الحديث: هو السنة المحضة؛ لأنه هو الاعتقاد الثابت عن النبي ﷺ ، وليس في اعتقاد أحد من أهل الحديث شيء من هذا، والكتب شاهدة بذلك. وإن كان مراده بالحشوية: عموم أهل السنة والجماعة مطلقاً: فهذه الأقوال لا تعرف في عموم المسلمين وأهل السنة) (١) . وأما نزول الباري إلى السماء الدنيا، واستواؤه على عرشه ، فليس في نصوص شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما يثبت أنه يشبّه نزول الرب بنزول المخلوقين، واستواءه باستوائهم، بل نصوصه صريحة في نفي المماثلة والمشابهة في غير موضع. فحين تحدث عن منهج الوسطية عند أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات قال: (ويعلمون مع ذلك أنه لا مثيل له في شيء من صفات الكمال، فلا أحد يعلم كعلمه، ولا يقدر كقدرته، ولا يرحم كرحمته، ولا يسمع كسمعه، ولا يبصر كبصره، ولا يخلق كخلقه، ولا يستوي كاستوائه، ولا يأتي كإتيانه، ولا ينزل كنزوله كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] ) (٢) . وفي معرض رده على من ينفي الصفات الفعلية، بحجة أنها تستلزم التجسيم، صاغ قول المخالف وقوله على هيئة حوار قائلاً: (فإذا قيل: سمعه ليس كسمعنا، وبصره ليس كبصرنا، وإرادته ليست كإرادتنا، وكذلك علمه وقدرته.

стр. 150

قيل له: وكذلك رضاه ليس كرضانا، وغضبه ليس كغضبنا، وفرحه ليس كفرحنا، ونزوله واستواؤه ليس كنزولنا واستوائنا) (١) . وقال عن الاستواء: (وكذلك ما أخبر به عن نفسه من استوائه على العرش، ومجيئه في ظلل من الغمام، وغير ذلك من هذا الباب، ليس استواؤه كاستوائهم، ولا مجيئه كمجيئهم) (٢) . وقال عن النزول ناقلاً عن الإمام أحمد بن حنبل (ت - ٢٤١هـ) ﵀ في رسالته إلى مسدد (٣) أن النزول لا تعلم كيفيته: (وهم متفقون على أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يُعلم كيف ينزل، ولا تمثل صفاته بصفات خلقه) (٤) . وحكم على من مثل استواء الله ونزوله باستواء المخلوقين ونزولهم بأنه مبتدع ضال (٥) . وقد أطال النفس ﵀ في الجواب عن شبهة أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، مبيناً قبل ذلك قاعدة مهمة وهي: أن كل من نفى شيئاً قال لمن أثبته إنه مجسم ومشبه، فغلاة الباطنية، نفاة الأسماء، يسمون من سمى الله بأسمائه الحسنى مشبهاً ومجسماً، فيقولون: إذا قلنا حي عليم، فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين.

стр. 151

وكذلك إذا قلنا: هو سميع بصير، فقد شبهناه بالإنسان السميع البصير. وإذا قلنا: رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا: إذا قلنا: إنه موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات، لاشتراكهما في مسمى الوجود (١) . ومثبتة الأسماء دون الصفات من المعتزلة ونحوهم، يقولون لمن أثبت الصفات: إنه مجسم، ومثبتة الصفات دون ما يقوم به من الأفعال الاختيارية يقولون لمن أثبت ذلك: إنه مجسم، وكذلك سائر النفاة (٢) . وبين ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في الأسماء والصفات: وأنه وسط بين التعطيل والتمثيل في مواضع متعددة من كتبه: فقال: (أهل السنة والجماعة في الإسلام - كأهل الإسلام في الملل - فهم وسط في باب صفات الله بين أهل الجحد والتعطيل، وبين أهل التشبيه والتمثيل؛ يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تعطيل ولا تمثيل، إثباتاً لصفات الكمال، وتنزيهاً له عن أن يكون له فيها أنداد وأمثال، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ، رد على الممثلة: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، رد على المعطلة. وقال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] ) (٣) .

стр. 152

وذكر أن ما نفاه المعطلة من الأسماء والصفات ثابت بالشرع والعقل، وأن تسميتهم لما أثبته غيرهم تشبيه وتجسيم، إنما هو تمويه على الجهال. وبين أن التمثيل والتشبيه المنهي عنه في الأسماء والصفات للباري هو: ما يستلزم الاشتراك بين الخالق والمخلوق فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يشركه فيه مخلوق (١) . ويوضح أس المشكلة عند النفاة وهي: قياس الخالق بالمخلوق، فلو كان الخالق عندهم متصفاً بالصفات، لكان مماثلاً للمخلوق المتصف بالصفات، ويخلص إلى نتيجة وهي: أن هذا القول في غاية الفساد؛ لأن تشابه الشيئين من بعض الوجوه، لا يقتضي تماثلهما في جميع الأشياء. ولو كان إثبات الصفات يقتضي التجسيم؛ لكان الرسول ﷺ إلى إنكار ذلك أسبق، وهو به أحق، وإن كان الطريق إلى نفي العيوب والنقائص، ومماثلة الخالق لخلقه هو ما في ذلك من التجسيد والتجسيم؛ كان إنكار ذلك بهذا الطريق هو الصراط المستقيم كما فعله من أنكر ذلك بهذا الطريق من القائلين بموجب ذلك من أهل الكلام، فلما لم ينطق النبي ﷺ ، ولا أصحابه والتابعون بحرف من ذلك، بل كان من نطق به موافقاً مصدقاً لذلك (٢) . والقرآن الكريم بيّن الفرق بين الخالق والمخلوق، وأنه لا يجوز أن يسوى بين الخالق والمخلوق في شيء، فيجعل المخلوق نداً للخالق. قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] . وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾ [مريم: ٦٥] . وقال تعالى: ﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ

стр. 153

اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ * وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ١٧ - ٢١] (١) . قال ﵀ في بيان لوازم التماثل بين الخالق والمخلوق، وأن التماثل غير ممكن: (وقد علم بالعقل أن المثلين يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، فلو كان المخلوق مماثلاً للخالق للزم اشتراكهما فيما يجب ويجوز ويمتنع، والخالق يجب وجوده وقدمه، والمخلوق يستحيل وجوبه وقدمه، بل يجب حدوثه وإمكانه، فلو كانا متماثلين للزم اشتراكهما في ذلك، فكان كل منهما يجب وجوده وقدمه، ويمتنع وجوب وجوده وقدمه، ويجب حدوثه وإمكانه، فيكون كل منهما واجب القدم واجب الحدوث، واجب الوجود ليس واجب الوجود، يمتنع قدمه لا يمتنع قدمه، وهذا جمع بين النقيضين) (٢) . ومن رده ﵀ على من توهم أن مدلول نصوص الصفات هو التمثيل، بين أنه يقع في أربعة أنواع من المحاذير: الأول: كونه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل. الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطله، بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله. الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلاً لما يستحقه الرب تعالى.

стр. 154

الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الموات والجمادات، أو صفات المعدومات (١) . وتوسع ﵀ في بيان قاعدة (اتفاق الأسماء والصفات لا يستلزم اتفاق المسميات والموصوفات عند الإضافة والتقييد والتخصيص) . ففي الأسماء: سمى الله نفسه حياً بقوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وبقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان: ٥٨] . وسمى بعض عباده حياً بقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] . مع العلم أنه ليس الحي كالحي؛ لأن قوله: (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] ، اسم للحي المخلوق المختص به، وإنما يتفقان إذا أطلقا، وجردا عن التخصيص. وسمى نفسه بالملك: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣] ، وسمى بعض عباده الملك فقال: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ [يوسف: ٥٠] ، وليس الملك كالملك. وسمى نفسه العزيز الجبار المتكبر فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: ٢٣] . وسمى بعض خلقه العزيز فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١] ، وسمى بعض خلقه بالجبار المتكبر فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥] . وفي الصفات: وصف - سبحانه - نفسه بالإرادة، ووصف عباده بالإرادة فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٧] . ووصف نفسه بالمشيئة، ووصف بعض عباده بالمشيئة بقوله: ﴿لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩] .

стр. 155

ووصف نفسه بالعمل بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١] . ووصف عباده بالعمل بقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] . إلى غيرها من الأسماء والصفات الدالة على أن تماثل الأسماء والصفات لا يعني تماثل المسمى والموصوف عند الإطلاق (١) . وقد أجابت إحدى الباحثات (٢) عن رمي ابن تيمية ﵀ بالتجسيم، بأن نصوص كتب ابن تيمية تدل دلالة واضحة على أنه بريء كل البراءة مما نسب إليه من شبهة التجسيم، إذ لا يمكن لسنّي مثله دافع عن الكتاب والسنة دفاعاً مريراً، إلى أن خافه الفقهاء والصوفية، فدسوا له عند الحكام، حتى سجن، أن يقول مثل هذا القول، وبينت أن الأسرة التي عاش فيها ابن تيمية لم تكن محاطة بالتشبيه والتجسيم، بل كانت أسرة متدينة ومتفقهة في الدين الإسلامي (٣) .

стр. 156

المبحث الثالث دعوى أن شيخ الإسلام أخذ التشبيه ممن قبله، ومناقشتها المطلب الأول دعوى أن شيخ الإسلام أخذ التشبيه ممن قبله بعدما وصف أعداء عقيدة السلف الاعتقاد الحق بأنه تشبيه وتجسيم، ووصفوا شارح اعتقاد السلف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، بأنه - أيضاً - مجسم ومشبه استمراراً للقاعدة التي أصلوها. بعد ذلك بحثوا عن جذور هذا القول قبل ابن تيمية ﵀ ليقولوا بتأثره بتلك الجذور. وتنوعت عباراتهم في تحديد تلك الجذور بدقة: فمن قائل: إن تجسيم ابن تيمية ﵀ امتداد لتجسيم اليهود حين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] ، وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] . وقالوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] (١) . وبعض أعداء ابن تيمية ﵀ يرون أنه انخدع بكلام أبي البركات البغدادي (٢) ، الذي كان يهودياً، ويزعمون أنه تظاهر بالإسلام ولم يسلم،

стр. 157

ولذلك يطلقون عليه (ابن ملكا الفيلسوف اليهودي المتمسلم) (١) . ومنهم من يرى أن ابن تيمية ﵀ حمل لواء المذهب الكرامي، نصيراً ومؤيداً حيث ذكر ذلك أحدهم بقوله: (لم تمت الكرامية.. لقد عاشت الكرامية بعد موت مؤسسها ... ثم احتضنها عالم سلفي متأخر، ومفكر من أكبر مفكري الإسلام وهو (تقي الدين بن تيمية) ، أو بمعنى أدق: سار الحشو في طريقه يدعم فكرة التشبيه والتجسيم، ويجتذب إليه مجموعة من أذكى رجال الفكر الإسلامي) (٢) . ويجنح أعداء ابن تيمية ﵀ إلى أمر آخر: وهو أنه لما كان الاعتقاد الحق ينسب إلى الإمام أحمد بن حنبل (ت - ٢٤١هـ) ﵀ أنشأوا مصطلح (مجسمة الحنابلة) أو (حشوية الحنابلة) ، وجعلوهم أصولاً لابن تيمية ﵀ يستقي منهم اعتقاده في الأسماء والصفات. ويضربون أمثلة لهذا: كإمام أهل السنة وشيخ الحنابلة في عصره أبي محمد البربهاري (٣) ، والقاضي أبي يعلى الحنبلي (ت - ٤٥٨هـ) - رحمهما الله - ويعتمد مناوئوا ابن تيمية على كتاب لابن الجوزي (٤) ﵀ سماه (دفع شبه

стр. 158

التشبيه بأكف التنزيه) (١) - يزعمون أنه هو الذي يمثل المسلك الصحيح للحنابلة، وأنه قصد الرد على من اتجه إلى التشبيه من الحنابلة (٢) . ومن المناوئين من جعل تأثر ابن تيمية ﵀ بكل ما ذكر وليس بمسلك واحد (٣) .

стр. 159

المطلب الثاني مناقشة الدعوى يقف ابن تيمية ﵀ كغيره من أئمة السلف موقف الوسط في إثبات الصفات بين المعطلة النفاة من جهة، وبين المثبتة الغلاة الذين شبهوا الله بخلقه من جهة. وقد بينت - سابقاً - موقفه من النفاة، وسأبين الآن موقفه من المشبهة وهو - كسابقه - موقف الرد والمعارضة والتخطئة (١) ، وإن كان يرى أن من يثبت بعض الصفات كالكلابية (٢) ، والأشاعرة، ومن يغلو في الإثبات كالكرامية أصح طريقاً وأخف خطأ من المعطلة، ولهذا يضع ﵀ قاعدة مهمة في الموازنة بين الفرق فيقول: (ولهذا كان المتكلمة الصفاتية كابن كلاب، والأشعري، وابن كرام خيراً وأصح طريقاً في العقليات والسمعيات من المعتزلة، والمعتزلة خيراً وأصح طريقاً في العقليات والسمعيات من المتفلسفة (٣) ، وإن كان في قول كل من

стр. 160

هؤلاء ما ينكر عليه، وما خالف فيه العقل والسمع) (١) . ثم يقول: (ولكن من كان أكثر صواباً، وأقوم قيلاً كان أحق بأن يقدم على من هو دونه تنزيلاً وتفصيلاً) (٢) . ويبين أن قول أهل التعطيل أعظم من قول أهل التجسيم، ولذلك اعتنت الكتب الإلهية بمناقشة شبه أهل التعطيل أكثر من عنايتها بالرد على شبه أهل التجسيم فقال: (وقول المعطلة لما كان أبعد عن الحق من قول المجسمة، كانت حجج أهل التعطيل أضعف من حجج أهل التجسيم. ولما كان مرض التعطيل أعظم؛ كانت عناية الكتب الإلهية بالرد على أهل التعطيل أعظم، وكانت الكتب الإلهية قد جاءت بإثبات صفات الكمال على وجه التفصيل) (٣) . وفي مقام رده ﵀ على الممثلة أوضح مباينة الخالق للمخلوق، وأن صفاته لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق سبحانه وتعالى عما يقول المشبهة علواً كبيراً (٤) . وذكر أقسام الممثلة، حين مناقشته لهم في مسألة نزول البارئ وبين ضلالهم (٥) . وذكر أنهم يعبدون صنماً، والمعطلة تعبد عدماً (٦) .

стр. 161

واستعاذ بالله من تشبيه المجسمة (١) . وأما غلاة المجسمة فقد حكم ﵀ كغيره من السلف بكفرهم (٢) . وناقش ﵀، الأحاديث التي يستدل بها المشبهة مثل ما ينسبونه إلى الرسول ﷺ قوله: (إن الله خلق خيلاً فأجراها، فعرقت، فخلق نفسه من ذلك العرق) (٣) . وحديث نزول الرب عشية عرفة إلى الموقف على جمل أورق، ومصافحته للركبان، ومعانقته المشاة (٤) . وغيرها. وبين أن هذه الأحاديث موضوعة مكذوبة فقال عنها ﵀: (هي أحاديث مكذوبة موضوعة باتفاق أهل العلم، فلا يجوز لأحد أن يُدخل هذا وأمثاله في الأدلة الشرعية) (٥) . وذكر عن حديث عرق الخيل أنه: كذبه بعض الناس على أصحاب حماد بن سلمة (ت - ١٦٧هـ) وقالوا: إنه كذبه بعض أهل البدع، واتهموا بوضعه محمد بن شجاع الثلجي (٦) .

стр. 162

وقالوا: إنه وضعه ورمى به بعض أهل الحديث؛ ليقال عنهم إنهم يروون مثل هذا (١) . هذا عن موقفه ﵀ من مسلك التمثيل والتجسيم على وجه العموم. موقفه من اليهود: أما عن موقفه من اليهود وما زعمه مناوئوه، من صلته بهم، وتأثره بمنهجهم، وخاصة في مسلك تشبيه الخالق بالمخلوق: فقد أثبت ﵀ ما أثبته القرآن، من أن عداوة اليهود للمسلمين أشد من عداوة النصارى، استناداً لقول الحق ﵎: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] . وذكر أن الله وصف اليهود بالكبر والبخل والجبن، والقسوة وكتمان العلم وسلوك سبيل الغي وهو سبيل الشهوات والعدوان (٢) . وركز على بيان أن اليهود يشبّهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص، كما أن النصارى يشبّهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال. فقال: (اليهود يشبهون الخالق بالمخلوق في صفات النقص المختصة بالمخلوق التي يجب تنزيه الرب - سبحانه - عنها، كقول من قال منهم: إنه فقير وإنه بخيل، وإنه تعب لما خلق السموات والأرض، والنصارى يشبّهون المخلوق بالخالق في صفات الكمال المختصة بالخالق التي ليس له فيها مثل، كقولهم: إن المسيح هو الله، وابن الله) (٣) .

стр. 163

وقد ارتضى شيخ الإسلام ﵀ قول السلف في غلاة المجسمة أنهم كفار، وبين أن اليهود من غلاة المجسمة إذ يقول: (ومن غلاة المجسمة اليهود، من يحكى عنه أنه قال: إن الله بكى على الطوفان حتى رمد، وعادته الملائكة، وأنه ندم حتى عض يده وجرى منه الدم) (١) . وذكر أن هذا كفر واضح صريح (٢) . وأجاب ﵀ عن ما حكاه القرآن عن اليهود بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤] ، فقال: (اليهود أرادوا بقولهم: يد الله مغلولة: أنه بخيل، فكذبهم الله في ذلك، وبيّن أنه جواد لا يبخل، فأخبر أن يديه مبسوطتان، كما قال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً﴾ [الإسراء: ٢٩] . فبسط اليدين المراد به الجود والعطاء، ليس المراد ما توهموه من بسط مجرد. ولما كان العطاء باليد يكون ببسطها صار من المعروف في اللغة: التعبير ببسط اليد عن العطاء. فلما قالت اليهود: يد الله مغلولة، وأرادوا بذلك: أنه بخيل كذبهم الله في ذلك، وبين أنه جواد ماجد) (٣) . وبين ﵀ أن القرآن ذم اليهود على ما وصفوه بالنقائص في مثل قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] (٤) .

стр. 164

موقفه من أبي البركات: ومن أسباب ربط معتقد ابن تيمية ﵀ باليهود: مناقشات ابن تيمية ﵀ لأبي البركات البغدادي (ت - ٥٤٧هـ) ﵀، ونقله من كتابه (المعتبر في الحكمة) (١) . وقد اشتهر بين الفلاسفة بـ (أوحد الزمان) ، كان يهودياً فأسلم وحسن إسلامه، كما قال عنه القفطي (٢) : (أبو البركات: اليهودي في أكثر عمره، المهتدي في آخر أمره، أوحد الزمان طبيب فاضل) (٣) . وذكر ابن أبي أصيبعة (٤) عنه بغضه لليهود بعد إسلامه فقال: (كان يهودياً وأسلم بعد ذلك ... ولم يكن يقرئ يهودياً أصلاً ... وكان أوحد الزمان لما أسلم يتنصل كثيراً من اليهود ويلعنهم ويسبهم) (٥) . وبهذا يتضح إسلام أبي البركات وبغضه لليهود من جهة، وعدم صلة ابن تيمية ﵀ باليهود، إذ مناقشاته لرجل كان يهودياً فأسلم، وصار في عداد المسلمين (٦) .

стр. 165

وفي مناقشات شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لأبي البركات (ت - ٥٧٤هـ) يظهر جلياً إنصاف شيخ الإسلام ابن تيمية له، فقد كان يقره على ما معه من الصواب، ويرد عليه ويناقشه في المواضع التي زلّ فيها: وبادئ الأمر فقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عنه أنه من أساطين الفلاسفة وأئمتهم المتأخرين (١) . وأن أبا البركات (ت - ٥٤٧هـ) أقرب إلى الحق من الفلاسفة النفاة المتقدمين فقال: (إن ابن سينا (٢) وابن رشد (٣) ، وأبا البركات ونحوهم من الفلاسفة، أقرب إلى صحيح المنقول وصريح المعقول من النفاة الملحدين) (٤) .

стр. 166

وبيّن الفرق بين كلام قدماء الفلاسفة، ومتأخريهم، وبيّن السبب في قرب المتأخرين من الوحي، وضلال المتقدمين بقوله: (كان كلام قدمائهم في العلم بالله تعالى قليلاً، كثير الخطأ، فإنما كثر كلام متأخريهم لما صاروا من أهل الملل، ودخلوا في دين المسلمين واليهود والنصارى، وسمعوا ما أخبرت به الأنبياء من أسماء الله وصفاته وملائكته وغير ذلك، فأحبوا أن يستخرجوا من أصول سلفهم ومن كلامهم، ما يكون فيه موافقة لما جاءت به الأنبياء، لما رأوا في ذلك من الحق العظيم الذي لا يمكن جحده، والذي هو أشرف المعارف وأعلاها، فصار كل منهم يتكلم بحسب اجتهاده فالفارابي (١) لون، وابن سينا لون، وأبو البركات صاحب المعتبر لون، وابن رشد الحفيد لون والسهروردي المقتول (٢) لون، وغير هؤلاء ألوان أخر) (٣) . ثم ذكر قرب أبي البركات (ت - ٥٤٧هـ) من السنة بقوله: (ومن خالط أهل السنة وعلماء الحديث، كأبي البركات، وابن رشد، فكلامه لون آخر أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول من كلام ابن سينا) (٤) . ووضع قاعدة عامة في تقويم الفلاسفة وغيرهم فقال: (إن كل من كان إلى السنة وإلى طريقة الأنبياء أقرب كان كلامه في الإلهيات بالطرق العقلية أصح كما أن كلامه بالطرق النقلية أصح؛ لأن دلائل الحق وبراهينه تتعاون وتتعاضد، لا تتناقض وتتعارض) (٥) .

стр. 167

وعقد شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ مقارنة بين أبرز الفلاسفة المتأخرين، ومدى تأثير البيئة عليهم في قربهم وبعدهم من الحق فقال: (ابن سينا نشأ بين المتكلمين النفاة للصفات، وابن رشد نشأ بين الكلابية، وأبو البركات نشأ ببغداد بين علماء السنة والحديث، فكان كل من هؤلاء بعده عن الحق بحسب بعده عن معرفة آثار الرسل، وقربه من الحق بحسب قربه من ذلك) (١) . وجعله ﵀ من مثبتة الصفات، وأنه أفضل من غيره من الفلاسفة الذين لا يثبتونها، وأنه أثبت علم الرب بالجزئيات، وله مقالة رد فيها على أرسطو (٢) في علم الله بالجزئيات (٣) فقال: (وأما أبو البركات صاحب المعتبر ونحوه، فكانوا بسبب عدم تقليدهم لأولئك، وسلوكهم طريقة النظر العقلي بلا تقليد، واستنارتهم بأنوار النبوات، أصلح قولاً في هذا الباب من هؤلاء وهؤلاء (٤) ، فأثبت علم الرب بالجزئيات ورد على سلفه رداً جيداً، وكذلك أثبت صفات الرب وأفعاله، وبين ما بينه من خطأ سلفه، ورأى فساد قولهم في أسباب الحوادث، فعدل عن ذلك إلى أن أثبت للرب ما يقوم به من الإرادات الموجبة للحوادث) (٥) .

стр. 168

ومع هذا الثناء عليه من قبل شيخ الإسلام ﵀ وإنصافه له، فقد بين - أيضاً - بالمقابل أخطاءه، فلم يقره عليها، وناقشه فيها. فأثبت بأنه يقول بقدم بعض العالم، وأن الله أراد القديم بإرادة قديمة، وأراد الحوادث المتعاقبة عليه بإرادات متعاقبة (١) . وناقشه نقاشاً مطولاً (٢) . وجعل قوله في مسألة كلام الله مخالفاً لقول أهل السنة والجماعة (٣) ، وله ردود جزئية أخرى عليه (٤) . موقفه من الكرامية: أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عمن ربط مذهب السلف بمذهب الكرامية، بأن السلف تحدثوا في المسائل الشرعية قبل أن تخلق الكرامية وتوجد، وعليه فتنتفي شبهة نسبة مذهب السلف أو أحد السلف إلى مذهب الكرامية. قال ﵀ مناقشاً الجويني (ت - ٤٧٨هـ) في بعض جزئيات مذهب الكرامية في كلام الله : (إن السلف وأئمة السنة والحديث، بل من قبل الكرامية من

стр. 169

الطوائف لم يكن يلتفت إلى الكرامية وأمثالهم، بل تكلموا بذلك قبل أن يُخلق الكرامية، فإن ابن كرام كان متأخراً بعد أحمد بن حنبل، في زمن مسلم بن الحجاج (١) وطبقته، وأئمة السنة والمتكلمون تكلموا بهذه قبل هؤلاء) (٢) . وفي مقام بيان الحق تجاه الكرامية: يبين ابن تيمية ﵀ قرب الكرامية من أهل السنة والحديث (٣) . وحين ناقش مسألة (الجسم) ، ذكر أن الكرامية وإن أخطؤوا في إثبات لفظ الجسم، ونسبته إلى الله ، إلا أنهم وافقوا أهل السنة في تفسير الجسم وأنه الموجود، أو القائم بنفسه (٤) . ووافقوا أهل السنة في إثبات القدر إجمالاً: ففي مسألة الظلم وافقوا الجمهور في أن الظلم مقدور لله ، وأن الله تعالى منزه عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً﴾ [طه: ١٢٢] (٥) . وفي مسألة المحبة والمشيئة: وافقوا السلف في التفريق بينهما (٦) . وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موافقتهم السلف في الموقف من الخلفاء الراشدين، وتفضيل عثمان (٧) ﵁ (٨) .

стр. 170

قال ﵀: (والكرامية وأمثالهم هم - أيضاً - من القائلين بالقدر، المثبتين لخلافة الخلفاء، والمفضلين لأبي بكر (١) ، وعمر (٢) ، وعثمان) (٣) . وأثبتوا بعض الصفات: كالعلو، والنزول، والرؤية، والاستواء، والعلم، والكلام، وأثبتوا اليد والوجه لله ، إلا أن في إثباتهم لبعضها شيئاً من القصور والخلل - كما سأبين بعضه بعد قليل -. ويبين ﵀ أن ما يحمدون عليه أحد أمرين: إما موافقة أهل السنة. وإما الرد على المبتدعة. فقال: (وكذلك متكلمة أهل الإثبات، مثل الكلابية، والكرامية، والأشعرية، إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة، بما أثبتوه من أصول الإيمان، من إثبات الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم، وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية، من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث بيان تناقض حججهم) (٤) .

стр. 171

وفي مقام مناقشة ابن تيمية ﵀ للكرامية: أثبت أنهم من أهل الكلام ووصفهم بأنهم من (متكلمة أهل الإثبات) (١) . وذكر أنهم مجسمة أي: ممن يثبت الجسم لله مطلقاً، بدون استفصال (٢) . وفي معرض ذكر أقوال الفرق في كلام الله : بيّن ﵀ أن قول الكرامية لا يوافق قول أهل السنة بإطلاق، وهو: أن الله - عندهم - تكلم بعد أن لم يكن متكلماً، فقال ﵀: (قول الهشامية والكرامية ومن وافقهم، أن كلام الله حادث قائم بذات الله بعد أن لم يكن متكلماً بكلام، بل ما زال عندهم قادراً على الكلام، وإلا فوجود الكلام عندهم في الأزل ممتنع، كوجود الأفعال عندهم ... ) (٣) . وبين ابن تيمية ﵀ أن هذا القول باطل، أبطله السلف بأن ما يقوم به من نوع الكلام والإرادة والفعل: إما أن يكون صفة كمال أو صفة نقص، فإن كان كمالاً فلم يزل ناقصاً حتى تجدد له ذلك الكمال، وإن كان نقصاً فقد نقص بعد الكمال. ونبه إلى أن قول الكرامية في كلام الله لم يقل به أحد من أصحاب الإمام أحمد ﵀ (٤) .

стр. 172

وذكر ﵀ أنهم يقولون بإثبات الجهة بدون استفصال (١) . وأنهم أثبتوا وجود الصانع بطريق الحدوث والإمكان (٢) . وفي مسألة الإمامة، ذكر أنهم: يرون أن علياً (ت - ٤٠هـ) ومعاوية (٣) ﵄ كلاهما مصيب، وعليه: فيجوز عقد البيعة لإمامين في وقت واحد عند الحاجة (٤) . وناقشهم في مسألة (الإيمان) بعد أن ذكر أن: (قولهم في الإيمان قول منكر، لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمناً، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم) (٥) . وأنصفهم ﵀ وهو يذكر قولهم، حين زعم بعض الناس أنهم يقولون بأن من تكلم بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وبين أن ذلك غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وأنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن

стр. 173

الكامل الإيمان معذباً في النار، بل يكون مخلداً فيها (١) . فناقشهم بما تواتر عن النبي ﷺ ، بأنه يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان (٢) . وبدأ ﵀ يذكر لوازم قولهم الفاسد بأنهم إذا قالوا: لا يخلد وهو منافق، لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، وقد قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا﴾ [النساء: ١٤٥] . وقد نهى الله نبيه ﵊ عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم، وقال له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة:٨٠] (٣) وقال: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] ، وقد أخبر أنهم كفروا بالله ورسوله. وألزم ﵀ الكرامية، إن قالوا بأن المنافقين يتكلمون بألسنتهم سراً فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمناً إذا تكلم بلسانه، ولم يتكلم بما ينقضه، فإن ذلك ردة عن الإيمان؛ بأنهم لو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين، كما قال الله : ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ٦٤] . وأيضاً فقد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم

стр. 174

كاذبون فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨] ، وقال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] . وقال سبحانه: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٧] . وأخيراً: بين ابن تيمية ﵀ سبب ذم السلف للكرامية، وهو مخالفتهم السنة والحديث، وانحرافهم عن المنهج القويم، والاعتقاد الحق (١) . ولعل سبب نسبة شيخ الإسلام إلى الكرامية ممن نسب إليه ذلك، تعود إلى أن شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ بين أن مذهب الكرامية أقرب إلى الحق من مذهب المعطلة؛ لأنهم وافقوا أهل الإثبات وأهل السنة في إثبات موجود قائم بنفسه، وإن كانوا أخطؤوا في تسميته جسماً، وهذا سوء فهم منهم لكلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فإن شيخ الإسلام لم يصوب مذهب الكرامية بل بين أنهم أقرب إلى الحق من المعطلة، حيث إنهم أثبتوا موجوداً قائماً بنفسه، والمعطلة لم يثبتوا شيئاً، فإن كان مع سوء الفهم سوء قصد فقد أوغلوا في الضلال والانحراف. موقف ابن تيمية ﵀ من نسبة التجسيم إلى الحنابلة: إن نسبة التجسيم إلى الحنابلة أمر اختص به نفاة الصفات دون غيرهم، فكل من نفى شيئاً من الصفات أطلق على من أثبته لقب التجسيم. ولما كان الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ إماماً لأهل السنة، ورافع راية إثبات الصفات على المنهج الوسط، منهج أهل السنة والجماعة: إثبات بلا تشبيه ولا تعطيل. وتبعه أصحابه وتلامذته، وكل من ارتضى منهجه العقدي من أصحاب المذاهب الفقهية الأخرى.

стр. 175

لما كان الأمر كذلك: أطلق نفاة الصفات على من أثبت الصفات هذا المصطلح (مجسمة الحنابلة) ، زوراً وبهتاناً. وقد أجاب الإمام ابن قدامة المقدسي (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ قبل ابن تيمية ﵀ على هذه الدعوى، وناقشها، مبيناً أن مذهب الحنابلة هو: الإثبات مع التنزيه، وليس هو التشبيه والتجسيم. وأما إن كان المراد بالتجسيم هو الإثبات مع التنزيه، فهذا شرف للحنابلة أن ينسب إليهم هذا الأمر، لكن تسمية ذلك تجسيماً خطأ، فقال ﵀: (سمعت بعض أصحابنا يقول: سمعت قوماً يقولون: الحنابلة يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] ، قال: فقلت لهم: يا قوم الله الله، إنكم لتنسبون إلى الحنابلة شيئاً ما يصلحون له، ولا يبلغون إليه، هذا قول الله : ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء: ٨٨] . فجعلتموه قولاً للحنابلة، ورفعتم قدرهم حتى جعلتموهم أهلاً لذلك) (١) . وبين ابن قدامة (ت - ٦٢٠هـ) ﵀ التجسيم الحقيقي وهو: حمل صفات الله على صفات المخلوقين، وأن الحنابلة لا يقرون بذلك امتثالاً لقول الحق ﵎: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] (٢) . وبين ابن تيمية ﵀ سبب إطلاق هذا المصطلح على المثبتة، وخصوصاً على الحنابلة وهو: أنه لما راجت سوق نفاة الصفات في عهد الإمام أحمد بن حنبل (ت - ٢٤١هـ) ﵀، سموا من أثبت الصفات مجسماً، وقالوا: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يرى ونحو ذلك. حينها قام الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀

стр. 176

بالإنكار عليهم، وإظهار السنة والصفات، وظهر ذلك في جميع أهل السنة والحديث من جميع الطوائف، وصاروا متفقين على تعظيم الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀ وجعله إماماً للسنة (١) . (ولهذا ما زال كثير من أئمة الطوائف، الفقهاء وأهل الحديث، والصوفية، وإن كانوا في فروع الشريعة متبعين بعض أئمة المسلمين - رضي لله عنهم أجمعين - فإنهم يقولون: نحن في الأصول أو في السنة على مذهب الإمام أحمد بن حنبل) (٢) . وبين أن ارتباطهم به ليس لاختصاصه عن غيره بقول لم يقله الأئمة، ولا طعناً في غيره من الأئمة بمخالفة السنة؛ بل لأنه أظهر من السنة التي اتفقت عليها الأئمة قبله أكثر مما أظهروه، فظهر تأثير ذلك لوقوعه وقت الحاجة إليه، وظهور المخالفين للسنة، وقلة أنصار الحق وأعوانه (٣) ولهذا أطلق النفاة على من أثبت الصفات حنبلياً مجسماً. وبين أن الحنابلة أكثر اتباعاً لألفاظ القرآن والحديث من غيرهم، (لكثرة الاعتناء بالسنة والحديث، والائتمام بمن كان بالسنة أعلم وأبعد عن الأقوال المتطرفة في النفي والإثبات) (٤) . وبين ﵀ أن تنازع الحنابلة كان في الأمور الصغيرة (الدِّق) ، أما الأصول الكبار فمتفقون عليها (٥) . وأنه ليس فيهم من أطلق لفظ الجسم (٦) .

стр. 177

وأن المشبهة والمجسمة في غير أصحاب أحمد (ت - ٢٤١هـ) أكثر منهم فيهم (١) . وذكر أنه لا يضر الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) أن ينتسب إليه أناس هو منهم بريء، كما قد انتسب إلى مالك (ت - ١٧٩هـ) أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) أناس هو بريء منهم، وانتسب إلى أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) أناس هو بريء منهم، وقد انتسب إلى علي بن أبي طالب (ت - ٤٠هـ) ﵁ أناس هو بريء منهم، ونبينا محمد ﷺ قد انتسب إليه من القرامطة والباطنية وغيرهم من أصناف الملحدة والمنافقين من هو بريء منهم (٢) . وأنه لا يوجد نوع غلو في بعض الحنابلة، إلا ويوجد في غيرهم من الطوائف ما هو أكثر منه (٣) . بهذا تبين لنا أن إطلاق هذا المصطلح (مجسمة الحنابلة) من قبل النفاة على مثبتة الصفات، إنما هو في الحقيقة: تزكية لهم بسلوكهم المسلك الصحيح، والاعتقاد الحق في أسماء الله وصفاته ألا وهو الإثبات مع نفي المماثلة والتعطيل. وتبين لنا - أيضاً - أن رمي ابن تيمية ﵀ بأنه تأثر بمجسمة الحنابلة، إنما هو تزكية له باتباع منهج السلف المتقدمين في أسماء الله وصفاته. وأما الأسماء التي حددها المناوئون لابن تيمية، وجعلوها هي التي أثرت على ابن تيمية ﵀ في اعتقاده في الأسماء والصفات فلم تنطلق من دراسة واسعة لكتب ابن تيمية ﵀ ولو درسوا كتبه لما اختاروا هذه الأسماء.

стр. 178

أما الإمام البربهاري (ت - ٣٢٩هـ) ﵀ فلم نجد ابن تيمية ﵀ يكثر ذكره في كتبه وينقل منه حتى ندرس مظاهر ذلك التأثر التي يزعمها المناوئون. وأما القاضي أبو يعلى (ت - ٤٥٨هـ) ، فقد كان موقف ابن تيمية ﵀ منه معتدلاً منصفاً، فتارة يرد عنه شبهة، وتارة يناقشه في خطأ وهكذا - كما سيتبين بعضه -. ولمعرفة عقيدة الإمام البربهاري (ت - ٣٢٩هـ) ﵀ ننظر في أقواله: هل هو من المشبهة؟ أم من المعطلة؟ أم من أهل السنة والجماعة؟ قال ﵀ في بيان عقيدته في التمسك بالأثر، وترك التشبيه: (اعلم - رحمك الله - أنه ليس في السنة قياس، ولا تضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، بل هو التصديق بآثار رسول الله ﷺ بلا كيف ولا شرح ولا يقال: لم؟ ولا كيف؟) (١) . وقال - أيضاً -: (لا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بيّن رسول الله ﷺ لأصحابه، فهو جل ثناؤه واحد: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] ، ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وهو على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، ولا يخلو من علمه مكان) (٢) . وقال ﵀: (ولا يقول في صفات الرب تعالى لِمَ؟ إلا شاك في الله ﵎ (٣) . وذكر ﵀ أصول الإيمان، وناقش المبتدعة وبين أصول الابتداع وأسبابه، وحذر منه، وناقش الجهمية، وبيّن موقف الإمام أحمد (ت - ٢٤١هـ) ﵀

стр. 179

وغيره من العلماء منهم (١) . ومن خلال دراسة اعتقاده ﵀ تبين لنا أنه من أئمة السلف في الاعتقاد. وأما القاضي أبو يعلى (ت - ٤٥٨هـ) ﵀: فقد نسب إليه القاضي أبو بكر بن العربي (٢) ﵀ أنه يقول بالتشبيه فقال: (أخبرني من أثق به من مشيختي أن أبا يعلى محمد بن الحسين الفراء - رئيس الحنابلة ببغداد - كان يقول إذا ذكر الله تعالى، وما ورد من هذه الظواهر في صفاته يقول: ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه، إلا اللحية والعورة ... ) (٣) . لكن ابن تيمية ﵀ يشكك في صحة هذه القصة ويكذبها؛ لأنها رويت عن طريق مجهول لم يسم (٤) . لكنه مع ذلك لم يبرئ ساحة القاضي أبي يعلى (ت - ٤٥٨هـ) تماماً، بل بين أن في كلامه ما هو مردود نقلاً وتوجيهاً، وفي كلامه شيء من التناقض (٥) . وقد ألصق ابن الأثير (ت - ٦٣٠هـ) ﵀ تهمة التجسيم بأبي يعلى (ت - ٤٥٨هـ) ﵀ بما جاء في كتاب القاضي (إبطال التأويلات) فقال عنه: (أتى فيه بكل عجيبة، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض - تعالى الله عن ذلك -) (٦) .

стр. 180

لكن ابن تيمية ﵀ يعطي تقويماً لهذا الكتاب أدق، وأنصف وأعدل، حين بيّن أن الكتاب رد على ابن فورك (١) شيخ القشيري (٢) ، وأنه قد حصلت فتنة بسبب الكتاب فقال: (أكثر الحق فيها كان مع الفرائية (٣) مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوع من الحق مع كثير من الباطل) (٤) . وذكر ابن تيمية ﵀ عنه أنه ممن يقول بنفي الجسم (٥) . ويجعله ابن تيمية ﵀ من المفوضة (٦) الذين لا يفسرون معاني نصوص
следующие страницы →