← Акыда

Акыда · id 9585

دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية - عرض ونقد

عبد الله بن صالح الغصن

Полный текст (645 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

ثم بيّن ﵀ السبب في تسرع بعض الناس إذا وجد قولاً أو قولين حكم بالإجماع بأنه ناتج عن الظن الفاسد، والجهل بأقوال أهل العلم، مما ينتج عنه عدم معرفة مظان الإجماع فيقول: (لكن من لم يعرف أقوال العلماء قد يظن الإجماع من عدم علمه النزاع، وهو مخطيء في هذا الظن لا مصيب، ومن علم حجة على من لم يعلم، والمثبت مقدم على النافي) (١) . وإذا ادعى مدع أن غيره خالف الإجماع فلا يقبل قوله إلا إذا كان ممن يعرف الإجماع والنزاع، وهذا يحتاج إلى علم عظيم يظهر به ذلك؛ لأن دعوى الإجماع من علم خاصة العلماء الذي لا يمكن الجزم فيه بأقوال العلماء، وغاية الأمر أن مدعي الإجماع لا يعلم منازعاً في المسألة، لا أنه يجزم بنفي المنازع؛ لأن عدم العلم لا يعني العلم بالعدم (٢) . ومن زعم أن ابن تيمية ﵀ قد خالف الإجماع، فإن هذه الدعوى تقلب عليه لينقلب مدحوراً، فيطالب بدليل واحد من القرآن يبيح ما أفتى ابن تيمية بحرمته، أو بدليل من السنة، أو بقول أحد من الصحابة، أو التابعين، أو المشهود لهم بالعلم والتقى والاعتقاد الحق من سلف الأمة، ولن يجدوا حتى يلج الجمل في سم الخياط، فلم يخالف ابن تيمية ﵀ إلا أهواء المبتدعة، وتحريفهم لمعاني نصوص الكتاب والسنة، وأغاليطهم على سلف الأمة. فالإجماع على خلاف ما ذكروه، كما يقول ﵀: (ثم سلف الأمة، وأئمتها، وعلماؤها إلى هذا التاريخ سلكوا سبيل الصحابة في التوسل في الاستسقاء بالأحياء الصالحين الحاضرين، ولم يذكر أحد منهم في ذلك التوسل بالأموات، لا من الرسل ولا من الأنبياء، ولا من الصالحين. فمن ادعى أنه علم هذه التسوية التي جهلها علماء الإسلام، وسلف الأمة، وخيار الأمم، وكفّر من أنكرها، وضلله: فالله تعالى هو الذي يجازيه

стр. 422

على ما قاله وفعله) (١) . ومن باب ذكر المثال ممن تقدم ابن تيمية ﵀ من السلف على تحريم التوسل، ما نقله فقهاء الحنفية عن أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ وصاحبه أبي يوسف (٢) ، ﵀ من أنهما يحرمان التوسل بحق فلان، أو بحق الأنبياء والرسل (٣) . وحين يلزم ابن تيمية ﵀ في باب العبادات التوقيف؛ فما ورد فإنه يقبل، وما لم يرد فإنه يرفض ويرد، فإن المناوئين لا تعجبهم هذه المنهجية الدقيقة؛ لأنها تحجر عليهم كثيراً من بدعهم، ومخترعاتهم في الشرع، فيزعم زاعم أنه ربما وقعت بعض أنواع التوسل التي ينكرها ابن تيمية لكنها لم تنقل إلينا، وبعضهم يرى أن ابن تيمية يتيه في بيداء العدم حين يلتزم بهذه المنهجية (٤) . لكن هذه المزاعم مرفوضة: فلو وقعت أنواع من التوسل غير ما ذكر في الأحاديث والآثار الصحيحة لنُقل أيضاً؛ لأن الشرع محفوظ فقد نقل الصحابة ما هو أدق من هذا الموضوع المهم، فكيف يجمع الصحابة ويطبقون على عدم

стр. 423

نقله: إما أن يكونوا جهلة، أو أنهم يكتمون الحق لغرض في نفوسهم، وكلا الأمرين باطل ممتنع، فلا يبقى إلا القول بأنه لم يقع في عهد رسول الله ﷺ ، ولا عهد الصحابة شيء من ذلك ويقرون عليه. ويجاب عنهم - أيضاً -: بأن هذه العبارة وهي قولهم: إنه يتيه في بيداء العدم يلزم منها عدم كمال الدين، وعدم تبليغ الرسول ﷺ البلاغ المبين، حتى يجتهد أولئك في اختراع عبادات لم تكن في عهد الرسول ﷺ ، على احتمال أن تكون وقعت ولم تنقل إلينا، وقد أخبر الله بكمال الدين في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ [المائدة: ٣] . لكن المناوئين لابن تيمية: لا يقولون بهذا إلا فيما يخالف أهواءهم، وإلا فهم يذكرون عن مسائل أنها لا تجوز لعدم ورودها، ومع ذلك لا يرد بعضهم على بعض فيها، وهذا يدل على أنهم يتبعون أهواءهم، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠] . مثال ذلك قول ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) : (أنكر العز بن جماعة (١) هذا الموقف كالعَود بعد السلام على الشيخين ﵄ (٢) إلى موقفه الأول محتجاً بأن واحداً منهما لم يرد عن الصحابة، ولا التابعين) (٣) وأقره عى هذا. وقال - أيضاً -: (ويظن من لا علم له أنه - أي الانحناء للقبر الشريف - من شعار التعظيم، وأقبح منه تقبيل الأرض له؛ لأنه لم يفعله السلف الصالح، والخير كله في اتباعهم) (٤) .

стр. 424

والمناوئون يسلكون كل الطرق لإقناع الناس بشبهاتهم وبدعهم، ومن عجيب أمرهم مع ابن تيمية ﵀ أن قال بعضهم بأنه يرى التوسل البدعي!، ويوافق عليه، فإذا أجاز التوسل بدعائه، فقد أجاز التوسل بذاته، وأن ابن تيمية أثبت جواز التوسل بالنبي ﷺ دون تفريق أو تفصيل بين حياته وموته، وحضوره وغيابه (١) . وهذا من عجائب المناوئين، فلا يدرون: أيقولون بأنه يمنع التوسل البدعي: تحذيراً لمن يضللونه من ابن تيمية، أم يقولون بأنه يقول بقولهم ويوافقهم: ويحرفون النصوص لأجل ذلك؛ إثارة للفتنة، وتلبيساً على العامة. وأما التوسل بالشخص سواء كان نبياً أو ولياً صالحاً، فلم يمنع ابن تيمية ﵀ ذلك، وإنما قال: إن هذا اللفظ فيه إجمال واشتراك: - فإن أريد به التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، والتوسل بدعاء الصالحين في حياتهم فهذا جائز. وأما إن أريد به: التوسل بذات النبي ﷺ ، أو ذوات الصالحين في حياتهم أو بعد مماتهم فهذا غير جائز، ولا يقره ابن تيمية ﵀ ولا السلف السابقون. فقال ﵀ عن الأول الجائز: (دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، واستغفارهم وشفاعتهم هو سبب ينفع، إذا جعل الله تعالى المحل قابلاً له) (٢) . وقال عن دعاء الصالحين بعد ما بين أن الصحابة كانوا يتوسلون بدعاء الرسول ﷺ في حياته: (فهذا كان توسل الصحابة به في حياته، فلما مات توسلوا بدعاء غيره، كدعاء العباس، وكما استسقى معاوية، بيزيد بن الأسود

стр. 425

الجرشي (١) (٢) . وقال عن الثاني الممنوع، وهو التوسل بذات النبي ﷺ ، أو ذوات الصالحين: (وأما التوسل بدعائه وشفاعته - أي الرسول ﷺ كما قال عمر - فإنه توسل بدعائه لا بذاته، ولهذا عدلوا عن التوسل به إلى التوسل بعمه العباس، ولو كان التوسل هو بذاته، لكان هذا أولى من التوسل بالعباس) (٣) . وأما استدلال المناوئين باستسقاء عمر (ت - ٢٣هـ) بالعباس (ت - ٣٢هـ) ﵄ على جواز التوسل بالذوات، وبالصالحين، فهو استدلال ظاهر البطلان، وذلك من جوه: ١ - أن النصوص الشرعية يفسر بعضها بعضاً، ويدل بعضها على بعض، وحديث توسل عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ مما يتفق فيه المبتدعة وأهل السنة على تقدير محذوف فيه، ولكن ما هو هذا التقدير في قوله: (كنا نتوسل إليك بنبينا.. وبعم نبينا) . أما المناوئون، فيرون أن المحذوف تقديره: بجاه نبينا، وقد بينا بطلان التوسل بالجاه - كما تقدم -. وأما أهل السنة فيرون أن تقدير المحذوف: بدعاء نبينا، وبدعاء العباس، وهذا تقدم بيانه ويوضحه الوجوه القادمة - أيضاً -. ٢ - أن الصحابة إذا أجدبوا، واحتاجوا الماء كان من عملهم أن يأتوا إلى الرسول ﷺ في حياته فيطلبون منه أن يدعو الله لهم، وأن يسأل الله إنزال الغيث فيفعل ذلك رسول الله ﷺ مراراً.

стр. 426

ولم يكن الصحابة - رضوان الله عليهم - إذا احتاجوا إلى المطر والسقيا يذهبون إلى بيوتهم ويمكثون فيها، ويقولون: اللهم بنبيك محمد اسقنا الغيث، وهذا معلوم لمن نظر واستبصر بالنصوص. ٣ - أن قول عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁: (وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا) معناه: أننا توسلنا بأمر يقدر عليه العباس (ت - ٣٢هـ) ، ولا يقدر عليه رسول الله ﷺ ، وهو الدعاء في هذا الوقت بعد وفاة الرسول ﷺ ، فطلبنا منه أن يدعو لنا لتغيثنا، فالتوسل بالعباس (ت - ٣٢هـ) ممكن، والتوسل برسول الله ﷺ بعد وفاته غير ممكن، ولهذا عدل عمر (ت - ٢٣هـ) عن التوسل برسول الله ﷺ إلى التوسل بعمه العباس (ت - ٣٢هـ) . قال ابن تيمية ﵀: (لو كان توسلهم به في مماته كتوسلهم به في حياته لكان توسلهم به أولى من توسلهم بعمه العباس ويزيد وغيرهم. فهل كان فيهم في حياته من يعدل عن التوسل به، والاستشفاع إلى التوسل بالعباس وغيره؟. وهل كانوا وقت النوازل والجدب يَدَعونه ويأتون العباس؟) (١) . ٤ - ليس من المعقول أن يقر الصحابة عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ على الانصراف عن التوسل بالنبي ﷺ إلى التوسل بغيره، ولم ينكروا عليه، فيلزم أحد أمرين: (إما أن يكون المهاجرون والأنصار جاهلين بهذه التسوية وهذا الطريق. أو أنهم سلكوا في مطلوبهم أبعد طريق) (٢) . ٥ - لو كان التوسل بالذوات بعد الممات ممكنا - كما يقوله المبتدعة - لكان العدول عن التوسل بالنبي ﷺ إلى العباس (ت - ٣٢هـ) في أصعب الظروف

стр. 427

سخفاً ترفضه العقول السوية، خاصة وأنهم يقولون بحياة الأنبياء في قبورهم حياة حقيقية كحياتهم الدنيوية. ٦ - أن الحديث بين أن عمر بن الخطاب (ت - ٢٣هـ) كان إذا قحطوا، استسقى بالعباس (ت - ٣٢هـ) . وفي هذا اللفظ إشارة إلى تكرار استسقاء عمر (ت - ٢٣هـ) بالعباس (ت - ٣٢هـ) ﵄، وليس من باب التعليم للناس بجواز التوسل بالمفضول مع وجود الفاضل. ٧ - أن الآثار قد بينت دعاء العباس (ت - ٣٢هـ) ﵁ ربه في الاستسقاء، وفي هذا رد على من قال إن التوسل كان بذاته لا بدعائه. ٨ - لو كان التوسل بذات العباس (ت - ٣٢هـ) وجاهه عند الله، لما جاز أن يترك التوسل بذات الرسول ﷺ وجاهه، لجاه غيره وذاته. ٩ - أن عمر (ت - ٢٣هـ) ﵁ قد أُمرنا بالاقتداء به شرعاً، كما قال ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (١) . وقوله ﷺ : «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر» (٢) . وقد وافق القرآن مرات عديدة. فعدوله ﵁ عن التوسل بالرسول ﷺ بعد مماته، إلى التوسل بدعاء غيره هو من سنة الخلفاء الراشدين (٣) .

стр. 428

وأما سؤال الخلق فهو قسمان: سؤال الخلق في حياتهم، وسؤال الخلق بعد مماتهم. أما سؤال الخلق: فهو في الأصل محرم، ويجوز في حالات، وتركه توكلاً أفضل كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨] ، أي ارغب إلى الله لا إلى غيره. وعن عوف بن مالك (١) أن النبي ﷺ بايع طائفة من أصحابه وأسرّ كلمة خفية أن لا تسألوا الناس شيئاً. قال عوف: (فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فما يسأل أحداً يناوله إياه) (٢) . ومن الحالات التي يجوز فيها أن يسأل المرء غيره شيئاً: ١ - إن كان له عند غيره حق من دين أو عين كالأمانات فله أن يسألها ممن هي عنده. ٢ - وللرجل أن يطلب حقه من أموال الغنائم من ولي أمر المسلمين. ٣ - وكذلك سؤال النفقة لمن تجب له: كالزوجة والأولاد. ٤ - وأمور البيع والشراء: البائع يطلب الثمن، والمشتري يطلب السلعة. ٥ - ومن السؤال ما لا يكون مأموراً به، إلا أن المسؤول مأمور بإجابة السائل، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: ١٠] ، وقال:

стр. 429

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: ٢٤ - ٢٥] . وقد يكون السؤال منهياً عنه نهي تحريم أو تنزيه، وإن كان المسؤول مأموراً بإجابة سؤاله، فالنبي ﷺ كان من كماله أن يعطي السائل، وإن كان نفس سؤال السائل منهياً عنه، قال ابن تيمية ﵀ في ذلك: (ولهذا لم يعرف قط أن الصديق ونحوه من أكابر الصحابة سألوه شيئاً من ذلك، ولا سألوه أن يدعو لهم، وإن كانوا قد يطلبون منه أن يدعو للمسلمين) (١) ، وضرب لذلك دليلاً بقول عمر (ت - ٢٣هـ) لرسول الله ﷺ في نحر بعض الدواب خوف ملاقاة العدو وهم جياع: (إن رأيت أن تدعو الناس ببقايا أزوادهم فتجمعها، ثم تدعو الله بالبركة، فإن الله يبارك لنا في دعوتك) (٢) . ومن السؤال ما يكون مأموراً به، ويكون المسؤول مأموراً بإجابته - أيضاً - لمن كان عنده إجابته كسؤال العلم، فإن الله أمر بسؤال العلم، كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] ، وقال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَأُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] ، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف: ٤٥] . وأما سؤال المخلوق المخلوق أن يقضي حاجة نفسه، أو يدعو له فلم يؤمر به (٣) . وأما من طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله مثل أن يطلب شفاء مريضه، أو وفاء دينه، أو عافية أهله، أو غفران ذنبه، فهذه الأمور كلها لا يجوز أن

стр. 430

تطلب إلا من الله فلا تطلب لا من ملك ولا نبي ولا ولي (١) ، وهي نوع من الشرك. وأما سؤال الخلق بعد مماتهم: فلا يجوز مطلقاً لا سؤال الأنبياء، ولا الأولياء، ولا غيرهم من باب أولى، كما قال ابن تيمية ﵀: (وأما سؤال الميت فليس بمشروع ولا واجب ولا مستحب بل ولا مباح (٢) ، ولم يفعل هذا قط أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا استحب ذلك أحد من سلف الأمة؛ لأن ذلك فيه مفسدة راجحة، وليس فيه مصلحة راجحة) (٣) . وقال: (لا يجوز أن يُسأل الميت شيئاً، لا يطلب منه أن يدعو الله ولا غير ذلك، ولا يجوز أن يُشكى إليه شيء من مصاب الدنيا والدين) (٤) . والأنبياء والصالحون لا يقرون أحداً يعبدهم أو يغلو فيهم في حياتهم وهم يعلمون، بل ينهون عن ذلك ويعاقبونهم عليه، كما قال الله عن عيسى ﵊: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] . وهذا شأن أنبياء الله وأوليائه، وإنما يقر الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علواً في الأرض وفساداً، كفرعون ونحوه، ومشايخ الضلال الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد. والفتنة بالأنبياء والصالحين واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم مما يحصل في مغيبهم وفي مماتهم (٥) .

стр. 431

وبالجملة؛ فإن سؤال الخلق فيه ثلاث مفاسد، ويجتمع فيه أنواع الظلم الثلاثة: فالمفسدة الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله، وهي من نوع الشرك. والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول، وهي من نوع ظلم الخلق. وأما الثالثة: فهي مفسدة الذل لغير الله، وهو ظلم النفس (١) . وأما من دعا المخلوقين من دون الله فقد أشرك (٢) ، ولا يوجد نص عن نبي أنه أمر بدعاء الملائكة، ولا بدعاء الموتى من الأنبياء والصالحين، فضلاً عن دعاء تماثيلهم، فإن هذا من أصول الشرك. الذي نبهت عليه الرسل (٣) . وقد أمر الله بدعائه وحده - سبحانه - فقال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] . وقال - سبحانه -: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ١٠٦] . وقال : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥] . ولا يجوز صرف الدعاء إلا لله؛ لأن الدعاء عبادة يصحبها محبة، ورغبة، وخضوع للمدعو، وقد قال رسول الله ﷺ : «الدعاء هو العبادة» (٤) .

стр. 432

ويعجب ابن تيمية ﵀ من كثير من الناس الذين نهوا عن الصلاة عند القبور سداً لذريعة الشرك، ثم هو يقصد الدعاء عندها، ويرى أن الدعاء عندها مظنة الإجابة، فكيف بمن يدعو صاحب القبر من دون الله (١) ؛ ولذا لم يكن الصحابة يطلبون من الرسول ﷺ بعد موته الدعاء، ولا يدعونه من دون الله (٢) . إن دعاء الملائكة والأنبياء والصالحين بعد موتهم وفي مغيبهم: هو من الدين الذي لم يشرعه الله، ولا ابتعث به رسولاً، ولا أنزل به كتاباً، وقد قال الله : ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ﴾ [الشورى: ٢١] ، وهذا الأمر ليس واجباً، ولا مستحباً باتفاق المسلمين، ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين (٣) . وأما مسألة حياة الأنبياء في قبورهم، فقد بينت - سابقاً - القول الصواب فيها، وأنها حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء في قبورهم، لكنها ليست كالحياة الدنيوية. وأما ما يروى من توسل الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ بأبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ﵀ فهذه: - ١- حكاية كغيرها من الحكايات التي تروى عن مجاهيل لا يعرفون، ليس لها أصل ولا سند. ٢ - أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) لما قدم بغداد لم يكن ببغداد قبر ينتاب للدعاء عنده ألبته، ولم يكن هذا العمل معروفاً على عهد الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) . ٣ - أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ قد رأى بالحجاز واليمن والشام والعراق وغيرها من قبور الأنبياء والصحابة والتابعين من كان أصحابها عنده وعند المسلمين أفضل من أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) وأمثاله من العلماء، فما باله لم يتوخ الدعاء إلا عنده.

стр. 433

٤ - أن أصحاب أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) الذين أدركوه مثل أبي يوسف (ت - ١٨٣هـ) ومحمد بن الحسن (ت - ١٨٩هـ) وزفر (١) ، والحسن بن زياد (٢) ، وطبقتهم: لم يكونوا يتحرون الدعاء لا عند قبر أبي حنيفة (ت - ١٥٠هـ) ، ولا عند قبر غيره. ٥ - أن الشافعي (ت - ٢٠٤هـ) ﵀ ثبت عنه ما يدل على نهيه عن تعظيم القبور، مثل قوله: (وأكره أن يبني على القبر مسجد، وأن يسوى، أو يصلى عليه، وهو غير مسوى، أو يصلى إليه) (٣) . وأيضاً: (كره والله تعالى أعلم أن يعظم أحد من المسلمين - يعني يتخذ قبره مسجداً -، ولم تؤمن في ذلك الفتنة والضلال على من يأتي بعد) (٤) . وبهذا يتبين أن هذه القصة مكذوبة عليه، فلم يكن في عهده ذلك، وإنما وجدت هذه الأمور - أي تعظيم القبور والتوسل بأصحابها - لما تغيرت أحوال الإسلام في المائة الرابعة (٥) .

стр. 434

المبحث الثالث دعوى أن شيخ الإسلام هو الذي ابتدع القول بعدم جواز التوسل بالنبي، ومناقشتها المطلب الأول دعوى أن شيخ الإسلام هو الذي ابتدع القول بعدم جواز التوسل بالنبي ﷺ يرى المناوئون لابن تيمية ﵀ جواز التوسل بالنبي ﷺ في أحواله الأربعة: فالحال الأول: التوسل به قبل خلقه: لحديث: «لما اقترف آدم الخطيئة، قال: يا رب أسألك بحق محمد لما غفرت لي، فقال الله: يا آدم، وكيف عرفت محمداً ولم أخلقه. قال: يا رب؛ لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيّ من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوباً: (لا إله إلا الله محمد رسول الله) ، فعرفت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك، فقال الله : صدقت يا آدم إنه لأحب الخلق إلي إذ سألتني بحقه فقد غفرت لك، ولولا محمد ما خلقتك) (١) . والحال الثاني: التوسل به ﷺ بعد خلقه في مدة حياته في الدنيا:

стр. 435

ويستدلون لذلك بحديث عثمان بن حُنيف (١) ﵁ أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي ﷺ فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: «إن شئتَ دعوت لك، وإن شئتَ أخرت ذاك، فهو خير، فقال: ادعه، فأمره أن يتوضأ، فيحسن وضوءه، فيصلي ركعتين، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه، لتقضى لي، اللهم فشفعه فيّ» ، قال: ففعل الرجل، فبرىء (٢) . والحال الثالث: التوسل به ﷺ في البرزخ كالتوسل به وهو في قبره، ويستدلون لذلك بحديث دعاء النبي ﷺ لأم علي بن أبي طالب ﵁، ومنه قوله: (اللهم بحق نبيك، والأنبياء الذين قبلي) (٣) . قال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) في بيان الدلالة الثانية: من الحديث (الثانية في التوسل به بعد وفاته؛ لأن قوله ﷺ : والأنبياء الذين من قبلي، معطوف على نبيك، وهي دلالة ظاهرة في التوسل بهم بعد وفاتهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فالتوسل به ﷺ بعد وفاته أولى) (٤) . وحديث عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ حين قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إليها، فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ ، فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون

стр. 436

بينه وبين السماء سقف، ففعلوا، فمطروا حتى نبت العشب، وسمنت الإبل، حتى تفتقت من الشحم، فسمي عام الفتق) (١) . ويذكرون قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر الرسول ﷺ فقال: السلام عليك يا رسول الله، يا خير الرسل إن الله أنزل عليك كتاباً صادقاً، قال فيه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾ [النساء: ٦٤] ، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك يا رسول الله ﷺ إلى ربي وأنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء بقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم قال راوي هذه القصة العتبي (٢) : ثم استغفر الأعرابي وانصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي ﷺ في النوم فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له، فخرجت خلفه فلم أجده (٣) . والحال الرابع: التوسل به ﷺ في عرصات القيامة، حين يلجأ الناس إليه ليشفع لهم الشفاعة العظمى (٤) .

стр. 437

ويرى المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه أول من منع التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته (١) . ويرون أنه أخرج الأحاديث الصحيحة في التوسل بالنبي ﷺ بعد وفاته، عن دلالتها حين منع التوسل به ﷺ بعد وفاته (٢) . ويرون أن من لم ير التوسل بعد وفاته، فلازمه أنه يرى أنه ليس برسول الآن، وليس له جاه (٣) . ويرون أن من أنكر التوسل بالنبي ﷺ بحجة أنه بدعة فهو ذو فهم سقيم، وصدر ضيق، فروح الشريعة الإسلامية توجب التمييز بين أنواع البدعة، فمنها البدعة الحسنة، والبدعة السيئة، وأن هذا التوسل من البدعة الحسنة (٤) .

стр. 438

المطلب الثاني مناقشة الدعوى يستمر المناوئون لابن تيمية ﵀ في كيل الدعاوى عليه بدون نقد ولا تمحيص، فيقوّلونه ما لم يقل، ويبحثون عن الأدلة الصحيحة فيصرفون دلالتها عن ما هي عليه، ويستدلون بالأحاديث الضعيفة، والقصص، والحكايات المكذوبة، نصرة للبدعة، وحرباً للسنة وأهلها. وقد ظن المناوئون لابن تيمية ﵀ حين يزعمون أنه أول من منع التوسل بالنبي بعد وفاته أنهم قد قدحوا فيه، ورموه بالعظائم، ولم يعلموا أن هذه شهادة له بحسن المعتقد، وقوة البصيرة في الدين، وإن كان هناك قدح فهو في القرون السبعة السابقة التي رميت وافتري عليها بأنها تقول بجواز التوسل بالنبي بعد موته، وهي لم تقل. ولهذا يعجب ابن تيمية ﵀ حين يناظره مخالفوه، ويعرضون عليه مسائل عدة، يرون أنه خالف الإجماع فيها فيقول: (أن لفظ (كم) يقتضي التكثير، وهذا يوجب كثرة المسائل، التي خرق المجيب فيها الإجماع) (١) . ثم يبين عدم خرقه الإجماع بقوله: (والذين هم أعلم من هذا المعترض، وأكثر اطلاعاً اجتهدوا في ذلك غاية الاجتهاد، فلم يظفروا بمسألة واحدة خرق فيها الإجماع، بل غايتهم أن يظنوا في المسألة أنه خرق فيها الإجماع، كما ظنه بعضهم في مسألة الحلف بالطلاق، وكان فيها من النزاع نقلا، ومن الاستدلال فقهاً وحديثاً ما لم يطلع عليه) (٢) .

стр. 439

ثم ذكر: (أن المجيب - ولله الحمد - لم يقل قط في مسألة إلا بقول سبقه إليه العلماء) (١) . وأما التوسل بالرسول ﷺ قبل خلقه فهذا من عجائب المبتدعة التي يقذفون بها على العامة، فيصدقهم من يصدقهم، ويعصم الله أهل السنة فيبعدهم عنها، ويكشف لهم كذبها وزيفها، وهذا من حفظه لهم . وعمدة القائلين بالتوسل بالرسول ﷺ قبل وجوده على أحاديث، وقصص وحكايات عن الأنبياء السابقين، وأنهم يتوسلون بمحمد ﷺ ، وهي كلها كذب، لا يصح منها شيء ألبتة، يقول ابن تيمية ﵀: (وهذه القصص التي يذكر فيها التوسل عن الأنبياء بنبينا ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة، وإنما تذكر مرسلة، كما تذكر الإسرائيليات التي تروى عمن لا يعرف) (٢) . وأما توسل آدم بنبينا محمد ﷺ قبل خلقه: فهو حديث ضعيف سنداً ومتناً. أما السند ففيه: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؛ وهذا مجمع على ضعفه: قال يحيى بن معين (ت - ٢٣٣هـ) : بنو زيد بن أسلم ليسوا بشيء (٣) . وقال أبو زرعة (ت - ٢٦٤هـ) : ضعيف الحديث (٤) . وقال النسائي (ت - ٣٠٣هـ) : ضعيف (٥) .

стр. 440

وضعفه على بن المديني (١) جداً (٢) . وقال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) : (كان يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته.. فاستحق الترك) (٣) . وقال البيهقي (ت - ٣٥٨هـ) : (تفرد به عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من هذا الوجه عنه وهو ضعيف) (٤) . وقال الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) : ضعفوه (٥) . وقال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) : ضعيف (٦) . وأما عن إخراج الحاكم (٧) لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وتصحيحه الإسناد (٨) ، فهذا له وقفات: ١ - أن تصحيح الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) ، وتفرده به لا يعتد به، قال فيه ابن تيمية في نقده إخراجه هذا الحديث في مستدركه: (وأما تصحيح الحاكم لمثل هذا الحديث وأمثاله، فهذا مما أنكره عليه أئمة العلم بالحديث، وقالوا: إن الحاكم يصحح أحاديث، وهي موضوعه مكذوبة عند أهل المعرفة بالحديث) (٩) .

стр. 441

وذكر أمثلة لتصحيحه بعض الأحاديث وهي غير صحيحة ثم قال: (ولهذا كان أهل العلم بالحديث لا يعتمدون على مجرد تصحيح الحاكم، وإن كان غالب ما يصححه فهو صحيح، لكن هو في المصححين بمنزلة الثقة الذي يكثر غلطه، وإن كان الصواب أغلب عليه، وليس فيمن يصحح الحديث أضعف من تصحيحه) (١) . ٢ - أخرج الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) في مستدركه حديثاً لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ولم يصحح إسناده، وإنما قال: (الشيخان ﵄ لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم) (٢) ، وهذا تناقض. ٣ - أن الإمام الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) ﵀ لم يوافق الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) في تصحيحه هذا الإسناد، وإنما قال في تلخيص المستدرك: (بل موضوع، وعبد الرحمن واه) (٣) . وهناك علة ثانية في السند: وهي الجهالة، فالسند فيهم من لم يعرف، كما قال الهيثمي (٤) : (فيه من لم أعرفهم) (٥) . وفي السند: عبد الله بن مسلم الفهري: فقد ذكر الذهبي (ت - ٧٤٨هـ) في ترجمته هذا الحديث ووصفه بأنه: (خبر باطل) (٦) ، ووافقه ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) (٧) .

стр. 442

وهناك - أيضاً - علة ثالثة في السند: وهي اضطراب عبد الرحمن، ومن دونه في إسناده، فتارة يروونه مرفوعاً، وتارة موقوفاً على عمر (ت - ٢٣هـ) عن عبد الله بن إسماعيل بن أبي مريم، وعبد الله هذا لا يعرف (١) . وأما المتن: فعليه ملحوظتان: الأولى: أن ظاهر الحديث ينص على أن مغفرة الخطيئة كانت بسبب توسل آدم بنبينا محمد ﷺ ، وهذا مخالف لنص القرآن الكريم، إذ المغفرة كانت بسبب الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، قال : ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] ، وقيل: إن الكلمات هي ما ذكر في قوله تعالى: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣] . قال ابن تيمية ﵀: (أخبر أنه تاب عليه بالكلمات التي تلقاها منه، وقد قال تعالى: ﴿ ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا﴾ [الأعراف: ٢٣] الآية) (٢) . الثانية: أن الحديث فيه زيادة: (ولولا محمد ما خلقتك) وهذه الزيادة تخالف القرآن الكريم، حيث نص على أن الحكمة من خلق الجن الإنس هي عبادة الله وحده، كما قال سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] . وبعد هذا: فإن توسل آدم بمحمد - عليهما الصلاة والسلام - ليس بصحيح، والحديث مكذوب، لا يصح الاحتجاج به، كما قال ذلك ابن تيمية ﵀ (٣) . وأما الحال الثاني: وهو التوسل بالرسول ﷺ في حياته: فالمراد به

стр. 443

التوسل بدعاء الرسول ﷺ لا بذاته، وكان هذا هو المفهوم الصحيح لكلام الصحابة - رضوان الله عليهم - في معنى التوسل بالرسول ﷺ : أنه توسل بدعائه لا بذاته، كما قال ابن تيمية ﵀: (وأما التوسل بالنبي ﷺ ، والتوجه به في كلام الصحابة فيريدون به التوسل بدعائه وشفاعته) (١) . والسبب في خلط بعض المتأخرين، وعدم معرفتهم مقاصد ألفاظ الصحابة: أن لفظ التوسل دخل فيه من تغيير لغة الرسول ﷺ وأصحابه، ما أوجب غلط من غلط عليهم في دينهم ولغتهم. والعلم يحتاج إلى نقل مصدّق، ونظر محقق، والمنقول عن السلف والعلماء يحتاج إلى معرفة بثبوت لفظه، ومعرفة دلالته، كما يحتاج إلى ذلك المنقول عن الله ورسوله ﷺ (٢) . وقد كان الصحابة - رضوان الله عليهم - يطلبون من الرسول ﷺ في حياته أن يدعو للمسلمين إذا نزل بهم بلاء عام، أو فاقة، كطلبهم منه ﷺ أن يستسقي لهم، ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: (وكانوا في حياته إذا أجدبوا توسلوا بنبيهم ﷺ ، توسلوا بدعائه، وطلبوا منه أن يستسقي لهم) (٣) . ثم ذكر حديث ابن عمر (ت - ٧٢هـ) ﵄ وهو قوله: (ربما ذكرت قول الشاعر وأنا انظر إلى وجه الرسول ﷺ : وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى، عصمة للأرامل ورسول الله ﷺ يستسقي على المنبر، فما نزل حتى يجيش له ميزاب) (٤) .

стр. 444

وأما المنع من التوسل بالذات فسببه: أن الذات ليست سبباً ولا وسيلة لإجابة الدعاء، فتوسلنا بها لا ينفع؛ لأنها ليست وسيلة مشروعة لإجابته، يقول ابن تيمية ﵀: (وأما إذا لم نتوسل إليه - سبحانه - بدعائهم ولا بأعمالنا، ولكن توسلنا بنفس ذواتهم: لم تكن ذواتهم سبباً يقتضي إجابة دعائنا، فكنا متوسلين بغير وسيلة، ولهذا لم يكن هذا منقولاً عن النبي ﷺ نقلاً صحيحاً، ولا مشهوراً عن السلف) (١) . وأما حديث الضرير: فهو حديث صحيح (٢) ، لكن النقاش في دلالة الحديث: فليس فيه ما يريدون تقريره من جواز التوسل بجاه الموتى وذواتهم، وذلك يتضح بأمور منها: ١ - أن الحديث فيه التوسل بدعاء النبي ﷺ في حياته، ذلك أن الأعمى جاء إلى النبي ﷺ ، وطلب منه الدعاء بقوله: (ادع الله أن يعافيني) ، فطلب الأعمى هو دعاء الرسول له؛ لأنه يعلم أن دعاء الرسول ﷺ أرجى للقبول. ٢ - أن النبي ﷺ فهم من الأعمى أنه يطلب الدعاء، ولذا خيره بين أن يدعو له، أو أن يصبر، فاختار الدعاء، خلافاً للمرأة التي بها مس، فخيرها النبي ﷺ بين أن يدعو لها، أو أن تصبر: (إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت لك. فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف) (٣) . ٣ - أن الأعمى أصر على طلبه وقال: (بل ادع) وهذا ما يؤكد أنه توسل بدعاء الرسول ﷺ في حياته.

стр. 445

٤ - أنه لو كان توسل الأعمى بجاه النبي ﷺ ، أو بذاته، لما احتاج أن يأتي النبي ﷺ ، ويطلب منه الدعاء، بل كان يكفيه أن يبقى في بيته، ويتوسل إلى الله بذات النبي وجاهه، لكنه لم يفعل، فدل على أنه طلب دعاء النبي ﷺ . ٥ - أن قوله: (فشفعه فيّ) معناه: اقبل دعاءه في، ولا يصح أن يحمل على التوسل بالذات، أو الجاه، أو الحق. قال ابن تيمية ﵀: (وحديث الأعمى لا حجة لهم فيه، فإنه صريح في أنه إنما توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته، وهو طلب من النبي ﷺ الدعاء وقد أمره النبي ﷺ أن يقول: (اللهم شفعه فيّ) ، ولهذا رد الله عليه بصره لما دعا له النبي ﷺ (١) . ٦ - أن معنى قوله: (وشفعني فيه) : أي أقبل شفاعتي ودعائي، وهذه الجملة من الحديث لا يستطيع المبتدعة أن يجيبوا عنها، مع أنها ثابتة صحيحة كما ذكر ذلك ابن تيمية ﵀ (٢) . ٧ - أن هذا الحديث آية من آيات النبي ومعجزة من معجزاته ﷺ ، ولذا رواه البيهقي (ت - ٤٥٨هـ) في دلائل النبوة (٣) ، كما قال ابن تيمية ﵀: (هذا الحديث ذكره العلماء في معجزات النبي ﷺ ودعائه المستجاب، وما أظهر الله ببركة دعائه من الخوارق، والإبراء من العاهات، فإنه ﷺ ببركة دعائه لهذا الأعمى أعاد الله عليه بصره) (٤) . ٨ - أنه لو كان توسل الأعمى بذات الرسول ﷺ وجاهه، وحقه، لا بدعائه،

стр. 446

لكان كل أعمى من الصحابة، ومن بعدهم، إلى هذا الزمان، يتوسل إلى الله بذات النبي ﷺ ، وجاهه، وحقه عند الله، ولن يبقى بعد ذلك أعمى. كما قال ابن تيمية ﵀: (لو كان أعمى (١) توسل به، ولم يدع له الرسول بمنزلة ذلك الأعمى، لكان عميان الصحابة، أو بعضهم يفعلون مثل ما فعل الأعمى) (٢) . وقال: (ولو أن كل أعمى دعا بدعاء ذلك الأعمى، وفعل كما فعل من الوضوء والصلاة بعد موت النبي ﷺ وإلى زماننا هذا لم يوجد على وجه الأرض أعمى) (٣) . وفي الجملة: فإن الذي يرى أن توسل الأعمى بالرسول المقصود به دعاء الرسول فهو الموافق لمعنى الحديث، وهو العامل به على الحقيقة، كما يقول ابن تيمية ﵀: (فإنا بالحديث عاملون، وله موافقون، وبه عالمون، والحديث ليس فيه إلا أنه طلب حاجته من الله ، ولم يطلبها من مخلوق، ونحن إلى الله - تعالى - نرغب، وإياه نسأل، فهو المدعو المسؤول، كما أنه المعبود المستعان لا نشرك به شيئاً (٤) ، وقد قال - تعالى -: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر: ١٥] . وأما الحال الثالث: وهو التوسل به ﷺ وهو في قبره في الحياة البرزخية، - أي بعد مماته - فلم يكن أحد من الصحابة يتوسل به بعد موته ﷺ ، ولم ينقل هذا عن أحد من الأئمة نقلاً صحيحاً، كما صرح بهذا ابن تيمية ﵀ مراراً (٥) .

стр. 447

وأما قصة أم علي بن أبي طالب ﵁، فهي ضعيفة، وعلتها: روح بن صلاح، وفيه ضعف. قال ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) : (في بعض حديثه نكرة) (١) . وقال الدارقطني (ت - ٣٨٥هـ) : (ضعيف الحديث) (٢) . وقال ابن ماكولا (٣) : (ضعفوه) (٤) . وذكر الذهبي (ت - ٦٤٨هـ) أن ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) ضعفه (٥) . وقال أبو نعيم (٦) : (لم نكتبه إلا من حديث روح بن صلاح تفرد به) (٧) . وقال الهيثمي (ت - ٨٠٧هـ) : (فيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح) (٨) . وأما توثيق ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) ، والحاكم (ت - ٤٠٥هـ) له، وانفرادهما بهذا التوثيق فليس بحجة، وقد بينت سابقاً موقف أهل العلم من تفرد الحاكم (ت - ٤٠٥هـ) بالتوثيق، وأما ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) فهو متساهل أيضاً في التوثيق، فتراه

стр. 448

يوثق المجاهيل، حتى الذين يصرح هو نفسه أنه لا يدري من هو ولا من أبوه؟ (١) . ولذا فإن تفردهما بالتوثيق لا يقبل أمام جرح غيرهما، حتى وإن كان جرح غيرهما مبهماً (٢) وأما حديث عائشة بنت الصديق (ت - ٥٨هـ) ﵂ وعن أبيها - فهو ضعيف لا يحتج به (٣) ، لأمور منها: أ - ضعف السند ففيه سعيد بن زيد، وهو لا يحتج به، فكان يحيى بن سعيد (٤) يضعف حديث سعيد جداً (٥) . وقال النسائي (ت - ٣٠٣هـ) وغيره: ليس بالقوي (٦) . وقال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) : (كان صدوقاً حافظاً، ممن كان يخطىء في الأخبار، ويهم في الآثار حتى لا يحتج به إذا انفرد) (٧) . وقال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) : (صدوق له أوهام) (٨) . وفيه محمد بن الفضل أبو النعمان، ويقال له عارم، وهذا صدوق اختلط في آخر عمره، وتغير فلا يدري ما يحدث به، فوقعت المناكير الكثيرة في روايته، وإذا لم يعلم التمييز بين سماع المتقدمين والمتأخرين منه: يترك الكل، ولا يحتج بشيء منه (٩) .

стр. 449

قال ابن حجر (ت - ٨٥٢هـ) : (ثقة ثبت تغير في آخر عمره) (١) . ب - أن هذا الحديث موقوف، وليس بمرفوع إلى النبي ﷺ ، وعلى فرض صحته فإنه رأي اجتهادي من عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ قد خالف السنة، وخالف أقوال الصحابة، وقد بين ابن تيمية ﵀ الموقف من اجتهادات الصحابة إذا لم يخالف الصحابي غيره، أو إذا لم يشتهر، أو لم يعرف هل خالفه غيره أم لا؟ ثم قال: (ومتى كانت السنة تدل على خلافه كانت الحجة في سنة رسول الله ﷺ لا فيما يخالفها بلا ريب عند أهل العلم) (٢) . جـ - أن هذا الحديث فيه مغالطة علمية وفيه مخالفة للواقع المحسوس: فليس في حجرة عائشة (ت - ٥٨هـ) ﵂ في حياتها كوة، بل كان بعضه باقياً، كما كان على عهد النبي ﷺ بعضه مسقوف، وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه، ولم توضع الكوة في حجرتها إلا بعد أن أدخلت الحجر في المسجد زمن الوليد بن عبد الملك (ت - ٩٦هـ) ، لينزل منها من ينزل إذا احتيج إلى ذلك؛ لأجل تنظيف وغيره (٣) . وأما قصة الأعرابي الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ : فهذه إسنادها مظلم، وبعضهم يرويها بسند، وبعضهم بغير سند، وإسنادها فيه: الحسن بن محمد. قال ابن حبان (ت - ٣٥٤هـ) : (لا يجوز الاحتجاج به، ولا الرواية عنه بحال) (٤) . قال عنه ابن عدي (ت - ٣٦٥هـ) : (كل أحاديثه مناكير) (٥) .

стр. 450

وقال ابن عبد الهادي (ت - ٧٤٤هـ) عن إسناد هذه القصة: (ليست هذه الحكاية المنكورة عن الأعرابي مما يقوم به حجة، وإسنادها مظلم مختلف، ولفظها مختلف أيضاً) (١) ، ففي سندها ومتنها اضطراب. ولو كان عمل هذا الأعرابي عند قبر النبي ﷺ مشروعاً لسبقه إليه من كان إلى الخير أسبق، وإلى السنة أوفق من الصحابة والتابعين، لكنهم لم يعملوا هذا العمل، ولم يدلهم إليه الرسول ﷺ فدل على أن هذا العمل باطل لا تقوم به حجة، ولا يعمل مثل هذا العمل المبتدع إلا من ضعف إيمانه أو من جهل قدر الرسول ﷺ وأمره (٢) . وأما الحال الرابع: وهو التوسل بالرسول ﷺ في عرصات القيامة ليشفع للناس: فإن أريد بالتوسل بالرسول ﷺ طلب الشفاعة منه يوم المحشر الشفاعة العظمى (٣) ، فهذا مما أجمع عليه المسلمون، كما قال ابن تيمية ﵀: (أجمع المسلمون على أن النبي ﷺ يشفع للخلق يوم القيامة، بعد أن يسأله الناس ذلك وبعد أن يأذن الله له في الشفاعة) (٤) ، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وقال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . وقال ﵀: (من شك في شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة فهو مبتدع ضال) (٥) . وأما إلزام من لم ير التوسل بالرسول ﷺ بعد وفاته بأنه لا يرى أنه رسول الآن، وأنه ليس له جاه، فهذا إلزام باطل، وتصوره كافٍ في الرد عليه؛ لأنه قام على أساس باطل وهو مشروعية التوسل بالرسول ﷺ بعد وفاته، والمشروعية حكم شرعي يحتاج إلى دليل، والدليل يدل على خلاف ذلك، إذ

стр. 451

أنه يدل على أن التوسل بالنبي بدعة غير مشروعة، وبهذا يبطل الإلزام. ثم إن الدليل والميزان على قبول رسالة محمد ﷺ بعد وفاته كما هو الحال في حياته يكون باتباعه وطاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع، فهو ﷺ رسول، وإثبات رسالته يكون بهذه الأمور، لا بالأمور المبتدعة، وهو الدليل على محبة الله - تعالى - كما قال - تعالى - ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . وأما مسألة جاه الرسول ﷺ : فهو وجيه عند الله وهو أفضل الخلق، وجاهه ثابت لا يتغير بإحداث عبادة لا يرضاها الله ورسوله أو تركها، فهو - بأبي وأمي - أفضل الخلق على الإطلاق، ولا يؤثر في جاهه ﷺ عند ربه فعل ما يغضبه ولم يأمر به من التوسل به بعد موته، ولا يزيد جاهه عند الله بطاعة الطائعين، ولا ينقص بمعصية العاصين، فربط عمل البدعة المحدثة بتقدير الرسول ﷺ ومعرفة جاهه، وربط ترك البدعة - اتباعاً للسنة - بتنقيص الرسول ﷺ ، وجحده حقه وجاهه: ربطٌ لا أساس له من شرع صحيح، ولا عقل صريح والله المستعان. وأما من زعم بأن التوسل بالرسول ﷺ بعد موته بدعة حسنة؛ فقد ضل الطريق، ولم يهتد إليه سبيلاً، فليس هناك بدعة في الدين حسنة، بل البدع كلها ضلال كما قال المصطفى ﷺ : «كل بدعة ضلالة» (١) . قال ابن تيمية ﵀: (من قال في بعض البدع إنها بدعة حسنة، فإنما ذلك إذا قام دليل شرعي على أنها مستحبة. أما ما ليس بمستحب ولا واجب فلا يقول أحد من المسلمين: إنها من الحسنات التي يتقرب بها إلى الله، ومن تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان، وسبيله من سبل الشيطان) (٢) .

стр. 452

المبحث الرابع دعوى بغض شيخ الإسلام الأنبياء والصالحين، وإهانته لهم، ومناقشتها المطلب الأول دعوى بغض شيخ الإسلام الأنبياء والصالحين، وإهانته لهم يعتقد المناوئون لابن تيمية ﵀ أنه يبغض الأنبياء والصالحين، وأن في قلبه ضغينة وحقداً عليهم، وإذا سئلوا عن سبب هذه النظرة منهم إليه، وعن مبرراتها؟. أجابوا: بأن الاستشفاع بالرسول ﷺ بعد موته جائز، وأنه لا يلزم من الاستشفاع به ﵊ بعد موته أن يكون المستشفع قد عبده من دون الله، أو اتخذه إلهاً ورباً، وشريكاً لله في الإلهية، وأن من جعل بين هذين الأمرين تلازماً فقد أُتي من جهله، وسوء فهمه، وعدم تعقله (١) . ويرون أن الاستشفاع بالأموات قد أقرت به القرون الأولى إلى أن جاء ابن تيمية ﵀ ثم حرمه بعد ذلك من عند نفسه (٢) . وأجابوا - أيضاً - بأن التبرك بآثار الصالحين جائز، قد أقر به الصحابة في

стр. 453

عهد رسول الله ﷺ ، ومن بعدهم، إلا أن ابن تيمية ﵀ يحرم هذا النوع من التبرك (١) . ومن تبريرهم لبغض شيخ الإسلام ﵀ للأنبياء والصالحين: أنه ينكر الاستغاثة بالرسول ﷺ ، كما قال السبكي (ت - ٧٥٦هـ) : (اعلم أنه يجوز، ويحسن التوسل، والاستغاثة، والتشفع بالنبي ﷺ إلى ربه ... ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء) (٢) . وقال ابن حجر الهيتمي (ت - ٩٧٣هـ) : (من خرافات ابن تيمية التي لم يقلها عالم قبله، وصار بها بين أهل الإسلام مُثلة: أنه أنكر الاستغاثة والتوسل به ﷺ (٣) . ويرون أن الاستغاثة بمخلوق لا تكون عبادة له إذا صاحبها إيمان بالله وحده. فإذا كان المستغيث بمخلوق مؤمناً بالله، فلا يكون عابداً لهذا المخلوق، إنما عبوديته لله وحده (٤) . ويرون أن المنع من الاستغاثة بالكلية مصادم للأحاديث الصحيحة، ولفعل السلف والخلف (٥) ، وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] .

стр. 454

ويستشهدون لجواز الاستغاثة بالرسول ﷺ بقصص، وأخبار وأشعار (١) ، أشهرها قصيدة البوصيري (٢) ، وفيها قوله: يا أكرم الرسل مالي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تحلّى باسم منتقم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم (٣) ومنها قوله - أيضاً - في همزيته: الأمان الأمان إن فؤادي ... من ذنوب أتيتهن هواء قد تمسكت من ودادك بالحبـ ... * ل الذي استمسك به الشفعاء فأغثنا يا من هو الغوث والغيـ ... ث إذا أجهد الورى اللأواء (٤)

стр. 455

المطلب الثاني مناقشة الدعوى لا يزال المناوئون يفترون على ابن تيمية الكذب، ويلصقون به أشد التهم ظلماً وعدواناً، وقد تحدثت مراراً عن تعظيم ابن تيمية ﵀ للأنبياء، ومحبته لهم في مواضع متعددة، وها هو ﵀ ينقل - مرتضياً - عن القاضي عياض (ت - ٥٤٤هـ) عن مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ أنه كان لا يحدث بحديث عن رسول الله ﷺ إلا وهو على وضوء إجلالاً له. وقد سئل مالك (ت - ١٧٩هـ) ﵀ عن أيوب السختياني (١) فقال: (حج حجتين فكنت أرمقه، ولا أسمع منه، غير أنه كان إذا ذكر النبي ﷺ بكى حتى أرحمه، فلما رأيت منه ما رأيت كتبت عنه) . وقال مالك (ت - ١٧٩هـ) - أيضاً -: (كنت أرى جعفر بن محمد (٢) وكان كثير الدعابة والتبسم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ اصفر، وما رأيته يحدث عن رسول الله ﷺ إلا على طهارة، قال: ولقد رأيت عبد الرحمن بن القاسم (٣) ،

стр. 456

يذكر النبي ﷺ ، فينظر إلى لونه كأنه نزف منه الدم، وقد جف لسانه في فمه هيبة منه لرسول الله ﷺ . وقال: ولقد رأيت الزهري (١) وكان من أهنأ الناس وأقربهم، فإذا ذكر عنده النبي ﷺ فكأنه ما عرفك، ولا عرفته (٢) . وأما موقف ابن تيمية ﵀ من الصحابة فهو موقف التعظيم والتقدير، فيعتقد أن محبتهم من الإيمان، ويعتقد أنهم خيار المؤمنين فقال: (وأصحاب رسول ﷺ خيار المؤمنين، كما ثبت عنه أنه قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٣) ، وكل من رأى رسول الله ﷺ مؤمناً به فله من الصحبة بقدر ذلك) (٤) . ويعتقد أنهم أكمل الناس عقلاً، وأصحهم معرفة وعلما، فقال: (فهل سُمع في الأولين والآخرين بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بقوم كانوا أتم عقولاً، وأكمل أذهاناً، وأصح معرفة، وأحسن علماً من هؤلاء؟ - أي الصحابة -) (٥) ، وسأتحدث عن موقفه من الصحابة بشيء من التفصيل في الفصل القادم - إن شاء الله -. ومن جهة أخرى: فقد حذر القرآن عن اتخاذ أولياء من دون الله بإعطائهم منزلة مثل منزلة الباري في صرف بعض أنواع العبادة لهم كالاستغاثة، والدعاء وغيرهما، فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ

стр. 457

أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] ، وقال : ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] ، وقال سبحانه: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤] . وأما دعوى المناوئين أن الاستشفاع بالموتى، أو التبرك بآثارهم، أو الاستغاثة بهم دليلٌ على محبتهم، وأن من لم يفعل ذلك فليس محباً لهم: فهذه الدعوى باطلة والتلازم باطل، فلم يأمر الله به، ولا أمر به رسوله ﷺ ، ولا فعله الصحابة الكرام، وإنما ضابط المحبة هو الاتباع والتأسي، كما قال الله : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣١] وقال - سبحانه -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٢١] . وأما الاستشفاع: وهو طلب الشفاعة: فهذا له أحوال: الحال الأولى: طلب الشفاعة من الشخص، وهو حي قادر، فهذه شفاعة جائزة، والشافع يشفع بحكم جاهه ومنزلته عند المشفِّع، كما قال الله : ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] ، والشافع سائل لا تجب طاعته، وإن كان عظيماً كما صح عن النبي ﷺ أنه سأل بريرة (١) أن تمسك زوجها، ولا تفارقه لما أعتقت، وخيرها النبي ﷺ فاختارت فراقه، وكان زوجها يحبها، فجعل يبكي، فسألها النبي ﷺ أن تمسكه، فقالت: أتأمرني؟، قال: «لا إنما أنا شافع» (٢) ، فدل على جوازها، ولو لم تكن جائزة لم يعملها النبي ﷺ .

стр. 458

وحقيقة الاستشفاع بالشخص: الاستشفاع بدعائه، كما في حديث الأعمى حين علمه الرسول ﷺ أن يقول: (اللهم فشفعه فيّ) أي اقبل دعاءه. قال ابن تيمية ﵀ (معنى الاستشفاع بالشخص - في كلام النبي ﷺ وأصحابه - هو استشفاع بدعائه، وشفاعته ليس هو السؤال بذاته، فإنه لو كان هذا السؤال بذاته لكان سؤال الخلق بالله تعالى أولى من سؤال الله بالخلق) (١) . أما طلب الشفاعة من غير القادر فهذا عبث، وأما طلبها من الحي الغائب فهذا مرتبط بالحال الثانية وهي طلبها من الميت. الحال الثانية: طلب الشفاعة من الميت: فهذه محرمة باطلة، ولا يوجد نص عن أي نبي من الأنبياء أنه أمر بالاستشفاع به بعد موته (٢) . ومخاطبة الميت - أيا كان نبياً أو ولياً - وطلب الشفاعة منه لا تجوز، قال ابن تيمية ﵀: (إن دعاءهم - أي الأنبياء والصالحين -، وطلب الشفاعة منهم في هذه الحال - أي بعد موتهم - يفضي إلى الشرك بهم، ففيه هذه المفسدة، فلو قدر أن فيه مصلحة لكانت هذه المفسدة راجحة، فكيف ولا مصلحة فيه) (٣) . وطلب الدعاء والشفاعة من الموتى، والغائبين هو أصل الشرك، وهذه هي صورة اتخاذ المشركين شفعاء من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٩٤] ، وقال: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ

стр. 459

دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٨] . وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٢ - ٢٣] . ومن المعلوم في بداهة العقل أن الاستشفاع بأحد يلزم منه علم الشافع بهذه الشفاعة، والميت إذا استشفع به فإنه لا يعلم بهذه الشفاعة بحكم موته، وعليه فإن الشفاعة باطلة من أساسها، يقول ابن تيمية ﵀: (يقولون لمن توسل في دعائه بنبي أو غيره: قد تشفع به، من غير أن يكون المستشفع به شفع له ولا دعا له، بل وقد يكون غائباً لم يسمع كلامه، ولا شفع له ... وأما الاستشفاع بمن لم يشفع للسائل، ولا طلب له حاجة، بل وقد لا يعلم بسؤاله، فليس هذا استشفاعاً لا في اللغة، ولا في كلام من يدري ما يقول) (١) . الحال الثالثة: طلب الشفاعة يوم القيامة: وهذه جائزة إذا توافرت فيها شروط قبول الشفاعة وهي: ١ - إذن الله للشافع أن يشفع، كما قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] . ٢ - رضى الله عن المشفوع له، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨] ، وقد جمع الله هذين الشرطين في قوله - تعالى -: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦] .

стр. 460

٣ - إسلام المشفوع له، كما قال تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ﴾ [غافر: ١٨] (١) . ٤ - قدرة الشافع على الشفاعة، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: ١٨] ، وقال: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦] . هذه هي شروط الشفاعة المثبتة، وأما الشفاعة المنفية فهي التي يتخلف عنها أحد شروط الشفاعة المثبتة، أو كل شروطها، فعلى سبيل المثال: لو توافرت جميع شروط الشفاعة إلا إذن الله للشافع أن يشفع لما صحت الشفاعة، ولما قبلت، فلا تكون شفاعة الشافعين مقبولة إلا إذا كانت بإذن الله ، وما وقع بغير إذنه لم يقبل، ولم ينفع، وإن كان الشفيع عظيماً (٢) . وفي حديث الشفاعة العظمى الطويل ما يدل على شرط الإذن لقبول الشفاعة وفيه: «فانطلق، فاستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن يلهمنيها الله، ثم أخر ساجداً، فيقول: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» (٣) . ومثال ذلك أيضاً: وجوب إسلام المشفوع له، فلا تنفع الشفاعة الكفار
следующие страницы →